«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288
مدرسة أهل البيت(علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثامنة: العدد الثلاثون1395هجرية شمسية1437 هجرية قمريةمديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 1
هل النبوة لم تختم؟!
يقول الشيخ حسن زادة الاملي حول النبوة:
إنّ في "النبوة العامة" إنباء وإخبار عن المعارف الإلهية، يعني أنّ الوليّ في مقام الفناء في الله يطلع علی الحقائق والمعارف الإلهية، وإذا رجع من ذلك البستان يخبر وينبئ عن تلك الحقائق. وحيث إنّ هذا المعنی يكون حاصلا لجميع الأولياء ولا اختصاص له بنبي و رسول تشريعي يعبر عنه في لسان أهل الولاية بالنبوة العامة و سائر الأسماء المذكورة.(1)و يستدل لإثبات عمومية هذا المقام المختص بالأنبياء لكل شخص بقول النبي صلی الله عليه وآله وسلم خطابا لوليه القائم بأمره ووصيه المرتضی من نفسه بل الذي هو نفسه:
إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إلاّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِير.(2)
ص: 2
پس به هر دوری وليی قائم است
تا قيامت آزمايش دائم است
پس امام حی قائم آن ولی است
خواه از نسل عمر خواه از علی است
يعني: إنّ في كل دور و زمان يوجد ولي قائم؛ و الاختبار إلی القيامة دائم؛ فالإمام الحي القائم هو ذاك الولي؛ سواء كان من نسل عمر أو من نسل علي.
اقول: لا يخفی ان هذه العقيدة مخالفة للضرورة من الدين كسائر اعتقادات الفلاسفة والعرفاء فلا تستحق الجواب .
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير و المشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت (علیهم السلام) لا غير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق و تعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة و التأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها و فائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)
في تفسير قوله تعالى : " في تفسير قوله تعالى : " طوبى لهم وحسن مآب " (1).
في غاية المرام : الثعلبي قال : أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن عثمان بن الحسن ، حدثنا محمد بن الحسين بن صالح ، قال : حدثنا علي بن محمد الدهان ، والحسين بن إبراهيم الجصاص ، قالا : حدثنا الحسين بن الحكم ، حدثنا حسن بن حسين ، عن حيان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : " طوبى لهم " قال : شجرة أصلها في دار علي عليه
ص: 4
السلام في الجنة ، وفي كل دار مؤمن منها غصن يقال له : طوبی ، و " حسن مآب " حسن المرجع(1) .
أيضا : الثعلبي ، عن أبي صالح ، أخبرنا عبد الله بن سواد ، حدثنا جندل بن والق النعماني ، حدثنا إسماعيل بن أمية القرشي ، عن داود بن عبد الجبار ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله :" طوبى لهم وحسن مآب " فقال : شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة ، فقيل له : يا رسول الله سألناك عنها فقلتشجرة في الجنة ، أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، فقال : إن داري ودار علي واحدة غدا في مكان واحد(2).
وعن محمد بن سيرين في قوله تعالى : " طوبى لهم " قال : هي شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن من أغصانها (3).
وقد روى الثعلبي في وصف شجرة طوبى خبرين:
ص: 5
الأول : قال روى معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلي والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء ستور الجنة ".
والثاني : قال عندر بن عمير : هي شجرة في جنة عدن ، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها ، لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها ، إلا السواد ، ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيهامنها ، ينبع من أصلها عينان : الكافور والسلسبيل - وبه قال مقاتل - كل ورقة تظل أمة عليها ملك يسبح بأنواع التسبيح(1).
هذا . وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، ولنذكر خبرين منها تيمنا .
الأول : ابن بابويه ، بإسناده عن أبي بصير ، قال : قال الصادق عليه السلام : طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا ولم يزغ قلبه بعد الهداية ، فقلت له : جعلت فداك وما طوبى ؟ قال : شجرة في الجنة ، أصلها في دار علي بن أبي طالب عليه السلام وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها ، وذلك قول الله عز وجل : " طوبى لهم وحسن مآب "(2).
ص: 6
والثاني : محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن لأهل الدين علامات يعرفون بها صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، ووفاء العهد ، وصلة الأرحام ، ورحمة الضعفاء ،وقلة المراقبة للنساء - أو قال : قلة المواتاة للنساء وبذل المعروف ، وحسن الخلق ، وسعة الحلم ، واتباع العلم فيما يقرب إلى الله زلفى طوبى لهم وحسن مآب ، وطوبى شجرة في الجنة ، أصلها في دار النبي صلى الله عليهوآله وسلم وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها ، لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك الغصن ، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه ، ولو أن غرابا طار من أسفلها ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ، ألا في هذا فارغبوا ، أن المؤمن من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة ، إذا جن عليه الليل افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه ، يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ، ألا فهكذا كونوا (1).
أقول : ويستفاد عن هذه الروايات الشريفة المفسرة للآية الكريمة المستفيضة من طريق العامة ، المتواترة من طريقنا ، أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سيد المؤمنين وخيرهم ، وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه
ص: 7
بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس أحد أقرب منه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم درجة ومنزلة .
توضيح ذلك : إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب السائل : إن داري ودار علي واحدة غدا في مكان واحد ، يدل على أن منزلته عليه السلام منه صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه الشريفة وهما في درجة واحدة عند الله تعالى شأنه ، كما أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها " ، كاشف عن أنه عليه السلام أفضل المؤمنين ، وسيدهم ، وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتبين المعنى الأول أيضا من آية " أنفسنا "(1)وخبر المنزلة ، وحديث المؤاخاة المتواترين من الجانبين ، ومنها يتبين المعنى الثاني أيضا ، ضرورة أن من كان بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخا له صلى الله عليه وآله وسلم يكون سيد المؤمنين ، وأفضلهم ، وخيرهم .ويدل عليه بالخصوص الروايات المتواترة عند الفريقين ، وقد ذكر – في غاية المرام من طريق العامة - في هذا الباب ما تجاوز عن خمسين حديثا(2) .
ص: 8
منها : ما رواه عن أبي المؤيد موفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم ، من أعيان علماء العامة في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بإسناده عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أنس اسكب لي وضوءا ثم قام فصلي ركعتين ، ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب : أمير المؤمنين وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، قال : قلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته إذ جاء علي عليه السلام : فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي عليه السلام ، فقام مستبشرا فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجه علي عن وجهه ، فقال علي : يا رسول الله لقد رأيتك صنعت أشياء ما صنعت بي من قبل ، قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي(1).بيان : المراد من خاتم(2)
الوصيين : خاتم أوصياء الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينافي مع أنه أول الأوصياء بالنسبة إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم
ص: 9
وبعد ما تبين لك أنه عليه السلام بمنزلة نفس النبي وأنه أفضل المؤمنين وسيدهم وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به ، لاستحالة أن يكون من هذا شأنه تحت بيعة من دونه من المؤمنين .
مناظرات حول المعاد
الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين
ص: 10
هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ نقد الفلسفة وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي و بهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي.
وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي.
المناظرة الثامنة
ص: 11
الأستاذ سيدان:
خلاصة ما تمّ بحثه هو هذا: طرح الآخوند ملاصدرا المعاد بعنوان المعاد الجسماني، ولكن أوضح في موارد اُخرى أنّ المراد من جسمانية المعاد ما هو؟ وما ذكروه من الجسمية ليس هو الجسم العنصري المركب من الأجزاء الوجودية لهذا العالم، وإنما هو صورة أبدعتها النفس.
و في مرحلة تالية تمّ بحث هذا الموضوع، وهو هل نظر المحدّثين والفقهاء بالنسبة للمعاد الجسماني هو ما قاله الآخوند [ملاصدرا] أم لا؟
وقيل في هذه المرحلة أيضا: ليس نظرهم كذلك، وإنّما يقصدون بالجسم الجسم العنصري المادي.
وانتهى البحث إلى مطلبين:1 - تفضّلتم في الجلسة السابقة أن للمرحوم الآخوند نظريتين: دقيقة و أدقّ.
الدقيقة: هي كلام المحدّثين والعلماء الآخرين.
والنظر الأدقّ: هو الموضوع الّذي طرحه في كثير من كتاباته.
ص: 12
والمتبادر إلى الذهن من هذا الموضوع، أنّه لو كان المقصود من هذا الكلام هو أنّ له طريقين لإثبات مدعى واحد، يعني له دليلان: أحدهما
ص: 13
دقيق؛ والآخر أدقّ، فلا إشكال في ذلك. ولكن المقصود ليس كذلك، بل هنا دعويان، وعلى هذا، فالقول بأنّ أحدهما دقيق والآخر أدقّ - يعني أن كليهما واقعي - ليس له مفهوم صحيح، يعني في مركز واحد، وتحت شرائط واحدة. أي أنّ المحشور في القيامة تتحقّق له واقعيتان متضادتان:
الف - إنّ المحشور في العالم الاخروي هو الجسم العنصري
ب - إنّ المحشور في العالم الاخروي هو الصورة الإبداعية.
فعلى هذا، إمّا أن نقول: هما نظرتان متضادّتان. أو أنّ النظر الثاني كاشف عن النظر الأوّل. بمعنى أنّ المختار واقعا هو النظر الثاني.
2 - استدلّ صدرالمتألهين بقسم من ظواهر الآيات والروايات لإثبات المعنى الأدقّ الّذي إختاره. فإنّ المستفاد منها هو أنّ العالم الاخروي صورة بلا مادة، وفي النتيجة تحشر الأبدان بهذا المعنى.
ونحن نقول: ليس فقط لا تدلّ الآيات والروايات على مدّعاه، وإنّما لا وجود للمناسبة بينهما، فمثلاً أكل الثمار (والظاهر هو أنّ لها حجما)، واللازم ان تكون للثمار مادة، و إن كانت مناسبة مع ذلك العالم.
ص: 14
وأمّا أنّ الجنّة والجحيم - الآن - لها إحاطة على الأفراد.
إذن، لابدّ من فرض صورة مثالية تحيط بها الجنّة والنّار، كما تدلّ على هذا الموضوع المكاشفات والمشاهدات. وهذا الموضوع أيضا لو دُقق فيه، فلا يمكن أن يثبت أنّ الإنسان المحشور في القيامة هو البدن
ص: 15
المثالي. وغاية الأمر هو أنّه لا نستطيع معرفة إحاطة الجنّة والنار، حتّى نقول شيئا باطمئنان.
فعلى هذا، لا نحصل على مطالب واضحة من الآيات والروايات تفيد وجهة نظر صدرالمتألهين، والّتي بواسطتها نتخلّى عن المطالب الّتي توصل إليها المحدّثون من مفاد الآيات والروايات الكثيرة. كما لا يوجد دليل عقلي ملزم في البين.
ولا يمكن التخلّي - بواسطة احتمال لصورة فرضية أمكن لها توجيه بعض الأدلة - عن ظواهر الآيات والروايات الكثيرة، وبيان الموضوع بصورة أمر اعتقادي جزمي.
ونرى نظير هذا الموضوع في مبحث الخلود، فقد توصل بعض الفضلاء في هذا البحث إلى نتيجة، وهي أنّ «القسر لا يدوم»، وبما أنّ حركة الجهنّميون حركة قسرية، فلابدّ من تبدّل طبيعتهم، ويعود العذاب عليهم عذبا.
ويقال: إنّ المشركين معذّبون في ابتداء الأمر، لأجل أن يحصروا الإله في معبودهم، ولكن بسبب أنّ معبودهم أيضا حق: «فما عبدوا إلاَّاللّه،
ص: 16
فرضى اللّه عنهم، ويبدّل اللّه عذابهم عذبا». ومن أجل هذا «القسر لا يدوم»، تخلّوا عن أدلة الخلود، وأخذوا في التوجيه والتأويل.
الأستاذ جوادي:
في هذه الإيضاحات طرحت ثلاثة مطالب:
ص: 17
1 - بيان نظريتي الآخوند الدقيقة والأدقّ.
2 - إثبات المسألة من وجهة نظر النصوص.
3 - مسألة الخلود.
بالنسبة إلى المطلب الأوّل، يقول الآخوند [صدرالمتألهين]: في مسألة المعاد أربعة مقامات:
«المقام الأوّل: أدناها في التصديق، وأسلمها عن الآفات، مرتبة عوام أهل الإسلام، وهو أنّ جميع أمور الآخرة من عذاب القبر والضغطة والمنكر والنكير والحيّات والعقارب وغيرها امور واقعة محسوسة من شأنها أن يحسّ بهذه الباصرة، لكن لا رخصة من اللّه في إحساس الإنسان مادام في الدنيا...».
ثمّ ينقل المقام الثاني ويبطله، ثم المقام الثالث، ثم بعد ذلك ينقل المقام الرابع عن الأكابر ويثبته.
ويُعلم من سير الكلام أنه يقبل المقام الأوّل، كما أنه يقبل المقام الرابع. وليس معنى النظرية أنه مطلب واحد نثبته من طريقين، وإنما هو طريق واحد طويل و ذو درجات. للإيمان والعلم درجات، كما أن
ص: 18
للمؤمنين درجات: «لَّهُمْ دَرَجَاتٌ»(1)، «يَرْفَعِ اللّه ُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوْتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ»(2).
ص: 19
وفي رواية سأل سعد بن سعد من الإمام الرضا عليه السلام عن التوحيد. فقال عليه السلام: «هو الّذي أنتم عليه»(1).
وفي رواية اُخرى عن هشام بن سالم: قال: دخلت على أبى عبداللّه عليه السلام فقال لي: «أتنعت اللّه»؟ فقلت: نعم. قال: هات. فقلت: هو السميع البصير. قال: «هذه صفة يشترك فيها المخلوقون». قلت: فكيف تنعته؟ فقال: «هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه». قال: فخرجت من عنده و أنا أعلم الناس بالتوحيد»(2).
هاتان الروايتان تشيران إلى درجتين: التوحيد؛ والإيمان بالتوحيد، والثانية أعلى مرتبة. في حين أنّ الأولى حق أيضا. «السير إلى اللّه» له درجات أيضا مثل «النزول من اللّه».
و بناءً على ذلك، فهما ليسا مطلبا واحدا، ولا طريقين لإثبات موضوع واحد. وإنّما درجتان لواقع واحد بسيط.
ص: 20
الأستاذ سيّدان:
بالنسبة إلى أنّهما نظرتان، فليس الأمر فيها هكذا فى كون مسيرة المعاد على مرحلتين:
الأولى في البرزخ؛ والثانية في القيامة بنحو آخر، وهذا معقول، إذ
ص: 21
ذُكرت نظرتان، وكلّ منهما مرتبطة بمرحلة معينة. والحال انّ المسألة هنا هي في أنّ الحشر الّذي يتحقّق في القيامة، هل يوجد شيء فيه من أجزاء البدن العنصري أم لا؟
فغير معقول وجود وجهتي نظر حق - مع فرض تضادهما - في موطن واحد وموقف واحد.
الأستاذ جوادي:
هذه الواقعية البعض فهمها ولو بمقدار قليل، وهذه هي المرحلة الأولى الّتي يقول عنها الآخوند [ملاصدرا]: «عليه جمهور المسلمين، وهو أسلم من الآفات». وهي أنّ المحشور هو هذا الجسم والبدن، بحيث أنه لو رأى مسلم تلك الحالات يقول: هذا ما كنت أقوله. فزيد بجميع أعضائه وجوارحه وخصوصيات أنامله. ولكن هناك أيضا مرحلة أدقّ، وهي في الحقيقة أنّ نتأمل هذا الجسم، يقول الآخوند [ملاصدرا] في هذه المرحلة: إنّه جسم خُلِقَ ب- «كُنْ فَيَكُونُ».
ص: 22
الأستاذ سيّدان:
كان الفرض سابقا هو المقايسة بين اثنين مسلك المحدّثين ومسلك
الآخوند [ملاصدرا]. وقلنا: إنّ مسلك الفقهاء والمحدثين - باعترافكم أنّ هناك أدلة كثيرة تؤيده - هو أنّ المحشور في المعاد هو البدن العنصري، ولكن الآخوند يقول: ليس هو البدن العنصري والجمع بين هذين المعنيين وبين أنّ كلاً منها له واقع، غايته أنّ أحدهما دقيق والآخر أدقّ،
ص: 23
هو جمع بين الضدّين، واستحالته من الأصول القطعية العقلية.
الأستاذ جوادي:
عندما يبيّن الآخوند [ملاصدرا] المسلك الأوّل لا يردّه، بخلاف المسلك الثاني والثالث. فيُعلم من ذلك أنّه يقبل المسلك الأوّل.
الأستاذ سيّدان:
نعم، يمكن أن يدّعى هو: إنّ جمهور المسلمين القائلين بالمعاد الجسماني، يقولون بجسم ولم يعينوا أنه الجسم العنصري، ولهذا فإنّ هذين المسلكين من قبيل المطلق والمقيد، ولا تنافي بينهما.
ولكن بعد أن قيل: إنّ المقصود من ظواهر الآيات والروايات - باعترافكم أنتم - هو الجسم العنصري، وقال به المحدّثون والفقهاء، حتّى بعض أهل الفنّ من قبيل المرحوم الآشتياني. و يقول به جمهور المسلمين أيضا ارتكازا، فلا معنى أن يكون كلا المسلكين حق.
ص: 24
الأستاذ جوادي:
أمّا بالنسبة إلى المطلب الثاني، يعني الأدلة من الكتاب والسنة على مسلك الآخوند، فظاهر أدلة كثيرة من الكتاب والسنة هو أنّ الجزاء ليس سوى العمل: «وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ»(1).
وفي دعاء الصحيفة: «وصارت الأعمال قلائد في الأعناق»(2).
وقال تعالى: «وَ جَعَلْنَا الأَغْلالَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُوْنَ»(3).
فمن ناحية، أنّ الجزاء الإلهي في القيامة منحصر بالنار، ومن ناحية اُخرى فإنّ الجنّة والنار موجودتان الآن، وكما جاء في رواية (عيون أخبار الرضا عليه السلام)، والّتي استشهد الإمام عليه السلام فيها بآية: «هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الُْمجْرِمُونَ»(4).
ص: 25
ومن جانب أنّ أهل الجنّة الآن متنعّمون بالجنّة، وأهل النار معذّبون في النار؛ لأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله شاهدهم، ولم يكن هذا خيالاً، وإنّما
كان واقعا. كما أنّ بعضا آخر كحارثة بن مالك رأى - كما جاء ذلك في رواية - أهل الجنّة والجحيم. وأنّ آية: «إِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيْطَةٌ بِالْكَافِرِيْنَ»(1)،
يُفهم منها هذا المعنى. وأيضا في الرواية الّتي اُشير إليها استشهد [الإمام ]الرضا عليه السلام بآية: «هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى ...»، المستفاد منها أنّ المجرمين في جهنم الآن.
وقد وصف اللّه سبحانه أهل الجنّة هكذا:
«إِنَّ الْمُتَّقِيْنَ فِى جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُّقْتَدِرٍ»(2).
وهذا إشارة إلى القسمين من الجنّة: الجسماني والروحاني، كما أنّ جهنم أيضا وصفت بهذين الوصفين:
نار جسمانية: «بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوْدَا غَيْرَهَا لِيَذُوْقُوا الْعَذَابَ»(3)
ص: 26
ونار روحية: «نَارُ اللّه ِ الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ»(1).
فإذا كان القرار أنّ المؤمن الآن في الجنّة، والكافر الآن في النار، فلابدّ أن يكون مرتبطا بالبدن المثالي لا البدن العنصري.
أمّا المطلب الثالث: فقد كان بالنسبة إلى الخلود، فإنّ البعض - استنادا إلى «القسر لا يدوم» - أنكر الخلود.
وقد أجاب عن هذا الكلام سيّدنا الأستاذ في كتابه (الميزان في تفسير القرآن)، وأثبت مسألة الخلود، ونكتفي بهذه الإيضاحات.
الأستاذ سيّدان:
تمام هذه الآيات والروايات لها أكثر من وجه، وتحتمل عدة احتمالات، ولا يمكن التمسك بوجه واحد، ثمّ اتخاذه وسيلة للتخلّي عن ظهور أو صراحة بقية الأدلة. ولا يمكن أن تكون الإحاطة الفعلية للنار دليلاً قطعيا على عدم ماديتها. وأمّا كون الجزاء هو عين العمل لا غير، فهذا أيضا ليس قطعيا.
ص: 27
ونصوص القرآن المجيد تتماشى والقول: بأنّ الجزاء المقرّر في نتيجة العمل، كما أنّه بالنسبة إلى الجنّة وقعت موقع القبول. فالمستفاد من الظواهر القريبة من النص، هو أنّ الجنّة والجحيم لهما وجودان مستقلان خارجيان، مع غض النظر عن العمل. طبعا لا يخلو العمل في كيفيته من التأثير، كما أنّ المجرمين يوجبون اشتعال ولهيب النار.
وأمّا الروايات الّتي تدل على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله رأى الجنّة والنار، فهي لا
تدلّ على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله رأى جميع أفراد أهل الجنّة وأهل النار، حتّى
نصدر حكما قطعيا بأنّ جميع المجرمين والمؤمنين هم الآن في الجنّة والنار. ولا يبعد أن تكون أشباحهم الّتي في المستقبل قد عُرضت على النبيّ صلى الله عليه و آله. فكما يمكن أن يكون حارثة رأى الجنّة والجحيم اللتين في
البرزخ. مضافا إلى أنّه يتبادر هذا السؤال، وهو: كيف يمكن وجود الجنّة والجحيم في مكان واحد، والّذي يُستفاد من الروايات أنّ كلاًّ من الجنّة والجحيم في مكان مستقل. والحال ان المدعى هو أنّ النفس الإنسانية تبتدع في العالم الاخروي صور مثالية.
ص: 28
وحتّى لو تجاوزنا عن كلّ ذلك، وقبلنا جميع هذه المقدّمات، فلا يمكن إثبات أنّ الحشر الإنساني في العالم الاخروي ليس بالأبدان العنصرية.
خلاصة الموضوع: نحن نحتاج إلى الدليل القاطع في الأمور الاعتقادية، حتّى يكون حجة بين الإنسان و ربّه. فهل نستطيع - بواسطة هذه الأدلة غير الخالية من الإجمال والتشابه - أن نحكم بالحكم القطعي بأنّ المحشور في القيامة ليس هو البدن العنصري؟!
ص: 29
وهل يمكن القول: إنّ الثواب والعقاب والمحشور من مبتدعات النفس الإنسانية؟!
وهل يمكن التخلّي عن ظواهر الأدلة الكثيرة - باعترافكم - و أن نؤوّل ذلك؟
بما أنّ كلّ واحدة من هذه المسائل كانت موردا لاختلاف النظر، فلا يمكن أن تكون برهانا علميا وفلسفيا.
الأستاذ جوادي:
لم يطرح بحث البرهان العقلي، لهذا فالحديث منحصر في المستفاد من ظواهر الأدلة الشرعية، ومن مجموعها يستفيد الأعلام (يعني المحدّثون) بنحو ما، والآخوند [ملاصدرا] والفيض [الكاشاني] بنحو آخر.
لو قُبلت تلك المقدمات، فلابدّ من القول: إنّ المحترق والمعذّب هو البدن المثالي، فحينما ينعزل البدن العنصري يرى الشخص نفسه في العذاب.
ص: 30
الأستاذ سيّدان:
على الأقل يثبت الآن وجود البدن المثالي، أمّا ما هو الدليل أنّ البدن المحشور والمعذّب في القيامة هو هذا البدن المثالي، وليس هو البدن العنصري، مع ملاحظة التحوّل في الحالات الّذي تحصل هناك؟
ص: 31
الأستاذ جوادي:
لّما كان المؤمن الآن في الجنّة، والكافر في النار، من ذلك يُعلم أنّ البدن العنصري لا تأثير له.
الأستاذ سيّدان:
لا يمكن أخذ النتيجة القطعية من هذا الموضوع وهو أنّ في الحشر لا يحشر البدن العنصري، (هو مجرد قياس وتنظير لا برهان عليه).
وفي ختام المناظرة قَبِل الشيخ جوادي - حسب الظاهر - أنّ مسلك الآخوند ملاصدرا في بحث المعاد لا يمكنه الاستفادة من الأدلة الشرعية.
* * *
يقول كاتب هذه السطور ومعدّها: قد طلبت من سماحته [الشيخ جوادي]، وقلت له: كم هو حسن من سماحتكم لو
ص: 32
ركّزتم في أبحاثكم على هذه الناحية، فإنّ الموضوع عقائدي وحسّاس وله تبعات. ولا ينبغي تلقين وتثقيف طلبة العلوم الدينية بطريقة بحيث يقفوا معترضين أو مترددين فى مقابل من اشكل في كلام الآخوند ملاصدرا، واتهامه بعدم معرفته واطلاعه على الفلسفة.
فكان جواب الشيخ جوادي آملي مؤيّدا لذلك، وقال: درّس سيّدنا الأستاذ (يعني العلامة الطباطبائي) في بحث المعاد الأسفار الأربعة، ولم يُثبت أو ينفي أي مطلب من مطالب الآخوند.
والسلام على من اتبع الهدى
الخاتمة:
هنا يرى مُعدّ هذا الكتاب، أنه من المناسب ذكر قسم من الآيات والروايات الصريحة في المعاد الجسماني (الجسم العنصري المادي):
1 - قال اللّه تبارك وتعالى:
ص: 33
«أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيْمٌ مُبِيْنٌ* وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِى الْعِظَامَ وَ هِىَ رَمِيْمٌ* قُلْ يُحْيِيْهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيْمٍ»(1)
ومن البديهي أنّ الّذي كان مورد إنكار المنكر (أبيّ بن خلف) هو إحياء عظام الإنسان الميت. وواضح أنّ اللّه تعالى ردّ ما كان معرّضا للإنكار، وبيّن أنّ هذه العظام الرميمة والّتي خلقها أوّل مرّة، هو الّذي يحيي تلك العظام بعد موت هذا الإنسان.
2 - قال اللّه تبارك وتعالى:«أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ اَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِيْنَ عَلَى أَنْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ»(2).
في الآية الشريفة أعلاه اُلقي اللوم على التخيل الباطل لمنكري المعاد الجسماني، ويشير إلى قدرته الّتي يستطيع إرجاع بنان الإنسان كما كانت بعد موت الإنسان.
ص: 34
3 - قال اللّه تبارك وتعالى:
«وَ أنَّ اللّه َ يَبْعَثُ مَنْ فِى الْقُبُورِ»(1).
هناك آيات متعددة في القرآن الكريم بمضمون الآية أعلاه، يستفاد منها صريحا إحياء الأشخاص من القبور. وبديهي أنّ الّذي في القبر ليس هو الروح وإنّما هو بدن الإنسان الرميم.
4 - قال اللّه تبارك وتعالى:
«أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَ هِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِى هَذِهِ اللّه بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّه مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَكَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ اِلَى طَعَامِكَ وَ شَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ اِلىَ حِمَارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ اَنْظُرْ اِلىَ الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوْهَا لَحْمَا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شِى ءٍ قَدِيْرٌ»(2).
5 - قال اللّه تبارك وتعالى:
ص: 35
«وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مَّنْهُنَّ جُزْءَا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيْنَكَ سَعْيَا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّه عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ»(1)
6 - قال اللّه تبارك وتعالى:
«وَ قَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامَا وَ رُفَاتَا أَإِنَّا لَمَبْعُثُوْنَ خَلْقَا جَدِيْدَا* قُلْ كُوْنُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيْدَا* أَوْ خَلْقَا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُرِكُمْ
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيْدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَإِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَ يَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرَيْبَا»(2).
7 - قال اللّه تبارك وتعالى:
ص: 36
«وَ قَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامَا وَ رُفَاتَا أَ إِنَّا لَمَبْعُثُوْنَ خَلْقَا جَدِيْدَا*
أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّه َ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ»(1).
8 - قال اللّه تبارك وتعالى:
«وَ قَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزَّقْتُمْ
كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيْدٌ* أَفْتَرَى عَلَى اللّه ِ كَذِبَا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيْدِ»(2).
9 - قال اللّه تبارك وتعالى:أَئِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعُيْدٌ* قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيْظٌ»(3).
10 - قال اللّه تبارك وتعالى:
ص: 37
«وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُوْمَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثمَّ إِذَا دَعَاكُمْ
دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ»(1).
وبديهي أنّ الخارج من الأرض هو الأبدان المتلاشية والمتفرقة. ومع هذا التذكير فالآية تدلّ صراحة على المعاد الجسماني. والآيات المذكورة نماذج من عشرات الآيات الّتي تعلن وبصورة صريحة ودلالة واضحة على المعاد الجسماني.
والآن نذكّر ببعض الأحاديث - في الكتب المعتبرة - الّتي تثبت الموضوع أعلاه:
1 - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:إذا أراد اللّه أن يبعث، أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت الّلحوم، وقال: أتى جبرئيل رسول اللّه
صلى الله عليه و آله فأخذه فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوَّت بصاحبه فقال: قُمْ بإذن اللّه فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن
ص: 38
وجهه وهو يقول الحمدللّه واللّه اكبر، فقال جبرئيل: عُدْ بإذن اللّه ثمَّ انتهى به إلى قبر آخر فقال: قُمْ بإذن اللّه فخرج منه رجل مسودّ الوجه وهو يقول: يا حسرتاه، يا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عُد إلى ما كنت بإذن اللّه، فقال: يا محمّد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، وهؤلآء يقولون ما ترى(1).
2 - عن أبي بصير عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّه
صلى الله عليه و آله:
يا عليّ أنا أوّل من ينفض التراب عن رأسه، وأنت معي ثمّ سائر الخلق...(2).3 - عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يقول
لعليّ: «يا عليّ أبشر وبشّر فليس على شيعتك حسرة عند الموت، ولا وحشة في القبور، ولا حزن يوم النشور، ولكأنّي بهم يخرجون من جدث القبور ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم يقولون:«الْحَمْدُ للّه ِ الَّذِى
ص: 39
أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَغُوْرٌ شَكُورٌ* الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَالْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيْهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوْبٌ»(1)»(2)
4 - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم، حتّى لا يبق له لحم ولا عظم إلاّ طينته الّتي خُلق منها فإنّها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرةً حتّى يُخلق منها كما خلق أوّل مرّة(3).
5 - عن هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للصادق عليه السلام:أنّى للروح بالبعث والبدن قد بلى والأعضاء قد تفرّقت؟ فعضوٌ في بلدةٍ تأكلها سباعها، وعضو باُخرى تمزّقه هوامّها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائطا!
ص: 40
قال: إنَّ الّذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه، قال أوضح لي ذلك؟
قال:إنَّ الروح مقيمة في مكانها، روح المحسنين - وفي المصدر «روح المحسن» - في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا منه خُلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها فما أكلته ومزّقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّةٍ في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربوا الأرض ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض. فيجتمع تراب كلّ قالب فينقل بإذن اللّه تعالى إلى حيث الروح فتعود
ص: 41
الصور بإذن المصوّر كهيئتها وتلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا...(1)
المصادر:
1 - لوامع الحقائق فى اصول العقائد، ميرزا احمد الآشتيانى، معاصر، طبع 1353، چاپخانه بهمن.
2 - دُرر الفوائد، الميرزا محمد تقى الآملى، مؤسسة دارالتفسير، الطبعة الثالثة، 1416 ه .ق.
3 - العقائد الحقة، السيد احمد الخوانسارى، م 1405 ه.ق، قم منشورات الدليل، الطبعة الاولى، 1421 ه.ق.
4 - الحكمة المتعالية (الاسفار الاربعة) صدرالدين الشيرازى، داراحياء التراث العربى، بيروت - 1981 م.
5 - التوحيد، الشيخ الصدوق، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، الطبعة السادسة، 1416 ه.ق.
ص: 42
6 - فرائد الاصول (الرسائل) الانصارى، انتشارات دهاقانى (اسماعيليان) الاول، 1375 ش.
7 - الالهيات من الشفاء، ابى على حسين بن عبداللّه بن سينا، مع تعليقات صدرالمتألهين، انتشارات بيدار، قطع رحلى.
8 - شرح اصول كافى، صدرالدين الشيرازى، مكتبة المحمودى، طهران، قطع رحلى.
9 - بحار الانوار، العلامة المجلسى، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403.
ص: 43
10 - شرح الهداية الاثيرية، صدرالدين الشيرازى، الطبع الحجرى، محشّى .
11 - كشف الغطاء عن مبهمات شريعة الغرّاء، الشيخ جعفر الكاشف الغطاء، انتشارات دفتر تبليغات اسلامى، الطبعة الاولى، 1422 ق.
12 - الدر المنثور فى التفسير المأثور، السيوطى، م 911 ه، دارالكتب العلمية، بيروت - 1411 ه.
13 - الكافى، الكلينى، م 329، ه، دار صعب ودار التعارف، بيروت، 1401 ق.
14 - سبيل الرشاد، الشميرانى الطهرانى، چاپ سنگى، تهران، 1310
15 - الغدير، الامينى، دارالكتب الاسلامية، طهران، 1374 ش.
16 - صحيفة السجادية، ترجمه و شرح فيض الاسلام، انتشارات فقيه، 1378 ش.
17 - كتاب الطهارة، الانصارى، مؤسسة آل البيت عليهم السلام رحلى.
18 - فصوص الحكم، بشرح قيصرى، انتشارات بيدار، 1363 ش.
ص: 44
العدد
الامر الثاني
في مباينة الذات الالهية المقدسة لكل المخلوقات
وفي هذا الامر تجد بطلان فكرة الوجود الربطي و التعلقي و الظلي فلا سنخية بين الخالق و المخلوق و لا ان وجود المخلوقات مرتبة من وجود الخالق بل هنالك تباين ذاتي بينهما و بطلان صدورالاشياء من الذات الالهية؛ و بطلان تجلّي الذات و تمظهرها بصورة الاشياء ودليل المباينة هو:
ص: 45
لاجل افتراق الصانع والمصنوع ، والحاد والمحدود ولان كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، ولان كل ما يمكن في المخلوق يمتنع في صانعه وانه تعالی كيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو ابتدأه وانه لم يعلم له مائية وماهية حتی يكون للاشياء المختلفة مجانسا.
كما وانه ليس في الاشياء بوالج، ولا عنها بخارج وهو الموجود بنفسه لا بأداته وإن اللّه تبارك وتعالی خلو من خلقه وخلقه خلو منه،وهو القديم وما سواه محدث، تعالی عن صفات المخلوقين علوا كبيرا،و لو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق وان ما سوی اللّه فعل اللّه، ... وهي كلّها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شئ وانه لم ينتقل مع المنتقلين وانه قديم لم يتغير بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره و ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالی عن ذلك وانه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا عن كل شئ وان كل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه فهو مخلوق،وانه مبائن لجميع ما أحدث في الصفات.
يقول اميرالمؤمنين (علیه السلام) في وصف الذات الالهية المقدسة:
ص: 46
«الذي بان من الخلق فلا شي ء كمثله»(1)
وهذه الرواية تفسر وتبين لنا معنى الآية المباركة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ) وتقرير الاستدلال واضح حيث صرح الامام (علیه السلام) بالبينونة بين الخالق والمخلوق والمراد من البينونة هو نفي السنخية كاملا يعني نفي الاشتراك في الحقيقة ولذا حينما يقال هنالك بينونة بين الخالق والمخلوق فمعناها هو نفي الاشتراك بينهما.
2- ويقول الامام الرضا (علیه السلام) خلق اللَّه تعالى الخلق حجابا بينه وبينهم ومباينته ايّاهم مفارقته انيّتهم».(2)
فنفس ايجاد الخلائق والموجودات هو الحجاب بين اللَّه تعالى والمخلوقات لا انّه هنالك حائل بينه تعالى وبين مخلوقاته فنفس ايجاد الخلائق هو حجاب حيث انّ اللَّه تعالى يباين الخلق تباينا ذاتيا ولذا فنتيجة ايجاد الخلائق هو الحجاب وقد أشير في ذيل الحديث الى هذه الجهة بقوله (علیه السلام) : مباينته اياهم مفارقته انيّتهم» فتباين الذات الالهية مع الخلائق بهذا المعنى وهو:ان حقيقة
ص: 47
الذات الالهية المقدسة تباين وتفارق حقيقة الاشياء والموجودات ولا اشتراك بينهما اصلا.(1)
3- يقول الامام الرضا (علیه السلام): فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه(2)»لوكان هنالك تسانخ واشتراك في الحقيقة بين الخالق والمخلوق فلا معنى لهذه الرواية فالحديث واضح وصريح بأن لا تسانخ ولا اشتراك.
4-يقول أميرالمؤمنين (علیه السلام): الذي لا من شي ء كان ولا من شي ء خلق ما كان، قدرةً بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه»(3) فاللَّه جلّ وعلا لا من شي ء كان موجودا ولا من شي ء خلق الخلائق فهو (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وذلك لانه مباين للاشياء والاشياء مباينة له تعالى.(4)
ص: 48
5-ويستمر أميرالمؤمنين (علیه السلام) في حديثه السابق ويقول: «حدّ الاشياء كلها عند خلقه اياها ابانة لها من شبهه وابانة له من شبهها»(1)فيؤكد (علیه السلام) في هذا الحديث علی التباين بينه تعالى وبين المخلوقات.
6- وفي موضع آخر يقول (علیه السلام): «لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين»(2)
وهنا يصرح (علیه السلام) بنفي السنخية بينه تعالى وبين المخلوقات ويثبت البينونة.
7- ويقول الامام الصادق (علیه السلام):
ومن شبه اللَّه بخلقه فهو مشرك انّ اللَّه تبارك وتعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شي ء وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه.(3)
وهذا الحديث واضح في الدلالة علی نفي السنخية.
8- وينقل الإمام الرضا (علیه السلام): عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): انّه قال في ضمن خطبة: «الحمد للَّه الذي لا من شي ء كان ولا من شي ء كون ماكان مستشهد بحدوث
ص: 49
الاشياء على ازليته وبما وسمها به من العجز على قدرته وبما اضطرها اليه من الفناء على دوامه لم يخل منه مكان فيدرك بانيّته ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية ولم يغب عن علمه شي ء فيعلم بحيثية مبائن لجميع ما احدث في الصفات وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات»(1).
كلّ ما أوجده اللَّه تعالى من الموجودات العالية السافلة والنورية و... فهو مباين في الصفات مع اللَّه جلّ وعلا، فاللَّه جلّ وعلا لا يدرك من خلال الموجودات المتغيرة والحادثة والتي يتصرف بها نعم يعلم وجوده بذلك لكنه لا يدرك وقوله (علیه السلام): «في الصفات» لا بمعنى انّ ذاته تعالى لا تباين الاشياء وذلك لانّ الصفات اذا كانت تباين المخلوقات فانّ منشأ هذا التباين هو الذات والصفات هذا كما اوضحه بعض الاعاظم بمعنى في الصفة يعني انّ اللَّه جلّ وعلا يباين مخلوقاته في التوصيف والتعريف ولا اشتراك ولا تسانخ في البين والحاصل من الحديث هو نفي السنخية واثبات التباين.
ص: 50
9- يقول أميرالمؤمنين (علیه السلام): «ولا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين».(1)
10- وقال (علیه السلام): «كنهه تفريق بينه وبين خلقه»(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
... ولو كانت قوته تشبه قوة الخلق لوقع عليه التشبيه، وكان محتملاً للزيادة وما احتمل الزيادة كان ناقصا،... واللّه عزّ وجلّ لا يشبه بشيء، وإنما قلنا إنه قويّ للخلق القوي وكذلك قولنا العظيم الكبير، ولا يشبّه بهذه الأسماء اللّه تبارك وتعالى.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام): ... لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء متعاليا عن كل شيء سبحانه وتعالى.(4)
*الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) :مبائن لجميع ما أحدث في الصفات.(5)
ص: 51
*الإمام الصادق (علیه السلام):ولا تحدّ فتكون محدودا.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
ويله، أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا. قال: قلت: فما أقول؟ قال (علیه السلام): لا جسم ولا صورة وهو مجسم الأجسام، ومصور الصور، لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشيء والمنشأ، لكن هو المنشيء، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئا.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام):إن كل شيء جرى فيه أثر التركيب لجسم،... فما... نالته الحواس فهو غير اللّه سبحانه، لأنه لا يشبه الخلق...، وليس المخلوق كالخالق.(3)
*... سأل الزنديق عن الصادق (علیه السلام) فقال:... أمختلف هو أم مؤتلف؟
ص: 52
قال: لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف، إنّما يختلف المتجزيء ويأتلف المتبعض، فلا يقال له مؤتلف ولا مختلف. (1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
تأويل الصمد لا اسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا، ولا ثمّة، ولا ملأ، ولا خلأ، ولا قيام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني، ولا روحاني، ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع، ولا يسعه موضع، ولا على لون، ولا على خطر قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشياء.(2)
*الإمام المجتبى (علیه السلام):... الحمد للّه الذي لم يكن له... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهی.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
ص: 53
خلقة اللّه الخلق حجاب بينه وبينهم، ومباينته إياهم مفارقته إينيتهم... وأدوهم إياهم دليل على أن لا أداة فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المادين... وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه.(1)
*الإمام أبو جعفر الثاني (علیه السلام):جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريّته وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):ولاتناله التجزئة والتبعيض.(3)
*الإمام سيد الشهداء (علیه السلام):يوحّد ولا يبعّض.(4)*اميرالمؤمنين (علیه السلام):ولم يعلم لك مائية وماهية فتكون للاشياء المختلفة مجانسا.(5)
*اميرالمؤمنين (علیه السلام):
ص: 54
يا من دل علی ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملائمة كيفياته .(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه... إذا لتفاوتت أجزائه.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):... فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه.(3)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل
ص: 55
الممتنع من الحدث، فليس اللّه عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه.(2)
*الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) :
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا.(3)
* ... قلت له - يعنى أبا الحسن (علیه السلام): جعلت فداك أمرنى بعض مواليك أن أسألك عن مسألة، قال:وفي أي شيء المسألة؟ قلت: في التوحيد، قال: وأي شيء من التوحيد؟ قال: يسئلك عن اللّه جسم أو لا جسم؟
ص: 56
فقال: إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفى لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه.(1)
*الإمام أبو جعفر الثاني (علیه السلام):
... الكيفية للمخلوق المكيف، فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كيفية ولا نهاية ولا تصاريف.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):... لطيف لا بالتجسم... (3)*الإمام الصادق (علیه السلام):إن اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه عز وجل فهو مخلوق، واللّه خالق كل شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء .(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام):وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه عز وجل، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق.(5)
ص: 57
*الإمام الرضا (علیه السلام):ليس بجنس فتعادله الأجناس ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات.(1)
*سألت أبا جعفر الثاني (علیه السلام) عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئا؟ فقال:
نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الأوهام؟ إنما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود.(2)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):جلّ وعزّ عن أداة خلقه وسمات بريته.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):كان بلا كينونة، كان بلا كيف، كان لم يزل بلا كم ولا كيف.(4)
*الإمام أبو جعفر (علیه السلام):لم يزل حيا بلا حياة... ولا كون موصوف ولا كيف محدود.(5)
ص: 58
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):لاتوصف بصفات، ولا تنعت بنعت ولا بوصف.(1)
*الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام):لم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن.(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام):هو واحد أحدي الذات بائن من خلقه، وبذاك وصف نفسه وهو بكل شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة.(3)*الإمام الرضا (علیه السلام):بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له... دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عزّ وجلّ: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون»، ففرق بها بين: "قبل" و"بعد" ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزه لمغرزها، دالة بتفاوتها ألا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها ألا وقت
ص: 59
لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم ألا حجاب بينه وبينها من غيرها، افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعربت عن مباينها.(1)
*الإمام الرضا(علیه السلام):وإن سألوك عن الكيفية فقل كما قال اللّه عزّ وجلّ: «ليس كمثله شيء».(2)
... فكيف هو؟! فقال |: وكيف أصف ربي ب"الكيف" والكيف مخلوق، واللّه لا يوصف بخلقه.(3)*الإمام الرضا(علیه السلام):... معروف بغير تشبيه... لا يمثل بخليقته.(4)
*الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام):... الذي بان من الخلق فلا شيء كمثله.(5)
*الإمام الهادي(علیه السلام):وتعالى اللّه عن الإشتباه.(6)
*الإمام الباقر(علیه السلام):... ولا يشبه شيئا مكونا.(7)
ص: 60
*الإمام الكاظم(علیه السلام):... ولا يشبهه شيء مكوّن...(1)
*الإمام الرضا (علیه السلام):قد جهل اللّه من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطأه من اكتنهه.(2)
ص: 61
العدد الثالث والعشرون
ليس إلها من بنفسه عرف ***ما لم نكن نعرفه كيف نصف
و من يصف بالرّأي و القياس*** إلهه ما زال في التباس
و كان مائلا عن المنهاج*** و ظاعنا سبيل الاعوجاج
فقل لمن تكلّف السّبيلا ***إن كنت صادقا فصف جبريلا
فاليق الوصف إلى جنابه*** ما وصف الخالق في كتابه
اقول: و هذا من استلزام الوصف التحديد، و ما لا يحدّ، لا يوصف، و القديم الّذي لا بدء له، و الأبدى الّذي لا آخر له، غير محدود، في الأوّل و الآخر، فكيف يمكن توصيفه ما لم يتناه الوصف حدّه؟ او كيف يمكن ادراكه ما لم ينته الادراك الى غايته؟ فقوله علیه السلام: «و من ينقضي»، اشارة الى جهة المحدوديّة في الآخر، الّتي تشترط في الادراك، و اشار الى الاوّل في حديث آخر: «لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك»(1).
ص: 62
و عندهم علیه السلام ليس إلها من بنفسه عرف؛ كما قال امير المؤمنين علیه السلام: «ليس بإله من عرف بنفسه»(1)،ما لم نكن نعرفه، كيف نصف؟
فعلى هذا التحقيق المشروح بيانه، لا يبقى لامكان التوصيف مجال؛ فمن وصفه بشي ء، لم يكن إلّا عن و هم و قياس؛ كما قلت: و من يصف بالرّأي و القياس إلهة، ما زال في التباس و تحير من امره؛ و كان مائلا عن المنهاج؛ اي الطريق القويم و الصراط المستقيم، و طاعنا سبيل الاعوجاج.و قال الرضا علیه السلام لمن قال له: يا ابن رسول اللّه! صف لنا ربّك، فإنّ من قبلنا قد اختلفوا علينا، قال علیه السلام: «من يصف ربّه بالقياس، لا يزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل»(2).
و عن الحسين علیه السلام: «من وضع دينه على القياس، لم يزل الدهر في الارتماس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل»(3).
ص: 63
و على هذا، لا يكون الواصف إلّا متكلّفا، فقل لمن تكلّف السّبيلا إلى وصف ربّه: إن كنت صادقا فصف جبريلا؛ كما قال امير المؤمنين علیه السلام: «بل ان كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك، فصف جبريل و جنود الملائكة المقرّبين في حجزات(1) القدس مرجحنّين، متولّهة عقولهم ان يحدّوا احسن الخالقين، و إنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات ...»(2).الى آخر ما تقدّم.
و امّا القسم الثاني من الأخبار:
فقد اشرت الى مفادها بقولي: فاليق الوصف إلى جنابه (بعد ما تبيّن من لزوم الفساد في الاستبداد بالتوصيف)، ما وصف الخالق به نفسه في كتابه؛ لأنّه اعرف بنفسه أو على لسان اهل وحيه، لأنّهم اعرف به من غيرهم، و لأنّ اللّه تعالى إنّما بعثهم ليكونوا هداة لخلقه و ادلّاء على صراطه؛ كما عن الصادق علیه السلام، قال:خطب رسول اللّه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ: ... و بعث إليهم الرسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، و يكون رسله إليهم شهداء عليهم، و انبعث فيهم النّبيّين مبشّرين و منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حيّى عن بيّنه، و
ص: 64
ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما انكروا، و يوحّدوه بألوهيّته بعد ما عندوا»(1).
فعن محمّد بن هشام، أنّه كتب الى موسى بن جعفر علیه السلام و سأله ان يعلّمهم، ما القول الّذي ينبغي أن يدين اللّه به من صفة الجبّار؟
فاجابه علیه السلام (في عرض كتابه): «فهمت- رحمك اللّه- و اعلم:- رحمك اللّه- أنّ اللّه اجلّ و أعلى و اعظم من ان يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه و كفّوا عمّا سوى ذلك»(2)
و عن رسول اللّه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ في جواب نعثل اليهودى، حيث قال: يا محمّد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ! صف لي ربّك،
فقال صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ: «إنّ الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، و كيف يوصف الخالق الّذي يعجز الحواس أن تدركه، و الأوهام أن تناله، و الخطرات ان تحدّه، و الأبصار عن الاحاطة به؟ جلّ عمّا يصفه الواصفون؛ فهو الأحد، الصمد، كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته ...»(3).
ص: 65
علل صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ امتناع التوصيف، بامتناع الادراك، لقصور آلاته و عجزها عنه.
و نظيره عن ابي الحسن الثالث علیه السلام أيضا.
و قال الرضا علیه السلام في الحديث المتقدّم بعد قوله (قائلا غير الجميل): «اعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، واصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لايدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس»(1). و كذلك قال الحسين علیه السلام بعد قوله. «غير الجميل»، يا ابن الأزرق! اصف إلهى بما وصف به نفسه، و اعرفه بما عرف به نفسه، لا يدرك بالحواسّ و لا يقاس بالناس ...»(2)
و قد سئل امير المؤمنين(3)بم عرفت ربّك؟ قال علیه السلام: «بما عرّفني نفسه لا يشبه صورة و لا يقاس بالنّاس ...»(4)
و قال الرضا علیه السلام: «سبحانك ما عرفوك، و لا وحدوك؛ فمن اجل ذلك و صفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك كيف
ص: 66
طاوعتهم انفسهم ان شبّهوك بغيرك؟ إلهى! اصفك بما وصفت به نفسك، و لا اشبهك بخلقك، انت اهل لكلّ خير، فلا تجعلني من القوم الظالمين؛ ثمّ التفت علیه السلام الى اصحابه فقال: ما توهّمتم من شي ء فتوهّموا اللّه غيره»(1)و قال الصادق علیه السلام: «و من عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاتهالّتي يصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه؛ و نطق به لسانه في سرّ امره و علانيته فاولئك اصحاب امير المؤمنين»(2). و في حديث آخر: «اولئك هم المؤمنون حقّا»(3).
و نحن اذا راجعنا عقولنا، ظهر لنا أنّ الحقّ في مقام التوصيف و المعرفة، ان لا نصفه إلّا بما وصفه هو نفسه، و لا نعرفه إلّا بما عرّفنا هو نفسه؛ و أنّ الذي نصفه من عند انفسنا أو نعرفه كذلك، ليست صفة له حقيقة، و لا معرفته بها معرفة له حقيقة، و إليه اشرت بقولي:
به الصفات و كذا المعارف*** تعرف لا بها الإله يعرف
فلا تجز ما جاء في القرآن ***إذ أعظم الفرية و البهتان
أن يوصف اللّه خلاف ما وصف ***فيعرف اللّه بغير ما اتّصف
ص: 67
به الصفات و كذا المعارف تعرف لا بها الإله يعرف، قال الحسين علیه السلام: «به توصف الصفات لا بها يوصف، و به تعرف المعارف لا بها يعرف»(1).فلا تجز و لا تتجاوز ما جاء في القرآن، فعن الفضل بن يحيى، سئل موسى بن جعفر علیه السلام عن شي ء من الصفة، فقال علیه السلام: «لا تجاوز عمّا في القرآن»(2). و عن فقه الرضا علیه السلام: اروى عن العالم علیه السلام، و سألته عن شي ء من الصفة، فقال علیه السلام: «لا تتجاوز ممّا في القرآن»(3)
و الوجه فيه: أنّ التجاوز يؤدّي إلى الافتراء على اللّه، إذ أعظم الفرية و البهتان، أن يوصف اللّه خلاف ما وصف به نفسه، فيعرف اللّه بغير ما اتّصف به من الصفات، قال ذو الرئاستين، قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام: جعلت فداك! اخبرني عمّا اختلف فيه النّاس من الرؤية، فقال: بعضهم لا يرى، فقال علیه السلام: «يا أبا العباس! من وصف اللّه بخلاف ما وصف به نفسه، فقد اعظم الفرية على اللّه، قال اللّه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ...(4) - الانعام 6: 103
ص: 68
فمن تأبّى و تعدّى ما سلك ***فى وصفه كتابه(1) فقد هلك
فمن تأبّى و تعدّى ما سلك في وصفه تعالى كتابه فقد هلك عامدا أو من حيث لا يعلم، فعن ابن ابي عمير عن موسى بن جعفر علیه السلام. قال له: يا ابن رسول اللّه! علّمني التوحيد، فقال علیه السلام: يا أبا احمد! لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه في كتابه فتهلك ...»(2)
و كتب الصادق علیه السلام الى عبد الملك بن اعين (جوابا عمّا سأله عبد الرحيم القصير:سألت- رحمك اللّه- عن التوحيد و ما ذهب فيه من قبلك، فتعالى اللّه الّذي ليس كمثله شي ء، و هو السميع البصير، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون المشبّهون، اللّه تبارك و تعالى بخلقه، المفترون على اللّه؛ و اعلم- رحمك اللّه-: أنّ المذهب الصحيح في التوحيد، ما نزل به القرآن من صفات، فانف عن اللّه البطلان و التشبيه، فلا نفي و لا تشبيه؛ هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعد القرآن فتضلّ بعد البيان»(3)
ص: 69
و عن امير المؤمنين علیه السلام في جواب من قال له: صف لنا ربّك لنزداد له به معرفة، قال ع:
«فما دلّك القرآن عليه من صفة، فاتّبعه ليوصل بينك و بين معرفته، و ائتمّ به و استضئ بنور هدايته، فإنّما هي نعمة و حكمة اوتيتها، فخذ ما اوتيت و كن من الشاكرين؛ و ما دلّك الشيطان عليه، ممّا ليس في القرآن عليك فرضه، و لا في سنّة الرسول و ائمّة الهدى اثره، فكل علمه الى اللّه- عزّ و جلّ-، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك.
و اعلم: أنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الإقرار
و عند أهل البيت أنّ المعرفة*** ليست بالاكتساب، من دون الصفة
إذ ليس مدركا فكيف يعرف؟ ***و كيف يعرف الّذي لا يوصف؟
و حيث لا أداة تبلغ المدى ***كان على اللّه البيان و الهدى
ما كلّف العباد إلّا وسعهم ***و ليس درك الوصف منه صنعهم
بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، فمدح اللّه- عزّ و جلّ- اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما،
ص: 70
و سمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عنه (عن كنهه خ)«رسوخا»، فاقتصر على ذلك و لا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك، فتكون من الهالكين(1)
هذا برواية التوحيد عن الصادق علیه السلام عنه علیه السلام، و برواية العياشي عنه، عنه- عليهما السلام- أيضا مثله، مع اختلاف يسير.
فصل: و من ذلك ما ورد عنهم علیه السلام، من أنّ المعرفة بالبيان، لا بالاكتساب
هذان البابان؛ اعني حصر الوصف في التوصيف و حصر المعرفة بالبيان، متلازمان؛ و الملازمة ظاهرة من غير بيان.
و عند أهل البيت علیه السلام أنّ المعرفة (و المراد بها المعرفة التفصيليّة الّتي هي محلّ الكلام و هي العلم بالصفات الحقّة)، ليست بالاكتساب، من طريق العقل أو الكشف من دون الصفة، اي بدون التوصيف و البيان من اللّه، فلا تحصل بغيره؛ و هذا الّذي بنوا علیه السلام عليه امرهم واضح بعد عدم كونه تعالى مدركا، و لا موصوفا؛ كما قلت:
ص: 71
إذ ليس مدركا فكيف يعرف من غير بيان؟ و كيف يعرف الّذي لا يوصف من غير توصيف؟ و قد تقدّم عن الحسين علیه السلام قوله: «و به تعرف المعارف، لا بها يعرف»(1).
و أيضا لمّا بيّنا أنّ اداة الادراك قاصرة عن دركه، و أنّه تعالى لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و المعرفة مع ذلك، مأمور بها، فلا يبقى إلّا ان تكون بالبيان، فتكون توقيفيّة؛ كما قلت:
و حيث لا أداة لنا تبلغ المدى؛ اي الغاية في وصفه لقصورها عنه، كان على اللّه البيان و الهدى؛ كما قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (2)، لأنّه تعالى ما كلّف العباد إلّا وسعهم، و ليس درك الوصف منه صنعهم؛ اي عملهم و في وسعهم.
فعن عبد الأعلى، قال: قلت لابي عبد اللّه علیه السلام: هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة؟ قال: «لا، إنّ على اللّه البيان، لا يكلّف اللّه العباد إلّا وسعها، و لا
ص: 72
يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتيها»(1) و عنه أيضا، عنه علیه السلام، قال: «لم يكلّف اللّه العباد المعرفة و لم يجعل لهم إليها سبيلا»(2)
و ممّا يشمل المعرفة أيضا بعمومه، ما عن الباقر علیه السلام: «ليس على الناس ان يعلموا حتّى يكون اللّه هو المعلّم لهم، فاذا اعلمهم، فعليهم ان يعلموا»(3)
و عن الصادق علیه السلام: «إنّما احتجّ اللّه على العباد بما آتيهم و عرّفهم»(4). و يمكن ان يكون من هذا الباب، قول امير المؤمنين علیه السلام: «اعرفوا اللّه باللّه ...»(5).
اي، اعرفوا اللّه ببيان اللّه، و اعرفوا وصفه بتوصيفه، و منه أيضا قوله علیه السلام: «هو الدال بالدليل عليه، و المؤدّي بالمعرفة إليه»(6)
ثمّ اعلم: أنّ هنا باب آخر، يعبّر عنه أيضا، بأنّ المعرفة باللّه، لا بالاكتساب؛ و له اخبار كثيرة، اكثر من هذا الباب، لكن يراد بالمعرفة هناك مرتبة حصولها في القلب، المرادف للإذعان و الاطمئنان؛ فإنّه أيضا عند اهل البيت علیه السلام باللّه؛
ص: 73
اي بتوفيقه و بتسديده و تحبيبه و شرح صدره، لا بالبيان و لا بالاكتساب. و ذلك واضح عند اولي الألباب، و إلّا فالنبيّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ حريص عليهم بالمؤمنين رؤف رحيم، و البيان عامّ، فما الّذي فرق في تأثير الإيمان في قلوب بعض، غير ما اثر في الآخرين.
ما المراد بالمعرفة هاهنا؟
و المراد بالمعرفة هاهنا، نفس العلم بالمعارف الواقعيّة، و هذه المرتبة أيضا كما عرفت غير كسبيّة؛ و الفرق بين المرتبتين كالفرق بين الدواء و الشفاء؛ فانّهما معا من اللّه و باللّه، الّا إنّ شرب الدواء لا يلازم الشفاء، بل موقوفة بعناية اخرى. فافهم و اغتنم! فإنّ المحدّثين، لم يتفطّنوا الى أنّهما بابين، فجعلوهما بابا واحدا، فاشتبه الأمر على محقّقيهم كالعلّامة المجلسي رحمه الله. فالتجأ الى تأويلات غير مغنية؛ و استدلّ بعض بالأخبار الثانية على الفطرة، الّتي ادّعاها حيث لم يتفطّن الى معناها، و لا بأس بذكر حديثين منها ليعلم منها البقيّة.
عن البزنطي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا علیه السلام في المعرفة، صنع؟ قال (ع: لا»، قلت لهم عليها ثواب؟ قال: «يتطوّل عليهم بالثواب كما يتطول عليهم
ص: 74
بالمعرفة»(1).
و عن الصادق علیه السلام: «ستّة اشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة، و الجهل، و الرضا، و الغضب، و النّوم، و اليقظة»(2)
فلو حمل مثل هذه الأخبار على الفطرة لزم انحصار الطريق بها خاصّة، لأنّها تنفي مطلق الصنع للعباد من العقل و غيره.
عدم معرفة كنه ذاته
لا يعرف اللّه بكنه المعرفة*** لا كنه ذاته و لا كنه الصفة
فالذّات لا تكنه لا إشارة ***إذ فيه تحديد، و لا عبارة
لا يعرف اللّه بكنه المعرفة*** لا كنه ذاته و لا كنه الصفة
فالذّات لا تكنه لا إشارة ***إذ فيه تحديد، و لا عبارة
فصل: و من ذلك ما ورد عنهم علیه السلام، من أنّه لا يعرف كنه ذاته، و لا كنه صفته، و لا يقع في إشارة و لا عبارة و سيأتي في الفصل الآتي بيانهم علیه السلام في حقّ المعرفة و حدّ القول فيه تعالى، و هو مؤكد لهذا الفصل؛ كما أنّ امتناع معرفته بالكنه، علّة مستلزمة لذلك التحديد.
ص: 75
لا يعرف اللّه بكنه المعرفة، لا كنه ذاته و لا كنه الصفة، فالذّات عندهم علیه السلام لا تكنه، لا إشارة، إذ فيه تحديد؛ كما قال امير المؤمنين علیه السلام: «و من اشار إليه فقد حدّه»(1)،
و لا عبارة كما مرّ من حديث ابي الحسن الثالث علیه السلام: «فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم تقع عليه الناعتون، باشارة و لا عبارة هيهات هيهات!!»(2)
و في حديث سهل، عنه علیه السلام، قال: «فانت الّذي لا تتناهى و لم تقع عليك عيون باشارة و لا عبارة، هيهات هيهات!!»(3).
و عن الرضا علیه السلام: «و لا صمد صمده من أشار إليه»(4). و قال علیه السلام أيضا: «عجزت دونه العبارة، و كلّت دونه الابصار، و ضلّ فيه تصاريف الصفات»(5)
من يكتنهه لم يوحّد خالقه*** أخطأه و لم يصب ما وافقه
و لا به صدّق من نهاه ***بل هو شي ء، وهمه سواه
ص: 76
و الاكتناه موجب أن ينكشف ***بنفسه و لا إله من عرف
فلا ينال منه من تكلّفه ***بجور الاعتساف كنه المعرفة
يأبى عن الأوهام أن تحقّقه ***و يمنع الأفهام أن تستغرقه
قد ضلّ في إدراك كنهه الفكر ***إذ جلّ أن يحدّه لبّ البشر
من يكتنهه لم يوحّد خالقه؛ كما قال الرضا علیه السلام: «و لا ايّاه و حدّ من اكتنهه»(1)
أخطأه و لم يصب ما وافقه؛ كما قال علیه السلام أيضا: «و قد اخطأه من اكتنهه»(2). و لا به صدّق من نهّاه؛ اي بلغ بادراكه الى نهايته بزعمه؛ كما قال علیه السلام أيضا: «و لا به صدّق من نهّاه»(3)
بل هو شي ء، وهمه سوّاه، لأنّه اذا اخطأه كان الذي اكتنهه امرا انشأه وهمه، و سيأتي في فصل المدركات، اخبار في أنّ كلّ ما يتوهّم فهو بخلافه، والاكتناه
ص: 77
موجب أن ينكشف، بنفسه و لا إله من عرف؛ كما تقدّم عن امير المؤمنين علیه السلام: «ليس بإله من عرف بنفسه»(1)
فلا ينال منه من تكلّفه بجور الاعتساف كنه المعرفة؛ كما قال امير المؤمنين علیه السلام: «معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته»(2). يأبى عن الأوهام أن تحقّقه، و يمنع الأفهام أن تستغرقه؛ كما قال امير المؤمنين علیه السلام: «ممتنع عن الأوهام ان تكنهه، و عن الأفهام ان تستغرقه»(3). قد ضلّ في إدراك كنهه الفكر، إذ جلّ أن يحدّه لبّ البشر؛ كما قال علیه السلام أيضا: «و قد ضلّت في ادراك كنهه هواجس الاحلام، لأنّه اجلّ من ان تحدّه الباب البشر بالتّفكر»(4)
ص: 78
الحلقة الثالثة والعشرون
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء
تتمة البحث عن شخصية الحسن البصري
وحديث ابن أبي العوجاء مشهور. وفي الكافي والفقيه والاحتجاج مذكور - رواه عيسى بن يونس قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد فقيل له تركت مذهب صاحبك فقال: إن صاحبي كان مخلطا طورا بالقدر وطورا بالجبر وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه (الحديث)(1).
وبالجملة فطريقته معلومة مخالفة لطريقة الشيعة والأئمة وقد كان مجانبا لهم مشغولا بتشييد مباني الرياسة والاشتغال بالفتوى برأيه ودعا الناس إلى نفسه وغير ذلك مما هو ظاهر من حاله. فصل ومنهم سفيان الثوري ونصبه وعداوتهأيضا ظاهر وانحرافه عن طريقة الأئمة عليهم السلام فضلا عن شيعتهم واضح
ص: 79
ومع ذلك قد اغتر به وبأمثاله بعض الشيعة فتعين أن نذكر بعض مطاعنه وناهيك بما تقدم في الباب الثاني من جرأته على الصادق عليه السلام في لبس تلك الثياب ونسبته له إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وغير ذلك. وقد صرح العلامة وابن داود وغيرهما بأن سفيان الثوري ليس من أصحابنا، وأورده في قسم الضعفاء المذمومين الذين لا تقبل روايتهم مع ما هو معلوم من تتبع كتب الشيعة كما مر مثله وقد روى الكشي والكليني عدة أحاديث في اعتراضه على أبي عبد الله عليه السلام في لبس الثياب الجهلة ومناقشته له كما تقدم. وروى الكشي أيضا بإسناده عن ميمون بن عبد الله أنه أتى أبا عبد الله عليه السلام قوم يسألونه الحديث من أهل الأمصار فقال لي أتعرف أحدا من القوم قلت: لا قال كيف دخلوا علي قلت هؤلاء يطلبون الحديث من كل وجه لا يبالون عمن أخذوا الحديث فقال لرجل منهم هل سمعت من غيري الحديث قال: نعم قال فحدثني ببعض ما سمعت فقال: إنما جئت لأسمع منك لم أجئ أحدثك. فقال للآخر: ما يمنعه أن يحدثني بما سمعت فقال حدثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد أنه قال: النبيذ كله حلال إلا الخمر ثم سكت فقال أبو عبد الله زدنا قال حدثني سفيان عمن حدثه عن محمد بن علي أنه قال: من لم يمسح على خفيه فهو صاحب بدعة ومن لم يشرب النبيذ فهو
ص: 80
مبتدع ومن لم يأكل الجريث وطعام أهل الذمة وذبايحهم فهو ضال، أما النبيذ فقد شربه عمر نبيذ زبيب فرشحه بالماء.
وأما المسح على الخفين فقد مسح عمر على الخفين ثلاثا في السفر ويوما وليلة في الحضر وأما الذبائح فقد أكلها علي عليه السلام وقال: كلوها أن الله يقول (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم). فقال أبو عبد الله عليه السلام زدنا فقال قد حدثتك بما سمعت فقال أكل الذي سمعت هذا قال: لا قال زدنا قال حدثنا عمر بن عبيد عن الحسن قال: أشياء صدق الناس بها وأخذوا بما ليس لها في الكتاب أصل، منها عذاب القبر ومنها الميزان ومنها الحوض ومنها الشفاعة ومنها النية ينوي الرجل من الخير والشر فلا يعمله فيثاب عليه ولا يثاب الرجل إلا بما عمل إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. فقال: زدنا فقال حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر أنه رأى عليا على منبر الكوفة يقول لئن أتيت برجل يفضلني على أبي بكر وعمر لأجلدنه حد المفتري فقال أبو عبد الله عليه السلام زدنا فقال: حدثنا سفيان عن جعفر أنه قال حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر فقال له زدنا قال حدثنا عمرو بن يونس بن عبيد عن الحسن أن عليا أبطأ عن بيعة أبي بكر. فقال له ما خلفك عن البيعة والله لقد هممت أن أضرب عنقك فقال له علي يا خليفة رسول الله لا تثريب فقال لا تثريب فقال له زدنا فقال حدثنا سفيان الثوري عن
ص: 81
الحسن أن أبا بكر أمر خالد بن الوليد أن يضرب عنق علي عليه السلام إذا سلم من صلاة الصبح وأن أبا بكر سلم ما بينه وبين نفسه ثم قال يا خالد لا تفعل ما أمرتك به فقال زدنا قال: حدثنا نعيم بن عبد الله عن جعفر بن محمد أنه قال ود علي بن أبي طالب أنه بنخيلات ينبع يستظل بظلهن ويأكل من حشفهن ولم يشهد يوم الجمل ولا النهروان وحدثني به سفيان عن الحسن. فقال: زدنا قال حدثني عباد عن جعفر بن محمد أنه قال لما رأى علي بن أبي طالب يوم الجمل كثرة الدماء قال لابنه حسن يا بني هلكت قال له يا أبه أليس قد نهيتك عن هذا الخروج فقال علي عليه السلام يا بني لم أدر أن الأمر يبلغ هذا المبلغ فقال: زدنا قال حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد أن عليا لما قتل أهل صفين بكى عليهم ثم قال جمع الله بيننا وبينهم في الجنة قال: فضاق بي البيت فقال أبو عبد الله عليه السلام من أي البلاد أنت فقال من أهل البصرة فقال هذا الذي تحدث عنه وتذكر عنه وتذكر اسمه جعفر بن محمد هل تعرفه؟ قال: لا قال فهذه الأحاديث عندك حق؟ قال: نعم قال، فلو رأيت جعفر بن محمد فقال لك هذه الأحاديث كذب لا أعرفها ولم أحدث بها هل كنت تصدقه؟ قال: لا قال: ولم قال إنه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عتق رجل لجاز قوله فقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم حدثني أبي عن جدي قال: من كذب علينا أهل البيت حشره الله يوم القيامة أعمى وإن أدرك
ص: 82
الدجال آمن به الحديث(1).
وروى الكشي أيضا عن الرضا عليه السلام أن سفيان ابن عيينة لقي أبا عبد الله عليه السلام فقال إلى متى هذه التقية وقد بلغت هذا السن فقال والذي بعث محمدا بالحق لو أن رجلا صلى ما بين الركن والمقام ثم لقي الله بغير ولايتنا لقي الله بميتة جاهلية(2).
وروى الكليني في باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون نسكهم أن يأتوا الإمام عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا ثم قال يا سدير أفأريك الصادين عن دين الله ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد فقال هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم لجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله ورسوله فأتونا(3) حتى نخبرهم عن الله وعن رسوله(4).
وروى في باب ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله من النصيحة للمسلمين عن سفيان الثوري أنه قال لرجل اذهب بنا إلى جعفر بن محمد قال: فذهبت معه
ص: 83
إليه فقال له: حدثنا عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله بمسجد الخيف فذكرها له ومن جملتها ثلاث لا يغل عليهن قلب أمر مسلم، إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم قال الرجل فلما ركبنا قلت والله لقد ألزم رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا قال: وما هو قلت النصيحة لأئمة المسلمين من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم معاوية ويزيد ومروان ومن لا تجوز شهادته واللزوم لجماعتهم فأي الجماعة مرجئ أو قدري أو حروري أو جهمي قال فأي الجماعة قلت: جماعة أهل بيته قال فأخذ الكتاب فمزقه وقال: لا تخبر بهذا أحدا(1).
فصل
ومنهم عمرو بن عبيد وحاله أيضا معلوم في فساد مذهبه وشدة نصبه وقد تقدم في حديث سفيان ما يدل على ذلك. وقد روى الكليني والصدوق والطبرسي وغيرهم بأسانيدهم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث هشام بن الحكم واحتجاجه على عمرو بن عبيد في الاحتياج إلى الإمام ما يدل على مخالفته لاعتقاد الشيعة وإنكاره لذلك وتقرير الصادق عليه السلام لهشام حيث خصمه
ص: 84
واستحسانه لذلك(1).
وروى في حديث دخوله مع المعتزلة على أبي عبد الله عليه السلام ما هو أبلغ من ذلك في الفرض المطلوب من خروجه مع محمد بن عبد الله بن الحسن ودعائه الصادق عليه السلام إلى بيعته ونسبته له إلى الضلال وغيره مما هو مذكور في كتاب الجهاد وبالجملة فحاله أوضح من أن يبين(2).
العدد السابع
الفصل الثاني
من هم أهل البيت عليهم السلام؟
ص: 85
وحقيقة عصمتهم.
بداية وتوطئة:
إن أعظم وأهم ما يستدلون به على تشيع ابن عربي هو ما قاله حول آية التطهير، وما قاله بالنسبة لاعتبار سلمان المحمدي (الفارسي) من أهل البيت عليهم السلام.
وحين نراجع كلماته هذه بالذات نجد أنه لم يكن بصدد إثبات العصمة لأهل البيت عليهم السلام، بقدر ما كان بصدد نفيها عنهم، وهو يمارس أعظم الكيد لإسقاط دلالة هذه الآية المباركة عن التأثير في تقوية عقيدة الشيعة، وذلك بتقديمه ادعاءين باطلين، يخالفان البداهة، ويضحكان حتى الثكلى. وهما:
الأول: أن المقصود بأهل البيت ليس هو الأئمة الطاهرون، بل ما يعمُّ جعفراً وسلمان الفارسي، وجميع أولاد فاطمة إلى يوم القيامة.
وهو أيضاً يسعى للتفريق بين أهل البيت وآل البيت، فيدعي: أن المراد بآل البيت هم جميع ذرية رسول الله إلى يوم القيامة، أو الصالحون من جميع الأمة.. أو.. أو.. مع حرص ظاهر على أن لا يتوهم أحد خلاف ذلك..
ص: 86
الثاني: إن آية التطهير لا تعصم عن ارتكاب المعاصي، حتى السرقة والزنا، وشرب الخمر، فيستحق فاعلها العقاب في الدنيا، لكنها لا أثر لها في الآخرة بل تكون مفغورة كذنوب أهل بدر.. حيث نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله قوله للبدريين: إفعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
ولكنه في المقابل، يدعي العصمة الحقيقية لأصغر ولي من أولياء الصوفية، ويدعيها لعمر بن الخطاب..
بل هو يثبت لمناوئي أهل البيت أعظم مراتب الكرامة والطهارة..
والنصوص التي نوردها في هذا الفصل توضح هذه الحقيقة. نحاول أن نذكرها من دون تعليق، فنقول:
معاصي المعصوم مغفورة:
1- قال: «اعلم: أن من عباد الله من يطلعهم الله على ما قدر عليهم من المعاصي، فيسارعون إليها من شدة حيائهم من الله، ليسارعوا بالتوبة، وتبقى خلف ظهورهم، ويستريحون من ظلمة شهودها. فإذا تابوا رأوها عادت حسنة، على قد ما تكون..
ص: 87
ومثل هذا لا يقدح في منزلته عند الله. فإن وقوع ذلك من مثل هؤلاء، لم يكن انتهاكاً للحرمة الإلهية، ولكن بنفوذ القضاء والقدر فيهم. وهو قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}()..
فسبقت المغفرة وقوع الذنب..
فهذه الآية قد يكون لها في حق المعصوم وجه: وهو أن يُسْتَر عن الذنوب، فتطلبه الذنوب فلا تصل إليه، فلا يقع منه ذنب أصلاً، فإنه مستور عنه..
أو يُستر عن العقوبة فلا تلحقه، فإن العقوبة ناظرة إلى محال الذنوب، فيستر الله من شاء من عباده، بمغفرته عن إيقاع العقوبة له، والمؤاخذة عليه.
والأول أتم.
فتقدمت المغفرة من قبل وقوع الذنب، فعلاً كان أو تركاً، فلا تقع منه إلا حسنة، يشهدها وحسنها.
ومن عباد الله من لم يأت في نفس الأمر إلا ما أبيح له أن ياتيه، بالنظر إلى هذا الشخص على الخصوص.. وهذا هو الأقرب في أهل الله. فإنه قد ثبت في الشرع أن الله يقول للعبد، لحالة خاصة: «إفعل ما شئت، فقد غفرت لك» فهذا هو المباح، ومن أتي مباحاً لم يؤاخذه الله به، وإن كان في العموم في الظاهر معصية، فما هو عند الشرع في حق هذا الشخص، معصية.
ص: 88
ومن هذا القبيل هي معاصي أهل البيت عند الله، قال عليه السلام في أهل بدر: «وما يدريكم! لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»..
وفي الحديث الثابت: «أن عبداً أذنب فيقول: رب اغفر لي.
فيقول الله: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب.
ثم عاد فأذنب.
إلى أن قال: في الرابعة، أو في الثالثة: إفعل ما شئت فقد غفرت لك».
فأباح له جميع ما كان قد حجره عليه، حتى لا يفعل إلا ما أبيح له فعله، فلا يجري له عند الله لسان ذنب، وإن كنا لجهلنا بمن هذه صفته وهذا حكمه عند الله أن نعرفه، فلا يقدح ذلك في منزلته عند الله..
فمن هذه حالته ما فعل إلا ما أبيح له فعله أو تركه.. فإن الحكم يترتب بجميع الأحوال.
فحال أهل الكشف، على اختلاف أحوالهم، ما هو حال من ستر عنه حاله.
ص: 89
فمن سوى بينهما فقد تعدى فيما حكم به.. ألا ترى «المضطر» ما حرمت الميتة عليه قط، متى وجد الإضطرار. وغير «المضطر» ما أحلت له الميتة قط؟ هذا ظاهر الشرع، فأحكام الشرائع مرتبة على الأحوال، ونحن، فيما جهلنا حاله، أن نحسن الظن به ما وجدنا لذلك سبيلاً..»()
من هم آل البيت:
2- وقال: «واعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه. وخاصة الأنبياء، وآلهم، هم الصالحون، العلماء بالله، والمؤمنون»().
3- وقال: «ومعلوم: أن آل إبراهيم، من النبيين والرسل (هم) الذين كانوا بعده، مثل إسحاق، ويعقوب، ويوسف، ومن انتسل منهم، من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة، الدالة على أن لهم النبوة عند الله.
أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يلحق أمته، وهم آله العلماء الصالحون، ومنهم بمرتبة النبوة عند الله، وإن لم يشرعوا.. ولكن أبقى لهم من شرعه ضرباً من التشريع».
إلى أن قال:
ص: 90
«.. فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند الله، لا في التشريع..».
إلى أن قال:
«فأكرم الله رسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء، كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم.
ثم إنه خص هذه الأمة - أعني علماءها - بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام، وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم، وتعبدهم به، وتعبد من قلدهم به، كما كان حكم الشرايع للأنبياء ومقلديهم.
ولم يكن مثل هذا لأمة نبي، ما لم يكن نبي بوحي منزل.
فجعل الله وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم، كما قال لنبيه صلى الله عليه [وآله] وسلم: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ}()..
فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه الله في اجتهاده..
فهذه نفحات من نفحات التشريع، ما هو عين التشريع..
ص: 91
فلآل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهم المؤمنون من أمته مرتبة النبوة عند الله، تظهر في الآخرة، وما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم، فلم يجتهدوا في الدين والأحكام إلا بأمر مشروع من عند الله..
فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه المثابة، من العلم والاجتهاد، ولهم هذه المرتبة - كالحسن، والحسين، وجعفر، وغيرهم - فقد جمعوا بين الأهل والآل..
فلا تتخيل أن آل محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، هم أهل بيته خاصة، ليس هذا عند العرب، وقد قال تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ}()
يريد خاصته»..().
عصمتهم.. لا تنافي إرتكابهم للكبائر:
وحول عصمة أهل البيت عليهم السلام، وتطهيرهم بالآية،
4 - «فدخل الشرفاء، أولاد فاطمة [عليهم السلام] كلهم يقول: ، ومن هو من أهل البيت [عليهم السلام]، مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله، وعناية بهم، لشرف محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وعناية الله به.
ص: 92
ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت [عليهم السلام] إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا، فمن أتى منهم حداً أقيم عليه، كالتائب إذا بلغ أمره، وقد زنى، أو سرق، أو شرب، أقيم عليه الحد مع تحقق المغفرة، كما عزروا أمثاله، ولا يجوز ذمه.
وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما أنزله أن يصدق الله تعالى عليهم السلام في قوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}()..
فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت [عليهم السلام]: أن الله قد عفا عنهم فيه، فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم الخ..().
خلاصة لما تقدم:
وقد ظهر من النصوص المتقدمة أمور كثيرة، نكتفي منها بذكر ما يلي:
أولاً: إنه يقول: إن المراد بأهل البيت عليهم السلام هم جميع أبناء فاطمة إلى يوم القيامة، ثم هو يدخل فيهم جعفراً وسلمان الفارسي، مع أنهما ليسا من أبنائها، ثم هو يفرق بين كلمتي أهل وآل.. ويقول: إن المراد بآل البيت عليهم السلام هم المؤمنون من أمته صلى الله عليه وآله كلها، تارة..
وأنهم العلماء والمخلصون تارة أخرى..
ص: 93
وأن أهل بيته من كان موصوفاً بصفته، تارة ثالثة..().
ثانياً: إنه يدعي: أن عصمة أهل البيت لا تمنع من صدور الكذب، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر منهم.. ويقرر أنه لا بد في هذه الصورة من إقامة الحدود عليهم، ومجازاتهم في الدنيا.. ولكنها تكون ذنوباً مغفورة لهم في الآخرة..
ثالثاً: إنه كما يقول بعصمة الأئمة، فإنه يقول بعصمة الأولياء الذين يعتبرهم أنبياء أيضاً، وقد أشار إلى أنهم هم آل النبي..
ولكنه يطلق الكلام في حق عمر بن الخطاب، فيقول بعصمته، ولا يورد احتمالات ارتكابه لأي ذنب، كبيراً كان أم صغيراً.. مع أنه قد كان لعمر موقف معروف من النبي صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه، حيث قال عنه: إنه يهجر، أو غلبه الوجع..().
وله موقف وسلوك معروف أيضاً، تجاه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والاعتداء عليها بالضرب، ثم إسقاط جنينها، وغير ذلك.. وقد ماتت وهي مهاجرة له.. بالإضافة إلى مواقفه من الإمام علي عليه السلام، فإنه لم يشر إلى أي شيء من ذلك كله وسواه. مع أنه كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار..
ص: 94
تجاهل أهل البيت عليهم السلام:
إنه برغم ما يدعونه من تشيع ابن عربي لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، فإننا نقول:
إن عد هذا الرجل ممن يتجاهل أهل البيت عليهم السلام في مؤلفاته أولى من عده من شيعتهم وأتباعهم، إذ لا مجال لمقايسة تعظيمه للمناوئين لأهل البيت عليهم السلام، الذي يصل إلى حد الغلو.. بما يذكره من كلمات متواضعة في حق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم..
ومراجعة كتبه مثل «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» تكفي لبيان إهماله الظاهر لذكرهم عليهم السلام، بالقياس إلى من عداهم..
بل هو قد ذكر أن أهل البيت بما فيهم علي، والحسن، والحسين، و.. عليهم السلام قد يرتكبون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، و.. و.. ولم يذكر أن ذلك ممكن في حق غيرهم من الخلفاء..
لمجرد رفع العتب:
وبديهي أن الإهمال التام لذكر علي والحسن والحسين والزهراء عليهم السلام، غير مستساغ عند جميع المسلمين، فإنهم على رأس من يرى جميعالمسلمين
ص: 95
أن الله قد أوجب مودتهم، ومحبتهم.. فقد كان لا بد له ولغيره من ذكر هؤلاء في المواقع المقتضية لذلك، للخروج من حالة الإحراج في أمر ألزم به القرآن، وصرحت به الأحاديث المتواترة..
ولكن ابن عربي لم يهتم كثيراً لهذا الأمر، فأهمل ذكرهم.. إلى حد أنك لا تكاد تشعر بوجودهم، ولا بأي دور، أو مقام لهم صلوات الله عليهم فراجع موسوعته الأهم، وهي فتوحاته المكية، وفصوص الحكم، ورسائله، وغيرها، رغم أنك تجد إغراقاً، بل واستغراقاً في الثناء والتعظيم، لمن عداهم، وعاداهم.. وهو يبادر إلى تسطير الفضائل والكرامات والمقامات لمن خاصمهم وناواهم، بمناسبة وبدونها..
أما ذكر باقي الأئمة، مثل الإمام العسكري، والهادي، والجواد، والرضا، والكاظم، و.. صلوات الله وسلامه عليهم، فذلك - لو حصل - فسيكون نادرة الدهر، وغريبة العمر..
نظرة يقظة
في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة
حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حيدر الوكيل
ص: 96
الحلقة السابعة
الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين
القسم الثاني
وقفت مع الاستاذ الدكتور الطريحي دام عزه في واحات حول مقدمته لكتاب احلام اليقظة للشيخ محمد رضا المظفر ره , وليس ما فيها كل ما في المقدمة فضلا عن الكتاب وها انا ذا اعود في هذه المرة لاضع بين يديه مذاكرات في مقدمته تلك .
المذاكرة الثالثة
التوحيد عند العرفاء هو الاعتقاد بوحدة الوجود وهم يصرحون به و لا يكتمونه فقد تداولته كتبهم وصرحوا بهذه العقيدة الضالة بابشع صورها ومن تصريحاتهم بها ما ذكره حيدر الاملي حيث يقول : اعلم ان الوجود المطلق او الحق تعالى كالبحر المحيط مثلا , والمقيدات والموجودات كالامواج والانهار الغير متناهية . فكما ان الامواج والانهار عبارة عن انبساط البحر المحيط بصور كمالاته المائية وخصوصياته البحرية , فكذلك الموجودات
ص: 97
والمقيدات عبارة عن انبساط الوجود المطلق بصور كمالاته الذاتية وخصوصياته الاسمائية .
وكما ان الامواج والانهار ليست ببحر من وجه وليست غيره من وجه اخر , لان الامواج والانهار وان كانت غير البحر من حيث التعيين والتقييد , لكن ليست غيره من حيث الحقيقة والذات التي هي المائية المحضة - لانها من حيث هذه الحيثية هي هو بعينها - فكذلك الموجودات والمقيدات , لانها وان كانت غير الحق من حيث التعين والتقيد , لكن ليست غيره من حيث الحقيقة والذات التي هي الوجود , لانها - من حيث هذه الحيثية - هي هو بعينها . وفيه قيلت الابيات المذكورة قبل ذلك , وهي هذ :
البحر بحر على ما كان من قدم ان الحوادث امواج وانهار
لا يحجبنك اشكال يشاكلها عمن تشكل فيها فهي استار
وبيان ذلك على سبيل التفصيل هو ان البحر اذا تعين بصور الامواج , سمى موجا . واذا تعين بصور الانهار , سمى نهرا . واذا تعين بصور الجداول , سمى جدولا . وكذلك ( اذا تعين ) بصور المطر والثلج والجليد , وما شاكل ذلك . وليس في الحقيقة الا بحر او ماء , لان الموج والنهر والجدول اسماء ( دالة )
ص: 98
على البحر بلسان العرب او غيرهم ؛ والا , ففي التحقيق ليس له اسم ولا رسم , بل ( البحر ) ايضا اسم له بحسب الاصطلاح .
فكذلك الوجود او الحق , اذا تقيد بقيد سمى به , كما سمى اولا بالعقل , ثم بالنفس , ثم بالفلك , ثم بالاجرام , ثم بالطبايع , ثم بالمواليد وامثال ذلك , وليس في الحقيقة لا عقلا ولا نفسا ولا فلكا , لانها اسماء ( دالة ) على الحق او الوجود بلسان العرب او غيرهم ؛ والا , ففي التحقيق ليس له اسم ولا رسم , كما تقدم في بحث الصفة , بل ( الحق ) و ( الوجود ) ايضا اسم له بحسب الاصطلاح , لقوله تعالى : ( ما تعبدون من دونه الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ان الحكم لله امر ألا تعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم , ولكن اكثر الناس لا يعلمون ) . فوالله ! ثم والله ! لو لم يكن في كتاب الله الا هذه الآية , لكفى برهانا على رفع الكثرة واثبات التوحيد المسمى بالدين القيم ( ولكن اكثر الناس لا يعلمون ) . ذلك من جهلهم وعمائهم (1).
وقال الفيض الكاشاني في عين اليقين :" وجود الممكنات ليس مغايرا لوجود الحق الباطن المجرد عن الأعيان والمظاهر الا بنسب واعتبارات ,كالظهور
ص: 99
والتعين والتعدد الحاصل بالاقتران , وقبول حكم الاشتراك , ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه بواسطة التعلق بالمظاهر .
فللوجود اعتباران :
أحدهما : من حيث كونه وجودا فحسب , وهو الحق , وانه من هذا الوجه لا كثرة فيه , ولا تركيب , ولا صفة , ولا نعت , ولا اسم , ولا رسم , ولا نسبة , ولا حكم , بل وجود بحت .
والاعتبار الآخر : من حيث اقترانه بالممكنات , وشروق نوره على أعيان الموجودات , وهو سبحانه , اذا اعتبر تعين وجوده مقيدا بالصفات اللازمة لكل متعين من الأعيان الممكنة , فان ذلك التعين والتشخص يسمى (( خلقا )) , و (( سوى )) , وينضاف اليه سبحانه اذ ذاك كل وصف , ويسمى كل اسم , ويقبل كل حكم ويتقيد بكل رسم , ويدرك بكل مشعر , من بصر وسمع وعقل وفهم , وذلك لسريانه في كل شيء بنوره الذاتي المقدس عن التجزىء , والانقسام , والحلول في الأرواح والأجسام , ولكن كل ذلك متى أحب , وكيف شاء , وهو في كل وقت وحال قابل لهذين الحكمين المذكورين المضادين بذاته , لا بأمر زائد عليه , اذا شاء ظهر بكل صورة , وان لم يشأ لا تنضاف اليه صورة , لا يقدح تعينه وتشخصه واتصافه بصفاتها فيكمال
ص: 100
وجوده وعزته وقدسه , ولا ينافي ظهوره بها , واظهار تقيده بها , وبأحكامها غناه بذاته عن جميع ما وصف بالوجود , واطلاقه عن كل القيود , بل هو الجامع بين متماثلاتها ومتخالفاتها جميعا , فتأتلف وتختلف "(1) .
وقال حسن زادة املي في استعراضه لمعاني وحدة الوجود :" وثالثة يعقل من الوحدة الوحدة الشخصية غير الوجه الاول الباطل بل بمعنى ان الوجود واحد كثير , أي انه مع كونه واحدا بالشخص كثير وتلك الكثرة والتعدد واختلاف الانواع والاثار لا تنافي وحدته لان الوحدة من غاية سعتها واحاطتها بما سواها تشمل على جميع الكثرات الواقعية , والوجود حقيقة واحدة ولها وحدة لا تقابل الكثرة وهي الوحدة الذاتية , وكثرة ظهوراتها وصورها لا تقدح في وحدة ذاتها" .
بل ان دعواهم ان حقيقة الوجود لا ثاني لها وانها واجبة الوجود كما هو مقتضى الجمع بين ما ذكره الطباطبائي في الفصل السابع من المرحلة الاولى
ص: 101
من بداية الحكمة والفصل الاول من المرحلة الثانية عشرة منها , هو تعبير اخر عن وحدة الوجود .
المذاكرة الرابعة
السيد محمد مهدي بحر العلوم ( قذس سره ) عالم من اجلاء علماء الامامية ومن كبار تلامذة الشيخ المجدد الوحيد محمد باقر البهبهاني ( قدس سره ) والسيد بحر العلوم والثلة الخيرة معه هم من ارسى دعائم الحوزة النجفية في دورها الاخير الذي ما زلنا نعيش بركاته وحاشاه ان يسلك في المعارف الدينية الاعتقادية او العملية غير ما هو المرسوم في الشرع المقدس و لا يخفى على مثله بُعد العرفان عن طريقة ال البيت الطاهرين ( صلوات الله عليهم اجمعين ) .
والرسالة التي صرح الدكتور بانها منسوبة اليه(1)
لا نجد ما يسوغ نسبة السيد الى هذا العرفان بسببها وهي لم يثبت انتسابها اليه ان لم يثبت عدمه فقد قال السيد حسين بحر العلوم في مقدمة تحقيق كتاب " رجال السيد بحر العلوم " بعد ان ذكر كتب السيد محمد مهدي بحر العلوم ( قدس سره ) :" ربما نسبت الى السيد ( قدس سره ) منها رسالة السير والسلوك الفارسية , ولكن لا يعضدها التاريخ , و لا يوافقها طريقة السيد رحمه الله وسلوكه الطافحعلى
ص: 102
سائر مؤلفاته وكتاباته - كما يشهد بذلك - كل من واكب قلمه الشريف في عامة مؤلفاته , والله اعلم"(1).
اما السيد علي الشوشتري فقد ذكر السيد محمد حسين الطهراني في رسالة لب اللباب ان ما عند الشوشتري هو من نساج كان يأتيه في جوف الليل واما الشيخ الاعظم الانصاري فقد صرح بان كتب الفلسفة والعرفان هي من كتب الضلال لغير اهلها وهذا من حسن ظنه بهم كما هو دأب السابقين فانهم كانوا يبتعدون عن المسالك الصوفية العرفانية ويحسنون الظن باهلها حيث شحنوا كتبهم بدعوى انهم على الحق ولكن عباراتهم لا تفي بمقاصدهم الصحيحة واما اليوم فان كتب العرفاء والفلاسفة قد ملات الخافقين وسيطرت على المفاصل الفكرية للشيعة مما يقضي بضرورة التعرف على مسالكهم ومحاسبة هذا الفكر الدخيل و لا يفي بذلك حسن ظن السابقين بهم .
اما من تخرج على اؤلئك العرفاء فاننا لا نهتم لما كان عليه ما دام لم يترك ما نستطيع استكشاف عقيدته من خلاله وقد مضوا الى عالم السر واخفى وما علينا من حسابهم من شيء .
ص: 103
العدد الثامن
الوجه الرابع
قد يقال : بأنّ هذا الدليل دوريّ ؛ لأنّ العلم بمفهوم واحد انتزاعي يتوقف على وحدة المنتزَع منه - يعني لابدّ وأن يكون الشخص المنتزِع عالما بوحدة المنتزَع منه حتى يقدر أن ينتزع منه مفهوما واحدا - لأنّه لو لم تكن هذه
ص: 104
الوحدة - أي وحدة حقيقة الوجود - يلزم عدم صحة الحمل والانتزاع عند المستدل ، بل يكون هذا المفهوم من المفاهيم العامة وبلا حقيقة أو . .
فالاستدلال لوحدة حقيقة الوجود بوحدة مفهوم الوجود - بأن نقول : العلم بوحدة الحقيقة أي المنتزَع منه يتوقف على العلم بوحدة المفهوم - دوري ، فتأمل.
و هنا أجوبة أخرى نذكرها تتميما للفائدة فنقول :
الوجه الخامس :
إنّ الاستدلال مبنّي على امتناع صدق مفهوم واحد على أمور متباينة لا تجمعها وحدة تكون منشأ لصدق ذلك المفهوم ، وهم قائلون بجواز صدق مفاهيم متباينة في حدّ ذاتها على أمر واحد لا تكثر فيه أصلاً ، مع أنّ اللازم من الأوّل أنّ الواحد الذّهني عين الكثير الخارجي ، واللازم من الثاني كون الكثير الذهني عين الواحد الخارجي ، والتفريق بالامتناع والجواز بين الحكمين تحكّم واضح .
ص: 105
بل الالتزام بأنّ الواحد الذهني محتاج إلى الواحد الخارجي مستلزم لصحة قول معاصر الشيخ أعني الشيخ الهمداني في الكلي الطبيعي ، وقد ردّه الشيخ وصاحب الأسفار صدّقه .
قال الشيخ : إنّ الإنسانيّة الواحدة كثيرة بالعدد وليست ذاتا واحدة ، وكذلك الحيوانيّة ، لا كثرة تكون باعتبار إضافات مختلفة ، بل ذات الإنسانيّة المقارنة لخواص زيد هي غير ذات الإنسانيّة المقارنة لخواص عمرو ، فهما إنسانيّتان إنسانيّة قارنت خواص زيد وإنسانيّة قارنت خواص عمرو ، لا غيريّة باعتبار المقارنة حتى يكون حيوانيّة واحدة تقارن المتقابلات من الفصول .
[ الحجّة البالغة في قمع المذاهب المختلفة الزائقة : 315 ، للعلامة الحائري المازندراني رحمه الله ] .
الوجه السادس :
إنّ الامتناع المبنيّ عليه الاستدلال مبنيّ على أنّ انعقاد الحمل بين مفهوم ومصداق إنّما هو بالعينيّة ، وقد قرّرنا في بحث الكلي الطبيعي أنّ التحقيق أنّ الحمل يتحقق لمجرّد أنّ المحمول وجه ومرآة وعنوان للموضوع
ص: 106
.فأنت إذا لا حظت المحمول بمحض أنّه عنوان للموضوع ومجرّد أنّه وجه له وصرف أنّه مرآة له . . . لتوجّه النفس إليه ، فلا ترى فيه إلاّ الموضوع ، إذ هو يفني عن نفسه في جنبه وأنّه بالنسبة إليه كالضمير بالنسبة إلى مرجعه والإشارة بالإضافة إلى المشار إليه ، وذلك لمرآتية ذاتيّة للعناوين الذهنيّة بالنسبة إلى مصاديقها ، والمرآة الواحدة قد يرى فيها متعددة . . . وبالجملة : فالمفهوم مرآة واحدة يرى فيها مصاديق ، والمصحّح للحمل نفس المرآتية لا الوحدة . . [ المصدر ] .
الوجه السابع :
انّ الاستدلال موقوف على جواز وقوع الذات الأحديّة مصداقا لمفهوم ولو انتزاعيّ ، وقد ذهب جماعة - ومنهم القائلون بالوحدة المزبورة - إلى أنّ مرتبة من الوجود لا اسم له ولا رسم ، بل صرح بعضهم بأنّه لا يخبر عنه ، وعلى مذاقهم فهذا الاستدلال ساقط من أصله .
من محرمات الشريعة
ص: 107
البدعة في الدين
اية الله محمد اصف محسني
قال رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ: كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الی النار
في صحيح الثمالي قال: قلت لابي جعفرعلیه السلام ما ادنی النصب ؟ فقال: ان يبدع الرجل شيئا فيحب عليه و يبعض عليه و حيث ان النصب حرام و الناصبي محكوم بالكفر كانت البدعة ايضا حراما.
و في صحيح داود بن سرحان عن الصادق علیه السلام قال:قال رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ اذا رايتم اهل الريب و البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم و اكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام و (يحذرهم الناس) و لا يتعلمون من بدعتهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات في الاخرة (1)
و الرواية و ان وردت مورد وظيفة المسلمين قبال اهل الريب و البدع لكنها تدل دلالة واضحة علی حرمة البدع حرمة شديدة .اقول: البدعة عبارة عن احداث مالا يكون من الدين و ادخاله في الدين.
ص: 108
قال بعض الفضلاء المحدثين:
او ورد نهي عنه عموما او خصوصا فلا يشمل مثل بناء المدرس و امثالها الداخلة في عموم ايواء المومنين و اسكانهم و كانشاء بعض الكتب العلمية و الالبسة و الاطمعة المحدثة فانها داخلة في عمومات الحلية و ما يفعل منها علی وجه العموم اذا قصد كونها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نص ..فما ذكر المخالفون: ان البدعة منقسمة بالاقسام الخمسة تصحيحا لقول الثاني في التراويح: نعمت البدعة باطل اذ لا تطلق البدعة الا علی ما كان محرما كما قال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الی النار (1).
و عن الشهيد في قواعده: محدثات الامور بعد النبي تنقسم اقساما لا يطلق اسم البدعة عندنا الا علی ما هو محرم عندنا(2) انتهی كلامه.اذا تقرر هذا فاعلم ان حرمة البدعة هذه واضحة ضرورية عقلا و شرعا فانها كذب و افتراء و جراة علی الله سبحانه و قد قال الله تعالی ( الله اذن لكم ام
ص: 109
علی الله تفترون ) و يظهر منه ان مجرد عدم الاذان افتراء عليه فالبدعة افتراء علی الرب الخالق المعبود جل شانه ( و من اظلم ممن افتری علی الله كذبا اولئك يعرضون علی ربهم و يقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا علی ربهم الا لعنة الله علی الظالمين)
و في صحيح محمد بن مسلم قال: قال ابو جعفرعلیه السلام لا دين لمن دان بطاعة من عصی الله و لا دين لمن دان بفرية باطل علی الله و لا دين لمن دان بجحود شيء من آيات الله.(1).
ثم لا يخفی الفرق بين البدعة و الاحتياط اذ الاول ادخال ما ليس من الدين في الدين و التزام انه منه . و الثاني : اتيان عمل او تركه باحتمال انه من الدين من دون ادخاله فيه و التزام انه منه فلذا كان الثاني انقيادا و حسنا شرعا و عقلا مع ان الاول قبيح عقلا و حرام شرعا. (لكن فيه ان تركه احتياطا لاجل التدين بتركه لاحتمال كونه محرما نوع التزام و نوع زيادة واحداث في الدين فيشمله عموم كل بدعة ضلالة - الناشر) .تبديل نعمة الله
ص: 110
قال الله تعالی( و من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب)(1)
الظاهر ان المراد بالنعمة ليست هي نعمة الله الدنيوية اي ما يرجع الی الاكل و اللبس و نحوهما بل الهداية الی الدين كما ربما يظهر من صدر الاية ايًضا.
و عليه فليس تحريم تبديل نعمة الله حكما براسه في قبال الشرك و الكفر و المعاصی فانظر.
تبديل الوصية
قال الله تعالی: ( كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين و الاقربين بالمعروف حقا علی المتقين * فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه علی الذين يبدلونه ان الله سميع عليم* فمن خاف من موص جنفا او اثما فاصلح بينهم فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم)(2)
ص: 111
المستفاد من الايات الشريفة حرمة تبديل الوصية بالمعروف(1) الا اذا زاد عن الثلث فانه حيف علی الورثة.
ثم لا فرق في الحرمة المذكورة بين كون الوصية المزبورة واجبة ام مستحبة و ان كان صدر الاية ظاهرا في الوجوب و ياتي تحقيقة في عنوان الوصية.
و كيفما كان يمكن ان يقال ان هذا ليس حكما براسه فان التبديل المذكور اما اكل مال الغير (الموصی له) او منعه عنه لكن الاصح كونه حكما علی حدة ففي صحيحتي محمد بن مسلم عن الامام علیه السلام في رجل اوصی بماله في سبيل الله؟ فقال:اعطه لمن اوصی به له و ان كان يهوديا او نصرانيا ان الله تعالی يقول: (فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه علی الذين يبدلونه) و مثلهما غيرهما.(2)
و اما الاصلاح في خوف الجنف و الاثم فهو يتصور علی وجهين:
اصلاح الوصية و ردها من الانحراف و الاثم و تبديلها بما هو حق مطابق للشرعية.
ص: 112
الاصلاح بين الورثة و ارضاؤهم علی امر و رفع نزاعهم في انفاذ الوصية الموجبة للجنف و يمكن ان يرجح هذا الاحتمال بقرينة قولهفاصلح بينهم .
و تظهر الثمرة بينهما اولا في صورة عدم رضا الورثة فلا معنی للتصالح و الاصلاح علی الثاني و لكنه متوجه علی الاول مطلقا.
و ثانيا: في ان الاصلاح علی الاول بلحاظ مجرد الضوابط الشرعية فقط. و علی الثاني بها و برضا الورثة المختلفين معا.
اقول: و الصحيح هو الوجه الاول و ذلك لامرين:
الاول: ان ارضاء الورثة انما يعتبر في فرض خوف الجنف فقط. اي في فرض ميل الوصي في وصية الی بعض الورثة لا في فرض خوف الاثم اي فرض تعلق الوصية بالحرام الشرعي و المتيقن فيه الاصلاح بالمعنی الاول و اذا فرضنا ان لفظ الاية لايطيق الوجهين معا فلابد من اختيار الوجه الاول مطلقا.
الثاني : قد ثبت اشتراط نفوذ الوصية بان لا يزيد في الماليات عن الثلث و الّا لبطلت في الزائد كما عن المشهور المدعی عليه الاجماع بقسميه و النصوص
ص: 113
المستفيضة او المتواترة و هذا هو الصحيح لدلالة جملة من الاخبار المعتبرة عليه(1) .
و عليه فان لم تزد الوصية عن الثلث فلا شك في لزوم انفاذها رضي الورثة بها ام لا, و ان زادت و رضوا فلا موضوع للاصلاح بينهم و ان لم يرضوا يجب اصلاح الوصية و ردها الی الثلث و هذا هو معنی الوجه الاول.
نعم ربما يتوجه الاصلاح بمعناه الثاني في بعض موارد الوصية العهدية كما اذا اوصی الميت بولاية اطفاله لبعض زوجاته حبا لها من غير امهم فلابد من علاج هذه الصورة ان لم نقل بشمول الاية للوجهين معا.
و الاظهر انه لا مانع من اطلاق الاية بالنسبة الی الوجهين و يمكن ان نستشهد عليه بصحيحة محمد بن قيس(2)
و صحيحة محمد بن سوقة.(3)
ص: 114
ص: 115
هل ان لوجود الله تعالی اجزاءً؟!
ابو علي الخراساني
قالوا:
... وهذا الاطلاق الحقيقي الإحاطي حائز للجميع، ولا يشذّ عن حيطته شيء.(1)
إن اللّه سبحانه موجود مطلق لا يعزب عن شيء ولا يعزب عنه شيء.(2)
هو مجمع الموجودات ومرجع الكل والجميع مظاهر أسمائه ومجالي صفاته...(3)
إنّ تمام الشيء هو الشيء وما يفضل عليه.(4)توحيد عرشي: إعلم أنّ ذاته تعالی... هو وجود الأشياء... فهو كل الذوات ولا يشذّ عنه شيء من الموجودات.(5)
ص: 116
الوجود الحق المطلق لا يغاير الكل ولا يغاير البعض لكون كلية الكل وجزئية الجزء نسبا ذاتية له، فهو لا ينحصر في الجزء، ولا في الكل، فهو مع كونه فيهما عينهما يغاير كلا منهما في خصوصهما.(1)
العلة المبدأ الفياضة يشتمل علی وجود جميع المعلولات، بوجود جمعي... نظير جامعية الجملة والكل بالنسبة إلی الأجزاء والآحاد.(2)
إنما التعيّن يتصور علی وجهين: إما بالتقابل كالبقر والغنم، وإما بالإحاطة كالجزء والكل، ولا يمكن ميز بغير ذلك... وتعيّن الواجب تعالی من قبيل القسم الثاني؛ لأنه ليس في مقابله شيء، وليس هو في مقابل شيء... ونسبة حقيقة الحقايق مع ما سواه المفروض تكون هكذا.(3)إن دعوة الأنبياء هي هذه: أيّها الأجنبي بالصورة! أنت جزء مني... فتعال أيّها الجزء، لا تكن غافلا عن الكل!(4)
ص: 117
جميع الأشياء كانت مندرجة في مقام الذات... كل الذرات تشعشعت من هناك.(1)
ينبغي أن يكون أعلی مقصد وأسنی هدف، هو اندراج ذواتنا في داخل ذات الواجب، كما تقرّ القطرة في البحر.(2)
ولكن نری في مدرسة الوحي والبرهان:
كل ما يوجد في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه.(3)
إنه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء، متعاليا عن كل شيء، سبحانه وتعالى.(4)فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه.(5)
... تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا.(6)
ص: 118
إن اللّه تعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه إسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه عزّ وجلّ.(1)
... سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ "وهو اللّه في السموات وفي الأرض" قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته؟! قال: ويحك إن الأماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك، ولكن هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا، وليس علمه بما في الأرض بأقلّ مما في السماء، لا يبعد منه شيء والأشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة.(2)هو واحد، أحدي الذات، بائن من خلقه... محيط بالأشراف والأحاطة والقدرة... بالأحاطة والعلم لا بالذات.(3)
كنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه.(4)
ص: 119
قال الإمام الرضا عليه السلام لابن قرّة النصراني: ما تقول في المسيح؟ قال: يا سيدي إنه من اللّه، فقال: وما تريد بقولك "من"؟ و"من" على أربعة أوجه لا خامس لها، أتريد بقولك "من"، ك"البعض من الكل" فيكون مبعضا؟ أو ك"الخل من الخمر" فيكون على سبيل الاستحالة؟ أو ك"الولد من الوالد" فيكون على سبيل المناكحة؟ أو ك"الصنعة من الصانع" فيكون على سبيل المخلوق من الخالق؟ أو عندك وجه آخر فتعرفناه؟ فإنقطع.(1)
ص: 120
خطبة
الزهراء البتول سيدة نساء العالمين عليها السلام
الحلقة الثالثة
وَ قَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ(1) لَمَّا مَرِضَتْ فَاطِمَةُ س الْمَرْضَةَ الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا(2) دَخَلَتْ عَلَيْهَا نِسَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ يَعُدْنَهَا فَقُلْنَ لَهَا كَيْفَ أَصْبَحْتِ مِنْ عِلَّتِكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَ صَلَّتْ عَلَى أَبِيهَا ثُمَّ قَالَتْ أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ عَائِفَةً لِدُنْيَاكُنَّ قَالِيَةً لِرِجَالِكُنَّ لَفَظْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ (3)
وَ سَئِمْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُمْ (4) فَقُبْحاً لِفُلُولِ الْحَدِّ وَ اللَّعِبِ بَعْدَ الْجِدِّ وَ قَرْعِ الصَّفَاةِ وَ صَدْعِالْقَنَاةِ وَ خَتْلِ الْآرَاءِ(5) وَ زَلَلِ الْأَهْوَاءِ وَ بِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ لَا جَرَمَ لَقَدْ قَلَّدْتُهْم رِبْقَتَهَا وَ حَمَّلْتُهُمْ أَوْقَتَهَا(6) وَ شَنَنْتُ عَلَيْهِمْ غَارَاتِهَا(7) فَجَدْعاً وَ عَقْراً وَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
ص: 121
وَيْحَهُمْ أَنَّى زَعْزَعُوهَا عَنْ رَوَاسِي الرِّسَالَةِ وَ قَوَاعِدِ النُّبُوَّةِ وَ الدَّلَالَةِ وَ مَهْبِطِ الرُّوحِ الْأَمِينِ وَ الطَّبِينِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا(1)
وَ الدِّينِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ وَ مَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ ع نَقَمُوا وَ اللَّهِ مِنْهُ نَكِيرَ سَيْفِهِ وَ قِلَّةَ مُبَالاتِهِ لِحَتْفِهِ وَ شِدَّةَ وَطْأَتِهِ وَ نَكَالَ (2)
وَقْعَتِهِ وَ تَنَمُّرَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ (3) وَ تَاللَّهِ لَوْ مَالُوا عَنِ الْمَحَجَّةِ اللَّائِحَةِ وَ زَالُوا عَنْ قَبُولِ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ لَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا وَ حَمَلَهُمْ عَلَيْهَا وَ لَسَارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً(4)-
لَا يَكْلُمُ حشاشه (5)
[خِشَاشُهُ] وَ لَايَكِلُّ سَائِرُهُ (6) وَ لَا يَمَلُّ رَاكِبُهُ وَ لَأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلًا نَمِيراً صَافِياً رَوِيّاً تَطْفَحُ ضَفَّتَاهُ وَ لَا يَتَرَنَّقُ جَانِبَاهُ وَ لَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً وَ نَصَحَ لَهُمْ سِرّاً وَ إِعْلَاناً وَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَلَّى مِنَ الدُّنْيَا بِطَائِلٍ وَ لَا يَحْظَى مِنْهَا بِنَائِلٍ غَيْرَ رَيِّ النَّاهِلِ وَ شُبْعَةِ الْكَافِلِ وَ لَبَانَ لَهُمُ الزَّاهِدُ مِنَ الرَّاغِبِ وَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ
ص: 122
بِمُعْجِزِينَ أَلَا هَلُمَّ فَاسْمَعْ وَ مَا عِشْتَ أَرَاكَ الدَّهْرَ عَجَباً- وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ لَيْتَ شِعْرِي إِلَى أَيِّ سِنَادٍ اسْتَنَدُوا وَ إِلَى أَيِّ عِمَادٍ اعْتَمَدُوا وَ بِأَيَّةِ عُرْوَةٍ تَمَسَّكُوا وَ عَلَى أَيَّةِ ذُرِّيَّةٍ أَقْدَمُوا وَ احْتَنَكُوا(1)
لَبِئْسَ الْمَوْلى وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ وَ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا اسْتَبْدَلُوا وَ اللَّهِ الذَّنَابَى بِالْقَوَادِمِ (2) وَ الْعَجُزَ بِالْكَاهِلِ (3)
فَرَغْماً لِمَعَاطِسِ (4)
قَوْمٍ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ... أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ- وَيْحَهُمْ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْيُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمَا لَعَمْرِي لَقَدْ لَقِحَتْ فَنَظِرَةٌ رَيْثَمَا تُنْتَجُ ثُمَّ احْتَلَبُوا مِلْ ءَ الْقَعْبِ دَماً عَبِيطاً(5) وَ ذُعَافاً مُبِيداً هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَ يُعْرَفُ الْبَاطِلُونَ غِبَ (6)
مَا أُسِّسَ الْأَوَّلُونَ ثُمَّ طِيبُوا عَنْ دُنْيَاكُمْ أَنْفُساً وَ اطْمَأَنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَاشاً وَ أَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ وَ سَطْوَةِ مُعْتَدٍ غَاشِمٍ وَ بِهَرْجٍ شَامِلٍ وَ اسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ يَدَعُ فَيْئَكُمْ زَهِيداً وَ جَمْعَكُمْ حَصِيداً فَيَا حَسْرَتَى لَكُمْ وَ أَنَّى بِكُمْ وَ قَدْ عَمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
ص: 123
قَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ فَأَعَادَتِ النِّسَاءُ قَوْلَهَا ع عَلَى رِجَالِهِنَّ فَجَاءَ إِلَيْهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ مُعْتَذِرِينَ وَ قَالُوا يَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ لَوْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ ذَكَرَ لَنَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ يُبْرَمَ الْعَهْدُ وَ يُحْكَمَ الْعَقْدُ لَمَا عَدَلْنَا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَقَالَتْ ع إِلَيْكُمْ عَنِّي فلَا عُذْرَ بَعْدَ تَعْذِيرِكُمْ وَ لَا أَمْرَ بَعْدَ تَقْصِيرِكُمْ .
روی الصدوق عن عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ وَ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالا أَتَى رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هَلْ تُشَيَّعُ الْجَنَازَةُ بِنَارٍ وَ يُمْشَى مَعَهَا بِمِجْمَرَةٍ أَوْ قِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُضَاءُ بِهِ قَالَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مِنْ ذَلِكَ وَ اسْتَوَى جَالِساً ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ جَاءَ شَقِيٌّ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ لَهَا أَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ عَلِيّاً قَدْ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَتْ حَقّاً مَا تَقُولُ فَقَالَ حَقّاً
ص: 124
مَا أَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَدَخَلَهَا مِنَ الْغَيْرَةِ مَا لَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى النِّسَاءِ غَيْرَةً وَ كَتَبَ عَلَى الرِّجَالِ جِهَاداً وَ جَعَلَ لِلْمُحْتَسِبَةِ الصَّابِرَةِ مِنْهُنَّ مِنَ الْأَجْرِ مَا جَعَلَ لِلْمُرَابِطِ الْمُهَاجِرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فَاشْتَدَّ غَمُّ فَاطِمَةَ مِنْ ذَلِكَ وَ بَقِيَتْ مُتَفَكِّرَةً هِيَ حَتَّى أَمْسَتْ وَ جَاءَ اللَّيْلُ حَمَلَتِ الْحَسَنَ عَلَى عَاتِقِهَا الْأَيْمَنِ وَ الْحُسَيْنَ عَلَى عَاتِقِهَا الْأَيْسَرِ وَ أَخَذَتْ بِيَدِ أُمِّ كُلْثُومٍ الْيُسْرَى بِيَدِهَا الْيُمْنَى ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى حُجْرَةِ أَبِيهَا فَجَاءَ عَلِيٌّ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ فَلَمْ يَرَ فَاطِمَةَ فَاشْتَدَّ لِذَلِكَ غَمُّهُ وَ عَظُمَ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَعْلَمِ الْقِصَّةَ مَا هِيَ فَاسْتَحَى أَنْ يَدْعُوَهَا مِنْ مَنْزِلِ أَبِيهَا فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَمَعَ شَيْئاً مِنْ كَثِيبِ(1)
الْمَسْجِدِ وَ اتَّكَأَ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ص مَابِفَاطِمَةَ مِنَ الْحُزْنِ أَفَاضَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لَبِسَ ثَوْبَهُ وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بَيْنَ رَاكِعٍ وَ سَاجِدٍ وَ كُلَّمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دَعَا اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ مَا بِفَاطِمَةَ مِنَ الْحُزْنِ وَ الْغَمِّ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَ هِيَ تَتَقَلَّبُ وَ تَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ فَلَمَّا رَآهَا النَّبِيُّ ص أَنَّهَا لَايُهَنِّيهَا النَّوْمُ وَ لَيْسَ لَهَا قَرَارٌ قَالَ لَهَا قُومِي يَا بُنَيَّةِ فَقَامَتْ فَحَمَلَ النَّبِيُّ ص الْحَسَنَ وَ حَمَلَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ وَ أَخَذَتْ بِيَدِ أُمِّ كُلْثُومٍ فَانْتَهَى إِلَى عَلِيٍّ ع وَ هُوَ نَائِمٌ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ص رِجْلَهُ عَلَى رِجْلِ عَلِيٍّ فَغَمَزَهُ وَ قَالَ قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ فَكَمْ سَاكِنٍ أَزْعَجْتَهُ ادْعُ لِي أَبَا بَكْرٍ مِنْ دَارِهِ وَ عُمَرَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ طَلْحَةَ فَخَرَجَ
ص: 125
عَلِيٌّ فَاسْتَخْرَجَهُمَا مِنْ مَنْزِلِهِمَا وَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهَا فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَ مَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي وَ مَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي كَانَ كَمَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ عَلِيٌّ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا كَانَ مِنِّي مِمَّا بَلَغَهَا شَيْ ءٌ وَ لَا حَدَّثَتْ بِهَا نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَدَقْتَ وَ صَدَقَتْ فَفَرِحَتْ فَاطِمَةُ ع بِذَلِكَ وَ تَبَسَّمَتْ حَتَّى رُئِيَ ثَغْرُهَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ لَعَجَبٌ لِحِينِهِ مَا دَعَاهُ إِلَى مَا دَعَانَا هَذِهِ السَّاعَةَ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ ص بِيَدِ عَلِيٍّ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ بِأَصَابِعِهِ فَحَمَلَ النَّبِيُّ ص الْحَسَنَ وَ حَمَلَ الْحُسَيْنَ عَلِيٌّ وَ حَمَلَتْ فَاطِمَةُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَ أَدْخَلَهُمُ النَّبِيُّ بَيْتَهُمْ وَ وَضَعَ عَلَيْهِمْقَطِيفَةً وَ اسْتَوْدَعَهُمُ اللَّهَ ثُمَّ خَرَجَ وَ صَلَّى بَقِيَّةَ اللَّيْلِ فَلَمَّا مَرِضَتْ فَاطِمَةُ مَرَضَهَا الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ أَتَيَاهَا عَائِدَيْنِ وَ اسْتَأْذَنَا عَلَيْهَا فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ أَعْطَى اللَّهَ عَهْداً أَنْ لَا يُظِلَّهُ سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَ يَتَرَاضَاهَا فَبَاتَ لَيْلَةً فِي الْبَقِيعِ مَا يُظِلُّهُ شَيْ ءٌ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَتَى عَلِيّاً ع فَقَالَ لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ شَيْخٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ وَ قَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي الْغَارِ فَلَهُ صُحْبَةٌ وَ قَدْ أَتَيْنَاهَا غَيْرَ هَذِهِ الْمَرَّةِ مِرَاراً نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْهَا وَ هِيَ تَأْبَى أَنْ تَأْذَنَ لَنَا حَتَّى نَدْخُلَ عَلَيْهَا فَنَتَرَاضَى فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَنَا عَلَيْهَا فَافْعَلْ قَالَ نَعَمْ فَدَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ ع فَقَالَ يَا
ص: 126
بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَدْ كَانَ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مَا قَدْ رَأَيْتِ وَ قَدْ تَرَدَّدَ مِرَاراً كَثِيرَةً وَ رَدَدْتِهِمَا وَ لَمْ تَأْذَنِي لَهُمَا وَ قَدْ سَأَلَانِي أَنْ أَسْتَأْذِنَ لَهُمَا عَلَيْكِ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ لَا آذَنُ لَهُمَا وَ لَا أُكَلِّمُهُمَا كَلِمَةً مِنْ رَأْسِي حَتَّى أَلْقَى أَبِي فَأَشْكُوَهُمَا إِلَيْهِ بِمَا صَنَعَاهُ وَ ارْتَكَبَاهُ مِنِّي فَقَالَ عَلِيٌّ ع فَإِنِّي ضَمِنْتُ لَهُمَا ذَلِكِ قَالَتْ إِنْ كُنْتَ قَدْ ضَمِنْتَ لَهُمَا شَيْئاً فَالْبَيْتُ بَيْتُكَ وَ النِّسَاءُ تَتَّبِعُ الرِّجَالَ لَا أُخَالِفُ عَلَيْكَ بِشَيْ ءٍ فَأْذَنْ لِمَنْ أَحْبَبْتَ فَخَرَجَ عَلِيٌّ ع فَأَذِنَ لَهُمَا فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُمَا عَلَى فَاطِمَةَ ع سَلَّمَا عَلَيْهَا فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِمَا وَ حَوَّلَتْ وَجْهَهَا عَنْهُمَا فَتَحَوَّلَا وَ اسْتَقْبَلَا وَجْهَهَا حَتَّى فَعَلَتْ مِرَاراً وَ قَالَتْ يَا عَلِيُّ جَافِ الثَّوْبَ وَ قَالَتْ لِنِسْوَةٍ حَوْلَهَا حَوِّلْنَ وَجْهِي فَلَمَّا حَوَّلْنَ وَجْهَهَا حَوَّلَا إِلَيْهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّمَا أَتَيْنَاكِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكِ وَ اجْتِنَابَ سَخَطِكِنَسْأَلُكِ أَنْ تَغْفِرِي لَنَا وَ تَصْفَحِي عَمَّا كَانَ مِنَّا إِلَيْكِ قَالَتْ لَا أُكَلِّمُكُمَا مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً وَاحِدَةً أَبَداً حَتَّى أَلْقَى أَبِي وَ أَشْكُوَكُمَا إِلَيْهِ وَ أَشْكُوَ صَنِيعَكُمَا وَ فِعَالَكُمَا وَ مَا ارْتَكَبْتُمَا مِنِّي قَالا إِنَّا جِئْنَا مُعْتَذِرَيْنِ مبتغين مَرْضَاتَكِ فَاغْفِرِي وَ اصْفَحِي عَنَّا وَ لَا تُؤَاخِذِينَا بِمَا كَانَ مِنَّا فَالْتَفَتَتْ إِلَى عَلِيٍّ ع وَ قَالَتْ إِنِّي لَا أُكَلِّمُهُمَا مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً حَتَّى أَسْأَلَهُمَا عَنْ شَيْ ءٍ سَمِعَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ صَدَّقَانِي رَأَيْتُ رَأْيِي قَالا اللَّهُمَّ ذَلِكَ لَهَا وَ إِنَّا لَا نَقُولُ إِلَّا حَقّاً وَ لَا نَشْهَدُ إِلَّا صِدْقاً فَقَالَتْ أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ أَ تَذْكُرَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص اسْتَخْرَجَكُمَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لِشَيْ ءٍ كَانَ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ فَقَالا اللَّهُمَّ
ص: 127
نَعَمْ فَقَالَتْ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتُمَا النَّبِيَّ ص يَقُولُ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهَا مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَ مَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي فَكَانَ كَمَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي وَ مَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي كَانَ كَمَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي قَالا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ فَاشْهَدُوا يَا مَنْ حَضَرَنِي أَنَّهُمَا قَدْ آذَيَانِي فِي حَيَاتِي وَ عِنْدَ مَوْتِي وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكُمَا مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً حَتَّى أَلْقَى رَبِّي فَأَشْكُوَكُمَا بِمَا صَنَعْتُمَا بِي وَ ارْتَكَبْتُمَا مِنِّي فَدَعَا أَبُو بَكْرٍ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ وَ قَالَ لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي فَقَالَ عُمَرُ عَجَباً لِلنَّاسِ كَيْفَ وَلَّوْكَ أُمُورَهُمْ وَ أَنْتَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ تَجْزَعُ لِغَضَبِ امْرَأَةٍ وَ تَفْرَحُ بِرِضَاهَا وَ مَا لِمَنْ أَغْضَبَ امْرَأَةً وَ قَامَا وَ خَرَجَا قَالَ فَلَمَّا نُعِيَ إِلَى فَاطِمَةَ نَفْسُهَا أَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ وَ كَانَتْ أَوْثَقَ نِسَائِهَا عِنْدَهَا وَفِي نَفْسِهَا فَقَالَتْ لَهَا يَا أُمَّ أَيْمَنَ إِنَّ نَفْسِي نُعِيَتْ إِلَيَّ فَادْعِي لِي عَلِيّاً فَدَعَتْهُ لَهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ لَهُ يَا ابْنَ الْعَمِّ أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَكَ بِأَشْيَاءَ فَاحْفَظْهَا عَلَيَّ فَقَالَ لَهَا قُولِي مَا أَحْبَبْتِ قَالَتْ لَهُ تَزَوَّجْ فُلَانَةَ تَكُونُ لِوُلْدِي مُرَبِّيَةً مِنْ بَعْدِي مِثْلِي وَ اعْمَلْ نَعْشاً رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ قَدْ صَوَّرَتْهُ لِي فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ أَرِينِي كَيْفَ صُورَتُهُ فَأَرَتْهُ ذَلِكَ كَمَا وصفت له [وُصِفَ لَهَا] وَ كَمَا أُمِرَتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ نَحْبِي فَأَخْرِجْنِي مِنْ سَاعَتِكَ أَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَ لَا يَحْضُرَنَّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ أَعْدَاءِ رَسُولِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيَّ أَحَدٌ قَالَ عَلِيٌّ ع أَفْعَلُ فَلَمَّا قَضَتْ نَحْبَهَا ص وَ هُمْ فِي ذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ
ص: 128
أَخَذَ عَلِيٌّ فِي جَهَازِهَا مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا أَوْصَتْهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جَهَازِهَا أَخْرَجَ عَلَى الْجَنَازَةِ وَ أَشْعَلَ النَّارَ فِي جَرِيدِ النَّخْلِ وَ مَشَى مَعَ الْجَنَازَةِ بِالنَّارِ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهَا وَ دَفَنَهَا لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ عَاوَدَا عَائِدَيْنِ لِفَاطِمَةَ فَلَقِيَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالا لَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ عَزَّيْتُ عَلِيّاً بِفَاطِمَةَ قَالا وَ قَدْ مَاتَتْ قَالَ نَعَمْ وَ دُفِنَتْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَجَزَعَا جَزَعاً شَدِيداً ثُمَّ أَقْبَلَا إِلَى عَلِيٍّ ع فَلَقِيَاهُ وَ قَالا لَهُ وَ اللَّهِ مَا تَرَكْتَ شَيْئاً مِنْ غَوَائِلِنَا وَ مَسَاءَتِنَا وَ مَا هَذَا إِلَّا مِنْ شَيْ ءٍ فِي صَدْرِكَ عَلَيْنَا هَلْ هَذَا إِلَّا كَمَا غَسَّلْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص دُونَنَا وَ لَمْ تُدْخِلْنَا مَعَكَ وَ كَمَا عَلَّمْتَ ابْنَكَ أَنْ يَصِيحَ بِأَبِي بَكْرٍ أَنِ انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي فَقَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ ع أَ تُصَدِّقَانِي إِنْ حَلَفْتُ لَكُمَا قَالا نَعَمْ فَحَلَفَ فَأَدْخَلَهُمَا عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَقَدْأَوْصَانِي وَ تَقَدَّمَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهِ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ عَمِّهِ فَكُنْتُ أُغَسِّلُهُ وَ الْمَلَائِكَةُ تُقَلِّبُهُ وَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ يُنَاوِلُنِي الْمَاءَ وَ هُوَ مَرْبُوطُ الْعَيْنَيْنِ بِالْخِرْقَةِ وَ لَقَدْ أَرَدْتُ أَنْزِعَ الْقَمِيصَ فَصَاحَ بِي صَائِحٌ مِنَ الْبَيْتِ سَمِعْتُ الصَّوْتَ وَ لَمْ أَرَ الصُّورَةَ لَا تَنْزِعْ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ الصَّوْتَ يُكَرِّرُهُ عَلَيَّ فَأَدْخَلْتُ يَدِي مِنْ بَيْنِ الْقَمِيصِ فَغَسَّلْتُهُ ثُمَّ قُدِّمَ إِلَيَّ الْكَفَنُ فَكَفَّنْتُهُ ثُمَّ نَزَعْتُ الْقَمِيصَ بَعْدَ مَا كَفَّنْتُهُ وَ أَمَّا الْحَسَنُ ابْنِي فَقَدْ تَعْلَمَانِ وَ يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يَتَخَطَّى الصُّفُوفَ حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيَّ ص وَ هُوَ سَاجِدٌ فَيَرْكَبَ ظَهْرَهُ فَيَقُومُ النَّبِيُّ ص وَ يَدُهُ عَلَى ظَهْرِ الْحَسَنِ وَ الْأُخْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى يُتِمَّ
ص: 129
الصَّلَاةَ قَالا نَعَمْ قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ تَعْلَمَانِ وَ يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَسْعَى إِلَى النَّبِيِّ وَ يَرْكَبُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَ يُدْلِي الْحَسَنُ رِجْلَيْهِ عَلَى صَدْرِ النَّبِيِّ ص حَتَّى يُرَى بَرِيقُ خَلْخَالَيْهِ مِنْ أَقْصَى الْمَسْجِدِ وَ النَّبِيُّ ص يَخْطُبُ وَ لَا يَزَالُ عَلَى رَقَبَتِهِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّبِيُّ ص مِنْ خُطْبَتِهِ وَ الْحَسَنُ عَلَى رَقَبَتِهِ فَلَمَّا رَأَى الصَّبِيُّ عَلَى مِنْبَرِ أَبِيهِ غَيْرَهُ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَ اللَّهِ مَا أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ وَ لَا فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِي وَ أَمَّا فَاطِمَةُ فَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي اسْتَأْذَنْتُ لَكُمَا عَلَيْهَا فَقَدْ رَأَيْتُمَا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِهَا لَكُمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ أَوْصَتْنِي أَنْ لَا تَحْضُرَا جَنَازَتَهَا وَ لَا الصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَ مَا كُنْتُ الَّذِي أُخَالِفُ أَمْرَهَا وَ وَصِيَّتَهَا إِلَيَّ فِيكُمَا وَ قَالَ عُمَرُ دَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْهَمْهَمَةَ أَنَا أَمْضِي إِلَى الْمَقَابِرِ فَأَنْبُشُهَا حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ع وَ اللَّهِ لَوْ ذَهَبْتَ تَرُومُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَصِلُ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى يَنْدُرَ عَنْكَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ فَإِنِّي كُنْتُ لَا أُعَامِلُكَ إِلَّا بِالسَّيْفِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى شَيْ ءٍ مِنْ ذَلِكَ فَوَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَ عُمَرَ كَلَامٌ حَتَّى تَلَاحَيَا وَ اسْتَبَّا وَ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا وَ اللَّهِ مَا نَرْضَى بِهَذَا أَنْ يُقَالَ فِي ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَخِيهِ وَ وَصِيِّهِ وَ كَادَتْ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ فَتَفَرَّقَا(1)
ص: 130
اقول: و هذه الرواية ضعيفة السند اولا و من روايات العامة ثانيا و يشهد لكذبها ان البخاري روی ذلك عن مسورة بن مخرمة ان عليا علیه السلام خطب جويرية بنت ابي جهل(1) و الحال ان مسورة طبقا لشهادة علماء الرجال من العامة مثل ابن حجر في كتاب الاصابة قال ان مسورة تولد في السنة الثانية للهجرة(2) كما قال ذلك ابو علم احد علماء الازهر في كتابه فاطمة الزهراء(3) اذن ان مسورة اما لم يكن متولدا او تولد وكان في القماط هذا اولا.و ثانيا: ان جويرية لم تسلم الی السنة الثامنة للهجرة وكانت من الكفار و الزواج مع الكفار حرام .
ثالثا: ان جويرية لم تأت الی المدينة ايام حياة الرسول الاكرم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يعني الی السنة العاشرة من الهجرة .
رابعا: انها مخالفة للقران و السنة القطعية فقد دلت اية التطهير {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} علی عصمة الزهراء
ص: 131
البتول عليها السلام و ان الله تعالی اذهب عنها الرجس وطهرها تطهيرا وقد اشتملت هذه الرواية علی انها قد اصابتها الغيرة من خلال حدسها ان امير المؤمنين (علیه السلام) خطب بنت ابي جهل و لا شك ان هذه الغيرة مذمومة بل قد ورد في بعض الاخبار انها منافية للايمان, و اشتملت علی ان امير المؤمنين (علیه السلام) قد اخبرها بالعدم و هي لم تقبل قوله عليه السلام فهي سيئة الظن به (علیه السلام) وهذا مما لا يمكن صدوره منها عليها السلام, وتوحي الرواية باختلافهما.
وخامسا: اشتمالها علی جملة من التلفيقات فجاء فيها: فَحَمَلَ النَّبِيُّ ص الْحَسَنَ وَ حَمَلَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ وَ أَخَذَتْ بِيَدِ أُمِّ كُلْثُومٍ فَانْتَهَى إِلَى عَلِيٍّ ع وَ هُوَ نَائِمٌ فَوَضَعَ النَّبِيُّ ص رِجْلَهُ عَلَى رِجْلِ عَلِيٍّ فَغَمَزَهُ وَ قَالَ قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍفَكَمْ سَاكِنٍ أَزْعَجْتَهُ ادْعُ لِي أَبَا بَكْرٍ مِنْ دَارِهِ وَ عُمَرَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ طَلْحَةَ فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَاسْتَخْرَجَهُمَا مِنْ مَنْزِلِهِمَا وَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهَا فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَ مَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي وَ مَنْ آذَاهَا فِي حَيَاتِي كَانَ كَمَنْ آذَاهَا بَعْدَ مَوْتِي قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ عَلِيٌّ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا كَانَ مِنِّي مِمَّا بَلَغَهَا شَيْ ءٌ وَ لَا حَدَّثَتْ بِهَا نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَدَقْتَ وَ صَدَقَتْ .
ص: 132
و هذه الفقرة تدل علی ان النبي ص كعوام الناس يقضي لصالح بنته عليها السلام قبل ان يسمع كلام المشتكی عليه بل يتهم الامير ع قبل ان يسمع منه كما هو صريح الرواية من قوله قَالَ فَمَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ و اشتملت علی انه دعا ابا بكر و عمر وطلحة وكانهم اهل الحل و الفصل في القضايا و الحال انهم لا مكانة لهم عند الرسول ص و لا دور لهم ايام حياة الرسول ص و حركته الرسالية لا في الحروب و لا في تبليغ الرسالة فكيف يدعوهم النبي ص و هم ممن آذی النبي ص كما تشهد بذلك الوقائع التاريخية التي يطول المقام بذكرها فهذا طلحة الذي يقول بانا سنجول بين نساء الرسول ص بعد ما يموت .و تصور الرواية بان المقصود من كلام الرسول ص فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهَا فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي... هو علي ع و الحال ان المفهوم من هذا الكلام هو عصمة الزهراء البتول عليها السلام و انها تمثل الاسلام و ان قولها وفعلها وتمام تصرفاتها حجة فلا فرق بينها و بين امير المؤمنين ع فكلاهما حجتا الله تعالی كما هو المفهوم من اية المباهلة {...ونسائنا ونسائكم وانفسنا و انفسكم} فالزهراء ع تمثل نساء الامة الاسلامية و علي ع يمثل نفس النبي ص صاحب الرسالة الاسلامية فلا فرق في شخصيتهما و لا اختلاف بينهما بل هما معا معصومان كما نصت بذلك اية التطهير و ليست هذه المسألة يعني فاطِمَةَ
ص: 133
بَضْعَةٌ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهَا فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي... مسألة عاطفية كما تصورها الرواية بل هذه المسألة مسألة الاسلام .
و اشتملت علی التناقض علی لسان الرسول ص ففيها: فَقَالَ النَّبِيُّ صَدَقْتَ وَ صَدَقَتْ و بذلك يظهر كاملا كذب هذه الرواية .المختار بن أبي عبيد الثقفي
يتردد الكلام بين الناس حول شخصية المختار الثقفي وهل انه كان صالحا ام منحرفا عن مسير الحق و لذا ارتأت مجلة اهل البيت عليهم السلام ان تقدم للقراء الكرام ما ورد من الروايات في مدح المختار و ذمه و ابداء ما هو التحقيق في ذلك , وخير كتاب يمكن الركون الی تحقيقاته هو كتاب قاموس
ص: 134
الرجال للعلامة التستري قدس سره وقد اقتبسنا منه هذا التحقيق مع تلخيص بعض مطالبه وقد بدأ قدس الله سره بذكر الروايات الواردة في مدحه ثم عقبها بالروايات الذامة له واجاب عنها.
الروايات الواردة في مدح المختار
قال قدس الله سره: روى الكشّي عن حمدويه، عن يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنّى، عن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تسبّوا المختار، فإنّه قتل قتلتنا، و طلب بثأرنا، و زوّج أراملنا، و قسّم المال فينا على العسرة.و عن محمّد بن الحسن و عثمان بن حامد، عن محمّد بن يزداد، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد اللّه بن الزبير، عن عبد اللّه بن شريك قال: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام يوم النحر و هو متّك و قد أرسل إلى الحلّاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة، فتناول يده ليقبّلها فمنعه، ثمّ قال: من أنت؟ قال: أنا أبو محمّد الحكم بن المختار بن أبي عبيد- و كان متباعدا عن أبي جعفر عليه السلام- فمدّ يده إليه حتّى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثمّ قال: أصلحك اللّه! إنّ الناس قد أكثروا في أبي و قالوا، و القول و اللّه قولك. قال: و أيّ شي ء يقولون؟ قال، يقولون:
ص: 135
كذّاب! و لا تأمرني بشي ء إلّا قبلته، فقال: سبحان اللّه! أخبرني أبي: و اللّه إنّ مهر أمّي كان ممّا بعث به المختار، أو لم يبن دورنا و قتل قاتلنا و طلب بدمائنا؟ رحمه اللّه؛ و أخبرني و اللّه أبي: أنّه كان ليقيم عند فاطمة بنت عليّ عليه السلام يمهّد لها الفراش و يثني لها الوسائد، و منها أصاب الحديث؛ رحم اللّه أباك! رحم اللّه أباك! ما ترك لنا حقّا عند أحد إلّا طلبه، قتل قتلتنا و طلب بدمائنا.(1)و عن جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن عليّ بن أسباط، عن عبد الرحمن ابن حمّاد، عن عليّ بن حزوّر، عن الأصبغ قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام و هو يمسح على رأسه و يقول: يا كيّس! يا كيّس!
و عن إبراهيم بن محمّد الجبلي، عن أحمد بن إدريس القمّي، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن العبّاس بن عامر، عن سيف بن عميرة، عن جارود بن المنذر، عن الصادق عليه السلام قال: ما امتشطت فينا هاشميّة و لا اختضبت حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين عليه السلام.
ص: 136
و عن العيّاشي، عن أبي الحسن عليّ بن أبي عليّ الخزاعي، عن خالد بن يزيد العمري المكّي، عن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين، عن عمر بن عليّ بن الحسين: أنّ عليّ بن الحسين عليه السلام قال: لمّا أتى برأس عبيد اللّه بن زياد و رأس عمر ابن سعد قال: فخرّ ساجدا و قال: الحمد للّه الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، و جزى المختار خيرا.
و عن المجالس، عن المنهال بن عمرو: لمّا قطع المختار يدي حرملة و رجليه و أحرقه بالنار، قلت: سبحان اللّه! فقال لي: يا منهال إنّ التسبيح حسن ففيم سبّحت؟ قلت: دخلت في سفري هذا منصرفي من مكّة على عليّ بن الحسينعليهما السلام فقال: ما فعل حرملة؟ قلت: تركته حيّا بالكوفة، فرفع يديه جميعا و قال: «اللّهمّ أذقه حرّ الحديد اللّهم أذقه حرّ النار» فقال لي المختار: أسمعت عليّ بن الحسين عليهما السلام يقول هذا؟ فقلت: و اللّه! لقد سمعته يقول هذا، فنزل عن دابّته و صلّى ركعتين فأطال السجود، ثمّ قام فركب و قد احترق حرملة؛ و ركبت معه و سرنا فحاذيت داري، فقلت: أيّها الأمير! إن رأيت أن تشرّفني و تكرمني و تنزل عندي و تحرم بطعامي، فقال: تعلمني أنّ
ص: 137
عليّ بن الحسين عليهما السلام دعا بأربع دعوات فأجابه اللّه على يدي، ثمّ تأمرني أن آكل! هذا يوم صوم شكرا للّه على ما عملته بتوفيقه (1).
و عن رسالة ابن نما: بعث المختار برأس ابن زياد إلى السجّاد عليه السلام فادخل عليه و هو يتغذّى، فقال عليه السلام: ادخلت على ابن زياد و هو يتغذّى و رأس أبي بين يديه، فقلت: «اللّهمّ لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد و أنا أتغذّى» فالحمد للّه أجاب دعوتي (2).و في إعلام الورى: حبس عبيد اللّه ميثما و حبس معه المختار، فقال ميثم للمختار: إنّك تفلت و تخرج ثائرا بدم الحسين عليه السلام فتقتل هذا الذي يقتلنا، فلمّا همّ عبيد اللّه بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد بتخليته (3).
و في المروج: أتى مصعب بحرم المختار فدعاهنّ إلى البراءة منه، ففعلن إلّا حرمتين له، إحداهما: بنت سمرة بن جندب، و الثانية: ابنة النعمان بن بشير، قالتا: كيف نتبرّأ من رجل يقول: ربّي اللّه، كان صائما نهاره قائما ليله، قد بذل
ص: 138
دمه للّه و رسوله في طلب قتلة ابن بنت الرسول و شيعته، فأمكنه اللّه منهم حتّى شفى النفوس؟(1)
و في الطبري: و تجرّد المختار لقتلة الحسين عليه السلام فقال: ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين عليه السلام يمشون أحياء في الدنيا آمنين! بئس ناصر آل محمّد! أنا إذن الكذّاب كما سمّوني، فإنّي أستعين باللّه عليهم؛ الحمد للّه الذي جعلني سيفا ضربهم به و رمحا طعنهم به، و طالب و ترهم و القائم بحقّهم؛ إنّه كان حقّا على اللّه أن يقتل من قتلهم و أن يذلّ من جهل حقّهم؛ و قال: اطلبوا لي قتلة الحسين عليه السلام فإنّه لا يسوغ لي الطعام و الشرابحتّى اطهّر الأرض منهم. و قال لجمع من قتلته: قتلتم من امرتم بالصلاة عليه في الصلاة؟! و لمّا قتل عمر بن سعد و ابنه حفصا قال: هذا بالحسين و هذا بعليّ بن الحسين و لا سواء، و اللّه! لو قتلت ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله (2).
ص: 139
و في أنساب البلاذري: و قد روي عن ابن عبّاس: أنّه ذكر عنده المختار، فقال: صلّى عليه الكرام الكاتبون (1).
و روى الطبري أيضا: أنّه دعا الناس بعد استيلائه على الكوفة إلى بيعته و قال:
ما بايعتم بعد بيعة عليّ و آل عليّ عليهم السلام أهدى منها(2).
و روى أيضا: أنّ المخالفين لمّا أرادوا خلعه قال شبث في ما طعن عليه:
و أظهر هو و سبائيّته البراءة من أسلافنا الصالحين (3).و كان مسلم بن عقيل نزل أوّلا في وروده الكوفة عليه، فدعا الناس إلى بيعته، و خرج إلى القرى لأخذ البيعة؛ و جعل مسلم بينه و بين المختار ميعادا لخروجه، و إنّما خرج مسلم قبل ميعاده لأخذ ابن زياد هانيا و حبسه؛ فرجع المختار في ميعاده و قد كان مسلم قتل فأخذه ابن زياد و حبسه.
قال الطبري، قال له ابن زياد: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل؟ فقال: لم أفعل، و لكنّي أقبلت و نزلت تحت راية عمرو بن حريث و بتّ معه و
ص: 140
أصبحت، فقال عمرو بن حريث: صدق؛ فرفع عبيد اللّه القضيب فاعترض به وجه المختار فخبط به عينه فشترها و قال: أولى لك! أما و اللّه! لو لا شهادة عمرو لك لضربت عنقك، انطلقوا به إلى السجن؛ فلم يزل في السجن حتّى قتل الحسين عليه السلام (1).
و روى الطبرى عن ابن العرق مولى ثقيف: أنّه سأل المختار عن شتر عينه، فقال: خبط عيني ابن الزانية بالقضيب خبطة صارت إلى ما ترى، قتلني اللّه إن لم أقطع أنامله و أباجله و أعضاءه إربا إربا! فقلت: ما علمك بذلك؟ فقال: احفظه عنّي حتّى ترى مصداقه؛ إنّ الفتنة قد أرعدت و أبرقت و كأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فإذا رأيت ذلك و سمعت به بمكان قد ظهرت فيهفقيل: إنّ المختار في عصابة من المسلمين يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطفّ سيّد المسلمين و ابن سيّدهم الحسين بن عليّ؛ فو ربّك! لأقتلنّ بقتله عدّة القتلى الّتي قتلت على دم يحيى بن زكريّا عليه السلام. فقلت له: سبحان اللّه! و هذه اعجوبة مع [الاحدوثة](2)
الاولى؛ فقال: هو ما أقول لك، فاحفظه عنّي حتّى ترى مصداقه. قال: فو اللّه ما متّ حتّى رأيت كلّ ما قاله، فو اللّه لئن كان ذلك من علم القي إليه لقد اثبت له، و لئن كان ذلك رأيا رآه و شيئا تمنّاه
ص: 141
لقد كان. قال ابن العرق: فحدّثت بهذا الحديث الحجّاج فضحك الحجّاج و قال: و كان المختار يقول أيضا: «و رافعة ذيلها و داعية ويلها بدجلة أو حولها» قال ابن العرق: فقلت للحجّاج أ ترى هذا كان شيئا كان يخترعه و تخرّصا يتخرّصه؟(1)
فقال: و اللّه ما أدري ما هذا الذي تسألني عنه، و لكن للّه درّه! أيّ رجل دنيا(2) و مسعر حرب و مقارع أعداء كان (3).
و أقول: إنّ الحجّاج علم أنّ ما أخبر به المختار ممّا بلغه عن أمير المؤمنين عليه السلام إلّا أنّه لم يكن يقرّ بمثله، و أمّا عجبه من المختار و عجبه به معاختلافهما في أهل البيت عليهم السلام فلكون كلّ منهما من ثقيف و لعداوة كليهما مع ابن الزبير، و قالوا: عدوّ العدوّ صديق.
و روى الطبري أيضا: أنّ المختار لمّا كان في حبس ابن طلحة من قبل ابن الزبير بالكوفة كان كرارا يقول: أما و ربّ البحار! لأقتلنّ كلّ جبّار حتّى إذا أقمت عمود الدين و رأبت شعب صدع المسلمين و شفيت غليل صدور
ص: 142
المؤمنين و أدركت بثأر النبيّين لم يكبر عليّ زوال الدنيا و لم أحفل بالموت إذا أتى (1).
و كان عبد اللّه بن يزيد و إبراهيم بن محمّد بن طلحة- و كانا على الكوفة من قبل ابن الزبير- حبساه فشفّع فيه ابن عمر فأطلقاه و حلّفاه ألّا يخرج عليهما، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة و مماليكه أحرار؛ فقال بعد خلاصه لثقاته:
ما أحمقهم يرون أنّي أفي لهم! إذا حلّفت على يمين فرأيت خيرا منها أكفّر، و خروجي عليهم خير من كفّي (2).و في الطبري: أنّ عمر بن سعد كان قال لعبد اللّه بن جعدة بن هبيرة- و كان أكرم الخلق على المختار لقرابته بعليّ عليه السلام- لا آمن هذا الرجل فخذ لي منه أمانا، ففعل، و كان أمانه: أنّه آمن على نفسه و ماله و أهل بيته و ولده، لا يؤاخذ بحدث كان منه قديما ما سمع و أطاع و لزم رحله و أهله و مصره، فمن لقي عمر بن سعد فلا يعرّض له إلّا بخير؛ و جعل المختار على نفسه ليفينّ له بأمانه إلّا أن يحدث حدثا. قال: فكان أبو جعفر محمّد بن عليّ يقول: أمان
ص: 143
المختار لعمر بن سعد «إلّا أن يحدث حدثا» فإنّه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث (1).
و في أنساب البلاذري: حلف ابن زياد ليقتلنّ المختار، فسمع ذلك أسماء بن خارجة و عروة بن المغيرة، فدخلا عليه و أخبراه و قالا: أوصنا في مالك، فقال: كذب و اللّه ابن مرجانة الزانية! و اللّه لأقتلنّه و لأضعنّ رجلي على خدّه! فنهضا مستحمقين له و بكرا إلى ابن زياد، فإذا زائدة بن قدامة الثقفي قد دخل عليه بكتاب من يزيد يعلمه أنّ عبد اللّه بن عمر كتب إليه فيه (إلى أن قال) فقال للمختار: قد أجّلتك ثلاثا فلا تساكنّي؛ ففكّت قيوده بالعذيب (2).و في الأغاني و الطبري: دعا زياد المختار في الشهود على حجر فراغ (3). و في شرح ابن أبي الحديد: روى الأعمش عن إبراهيم التيمي قال: قال عليّ عليه السلام لشريح- و قد قضى قضيّة نقم عليه أمرها-: «و اللّه لأنفينّك إلى بانقيا شهرين تقضي بين اليهود» ثمّ قتل عليه السلام و مضى دهر، فلمّا قام المختار قال لشريح: ما قال لك أمير المؤمنين عليه السلام يوم كذا؟ قال: إنّه
ص: 144
قال كذا، قال: فلا و اللّه! لا تقعد حتّى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود؛ فسيّره إليها، فقضى بين اليهود شهرين (1).
الروايات المنددة بالمختار
و اما ما عن محمّد بن الحسن و عثمان بن حامد، عن محمّد بن يزداد، عن محمّد بن الحسين، عن عبد اللّه بن المزخرف، عن حبيب الخثعمي، عن الصادق عليه السلام كان المختار يكذب على عليّ بن الحسين عليه السلام.
و عن جبرئيل بن أحمد، عن العبيدي، عن محمّد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن أبي جعفر عليه السلام كتب المختار بن أبي عبيد إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام و بعث إليه بهدايا من العراق، فلمّا وقفوا على باب عليّعليه السلام دخل الآذن ليستأذن لهم، فخرج إليهم رسوله فقال: «أميطوا عن بابي فإنّي لا أقبل هدايا الكاذبين و لا أقرأ كتبهم» فمحوا العنوان و كتبوا: «المهديّ محمّد بن عليّ» فقال أبو جعفر عليه السلام: «و اللّه! لقد كتب إليه بكتاب ما أعطاه فيه شيئا إنّما كتب إليه: «يا بن خير من طشى و مشى» فقال أبو بصير: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: أمّا المشي، فانّي أعرفه فأيّ شي ء الطشي؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: الحياة.
ص: 145
و عن العيّاشي، عن ابن أبي عليّ الخزاعي، عن خالد بن زيد العمري، عن الحسن بن زيد، عن عمر بن عليّ أنّ المختار أرسل إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام بعشرين ألف دينار، فقبلها و بنى بها دار عقيل بن أبي طالب و دارهم الّتي هدمت؛ قال: ثمّ إنّه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعد ما أظهر الكلام الذي أظهره، فردّها و لم يقبلها.
قال الكشّي: و المختار هو الذي دعا الناس إلى محمّد بن عليّ بن أبي طالب- ابن الحنفيّة- و سمّوا الكيسانيّة و هم المختاريّة، و كان لقبه كيسان، و لقّب بكيسان لصاحب شرطته المكنّى أبا عمرة و كان اسمه «كيسان» و قيل: إنّه سمّي كيسان بكيسان مولى عليّ بن أبي طالب عليه السلام و هو الذي حمله على الطلب بدم الحسين عليه السلام و دلّه على قتلته، و كان صاحب سرّه والغالب على أمره، و كان لا يبلغه شي ء عن رجل من أعداء الحسين عليه السلام أنّه في دار أو موضع إلّا قصده و هدم الدار بأسرها و قتل كلّ من فيها من ذي روح، و كلّ دار بالكوفة خراب فهي ممّا هدمها؛ و أهل الكوفة يضربون به المثل، فإذا افتقر بها إنسان قالوا: «دخل أبو عمرة بيته» قال فيه الشاعر:
إبليس بما فيه خير من أبي***يغويك و يطغيك و لا يعطيك
ص: 146
كسرة(1)
و عن مختصر البصائر: بعث المختار إلى عليّ بن الحسين عليه السلام بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه و خاف أن يردّها، فتركها في بيت، فلمّا قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه «خذها طيّبة هنيئة» فكان عليّ عليه السلام يلعن المختار و يقول: كذب على اللّه و علينا، لأنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه (2).
و عن التهذيب، عن الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشفير النار و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهمالسلام فيصيح صائح من النار: يا رسول اللّه أغثني- ثلاثا- فلا يجيبه، فينادي: يا أمير المؤمنين- ثلاثا- أغثني، فلا يجيبه، فينادي، يا حسين- أغثني- ثلاثا- أنا قاتل أعدائك، فيقول له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قد احتجّ عليك» قال: فينقضّ عليه كأنّه عقاب كاسر فيخرجه من النار؛ فقلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: و من هذا جعلت فداك؟ قال: المختار، قلت: و لم عذّب بالنار و قد فعل ما فعل؟ قال: إنّه كان في قلبه منهما شي ء، و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه
ص: 147
عليه و آله و سلّم بالحقّ! لو أنّ جبرئيل و ميكائيل كان في قلبهما شي ء لأكبّهما اللّه في النار على وجوههما(1).
و رواه المنتخب، لكن قال بدل قوله: «إنّه كان في قلبه منهما شي ء ... الخ»: إنّ المختار كان يحبّ السلطنة و كان يحبّ الدنيا و زينتها و زخرفها، و أنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: و الذي بعثني بالحقّ نبيّا! لو أنّ جبرئيل و ميكائيل كان في قلبهما ذرّة من حبّ الدنيا لأكبّهما اللّه على وجههما في النار(2).أقول: و في فرق النوبختي: فرقة قالت بإمامة محمّد بن الحنفيّة لأنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه، فسمّوا «الكيسانيّة» و إنّما سمّوا بذلك، لأنّ المختار كان رئيسهم و كان يلقّب «كيسان» و هو الذي طلب بدم الحسين عليه السلام و ادّعى أنّ محمّدا أمره بذلك و أنّه الإمام بعد أبيه؛ و إنّما لقّب المختار «كيسان» لأنّ صاحب شرطته المكنّى «بأبي عمرة» كان اسمه «كيسان» و كان أفرط في القول و الفعل و القتل من المختار جدّا، و كان يقول: إنّ محمّد بن الحنفيّة وصيّ عليّ عليه السلام و أنّه الإمام و أنّ المختار
ص: 148
قيّمه، و يكفّر من تقدّم عليّا عليه السلام و يكفّر أهل صفّين و الجمل، و كان يزعم أنّ جبرئيل يأتي المختار بالوحي فيخبره و لا يراه. و روى بعضهم أنّه سمّي بكيسان مولى عليّ عليه السلام و هو الذي حمله على الطلب بدم الحسين عليه السلام و دلّه على قتلته، و كان صاحب سرّه و الغالب على أمره (1).
الجواب علی الروايات الذامة للمختار
و حيث إنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يذمّون شيعة لهم لم يكونوا أهل إمارة تقيّة- كزرارة و محمّد بن مسلم و أضرابهما- ففي مثل المختار الذي نالالإمارة باسمهم عليهم السلام و فعل بأعدائهم ما فعل لأجلهم كان ذمّه تقيّة واجبا، لا سيّما من السجّاد عليه السلام لعلمه بدولة المروانيّة؛ ففي ذيل الطبري: بعث المختار إلى عليّ بن الحسين عليه السلام بمائة ألف، فكره أن يقبلها و خاف أن يردّها فاحتبسها عنده، فلمّا قتل المختار كتب إلى عبد الملك: «إنّ المختار بعث إليّ بمائة ألف فكرهت أن أردّها و كرهت أن
ص: 149
آخذها، و هي عندي، فابعث من يقبضها» فكتب إليه عبد الملك: يا ابن عمّ! خذها فقد طيّبتها لك (1).
و أمّا قولهم بكيسانيّته فغير معقول، لأنّه مذهب حدث بعد المختار و بعد محمّد ابن الحنفيّة، بل لا يمكن قوله بإمامة محمّد و قد قتل في حياة محمّد و لم يكن محمّد مدّعيا للإمامة؛ و إن صحّ أنّه ادّعاها يوما بعد الحسين عليه السلام كما في خبر تضمّن ذاك الخبر أنّه تاب و أناب.
و قد تضمّن خبر الكشيّ- السابع- أنّه لم يكن معتقدا بإمامة محمّد، فتضمّن أنّ الباقر عليه السلام قال: كتب المختار إلى محمّد كتابا ما أعطاه شيئا، لأنّه كتب إليه: يا ابن خير من مشى و طشى.و قد روى مضمونه الطبري فقال، قال المختار: يا معشر الشيعة! إنّ نفرا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى و النجيب المرتضى ابن خير من مشى و طشى حاشا النبيّ المجتبى، فسألوه عمّا قدمت به عليكم، فنبّأهم أنّي وزيره و ظهيره و رسوله و خليله، و أمركم باتّباعي و
ص: 150
طاعتي في ما دعوتكم إليه من قتال المحلّين و الطلب بدماء أهل بيت نبيّكم المصطفين (1).
و بالجملة: حيث إنّ السجّاد عليه السلام لم يكن تكليفه من اللّه تعالى الطلب بدم أبيه جعل المختار مرجعه في الطلب بدم الحسين عليه السلام أخاه، حيث إنّه كان أكبر ولد أمير المؤمنين عليه السلام يومئذ.
ص: 151
العدد الاول
1- من ملامح شخصية الانسان الكامل حُبُّهُ إِخْوَانَهُ كما ورد في الحديث عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: مِنْ حُبِّ الرَّجُلِ دِينَهُ حُبُّهُ إِخْوَانَهُ(1).2- و اجتناب الغضب و الْكِبْرُ وَ التَّجَبُّرُ وَ مَحْقَرَةُ النَّاسِ كما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ أَعْلِمْنَا أَيُّ الْأَشْيَاءِ أَشَدُّ فَقَالَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالُوا فَبِمَ يُتَّقَى
ص: 152
غَضَبُ اللَّهِ قَالَ بِأَنْ لَا تَغْضَبُوا قَالُوا وَ مَا بَدْءُ الْغَضَبِ قَالَ الْكِبْرُ وَ التَّجَبُّرُ وَ مَحْقَرَةُ النَّاسِ(1).
و عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ(2).
3- واجتناب حب المال كما ورد عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: مَا بَلَا اللَّهُ الْعِبَادَ بِشَيْ ءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ إِخْرَاجِ الدِّرْهَمِ(3).
4- و الورع عن محارم الله تعالی و اجتناب الطمع كما ورد عَنْ أَبَانِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قُلْتُ مَا الَّذِي يُثْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْعَبْدِ قَالَ الَّذِي يُثْبِتُهُ فِيهِ الْوَرَعُ وَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهُ الطَّمَعُ(4).5- و استصلاح المال كما ورد عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْمُرُوءَةِ اسْتِصْلَاحُ الْمَالِ(5).
ص: 153
6- و شكر النعم كما ورد عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: مَنِ احْتَمَلَ الْجَفَاءَ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ(1).
7- بعيدا عن طول الامل كما ورد عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ ع قَالَ: مَنْ أَطَالَ أَمَلَهُ سَاءَ عَمَلُهُ(2).
ص: 154