محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثامنة: العدد التاسع والعشرون1395هجري-ة شمسية1437 هجري-ة قمري-ة
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/الكاظمية المقدسة/مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 2
ما هو رأي ملا صدرا بالنسبة الی الشيطان؟!
يعتبر صدر الفلاسفة الشيطان ذا نور يستحق بذلك العبادة، ويسمي المخالف لهذا أحمق وجاهلا ومجنونا ويقول:
«قال الحلاج ما صحت الفتوة إلاّ لأحمد وإبليس... إعلم أنّه ما من شيء في العالم إلاّ وأصله من حقيقة إلهية وسره من اسم إلهي وهذا لا يعرفه إلاّ الكاملون... هو مجمع الموجودات ومرجع الكلّ، والجميع مظاهر أسمائه ومجإلي صفاته... فافهم يا حبيبي هذه الكلمات وقد انتهت إلى ما يتبلد الأذهان عن دركها ويتحرك سلسلة الحمقى والمجانين عن سماعها ويشمئز قلوبهم عن روائحها كاشمئزاز المزكوم عن رائحة الورد الأحمر والمسك الأذفر وتنبّه لما قيل إنّ نور إبليس من نار العزة لقوله تعالى خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ولو أظهر نوره للخلائق لعبدوه.»(1)
اقول: يقول هذا ملا صدرا لانه يری الكل عين الذات الالهية وانه لا فرق بينهما الّا بالاعتبار وهو امر وهمي وهنا نسأل كل من له عقل سليم وكل من هو مخلص لدين الاسلام الحنيف, هل يتفق هذا مع الدين؟
ص: 3
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 4
في تفسير قوله تعالى : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم " (1).
في غاية المرام من طريق العامة إبراهيم بن محمد الحمويني بإسناده المتصل إلى سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل - يذكر أمير المؤمنين عليه السلام فضائله بمشهد جمع كثير من المهاجرين والأنصار ويناشدهم الاقرار بفضائله عليه السلام التي يذكرها - إلى أن قال عليه السلام - : فأنشدكم الله أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية . وإني لم يسبقني إلى الله عز وجل ، وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أحد من الأمة ؟ قالوا : اللهم نعم ، فأنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت " والسابقون الأولون * من المهاجرين والأنصار "(2)
" والسابقون السابقون أولئك المقربون " . سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنزلها الله تعالى ذكره في الأنبياء وأوصيائهم ، فأنا أفضل أنبياء الله ورسله ، وعلي بن أبيطالب
ص: 5
وصيي أفضل الأوصياء ؟ قالوا : اللهم نعم . . .(1)
والحديث طويل . والثعلبي في تفسيره ، قال : أخبرني أبو عبد الله ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف بن مالك ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ، حدثنا الحارث بن عبد الله الحارثي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قسم الله الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى : " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين "(2)
فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها ثلاثا ، فذلك قوله تعالى : " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون "(3)
وأنا من السابقين ، وأنا من خير السابقين ،ثم جعل إلا ثلاث قبائل ، وجعلني من خيرها قبيلة ، وذلك قوله عز وجل : " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "(4)
فأنا أتقى ولد آدم ، وأكرمهم على الله عز وجل ثناءه ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى :{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (5)} (6).
ص: 6
والفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ، فيقوله تعالى : " والسابقون السابقون " يرفعه إلى ابن عباس ، قال : " السابق ثلاثة : سبق يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام ، وسبق صاحب يس إلى عيسى عليه السلام ، وسبق علي عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضلهم "(1) .
وأبو نعيم الحافظ عن رجاله ، مرفوعا إلى ابن عباس : سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب عليه السلام (2).
وأبو المؤيد موفق بن أحمد ، بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري وصي المأمون ، حدثني أمير المؤمنين الرشيد ، عن أبيه ، عن جده ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال : سمعت عمر بن الخطاب – وعنده جماعة - فتذكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أما علي فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : فيه ثلاث خصال ، لوددت أن تكون لي واحدة منهن ، وكانت أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة ، وأبو بكر ، وجماعة من أصحابه ، إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على منكب علي رضي الله عنه وقال له : ويا علي أنت أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى(3)
.وموفق بن أحمد بإسناده إلى مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله
ص: 7
صلى الله عليه وآله وسلم : السبق ثلاثة : السابق إلى موسى عليه السلام يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى عليه السلام صاحب يس ، والسابق إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام(1) .
وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا بالغة حد التواتر ، ولنتبرك بذكر
واحدة منها .
علي بن إبراهيم ، في تفسيره ، أخبرنا الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن علوان الكلبي ، عن الحسين بن علي العبدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن ربيعة السعدي ، عن حذيفة بن اليمان : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إلى بلال فأمره أن ينادي بالصلاة قبل وقت كل يوم في رجب لثلاثة عشر خلت منه ، قال : فلما نادى بلال بالصلاة فزع الناس من ذلك فزعا شديدا ، وذعروا وقالوا : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا ، لم يغب عنا ، ولم يمت ، فاجتمعوا وحشدوا ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي حتى انتهى إلى باب من أبواب المسجد ، فأخذ بمضاديته ، وفي المسجد مكان يسمى السدة ، فسلم ثم قال : " هل تسمعون يا أهل السدة ؟ فقالوا : سمعنا وأطعنا ، فقال : هل تبلغوه ؟ قالوا : ضمنا ذلك لك يا رسول الله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أخبركم أن الله خلق الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، وذلك قوله : "أصحاب اليمين وأصحاب الشمال " فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا من خير
ص: 8
أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني من خيرها ثلاثا ، وذلك قوله : " أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون " فأنا من السابقين ، وأنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فقبيلتي خير القبائل ، وأنا سيد ولد آدم ، وأكرمهم على الله ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من خيرها بيتا ، وذلك قوله : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ألا وإن الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي ، وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ، اختارني ، وعليا وجعفرا ابني أبي طالب ، وحمزة بن عبد المطلب ، كنا رقودا بالأبطح ، ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه ، علي بن أبي طالب عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة عند رجلي ، فما نبهتني عن رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة ، وبرد ذراعي علي بن أبي طالب في صدري ، فانتبهت من رقدتي ، وجبرائيل في ثلاثة أملاك ، يقول له أحد الأملاك الثلاثة : جبرائيل إلى أي هؤلاء أرسلت ؟ فرفسني برجله ، فقال : إلى هذا ، قال : ومن هذا يستفهم ، فقال : هذا رسول الله سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وهذا علي بن أبي طالب سيد الوصيين ، وهذا جعفر بن أبي طالب عليه السلام له جناحان يطير بهما في الجنة ، وهذا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء "عليهم الصلاة والسلام (1).
ص: 9
أقول : لا شبهة عند الفريقين أن أول من آمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى معه من الرجال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما أن أول من آمن به من النساء خديجة الكبرى أم المؤمنين ، وقد تواترت الأخبار فيه من الجانبين .
وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب سبعة وأربعين حديثا من طريق العامة ، وثمانية عشر من طريقنا(1) .
ومن جملة ما رواه من طريقهم : ما رواه عن موفق بن أحمد بإسناده ، إلى معاذ بن جبل ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : " اختصمت بالنبوة ولا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع لا يحاجك فيهن أحد من قريش ، أنت أولهم إيمانا بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بالله ضرابة ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم في القضية ، وأعظمهم عند الله يوم القيامة مزية "(2).
وما عن إبراهيم الحمويني من أعيان علماء العامة ، بإسناده إلى ابن سخيلة ، قال : حججت أنا وسلمان ، فنزلنا بأبي ذر فكنا عنده ما شاء الله ، فلما حان منا خفوق ، قلت : يا أبا ذر ، إني أرى أمورا قد حدثت وإني خائف على الناسالاختلاف ، فإن كان ذلك فما تأمرني ؟ قال : إلزم كتاب الله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ص: 10
يقول : علي أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، والفاروق يفرق بين الحق والباطل (1).
وما عن الحمويني المتقدم ، بإسناده عن أبي أيوب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين ، لأنا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا "(2) .
وما عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، قال : روى عبد السلام بن صالح ، عن إسحاق الأزرق ، عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما زوج فاطمة دخل النساء عليها ، فقلن : يا بنت رسول الله خطبك فلان وفلان فردهم عنك وزوجك فقيرا لا مال له ، فلما دخل عليها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في وجهها ، فسألها فذكرت له ذلك ، فقال :
" يا فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم
حلما ، وما زوجتك إلا بأمر من السماء ، أما علمت أنه أخي في الدنيا وفي
الآخرة(3) .ومن جملة ما رواه من طريقنا : ما عن ابن بابويه ، قال : حدثنا محمد بن علي رحمه الله عن عمه محمد بن أبي القاسم ، عن محمد بن علي الكوفي ، عن
ص: 11
محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تبارك وتعالى اصطفاني ، واختارني ، وجعلني رسولا ، وأنزل علي سيد الكتب ، فقلت : إلهي وسيدي إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا ، يشد به عضده ، ويصدق به قوله ، وإني أسألك يا سيدي وإلهي أن تجعل لي من أهلي وزيرا تشد به عضدي ، فاجعل لي عليا وزيرا وأخا ، واجعل الشجاعة في قلبه ، وألبسه الهيبة على عدوه ، وهو أول من آمن بي ، وصدقني ، وأول من وحد الله معي ، وإني سألت ذلك ربي عز وجل فأعطانيه ، فهو سيد الأوصياء ، اللحوق به سعادة ، والموت في طاعته شهادة ، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي ، وزوجته صديقة الكبرى ابنتي ، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي ، وهو ، وهما ، والأئمة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيين ، وهم أبواب العلم في أمتي ، من تبعهم نجا من النار ، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم يهب الله محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة "(1).
إذا وقفت على ما بيناه ورويناه في تفسير الآية الكريمة من روايات الفريقين ، من أنها نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فاعلم أن الآيةالكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام من وجهين :
الأول : إخباره تعالى شأنه عن السابقين في الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى
ص: 12
الله عليه وآله وسلم بأنهم السابقون على وجه الاطلاق ، يعني أنهم استحقوا السبق في جميع الموارد ، ومن جملتها : الخلافة ، والإمامة ، والإمارة ، فجعل السابق مسبوقا في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم نقض صريح لقوله تعالى ، ورد عليه عز وجل .
والثاني : إخباره تعالى عنهم بأنهم المقربون ، فإن مقتضى كون السابقين هم المقربون إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، تقدمهم على المسبوقين ، فتقديم المسبوقين على السابقين في الخلافة تقريب للبعيد ، وتبعيد للقريب ، وهو ضروري البطلان ، إذ لا يمكن أن يكون المحمول نافيا للموضوع .
بيانه إن التقرب(1)
إليه تعالى لا يكون بالمكان ، بل بالمنزلة ، كما هو ظاهر فإذا صار البعيد خليفة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقريبتحت طاعته ، وبيعته من قبل الله تعالى صار البعيد قريبا إليه تعالى شأنه ، إذ لا منزلة أقرب إليه تعالى من منزلة الخلافة عنه ، والقريب بعيدا ، لتمسكه بذيل
ص: 13
البعيد ، فهو خلف للموضوع ، واستحالته أوضح من استحالة اجتماع الضدين .
فإن قلت : لا شبهة في أن الأقرب إلى الله تعالى يستحق التقدم على غيره ولكن قد تقتضي الحكمة تقديم البعيد على القريب ، كما قال فيه ابن أبي الحديد في خطبته :(1)
" الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل "لحكمة اقتضتها ، فلا مانع حينئذ من القول بتقديم البعيد على القريب ، مع وجود ما يقتضيه .
قلت : إنك قد عرفت أن تقديم البعيد على القريب في الخلافة والإمامة مما لا يعقل ، لأن القرب بالنسبة إليه تعالى إنما هو في المنزلة ، لا في المكان أو النسب وهكذا من أسباب القرب المتطرقة في الممكنات ، وتقديم البعيد عنه تعالى منزلة على القريب إليه كذلك في الخلافة والإمامة يوجب انقلاب الموضوع ، وصيرورة البعيد قريبا ، والقريب بعيدا ، وهو خلف محال ، مع أنه لو قطعنا النظر عما بيناه من عدم إمكانه في حد نفسه ، فالقول بوقوعه ونسبته إليه تعالى شأنه باطل ، إذ لو أريد من نسبة تقديم المفضول على الفاضل إليه تعالى شأنه ثبوت النص على تقديم الخلفاء الثلاثة على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فهو بديهي البطلان ، إذ لم يدع أحد منهم وجود النص علىخلافتهم ، بل استخلاف الأول منهم بالبيعة بزعمهم ، والثاني بنصب الأول إياه ، والثالث بالشورى التي جعلها الثاني .
وإن قيل إن نسبة التقديم إليه تعالى باعتبار اتفاق الأمة على البيعة معه ،
ص: 14
الكاشف عن استحقاقه الخلافة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تجتمع أمتي على الخطأ "(1) فهو بديهي البطلان أيضا لعدم انعقاد الاجماع على بيعته طوعا ، كما مر لك ذكره .
وإن قيل إنها باعتبار تفويض أمر الخلافة إليهم من قبل مولانا أمير المؤمنين ، فهو أبين بطلانا ، إذ المراد من التفويض إما الإنابة والتوكيل أو إلقاء حبل الخلافة إليهم ، معرضا عنها ، مسقطا حقه فيها أم لا والكل باطل.
أما الأول فمع أنه فرية بينة ، لا يجامع مع إصرارهم على أخذ البيعة منه عليه السلام حتى اهتموا بإحراق بيت سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام لإخراجه
وإحضاره وأخذ البيعة منه عليه السلام كرها ، كما رواه نقلة الأخبار من الفريقين ، إذ لا مجال لأخذ النائب البيعة من المنوب عنه .
وأما الثاني فهو غير معقول في حد نفسه ، لأن حبل الخلافة بيده تعالى شأنه ، ولا يقبل السقوط بإسقاط الإمام عليه السلام مع أنه باطل مع قطع النظر عما بينا ، لمنافاته مع شكايته عليه السلام عنهم في مواضع كثيرة ، كما عرفت .
وأما الثالث فهو راجع في الحقيقة إلى الأول . وكيف كان لا يجامع هذا النحومن التفويض ، مع أخذ البيعة منه عليه السلام وينافي مع شكايته عليه السلام عنهم ، فلا معنى للتفويض على كل ، بل لم يدعه أحدمن الأمة .
نعم صبر عليه السلام على غصب حقه ، ولا يطالبه بالسيف خوفا من ارتداد
ص: 15
الناس عن الإسلام رأسا .
وإن أريد أن خلافة الخلفاء كانت بمشيئته تعالى وإلا لم تكن ، إذ " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ففيه : أن مشيئته تعالى بمعنى التقدير ، وعدم منع العبد عن مراده ، وإبقاء الاختيار له ، حتى يتمكن من فعل ما أراده جارية في الطاعة والمعصية ، وإلا لم يصدر منهم ، مع أن صدور المعصية منهم من الشرك والإلحاد وهكذا ، واضح بين ، فلا تكشف المشيئة بهذا المعنى من رضائه تعالى شأنه بما فعله العبد . فتبين بما بيناه غاية التبين أن نسبة تقديم الخلفاء إلى الله تعالى غلط بين .
فإن قلت : إسلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وإيمانه بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان في حال صباه ، وقبل بلوغه ، ولا عبرة بإسلام الصبي ، فلا يكون فضلا له موجبا لتقدم إسلامه على إسلام الخلفاء .
قلت : هذا اعتراض على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم حيث مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بأنه أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، كما رواه الفريقان ، بل قد عرفت أن الخليفة الثاني من جملة رواة هذه الرواية الشريفة ، وأنه قال : لوددت أن يكون لي واحدة منهن ، وكانت أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، بل اعتراض على الله تعالى شأنه حيثأنزل في شأنه عليه السلام قوله عز وجل : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون "(1) باتفاق روايات الفريقين ، فهو لا يستحق جوابا حينئذ ومع ذلك
ص: 16
نقول تفضلا : إن الصبا لا يمنع من كمال العقل الموجب لقبول الإسلام والإيمان ، ألا ترى أن عيسى ويحيى عليه السلام أوتيا الحكمة في حال الصبا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام حسب أخبار النورانية وغيرها من الأخبار التي رواها الفريقان كان أكمل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا مجال حينئذ لتوهم عدم قبول إيمانه في حال صباه ، بل يجب على من أسلم بعد عثوره على روايات الباب الاعتراف بفضيلة أخرى له عليه السلام وهو كماله قبل بلوغه عليه السلام لا الاستبعاد ، وإظهار التزلزل في قبول إيمانه عليه السلام .
ص: 17
اية:الم تر الی ربك كيف مد الظل..
الحلقة الثانية
كيف ننظر الی العالم
النظرة الی العالم في مذهب اهل العرفان علی نحوين:
الف: النظرة الصعودية والنزولية
علی اساس هذا التصور للعالم قوسين قوس نزولي (يبدأ من الله تعالی ويتنزل الی عالم المادة والتراب) وقوس صعودي (طبقا للحركة التكاملية من عالم المادة الی تلك الحقيقة المجردة وغير المتناهية والتي لا اسم لها ولا رسم).
يقول بعض المعاصرين حول هذه النظرة بعد مباحث:
علی هذا الاساس اذن هنالك ستة عوالم وهذه العوالم عبارة عن:1- هاهوت .2- عالم اللاهوت .3- الجبروت .4- الملكوت .5- الناسوت .6- الكون الجامع (وهو الوجود الذي يجمع ثلاث مراحل قبل وجوده) .
وخلاصة الكلام أن قوس النزول تكون الحركة من الله تبارك وتعالى وبعد النزول تتحرك نحو قوس الصعود تشرع من عالم الكون الجامع والعوالم التيكانت موردا للنزول وبعد طي تلك العوالم تصل الى تلك الحقيقة وهي
ص: 18
هاهوت وبهذا المعنى تأويل الآية المباركة {إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ}(1) وهنالك لا افتراق بين الحق وبينه وهو المكان الذي وصل إليه النبي الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وقال له جبرئيل (علیه السلام) : اذهب أنا لست....(2).
وعلينا ان نعرف ان المقصود من اية{ إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ}(3) حسب ما بينه امير المؤمنين عليعلیه السلام هو الرجوع الی المحكمة العدل الالهية .
واية {الی الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون}(4)مبينة ومؤيدة لهذا المعنی .
كلام الشيخ مرتضی المطهري
يقول الشيخ المطهري في كتاب الانسان الكامل في بيان توحيد مذهب اهل العرفان:«في هذا المذهب الانسان الكامل في النهاية يصير عين اللَّه , اصلا الانسان الكامل الحقيقي هو نفس اللَّه(5)».
ص: 19
ومن الواضح ان كلامه هذا بيان هذه الحركة التكاملية من قوس النزول وعالم المادة الی قوس الصعود .
ب: النظرة الی مجموع العالم
في هذه النظرة ينظر الی العالم نظرة مجموعية فكل العالم بمجموعه شيء واحد وكل شيء(البحر والامواج والفقاعات و..) مظاهر تلك الحقيقة وليس في دار الوجود ديار غيره وقد ظهر باشكال وحالات وصور متعددة وباقي الاشياء كلها وهم وخيال(1)
وخلاصة هذه النظرة انعكست بهذا البيت:اي لون اردت ان تلبس الثوب فاني اعرف مقدار طول رعنا(اسم مرأة)
ص: 20
وجاء في ديوان شاه نعمت الله ولي(احد الصوفية) في اشعاره هذا المعنی:
عشق وعاشق ومعشوق***مثل الموج والفقاع والبحر
فانظرانه لاشيء غير شيء واحد***لكنها كلها ظهور الاشياء
غيريته ليست غير هذا العالم***فلاشك انه عين الاشياء
اساس هذه المباحث وهذا التفسير من كون المقصود من الظل الوجود المنبسط ناشئ من القول باصالة الوجود والتشكيك في الوجود وقبول عرفان ابن عربي والقول بالسنخية بين الخالق والمخلوق .
وقد اثبتنا في محله ان اصالة الوجود ليست بوحي منزل وانها مسالة اختلافية والفلاسفة المسلمين قائلئن باصالة الماهية منذ مئات السنين ونفس ملا صدرا ابتداء كان قائلا باصالة الماهية ثم غير رأيه بعد ذلك (ونحن سنبحث ذلك مفصلا).مع التأمل قليلا نستطيع ان نحصل علی ان العرفان الحقيقي والعرفان الاسلامي الاصيل يمتاز عن العرفان الاصطلاحي وانه مرفوض من حيث القران والاحاديث والادعية كما وانه غير مقبول عقلا وفطرةً.
فان قولهم بسيط الحقيقة (الواجب المتعال) مع عدم لحاظ التعين كلّ الاشياء ومع لحاظ التعين ليس بشي ء منها .
ص: 21
وهذا مضافا لتناقض صدره مع ذيله لا يتفق مع تعاليم الوحي الذي يقول: ان الذات الالهية المقدسة غير المخلوقات ومباينة لها .
فسنخ الذات الالهية لايمكن ان يكون عين سنخ الموجودات اصلا وذلك لان وجوب وجود الذات الالهية المقدسة عين ذات الحق في حين ان عدم وجوب وجود المخلوقات عين ذاتهم والوجوب يناقض عدم الوجوب ويعدان حقيقتين .
وكذلك كلا النظرتين للعالم غير صحيحتين فلا ان القول بالوجود الواحد وان الموجودات عبارة عن نزوله وصعوده صحيحا ولا القول بان كل المخلوقات اطوار وشؤون الواجب المتعال وانها مظاهر حقيقة واحدة صحيحا فانه لا يمكن فناء المخلوق والممكن في الخالق اصلا لانحفاظ الحد بين الخالق والمخلوق والفناء والاندكاك في ذات الحق تعالی كلام باطل ولا اساس له .نعم قيل قديما:
الا كل شيء ما خلا الله باطل***وكل نعيم لا محالة زائل
وامثال هذا الكلام الذي يبين لنا فناء الدنيا وانقضاء الايام وهذه الحقيقة واضحة فالموجودات ليست بالحساب امام الذات الالهية المقدسة .
ص: 22
وهذا المطلب يفهمه الكل ولا يحتاج الی برهان .
اصالة الماهية ام اصالة الوجود
اساس هذا التفسير الباطل من اية {الم تر الی ربك كيف مد الظل}(1) ناشئ من القول باصالة الوجود والقول بالوجود الاطلاقي (لا التشكيكي) وانه ليس في الكون الا وجود واحد فقط وسائر الاشياء كلها ظل ذلك الوجود ولا اصالة لها .
ولا بد لنا هنا من تحقيق هذه المسالة وهي كون الاصالة للماهية ام للوجود (وما يترتب عليها من تطورات وشؤونات الوجود والفناء فيه) ومن الواضح وجود القائل بكل منهما باصالة الماهية واصالة الوجود فان ملا صدرا كان قائلا باصالة الماهية في ابتداء الامر كما قال بها عدة من الشخصيات مثل الميرداماد(2)
والسهروردي(3)
والقاضي سعيد القمي وابو الحسن جلوة والعلامة السمناني المتبحر في العلوم العقلية والنقلية وصاحب شخصية ممتازة .
ص: 23
ومضافا للاختلاف في ايهما اصيل هل الوجود والماهية اعتبارية؟ ام بالعكس؟ يلزم البحث عن تباين الوجودات وعدمه ايضا وعلی فرض عدم التباين ووحدتها فهل ان هذه الوحدة اطلاقية ام تشكيكية؟(1).
وجاء في كتاب تعليم الفلسفة(2):
قبل الفارابي كانت الماهية محور المباحث الفلسفية ولهذا السبب كانت وبشكل عفوي مبتنية علی اصالة الماهية وليس في كلام اليونانيين اثر من التمايل نحو اصالة الوجود .
وقد سعی السهروردي لاثبات اعتبارية مفهوم الوجود وبذلك ابطل التمايل الی القول باصالة الوجود .وملا صدرا هو اول من طرح مسألة اصالة الوجود وعلی اساسها ابدی حلوله للمسائل الاخری فهو يقول:
انا ابتداء كنت قائلا باصالة الماهية وكنت مدافعا عنها شديدا الی ان وفقني الله لمعرفة حقيقة الامر(3).
ص: 24
وهو قد نسب القول باصالة الوجود الی المشائيين والقول باصالة الماهية الی الاشراقيين ولكن حيث ان المسألة لم تكن معنونة بشكل مستقل ولم يبين مفهومها كاملا فلا يمكن نسبة ذلك الی الفلاسفة بان نقسمهم بشكل قطعي الی ذلك التقسيم الثنائي و.. ونعد القول باصالة الوجود من مختصات مدرسة المشائيين والقول باصالة الماهية من مختصات مدرسة الاشراقيين .
وعلی فرض ان هذا التقسيم صحيحا فعلينا ان لا ننسی ان اصالة الوجود لم تطرح من قبل المشائيين بشكلها الصحيح بالشكل الذي يتم حل باقي المسائل الفلسفية علی اساسها بل ان المشائيين غالبا كان طرحهم وتبيينهم للمسائل مما يتفق مع اصالة الماهية(1) .علی هذا نستطيع ان نقول:
اولا: حيث ان المسألة لم تكن معنونة بشكل مستقل ولم يبين مفهومها كاملا فلا يمكن تقسيم الفلاسفة الی قسمين ونعد القول باصالة الوجود من مختصات مدرسة المشائيين .
ص: 25
ثانيا: علی فرض ان هذا التقسيم صحيحا لكن لم تطرح اصالة الوجود من قبل المشائيين بشكلها الذي يتم به حل باقي المسائل الفلسفية علی اساسها بل ان المشائيين غالبا كان طرحهم وتبيينهم للمسائل مما يتفق مع اصالة الماهية .
ثالثا: نسبت اصالة الوجود الی المشائيين ولابد من التحقيق في صحة هذه النسبة بشكل دقيق .
ولقد كان الفلاسفة المشائيين قائلين بتباين الوجودات وهذا القول يتناسب مع القول باصالة الماهية (لا اصالة الوجود).
رابعا: لقد شاع وبواسطة الدعايات العلمية الكثيرة ان اصالة الماهية من الامور الباطلة والتي لا اساس لها .
ولقد غفل هؤلاء ان الشخصيات الكبيرة والمشهورة قائلة باصالة الماهية حتی ان ملا صدرا المؤسس لاصالة الوجود والمبدع في طرحها كانابتداءاً قائلا ولمدة معتنی بها من عمره باصالة الماهية وكان مدافعا عنها شديدا , ونقل عن الاستاذ المطهري: ان ملا صدرا كان مصرا علی القول باصالة الماهية وكان يعتقد ان الفلاسفة المتقدمين علی هذه العقيدة
ص: 26
وحينما عدل الی القول باصالة الوجود قال ان كل الفلاسفة المتقدمين قائلون باصالة الوجود(1).
خامسا: يقول البعض: ان ملا صدرا وصل الی هذا المطلب من خلال تحقيقاته العرفانية وهي: ان في عالم الوجود حقيقة واحدة وان كل المخلوقات اطوار وشؤون تلك الحقيقة ومن هذه الجهة تصدی لتأسيس اصالة الوجود وطرح وتوسعة مسائلها(2).
ومن اللازم ذكره ان هذه المسألة ليست مسألة تاريخية بحتة بل هنالك من يميل اليها ويقول بها في زماننا هذا .
ومن هذه الجهة فقد ارتبطت هذه المسألة بالمسائل الاعتقادية واصبحت من جملة المسائل العقائدية الاختلافية والمبتلی بها ولذا من الواجب البحث والتحقيق في صحتها وسقمها .علی هذا الاساس نقول:
نحن لسنا سفسطائيين نعتقد بان كل شيء خيال ووهم (بل نعتقد بوجود الحقائق) وحول كل شيء فالذي يرد الی ذهننا شيئان ونقوم بتحليلهما
ص: 27
احدهما الجانب الماهوي لذلك الشيء والاخر الجانب الوجودي لذلك الشيء.
فحينما نقول: الماء موجود السماء موجودة الانسان موجود
العقل موجود ...ففي عالم الخارج لا يوجد الا شيء واحد وهو الماء والسماء..
اذن ليس الذي في الخارج مركبا من الماهية والوجود (وان كان من الممكن ان الموجود الخارجي له اجزاء وعناصر فهذا بحث اخر).
فهذا الموجود الخارجي الماء قابل للبحث في ذهننا من جهتين:
1- كونه ماءً(الماهية) . 2- كونه موجودا (الوجود).
وهنا نسأل هل ان هذا الشيء الذي في الخارج ابتداء وذاتا من مصاديق الماء (الماهية) ام من مصاديق الوجود؟فلو اجبنا ان الموجود في الخارج اولا وبالذات الماء نعم بجعل الجاعل (وان ما لم يجعله الجاعل لا وجود له في الخارج) فنقول: هذا الماء موجود ثابت له الوجود حاصل كائن فكل هذه المفاهيم انتزاعية ففي هذه الصورة كنا من القائلين باصالة الماهية وذلك لاعتقادنا ان الاشياء بجعلها اطلق عليها اسم الوجود وان الله تعالی ابتداءا خلق الماء والنار والعقل و...فحينئذ نقول: الماء
ص: 28
موجود النار موجودة العقل موجود فاطلاق الوجود عليها في هذه الصورة باعتبار تحقق الماهية وذلك لو كان الوجود هو الاصيل لكان معنیالماء موجود و.. هو الوجود موجود وهذا ما لايخطر ببال احد .
ولو قلنا في الجواب: ان الذي في الخارج هو الوجود ومن هذا الوجود ننتزع الماهيات وباعتبار مراتب وتعينات هذا الوجود نستطيع انتزاع ماهيات مختلفة فنحن قائلون باصالة الوجود .
كلام القاضي سعيد القمي
القاضي سعيد القمي من الشخصيات التي لها المهارة في مختلف العلوم العقلية والعرفانية .
وهو من القائلين باصالة الماهية يقول في كتاب كليد بهشت باللغة الفارسية يعني مفتاح الجنة:لا يخفی وباتفاق كافة العقلاء ان من اعم واجلی المفاهيم يعني من ابده جميع المعلومات التصورية امرين: لا مفهوم اظهر منها احدهما: الشيء والاخر: الوجود , وهذين الامرين في غاية البداهة فالكل يعلمهما ولا يحتاج احد فيهما الی معلم(1).
ص: 29
في هذا الكلام يبين القاضي سعيد القمي ان هذين المفهومين من المفاهيم المعلومة لكل احد احدهما: الشيء والاخر: الوجود , ولا يحتاج احد فيهما الی معلم فحتی الاطفال يعلمون معنی الشيء والوجود ويستعملوهما في محاورتهما .
وهذان المعنيان مبنی التعليم والتعلم في اكثر الامور بل في كل الامور النظرية حتی انهما مقدمان علی السلب والايجاب .
وان تقدمهما من الامور البديهية التي لا يختلف فيهما احد وانما الخلاف في كون ايهما مقدم؟ فقال البعض بان الشيء هو المقدم وقال البعض الاخر ان الوجود هو الاظهر والمقدم .
والتحقيق في هذا المعنی يطلب منا ان نكتشف ايهما هو الاصل حتی يتقدم والثاني هو الفرع وذلك لانه من غير المعقول تقدم الفرع علی الاصل .مع الملاحظة والتحقيق الدقيق ان الشيء هو الاولی بكونه اصلا وذلك لان العقل عند القضية المركبة من الموضوع والمحمول(فيقول: الشيء الكذئي موجود , الشجرة موجودة) يجعل موضوع القضية الماهية ولاجل الاعلام
ص: 30
بتحققها يحمل عليها الوجود ولو لم يأت بالمحمول(يعني موجود او معدوم) فمعناه انه لم تتحقق تلك الماهية.(1)
اذن المتحقق في الخارج هو الانسان الشجرة الحجر و...والحقائق المختلفة باي لغة كانت وباي اسم كانت ومع غض النظر عن الاسم فكلٌ له خاصيته الخاصة به فهذا سيال وذاك جامد وهذا حار وذاك بارد ...او ان التفاح يمتاز عن البرتقال والخوخ يمتاز عنهما و... وايضا المتحقق في الخارج حقيقة واحدة لا انه مركب من الوجود والماهية .
وهذ الكلام بان نجعل الوجود موضوعا ونقول: الوجود ماء الوجود عقل الوجود نار غير معقول بل العكس هو الصحيح بان نقول: العقل موجود النار موجودة والنتيجة ان الشيء هو الاولی بالاصالة من الوجود كما انه من الواضح انه مقدم رتبة علی الوجود وذلك لتقدم الموضوع علی المحمول رتبة .وكما ان اصالة الماهية معقولة صحيحة كذلك لا شك في ان اصالة الوجود غير معقولة وباطلة(2).
اشكال
ص: 31
من الممكن ان يورد هذا الاشكال علی استدلال القاضي سعيد القمي بان البحث هنا ليس بحثا لغويا ولفظيا وعرفيا حتی يقال في قضية الانسان موجود ان العرف يجعل الانسان هو الموضوع والموجود هو المحمول وما هو الموضوع فهو اصل اذن اصالة الماهية هي المقدمة , البحث هنا عقلي ونريد ان نفهم ان المتحقق في الخارج الماهية وبعد ذلك يطلق عليها الوجود او ان المتحقق الوجود والماهية امر اعتباري .
الجواب
نعم من الممكن ان العرف يتسامح في كثير من الامور وهذا شيء صحيح وهنا لو اردنا استخراج اصالة الماهية من الفاظ القضية فالاستدلال مردود لكن كلام القاضي سعيد القمي لا يبتني علی صرف العرف بل علی هذا المبنی وهو: ان الارتكازات العقلية للعقلاء هكذا وانهم بدقتهم وتعمقهم يجعلون الماهيات موضوعا والوجود محمولا .وعلی هذا المبنی القول باصالة الماهية , يقول القاضي سعيد القمي في شرح توحيد الصدوق حول كلام الامام الصادقعلیه السلام بل كوّن الأشياء قبل كونها فكانت كما كوّنها :
أراد عليه السلام أن يذكر أن طبيعة الوجود مما يتأخّر عن ذوات الأشياء و ماهيّاتها فقال بل كوّن اللّه تعالى ماهيّات الأشياء و حقائقها قبل وجودها، إذ
ص: 32
الجعل انّما يتعلق أوّلا و بالذات الى الماهيّة ثم الى الوجود اللازم لها فكانت، أي فوجدت و اتصفت بالوجود، كما كوّنها أي كوّن ذواتها أي صارت وجوداتها تابعة لجعل ماهياتها(1).
رأي ملا عبد الرزاق اللاهيجي(2)
ملا عبد الرزاق اللاهيجي ايضا من القائلين باصالة الماهية وهويقول في كتاب كوهر مراد باللغة الفارسية بمعنی الدر المطلوب:
اعلم ان معنی الوجود والعدم ...مع تأمل قليلا يظهر ان معنی الوجود ليس هو شيء يكون في الخارج موجودا ...وكلما قلنا زيد موجود في الخارج مثلا فالظاهر ان صفة في الخارج ليست هي بمعنی ان هناك صفة قائمة بزيد بمعنیالوجود ...بل معنی وجود زيد في جملة زيد موجود هو ما يحصل في الذهن من ملاحظة زيد في الخارج مثل معنی الفوقية الذي يحصل في الذهن من ملاحظة السماء بالنسبة الی الارض بدون ان تكون هناك صفة في الخارج قائمة بالسماء تسمی بالفوقية وهذا القسم من المعاني يسمی بالمعاني الاعتبارية ...
ص: 33
وليس المراد من الاعتبارية مجرد اعتبار الذهن بل للمعنی منشأ انتزاع في الخارج...
اذن معنی الوجود وان كان اعتباريا الا انه ليس اعتباريا محضا ولا كان اللازم من ملاحظة العنقاء ان يرد هذا المعنی في الذهن ايضا بل له منشأ انتزاع في الخارج فتلك الحيثية موجودة في الانسان ولا توجد في العنقاء وهي حيثية الصدور من العلة...وصدور الانسان من العلة صار سببا لكون الانسان في الخارج
واما الماهية فعبارة عن الشيء الذي من شأنه الاتصاف بالوجود والعدم , اذن الشيء الذي يتصف بالوجود والعدم هو الماهية .
اذن الماهية والوجود من حيث كونه وجودا وكذلك العدم من حيث كونه عدما من المعاني المتقابلة ويحمل احدها علی الاخر بحمل المواطأة يعني الشيء الواحد لا يكون ماهية ووجودا وان كان يمكن ان يكون ماهيةموجودة او وجودا ذو ماهية , ولفظ الماهية مشتق من ما به الشيء هو هو ولان الماهية تعتبر بالوجود الخارجي يعني من حيث انها موجودة في الخارج يقال لها حقيقة , اذن الحقيقة هي الماهية الموجودة في الخارج والماهية هي الحقيقة لا بشرط الوجود في الخارج ولان الماهية لو نظرنا الی ذاتها مع غض
ص: 34
النظر عن الامور الخارجة وقسناها الی الوجود والعدم فلا يخلو الحال من كون الوجود ضروري لها ام لا(1).
من هذا البيان يتضح ان المتحقق في الخارج هو الماهية وباعتبارها يقع الكلام عن الوجود ومع ملاحظة ان الجاعل جعل الماهية بالجعل البسيط فيطلق عليها كلمة الموجود (لا ان في الخارج انسان عقل شجرةو...وهي شيء والموجود شيء اخر) .
ويقول ملا عبد الرزاق في كتاب سرمايه ايمان باللغة الفارسية بمعنی رأس مال الايمان:
اعلم ان معنی الوجود هو الحصول والحصول لو كان في الذهن يقال له الوجود الذهني ولو كان في الخارج يقال له الوجود الخارجي وذلك الشيء الحاصل يسمی بالماهية والشيء ولا يراد من الماهية في قبال الوجود غير هذا المعنی .وبعد معرفتك بمعنی الوجود تعرف معنی العدم الذي هو مقابله ولابد ان نعلم ان معنی الوجود هو الحصول ولا يكون في الخارج تصوره حيث ان الذي في
ص: 35
الخارج الشيء لا تحصيل الشيء بل تحصيل المعنی الذي لا يحصل الا بالتفكير*(1).
يقول اللاهيجي في هذه العبارة ان معنی الوجود هو الحصول في مقابل معنی العدم الذي هو عدم الحصول ومعنی الحصول معنی ذهني له علاقة مع جعل الحقائق بواسطة الجاعل فما جعل نحصله وما لم يجعل لا نحصله .
وهذا المعنی الذهني ليس له ما بازائه في الخارج فينما يقال: زيد موجود زيد ممكنو... فهذا الامكان وهذا الوجود معنی ذهني ينتزع من زيد وليس في الخارج ما بازائه ولا توجد حقيقة اخری غير زيد في الخارج .
(كما في المفاهيم الذهنية الاخری مثل الوحدة والكثرة التي تنتزع ولا يوجد ما بازائها في الخارج).
ولملا عبد الرزاق كلام اخر وهو ان الذي له واقعية في الخارج هو الموضوع وان المحمول مفهوم عام (مثل الممكن والحاصل والحادث و...) الذي يكون في الذهن وينتزع من الحقيقة الخارجية .
ص: 36
فمن هذه الجهة عقلا حينما تشكل القضية من الموضوع والمحمول وعلی سبيل المثال نقول: الماء موجود لا الوجود موجود وذلك فان القضية الاخيرة لا تخطر ببال احد اصلا .
علی هذا فالذي في الخارج هو الموجود لا الوجود والذي في الخارج هو الشيء (لا حصول الشيء الذي معناه الوجود) ويمكن ان يكون هذا الشيء ماءا حجرا نارا و...
اذن حينما نقول زيد موجود فهذا الموجود (يعني الوجود) الذي صار محمولا في القضية وعلی زيد حمل خارج المحمول يعني ليس له ما بازائه في الخارج وانما انتزع من ذات الموضوع ومن جعله بواسطة الجاعل في قبال المحمول بالضميمة والتي هي ما بازائها يكون موجودا في الخارج مثل الجسم الابيض فان البياض له ما بازائه في الخارج .
وينقل الشيخ محمد تقي الشريعتمداري عبارة ملا عبد الرزاق في تقريرات شرح المنظومة فيقول:
اقول: لقد دقق النظر ملا عبد الرزاق في مفهوم الوجود وبهذا البيان يتضح ذلك لكل من يفكر جيدا وهو ان الوجود امر انتزاعي واعتباري حيث ان المعتبر اعتبره حينما نظر الی الاشياء حتی لو ادعي ان كل الموجودات الخارجية مراتب من شيء واحد فلا يمكن ان تسمی بالوجود اوالوجودات
ص: 37
بل بالشيء او الاشياء الموجودة اذن الوجود مفهوم انتزاعي حتی لو قلنا بالوحدة التشكيكية كما هو قول (قسم من) الفلاسفة .
ومن هنا نستطيع ان نعرف كيف حصلت المغالطة في هذه المسألة وذلك لان هؤلاء فرضوا ابتداءا الوجود اصيلا (ثم بحثوا في المسائل) .
توضيح ذلك:
كل من يقف امام الاشياء الخارجية فيقول موجودوجود فهو ينتزع ذلك من الاشياء الخارجية .
فمن الواضح انالوجود مفهوم ذهني ولا اصالة له .
وهنا اشكال وهو: ان في امثال هذه القضية النار موجودة العقل موجود الكتاب موجود و...موجود لها معنی واحد ولا يقصد منها اكثر من معنی اذن كيف يكون لكل منها اثاره المخصوصة به (فواحد حار واخر بارد وواحد جامد واخر سيال و...) ؟
فالقائلون باصالة الوجود يجيبون علی ذلك بان الوجود ذا مراتب وله شدة وضعف ولكل مرتبة اثرها الخاص ولهذا نحصل علی الاثار المتباينة .
الا انه من الواضح الاشكال لا ينحل حتی علی القول بالتشكيك في الوجود الذي يوجب الشدة والضعف في الاثر الواحد وذلك لان المفروض انه لا
ص: 38
توجد الا حقيقة واحدة لا حقائق متعددة حتی يمكن توجيه الاثار المتباينة والحاصل ان الاثار المتباينة لا تتفق مع القول باصالة الوجود بل تتفق مع اصالة الماهية .
ونقرأ في كتاب كوهر مراد يعني الدر المطلوب ايضا:
في كون الصادر والمجعول من الله تعالی بالحقيقة هو ماهية الاشياء ام وجودها ام اتصاف الماهية بالوجود .
فاعلم ان لكل واحد من هذه الاحتمالات الثلاثة قائل:
الاحتمال الاول: مذهب المحققين وقد عرفت بيانه سابقا من ان الوجود مجرد مفهوم اعتباري عقلي ولا يمكن ان يكون في الخارج هو الصادر والحاصل بالذات ولامحالة من كون العين الواقعة في الخارج هي الماهية لا الوجود بل لان الماهية حيث انها هي الصادرة والواقعة في الخارج فالعقل ينتزع منها مفهوم الكون في الخارج وهو بمعنی الوجود .
اذن القائل بجعل الوجود فلو كان مراده من الوجود هو المفهوم المذكور فبطلانه بديهي لا محالة.
وان كان مراده من الوجود الحقيقة التي في الخارج والتي تكون بازاء المفهوم المذكور فنقول الذي في الخارج لا يمكن ان يكون بازاء المفهوم الا ان
ص: 39
يكون هناك شيء يكون منشأ لانتزاع المفهوم المذكور منه ولا منشأ لانتزاع المفهوم المذكور في الممكنات الا الماهية الممكنة الصادرة بواسطة الجاعل .
اذن لو كان المراد من الوجود عين الماهية التي تكون منشأ لانتزاع الوجود كان النزاع لفظيا وذلك لان مرادنا من الماهية المجعولة هي هذه الماهية الصادرة من الجاعل والتي تكون اخص من الماهية المطلقة ونسميها بالحقيقة وهي اخص من الماهية المطلقة وهو يسميها بالوجود ويقول انها مباينة للماهية المطلقة في حين انها في الظاهر غير مباينة للماهية المطلقة(1).
توضيح ذلك:
البحث في ما هو المجعول والصادر من الله تعالی فهل الصادر والمجعول من الله تعالی بالحقيقة هو ماهية الاشياء ام وجودها ام اتصاف الماهية بالوجود؟
فالمحققون علی هذا الاعتقاد من ان الصادر والمجعول من الله تعالی هو ماهية الاشياء وهي التي لها تحقق في الخارج لا الوجود الذي هو مجرد مفهوم اعتباري عقلي مثل باقي المفاهيم الذهنية (كالثبوت والحدوث و..) ويطلق علی جميع الحقائق . ولو اصر احد علی ان ما في الخارج اسمه الوجود منباب جعل واختراع الاصطلاح فلا بحث لنا من هذه الجهة وذلك لانه سوف
ص: 40
يعود النزاع هنا لفظيا , لكن ادراك العقلاء من الوجود هو انه معنی عام ذهني .
حينذاك فالله تعالی اوجد الشيء وجعله بالجعل البسيط يعني ان ماهية الشيء هي الصادرة من الله تعالی والواقعة في الخارج وبمثل هذه المفاهيم (كائن , ثابت, موجود...) تبين وهذه المفاهيم هي نفس تحقق الجاعل لا انها لها واقعية في الخارج (فهي من الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة)(1) .
وبعد صدور الماهية في الخارج فالعقل ينتزع منها مفهوم الكون في الخارج وهو بمعنی الوجود .
والقائل بكون الوجود هو المجعول في الخارج لا الماهية فان كان مراده من الوجود هو المفهوم المذكور فبطلانه بديهي وذلك لان مفهوم الوجود (مثل مفهوم الماهية) لا يجعل في الخارج بل انتزاعي وذهني.
ص: 41
وان كان مراده من الوجود الحقيقة التي تكون بازاء مفهوم الوجود المتحققة في الخارج فنقول الذي في الخارج الذي بازاء المفهوم ليس الا ما يكون منشأ لانتزاع المفهوم المذكور منه ولا منشأ لانتزاع المفهوم المذكور في الممكنات الا الماهية الممكنة الصادرة بواسطة الجاعل .
اذن لو كان المراد من الوجود عين الماهية التي تكون منشأ لانتزاع الوجود كان النزاع لفظيا يعني ان اسم الحقائق الخارجية (الماء والثلج و..) الوجود وان كانت هذه التسمية غير صحيحة في عرف العقلاء وعقلا المفهوم من الوجود هو الحصول وهو مفهوم ذهني .
علی هذا الاساس لا شك ان في الخارج حقائق متباينة (كالماء والنارو...) وواقع كل منها يتمايز مع الاخر , ولا اهمية للتسمية فلتسم ماهية ام وجودا فان فطرة الانسان تدرك هذا التباين , والاثار المتباينة دليل علی كون الحقائق مختلفة (والا لم تكن اثارها متباينة) وغاية الامر انه بعد جعل الجاعل الذهن ينتزع من تلك الواقعية الصادرة مفهوما نستطيع ان يسمی (بالثابت والموجود و...) .
فالقائلون باصالة الماهية يقولون ان هذه الماهية الخاصة هي الحقيقة والقائلون باصالة الوجود يقولون (في هذا الفرض) ان هذه الماهية مباينة
للماهية المطلقة ويسمونها بالوجود (ونتيجةً النزاع يكون لفظيا) .
ص: 42
استدلال القائلين باصالة الوجود
استدل للقول باصالة الوجود باستدلالات متعددة واوضح ما يستند اليه من استدلال ملا هادي السبزواري في المنظومة حيث يقول:
كيف وبالكون عن استواء قد خرجت قاطبة الاشياء(1)
وجه الاستدلال: ان الماهية من حيث هي (بلا ملاحظة انتسابها الی الجاعل اوالعلة) ليست إلا هي، و نسبتها الی العدم و العلة تخرجها من حد الاستواء (وذلك لانه من المحال انقلاب الشيء الی شيء اخر بلا علة) وكذلك انضمامها الی ماهية اخری لا يخرجها عن حد الاستواء (لانها صفر وضميمة صفر الی صفر لا ينتج شيئا) فالذي يخرج الماهية عن حد الاستواء هو الوجود وهو الاصل والماهية هي الفرع .
اقول: من البديهي ان الماهية بالمعنی المفروض هنا مجرد مفهوم ذهني ولا يقول احد باصالته ومثل هذه الماهية ليست اصلا حتی نقوم بابطالها بل المقصود من الماهية هنا التي هي اصل هي الحقيقة الخارجية مثل الانسان والحجر والعقل و...وهذه الحقيقة الخارجية ما بازاء الانسان والحجر والعقل و... لا ما بازاء الوجود الذي هو بمعنی الحصول وليس هو الا مجرد مفهوم
ص: 43
ذهني , ولو كان مقصود الطرفين من الماهية والوجود هو هذه الحقيقة الخارجية فالنزاع اذن لفظي .
ويستدل السيد الطباطبائي حول ذلك هكذا:
و قد اختلف الحكماء في الاصيل منهما فذهب المشاؤون الی اصالة الوجود و نسب الی الاشراقيين القول باصالة الماهية و اما القول باصالتهما معا فلم يذهب اليه احد منهم لاستلزام ذلك كون كل شي شيئين اثنين و هو خلاف الضرورة.
والحق ما ذهب اليه المشاؤون من اصالة الوجود. و البرهان عليه : ان الماهية من حيث هي ليست الا هي متساوية النسبة الی الوجود و العدم فلو لم يكن خروجها من حد الاستواء الی مستوی الوجود بحيث تترتب عليها الاثار بواسطة الوجود كان ذلك منها انقلابا و هو محال بالضرورة . فالوجود هو المخرج لها عن حد الاستواء فهو الاصيل.
و ما قيل: ان الماهية بنسبة مكتسبة من الجاعل تخرج من حد الاستواء الی مرحلة الاصالة فتترتب عليها الاثار مندفع بانها ان تفاوتت حالها بعد الانتساب فما به التفاوت هو الوجود الاصيل وان سمي نسبة الی الجاعل و ان لم
ص: 44
تتفاوت و مع ذلك حمل عليها انها موجودة و ترتبت عليها الاثار كما كان من الانقلاب كما تقدم(1).
وخلاصة استدلاله ان الماهية بنفسها لا تقتضي الوجود ولا العدم وانما بواسطة الوجود تكون لها واقعية خارجية , و ما قيل من ان الماهية بانتسابها الی الجاعل تكتسب واقعية في الخارج ولهذه الجهة هي الاصيلة غير صحيح وذلك لانها بعد الانتساب تحققت اذن فواقع الماهية هو الوجود الذي افيض عليها .
نقد وتحقيق
لا يمكن قبول هذا الاستدلال لعدة اشكالات:
الاول: اما قولهم ان الماهية من حيث هي ليست الا هي لا موجودة ولا معدومة فمتفرع علی ان الماهية قد فرضت في عالم ثم يقال عنها لا موجودة ولا معدومة .
والقائلون باصالة الماهية لا يقولون ان مفهوم الماهية هو الاصيل فهذا الاستدلال يبتني علی ان للماهية قرارا وثباتا ثم يقال عنها انها في حد الاستواء لا تقتضي الوجود ولا العدم .
ص: 45
والقائلون باصالة الماهية يعتقدون ان المتحقق في الخارج هو الماهية وان الله تعالی جعلها بالجعل البسيط (لا ان الذي كان في حد الاستواء صار موجودا) فليس هناك حد استواء حتی تحتاج الی مخرج بل من هذا الجعل البسيط للماهية ينتزع الوجود .
فالجعل والايجاد هنا بسيط (ومفاد كان التامة) لا انه جعل مركب بحيث جعل من شيء شيئا (ومفاد كان الناقصة).
والعقل والذهن يفهم من هذا الجعل (ان الله تعالی جعل النار, وخلق الانسان) شيئين:
الف: تحقق المجعول في الخارج وانه بالتحليل الذهني حقائق مختلفة يمتاز بعضها عن الاخر (فالتفاح غير البرتقال وهو غير الحجر) وهذه الجهة هي الماهية.
ب: الذهن ينتزع من المجعول في الخارج مفهوم الماهية وكذلك ينتزع مفهوم الوجود وكلاهما لا اصالة لهما بل هما يعدان من المفاهيم الذهنية .
وعلی هذا الترتيب يسقط الركن الاساسي لبرهان اصالة الوجود وذلك لعدم حد الاستواء حتی تحتاج الی مخرج وان الله تعالی خلق الاشياء بلا سابقة منها ومن لا من شيء يجعل الشيء وبمحض الجعل تخرج الی الوجود والعقل بعد تحققها بالتحليل الذهني يتصور منها الماهية والوجود .
ص: 46
الثاني: قولهم: ان الماهية من حيث هي ليست الا هي وهي لا موجودة ولا معدومة بمعنی ان ذات الماهية لا تقتضي الوجود ولا العدم فهذا المعنی ثابت في كل حال حتی بعد الجعل .
فعلی هذا فحالة الاستواء ثابتة وعلی اساس هذا المعنی لا يمكن خروجها عن حد الاستواء اصلا , والقائلون باصالة الوجود يقولون ان الماهية لابد لها من مخرج ولا يمكن ان تكون ماهية مثلها هي المخرج لها (وذلك لانها مثل الاولی تحتاج الی مخرج) فالوجود يخرجها عن حد الاستواء وهذا المخرج يعني الوجود اولی بالاصالة منها والمراد من كونها في حد الاستواء هو انها في ذاتها لا تقتضي الوجود ولا العدم .
ويرد عليه: ان ذات الشيء اذا كانت لا تقتضي الوجود ولا العدم لانها ان اقتضت الوجود كانت واجبة الوجود وان اقتضت العدم كانت ممتنعة الوجود.
فعلی هذا حيث ان ذاتها لا اقتضاء لها فلو كانت هنالك علة انوجدت والا بقيت بلا اقتضاء وهي بعد جعل الجاعل ايضا لا تتغير(1) فعلی هذا فالماهية لا تخرج عن حد الاستواء اصلا .
ص: 47
علی هذا الاساس فحاجتها الی المخرج بلا معنی ولا موضوعية للمخرج لانه لا يمكن خروج الماهية عن حد الاستواء .
الثالث: ان مفهوم الماهية كمفهوم الوجود لا اصالة له بل المراد من اصالة الماهية او اصالة الوجود هو ان المتحقق في الخارج من مصاديق الوجود او من مصاديق الماهية؟
فلو قلنا ان الجاعل خلق الشيء (الماء والنار والحجر و..) وهذا الشيء الخارجي مصداق الماهية ومع حعل الماهية يصح حمل الوجود عليها ولا مانع من ذلك .
وهذا الكلام : من ان الجاعل جعل مصداق من مصاديق الوجود نظير القول بان: الجاعل جعل مصداقا من مصاديق الماهية وكلاهما مصادرة علی المطلوب واول الكلام والبحث , وتوضيح هذا الاشكال: انه بعد جعل الجاعل للشيء فالذهن يحلله الی مفهومين مفهوم الوجود ومفهوم الماهية وهذان المفهومان احدهما يماثل الاخر كما وانهما بلحاظ مصاديقهما ايضا مثلان يعني لا يقتضيان الوجود ولا يقتضيان العدم .
اذن علی مبنی اصالة الوجود يكون المجعول في ذاته كذلك والا لكان اما واجبا او ممتنعا (وان كان الوجود في الذهن يحمل بالحمل الاولي علی نفسه من باب حمل المفهوم علی المفهوم) .
ص: 48
فحقيقة الوجود وحقيقة الماهية وهل ان ما في الخارج مصداق الوجود او الماهية في ما اذا كان البحث عن ممكن الوجود فكلاهما لا يقتضيان الوجود ولا العدم , وعلی القائلين باصالة الوجود ان يأتوا بدليل عليها مع صرف النظر عن هذا الكلام والا فالوجود والماهية متساويان من هذه الجهة غاية الامر ان كان جعل الجاعل للواقعيات المتباينة والمتكثرة كانت النتيجة هي اصالة الماهية واذا كان جعل الجاعل الوجود كانت النتيجة اصالة الوجود .
علی هذا فلو قلنا ان الجاعل جعل الوجود او جعل الماهية فكلاهما ادعاء وذلك لانه كما ان الماهية لا تقتضي الوجود ولا العدم كذلك الوجود لا يقتضي الوجود ولا العدم لا بالحمل الاولي(1)
ولا بالحمل الشايع الصناعي(2).
يعني ان الماهية الخارجية لا تقتضي الوجود والعدم كذلك الوجود الخارجي لا يقتضي الوجود والعدم لان البحث عن ممكن الوجود وما لم تجيء العلة فالشيء لا ينوجد .
نعم مع التحقيق نستطيع ان نعرف ان استدلالات القائلين باصالة الوجود كلها مصادرة علی المطلوب بمعنی انهم ابتداءا فرضوا اصالة الوجود منالمسلمات
ص: 49
ثم اخذوا في الاستدلال عليها وكل استدلالاتهم لا تخلو من النقض والاشكال .
علی هذا الاصا اصالة الماهية وهذا الامر واقعي لا يقبل الانكار وذلك لان كل من يتولد في هذه الدنيا يدرك وجود الحقائق المتباينة المختلفة في الخارج وانها متمايزة بعضها عن الاخر لا ان صرف الوجود وجود في الخارج .
قاعدة بسيط الحقيقة
من اهم المسائل المتفرعة علی اصالة الوجود مسألة وحدة الوجود .
من مباني وحدة الوجود قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء وليس بشيء منها ومعناها: ان الحقيقة البسيطة (وهو الله تعالی) كل الاشياء (مع قطع النظر عن التعينات والمحدوديات وباقي القيود) وليس بشيء منها (مع ملاحظة التعينات) وعلی اساس هذه القاعدة في الكون حقيقة واحدة وباقي الاشياء كلها ظهورات تلك الحقيقة وتری باشكال مختلفة .
يقول ملا صدرا في الاسفار:
إشارة إلى حال الوجوب و الإمكان: اعلم أن هذا الانقسام إنما هو من حيث الامتياز بين الوجود و الماهية و التغاير بين جهة ربوبية و العبودية و إما من حيث سنخ الوجود الصرف و الوحدة الحقيقية فلا وجوب بالغير حتى يتصف
ص: 50
الموصوف به بالإمكان بحسب الذات إذ كل ما هو واجب بالغير فهو ممكن بالذات و قد أحاطه الإمكان الناشي من امتياز تعين من تعينات الوجود عن نفس حقيقته و بالجملة منشأ عروض الإمكان هو نحو من أنحاء الملاحظة العلمية باعتبار جهة هذه الملاحظة التفصيلية(1).
وخلاصة كلامه: ان منشأ عروض الإمكان هو نحو من أنحاء الملاحظة العلمية باعتبار جهة هذه الملاحظة التفصيلية .
فملا صدرا في هذا الكلام يعتقد:
ان الانقسام الی الواجب والممكن إنما هو من حيث الامتياز بين الوجود و الماهية يعني ان الجانب الوجودي لكل شيء واجب والجانب الماهوي اعتباري وممكن وبلحاظ التغاير بين جهة الربوبية (الجهة الوجودية) و العبودية (الجهة الماهوية) .
و إما من حيث الوجود فلا وجوب بالغير وذلك لان الشيء لو كان واجبا بالغير لكان وجوده ممكنا بالذات في حين انه لا وجود للممكن بالذات. لان الامكان امر اعتباري وينتزع من جهة التعين والتطور .
ص: 51
فلو حصل تعين في حقيقة الوجود فان امر اعتباري والا فجهة الوجود ليس فيها واجب بالغير .
فحينما نعبر بالإمكان فهو من جهة الملاحظة العلمية باعتبار جهة الملاحظة التفصيلية (حيث تتعين حقيقة الواجب بتعينات كثيرة).
اذن مع الملاحظة العلمية في عالم الذهن يكون للامكان معنی وحسب قول الجامي شعراً باللغة الفارسية:
بود اعيان جهان بی جند وجون***ز امتياز علمی وعينی مصون
نی بی لوح علمشان نقش ثبوت***نی ز فيض خوان هستی خورده قوت
ناگهان در جنبش امد بحر جود***جمله را در خود ز خود بی خود نمود
واجب وممكن به ممتاز شد***رسم آيين دويی آغاز شد
نعم هذا الادعاء من ان في الكون حقيقة واحدة وباقي الاشياء كلها ظهورات تلك الحقيقة وتعيناتها وتطوراتها ادعاء جزافي مخالف للعقل والفطرة والوجدان فلو كان هذا معنی وحدة الوجود فهو امر غير مقبول.
واذا قلنا ان الوجودات متباينة والذي في الخارج وجود خاص لا الوجود المطلق (وذلك لان مطلق الوجود مفهوم ذهني والذي في الخارج الوجودات الخاصة مثل الماء والحجر و..) ففي هذه الصورة تكون الوجودات متباينة ولا يبقی مجال للقوا بوحدة الوجود .
ص: 52
وحينئذ لوقلنا ان للوجود مراتب وان هذه المراتب عبارة عن تطور الوجود الواحد كالنور حيث له مراتب بالشدة والضعف فسوف لا يبقی مجال للقول (بقاعدة بسيط الحقيقة ..) وذلك لان المرتبة الضعيفة لو امتازت عن المرتبة القوية وكان لكل مرتبة مختصاتها فسوف لا تحقق وحدة الوجود.
مضافا الی ذلك ان القول بالوحدة التشكيكية لا اساس له وذلك لانا لوقلنا ان كل المراتب (من المرتبة الضعيفة الی المرتبة اللانهائية) مشتركة في حقيقة واحدة ومن سنخ واحد ففي هذه الصورة تكون المراتب كلها واجبة الوجود (وانه ذاتي لا غيري) ولا مجال لممكن الوجود وذلك لانه اذا قلنا ان وجود ذات المرتبة الضعيفة لا اقتضائي (يعني لا يقتضي الوجود ولا العدم) وبلحاظ ان هذه المرتبة (الممكنة الوجود) مشتركة في الحقيقة والسنخ مع المرتبة العالية فلا بد لنا من القول بن هذه المرتبة واجدة لوجوب الوجوب وعدمه وهذا تناقض واضح .
لهذه الجهة بعض رفض القول بالوحدة التشكيكية وقالوا بالوحدة الاطلاقية وذلك للتناقض بين القول بالتشكيك والقول بالامكان .
وعلی اي حال فهذا الكلام مرفوض من جهة العقل والبرهان وذلك لان كل واحد من هذه الموجودات له وجود مستقل في الخارج يتغير ويزول ومن هذه الجهة لا يمكن ان يكون قائما بذات واحدة وذلك لانه لو كان قائما بذات واحدة واجبة الوجود لاستلزم تغيرها وزواله وفناؤها .
ص: 53
كما من الواضح بالوجدان ان الانسان وباقي الاشياء فقيرة ومحتاجة وهذا لا يتفق مع القيام بالذات الواحدة.
واما الادلة النقلية من الايات والروايات والمعارف الالهية الواردة في الادعية فكلها ناطقة بتباين حقيقة الخالق مع حقيقة المخلوق وان الله تعالی شيء لا كالاشياء فهو تعالی قائم بذاته وباقي الاشياء تحتاج في وجودها الی الغير(العلة) حتی ان عبارة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتی يكون هو المظهر لك(1)
حيث ادعی البعض انها دالة علی وحدة الوجود شاهدة علی هذا خلاف هذا المبنی وذلك لان معنی العبارة هكذا: الظهور الذي لك يا الهي لا يوجود عند غيرك اذن الغير موجود لكنه في قبال ظهور الله تعالی لاشيء فلا يكون مظهرا له .
ولا تخفی مفاسد ومهالك هذا المبنی يقول محمد تقي شريعتمداري في مقدمة تقريرات شرح المنظومة: لم يرد التعبير بالوحدة والعينية بين الخالق والمخلوق في اية من الايات او رواية من الروايات بل الذي تدل عليه الايات والروايات هو احاطة الله بمخلوقاته مع التحفظ علی المغايرة بين الخالق والمخلوق مثل قوله تعالی{وكان الله بكل شيء محيطا}(2) وقوله تعالی {انالله
ص: 54
بما يعملون محيط}(1)
فاثبت الله تعالی وجود الاشياء والاعمال والاحاطة بها فلا وجود للاتحاد والعينية.
وورد في القران الكريم {وهو معكم اين ما كنتم}(2) ويقول تعالی ايضا {ما يكون من نجوی ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادنی من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ما كانوا}(3)
فلم تبطل هذه الايات المغايرة والاثتيتيةولو انا لا ندرك كيفية معية الله واحاطته بالمخلوقات ولا ندرك كنه قيمومته.
وما اشتهر علی الالسن من انه لا مؤثر في الوجود الّا الله ليس باية ولا رواية وهذا الكلام علی اطلاقه ليس بصحيح والّا اقتضی نفي الاختيار عن افعال العباد.
وما ورد في النصوص من: لا حول ولا قوة الا بالله, وبحول الله وقوته اقوم واقعد ففيهما اثبت الاختيار للعباد فعلا وتركا وكذلك اثبتا الاستمداد الحول
ص: 55
منه تعالی ولا دلالة فيهما علی استناد الافعال الی الله تعالی حتی يستشم منهما رائحة الجبر(1)
ومن جملة مفاسد قاعدة بسيط الحقيقة هو بطلان مسألة التكليف والامر والنهي والثواب والعقاب والجنة والنار وبعثة الانبياء ونزول الكتب السماوية فانها كلها تكون بلا معنی .
وكما يقول صاحب كتاب تفسير بيان السعادة في ذيل اية{وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ان عباد الشيطان وعباد الالة التناسلية للرجل والمرأة كلهم عباد الله تعالی بشكل غير مقصود وذلك لانها كلها مظاهره تعالی عن ذلك واليك نص عبارته:
و لمّا كان أجزاء العالم مظاهر للّه الواحد الأحد القهّار بحسب أسمائه اللّطفيّة و القهريّة كان عبادة الإنسان لاىّ معبود كانت عبادة للّه اختيارا أيضا بخلاف طبائع الاناسىّ فانّها ليست مظاهر للنّفس الّا بوجه بعيد لا يعلمه الّا الرّاسخون، و لذلك لم تكن الأعضاء المؤفة في حكم الآفة منقادة للنّفس عبادة لها مطلقا فالإنسان في عبادتها اختيارا للشّيطان كالابليسيّة و للجنّ كالكهنة و تابعي الجنّ و للعناصر كالزّردشتيّة و عابدي الماء و الهواء و الأرض و للمواليد كالوثنيّة و عابدي الأحجار و الأشجار و النّباتات كالسّامريّة و بعض الهنود
ص: 56
الّذين يعبدون سائر الحيوانات، و كالجمشيديّة و الفرعونيّة الّذين يعبدون الإنسان و يقرّون بالهته و للكواكب كالصّابئة و للملائكة كأكثر الهنود و للّذكر و الفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الإنسان و فرجه، و كالبعض الآخر القائلين بعبادة ذكر مهاديو ملكا عظيما من الملائكة و فرج امرأته كلّهم عابدون للّه من حيث لا يشعرون، لانّ كلّ المعبودات مظاهر له باختلاف أسمائه...
لكن تلك العبادة لمّا لم تكن بأمر تكليفيّ من اللّه لم يستحقّوا الأجر و الثّواب عليها بل استحقّوا العقوبة و العذاب(1).
ص: 57
العدد الثاني والعشرون
الفصل الثاني
في صفاته تعالی
و فيه امور:
الامر الاول في جملة من صفاته جل و علا
و تجد في هذا الامر معنی التوحيد الحقيقي وخلاصة مضامين الاخبار:
انما سوی الواحد متجزّيء، واللّه واحد أحد لا متجزّيء ولا متوهم بالقلة وهو الواحد الّذي لا واحد غيره لانه لا اختلاف فيه وان كل مسمی بالوحدة غيره قليل وانه الصمدومعناه:انه لا إسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد له وانه ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبّرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الاقطاروهو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله وإنّه أحدي المعنى، يعني أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، وانه من جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه،ومن جزّأه فقد جهله والانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، واللّه واحد لا واحد غيره
ص: 58
وأحدي المعنی والانسان واحد ثنوي المعنى، جسم، وعرض وإن ما سواه من الواحد متجزيء، وهو تبارك وتعالی واحد لا متجزيء واللّه جل جلاله واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادةوهو شيء بحقيقة الشيئية، وهو شيء بخلاف الاشياء0وانه هو القاهرولامقهوريّة في ذاته تعالی فهو غير الاثر الذي هو مقهور ومغلوب على امره ومحدود في ذاته و وجوده وانه لا ضد له بخلاف غيره من المخلوقات فانه يحصل التضاد في ما بينها اما بالنسبة الى مؤثرها فلاتضاد بينها وبينه لأنه ليس من سنخها فهو خالقها جميعاً وكلها تحت سلطانه فالاضداد في عالم المخلوقات والآثار لاربط لها بعالم الخالقيّة فلا يمكن قياس عالم الآثارعلى عالم المؤثّر و بذلك يظهر أن الله تعالی لايقاس بالمكان كما لا يقاس بالزمان فإنه جل وعلا فوق المكان و خالقهما و المكان و الزمان من صفات المخلوقات وهو تعالی فوقها و ليس من سنخها فليس من شأنه المكان حتی يمانعه الغير فيه.
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
قبل كل غاية ومدة وإحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار.(2)
ص: 59
*... قال (الزنديق) فحده (أي صفه) لي، قال الإمام الرضا (علیه السلام) :إنه لا يحدّ (أي لا يوصف). قال: لمَ؟ قال: لأن كل محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزائد، ولا متجزي، ولا متوهم.(1)
*الإمام المجتبى (علیه السلام):
الحمد للّه الذي لم يكن له... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهی.(2)
*الإمام الباقر (علیه السلام):
إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس اللّه كذلك.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثيل...، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد، والقريب منهم بلا ملامسة.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
ص: 60
إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
جلّ أن تحله الصفات، لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):ما تصوّر فهو بخلافه.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):ما تصوّر في الأوهام فهو بخلافه.(4)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
... ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره
فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية، لا يستحقها غيره، ولا يشارك ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره...(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):فالحدّ لغيره مضروب وإلى غيره منسوب.(6)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
ص: 61
لأنه اللّه الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، وفي حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصرّفا... الذي لما شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):كل معط منتقص سواه.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
... بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له،... ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزه لمغرزها.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام):إنه جل ثناؤه علة كل شيء وليس شيء بعلة له.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام):لا يتغير اللّه بانغيار المخلوق، كما لا ينحد بتحديد المحدود.(5)*الإمام الرضا (علیه السلام):
ص: 62
ليس مذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية، كيف ولا تغيبه مذ، ولا تدنيه قد، ولا يحجبه لعل، ولا يوقته متى، ولا يشمله حين، ولا تقارنه مع، إنّما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها.(1)
*...قال(الزنديق):ماهو؟قال الصادق(علیه السلام):
هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي: شيء، إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الأزمان.
قال السائل: فله إنية ومائية؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلا بإنية ومائية.(2)
*الإمام الباقر (علیه السلام):
إن اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره. نورا لا ظلام فيه، وصادقا لا كذب فيه، وعالما لا جهل فيه، وحيا لا موت فيه، وكذلك هو اليوم وكذلك لا يزال أبدا.(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
... وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما في غيره.(4)*الإمام الصادق (علیه السلام):
ص: 63
... ولم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه(2)
*الإمام الصادق (علیه السلام):... ولا يبلغون كنه علمه...(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير، أو يدخله التغيير والزوال، أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة، إلا ربّ العالمين، فإنه لم يزل ولا يزال واحدا... لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الإنسان الذى... يتبدل عليه الأسماء والصفات واللّه عز وجل بخلاف ذلك.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
ص: 64
... لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا.(1)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
فلا إليه حد منسوب، ولا له مثل مضروب... تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):... لا كفو له فيكافيه ولا نظير فيساويه.(3)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
... تعالى اللّه عما يصفه الواصفون المشبهون اللّه تبارك وتعالى بخلقه المفترون على اللّه...(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
... تعالى عما ينحله المُحَدِدِون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب...(5)*الإمام الرضا (علیه السلام):ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية.(6)
ص: 65
*الإمام الصادق (علیه السلام):الحمد للّه الذي كان. قبل أن يكون كان. لم يوجد لوصفه كان.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):فكان إذ لا كان.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
إن قيل "كان" فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل "لم يزل" فعلى تأويل نفي العدم.(3)
*الإمام الباقر(علیه السلام):إن ربي تبارك وتعالى كان... ولم يكن له كان.(4)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته.(5)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم.(6)*الإمام الصادق (علیه السلام):لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره.(7)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):اللهم إنك كنت قبل الأزمان، وقبل الكون والكينونة والكائن.(8)
ص: 66
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):الحمد للّه الذي لا من شيء كان ولا من شيء كوّن ما قد كان...(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):
إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير... إلا رب العالمين... لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الانسان يكون ترابا مرة، ومرة لحما ودما، ومرة رفاتا ورميما... فتتبدل عليه الأسماء والصفات واللّه جل وعز بخلاف ذلك.(2)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):الحمد للّه الذي لم تسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا.(3)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):أوليتك مثل اخريتك واخريتك مثل أوليتك.(4)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
... فاللّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنّه، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن اللّه ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا
ص: 67
الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادو من الحق بعدا.
ولو وصفوا اللّه عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا فيه، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال عمران: يا سيدي، أشهد أنه كما وصفت ولكن بقيت لي مسالة. قال: سل عما أردت، قال: أسئلك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحول من شيء إلى شيء، أو به حاجة إلى شيء؟ قال الرضا (علیه السلام):
أخبرك يا عمران فاعقل ما سئلت عنه فإنه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم، وليس يفهمه المتفاوت عقله العازب حلمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون، أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عزّ وجلّ لميخلق شيئا لحاجة ولم يزل ثابتا لا في شيء ولا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه، واللّه جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله. وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤده حفظه ولا يعجز عن إمساكه ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلا اللّه عزّ وجلّ ومن اطلعه عليه من رسله وأهل سره والمستحفظين من سره وخزانه القائمين بشريعته، وإنما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئا فإنما يقول له: كن، فيكون بمشيته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء ولا
ص: 68
شيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران؟ قال: نعم، يا سيدي قد فهمت، وأشهد أن اللّه على ما وصفته ووحّدته وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ. ثم خرّ ساجدا نحو القبلة وأسلم.
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):... والمتعالي عن الخلق بلا تباعد.(1)
*الإمام الصادق (علیه السلام):إن الأبصار لا يدرك إلا ما له لون وكيفية، واللّه خالق الألوان والكيفية.(2)
*الإمام الرضا (علیه السلام):
ابتداؤه إياهم دليل على أن لا إبتداء له لعجز كل مبتدء عن إبتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفافة المتأدين.(3)*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
كيف يجري عليه ما هو أجراه؟ ويعود فيه ما هو أبداه؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه و... لامتنع من الأزل معناه.(4)
ص: 69
إن كثيرا من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة (علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة السادسة والعشرين.
حَمَّادِ بْنِ عِيسَى الجهني احد المدافعين عن التوحيد الالهي و ما جاء به النبي ص من رؤية عن المبدأ و المعاد و لا يخفی ان شخصية الراوي تعرف وتقيم من خلال رواياته فروی حماد بن عيسی عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِيَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُوصَفُ قَال: و قال: زُرَارَةُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُوصَفُ وَ كَيْفَ يُوصَفُ وَ قَد قال فِي كِتَابِهِ {وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه} فَلَا يُوصَفُ بِقُدْرَةٍ إِلَّا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِك(1) فذات الله تعالی لها الكمال المطلق سواء كان هناك خلق ام لا وقال حمَّاد بن
ص: 70
عيسى ايضا قال:سَأَلتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع فَقُلْتُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَعْلَمُ قَالَ أَنَّى يَكُونُ يَعْلَمُ وَ لَا مَعْلُومَ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَسْمَعُ قَالَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَا مَسْمُوعَ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلْ يُبْصِرُ قَالَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَا مُبْصَرَ قَالَ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَلِيماً سَمِيعاً بَصِيراً ذَاتٌ عَلَّامَةٌ سَمِيعَةٌ بَصِيرَة.(1)
وروی حَمَّادِ بْنِ عِيسَى ايضا عَنْ رِبْعِيٍّ عن فُضيل بن يسار قال:سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْض} فَقَالَ يَا فُضَيْلُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ كُلُّ شَيْ ءٍ فِي الْكُرْسِيّ(2).
ص: 71
الحلقة الخامسة والعشرون
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء.
فصل
ومنهم الحسن البصري وانحرافه عن أهل البيت عليهم السلام وعدوله عن متابعتهم ظاهر غير إنا ذكرنا بعض ما ورد فيه. روى الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أما والله لو قلتم ما أقول لأقررت أنكم أصحابي هذا أبو حنيفة له أصحاب وهذا الحسن البصري له أصحاب(1).
أقول: هذا كما ترى صريح في ذمه وعدوله عن متابعة الحق وأهله وكونه منقسم أبي حنيفة والإشارة إليه بهذا إما لظهوره في ذلك أو لإرادة تحقيره. وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قيل له إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار فقال أبو جعفر عليه السلام فهلك إذا مؤمن
ص: 72
آل فرعون ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله لا يوجد العلم إلّا هيهنا(1)
وحديث الصرف معروف وتكذيب الإمام عليه السلام له ظاهر ويأتي في سفيان الثوري حديث صريح في ذم الحسن البصري أيضا. وروى الطبرسي في الإحتجاج قال: لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من قتال أهل البصرة مر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال يا حسن أسبغ وضوءك فقال والله يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناسا (كانوا) يشهدون أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله يصلون الخمس ويسبغون الوضوء فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا؟ فقال والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عايشة هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع نادى مناديا يا حسن ارجع فإن القاتل والمقتول في النار فرجعت ذعرا وجلست في بيتي. فلما كان في اليوم الثاني لم أشك إن التخلف عن أم المؤمنين هو الكفر فتحنطت وصببت علي سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى ذلك الموضع فناداني من خلفي يا حسن ارجع فإن القاتل والمقتول في النار. فقالأمير المؤمنين عليه السلام صدقت أتدري من ذلك المنادي قال: لا قال: ذاك أخوك إبليس وصدقك إن القاتل والمقتول منهم في النار فقال الحسن البصري الآن عرفت أن القوم هلكى(2). وعن
ص: 73
أبي يحيى الواسطي قال: لما افتتح أمير المؤمنين عليه السلام البصرة اجتمع عليه الناس وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح فكان كلما لفظ أمير المؤمنين عليه السلام لفظة كتبها. فقال أمير المؤمنين عليه السلام بأعلى صوته ما تصنع فقال: نكتب آثاركم لنحدث بها بعدكم فقال أمير المؤمنين عليه السلام أما إن لكل قوم سامريا وهذا سامري هذه الأمة أما أنه لا يقول لا مساس ولكنه يقول لا قتال(1).
وعن علي بن الحسين عليه السلام أنه مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف عليه ثم قال له إمسك أسئلك عن الحال التي أنت عليها مقيم أترضاها لنفسك فيما بينك وبين الله للموت(2)؟
فقال: لا قال أفتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها قال: فأطرق مليا فقال إني أقول بلا حقيقة قال: أفترجو نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: لا قال: أفترجو دارا بعد هذه الدار يعمل فيها؟ قال: لا، أفرأيت أحدا بهمسكة عقل يرضى بهذا لنفسه ويعظ الناس فترك الوعظ بالكلية(3).
وعن أبي حمزة الثمالي أن أبا جعفر عليه السلام قال للحسن أنت فقيه أهل البصرة قال: نعم قال: فيها أحد تأخذ عنه قال: لا قال: كلهم يأخذون عنك؟ قال: نعم قال لقد
ص: 74
تقلدت عظيما من الأمر بلغني أنك تقول إن الله خلق الخلق ففوض إليهم أمورهم فسكت فذكر كلاما طويلا في بطلان التفويض ثم قال أبو جعفر عليه السلام إني أعرض عليك آية وأنهي إليك خطبا ولا أحسبك إلا وقد فسرته على غير وجهه فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت ثم ذكر أنه فسره على غير وجهه وأورد كلاما في اختصاصهم بالعلم وتفسير القرآن إلى أن قال: فلم ينته الاصطفاء إليكم بل انتهى إلينا ونحن تلك الذرية لا أنت وأشباهك يا حسن(1).
ص: 75
الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين
هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ نقد الفلسفة وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي .
وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي .
ص: 76
المناظرة السابعة
الأستاذ سيدان:
من المناسب تعيين جدول للموضوعات الّتي طرحت سابقا.
بعد ما عُلم أنّ المرحوم الآخوند [ملاصدرا] صرّح مكررا بأن المحشور هو المعاد الجسماني والبدن بعينه. وقد اتضح أنّ مراده من الجسم هو المعنى الخاص (شيئية الشيء بصورته)، صور إبداعية من قبل النفس. و مقصوده من الجسم ليس هو المتبادر في أنظار العموم. ولقد وصل بنا البحث إلى أنّ المحدثين والملا صدرا لهما نظرتان، وقد صرّح أهل الفنّ بهذه الإثنينية.
و قيل: إنّ المستفاد من الآيات والروايات في موضوع حشر الأفراد والأجساد، هو الموضوع نفسه الّذي قال به الأعلام من قبيل: الآشتياني والآملي والخوانساري (قدّس اللّه أسرارهم).
ولكن القسم الآخر من الأدلة المرتبطة بخلق الجنة والنار والّتي
وقعت موضع البحث، وقلتم: إنّ هذه الأدلة - مع الالتفات إلى أنّ الجزاء ليس أمرا تعاقديا، وإنّما الجزاء هو العمل، والأعمال والصفات تتجسّم، ومع الالتفات إلى أنّ العالم الاخروي نظام «كُنْ فَيَكون»، يعني لا مدخلية للبط ء والحركة فيه - و من بعض الجهات الاُخر، يمكن أن تؤيّد
ص: 77
نظرية الآخوند.
و نحن قلنا: إنّ هذه لا تنافي كلام المحدثين، وبالنتيجة لا يمكن صرف النظر عن المستفاد من الآيات والروايات.
وما سنستعرضه الآن يرجع إلى الرواية الأخيرة المشتملة على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله في المعراج دخل في الجنة و رأى النار أيضا. وقد ورد في
ذيل تلك الرواية أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله تناول من رطب الجنّة وقال: «فتحوّل ذلك نطفة في صلبي»(1).
وهذه الخصوصية (التبدّل إلى نطفة) تتناسب تماما مع أنّ الجنة و فواكهها مادة لا صورة. والآن، لو كانت هناك رواية اُخرى أو قرينة لبيّة تتفضّلون بطرحها.
الأستاذ جوادي:
ينبغي هنا ثلاثة مطالب:
1 - إيضاحات الآخوند [ملاصدرا] بالنسبة إلى المعاد تقسم إلى نوعين.
أحدهما: ما قاله في شرح الهداية الأثيرية، وهو المتطابق مع ظواهر الكتاب والسنة، وهو الّذي قَبِله بعنوان نظرية دقيقة.
ص: 78
والنوع الآخر: ما بيّنه في كتبه الاُخر كالأسفار، وقد إختارها بعنوان النظرية الأدقّ.
إذن، عند الآخوند معرفة المعاد الدقيق، ومعرفة المعاد الأدقّ. وقد إختار في شرح الهداية الأثيرية ذلك المعنى الّذي إختاره المحدثون.
2 - كلما تقدمنا إلى الأمام وتأملنا، فسوف نرى أنه لا اختلاف بين مسلك الآخوند - ولو بالمعنى الأدقّ - وبين مسلك المحدثين والفقهاء؛ لأنّ المحدث والفقيه لم يبيّنوا اصطلاحا للمادة، ويعبرون عنها بالجسم، ويثبتون آثارا وخصوصيات لهذا الجسم تنطبق على الصورة الّتي يقول بها الآخوند ملا صدرا.
3 - الأدلة تقول: إنّ الجنة والجحيم موجودتان الآن، وأهل الجنة الآن متنعمون، والجهنّميون الآن معذّبون.
وأمّا الرواية الّتي اُشير إليها وجاء في ذيلها: «فتحوّلت نطفة»،
فمعناها: تحولت إلى نطفة في هذا العالم لا في الجنّة، الجنّة ليست مكان نطفة، تنزّلت وأصبحت نطفة، فإنّ لجميع الموجودات خزائن غيبية «وَ إِنَّ مِنْ شَىْ ءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوْمٍ)(1).
و لذلك قال تعالى: (وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيْدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيْدٌ»(2).إيجاد
ص: 79
حالة التنزّل. و بتعبيرات اُخر كعبارات «أنزلنا» وغيرها تشير إلى التنزيل من الخزائن. وفي الخزائن الغيبية لا يوجد بحث عن الماديات.
والقيامة هي وعاء ظهور النار لا حدوثها. فالجهنّمي عندما يموت ينكشف عنه الغطاء ويرى نفسه في جهنم، ولا يرى شيئا جديدا: «لَقَدْ كُنْتُ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَائَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيْدٌ»(1).
وبما أنّه حطب و وقود، فهو الآن في جهنم ويحترق، ثمّ بعد ذلك يُكشف عنه الغطاء.
قال تعالى في قصة قوم نوح (على نبيّنا وآله وعليه السلام): «أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارَا»(2).
إذن، جهنّم موجودة حتّى في داخل الماء، فالإنسان الّذي يغرق، لو كان كافرا، يُفتح له باب من جهنّم (فقد جاء في الروايات: قبر أو حفرة من حفر النار أو...) و على هذا، فالجنّة والنار موجودان، يوجدان حتّى في وسط الماء. فلو كانت جهنّم جسما ماديا لتقرّر وجودها في جزء جغرافي من هذا العالم.
ومسألة تجسّم الأعمال مسألة ثابتة، ويمكن استفادتها من موارد
مختلفة (نظير القواعد الفقهية المستنبطة)، والعمل أعم من القول والفعل
ص: 80
والخلق والاعتقاد، فبالنسبة للاعتقاد يقال المعتقد الباطل (هذا رأيك الخبيث)، والجزاء ليس سوى العمل المجسّم.
وعليه، فالمستفاد من الآية الّتي تفيد الحصر: «إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ»(1).
وكذلك مقتضى قوله تعالى: «إِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيْطَةٌ بِالْكَافِرِيْنَ»(2).
يعني أنّ الكفار الآن في جهنم؛ لأنّ المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ، وفي المستقبل مجاز كما هو مسلم، ومقتضى قوله تعالى: «مَا يَأْكُلُوْنَ فِى بُطُوْنِهِمْ إِلاّ النَّارَ»(3). يعني أنّ آكل مال اليتيم من جهة الظلم فانه حقيقةً يأكل النار.
مع الالتفات لهذه الجهات يمكن أن تكون الجنّة والنار جسما غير مادي. فكونهما جسما لأنّ لهما طولاً وعرضا وعمقا، وليس ماديا لأنّه لا يقع ضمن الجغرافيا، وليس له مكان وجهة خاصّة. ولا يمكن القول بأنّه يمكن أن تكونا في إحدى زوايا هذا العالم في إحدى السيّارات الّتي لم تكتشف بعد.
والمتعارف بين عامة المسلمين عن جهنّم: إنّها محل يلقى فيه الناس، ولا يعرفون أنّ الوقود والحطب وما يتكوّن منه النار هو نفس الإنسان.
والفيض [الكاشاني] رحمه الله الّذي هو محدث كامل وفقيه أيضا،والّذي
ص: 81
وقع كتابه «المفاتيح» مورد عناية الفقهاء، قد اختار هذا الأمر في كتابه «علم اليقين».
لقد كان على كبار [المحدّثين] كالمرحوم المجلسي رحمه الله أن يفسّروا أوّلاً المادة، فإن كان مرادهم من المادة هو الشيء الّذي له طول وعرض وعمق، فلا بحث في هذا. ولو كان المقصود منها هو ما كان له مكان وجهة معينة، فهذا لا معنى له مع ما قد قيل سابقا.
الأستاذ سيّدان:
بالنسبة إلى الموضوع الأوّل، (وهو أنّ الآخوند [ملاصدرا] في المسألة نظرين: نظر دقيق، و آخر أدقّ)، أقول: لازم نفس هذا التعبير هو أنّ له قولين بالنسبة إلى المعاد، ومع تقابل وتضاد هذين القولين، لا يمكن الاعتقاد بهما معا.
ولو كان المقصود هو بيان أمر واحد بعبارتين، فعليه لا تكون نظريتان، طبعا لابدّ من نسبة المطلب الأدقّ إليه، وهو غير مسلك المحدّثين، ومن هنا يتضح الموضوع الثاني، (وهو وحدة نظر الآخوند [ملاصدرا] مع المحدّثين). فلا وحدة بين وجهة نظره مع نظر المحدّثين.
وما قيل في تقريب الوحدة، بأنّ المحدّثين تكلموا عن آثار وخصوصيات عالم البرزخ والقيامة، وهذا لا يلائم.
وقلنا سابقا: إنّ محل البحث هو هل أنّ الأجزاء الوجودية الدنيويةموجود في ذلك العالم أو لا؟
ص: 82
مع صرف النظر عن اصطلاح المادة، يقول المحدّثون: المحشور في القيامة البدن العنصري، ومسلك الآخوند يرى هو أنّ المحشور هو الصور الّتي أبدعتها النفس.
وأمّا الموضوع الثالث الّذي طُرح؛ لتقريب مسلك الآخوند وهو أنّ الجنّة والنار لهما فاعلية الآن، والأشخاص الآن إمّا في الجنّة أو في الجحيم، وبعد الموت يكشف الغطاء عنهم فقط، وهكذا جنّة ونار لا يمكن أن تكونا ماديتين. والذهاب إلى الجنّة والجحيم ليس انتقالاً من نقطة إلى نقطة، وإنما الأشخاص في هذا العالم رأوا الجنّة والجحيم.
بالنسبة إلى هذا الموضوع أقول:
أوّلاً: كان مصب البحث هو حشر الأجساد، وهو هل إنّ الأشخاص المحشورون في ذلك العالم عندهم شيء من أجزاء هذا العالم أو لا؟
المحدّثون يدّعون: إنّ الأشخاص يحشرون من أجزاء هذا العالم بالأبدان العنصرية (ولو كان هناك تفاوت مع أجزاء هذا العالم بلحاظ الآثار والخصوصيات؛ لأنّه يمكن أن تكون لحقيقة واحدة عوارض وآثار متفاوتة بلحاظ الشرائط الخاصة)، سواء أسمينا هذا الشيء - اصطلاحا - مادة أو لم نسمَّه، فالبحث ليس في الاصطلاح.
وأمّا، ما هي حقيقة الجنّة والنار، وحقيقة العذاب والثواب الأخروي؟ فهو بحث آخر.وثانيا: إنّ المستفاد من الأدلة هو هذا: إنّ الجنّة والنار ليستا صورة
ص: 83
فقط، وإنّما هما قابلتان للمس، لهما أجزاء، وهناك يوجد الزمان والسرعة والبط ء (كما ورد في الرواية: إن معانقة الحورية يكون في عدة سنوات وشبيه هذه الروايات).
ولا منافاة بين موجودات الجنّة والجحيم وإحاطتها مع المادية، فإنّها تكون مادة لطيفة جدّا، مضافا إلى الهيئة الّتي لها. و هذه المادة لم تكتشف بعد، وغير قابلة للكشف بالآلات الطبيعية الفعلية، كحقيقة الروح، على قول من يذهب إلى أنّها جسم لطيف.
طبعا لم يُصرّح بالمادة أو الصورة في الروايات، ولكن المتبادر أنّ تناسب الروايات مع المادة أكثر، وفي هذا العالم أنّ هذه المادة غير قابلة للإحساس، ويتمّ الإحساس بها بعد هذا العالم، وفي شروط خاصة.
مضافا إلى ذلك، أنّ المستفاد من الروايات: أنّه تمّ بناء وتهيئة قسم من الجنّة، ولا ارتباط لها مع العمل، بمعنى أنّ منشأ إبداعها هو العمل. فقد جاء في بعض الروايات: إنّ شخصا يدخل الجنّة فتعرض له جنّة اُخرى ما فوقها، بأنّك لو عملت العمل الصالح الفلاني، كانت هذه الجنّة متعقلة بك. وليس معنى الوقود أنه لا نار ماوراء الإنسان وعمله. وإنّما الآية ضمت إليه الحجارة أيضا، وغير معلوم اختصاصها بالأصنام.
وخلاصة القول: إنّ ما يتّضح هو أنّ الجنّة والنار موجودان مستقلان ماوراء الإنسان وعمله.الأستاذ جوادي:
ص: 84
عند الآخوند [ملاصدرا] نظر دقيق وآخر أدقّ، من باب أنّ المعارف الحقّة قد قسمت إلى درجات، وكلّ منها حقّ في مرتبتها، كما أنّ المؤمنين لهم درجات: «هُمْ دَرَجَاتٌ»(1)،«لَّهُمْ
دَرَجَاتٌ»(2).
والمؤمنون أنفسهم في مراتب، ولهم درجات أيضا.
يخاطب المؤمن يوم القيامة «اقرأ و ارقه»(3)،
على هذا، النظر الدقيق ليس باطلاً، بل حقّ في مرتبته، وأدقّ أيضا وحق في المرتبة الأخرى. وليس هو اجتماع المتضادين؛ لأنّ شرطه وحدة الرتبة وهذه في رتبتين.
هنا، (وقبل أن يتم الشيخ جوادي بحثه) طرح السيّد سيدان - بعد استجازة الشيخ - سؤالاً هو بهذا العنوان:
هل يمكن الجمع بين هاتين النظريتين؟
1 - المحشور في العالم الاخروي له من الأجزاء الوجودية ما له في هذا العالم.
2 - المحشور في العالم الاخروي ليس له من الأجزاء الوجودية ما له في هذا العالم؟
(لم يجبه الشيخ جوادي عن سؤاله جوابا واضحا، وراح يكملحديثه السابق.)
ص: 85
الجنّة والنار الّتي رآهما النبيّ صلى الله عليه و آله، ورأى أنّ فلانا في الجنّة، وفلانا في جهنّم. لابدّ من رؤية المتنعّم والمعذّب، وأن يرى ما هو حقيقتهما؟
وهل هو غير ما يقال: إنّ الإنسان موجود على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: الطبقة المادية الدنيوية، والّتي يُفترض أنّه يلبس فيها الحرير، ويعيش في الرفاه والنعمة.
الطبقة الثانية: طبقة غير مادية، ولكنّه فيها جسم قابل للرؤية، وهو الآن في العذاب ويحترق: «كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُوْدُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَا
غَيْرَهَا»(1).
الطبقة الثالثة: الروح المجردة الّتي لها عذاب خاص: «نَارُ اللّه الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ»(2). وهي مرحلة غير مرحلة العذاب الجلدي؟
فهذا الشخص الّذي في الدنيا هو الآن، في حالة السباحة، وهو في جهنّم، وفي حال الاحتراق، لكنه غير ملتفت ولا يحسّ بها إلى أن يأتيه الموت: «بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ»(3). مثله كمثل الشخص الّذييسرح و يمرح في مجلس السرور والأفراح وهو غارق في السرور،
ص: 86
ورجله قد احترقت، وهو لم يلتفت. وبعد انقضاء المجلس يلتفت دفعة واحدة، ويرى رجله في حال الاحتراق فيصيح: «مَا يَأْكُلُوْنَ فِى بُطُوْنِهِمْ إِلاّ النَّارَ»(1).
الأستاذ سيّدان:
السؤال هو: الإنسان يحشر في القيامة، وينتهي إلى الجنّة أو الجحيم، فهل يحمل شيئا من أجزاء بدن هذا العالم أم لا؟
فإذا قلنا: الإنسان المحشور من أجزاء بدن هذا العالم فلا ينافي مع ما طرح من مواضيع؛ لأنّه في هذا العالم له أبعاد مختلفة، وأحد هذه الأبعاد أنّه معذّب وهو لا يدري.
الأستاذ جوادي:
نعم، له من أجزاء هذا العالم. ولكن ماهو هذا العالم؟
ولابدّ من توجيه وجود الزمان، كما أنّ: «خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام»(2)،
لابدّ من حمله على درجة وجودية، فإذا تمّ التنزّل إلى ألفي عام، فهناك لا وجود للكَمْ، وليس المكان مكان السرعة والبط ء. الموضوع الآخر هو أنّ الأرض تشهد، والأرض موضع الأوّلينوالآخرين، وتشهد على ملايين الأشخاص. فقطعة من الأرض هي
ص: 87
مسجد، وهي حانة أيضا، والإنسان المحشور يقوم من هذه الأرض. فالأرض تبدّل بما «لم يكتسب عليها الذنوب».
الأستاذ سيّدان:
إنّ شهادة الأرض بشهادات مختلفة لا يدلّ على أنّ الأرض ليست مادية؛ لأنّه يمكن على شريط واحد تسجيل عدة خصوصيات مختلفة، فما هو الإشكال من ناحية الاحتمالات العلمية، و إن لم تعيّن كيفية التسجيل؟
ص: 88
العدد الثاني والعشرون
تأويل ما ورد عنهم علیه السلام في جواز التفكر في ذاته تعالى
و امّا ما أتى منهم بعد ذلك من تجويز التفكّر في اللّه، فهو ذو تأوّل فليبصر، ففي السرائر عن السيّاري، قال: سمعت الرضا علیه السلام يقول: «ليس العبادة كثرة الصوم و الصلاة، إنّما العبادة في التفكّر في اللّه»(1). و السيّاري، اسمه ابو عبد اللّه، و هو ضعيف، و مع ضعفه فما رواه مخالف لما في الكافي عن معمّر بن خلّاد، قال: سمعت أبا الحسن الرضا علیه السلام: يقول: «ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم، إنّما العبادة، التفكّر في امر اللّه»(2). فيحتمل في حقّه النسيان أو الغفلة
ص: 89
في السماع، او هو محمول على ما في الكافي. و حينئذ، فالمراد بامر اللّه، اما امره و تكليفه أو فعله و خلقه.
و في الكافي أيضا عن ابي عبد اللّه علیه السلام. قال علیه السلام: «افضل العبادة ادمان التفكّر في اللّه و في قدرته»(1). فقوله علیه السلام في قدرته، امّا ان يكون عطفا توضيحيّا لقوله «في اللّه» او أنّ المراد ب «التفكّر في اللّه»، التفكّر في امر اللّه؛كالحديث السابق باحد معنييه؛ و الثاني هنا اظهر، بقرينة القدرة، و لا يمكن بمثل هذه الرواية رفع اليد عن تلك النّواهي المؤكّدة المشدّدة.
فصل
من ذاك أيضا عندهم لا يوصف***و أنكروا على الّذين استوصفوا
و هو أجلّ عندهم من الصفة***و عدّ جاهلا به من وصفه
و ملحدا إذ حدّه و قارنه***فحطّه عن شانه و باينه
و من ذلك، قولهم علیه السلام بأنّه لا يوصف و لا يعلم ذاته، و أنّه لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه قد وردت عنهم علیه السلام اخبار بأنّه لا يوصف، و أنّه لا يجوز توصيفه و أنّه لا يمكن توصيفه. و المراد بالتوصيف، أن يقال: ما هو في ذاته؟ و ايّ شي ء هو في جوهره؟
ص: 90
و كيف هو في صورته و كيفيّته؟ و ما هو حدّه و بعضه؟
و قد وردت أيضا اخبار أخر، بأنّه لا يوصف و لا يجوز توصيفه إلّا بما وصف به نفسه، و يراد به توصيفه في ذاته وصفته، إمّا بخلاف ما وصف نفسه به في كتابه، او على لسان اهل وحيه، او بما لم يصف هو به، و لم يذكره من اوصافه، فيكون معناه توقيف التوصيف ببيانه.
امّا القسم الأوّل من الأخبار:فهي الّتي اشرت إليها أوّلا بقولي: من ذاك أيضا؛ اي من اجل أنّ الذات لا يدرك، كان اللّه تعالى عندهم لا يوصف؛ و أنكروا انكارا شديدا على الّذين استوصفوا ربهم.
فعن فضيل عن الصادق علیه السلام: «قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لا يوصف ...»(1). و عن محمّد بن عليّ القاشاني، قال: كتبت إليه علیه السلام: إنّ من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد. فكتب علیه السلامسبحان من لا يحدّ و لا يوصف، و لا يشبهه شي ء، و ليس كمثله شي ء، و هو السميع البصير»(2).
و هو أجلّ عندهم من الصفة؛ اي من ان يوصف أو يبلغ وصفه، قال عليّ بن الحسين علیه السلام: «لا يوصف اللّه بمحكم وحيه، عظم ربّنا عن الصفة، و كيف
ص: 91
يوصف من لا يحدّ و هو يدرك الابصار و لا تدركه الأبصار و هو اللطيف الخبير؟»(1)قوله علیه السلام: «بمحكم وحيه»: اي بمقتضى محكم وحيه من قوله: «لا تدركه الأبصار»، و قوله: «ليس كمثله شي ء.و عن موسى بن جعفر علیه السلام، و قد ذكر عنده قوم زعموا أن اللّه تبارك و تعالى ينزل الى السّماء الدنيا، فقال علیه السلام: «فإنّ اللّه عزّ و جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين و توهم المتوهمين»(2)
و عندهم علیه السلام عدّ جاهلا به تعالى من وصفه، و عدّ ملحدا أيضا إذ حدّه و قارنه بغيره؛ إذ التوصيف يستلزم التحديد و المقارنة مع الوصف، فحطّه إذن عن شانه، و علوّ جلاله و مكانه بسبب التحديد و الاقتران، و باينه و فارقه، اذ الذي وصفه، غير ربّه.
قال الرضا علیه السلام: «فقد جهل اللّه من استوصفه»(3). و قال علیه السلام: «و من جزّأه فقد وصفه، و من وصفه فقد ألحد فيه»(4). و قال علیه السلام أيضا: «الممتنع من الصفات، ذاته و من الأبصار، رؤيته و من الاوهام، الإحاطة به؛ فمن وصف اللّه فقد حدّ،
ص: 92
و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد ابطل ازله؛ و كذلك يوصف ربّنا و هو فوق ما يصفه الواصفون»(1)و قال امير المؤمنين علیه السلام: «فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه، فقد جهله»(2)
و إنّه لفوق وصف الواصف***فلم يحط وصف به و لا يفي
لا يقدر العباد وصف ذاته***و لا بلوغ الكنه من صفاته
قد عجزت عن دركه الأدات***و كلّ دون وصفه اللغات
و إنّه لفوق وصف الواصف؛ كما مرّ في حديث الرضا علیه السلام، فلم يحط وصف به، و لا يفي بما هو شأنه، قال الرضا علیه السلام: «فلا دهر يخلقه و لا وصف يحيط به»(3).
و قال علیه السلام أيضا: «الّذي لا تدركه ابصار الناظرين، و لا تحيط به صفة الواصفين»(4)
و عندهم علیه السلام أيضا لا يقدر العباد وصف ذاته، و لا بلوغ الكنه من صفاته، فعن المفضّل عن الصادق علیه السلام: «أنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يقدر قدرته، و لا
ص: 93
يقدر العباد على صفة، و لا يبلغون كنه علمه و لا مبلغ عظمته، و ليس شي ء غيره»(1)أقول: أي ليس شي ء آخر معه غير ذاته.
قد عجزت عن دركه الأدات: أي ادات(2) الإدراك؛ كما سيأتي ذكر واحد، واحد، بالتفصيل، و كلّ دون وصفه اللغات و الالسن.
قال امير المؤمنين علیه السلام: «فليست له صفة تنال، و لا حدّ يضرب فيه الأمثال، كلّ دون صفاته تحبير اللّغات، و ضلّ هنالك تصاريف الصفات، سبحانه هو كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته»(3). و قال علیه السلام أيضا: «لا يحويه مكان و لا يصفه لسان»(4)
ص: 94
و عن الصادق علیه السلام: «و لا يقع عليه الأوهام، و لا تصفه الألسن»(1).
و كيف يوصف الّذي لا حدّ له***و لا له كيف و لا من ماثلهو
كلّ موصوف فمصنوع يحدّ ***و صانع الأشياء لا يوصف بحدّ
ليس بذاته سواه عالما***فكيف يوصف الّذي لن يعلما
ممتنع من الصفات ذاته***و من إحاطة به صفاته
و إنّما يدرك بالصّفات***والانقضاء و ذوو الهيئات
و كيف يوصف الّذي لا حدّ له، و لا له كيف و لا يوجد من ماثله؟ و الشي ء إذا يوصف، فإنّما يوصف بحدّه أو كيفه أو مثله، و كلّ موصوف، فمصنوع عندهم و يحدّ، و صانع الأشياء لا يوصف بحدّ، قال الصادق علیه السلام: «و كلّ موصوف، مصنوع، و صانع الأشياء، غير موصوف بحدّ»(2). و عن امير المؤمنين علیه السلام: «الّذي سئلت الأنبياء عنه، فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل وصفته بافعاله و دلّت عليه بآياته»(3)
و عندهم علیه السلام إنّه ليس بذاته سواه عالما، فكيف يوصف الّذي لن يعلما، قال امير المؤمنين علیه السلام: «و انحسرت الأبصار عن ان تناله، فيكون بالعيان موصوفا،
ص: 95
و بالذّات التي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا»(1).
و قال الصادق علیه السلامفي ردّ قول هشام بن الحكم(2) (حيث قال: جسم نوري معرفته ضرورة يمنّ بها على من يشاء من خلقه:
سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شي ء»(3)
و هو تعالى عندهم، ممتنع من الصفات ذاته، و من إحاطة به صفاته؛ كما عرفت في حديثي الرضا علیه السلام؛ اذ ليست هناك ذات و صفة، بل ليست إلّا ذاته؛ و التوصيف لا يخلو عن اقتران بالوصف و احاطة بالموصوف، فكيف يمكن توصيف ما يمتنع عنها؟ و إنّما يدرك بالصّفات ذو الانقضاء، الّذي له امد و انقضاء و ذوو الهيئات، قال امير المؤمنين علیه السلام: «و إنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات، و من ينقضي اذا بلغ امد حدّه بالفناء»(4).
ص: 96
العدد السادس
12- التنويه بحديث الغدير:
وقد استدلوا أيضاً بكلام ابن عربي حول الغدير، فقالوا:
«وقد أعرض في رسالته المشهودة عن ذكر إيمانه بإمامة الخلفاء، ونوه بلطف إلى وجوب الاعتقاد بالأمور الواقعة في يوم الغدير، ومن جملتها تعيين خلافة الأمير عليه السلام، حتى يصل إلى قوله:
«ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكَّر، وخوف وحذَّر، ووعد وأوعد.. إلى أن قال: هل بلغت؟!
فقالوا: بلغت يا رسول الله.
ص: 97
فقال: اللهم اشهد»().
ونقول:
أولاً: قد يكون سبب إعراضه عن ذكر إيمانه بإمامة الخلفاء هو عدم وجود مناسبة تقتضي ذلك، لا لأجل وجود تحفظ لديه على إمامتهم.
ثانياً: إن ذكر واقعة الغدير بكل دقائقها وتفاصيلها في كتاب لا يدل على التزام مؤلفه بمضمونها وفق التفسير الشيعي الإمامي لها. فإن كثيراً من علماء أهل السنة، قد أوردوها في كتبهم، وبقوا على تسننهم، وحاولوا تأويلها، والخروج من تبعات الالتزام بها..
وقد تقدم التصريح من قبل الراغبين بإثبات تشيع ابن عربي: بأنه قد شحن بعض كتبه بمناقب أهل البيت عليهم السلام، ولكن أساس مطالبه قد جرى وفق أصول أهل السنة..
ص: 98
ونحن نتيقن: أنه قد جرى في هذا المورد - أي في حديثه عن الغدير- على نفس هذا النهج، وهو نهج التسنن أيضاً؟! وذلك لما نجده من دلائل وشواهد على تسننه، تعد بالمئات، وربما تزيد..ثالثاً: هل صرح ابن عربي، وهو يتحدث عن قضية الغدير بالمضامين الصحيحة، الدالة على أمر الإمامة، فلم يتصرف بها بالحذف والتشويه؟!! - كما فعل بالنسبة لحديث الثقلين، وكما فعل في غيره؟!..
والجواب: إنه لم يفعل ذلك، ولم يصرح باسم علي عليه السلام، وأقحم في كلامه جملة لا ربط لها بموضوع الإمامة.. فراجع النص الذي ذكره المستدل آنفاً..
ويبقى السؤال حائراً وتائها، عن أنه، كيف رأوا خصوص تلك الإيحاءات الضعيفة والواهية كافية للدلالة على تشيعه؟ ولم يروا هذا الحشد العظيم، والكم الهائل مما هو صريح في رسوخ قدمه في التسنن؟!.. كافياً للتشكيك في دلالة وصحة تلك الشواهد الواهية والمريضة!!
ص: 99
رابعاً: إنه هو نفسه - كما تقدم - قد صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يستخلف أحداً من بعده، فكيف تكون إشارته لحديث الغدير دللى الله عليه وآله، لم يستخلف أحداً من بعده، فراجع كلامه.. يد هؤلاء إثبات تشيعه استناداً إلى تلك يلاً على تشيعه؟!إلا أن يدعى أن مراده: أنه صلى الله عليه وآله لم يستخلف ولياً صوفياً، كما ألمحنا إليه وقلنا: إنه تأويل بارد، والمتاجرة به متاجرة بكاسد، والإعتماد عليه اعتماد على أمر فاسد. بعد ما أوردناه في هذه الدراسة من دلائل وشواهد، على أن ابن عربي، عن التشيع حائد، وبه زاهد.
13- يكني عن علي عليه السلام، بفلان:
وقالوا: إن ابن عربي قال في معرفة أسرار {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.. وأسرار الفاتحة.
«فالياء في الرحيم ترمز لليالي العشر، والنقتطتان الشفع، والألف الوتر.. والاسم الرحيم، مالكيته: الفجر. ومعناه الباطن الجبروتي: والليل إذا يسر، وهو الغيب الملكوتي. وترتيب النتقطتين الواحدة مما يلي الميم، والثانية مما يلي الألف:
ص: 100
وجود العالم الذي بعث إليهم، والنقطة التي تليه (أي الميم) فلان.. والنقطة التي تلي الألف محمد..»().
قالوا: أراد بفلان علياً عليه السلام، لأنه هو الذي يناسب التقية فيه..ونقول:
أولاً: إن النص الموجود في الفتوحات المكية ج1 ص110 ط دار صادر أوفست عن دار الكتب العربية الكبرى بمصر. هكذا:
«والنقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه الخ..».
وليس هذا من موارد الدس المدعى، لأن الدس المدعى حصوله، إنما هو لما يخالف عقيدة أهل السنة فقط..
ثانياً: إن تقدير كلمة (علي) تأباه القرينة الموجودة في الكلام نفسه، فإن العبارة هكذا:
«والنقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه، والنقطة التي تلي الألف محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم. وقد تقببت الباء عليهما كالغار {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ
ص: 101
إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} فإنه واقف مع صدقه، ومحمد عليه السلام واقف مع الحق، في الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت، فهو الحكيم، كفعله يوم بدرفي الدعاء والإلحاح، وأبو بكر عن ذلك صاح، فإن الحكيم يوفي المواطن حقها..
ولما لم يصح اجتماع صادقين معاً، لذلك لم يقم أبو بكر في حال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، وثبت مع صدقه به..
فلو فقد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في ذلك الموطن، وحضره أبو بكر، لقام في ذلك المقام الذي أقيم فيه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، لأنه ليس ثم أعلى منه يحجبه عن ذلك، فهو صادق ذلك الوقت وحكيمه، وما سواه تحت حكمه..
فلما نظرت نقطة أبي بكر إلى الطالبين أسف عليه، فأظهر الشدة وغلب الصدق، وقال: {لاَ تَحْزَنْ} لأثر ذلك الأسف {إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} كما أخبرتنا!»
ويستمر الكلام على هذا المنوال ومحوره، أبو بكر، لا الإمام علي عليه السلام، فراجع..().
ص: 102
فكيف يكون المراد من كلمة فلان هو علي، وليس أبا بكر؟!14- بركة أهل البيت عليهم السلام:
وقد يستدل على ذلك بأنه يرى: أن الموحدين لا يبقون في النار، ولو بقوا فيها لعادت عليهم برداً وسلاماً ببركة أهل البيت عليهم السلام..().
فهذا يدل أن قلبه مملوء بحب أهل البيت عليهم السلام، وعلى أنه يعتقد فيهم هذا المستوى من التأثير، حتى إن النار تكون برداً وسلاماً ببركتهم..
ونقول:
أ - إنه يثبت لأبي بكر، وعمر، وسواهما، ولأولياء الصوفية بركات ومقامات أعظم. وبعضها لم يثبته لأهل البيت عليهم السلام ولا لغيرهم..
ب - إن حبه لأهل البيت عليهم السلام هو المفروض على كل مسلم بنص القرآن، ولكن، ليس هذا هو كل المطلوب، بل المطلوب هو أن يعتقد إمامتهم، وأن يصرح بعدم صحة إثبات الإمامة لغيرهم، ممن غصب هذا الحق
ص: 103
منهم.. وليس في إثبات هذه البركات العظيمة لهم ما يدل على اعتقاده بهذا، أو بذاك..ج - إن الشفاعة في يوم القيامة تكون لكل مؤمن، حتى إن المؤمن الواحد قد يشفع لأمم كبيرة، حتى لو كانت مثل قبيلتي ربيعة ومضر.. ولكن ذلك لا يعني ثبوت الإمامة لهذا الشافع.
والسيدة الزهراء عليها السلام أيضاً، تشفع لشيعتها ومحبيها، مع أنها ليس لها مقام الإمامة الظاهرية، وإن كان لها مقام من نوع آخر، يقتضي شراكتها في حفظ الدين، وصيانة الأمة، وهدايتها، ورعايتها..
وقد ورد أيضاً في إمام الجماعة: أن أئمتكم شفعاؤكم..
والأحاديث في الشفاعة كثيرة ومتنوعة..
ص: 104
الحلقة السادسة
الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين.
القسم الثاني
وقفت مع الاستاذ الدكتور الطريحي دام عزه في واحات حول مقدمته لكتاب احلام اليقضة للشيخ محمد رضا المظفر ره , وليس ما فيها كل ما في المقدمة فضلا عن الكتاب وها انا ذا اعود في هذه المرة لاضع بين يديه مذاكرات في مقدمته تلك .
ص: 105
المذاكرة الاولىتميز الاسلام بانه وضع الاطر والتعليمات الواضحة لكل ما يحتاجه الناس والرسول الاعظم صلى الله عليه واله بلغ دينا واحدا واضحا(1) شمل كل حياة الانسان , وقد تكفل المبلغون عن الله تعالى محمد واله صلى الله عليه واله ايصال المعرفة التوحيدية الى الناس باوضح صورة واجلى حجة , ومن هنا نتسائل لماذا لم يوضح الرسول الاعظم والائمة الهداة وهم السبل الى الله تعالى لم يوضحوا الطرق العرفانية للاخذ بيد ( اهل السير والسلوك ) ؟! حتى تركت تلك الرحلة نحو التوحيد الحقيقي الى نساج مجهول يبلغها في جو مشوب بالتعتيم والريبة ! لماذا يقف الائمة الهداة الى الله والادلاء على توحيد الله صامتين امام بيان طريق السير والسلوك لتظهر في اجيال طويلة بين العامة وهم هم في موقفهم من ال البيت وامر الولاية المحور الاهم في فكر الائمة الهداة صلوات الله عليهم ؟!
وهل تكفي " حسن النوايا والاخلاص للمبادئ الاسلامية "(2)
لتبرئة العرفاء من تحريف الدين والالتفاف عليه والابتعاد عن المناهل الاسلامية العذبة والارتواء من آجن ابن عربي الصوفي الضال ؟ّ!
ص: 106
هل دعاوى العرفان وعلى رأسها وحدة الوجود مما اشاد هيكله الاسلام ؟!كلا وحاشا بل هي افكار انهكها ضلال الصوفية وهوسهم بالاتحاد بالاله فزخرفوا الفكرة واحاطوها باطار من التقديس ليقف الباحث داخل قفص الاتهام ان هو حاول ان يمس تلك الافكار ليرمى بسذاجة الفهم او غيرها مما تعود القوم رمي خصومهم به . فالعرفان يافضيلة الدكتور لا شأن له بالاسلام لا تاسيسا ولا نتائج بل هو تشويه لمعالم الدين ومعطيات الفكر الاسلامي الامامي الرصين .
المذاكرة الثانية
في العطاء الديني مفردة مهمة هي العبادة من صلاة وصوم وحج ودعاء وزيارة وقد تميز الشيعة الامامية - اعز الله دعوتهم - بانهم ذوو تراث كبير جدا من الادعية والزيارات التي شكلت نصوصا معرفية عبادية لا نظير لها وقد اهتم علماء الشيعة بجمع هذا العطاء المميز والحفاظ على هذه الروافد الكبيرة كجزء من مسؤليتهم الدينية اولا ولتكون منهاجا للعابدين المتقربين بما ورد عن ائمتهم صلوات الله عليهم الى الله تعالى , هذا هو السر في وجود هذه الكتب و ليس السلوك العرفاني الذي :" شهد ازدهارا مجددا في مدرسة النجف اتيح لها معه هذه المرة ان تساهم بفعالية مشهودة في تأسيس الحكمة العرفانية عند الامامية على يد السيد حيدر الاملي "(1).
ص: 107
بل اننا نجزم بان ما تبناه حيدر الاملي هذا مخالف لقطعي الدين ولا نتردد في نسبته الى الزيغ والضلال ولا نظن باحد لومنا على ذلك بعد ان يطالع كتبه واليك نماذج من ضلالاته والله المستعان .
1- قال في كتابه نص النصوص ص3 في معرض مدح الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه واله :" المختص بانزال كتاب جامع موسوم بالقران بموجب قابليته . الملهم بابراز كتاب اخر موسوم بالفصوص ، لمن يكون له اختصاص اهليته . فيوصل بهما اليه سرا وعلانية عموم خلقه وخصوص امته ويهديهم بواسطتهما الى جناب جلاله وحضرة صمديته ".
2- قال في ص18 :" وبناءا على هذا يجوز عليه الغلط في غير المعرفة بالله وعلى غيره من الكمل نبيا كان او وليا ... الى ان يقول : " وهذا الكلام كان ايراده في الفص الشيثي في معرض تخطئة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حكم الاسارى واصابة الغير ".
3- قال في ص 19 :" ثم في فضيلة الكتاب النازل عليه الذي هو القران وشرفه على سائرالكتب السماوية وفضيلة الكتاب الصادر منه الذي هو الفصوص وشرفه على سائر الكتب الارضية " .
4- قال في ص 28 :" وتاكيدا بان الشيخ(1) كان مستحقا لهذا الكتاب دون غيره من الاولياء والكمل في زمانه بل في زمان النبي الى يومنا هذا ".
ص: 108
5- قال في كتابه الاخر اسرار الشريعة ص220 :" ان ظهور جميع الانبياء والرسل عليهم السلام لم يكن الا لدعوة الخلق الى التوحيد الالوهي والخلاص من الشرك الجلي الذي هو بازائه , وظهور جميع الاولياء والائمة عليهم السلام لم يكن الا لدعوة الخلق الى التوحيد الوجودي والخلاص من الشرك الخفي الذي هو بازائه ". ومن راجع مؤلفاته راى الكثير الكثير من مزخرفاته والله المستعان .
ص: 109
الوجه الثاني
إنّ ما ذكره المستدل - من أنّ ملاك عدم جواز صدق مفهوم واحد على الحقائق المتبائنة بما هي كذلك هو استحالة كون الواحد عين الكثير - لو تمّ إنّما يجري في المفاهيم الحقيقيّة - وهي ما كان بإزائها شيء في الخارج - لا المفاهيم الاعتبارية الّتي لا يكون بإزائها شيء في الخارج وإنّما الوجود في الخارج لمنشأ انتزاعها كالشيئيّة والإمكان والوجود والماهيّة وما ماثلها (1).
ص: 110
وعليه ، فالقائل بوحدة الوجود ليس له التمسّك بصدق مفهوم الموجود على الواجب وغيره إلاّ بعد إثبات أنّ ذلك المفهوم من المفاهيم الحقيقيّة ، وقد ادّعى ملا صدرا في الأسفار اتّفاق الفلاسفة على أنّ الوجود المطلق العام من المعقولات الثانية والأمور الاعتباريّة الّتي لا تحقّق لها في الأعيان .ويؤيّد ما ذكرناه ما ذكره بعض المعاصرين(1)
في ردّ هذا الاستدلال - الّذي تقدّم عن صاحب المنظومة - من أنّه :
يمكن المناقشة في هذه الحجة بأنّ انتزاع مفهوم واحد عن أشياء كثيرة إنّما يدلّ على جهة اشتراك عينيّة فيها إذا كان ذلك المفهوم من قبيل المعقولات الأولى أي من المفاهيم الّتي يكون عروضها كاتصافها في الخارج ، كما أنّ كثرة مثل هذه المفاهيم هي الّتي تدلّ على كثرة الجهات العينيّة ، وأمّا المعقولات الثانية ، فيكفي لحمل واحد منها على مصاديقه وحدة الجهة الّتي يلاحظها العقل ، كما أنّه يكفي لحمل أكثر من واحد منها على مصداق واحد كثرة الجهات الملحوظة عند العقل وإن لم يكن بإزائها جهات متكثّرة عينيّة ، فلا يدلّ وحدة المعقول الثاني(2) على وجود جهة عينيّة مشتركة بين مصاديقه ولا كثرته على كثرة الجهات الخارجيّة ، كما لا يدل وحدة مفهوم ( المهيّة ) أو مفهوم ( العرض ) على وحدة ماهويّة بين الأجناس العالية ، وإلاّ لزم وجود جنس مشترك
ص: 111
أو مادّة مشتركة بينها ، وكما لا يدلّ تعدّد مفاهيم الوجود والوحدة والفعليّة على تعدّد الجهات العينيّة في الوجود البسيط الّذي لا جهة كثرة فيه(1) .
ص: 112
الوجه الثالث
أنّا لو فرضنا أنّ انتزاع مفهوم واحد لا يمكن إلاّ فيما كان هناك وحدة السنخ والحقيقة ، فنقول لا مناص من القول بتعدد المفهوم ؛ لأنّا سنثبت بالأدلة الواضحة - من الوحي والبرهان بل الوجدان - تعدّد الحقيقة وعدم السنخية(1) كما سيأتي .
ص: 113
وبعبارة أخرى : لا ريب أنّ علمنا باختلاف الحقائق وما هناك من التباين بين الخالق والمخلوق يشهد بأنّ انتزاع مفهوم واحد من الحقائق المتبائنة ممكن ، ولو افترضنا عدم إمكان ذلك إلاّ إذا كانت الحقيقة واحدة فلابدّ من القول باستحالة انتزاع مفهوم واحد في هذا الحال (1).
ص: 114
الحلقة الثانية
... فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ وَ قَالَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ بِالْمُؤْمِنِينَ عَطُوفاً كَرِيماً رَءُوفاً رَحِيماً وَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً وَ عِقَاباً عَظِيماً إِنْ عَزَوْنَاهُ وَجَدْنَاهُ أَبَاكِ دُونَ النِّسَاءِ وَ أَخَا إِلْفِكِ دُونَ الْأَخِلَّاءِ(1) آثَرَهُ عَلَى كُلِّ حَمِيمٍ وَ سَاعَدَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ جَسِيمٍ لَا يُحِبُّكُمْ إِلَّا سَعِيدٌ وَ لَا يُبْغِضُكُمْ إِلَّا شَقِيٌ (2) بَعِيدٌ فَأَنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ الطَّيِّبُونَ الْخِيَرَةُ الْمُنْتَجَبُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَدِلَّتُنَا وَ إِلَى الْجَنَّةِ مَسَالِكُنَا وَ أَنْتِ يَا خِيَرَةَ النِّسَاءِ وَ ابْنَةَ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَادِقَةٌ فِي قَوْلِكِ سَابِقَةٌ فِي وُفُورِ عَقْلِكِ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقِّكِ وَ لَا مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ وَ اللَّهِ مَا عَدَوْتُ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَا عَمِلْتُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ الرَّائِدُ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ- وَ إِنِّي
ص: 115
أُشْهِدُ اللَّهَ وَ كَفَى بِهِ شَهِيداً أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ نَحْنُمَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً وَ لَا دَاراً وَ لَا عَقَاراً وَ إِنَّمَا نُورَثُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ الْعِلْمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ مَا كَانَ لَنَا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَنَا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ (1) وَ قَدْ جَعَلْنَا مَا حَاوَلْتِهِ فِي الْكُرَاعِ وَ السِّلَاحِ يُقَاتِلُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَ
ص: 116
يُجَاهِدُونَ الْكُفَّارَ وَ يُجَالِدُونَ الْمَرَدَةَ الْفُجَّارَ وَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَلَمْ أَنْفَرِدْ بِهِ وَحْدِي وَ لَمْ أَسْتَبِدَّ بِمَا كَانَ الرَّأْيُ عِنْدِي وَ هَذِهِ حَالِي وَ مَالِي هِيَ لَكِ وَ بَيْنَ يَدَيْكِ- لَا تُزْوَى عَنْكِ وَ لَا نَدَّخِرُ دُونَكِ وَ إِنَّكِ وَ أَنْتِ سَيِّدَةُ أُمَّةِ أَبِيكِ وَ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ لِبَنِيكِ لَا نَدْفَعُ مَا لَكِ مِنْ فَضْلِكِ وَ لَا يُوضَعُ فِي فَرْعِكِ وَ أَصْلِكِ حُكْمُكِ نَافِذٌ فِيمَا مَلَكَتْ يَدَايَ فَهَلْ تَرَيْنَ أَنْ أُخَالِفَ فِي ذَاكِ أَبَاكِ ص؟-فَقَالَتْ عليها السلام سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ أَبِي رَسُولُ اللَّهِ ص عَنْ كِتَابِ اللَّهِ صَادِفاً(1) وَ لَا لِأَحْكَامِهِ مُخَالِفاً بَلْ كَانَ يَتْبَعُ أَثَرَهُ وَ يَقْفُو سُوَرَهُ أَ فَتَجْمَعُونَ إِلَى الْغَدْرِ اعْتِلَالًا عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَ هَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ شَبِيهٌ بِمَا بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوَائِلِ (2) فِي حَيَاتِهِ
ص: 117
هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكَماً عَدْلًا وَ نَاطِقاً فَصْلًا يَقُولُ- يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِيَعْقُوبَ (1) وَ يَقُولُ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ(2) وَ بَيَّنَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا وَزَّعَ مِنَ الْأَقْسَاطِ وَ شَرَعَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَ الْمِيرَاثِ- وَ أَبَاحَ مِنْ حَظِّ الذُّكْرَانِ وَ الْإِنَاثِ مَا أَزَاحَ بِهِ عِلَّةَ الْمُبْطِلِينَ وَ أَزَالَ التَّظَنِّيَ وَ الشُّبُهَاتِ فِي الْغَابِرِينَ كَلَّا بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَتِ ابْنَتُهُ مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ وَ مَوْطِنُ الْهُدَى وَ الرَّحْمَةِ وَ رُكْنُ الدِّينِ وَ عَيْنُ الْحُجَّةِ لَا أُبَعِّدُ صَوَابَكِ وَ لَا أُنْكِرُ خِطَابَكِ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَكِ قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ- وَ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ مَا أَخَذْتُ غَيْرَ مُكَابِرٍ وَ لَا مُسْتَبِدٍّ وَ لَا مُسْتَأْثِرٍ وَ هُمْ بِذَلِكِ شُهُودٌ(3) فَالْتَفَتَتْ فَاطِمَةُ ع إِلَى النَّاسِ وَ قَالَتْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْرِعَةَ إِلَى قِيلِ الْبَاطِلِ (4) الْمُغْضِيَةَ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ- فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَ أَبْصَارِكُمْ وَ لَبِئْسَ مَا تَأَوَّلْتُمْ وَ سَاءَ مَا بِهِ أَشَرْتُمْ وَ شَرُّ مَا مِنْهُ اغْتَصَبْتُمْ لَتَجِدُنَّ وَ اللَّهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلًا وَ غِبَّهُ وَبِيلًا إِذَا كُشِفَ لَكُمُالْغِطَاءُ
ص: 118
وَ بَانَ بإورائه [بِإِدْرَائِهِ] الضَّرَّاءُ وَ بَدَا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُونَ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ- ثُمَّ عَطَفَتْ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ص وَ قَالَتْ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ***لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخَطْبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا***وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَ لَا تَغِبْ
ص: 119
تفاسير الشيعة
نظرية امين الاسلام الطبرسي
«إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» قال ابن عباس الرجس عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضى والبيت التعريف فيه للعهد والمراد به بيت النبوة والرسالة والعرب تسمي ما يلتجأ إليه بيتا ولهذا سموا الأنساب بيوتا وقالوا بيوتات العرب يريدون النسب قال:
ألا يا بيت بالعلياء بيت***ولولا حب أهلك ماأتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني***كأني كل ذنبهم جنيت
يريد بيت النسب وبيت النبوة والرسالة كبيت النسب قال الفرزدق:
بيت زرارة محتبب فنائه ومجاشع وأبو الفوار سنهشل
لايحتبيب فناء بيتك مثلهم أبدا إذا عد الأكمل.
ص: 120
وقيل البيت بيت الحرام وأهله هم المتقون على الإطلاق لقوله إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وقيل البيت مسجد رسول الله ص وأهله من مكنه رسول الله ص فيهولم يخرجه ولم يسد بابه وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا ص ثم اختلفوا فقال عكرمة أراد أزواج النبي لأن أول الآية متوجه إليهن وقال أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وعائشة وأم سلمة أن الآية مختصة برسول الله ص وعلي وفاطمة والحسن والحسين علیه السلام.
ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت جاءت فاطمة علیه السلام إلى النبي ص تحمل حريرة لها فقال ادعي زوجك وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا فقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقلت يارسول الله وأنا معهم قال أنت إلى خير , وروى الثعلبي في تفسيره أيضا بالإسناد عن أم سلمة أن النبي ص كان في بيتها فأتته فاطمة علیه السلام ببرمة فيها حريرة فقال لها ادعي زوجك وابنيك فذكرت الحديث نحو ذلك ثم قالت فأنزل الله تعالى «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ» الآية قالت فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى يده بها إلى السماء ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فأدخلت رأسي البيت وقلت وأنا معكم يا رسول الله قال إنك إلى خير أنك إلى خير.
ص: 121
و بإسناده قال مجمع دخلت مع أمي على عائشة فسألتها أمي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت أنه كان قدرا من الله فسألتها عن علي علیه السلام فقالتتسأليني عن أحب الناس كان إلى رسول الله ص وزوج أحب الناس كان إلى رسول الله ص لقد رأيت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا علیه السلام وجمع رسول الله ص بثوب عليهم ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت فقلت يارسول الله أنا من أهلك قال تنحي فإنك إلی خير.
وبإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ص قال نزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة علیه السلام.
وأخبرنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثونا عن أبي بكر السبيعي قال حدثنا أبو عروة الحراني قال حدثنا ابن مصغي قال حدثنا عبد الرحيم بن واقد عن أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر قال نزلت هذه الآية على النبي ص وليست في البيت إلا فاطمة والحسن والحسين علیه السلام و علي علیه السلام «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت» فقال النبي ص اللهم هؤلاء أهلي
وحدثنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم بإسناده عن زاذان عن الحسن بن علي علیه السلام قال لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله ص وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي
ص: 122
والروايات في هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة لو قصدنا إلى إيرادها لطال الكتاب وفيما أوردناه كفاية واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة علیه السلام بأن قالوا إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها ، نافية لما لم يثبت فإن قول القائل إنما لك عندي درهم وإنما في الدار زيد يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الإرادة المجردة فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح وقد علمنا أن من عدا من ذكرناه من أهل البيت غير مقطوع على عصمته فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم ومتى قيل أن صدر الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه أن هذا لاينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأزواج فقال «وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ» معناه واشكرن الله تعالى إذ صيركن في بيوت يتلى فيها القرآن و السنة عن قتادة و قيل اذكرن أي احفظن ذلك و ليكن منكن على بالأبدال تعملن بموجبه و هذا حث لهن على حفظ القرآن و الأخبار و مذاكرتهن بهما و الخطابوإن
ص: 123
اختص بهن فغيرهن يشاركهن فيه لأنبناء الشريعة على القرآن و السنة «إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً » بأوليائه «خَبِيراً» بجميع خلقه وقيل لطيفا في تدبير خلقه وإيصال المنافع إليهم خبيرا بما يكون منهم ومصالحهم ومفاسدهم فيأمرهم بفعل ما فيه صلاحهم و اجتناب ما فيه فسادهم.
قال مقاتل بن حيان لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب علیه السلام دخلت على نساء رسول الله ص فقالت هل نزل فينا شي ء من القرآن قلن لا فأتت رسول الله ص فقالت يارسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار فقال ص ومم ذلك قالت لأنهن لايذكرن بخير كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه(1).
ص: 124
البخس
قال الله تعالی :{ وَلاَ تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ }(1).
و قال الله تعالی: { وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}(2).
و عن عيون الأخبار بأسانيده التي في اعتبارها تردّد، و لا يبعد حسن مجموعها، فلاحظ آخر الوسائل عن الفضل بن شاذان عن الرضا(علیه السلام): «... و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس ... و البخس في المكيال و الميزان ...»(3) .
فعدّ البخس في المكيال و الميزان من الكبائر.
ص: 125
ثمّ البخس: هو النقص. و يقال: تَباخَسَ القوم: تَغابَنوا، خَدَع بعضهم بعضاً في البيع و الشراء.
فالظاهر أنّه ليس حراماً عی حدة، بل هو من أفراد أكل أموال الناس بلا رضاهم، و لاحظ عنوان التطفيف في حرف «ط».
البخل في اداء الواجبات
قال الله تعالی: { وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }(1).
و هذه الآية هي التي دلّت علی تحريم البخل من بين الآيات الواردة في هذا الموضوع ، لكنّها فسّرت بمنع الزكاة في الروايات ، كما في تفسير البرهان.
إحداها: صحيحة سنداً و هي رواية محمّد بن مسلم، قال: سألت أباعبدالله (علیه السلام) عن قول الله عزّوجلّ:{ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }. فقال: «يا أبامحمّد! ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئاً إلّا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعباناً من النار ، مطوّقاً في عنقه ينهش من لحمه حتی يفرغ من الحساب _ قال: _ و هو قول الله عزّوجلّ: { سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ } يعني ما بخلوا من الزكاة».
ص: 126
وعلی هذا، فليس البخل بحرام علی حدة. و يمكن أن يقال: إنّ الرواية تدلّ علی حرمة منع الزكاة، فهي يجب إيتاؤها، و يحرم منعها، و يظهر الثمرة في تعدّد العقاب و وحدته؛ إذ علی احتمال كونها من الواجبات فقط يستحقّ العاصي عقاباً واحداً علی ترك الواجب. وعلی الاحتمال الأخير يعاقب العاصي المذكور عقابين علی ترك الواجب و فعل الحرام.
و بعبارة أخری، يمكن أن تكون الزكاة ممّا في فعلها المصلحة الملزمة، و في تركها المفسدة الملزمة. و هذا أمر ممكن في نفسه، و إنّما الكلام في إثباتة من الآية و الرواية و هو مشكل.
و في الآية احتمال آخر و هو حرمة البخل في نفسه بما أنّه صفة رذيلة، أو بما أنّه ينجرّ إلی منع الحقوق الواجبة، أو يضعف علائق المجتمع و غير ذلك، فيحرم البخل و لو في المستحبّات.
و إن شئت فقل: الإمساك عن غير الواجب إن كان عن غير ملكة بخل، فهو مكروه، و مرجوح إن كان عن ملكة بخل، فهو حرام، و لكنّ في الرواية ما يحصر مفهوم البخل في منع الزكاة و هو قوله (علیه السلام) يعني ما بخلوا به من الزكاة، فتأمّل.
و أمّا الفتوی الفقهية، فلا أتذكّر لأحد فيه قولاً و لا بحثاً، و لكن أكثر الظنّ عدم القول بالحرمة بين الفقهاء، و الله العالم.
ص: 127
إبداء الزينة
قال الله تعالی: { وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَائِهِنّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَائِهِنّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَائِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ }(1).
و قال تعالی: { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النّسَاءِ اللّاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنّ غَيْرَ مُتَبَرّجَاتٍ بِزِينَةٍ }(2).
وهنا مباحث
المبحث الأول: الإبداء: الإظهار و ليس بمعنی مطلق الإعلام و إلّا لأصبح قوله:
{ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ ...} مكرّراً.
و الزينة: ما يتزيّن به، كالقرط، و السواد، والقلادة، و نحوها.
ص: 128
و الإربة: الحاجة. و المراد بها الشهوة التي تحوج إلی الزواج، يعني بهم ظاهراً السفهاء البلهاء الذين لا شهوة لهم. و اللام في «الطفل» للاستغراق، كما يفهم من صفته و هي الموصول.
و قوله: { لَمْ يَظْهَرُوا } من الظهور بمعنی الغلبة، قيل: لم يظهروا علی أمور يسوء التصريح بها من النساء، و هو كناية عن البلوغ، و الأظهر صدقه فيما دون البلوغ أيضاً، و أمّا إعلام الزينة المخفية، فهو بتصويت أسباب الزينة، كالخلخال، و العقد، والقرط، و السوار كما قيل.
و قيل: التبرّج: إظهار المرأة من محاسنها ما يجب ستره. و أصله الظهور، و منه البرج: البناء العالي؛ لظهوره.
قال في المجمع في تفسير الزينة الظاهرة: «و فيها ثلالة أقاويل: أحدها: الثياب.ثانيها: الكحل و الخاتم و الخضاب فی الكفّ. و ثالثها: الوجه و الكفّان».
و قال في تفسير { التّابِعِينَ }:
قيل: التابع:الذي يتّبعك لينال من طعامك، و لا حاجة له في النساء و هو الأبله المولّی عليه. و قيل: هو العنين الذي لا إرب له في النساء بعجزه. و قيل: إنّه الخصيّ المجبوب الذي لا رغبة له في النساء. و قيل: إنّه الشيخ الهمّ.
ص: 129
لا بعد في شمول الكلمة{ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ } للجميع.
المبحث الثاني: ذكر غير واحد أنّ المراد بالزينة مواضعها؛ لعدم حرمة إظهار الزينة نفسها.
أقول: إن أرادوا الزينة منفصلةً عن بدن المرأة،فالأمر كذلك؛ إذ لا شكّ لأحد في جواز إظهار ما يتزيّن به للبيع، و الهبة، و الرهن، و الصياغة، و نحوها و لكن يشكل صدق الزينة الفعليّة عليه حقيقة. و إن أرادوا جواز إظهار الزينة ملبّسة، فالجواز أوّل الكلام، بل هو بمقتضی دلالة الآية حرام، بل و حتّی علی القواعد منهنّ فضلاً عن غيرهنّ.
كيف لا و قد نهی الله تعالی عن إعلام الزينة علی النساء و إن لم يظهرنَ، فيكون إظهارها و ابداؤها حراماً بطريق أولی.
نعم، في صحيح الفضيل بن يسار، قال: سألت أباعبدالله (علیه السلام) عن الذراعين من المرأة أهما من الزينة التي قال الله تبارك و تعالی: { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنّ }، قال: نعم، و ما دون الخمار من الزينة و مادون السوارين»(1).و حيث لا يستفاد الحصر من الرواية، فنقول: إنّ المراد بالزينة في الآية الكريمة بقرينة الرواية هو ما يتزيّن به و مواضعه معاً، فيحرم عليهنّ إبداؤهما.
ص: 130
المبحث الثالث: لايحرم إبداء الزينة الظاهرة؛ لقوله تعالی: { إِلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا }. و فسّرت في الروايات غير المعتبرة سنداً بالكحل و الخاتم و المسكة، و هي القلب (السوار) و الثياب و خضاب الكفّ(1).
و المستفاد من صحيح الفضيل المتقدّم أنّ السوارين و الكحل و الأسنان المذهّبة من الظاهرة، و كذا خضاب الكفّين . كما يظهر من قوله(علیه السلام): «و مادون السوارين» بل ذكر السيّد الأستاذ الخوئي: «إنّ الصحيحة تدلّ علی أنّ الوجه_ وهو مادون الخمار_ و الكفّين _ وهو مادون السوارين_ من الزينة المحرّمة، فالرواية في الحرمة أظهر من الجواز».
ص: 131
روی الصدوق عن أَبِيه قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ بِسُرَّ مَنْ رَأَى قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْرَائِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُهَاجِرَيْنِ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ فَأُهْدِيَتْ لِجَعْفَرٍ جَارِيَةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَهْدَاهَا لِعَلِيٍّ (علیه السلام) تَخْدُمُهُ فَجَعَلَهَا عَلِيٌّ (علیه السلام) فِي مَنْزِلِ فَاطِمَةَ فَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ ع يَوْماً فَنَظَرَتْ إِلَى رَأْسِ عَلِيٍّ (علیه السلام) فِي حَجْرِ الْجَارِيَةِ فَقَالَتْ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَعَلْتَهَا فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ مَا فَعَلْتُ شَيْئاً فَمَا الَّذِي تُرِيدِينَ قَالَتْ تَأْذَنُ لِي فِي الْمَصِيرِ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ لَهَا قَدْ أَذِنْتُ لَكِ فَتَجَلْبَبَتْ بِجِلْبَابِهَا وَ تَبَرْقَعَتْ بِبُرْقِعِهَا وَ أَرَادَتِ النَّبِيَّ ص فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ ع فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ إِنَّ هَذِهِ فَاطِمَةُ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْكَ تَشْكُو عَلِيّاً فَلَا تَقْبَلْ مِنْهَا فِي عَلِيٍّ شَيْئاً فَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص جِئْتِ تَشْكِينَ عَلِيّاً قَالَتْ إِيْ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهَا ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ رَغِمَ أَنْفِي لِرِضَاكَ فَرَجَعَتْ إِلَى عَلِيٍّ ع فَقَالَتْ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ رَغِمَ أَنْفِي لِرِضَاكَ تَقُولُهَا ثَلَاثاً فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ (علیه السلام) شَكَوْتِينِي إِلَى خَلِيلِي وَ حَبِيبِي رَسُولِ اللَّهِ ص وَاسَوْأَتَاهْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِص أُشْهِدُ اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ أَنَّ الْجَارِيَةَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ وَ أَنَّ الْأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِي صَدَقَةٌ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَلَبَّسَ
ص: 132
وَ انْتَعَلَ وَ أَرَادَ النَّبِيَّ ص فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ قُلْ لِعَلِيٍّ قَدْ أَعْطَيْتُكَ الْجَنَّةَ بِعِتْقِكَ الْجَارِيَةَ فِي رِضَا فَاطِمَةَ وَ النَّارَ بِالْأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي تَصَدَّقْتَ بِهَا فَأَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ شِئْتَ بِرَحْمَتِي وَ أَخْرِجْ مِنَ النَّارِ مَنْ شِئْتَ بِعَفْوِي فَعِنْدَهَا قَالَ عَلِيٌّ (علیه السلام) أَنَا قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّار(1).
اقول: الرواية ضعيفة السند بوكيع وغيره اولا ومخالفة للقران و السنة القطعية ثانيا فقد دلت اية التطهير {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} علی عصمة الزهراء البتول عليها السلام وان الله تعالی اذهب عنها الرجس وطهرها تطهيرا وقد اشتملت هذه الرواية علی انها قد اصابتها الغيرة من خلال حدسها ان امير المؤمنين (علیه السلام) له ارتباط بامته التي هي حلال له و لا شك ان هذه الغيرة مذمومة بل قد ورد في بعض الاخبار انها منافية للايمان, و اشتملت علی ان امير المؤمنين (علیه السلام) قد اخبرها بالعدم و هي لم تقبل قوله عليه السلام فهي سيئة الظن به (علیه السلام) وهذا مما لا يمكن صدوره منها عليها السلام, وتوحي الرواية باختلافهما وان الامير (علیه السلام) لا يقبل معذرتها لانها شكته الی رسول الله ص وهذا ما تنفيه اية التطهير, كما و انها منافية لما ورد في السنة القطعية من ان الله تعالی يرضی لرضاها و يسخط لسخطها ويظهر من الرواية انها تريدان تبرر اسخاط ابي بكر وعمر لها وتريد توجيه ذلك بهذه الفقرة فَقَالَ لَهَا ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ رَغِمَ أَنْفِي لِرِضَاكَ....
ص: 133
واشتملت علی تحريف معنی حديث علي قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّار وهو ما في ذيلها فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ قُلْ لِعَلِيٍّ قَدْ أَعْطَيْتُكَ الْجَنَّةَ بِعِتْقِكَ الْجَارِيَةَ فِي رِضَا فَاطِمَةَ وَ النَّارَ بِالْأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي تَصَدَّقْتَ بِهَا فَأَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ شِئْتَ بِرَحْمَتِي وَ أَخْرِجْ مِنَ النَّارِ مَنْ شِئْتَ بِعَفْوِي فَعِنْدَهَا قَالَ عَلِيٌّ (علیه السلام) أَنَا قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّار فهذا الخبر يؤكد علی كونه (علیه السلام) قسيما للجنة والنار بسبب عتقه للجارية في رضا فاطمة عليها السلام فالحديث يتحدث عن قضية شخصية لا عقائدية , والحال ان كونه (علیه السلام) قسيما للجنة والنار مسالة عقائدية كما صرح بذلك الشيخ المفيد يعني ان الايمان بامامته و ولايته والائمة من بعده هو الموجب لكونه قسيما للجنة والنار لان ولايتهم وامامتهم ركن الايمان ففي صحيح الفضلاء عن ابي جعفر(علیه السلام) قال: امر الله عَزَّوجلَّ رسوله بولاية علي و انزل عليه:{ انَّما وَليُّكُمُ اللهُ و رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الذَّينَ يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة} وفرض ولاية اولي الأمر فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمداً (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أَن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة الزكاة والصوم و الحج فلما اتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و تخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عز و جل فأوحی الله عز و جل اليه { يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و أن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته و الله يعصمك منالناس} فصدع بأمر الله تعالی ذكره فقام بولاية علي (علیه السلام) يوم غدير خمٍّ فنادی الصَّلاة جامعةً وأَمر الناس أَن يبلِّغ الشاهد الغائب، قال عمر بن اُذينةَ: قالوا جميعاً غير ابي الجارود
ص: 134
و قال ابو جعفرعليه السلام: و كانت فريضة تنزل بعد الفريضة الأخری و كانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عز و جل:{اليوم أكملت لكم دينكم و أَتممت عليكم نعمتي} قال ابو جعفر عليه السلام : يقول الله عز و جل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضةً قد أكملت لكم الفرائض.
و لان العبادة لا تقبل بدون ولايتهم (علیهم السلام) و اعتقاد امامتهم ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت ابا جعفر(علیه السلام) يقول كل من دان الله عز و جل بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من الله فسعيه غير مقبول و هو ضال متحير والله شانئ لاعماله الی ان قال و ان مات علی هذا الحال مات ميتة كفر و نفاق(1).
وصحيح زرارة عن ابي جعفر(علیه السلام) في حديث قال: ذروة الامر و سنامه و مفتاحه و باب الاشياء و رضا الرحمن الطاعة للامام بعد معرفته اما لو ان رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله وحج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع اعماله بدلالته اليه ما كان له علی الله حق في ثوابه ولا كان من اهل الايمان(2)و روايات دعائم الاسلامالمتواترة(3) وفيها بني الاسلام علی خمس الصلاة و الزكاة و الصوم والحج و الولاية.
فهذه الرواية مختلقة واختلقت لاجل اخفاء الحقيقة وهي وجوب ولايته واهل بيته(علیهم السلام) وتحريف الاذهان عنها.
ص: 135
كلمة التحرير... 3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني... 5
تفسيرآيات العقائد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني... 18
الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي... 58
موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام تجاه الفلسفة والعرفان... 70
رسالة الاثنی عشرية في الرد علی الصوفية و العرفاء... 72
مناظرات حول المعاد... 76
هداية الأمة إلى معارف الأئمة اية الله الشيخ محمد جواد الخراساني... 89
ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر مرتضی العاملي... 97
نظرة يقظة في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة الشيخ حيدر الوكيل... 105
تنزيه المعبود في الرد علی وحدة الوجود السيد قاسم علي احمدي... 110
خطبةلزهراء البتول سيدة نساء العالمين عليها السلام...115
حديث الكساء في التفاسير... 120
من محرمات الشريعة اية الله محمد اصف محسني... 125
الروايات المكذوبة اية الله الشيخ ماجد الكاظمي... 132
ص: 136