«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثامنة: العدد الثامن والعشرون1394هجرية شمسية1437 هجرية قمرية
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 2
ماذا يقول اصحاب الفلسفة؟
يقول محسن غرويان حول ناقدي الفلسفة:
«إنّ هذه المسائل مسائل عالية لم يفهمها بعض، ولم يتحملوا مشقة فهمها، ولهذا ينكرونها!»(1)
اقول: مع وضوح أنّ مطالب الفلاسفة والعرفاء تكون مخالفة لضرورة معارف القرآن وأهل البيت عليهم السلام وعموم العلماء والفقهاء وأهل الخبرة بمعرفة العقايد البرهانية الدينية، وقد كتب العلماء من المتبحرينفي الكلام والفلسفة مئات الكتب في ردها وتزييفها فهل من المنطق ان يُتهم كل من خالف الأفكار الفلسفية بكونه جاهلا وضد العقل؟
ونسأل الشيخ غرويان انه ما هي هذه المسائل العالية التي لم يفهمها مخالفوا الفلسفة، ولم يتحملوا مشقة فهمها؟
هل مرادكم من ذلك وحدة الخالق والمخلوق؟
او ان الوحدة عين الكثرة وان الكثرة وهمية؟
ص: 3
او كون العالم قديما؟
او انكار خالقية الله تعالی وان العالم مجرد ظهور ذاته تعالی؟
او ان الارادة لله وحده لا غير لان ما سواه لا وجود له ؟
او ان المعاد مجرد صور ادراكية فلا جنة ولا نار؟ او ...
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت (علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 4
آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)
في تفسير قوله تعالى :
" الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " . (1)
في غاية المرام : ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب ، يرفعه إلى علي بن جعفر (علیه السلام) ، قال : سألت أبا الحسن (علیه السلام) ، عن قول الله عز وجل:" كمشكاة فيها مصباح المصباح " قال : المشكاة فاطمة عليها السلام ، والمصباح الحسن والحسين عليهما السلام و " الزجاجة كأنها كوكب دري "قال : كانت فاطمة كوكبا دريا بين نساء العالمين " يوقد من شجرة مباركة " إبراهيم " لا شرقية ولا غربية "ولا يهودية ، ولا نصرانية ، " يكاد زيتها يضئ " قال : كاد العلم
ص: 5
ينطق منها ،" ولو لم تمسسه نار نور على نور " قال : منها إمام بعد إمام " يهدي الله لنوره من يشاء " يهدي الله لولايتنا من يشاء .(1)
هذا من طريق العامة .
وأما من طريقنا ، فعن جابر عن مولانا أبي جعفر (علیه السلام) قال : إن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم وضع العلم الذي كان عنده عند الوصي ، وهو قول الله عز وجل : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره " يقول : أنا هادي السماوات والأرض مثل العلم الذي أعطيته ، هو نوري الذي يهتدى به ، مثل المشكاة ، فيها مصباح ، والمشكاة قلب محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ، والمصباح النور الذي فيه العلم وقوله : " المصباح في زجاجة" ، يقول إني أريد أن أقبضك ، فاجعل الذي عندك عند الوصي ، كما يجعل المصباح في الزجاجة " كأنها كوكب دري " فأعلمهم فضل الوصي " يوقد من شجرة مباركة " فأصل الشجرة المباركة إبراهيم (علیه السلام) ، وهو قول الله عز وجل : " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد "(2)
وهو قول الله عز وجل : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين *ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم "(3) لا شرقية ، ولا غربية ، فيقول : لا يهود فتصلون قبل المغرب ولا نصارى فتصلون قبل المشرق ، وأنتم على ملة إبراهيم ، وقد قال الله عز وجل : " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ
ص: 6
حنيفا مسلما وما كان من المشركين "(1) وقوله : " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول مثل أولادكم الذين يولدون منكم كمثل الزيت الذي يتخذ من الزيتون " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول يكادون أن يتكلموا بالنبوة ، ولو لم ينزل عليهم ذلك .(2)
وفي رواية أخرى عن عيسى بن راشد ، عن مولانا أبي جعفر (علیه السلام) أيضا ، في قول الله عز وجل : " كمشكاة فيها مصباح " قال : المشكاة نور العلم في صدر محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم " المصباح في زجاجة " الزجاجة صدر علي (علیه السلام) صار علم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم عنده (علیه السلام) ، " الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة " ، قال : نور العلم " لا شرقية ولا غربية " ، قال لا يهودية ،ولا نصرانية ، " بكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " ، قال يكاد العالم من آل محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ، بتكلم بالعلم قبل أن يسأل " نورعلى نور " ، يعني إماما مؤيدا بنور العلم والحكمة.(3)
وفي رواية أخرى : عن جابر عن مولانا الباقر (علیه السلام) ، في قول الله عز وجل : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره " فهو محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم " فيها مصباح " هو العلم " المصباح في زجاجة الزجاجة " أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وعلم نبي الله
ص: 7
(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم عنده .(1)
وفي رواية أخرى : عن مولانا الرضا (علیه السلام) : " الله نور السماوات والأرض " ، أي هاد لأهل السماء ولأهل الأرض .(2)
وفي رواية أخرى : عن جابر ، قال : دخلت مسجد الكوفة وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يكتب بأصبعه ويتبسم فقلت له : يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك ؟ فقال (علیه السلام) : عجبت لمن يقرأ هذه الآية ولم يعرفها حق معرفتها ، فقلت له : أي آية يا أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فقال : قوله تعالى : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة " المشكاة محمد " فيها مصباح " أنا المصباح " في زجاجة ، الزجاجة " الحسن والحسين " كأنها كوكب دري " وهو علي بن الحسين " يوقد من شجرة مباركة " محمد بن علي " زيتونة " جعفر بن محمد " لا شرقية " موسى بن جعفر " ولا غربية "علي بن موسى الرضا " يكاد زيتها يضئ " محمد بن علي " ولو لم تمسسه نار " علي بن محمد " نور على نور " الحسن بن علي " يهدي الله لنوره من يشاء " القائم المهدي " ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " .(3)
إذا وقفت على روايات الباب ، فاعلم أن توضيح الأمر في المقام وتطبيق الآية الكريمة على ما في الروايات ، من جهة القواعد اللفظية يتوقف على تقديم
ص: 8
مقدمة ، وهي : أن المراد بالنور في المقام هو النور المعنوي ، وهوالعلم والهداية ، لا الحسي وهو ضوء الشمس والقمر والنجوم وهذا لأمور :
الأول : أن التشبيه بمشكاة فيها مصباح والمصباح في زجاجة ، وتشبيه الزجاجة بكوكب دري ، وتوصيفه بأنه يوقد من شجرة مباركة زيتونة إلى آخر الآية لا يجري في ضوء الشمس والقمر والنجوم ، وهكذا من الأنوار المحسوسة الظاهرة ، كما هو ظاهر .
والثاني : أن الخفي إنما يشبه بالجلي ، لا الجلي بالخفي ، وخفاء المشبه بالنسبة إلى المشبه به إما من جهة كون المشبه أمرا معقولا معنويا والمشبه به أمرا حسيا مدركا بذاته ، وإما من جهة كون المشبه به أقوى من المشبه مع تساويهما في أنهما مدركان حسا ، أو معنى ، والأمر في المقام بالعكس ، لأن ضوء الشمس والقمر والنجوم مع كونه حسيا أقوى من نور المصباح في المشكاة ، فيكون أظهر .
والثالث : قوله تعالى : " يهدي الله لنوره من يشاء " إذ الهداية إلى الأنوارالحسية كضوء الشمس والقمر والنجوم يشترك فيها جميع الخلق ممن هداه الله ولم يهده ، وإنما الذي يختص به من يشاء هو الاهتداء إلى نور الله في أرضه وسمائه ، وحجته على عباده ، وخليفته في خلقه .
والرابع : قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه "(1) إلى آخر الآية ، لأنه متعلق بقوله تعالى : " مثل نوره " يعني أن هذا النور الذي : " كمشكاة
ص: 9
فيها مصباح " إلى آخر الآية كائن في بيوت موصوفة بالأوصاف المذكورة ، ومن المعلوم أن ضوء الشمس والقمر والنجوم لا تعلق لها بالبيوت الموصوفة بالأوصاف المذكورة سواء أريد من البيوت المساجد ، كما زعمه بعض المفسرين(1)
أو بيوت الأنبياء سلام الله عليهم ،كما دلت عليه روايات الفريقين ، فما عن الحسن ، وأبي العالية ، والضحاك من أن معنى " الله نور السماوات والأرض " الله منور السماوات والأرض ،والشمس والقمر والنجوم(2) غلط ، لا يلائم ما بعده بوجه ، مع أن ضوء الشمس والقمر والنجوم لا يظهر إلا في الأرض وما جاورها من الهواء الواصل إليه أثر الانعكاس من الأرض .فتبين بما بيناه أنه لا مجال لتفسير " نور السماوات والأرض " في الآية الكريمة إلا بما أطبقت عليه الروايات من هادي السماوات والأرض .
بيانه : إن النور كسائر الحقائق من الممكنات ، فلا يحمل على الواجب تعالىشأنه حقيقة تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، فحمله عليه تعالى شأنه إنما هو باعتبار ثبوت أثره له تعالى ، وعدم تطرق الضد فيه عز وجل ، كما أن إثبات صفات الكمال له تعالى إنما هو بهذا المعنى ، والأثر الظاهر للنور إنما هو ظهور الأشياء به ، فحينئذ إما أن يراد ظهور الأشياء به حسا أو معنى ، وقد تبين لك أن إرادة الأول لا يلائم مع ما بعده بوجه ، فتعين الثاني ، وهو رفع ظلمات الجهل بنور العلم والهداية .
ص: 10
وإذا ثبت ذلك : تبين أن إضافته إلى السماوات والأرض لا تكون إلا باعتبار أهلها ، لأن العلم والهداية لا يتعلق بنفس السماء والأرض ، فالتعبير بالسماوات حينئذ إنما هو باعتبار عدم اختصاص الهداية ، بفرد دون فرد ، فإن التعبير بالجمع المحلى وغيره حينئذ شائع في العرف ، كقوله تعالى :" وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها "(1)
ولا يكون هذا من باب التجوز في الكلمة بعلاقة الحال ، كما توهموه ، وإنما هو من باب التجوز في الإسناد ، كما حققناه في محله .
وبما بيناه تبين أيضا أن تفسير " نور السماوات والأرض " بمزين السماء بالملائكة ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء - كما نسب إلى أبي كعب - (2)
في غير محله ، إلا أن يرجع إلى ما بيناه ، لأن التزيين وإن كان من آثار النور إلا أنه ليس من الحيثيات الظاهرة له ، فالتفسير التام إنما هو ما في الروايات أيهاد لأهل السماء ، وهاد لأهل الأرض ، وحيث إن هدايته تعالى لأهل الأرض لا تكون بلا واسطة ،فلا بد من هاد بينه تعالى شأنه وبينهم .
فقال عز من قائل : " مثل نوره " أي الهادي الذي اختاره الله تعالى هاديا لهم ، ويمكن أن يكون التفصيل بين السماء والأرض بالتعبير في الأول بصيغة الجمع ، وفي الثاني بصيغة الإفراد تنبيها على هذا المعنى " وهو ثبوت الواسطة في الهداية بينه تعالى شأنه ، وبين أهل الأرض ، وعدم ثبوتها بالنسبة إلى أهل
ص: 11
السماوات ، حيث إن هداية أهل الأرض بواسطة خلفائه ، وهداية أهل السماوات بالإلهام ، أو ما بمنزلته .
وكيف كان فالنور المضاف إليه تعالى في قوله عز وجل : " مثل نوره "غير النور المحمول عليه أولا إذ لا يجوز إضافة المحمول إلى موضوعه ، فالمراد منه الهادي المنتسب إليه تعالى شأنه ، الذي جعله واسطة بينه وبين خلقه ،وسببا لهدايتهم ، فالمثل إنما هو له ، لا لله تعالى .والتشبيه إنما هو لمثل خليفته في خلقه ، أي العنوان المناسب اللائق له ،والغرض من التشبيه توضيح مقام خليفته ، وبيان عدم انقطاع حبل الخلافة بما يناسبه عالم الحس والظاهر ، حتى يتوسل الخلق إلى إدراك مقامه بواسطة تطبيق المعقول على المحسوس .
إذا عرفت ذلك فقد تبين لك أن تفسير " مثل نوره " بالإيمان في قلوب المؤمنين ، وبطاعتهم لله تعالى في غير محله ، لأن الإيمان والطاعة نتيجة الهداية ، لا سببها ، مع أن التشبيه بمشكاة فيها مصباح - إلى آخر الآية - لا يلائمه أصلا ، ضرورة أن المشبه به سبب الهداية ووسيلة إلى رفع الظلمة ،فالذي يشبه به إنما هو ما يكون سببا للهداية ، لا ما هو نتيجة له .
توضيح ذلك : أن المنظور من المشبه به بيان سبب الإنارة والإضاءة لمن استضاء به ، لاستنارة المشكاة بالمصباح ، سواء أريد من المشكاة الكوة أو القنديل ، أو العمود الذي فيه الفتيلة ، كما هو ظاهر .
والحاصل أن المشكاة من توابع المضيء الذي يستضيء به الناس ، لا أن حيثيتها الاستضاءة بالمصباح ، فلا مجال لتشبيه الإيمان في قلب المؤمن ، أو
ص: 12
طاعة الله في قلبه بمشكاة فيها مصباح ، لأن قلب المؤمن إنما يستنير بالإيمان والطاعة ، لا أنه يصير سببا لاستنارة غيره به .
وأما ما عن أبي من أنه كان يقرأ مثل نور . من آمن به "(1)
فلا ينافي ما بيناه ، لأن خليفة الله في خلقه نور الله باعتبار أنه منصوب من قبله ، هاديا للخلق ، ونور المؤمنين بواسطة أنهم يهتدون به ، فتصح إضافته إليه تعالى ، وإلى المؤمنين بالاعتبارين .
وبما بيناه تبين أن تفسير " مثل نوره " بالقرآن في القلب(2)
في غير محله أيضا ، مع أنه لا ينطبق عليه قوله تعالى : " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " ، لأن الموقد من شجرة الخليل (علیه السلام) إنما هو نبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ومولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ،لا القرآن بل لا يناسبه قوله تعالى : " يهدي اللهلنوره من يشاء " لأن التعبير باللام إنما يلائم إذا كان الاهتداء إليه مقصودا ، كخليفة الله تعالى في عباده ،حيث اعتبر ولايته والاهتداء إلى معرفته في الإيمان . وأما القرآن فليس له هذا الشأن وإنما هو سبب للهداية فقط ، فالتعبير المناسب له : " يهدي الله بنوره من يشاء " .
وأما تفسيره بالأدلة الدالة على توحيده وعدله التي هي في الوضوح والظهور مثل النور ، كما عن بعض المفسرين بالرأي أيضا(3)
فأفسد من الجميع ، إذ مع
ص: 13
عدم ملائمته لما ذكرنا من الوجوه المتعددة لا يلائم مع قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " .
فلم يبق إلا ما فسر في روايات أهل البيت عليهم السلام من أن المراد من " مثل نوره " خليفة الله في خلقه ، الذي هو نور الله في أرضه ، وأن مشكاة فيهامصباح منطبق على خاتم النبيين (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ، الذي فيه مصباح النبوة ، وأن الزجاجة ينطبق على سيد الأوصياء مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي ظهر فيه علم خاتم النبيين (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ومنه أشرق ، وكانت منزلته (علیه السلام) منه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم منزلة الباب من المدينة ،فلا يدخلها إلا من أتاها من بابها ، الذي هو كوكب دري يوقد من شجرة الخليل (علیه السلام) التي هي شجرة ميمونة مباركة ، وأن الزيت المتخذ من الزيتونة المباركة منطبق على أولاده المعصومين ، الذين هم نور على أثر نور ، ولا تخلو الأرض منهم إلى يوم القيامة .
وأما تطبيق كل فقرة من الآية الشريفة على واحد من الأئمة عليهم السلام ، كما في رواية جابر ، عن مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) فلعله من التفسير بالباطن .
وأما تطبيق : " مشكاة فيها مصباح " على سيدة العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ، كما في رواية علي بن جعفر (علیه السلام) من طريق العامة(1)
، وفي بعض الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام من طريقنا(2) فمشكل ، ولعله تأويل إن لم يقع فيها خلط من الراوي .
ص: 14
وكيف كان فقد ظهر من الآية الشريفة أن الله تعالى لم يهمل عباده ، ولميترك أرضه بغير قيم ، ولم يفوض أمر الولاية والإمامة إلى اختيار الناس ، بل جعل في أرضه أنوارا ، نورا في إثر نور ، مطهرين معصومين ،هادين مهديين ، لم يكن ظلمة وكدورة ، فإن التعبير عنهم عليهم السلام بنوره ،وتوصيفهم بما وصفه تصريح بعصمتهم وطهارتهم ، إذ لو لم يكونوا معصومين مطهرين ، لتطرق إليهم ظلمة المعصية ، وكدورة الجهل ، والسهو ،والنسيان ، ولم يكونوا خالصين في النورانية ، مع أنه تعالى شأنه وصفهم بكمال النورانية ، ولا ينطبق ذلك إلا على مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، إذ لم يدع أحد من الأمة ادعاء النص والعصمة في شأن الخلفاء الثلاثة وغيرهم من الأئمة.
والحمد لله الذي نور قلوبنا ، وهدانا لنوره ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ص: 15
اية:الم تر الی ربك كيف مد الظل..
الحلقة الاولی
قال الله تعالی:
{الم تر الی ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا*ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا}
سورة الفرقان(25) اية 45-46
تحقيق مفردات الاية وتوضيح معناها
{الم تر} هنا وفي مواضع اخری من القران الكريم قد تكون بمعنی الم تعلم وقد تكون بنفس معناها الحقيقي او يكون المراد منها هو البصيرة القلبية ومن الممكن ان يكون كل من المعنيين مرادا .
{الم تر} يعني الم تر قدرة الله تعالی .
{ الظل} جاء في مفردات الراغب في ذيل مادة ظل:
ص: 16
الظل: ضد الضح وهو اعم من الفيء فانه يقال: ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل اليه الشمس: ظل ولا يقال الفيء الا لما زال عنه الشمس , ويعبر بالظل عن العزة والمنعة وعن الرفاهة.(1)لكن بناءً علی احد الاحاديث المراد من الظل ما بين طلوع الفجر الی طلوع الشمس كما جاء في تفسير القمي عن الامام الباقر(علیه السلام) انه قال: الظل ما بين طلوع الفجر الی طلوع الشمس(2).
ومن الواضح انه ليس مقصود الامام (علیه السلام) انه ينحصر معنی الظل في ما بين طلوع الفجر الی طلوع الشمس , وحيث انه لم يكن الحديث دالا علی انحصار معنی الظل بمعنی خاص كما وان عبارة الظرف قابلة للمعنی مع عدم تنافيه مع تعاليم الوحي فعليه اذن يمكن ذكر احتمالات اخر وعليه فيمكن القول بان المراد من الظل بياض الصبح الی طلوع الشمس او مطلق الظل .
توضيح ما قاله البعض: هنالك في العالم ثلاثة اشياء: النور الظلمة الظل ومعنی النور والظلمة واضح والمقصود من الظل من بعد بياض الصبح الی طلوع الشمس حيث انه في هذا الوقت لا نور محض ولا ظلام مطلق كما وانه يعد من اطهر اوقات اليوم وذلك لان طبع الانسان ينفر من الظلمة المحضة
ص: 17
التي لا يری فيها شيئا ومن جانب اخر نور الشمس يوجب احترار الهواء ويؤذي العين ولهذه الجهة وصفت الجنة ب{ظل ممدود}(1).اذن الحاصل من معنی الاية هو: الم تر ان الله كيف مد مطلق الظل او يخلق بياض الصبح .
وهذا العمل يصور لنا القدرة الالهية التي نظمت هذا العالم الواسع الابعاد الرحب العظيم مع ما فيه من كواكب وشمس بفواصل معينة وعليه فقوله تعالی{الم تر} يعني الم تشاهد قدرة الله تعالی وخلقته.
{ ولو شاء لجعله ساكنا} ولو شاء الله تعالی لجعل الظل ثابتا فان الله تعالی لو اوقف حركة الاجرام السماوية والتي من جملتها الشمس والارض لثبت الظل وذلك لان طول وقصر الظل وانعدامه في خط الاستواء فيما اذا كانت الشمس قائمة بدرجة 90 انما ينشأ من حركة الارض حول نفسها وحول الشمس .
ص: 18
{ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} ثم جعلنا الشمس دليلا علی الظل وهذا الدليل لجهتين:
1- لو لم تكن الشمس يعني نورها لم يكن هنالك ظل فمن باب تعرف الاشياء باضدادها نعرف الظلمة والظل بواسطة النور.1- تبعية ومتابعة الظل للشمس في طول اليوم سبب في تردد الظل بين الطول والقصر ففي اول طلوع الشمس وغروبها يكون الظل طويلا وكلما اقترب الشمس من نصف النهار قصر الظل وبذلك يعرف مقدار ما مضی او بقي من الزمان .
{ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا} ثم نقبض ذلك الظل بسهولة وهذا احد الاحتمالات (ويحتمل شيئا فشيئا) (ونعدمه من الرؤية) .
ودليل هذه السهولة انه لا تكلف علی الله تعالی في خلق العالم كما تعب في حفظه {ولا يؤوده حفظهما}(1).
وهنا نكتة قابلة للملاحظة وهي ان قوله تعالی{الينا} لم تفسر في كثير من التفاسير نعم جاء في تفسير الصافي:
{ثم قبضناه الينا} اي ازلناه بايقاع الشعاع موقعه لما عبر عن احداثه بالمد- بمعنی التسيير(2)-
عبر عن ازالته بالقبض الی نفسه الذي هو في معنی الكف..(3)
ص: 19
اذن تعبير{ الينا} لاجل هذه الجهة وهي ان اعدام الظل انما هو بارادة الله تعالی كما كان ايجاده بارادته جل وعلا ايضا وعلی هذا فمن الواضح جدا انالاية في مقام بيان امر طبيعيا جغرافيا ونجوميا ولا يوجد اي تعقيد في الفاظ الاية وعباراتها , فتصوير القدرة الالهية وتوجه العباد الی خالق العالم من جملة اثار الخلقة وظواهرها.
وعلينا بمراجعة كلام الفلاسفة والعرفاء حول هذه الاية فلننظر كيف يفسرون الاية ويأولونها بما لايخطر علی الذهن وبما لا يتفق مع ظاهر الاية اصلا كما ويتنافی مع الاصول السماوية والاعتقادات الدينية , وهنا نذكر كلمات الفلاسفة والعرفاء وعليكم انتم ايها بالحكم والقضاوة .
كلام الفلاسفة والعرفاء
لقد فسر بعض كبار مذهب العرفان الاية بشكل غير صحيح علی اساس مفترضات اذهانهم وذكروا للاية معنی لا يتفق مع ظهورها ولا يرتبط بمفهومها اصلا , طبعا من الواضح انه لا مانع من استنباط واستخراج المعاني المختلفة من القران حسب الملاكات والضوابط الخاصة فالقران له ظواهر وحقائق ولطايف واشارات وكل شخص بمقدار قابليته وعلمه يستنبط من القران .
لكن اي تفسير يجب ان يكون بحدود خاصة ومن الخطأ بل من الخطر ان نفرض المعاني المختلقة مسبقا في الذهن علی ايات القران .
ص: 20
ونذكر بعض الملاكات المهمة في تفسير القران وهي:
1- قابلية الاية لتحمل ذلك المعنی المذكور .1- ان لا تكون الاية التي يراد تفسيرها قد فسرت في الحديث المعتبر بمعنی خاص .
2- ان لا يكون ذلك المعنی او ذلك التفسير منافيا للمسائل القطعية او لما هو من ضروريات الدين او منافيا لباقي الايات وروايات الائمة المعصومين(علیه السلام) الاخر .
فمع ملاحظة هذه الموازين يمكن ذكر معنی للاية بعنوان احد الاحتمالات والا ففرض الافكار الشخصية علی القران هو نفس التفسير بالرأي الذي نهی عنه النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة المعصومين(علیه السلام) وكل من له هذه السليقة في تفسير القران فهو ضال مضل وليتبوأ مقعده من النار(1)
ولاجل ان يتضح ان استنباطات هؤلاء باطلة نبدأ بذكر بعض كلماتهم .
ص: 21
كلام ابن عربييقول ابن عربي(1)
في تفسير الاية:
{أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} بالوجود الإضافي. اعلم أن ماهيات الأشياء و حقائق الأعيان هي ظل الحق و صفة عالمية الوجود المطلق، فمدها إظهارها باسمه النور الذي هو الوجود الظاهر الخارجي الذي يظهر به كل شي ء و يبرز كتم العدم إلى فضاء الوجود أي الإضافي وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي: ثابتا في العدم الذي هو خزانة وجوده، أي: أمّ الكتاب و اللوح المحفوظ الثابت وجود كل شي ء فيهما في الباطن و حقيقته لا العدم الصرف بمعنى اللاشي ء فإنه لا يقبل الوجود أصلا، و ما ليس له وجود في الباطن و خزانة علم الحق و غيبه لم يمكن وجوده أصلا في الظاهر، و الإيجاد و الإعدام ليس إلا إظهار ما هو ثابت في الغيب و إخفاؤه فحسب و هو الظاهر و الباطن و هو بكل شي ء عليم ثُمَّ جَعَلْنَا شمس العقل عَلَيْهِ أي: الظل دَلِيلًا يهدي إلى أن حقيقته غير وجوده و إلا فلا مغايرة بينهما في الخارج فلا يوجد إلا الوجود فحسب، إذ لو لم يمكن وجوده لما كان شيئا فلا يدلّ على كونه شيئا غير الوجود إلا العقل ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا بإفنائه قَبْضاً يَسِيراً لأن كل ما يفنى من الموجودات في كل وقت فهو يسير بالقياس إلى ما سبق، و سيظهر كل مقبوض عما قليل في مظهر آخر. و
ص: 22
القبض دليل على أن الإفناء ليس إعداما محضا بل هو منع عن الانتشار في قبضته التي هي العقل الحافظ لصورته و حقيقته أزلا و أبدا(1).
ويقول ابن عربي في الفتوحات في باب69 (في ذيل شرائط صلاة الجمعة) حول هذه الاية:
قال تعالی:{الم تر الی ربك كيف مد الظل} ثم قال:{ثم جعلنا الشمس عليه دليلا}(2) فامرنا بالنظر اليه معرفته ولكن من حيث انه مد الظل وهو اظهاره وجود عينك فما نظرت اليه من حيث احدية ذاته في هذا المقام وانما نظرت اليه من حيث احدية فعله في ايجادك في الدلالة وهو صلاة الجمعة فانها لاتجوز للمنفرد فان من شرطها ما زاد علی الواحد فمن راعی هذه المعرفة الالهية قال بصلاتها قبل الزوال لانه مأمور بالنظر الی ربه في هذه الحال والمصلي يناجي ربه ويواجهه في قبلته والضمير في عليه يطلبه اقرب مذكور وهو الظل ويطلبه الاسم الرب واعادته علی الرب اوجه فانه بالشمس ضرب الله المثل في رؤيته يوم القيامة فقال علی لسان نبيه ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة اي وقت الظهر .
واراد عند الاستواء بقبض الظل في الشخص في ذلك الوقت لعموم النور ذات الرائي وهو حال فنائه عن رؤية نفسه في مشاهدة ربه .
ص: 23
{ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا} وهو عند الاستواء ثم عاد الی مده بدلوك الشمس وهو بعد الزوال فعرفه بعد المشاهدة كما عرفه قبل المشاهدة والحال الحال قال ان وقت صلاة الجمعة بعد الزوال لانه في هذا الوقت ثبتت له المعرفة بربه من حيث مده الظل .
وهنا تكون اعدة الضمير من {عليه} علی الرب اوجه فانه عند الطلوع يعاين مد الظل فينظر الی الشمس فيعرف من مده ظله ما للشمس في ذلك من الاثر فكان الظل علی الشمس دليلا في النظر وكان الشمس علی مد الظل دليلا في الاثر .
ومن لم يتنبه لهذه المعرفة الا وهو في حد الاستواء(1)
ثم بعد ذلك بدلوك الشمس عاين امتداد الظل من ذاته قليلا قليلا جعل الشمس علی مد الظل دليلا فكان دلوكها نظير مد الظل وكان الظل كذات الشمس فيكون الدلوك من الشمس بمنزلة المد من الظل .
فالمؤثر في المد انما هو دلوك الشمس والمظهر للظل انما هو عين الشمس بوجودك فقام وجودك في هذه المسألة مقام الالوهة لذات الحق لكونه ما اوجد العالم من كونه ذاتا وانما اوجده من كونه الها.
ص: 24
فانظر يا ولي مقام ذاتك من حيث وجودك تر ما اشرف نسبته فوجودك وجود الحق اذ الله ما خلق شيئا الا بالحق ويميل الشمس عنك يمتد ظلك فهي معرفة تنزيه جعل ذلك دليلا لتعتقده فان الشمس تبعد عنك وكلما بعدت عنك نبهتك انك لست مثله ولا هو مثلك الا ان يحجبك عن رؤيتها فهو التنزيه المطلق الذي ينبغي لذات الحق .
كما انه في طلوعها وطلبها اياك بالانقاء الی الاستواء تشمر ظلك شيئا بعد شيء لنعلمك ان بظهورها في علوها تمحوك وتفنيك الی ان لا تبقي منك شيئا من الظل خارجا عنك وهو نفي الاثار بسببك ولهذا لم تشرع الصلاة عند الاستواء لفناء الظل فلمن ذا الذي يصلي او الی من تواجه في صلاتك والشمس علی رأسك(1).
كلام ابن عربي في فصوص الحكم
ويقول ابن عربي حول كون العالم ظل الله تعالی:
اعلم أن المقول عليه «سوى الحق» أو مسمى العالم هو بالنسبة إلى الحق كالظل للشخص، و هو ظل اللَّه ، و هو عين نسبة الوجود إلى العالم...
ص: 25
فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان الممكنات: عليها امتد هذا الظل، فتدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات. و لكن باسمه النور وقع الإدراك(1).
ثم بعد كلامه ذاك يقول حول اية 45 من سورة الفرقان:
فمن حيث هو ظل له يُعْلَم، و من حيث ما يُجْهَل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص مَنْ امتد عنه بجهل من الحق. فلذلك نقول إن الحق معلوم لنا من وجه مجهول لنا من وجه: «أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً»(2) أي يكون فيه بالقوة. يقول ما كان الحق ليتجلى للممكنات حتى يظهر الظل فيكون كما بقي من الممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود. «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» و هو اسمه النور الذي قلناه، و يشهد له الحس: فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور. «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً»:
و إنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر و إليه يرجع الأمر كله . فهو لا غيره. فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث هوية الحق هو وجوده، و من حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات. فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول باختلاف الصور اسم العالمأو
ص: 26
اسم سوى الحق. فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق، لأنه الواحد الأحد. و من حيث كثرة الصور هو العالم، فتفطن و تحقق ما أوضحته لك. و إذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، و هذا معنى الخيال. أي خيِّل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق و ليس كذلك في نفس الأمر. أ لا تراه في الحس متصلًا بالشخص الذي امتد عنه، و يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال لأنه يستحيل على الشي ء الانفكاك عن ذاته؟ فاعرف عينك و من أنت و ما هويتك و ما نسبتك إلى الحق، و بما أنت حق و بما أنت عالمٌ و سوى و غيرٌ و ما شاكل هذه الألفاظ. و في هذا يتفاضل العلماء، فعالم و أعلم. فالحق بالنسبة إلى ظل خاص صغيرٍ و كبيرٍ، و صافٍ و أصفى، كالنور بالنسبة إلى حجابه عن الناظر في الزجاج يتلون بلونه، و في نفس الأمر لا لون له. و لكن هكذا تُراهُ(1).
كلام ملا صدرا
نظرية ملا صدرا (التي تتفق في نهاية بحث التوحيد مع نظرية ابن عربي ) حول الوجود هي: أن للأشياء في الموجودية ثلاث مراتب:
1- مرتبة الوجود الصرف والغيب المطلق و هو الذي لا اسم له و لا نعت له و لا يشار اليه .
ص: 27
1- مرتبة الوجود المنبسط الذي يعبر عنه بتعابير مختلفة مثلحقيقة نبي الاسلام(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)الحق المخلوق بهحقيقة الحقائقاصل العالم و.. والمقصود من الوجود المنبسط هو الوجود الساري في كل الممكنات والماهيات ويتكثر بتكثر الماهيات الاعتباري (مثل السماء والارض والشجر والعقل ووالنفس و..) وتختلف الاسماء باعتبار الماهيات المتنوعة والا فالحقيقة الواحدة .
2- المرتبة الثالثة الماهيات المختلفة التي نعرفها باسمائها كالشجر والارض والانسان و... وان كانت كلها اعتبارات ذهنية وحقيقتها هو ذلك الوجود المنبسط الذي يظهر باشكال مختلفة .
علی هذا فهم قائلون ان الحقيقة واحدة لكن لها ثلاث مراتب وبعبارة اخری كلها شؤون واحوال تلك الحقيقة الواحدة وتعيناتها وذلك لان الوجود المنبسط مظهر تلك الحقيقة الواحدة .
فعلی هذا الاساس الذي ذكر في هذه الاية {الم تر الی ربك كيف مد الظل}(1) المراد من {مد الظل} يعني سريان ذلك الوجود المنبسط و قوله {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} المراد من الشمس هو ذات الحق المقدسة يعني مرتبة صرف الوجود او المرتبة الاولی . وهذا المعنی ليس له اي دليل عقلا ونقلا مضافا الی ان اصل مبناه غير صحيح ومحل اشكال .
ص: 28
علی اي حال يقول ملا صدرا في فصل (28) في كيفية سريان حقيقة الوجود في الموجودات المتعينة و الحقائق الخاصة:
اعلم أن للأشياء في الموجودية ثلاث مراتب:
أوليها: الوجود الصرف الذي لا يتعلق وجوده بغيره و الوجود الذي لا يتقيد بقيد و هو المسمى عند العرفاء بالهوية الغيبية و الغيب المطلق و الذات الأحدية و هو الذي لا اسم له و لا نعت له و لا يتعلق به معرفة و إدراك إذ كل ما له اسم و رسم كان مفهوما من المفهومات الموجودة في العقل أو الوهم و كل ما يتعلق به معرفة و إدراك- يكون له ارتباط بغيره و تعلق بما سواه و هو ليس كذلك لكونه قبل جميع الأشياء- و هو على ما هو عليه في حد نفسه من غير تغير و لا انتقال فهو الغيب المحض و المجهول المطلق إلا من قبل لوازمه و آثاره فهو بحسب ذاته المقدسة ليس محدودا مقيدا بتعين و لا مطلقا حتى يكون وجوده بشرط القيود و المخصصات كالفصول و المشخصات و إنما لواحق ذاته شرائط ظهوره لا علل وجوده ليلزم النقص في ذاته تعالى عنه علوا كبيرا و هذا الإطلاق أمر سلبي يستلزم سلب جميع الأوصاف و الأحكام و النعوت عن كنه ذاته و عدم التقيد و التجددالتحدد] في وصف أو اسم أو تعين أو غير ذلك حتى عن هذه السلوبات باعتبار أنها أمور اعتبارية عقلية.
المرتبة الثانية الموجود المتعلق بغيره و هو الوجود المقيد بوصف زائد- و المنعوت بأحكام محدودة كالعقول و النفوس و الأفلاك و العناصر و
ص: 29
المركبات من الإنسان و الدواب و الشجر و الجماد و سائر الموجودات الخاصة.
المرتبة الثالثة هو الوجود المنبسط المطلق الذي ليس عمومه على سبيل الكلية بل على نحو آخر فإن الوجود محض التحصل و الفعلية و الكلي سواء كان طبيعيا أو عقليا يكون مبهما يحتاج في تحصله و وجوده إلى انضمام شي ء إليه يحصله و يوجده و ليست وحدته عددية أي مبدءا للأعداد فإنه حقيقة منبسطة على هياكل الممكنات و ألواح الماهيات لا ينضبط في وصف خاص و لا ينحصر في حد معين من القدم و الحدوث و التقدم و التأخر و الكمال و النقص و العلية و المعلولية و الجوهرية و العرضية و التجرد و التجسم بل هو بحسب ذاته بلا انضمام شي ء آخر يكون متعينا بجميع التعينات الوجودية و التحصلات الخارجية بل الحقائق الخارجية تنبعث من مراتب ذاته و أنحاء تعيناته و تطوراته و هو أصل العالم و فلك الحياة و عرش الرحمن و الحق المخلوق به في عرف الصوفية و حقيقة الحقائق- و هو يتعدد في عين وحدته بتعدد الموجودات المتحدة بالماهيات فيكون مع القديم قديما و مع الحادث حادثا و مع المعقول معقولا و مع المحسوس محسوسا و بهذا الاعتبار يتوهم أنه كلي و ليس كذلك و العبارات عن بيان انبساطه على الماهيات- و اشتماله على الموجودات قاصرة الإشارات إلا على سبيل التمثيل و التشبيه و بهذا
ص: 30
يمتاز عن الوجود الذي لا يدخل تحت التمثيل و الإشارة إلا من قبل آثاره و لوازمه(1).
ويقول ملا صدرا في موضع اخر:
فكما وفقني الله تعالى بفضله و رحمته الاطلاع على الهلاك السرمدي و البطلان الأزلي للماهيات الإمكانية و الأعيان الجوازية فكذلك هداني ربي بالبرهان النير العرشي إلى صراط مستقيم من كون الموجود و الوجود منحصرا في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في الموجودية الحقيقية- و لا ثاني له في العين و ليس في دار الوجود غيره ديار و كلما يتراءى في عالم الوجود أنه غير الواجب المعبود فإنما هو من ظهورات ذاته و تجليات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته كما صرح به لسان بعض العرفاء بقوله فالمقول عليه سوى الله أو غيره أو المسمى بالعالم هو بالنسبة إليه تعالى كالظل للشخص فهو ظل الله(2).
ثم ينقل ملا صدرا كلام ابن عربي المتقدم انفا ثم يقول:
فهذا حكاية ما ذهبت إليه العرفاء الإلهيون و الأولياء المحققون(3).
ص: 31
بيان بعض المعاصرين
يقول حسن زاده املي في ممد الهمم في شرح عبارة ابن عربي سنشير الی قسم منها في ذيل البحث(1):
يقول ابن عربي: من هذه الجهة وهي معلومية كون العالم ظل الحق .
يقول الشارح: اذن فالحق بذلك المقدار معلوم .
يقول ابن عربي في معنی{ ولو شاء لجعله ساكنا} : يعني يبقی في الحق بالقوة يعني مكتوم في ظلمة العدم .
الشارح: يعني في عالم الغيب والغيب المطلق لكنه لايريد ان يكون الظل ساكنا .
القران: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} .
الشارح: ثم جعلنا الشمس يعني الوجود الخارجي يعني النور الالهي دليل الظل (ظل اعيان الممكنات ويسمی نور الوجود بالشمس لان الشمس مظهر اسم النور) .القران: {ثم قبضناه} .
ص: 32
الشارح: ثم قبضنا الظل يعني وجود الاكوان .
مضافا الی ذلك انه هو له كلام يصرح فيه بكون العالم ظل الله تعالی فقال:
نسبة الخلق الی الحق الطف من نسبة الظل الی الشخص واعلی وادق وذلك لان الظل شيء والشخص شيء اخر اما الموج وهو الخلق عين تلك حقيقة البحر لان حقيقة البحر هي الماء(1).
وقال في هامش توضيح معنی اية{الم تر الی ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا} :
الظل باحد المعاني ما بين الطلوعين وبالمعنی الاخر عالم الوجود وهل يمكن ان تكون حقيقة العالم بلا ظل يعني الموجودات وذلكلان معنی لو هو الامتناع ولا يكون ظهور بلا مظهِر فالحق تعالی هو الذات الالهية في الظلال وبواسطتها يظهر نفسه(2).
ويقول في ذيل بحث حول معاني الامكان في الفلسفة والعرفان:
العارف يری الوجود ببرهان الصديقين فقط حيث ان الوحدة قاهر للكل والتعينات - والتي بالظاهر انها كثيرة- هي مظاهر مقهورة للوحدة وتدليات
ص: 33
صرفة وروابط محضة بل في الحقيقة لاوجود للظاهر وامظهر والمتجلي والمجلّا واذا قال العارف الامكان فالمراد الوجودات التي هي ربط محض بالقيم والقيوم والخلاصة ان الحكيم والمنطقي يری الامكان الاستعدادي في المادة وباقي الامكانات جهات في النسبة والعارف يری الامكان بالوجودات المتكثرة التي هي ربط محض وجزء ذات الواجب
ولو دققنا النظر فان الذي في دار الوجود هو الوجوب والبحث عن الامكان للتلهي(1).وهو في ذيل عنوان بحث حول وحدة الوجود لاجل توضيح مباحث الكتاب ينقل كلمات من اساتذة الفن في بيان وحدة الوجود نقلا عن النسفي في كشف الحقائق فيقول:
واعلم انه لو صنعنا من الشمع مائة شي ء وبالضرورة صار لها مائة شكل ومائة اسم ولكل شكل اسام متعددة (صنعنا شكل الاسد وللاسد اسماء متعددة مثلا الرأس والاذن) لكن العاقل يعلم ان لا وجود لشي ء غير الشمع وهذه جملة الاسامي التي ظهرت كلها اسام للشمع جائت فيه الجهات المختلفة والاضافات والاعتبارات .
بأي لون تريد ان تلبس الثوب *** ألا انّي أعرف طول رعنا(2)
ص: 34
و يقول حول كلام ابن عربي في فص حكمة امامية في كلمة هارونية «فكان موسى أعلم بالامر من هارون لانّه علم ما عبده اصحاب العجل لعلمه بأنّ اللَّه جلّ وعلا قد قضى الاّ يعبد الاّ ايّاه وما حكم اللَّه بشي ء الاّ وقع فكان عتاب موسى أخاه هارون لما وقع الامر في انكاره وعدم اتساع صدره فانّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شي ء بل يراه عين كلّ شي ء(1) :
اذن جميع العبادات عبادة الحق لكن هنالك من يصد عن هذا الطريق..غرض الشيخ في مثل هذه المسائل في الفصوص والفتوحات وسائر الزبر والرسائل بيان اسرار الولاية والباطن لأولئك الذين هم أهل السرّ ولو كان بحسب نبوة التشريع مقر بأن عموم الناس لابد وان يعرضوا عن عبادة الاصنام كما أنكر الانبياء عبادة الاصنام(2).
ص: 35
العدد الحادي والعشرونالروايات
الواردة حول التوحيد الالهي
تتمة القسم الثاني من الباب الثالث
* الإمام الرضا (علیه السلام):
وبحدوث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنع من الصفات ذاته.(1)
* الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
... ما عرفت اللّه عز وجل بمحمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولكن عرفت محمّدا باللّه عز وجل حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض.(2)
* ويقول الإمام الصادق (علیه السلام):
ص: 36
ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون" فإنه ردّ على الزنادقة الذين يبطلون التوحيد ويقولون: "إن الرجل إذا نكح المرأة وصارت النطفة في الرحم تلقته أشكال من الغذاء ودار عليه الفلك، ومر عليه الليل والنهار، فيولد الإنسان بالطبايع من الغذاء ومرور الليل والنهار"، فنقض اللّه عليهم قولهم في حرف واحد فقال: «ومن نعمره ننكسه الخلق أفلا يعقلون» قال: لو كان هذا كما يقولون ينبغي أن يزيد الإنسان أبدا ما دامت الإشكال قائمة، والليلوالنهار قائمان، والفلك يدور، فكيف صار يرجع إلى النقصان كلما ازداد في الكبر إلى حد الطفولية ونقصان السمع والبصر والقوة والفقه والعلم والمنطق حتى ينقص وينتكس في الخلق ولكن ذلك من خلق العزيز الحكيم وتقديره.(1)
* الإمام الصادق (علیه السلام):
قال أمير المؤمنين (علیه السلام): أنزل اللّه الحمدللّه الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون~(2)
وكان في هذه الآية ردّا على ثلاثة اصناف منهم لماقال الحمدللّه الذي خلق السموات والارض~ فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لابدو لها وهي دائمة. ثم قال:... فقال رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لأصحابه: قولوا: "إياك نعبد" أي نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية إن الأشياء لا بدو لها وهي دائمة.(3)
ص: 37
*...فخبرني الآن عما قاله نبيكم في المسيح من أين أثبت له الخلق ونفى عنه الإلهية وأوجب فيه النقص وقد عرفت ما يعتقد فيه كثير من المتدينين؟! فقال أمير المؤمنين(علیه السلام): أثبت له الخلق بالتقدير الذي لزمه والتصوير والتغير من حال إلى حال والزيادة التي لم ينفك عنها والنقصان...(1)*الإمام الصادق (علیه السلام):
... لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث.(2)
*... إن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه مدخل...(3)
*الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزليته، وبأشتباههم على أن لا شبه له.(4)
* الامام اميرالمومنين (علیه السلام):
و لو كان فكروا في عظيم القدرة و جسيم النعمة لرجعوا الی الطريق و خافوا عذاب الحريق و لكن القلوب عليلة و البصائر مدخولةٌ.
ص: 38
الا ينظرون الی صغير ما خلق كيف احكم خلقه و اتقن تركيبه و فلق له السمع و البصر و سوّي له العظم و البشر؟انظروا الی النّملة في صغر جثتها و لطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر و لا بمستدرك الفكر كيف دبَّت علی ارضها وصبّت علی رزقها تنقل الحبّة الی جحرها و تعدها في مستقرّها،تجمع في حرها لبردها.
فانظروا الی الشمس و القمر و النبات و الشجر و الماء والحجر واختلاف هذا الّيل و النّهار وتفجّر هذه البحار و كثرة هذه الجبال و طول هذه القلال و تفرّق هذه اللّغات و الالسن المختلفات فالويل لمن انكر المقدر و جحد المدبّر زعموا انهم كالنّبات مالهم زراع و لا لاختلاف صورهم صانع و لم يلجؤوا الی حجّة فيما ادّعوا ولا تحقيق لما أوعوا و هل يكون بناء من غيربان أو جناية من غير جانٍ؟!!(1)
* دخل ابوشاكر الدّيصاني و هو زنديق علی أبي عبدالله(علیه السلام) فقال له: يا جعفربن محمد دلّني علی معبودي.
فقال ابوعبدالله(علیه السلام): اجلس ؛فاذا غلام صغير في كفّه بيضة يعلب بها فقال ابوعبدالله(علیه السلام): ناولني فناوله ايّاها.
فقال ابوعبدالله(علیه السلام): ياديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق و تحت الجلد الرقيق ذهلة مائعة و فضّة ذائبة،فلا الذّهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذّهبة
ص: 39
المائعة،فهي علی حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن اصلاحها و لم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن افسادها،لا يدری للذكر خلقت أم للأنثی تنفلق عن مثل ألوان الطواويس.
أتری لها مدبّراً؟!
*الامام الجواد (علیه السلام):
يا ذا الذي كان قبل كل شيء ثم خلق كل شيء ثم يبقی و يفنی كل شيء ..... (1)
ص: 40
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الخامسة والعشرين.
يقول الشهيد الثاني قدس سره:
«وأعظم من هذا محنة وأكبر مصيبة وأوجب علی مرتكبه اثما ما يتداوله كثير من المتّسمين بالعلم من أهل بلاد العجم وما ناسبها من غير هم في هذا الزمان ، حيث يصرفون عمرهم ويقضون دهرهم علی تحصيل علوم الحكمة كعلم المنطق والفلسفة وغير هما ممّا يحرم لذاته أو لمنافاته للواجب ... ثمّ هم مع ذلك «...وهم يحسبون انّهم يحسنون صنعا»(1) بل يزعمون انّ ما هم فيه
ص: 41
أعظم فضيلة واتم نفعاً , وذلك عين الخذلان من الله سبحانه والبعد عنه. بل الانسلاخ من الدين رأساً ان يحيي من يزعم انّه من اتباع سيّد المرسلين محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دين ارسطو ومن شاكله من الحكماء ويهملالدّين الّذي دان الله به أهل الأرض والسّماء ، نعوذ بالله من هذه الغفلة ونسأله العفو والرّحمة فاستيقظوا أيّها الاخوان من رقدتكم وافيقوا من سكرتكم»(1).
ص: 42
يقولون:
«رجعت العلية والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره.»(1)
«الفيض الأقدس ظهور الذات بكسوة الأسماء والصفات.»(2)«إن الأثر ليس شيئا على حياله بل هو ظهور مبدئه.»(3)
«وفعله وهو تجلي نوره وهذه حقيقة التوحيد«إيجاده عين ظهوره فلا تشأن الظاهر في ظهوره قرة عين العارف الوحيد»(4)
أقوى حضورا منه عند العقلا»(5)
«الوجود... هو الذي يلزمه جميع الكمالات... فهو الحي العليم المريد القادر السميع البصير المتكلم بذاته... بل هو الذي يظهر بتجليه وتحوّله في
ص: 43
صور مختلفة... فهو الواجب الوجود الحق سبحانه وتعالى... وإيجاده للأشياء اختفاؤه فيها مع إظهاره إياها، و إعدامه لها في القيامة الكبرى ظهوره بوحدته وقهره إياها بإزالة تعيناتها.»(1)
«ليس وجود في الخارج إلاّ وجود الحقّ متلبسا بصور أحوال الممكنات فلا يلتذّ بتجلياته إلاّ الحق، ولا يتألّم منه سواه.»(2)
«لا عليّة ولا معلولية ولا جاعلية ولا مجعولية في الوجود، ولنفي التغاير فيه إنّما الأمر بالكمون والبروز، فتبصّر!»(3)
ص: 44
«الاستجلاء... عبارة عن ظهور ذات الحقّ لنفسه في التعينات، يعني في التعينات الخلقية.»(1)
«سبحان من أظهر ناسوته ثمّ بدا في خلقه ظاهرا «وإن في دائرة الوجود سرّ سنا لاهوته الثاقب في صورة الآكل والشّارب»(2)
قوسين للنزول والصعود»(3)
«قال الشيخ الرئيس في بعض رسائله: الخير الأول بذاته ظاهر متجلّ لجميع الموجودات... بل ذاته بذاته متجلّ... وليس تجليه إلاّ حقيقة ذاته (لأن تجليه ظهوره وظهور الشيء ليس مبايناً عنه وإلا لم يكن ظهور ذاك الشيء.»(4)
«ليعتبر جميع الحقائق التي تكون موجودة على الظاهر ظهورات لذلك الوجود الواحد الأحد الذي يظهر في لباس المخلوقات وفي قالب معين ومحدود.»(5)
«هر لحظه به شكلى بت عيّار بر آمد
هر دم به لباسى دگر آن يار بر آمد
نه نه كه همو بود كه مي گفت أنا الحق
منصور نبود آنكه بر آن دار بر آمد
دل برد و نهان شد
گه پير و جوان شد
در صورت بلها
نادان به گمان ش-د»(6)«هر لحظه به شكلى بت عيّار بر آمد
هر دم به لباسى دگر آن يار بر آمد
نه نه كه همو بود كه مي گفت أنا الحق
منصور نبود آنكه بر آن دار بر آمد
دل برد و نهان شد
گه پير و جوان شد
در صورت بلها
نادان به گمان ش-د»(7)
يعني: أنّ الوثن المحبوب تشكّل في كل لحظة بشكل جديد فعشقناه فغاب عنا. وفي كل آن تلبّس بلباس غير الآخر فصار حينا شيخا وحينا شابّا. لا بل هو الذي كان يقول: "أنا الحق" وهو في صورة البلهاء. والذي صُلِب لم يكن هو الحلاج كما زعم الجاهل ذالك.
ولكن العقل والوحي يقولان:
ص: 45
«فلما أفل قال لا أحب الآفلين».»(1)
«فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون».(2)
الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام):
«تعالى عما ينحله المُحَدِّدون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب.»(3)
«أيها السائل؛ إعلم أن من شبّه ربّنا الجليل بتبائن أعضاء خلقه، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته أنه لم يعقد غيب ضميره على معرفته، ولم يشاهد قلبه اليقين بأنه لا ندّ له، كأنه لم يسمع بتبري التابعين عنالمتبوعين، وهم يقولون "تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين" فمن ساوى ربّنا بشيء فقد عدل به، والعادل به كافر بما نزلت به محكمات آياته، ونطقت به شواهد حجج بيناته، الذي لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزیها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالحدود من كفرة العباد: "وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون". فما دلك
ص: 46
القرءان عليه من صفته فأتبعه ليوصل بينك وبين معرفته وائتم به، واستضئ بنور هدايته، فإنها نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين. وما دلّك عليه الشيطان مما ليس في القرآن عليك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله عزّ وجلّ، فإن ذلك منتهى حق الله عليك... »(1)
ص: 47
العدد الحادي والعشرون
فصل
فمن ذلك نهيهم (علیهم السلام) عن الخوض في ذاته تعالى
من ذاك قد نهوا عن التعمّق *** في الذّات بعد العلم و التحقّق
و البحث عنه عندهم موضوع *** عنّا، لأنّ دركه ممنوع
بل مدحوا ترك التعمّق لنا***لو اعترفنا عجزنا و جهلنا
و هذا الإقرار رسوخ عندهم***في العلم باللّه فيكفى و يتمّ
و قد نهوا أيضا عن التّكلّم***إذ قد يقال فيه ما لم يعلم
بل مدحوا ترك التعمّق لنا***لو اعترفنا عجزنا و جهلنا
و إذ تمّ تقرير مذهب اهل البيت(علیهم السلام) في ذاته تعالى الإجمال*: من أنّه لا يعرف و لا يوصف و لا يدرك لا علما و لا كشفا، فلنذكر الآن ما يستفاد منه ذلك من اخبارهم في طيّ فصول.
ص: 48
قد ورد النّهي الأكيد منهم (علیهم السلام) عن الخوض و التّعمق و التّكلم و التّفكر في ذاته تعالى، و أنّ البحث عنه موضوع، بل ورد النّهي عن المجالسة مع الخائضين من ذاك؛ اي من اجل أنّ الذّات عندهم(علیه السلام)ممتنع الإدراك. قد نهوا عن التعمّق في الذّات بعد العلم به و التّحقّق؛ اي بعد تحقّق ثبوته بالدليل، فعن علي بن الحسين(علیه السلام)أنّه قال: إنّ اللّه تعالى علم أنّه يكون في آخر الزّمان اقوام متعمّقون، فانزل اللّه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ و الآيات من سورة الحديد الى قوله: عليم بذات الصدور فمن رام وراء ذلك. فقد هلك(1).
و البحث عنه؛ اي عن الذّات عندهم، موضوع عنّا، لأنّ دركه لنا ممنوع. فعن سهل، أنّه كتب الى ابي محمّد ع: اختلف يا سيّدي اصحابنا في التّوحيد، منهم من يقول: هو جسم، و منهم من يقول: هو صورة!
فوقّع(علیه السلام)بخطّه: سألت عن التّوحيد و هذا عنكم معزول، اللّه تعالى واحد، احد، صمد، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا احد ...(2).بل مدحوا ترك التعمّق لنا لو اعترفنا عجزنا و جهلنا، و هذا الإقرار الإجمالي، رسوخ عندهم في العلم باللّه، فيكفى و يتمّ، فعن امير المؤمنين(علیه السلام)أنّه قال:
و اعلم يا عبد اللّه! إنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون الغيوب، اقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، و قد مدح اللّه اعترافهم بالعجز
ص: 49
عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا(1).
و قد نهوا أيضا عن التكلّم في ذاته تعالى، إذ قد يقال فيه ما لم يعلم فساده؛ فعن ابي جعفر(علیه السلام)أنّه قال: تكلّموا في خلق اللّه، و لا تتكلّموا في اللّه؛ فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيّرا. و في رواية أخرى عن حريز: تكلّموا في كلّ شي ء و لا تتكلّموا في ذات اللّه(2). و عنه(علیه السلام)أيضا أنّه قال لأبي عبيدة الحذاء:
يا زياد! ايّاك و الخصومات! فإنّها تورث الشكّ و تحبط العمل و تردي صاحبها، و عسى ان يتكلّم الرجل بالشي ء لا يغفر له؛ يا زياد! إنّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما كلّفوا به، و طلبوا علم ما كفوه، حتّى انتهى بهمالكلام الى اللّه- عزّ و جلّ- فتحيّروا، فان كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه و يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه.
و في الكافي بعد ذلك في رواية أخرى: حتّى تاهوا في الأرض(3).
و عنه(علیه السلام)أيضا قال: تكلّموا فيما دون العرش و لا تكلّموا فيما فوق العرش، فإنّ قوما تكلّموا في اللّه فتاهوا(4). و عنه(علیه السلام)أيضا، أنّه قال لمحمّد بن مسلم: يا
ص: 50
محمّد! إنّ الناس، لا يزال لهم المنطق حتّى يتكلّموا في اللّه، فاذا سمعتم ذلك، فقولوا: لا إله الّا اللّه الواحد الّذي ليس كمثله شي ء(1).
و من تعاطى ما هناك يهلك إذ انتهى به الكلام فامسكوا
و عندهم(علیه السلام)إنّ من تعاطى ما هناك يهلك، و أيضا إذ انتهى به الكلام فامسكوا(2)،
فعن الصادق ع، قال:
اذا انتهى الكلام الى اللّه فأمسكوا و تكلّموا فيما دون العرش، و لا تكلّموا فيما فوق العرش؛ فإنّ قوما تكلّموا فيما فوق العرش، فتاهت عقولهم، حتّىكان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه و ينادى من خلفه فيجيب من بين يديه(3).
و عنه(علیه السلام)أيضا، أنّه قال: في قوله تعالى: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (4) فاذا انتهى الكلام الى اللّه فامسكوا.(5)
و عنه(علیه السلام)أيضا: من نظر في اللّه كيف هو هلك(6). و قد سأله(علیه السلام)عبد الرحيم القصير عن شي ء من الصفة، فرفع يديه الى السّماء، ثمّ قال: تعالى الجبّار إنّه من تعاطى ما ثمّ هلك(7).
و قد مرّ قول عليّ بن الحسين ع:
ص: 51
فمن رام وراء ذلك فقد هلك(1).و عنه(علیه السلام)في حديث المفضّل: فإن قالوا:
فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به؟ قيل لهم: إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه و هو ان يوقنوا به و يقفوا عند امره و نهيه، و لم يكلّفوا الإحاطة بصفته؛ كما أنّ الملك لا يكلّف رعيّته ان يعلموا أنّه طويل هو أم قصير، ابيض هو أم اسود، إنّما يكلّفهم الإذعان بسلطانه و الانتهاء الى امره، الا ترى لو أنّ رجلا اتى باب الملك، فقال:اعرض عليّ نفسك حتّى اتقصّى معرفتك و إلّا لم اسمع لك، كان قد احلّ نفسه للعقوبة، فكذا القائل؛ إنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه(2).
و قد نهوا أيضا عن التفكر***لأنّه يزيد في التحيّر
و الخوض فيه و الجلوس عند من***يخوض فيه أنكروه فاعلمن
فلا تجالس خائضا في ضيره***حتّى يخوضوا في حديث غيره
و ما أتى منهم من التفكّر***في اللّه ذو تأوّل فليبصر
نهيهم (علیهم السلام) عن التفكر في ذاته تعالى
و قد نهوا أيضا عن التفكر، لأنّه يزيد في التحيّر، قال الصادق ع: ايّاكم و التفكّر في اللّه لا يزيد إلّا تيها، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا تدركه الأبصار و لا يوصف بمقدار(3).
ص: 52
و عن امير المؤمنين ع: اتّقوا ان تمثّلوا بالرّب الّذي لا مثل له، او تشبّهوه بخلقه، او تلقوا عليه الاوهام، او تعملوا فيه الفكر(1).
و في تفسير البرهان عن ابن عبّاس: إنّ قوما تفكّروا في اللّه تعالى، فقال النّبي ص: تفكّروا في خلق اللّه و لا تفكّروا في اللّه، فإنّكم لم تقدروا قدره.
و خرج ص ذات يوم على قوم و هم يتفكّرون، فقال: ما لكم لا تتكلّمون؟ فقالوا:نتفكّر في خلق اللّه، فقال ص: و كذلك فافعلوا و تفكّروا في خلقه و لا تتفكّروا فيه.
و عن الباقر ع: ايّاكم و التفكر في اللّه! و لكن اذا اردتم ان تنظروا الى عظمته، فانظروا الى عظمة خلقه(2).
و الخوض فيه، و الجلوس عند من يخوض فيه، أنكروه أيضا و نهوا عنه، فاعلمن ذلك، فلا تجالس خائضا في ضيره؛ فإنّ المتكلّم في ذات اللّه، خائض فيما يضرّه و فيما فيه هلاكه، حتّى يخوضوا في حديث غيره. فعن ابي جعفر(علیه السلام)في قوله تعالى: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ(3).
قال ع: الكلام في اللّه، و الجدال في القرآن فاعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، قال ع: منهم القصّاص(4).
ص: 53
الحلقة الرابعة والعشرون
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحرالعاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء
تتمة البحث في العدد السابق: ومنهم الشيخ محي الدين بن عربي وحاله أيضا كذلك بل أقبح ولنذكر من بعض ما وصل إلينا من آثاره القبيحة اثني عشر أمرا.
الأول: ما ذكره في فتوحاته حيث ادعى فيه أنه أسرى به إلى السماء تسع مرات في كلام طويل يتضمن كيفية الإسراء ويظهر منه أنه يدعي المزية والفضيلة على الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وناهيك بذلك.
الثاني: ما ذكره فيه من أنه رأى أبو بكر على العرش بعد أن كان يرى في كل سماء واحدا من الأنبياء، فكانت مرتبة أبو بكر بزعمه أعلى من مراتبهم فكيف يرضى منه بذلك أحد من المسلمين.
الثالث: إنه ادعى في أول فصوص الحكم أنه من إملاء رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأنه
ص: 54
أمره بعين ما كتبه مع حصول الجزم ببطلان دعواه وترتب المفاسد عليها لو كانت حقا.
الرابع: ما نقل عنه واشتهر من أنه سمى نفسه خاتم الولاية وسموه بذلك لرؤيا رآها في النوم حتى كان يقول بي ختمت الولاية وهذه دعوى يجزم بكذبها، ولا أقل من الجزم بكذب من ادعاها بعده وهم أكثر الصوفية حيث يدعون الولاية.
الخامس: ما ذكره في الفتوحات من الأخبار التي يجزم بكذبها ويحيلها العقلويظهر منها دعوى علم الغيب والجرأة على الافتراء والكذب.
السادس: ما ذكره فيها من أن الشيطان خدع الشيعة خصوصا الإمامية أنه ينبغي محبة أهل البيت حتى تجاوزوا الحد فأبغضوا بعض الصحابة وسبوهم وتوهموا أن أهل البيت يرضون بهذا.
السابع: ما ذكره في حق الشيعة الإمامية من أنهم من جملة من ضل عن الطريق وأضل وهذا كاف فيما نحن بصدده.
الثامن: ما ذكره في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات أنه كان رجلا من عدول الشافعية لا يظن بأحدهما الرفض مع الرجل من أولياء الرجعة فقال لهما إني أراكما بصورة الخنزير وهذه علامة بيني وبين الله أن يريني الرافضي في هذه الصورة فتابا في الباطن ورجعا عن مذهب الرافضية فقال: الآن تبتما ورجعتما فإني رأيتكما في صورة الإنسان فاعترفا بذلك وتعجبا منه.
التاسع: ما نقله عنه شارح الفصوص من أنه جلس تسعة أشهر في الخلوة لم
ص: 55
يأكل طعاما وبعدها أمر بالخروج وبشر بأنه خاتم الولاية المحمدية وقيل له دليلك أن العلامة التي كانت بين كتفي الرسول الدالة على أنه خاتم النبوة هي علامة بين كتفيك تدل على أنك خاتم الولاية وذلك مجرد دعوى منه يجزم بكذبها كما عرفت(1).العاشر: ما نقل عنه في الفواتح أنه قال القطب الذي يسمى غوثا هو محل نظر الحق تعالى، وهو في كل زمان شخص وقال: إن الخلافة قد تكون ظاهرة وباطنة وعد من جمع الأمرين أبا بكر وعثمان ومعاوية ويزيد وعمر بن عبد العزيز والمتوكل وعد الشافعي من الأوتاد.
الحادي عشر: التتبع لطريقته وكتبه وآثاره فإنه يظهر منها مباينته لمذهب الشعية الإمامية وخروجه عن طريقتهم بالكلية.
ص: 56
الثاني عشر: تتبع كتب الشيعة لأنه يظهر منها مثل ذلك كما مر مثله في الغزالي ومع ذلك ترى لهؤلاء الصوفية اعتقادا عظيما واعتمادا على كلامهما وحسن ظن بهما وتقليدا لهما والله أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعينهذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ نقد الفلسفة والاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي .
وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي .
ص: 57
المناظرة السادسة
الأستاذ سيدان:
بعد أن تقرّر في الجلسة السابقة بأنّ ظواهر الآيات والأدلة الشرعية تدلّ أكثرها على كلام المحدثين، يعني أنّ المحشور في القيامة هم الناس بالأبدان العنصرية المادية. ولكن هناك آيات و روايات اُخرى موجودة في البين يمكن من خلالها إثبات مسلك صدرالمتألهين، وطبعابواسطة هذه الطائفة من الأدلة نتخلّى عن ظواهر الأدلة الأوّلية. و بعبارة أخرى: إنّ هذه الطائفة موجهة و موضحة للطائفة الأولى.
و في هذه الجلسة نتدارس هذه الأدلة الشرعية. ونحن حاضرون للاستفادة.
الأستاذ جوادي:
في مسألة الجنّة والنار، فقد عرفها اللّه سبحانه في كثير من الآيات مع كثير من الخصوصيات، قال في بعض الآيات بأنّ الجنّة والنار أعدِّت للمتقين والكافرين:
«وَ سَارِعُواْ اِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَواتُ وَالأَرْضُ اُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»(1).
ص: 58
«اِنَّ اللّه َ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَا مُّهِيْنَا»(1).
«أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَا أَلَيمَا»(2).
ظاهر هذه الآيات و أمثالها هو أنّ الجنّة والنار بتلك الأوصاف هما الآن مخلوقتان. وهذا الظاهر تثبته الروايات، كالرواية الّتي ينقلها الصدوق رحمه الله في التوحيد وعيون أخبار الرضا والأمالي بسنده:
عن الهروي، قال: قلت له (للرضا (علیه السلام)): يا ابن رسول اللّه فأخبرني عن الجنّة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟
فقال: نعم، و أنّ رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد دخل الجنّة، و رأى النار لما عُرجَ به إلى السماء.
قال: فقلت له: إنّ قوما يقولون: إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.
فقال
(علیه السلام): ما اولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنار كذّب النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وكذّبنا، ولا من ولايتنا على شيء، ويخلّد في نار جهنم، قال اللّه عزّ وجلّ: «هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الُْمجْرِمُونَ* يَطُوْفُونَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ حَمِيْمٍ آن»(3).
و هناك روايات تدل على أنّ النبيّ الأكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) رأى في ليلة المعراج الجنّة والنار. قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة التكاثر: «كَلاّ لَوْ
ص: 59
تَعْلَمُوْنَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ»(1). فإذا وجدت علم اليقين فسوف ترى الجحيم. و قصّة حارثة تؤيّد هذا الأمر.
بعد هذه المرحلة نلاحظ أنّ اللّه تعالى جعل الجنّة جزاء المحسنين، وجهنّم جزاء المذنبين. ثمّ جعل الجزاء مطاوعا للعمل، فقال: «هَلْ
تُجْزَوْنَ اِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ»(2).
وعليه، فالجزاء أصل عمل الإنسان، أمّا بخصوص جهنّم، فإنّه ليست نوع العقود كالقوانين الجزائية في هذا العالم، و إذا كان عندنا دليل معتبر يثبت أنّ ماوراء العمل يوجد جزاء آخر أيضا، فإنّه يمكن الجمع بينهما بأن نقول: إنّ العمل نفسه جزاء، و جزاء آخر أيضا من نوع القوانين الجزائية، وعلى كلّ حال، فلا شك أنّ أصل العمل هو الجزاء.
و نلاحظ أيضا أنّ اللّه سبحانه قال في وصف النار و جهنّم: « وَ أَمَّا الْقَاسِطُوْنَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبَا»(3). فالمجرم هو المواد المحترقة في النار، كما أنّه هو وقودها أيضا: «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ»(4).
والحجارة هي الأصنام الّتي كانوا يعبدونها.
فعليه، إنّ الإنسان نفسه هو الحطب المحترق، و هو الوقود. إذن،
ص: 60
الإنسان نفسه يحرق نفسه و يشعلها: «ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ»(1).
هذامن جانب، و من جانب آخر فإن العمل هو الجزاء.
فعلى هذا، ليست الجنّة والنار موجودتين في إقليم من الأقاليمالجغرافية، كما أراد البعض تصويره، وقالوا: ما الإشكال أن تكون في أرض لم تكتشف بعد.
فبينما نظام الجنّة والنار نظام اُخروي، و هو غير النظام الدنيوي المادي، كذلك يكون الجسم؛ ولكونه مرئيا، لكنه لا يُرى ضمن الشرائط الدنيوية.
كان هذا هو السير الإجمالي للبحث، والخطوط الكلية له.
الأستاذ سيّدان:
مع ملاحظة أسلوب طرح الموضوعات على هذا النحو - و بغضّ النظر عن بعض النقود - لا يمكننا الاستنتاج من هذه المقدمات عدم مادية العالم الاخروي.
فإذا فرضنا أنّ الجزاء العمل نفسه، والإنسان وقود وحطب، والجنّة والنار موجودة، وقد رؤيتا، فلا يمكن إثبات كونهما ليستا ماديتين، بل يمكن أن تكون مادة الآثار و خصوصياتها تفترق في شروط معينة. كما أنّ المادة في هذا العالم تفترق شرائطها في زمانين و في مرحلتين، فتختلف أحكامها.
ص: 61
و أمّا الانتقادات الّتي أشرنا إليها، فهي ما قيل: إنّ الجزاء هو العمل فهل بهذا المعنى أنّ العمل نفسه يتحوّل إلى الجزاء؟ كهاتين الركعتين من الصلوة تكونان قصرا مثلاً. أو أنّ عمل الخير ذلك، يكون باعثا على بناء قصر بإرادة اللّه سبحانه؟بالطبع هناك نحو ارتباط بين العمل والجزاء، و أمّا العينية فليست ثابتة. و على أيَ حال لا منافاة مع مادية الجزاء. و أمّا أنّ الإنسان وقود و حطب، فليس معناه أنّه لا توجد نار قبل ذلك. بل، معناه: إنّ الإنسان وسيلة للاشتعال و ظهور النار، فهو يقع في النار و يشعلها. و آية: «كَلاّ لَوْ تَعْلَمُوْنَ عِلْمَ الْيَقِينِ»(1)،
أكثر المفسرين فسّروها بنحو آخر. مثلاً «لو» للتمنى، و: «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ»(2)
إخبار عن مستقبل محقق الوقوع.
و رؤية النبيّ الأكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للجنّة والنار لا دلالة فيها على عدم المادية، فيمكن أن يكون جسم مادي لطيف مرئيا في شرائط العالم الأعلى، ولا يُرى في الشرائط الخاصة الأرضية. بل، إنّ الآثار والخصوصيات المذكورة للجنّة والنار تؤيّد المادية.
الأستاذ جوادي:
المادة المطروحة هنا ليس هي أمر عرفي ولا شرعي، و إنما اصطلاح
ص: 62
إيديولوجي خاصّ، مطروح في العلوم العقلية، وليست قابلة للرؤية واللمس، وهي مجرّد الاستعداد.
المادة المطروحة في العلوم التجربية قابلة للتبدّل والتحول، وتختلفباختلاف الحالات المختلفة، ولكن المادة بمعنى الهيولى لم تثبتها التجربة، و إنما أثبتها العقل، (بمعنى أن العقل يحكم بأنّ الجسم العنصري لهذا العالم له في ذاته استعداد التحوّل والتبدّل، فمثلاً يتحوّل اللحم إلى تراب، ويتحوّل التراب إلى نبات... تلك الجهة من الاستعداد يقال لها الهيولى، وهي علّة قابلية مضافا إلى العلّة الفاعلية).
فلو فرضنا أنّ جسما كان حقيقة مجرّدة، وقد تبدّل الآن، فهل يمكن القول: إنّ هذا الجسم له هيولى أيضا؟
إنّ العمل - كما قلنا - يتبدل إلى الجزاء، وليس منحصرا بالصوم والصلاة الّذي هو عمل خارجي و مادي، وإنما يشمل النيّات والاعتقادات أيضا، وكما أنّ الكفر والإيمان يتبدّل إلى الجزاء، كذلك الأخلاق الحسنة والسيئة فإنّها ليس امورا مادية حتّى نقول: إنّه يمكن أن تختلف المادة بحسب شرائط الآثار والخصوصيات.
فالخلاصة: إنّ المادة الّتي يقول بها الإيديولوجي لا طريق لإثباتها في ذلك العالم. نعم، لا كلام فيما لو قال شخص: نحن نسميّ كلّ شيء يُرى مادة. أمّا مسألة جزاء الأعمال بالنسبة إلى الجنّة، ففيها قولان، وأمّا بالنسبة إلى جهنّم فقول واحد.
ص: 63
بالنسبة للجنّة فأحد القولين هو أنّ العمل الصالح يتبدّل إلى الجنّة، والقول الآخر هو: «وَلَدَيْنَا مَزِيْدٌ»(1).أمّا بالنسبة إلى جهنّم فالقول قول حصر: «إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُوْنَ»(2)،
الجزاء ليس إلاّ العمل.
و ما قلناه من وجود الرابطة التكوينية بين العمل والجزاء، ليس بمعنى العلّة الفاعلية؛ لأنّ العلّة الفاعلية هي اللّه المتعال، وإنّما هي الرابطة التكوينية، بمعنى اللياقة والاستعداد لتبديل العمل بالجزاء. فالوقود ليس بمعنى الاشتعال، بل وسيلة للاشتعال، كعود الثقاب. والإنسان كما أنه وقود، كذلك هو حطب، ونتيجة هذين «يُسْجَرُوْنَ» و هو الاشتعال.
مثال ذلك في هذا العالم ما بينه أميرالمؤمنين (علیه السلام) في رواية نقلها صاحب الغدير، قال: «إنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان... و بيده جمجمة إنسان ميت، فقال: إنكم تزعمون النار يعرض على هذا، و أنه يعذّب في القبر، و أنا قد وضعت عليها يدي فلا أحسّ منها حرارة النار.
فسكت عنه عثمان و أرسل إلى عليّ بن أبي طالب المرتضى يستحضره. فلمّا أتاه و هو في ملأ من أصحابه قال للرجل: أعد المسألة: فأعادها، ثمّ قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها يا أباالحسن.
ص: 64
فقال عليّ (علیه السلام): «ائتوني بزند و حجر»، والرجل السائل والناس ينظرون إليه، فاُتي بهما فأخذهما و قدح منهما النار، ثمّ قال للرجل: «ضع يدك على الحجر». فوضعها عليه، ثمّ قال «ضع يدك على الزند».فوضعها عليه، فقال: «هل أحسست منهما حرارة النار»؟ فبهت الرجل. فقال عثمان: لو لا عليّ لهلك عثمان»(1).
و أمّا آية: «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ»(2).
الظاهر أن هذه الجملة جواب: «لَوْ تَعْلَمُوْنَ عِلْمَ الْيَقِينِ»(3).
وإلاّ يستلزم حذف و تقدير أمرين: أحدهما: جواب لو. والآخر: القسم في «لَتَرَوُنَّ» الّتي هي جوابه.
الأستاذ سيدان:
صحيح أنّ المادة بمعنى الهيولى هي اصطلاح فلسفي، ولم ترد في اصطلاح الشرع والحديث، ولكن مصب البحث هو: هل أن المحشور في العالم الاخروي هو هذا الإنسان الموجود في هذا العالم من حيث الروح والجسم، وإن اختلفت آثاره و خصوصياته عندما وقعت في الشرائط الأخرى؟ أو أنّ المحشور هو الروح لا بجسم هذا العالم الّذي هو من أجزاء هذا العالم. بل، مع جسم أبدعته النفس ذاتها، و هذا المقدار المستفاد من خصوصيات الجنّة والنار لا ينفي ويثبت الموضوع. أضف
ص: 65
إلى ذلك - بناء على مسلك الآخوندملاصدرا] الّذي اختاره من أن الجنّة والنار قائمتان بنفس الإنسان - لا معنى لخلق الجنّة والنار مسبقا.
(ويحتمل هنا أنّه حصلت في المقام مناقشات خارجة عن المبحث،ثمّ اُكملالبحث بهذه الصورة).
الأستاذ جوادي:
أتصور أنّ خلاصة ما عرض هو هذا: تدلّ الآيات والروايات بأنّ المحشور من أجزاء هذا العالم، والآيات كثيرة في هذا الباب، ولكن قيل: لابدّ من ملاحظة آيات و روايات اُخر، من جملتها كانت مسألة الجنّة والنار، و أنّ هذا الإنسان يشكل جنة ونار ذلك العالم، و يدخل فيهما، يعني يصبح الإنسان بصورة العمل و بصورة الصفة.
وعلى هذا، فإنّ بدن زيد - مثلاً يأتي على الشكل الحيواني الخاص بصفة الحسد، وقد جُعلت بصورة هذا البدن. والبدن الّذي تبدّل من صفة، لا يكون بدنا عنصريا ماديا، فمثلاً الشخص الشهواني يأتي بصورة خنزير، هو «من اُشرب في قلبه الشهوة» أو أنّه كما قيل:
«عن أبى عبداللّه (علیه السلام) قال: إنّ اللّه يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة»(1).
أليست هذه المرحلة أدقّ من المعاد؟! وقد قال الآخوندملاصدرا]:
ص: 66
إنّ المعنى الأوّل للمعاد الّذي يقول به العوام هو أسلم من الآفات. والمعنى الأخير أدقّ حتما.
الأستاذ سيّدان:إذا لم تكن مسألة تجسّم الأعمال مؤيّدة، فلا تنافي مع أنّ المحشور من أجزاء هذا العالم ؛ لأنّ المقصود من تجسّم الأعمال هو أنّ في ذلك العالم تتكون الصفات بصور مختلفة، وليس معناه أنّ الأجزاء الوجودية لهذا العالم لا تكون هناك؛ فإنّ هذه الأجزاء الدنيوية تعطى صورة الخنزير والنملة.
فعلى هذا، تبقى الآيات والروايات الصريحة على موضعها، وعلى فرض أنّ مثل هذه الأدلة ظاهرة على مدّعى الآخوندملاصدرا]، ولكنّها لا تقدّم على ظهور أو صراحة الآيات والروايات.
وأمّا الموضوع الآخر الّذي تفضّلتم به وهو أنّ الآخوندملاصدرا] قال: إنّ الرأي الأوّل الّذي هو رأي العوام أسلم من الآفات، وفي نفس الوقت قد اختار هو مسلكا آخر.
و هنا نتساءل، كيف يمكن أن يقال لمسلك: إنّه حقّ، و أسلم من الآفات، وفي نفس الوقت يُنتخب مسلك آخر بعنوان المسلك الأدقّ؟! أفليس هذا جمع بين المسلكين المتضادين؟!
الأستاذ جوادي:
ص: 67
ليس المراد من تجسم الأعمال هو أنّه من الطين تخلق صورة الخنزير، فإنّ هذه الصورة عرض، وإنّما المراد هو أنّ الإنسان يصبح خنزيرا حقيقة، إنسان لكنه أصبح خنزيرا. إذن، الإنسان في أبحاث المعاد نوع من الأنواع، وجنس.قال اللّه سبحانه: «أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»(1).
ولسان بعض الروايات هو أنّ طائفة في هذا العالم يأكلون النار «مَا يَأْكُلُوْنَ فِى بُطُوْنِهِمْ إِلاّ النَّارَ»(2).
الأستاذ سيّدان:
إذا تبدّل الإنسان واقعا إلى خنزير، إذن، فهذه الصورة ليست له عذابا. لكن، مع الاحتفاط بإنسانيته السيئة، فله هيئة الخنزير، والتصّور بصورة الخنزير هو نوع عذاب له. المادة الّتي يمكن أن يكون الإنسان منها - من ناحية تشبيه روحه أو عمله بالخنزير - تكون على صورة خنزير.
و على كلّ حال، فلا منافاة مع المادية (و يمكن أن يوجد حد معينمن النفس الخنزيرية في الإنسان).
ص: 68
العدد الخامس
تتمة الادلة التي يستدل بها علی تشيع ابن عربي
11- علي إمام العالم:
وقد استدلوا على تشيعه بكلمة نسبوها إليه، يصرح فيها - بحسب قولهم - بأن الإمام علياً (علیه السلام): «إمام العالم».
وقالوا: إن الفيض والشعراني يقولان: إن صاحب الفتوحات بعد أن ذكر أن نبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أول ظاهر في الوجود، قال:
«وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب، إمام العالم، وسر الأنبياء أجمعين»().
ونقول:
ص: 69
أولاً: قد ذكرنا في فصل: «هكذا يدافعون عن ابن عربي»، تحت عنوان: «الدس في كتاب الفتوحات» وغيره: أن كتب ابن عربي قد تعرضت للدس والتحريف، فزادوا فيها ما يخالف مذهب أهل السنة، فإذا صح قولهم هذا، فلا بد أن تكون هذه الكلمة من أوضح مصاديق هذا المدسوس عليه.. لأن أهل السنة لا يرضون بمضمونها حتماً وجزماً، ويسعون إلى تكريس هذا الأمر في أبي بكر..إلا إذا أريد منها معنى يتناسب مع اعتقاداتهم ومناهجهم.
ثانياً: إن الشعراني وغيره يدَّعون: أنه قد زيد في كتاب الفتوحات المكية ما يخالف مذهب أهل السنة، ولا يدعون وجود نقيصة فيه. ورغم ذلك، فإن هذه العبارة المنسوبة إليه لا توجد في الفتوحات، وهذا معناه: أن التحريف بالنقيصة حاصل أيضاً.. والظاهر: أنها عبارة مستنبطة بصورة خاطئة سنشير إليها بعد صفحات يسيرة..
ثالثاً: إن ما ذكره ابن عربي حول أبي بكر، وعمر، وطلحة، والزبير، وعائشة، وحتى معاوية، والمتوكل، فضلاً عن الحجاج، لا يبقي مجالاً لاعتقاد: أنه يقصد بالإمامة للعالم هو الإمامة بمعناها الشيعي، بل هو - لو صحت نسبة هذه الكلمة إليه - يقصد إمامة لا تتعارض مع جلوس أبي بكر على العرش، ومع عصمة عمر، ومع تعظيم المتوكل، والحجاج، وما إلى ذلك..
ص: 70
رابعاً: قد ذكرنا: أنه قد صرح بأن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يستخلف أحداً من بعده..()، وأن تأويل كلامه بإرادة الخلافة الصوفية، لا يصار إليه إلا بدليل. والدليل قائم على خلافه، كما أشرنا إليه غير مرة..
فإن صح أن يكون ابن عربي قد قال: إن علياً (علیه السلام)، إمام العالم، فلا بد أن لا يكون مقصوده الإمامة الدينية بالمعنى الشيعي، بل مراده إمامة صوفية - لا تصل إلى مستوى ما يدّعيه لنفسه ولغيره ممن يطلق عليهم اسم الأولياء - أو إمامة بمعناها اللغوي حيث يراد بها مجرد التعظيم، ولا تتعارض مع خلافة خلفائهم، بل تكون كإمامة الغزالي، والرازي، وما إلى ذلك..وإنما قلنا: لا تصل إلى مستوى ما يدّعيه لنفسه ولغيره من أولياء الصوفية، لأنه يدّعي لنفسه درجات النبوة من دون تشريع، ويصر على ذلك أيما إصرار.. كما سنرى..
خامساً: من أين جاء القطيفي والفيض بعبارة «إمام العالم»، فإن الموجود في «الفتوحات المكية» غير ذلك، فقد قال ابن عربي:
«قال تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}()، فشبه نوره بالمصباح، فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، المسماة بالعقل، فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، ومن الهباء، والحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه، وعين العالم من تجليه..
وأقرب الناس إليه، علي بن أبي طالب، وأسرار الأنبياء أجمعين..»().
ص: 71
وليس في هذه عبارة: أن علياً «إمام العالم».. بل الموجود هو أن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هو سيد العالم بأسره..
كما أن الشعراني قد نقل هذه الفقرة عن الفتوحات، ولم يذكر أن هذه الكلمة منسوبة إلى الإمام علي (علیه السلام)، وإن كانت عبارته تختلف عن عبارة الفتوحات أيضاً، فقد قال: «فكان (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)] وسلم مبدأ ظهور العالم، وأول موجود. قال الشيخ محيي الدين. وكان أقرب الناس إليه في ذلك الهباء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين..().سادساً: وكما أنه ليس في هذه الفقرة: أن علياً (علیه السلام) إمام العالم. ليس فيها أيضاً: إنه الجامع لأسرار الأنبياء، بل فيها: إن القريب من النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هو علي وأسرار الأنبياء. وشتان ما بينهما..
سابعاً: أضف إلى ذلك: أن مجرد قرب علي (علیه السلام) من حيث الظهور في الوجود لا يعني أنه الأفضل بعد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).. فإن النبي آدم (علیه السلام) كان أباً للبشر كلهم، ولم يكن أفضل من النبي إبراهيم، أو من نبينا الأعظم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلى النبي إبراهيم وآله..
ويضاف إلى ذلك: أن الأفضلية بعد رسول الله - بنظر ابن عربي - هي لأبي بكر، لأنه يصرح بأنه ليس بين النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبين أبي بكر رجل، كما أن سائر ما ذكره عن أبي بكر مما سنورده في فصل مستقل يدل على أن مقصوده بالعبارة المشار إليها آنفاً هو قربه منه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من حيث النسب، لا الفضل..
وأخيراً نقول:
ص: 72
إن الظاهر هو أنهم قد استنبطوا هذه الكلمة استنباطاً، فإن ابن عربي قد وصف النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأنه سيد العالم بأسره، ثم قال: إن أقرب الناس إليه هو علي، فاستفادوا من قربه إليه إمامته وسيادته للعالم أيضاً مثله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)..
مع أن استفادة ذلك غير ظاهرة، ولا صحيحة، فإنه إذا وصف النبي بالنبوة، فإن هذا الوصف لا يثبت لأقرب الناس إليه أيضاً..
العدد السادس
الفصل الثالث
هل الوجود حقيقة واحدة مشكّكة أم لا ؟
ص: 73
قد قلنا : إنّ غرضنا المهم في هذه الرسالة هو هذا البحث وما يأتي بعده ، وهذه المسألة أيضا مورد للخلاف بينهم ، وإثبات توحيد الفلاسفة يتوقّف على تماميّة هذه المقدّمة أيضا .
قال السبزواري :
الفهلويّون الوجود عندهم ***حقيقة ذات تشكّك تعمّ
مراتبا غنى وفقرا تختلف ***كالنور حيثما تقوّى وضعف
وعند مشائية حقائق ***تباينت وهو لديّ زاهق(1)
بيان ذلك :
اختلف القائلون بأصالة الوجود فذهب بعضهم إلى أنّ الوجود حقيقة واحدة مشكّكة ذات مراتب قويّة وضعيفة كالنور الّذي له حقيقة واحدة لكنه مختلف قوّة وضعفا ، وذهب قوم من المشّايين إلى كون الوجودات حقائق متبائنة وقبل الورود في البحث وتوضيح المرام .
نتساءل : هل المتحقّق والموجود في الخارج حقيقة وأوّلاً وبالذات هو ذوات الأشياء أم حقيقة الوجود ؟ بمعنى أنه هل المتحقّق هو الشمس والقمر
ص: 74
والحجر والشجر أو أمر آخر يسمّي بالوجود يغايرها ؟ أي هل يعقل للوجود في الخارج حقيقة مغايرة للذوات أم لا ؟ !
ثمّ نتساءل ما هو الوجود ؟ هل أنّ وجود زيد ووجود عمرو واحد أم متغايران ؟ ! وهل أنّ وجود الأشياء الّتي حولنا شيء واحد ممتدّ عليها ؟
والسؤال الأخطر هو عن الخالق : هل وجوده هو عين وجود المخلوق في أُفُقه الأعلى أم لا ؟
وهناك أسئلة أُخرى وهي :
ما الكثرة والوحدة في الأشياء ؟وما العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟
وهل هناك نوع من الوحدة بحيث تنعدم التكثرات فيها أم لا ؟
تعدّدت آرائهم في الإجابة عن هذه الأسئلة إلى أربعة أقوال على حسب ما نعلم ، منها : قول الفهلويّين القائلين بأنّ الوجود واحد مشكّك له مراتب مختلفة .
ص: 75
ومنها : قول العرفاء الشامخين ! فإنّهم تجاوزوا عن هذا القول وقالوا بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما ، وهذا هو الّذي ذهب إليه ملاّ صدرا والسبزواريّ وصاحب نهاية الحكمة و . . .(1)
ومنها : قول المشّايين .
ومنها : قول المتألّهين !
وعليه : فإنّ في حقيقة الوجود - عند هؤلاء - أربعة أقوال :
الاوّل : أنّ الوجود واحد شخصيّ هو اللّه تبارك وتعالى ولا موجود سواه ، وإنّما يتصف غيره بالموجود على سبيل المجاز ، وهو ظاهر كلام الصوفيّة ،ويعبّر عنه ب- : وحدة الوجود والموجود . . . ويمكن أن يأوّل كلامهم إلى ما يرجع إلى قول صاحب الأسفار من انحصار الموجود المستقلّ فيه سبحانه ، لكون سائر الموجودات روابط لوجوده وأضواء وأشعة لنوره الحقيقي (2).
الثاني : إنّ الوجود واحد شخصيّ كما قالت به الصوفيّة إلاّ أنّ الموجود لا ينحصر في الواجب تعالى ، بل مخلوقاته أيضا موجودة حقيقة ، لكن معنى الموجود فيها هو المنسوب إلى الوجود - كالتامرو المشمّس المنسوبين إلى
ص: 76
التمرو الشمس - وهو قول المحقّق الدوانيّ الّذي نسبه إلى ذوق المتألّهين ، ويعبّر عنه ب- : وحدة الوجود وكثرة الموجود .
الثالث : قول المشّايين - على ما نسب إليهم - وهو كون الموجودات حقائق متباينة بتمام ذواتها البسيطة ، ويعّبر عنه ب- : كثرة الوجود والموجود .
الرابع : ما نسب إلى الفهلويّين - واختاره صاحب الأسفار وأتباعه ومنهم صاحب نهاية الحكمة - وهو كون الوجود حقيقة واحدة مشكّكة أي ذات مراتب مختلفة يرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك ، ويعبّر عنه ب- : وحدة الوجود في عين كثرته (1).ونحن نذكر أدلّة وحدة الوجود الّتي قال به الفهلويّون وأتباعهم - كصاحب الأسفار والمنظومة ونهاية الحكمة - أوّلا ونجيب عنها ، ثمّ يتّضح منه جواب غيرهم ، فنقول :
أدلّة الفهلويّين على وحدة حقيقة الوجود
الدّليل الأوّل : ما ذكره السبزواريّ حيث قال :
وعند مشائية حقائق ***تباينت وهو لديّ زاهق
ص: 77
لأنّ معنى واحدا لاتنتزع
ممّا لها توحّد ما لم يقع
وقال في شرحه : إنّه لو انتزع مفهوم واحد من أشياء متخالفة بما هي متخالفة بلا جهة وحدة هي بالحقيقة مصداقه لكان الواحد كثيرا (1).
وقال في نهاية الحكمة : الحقّ أنّها حقيقة واحدة في عين أنّها كثيرة ، لأنّا ننتزع من جميع مراتبها ومصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهيّ ، ومن الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلي وحدة ما (2).
محصّله : بعد ثبوت الاشتراك المعنويّ في المفهوم يقال :لا يمكن أن ينتزع مفهوم واحد من حقائق متخالفة بما هي متخالفة بلا جهة وحدة هي بالحقيقة مصداقه .
أقول : إنّ هذا أهمّ دليلهم على وحدة الوجود ، ولذا اكتفى به السبزواريّ في متن كتابه ، ولكنه مردود بوجوه :
الوجه الأوّل
ص: 78
إنّ انتزاع مفهوم الوجود من الحقيقتين المختلفتين في الخارج - أي الخالق تعالى والمخلوق - من حيث خروج تحقّق كلّ واحد منهما عن حدّ نقيضه بمكان من الإمكان ، فإنّ جهة الوحدة بينهما هو خروجهما عن حدّ النفي والعدم ، وحينئذ إطلاق لفظ الوجود على وجوديهما نظير إطلاق الشيء عليهما لا يقتضي وحدة الحقيقة والسنخ .
وبعبارة أخرى : نحن إذا علمنا أنّ الخالق تعالى والمخلوق خارجان عن حدّ النفي والعدم وكانا واقعيّين نحكم عليهما بأنّهما موجودان بلا توجه إلى السنخيّة وعدمها ، بل يصح حكم الموجوديّة عليهما بالوجدان والفطرة العقليّة مع التغاير والتباين وعدم التشكيك بينهما ، ولا تنافي بين الحكم بالموجوديّة على شيئين مع فرض التغاير وعدم السنخيّة بينهما .
فاستنتاج وحدة حقيقة الوجود من وحدة مفهوم الوجود وعدم إمكان انتزاع مفهوم واحد عن الحقائق المتبائنة إدّعاء محض وقول بلا دليل ، كيفومفهوم المناقضة ينتزع من المتناقضين ، والمبائنة من المتبائنين ، والمقابلة من المتقابلين و . .
فكذا مفهوم الوجود من اللّه سبحانه ومن خلقه من دون أن يكون دليلاً على لزوم السنخيّة وعدم البينونة بينهما .
ص: 79
الحلقة الاولی
ص: 80
رَوَی عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ (1) بِإِسْنَادِهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام(2) أَنَّهُ لَمَّا أَجْمَعَ (3) أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ عَلَى مَنْعِ فَاطِمَةَ عليها السلام فَدَكاً وَ بَلَغَهَا ذَلِكَ (4) لَاثَتْ خِمَارَهَا(5)
ص: 81
عَلَى رَأْسِهَا وَ اشْتَمَلَتْ بِجِلْبَابِهَا(1) وَ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ(2) مِنْ حَفَدَتِهَا وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا تَطَأُ ذُيُولَهَا(3) مَا تَخْرِمُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص (4) حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيبَكْرٍ- وَ
ص: 82
هُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ غَيْرِهِمْ (1) فَنِيطَتْ دُونَهَا مُلَاءَةٌ(2) فَجَلَسَتْ ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ (3) الْقَوْمُ لَهَا بِالْبُكَاءِ فَارْتَجَّ الْمَجْلِسُ ثُمَّ أَمْهَلَتْ هُنَيْئَةً حَتَّى إِذَا سَكَنَ نَشِيجُ الْقَوْمِ وَ هَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ افْتَتَحَتِ الْكَلَامَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَعَادَ الْقَوْمُ فِي بُكَائِهِمْ فَلَمَّا أَمْسَكُوا عَادَتْ فِي كَلَامِهَا فَقَالَتْ ع الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَ الثَّنَاءُ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأَهَا وَ سُبُوغِ آلَاءٍ أَسْدَاهَا وَ تَمَامِ مِنَنٍ أَوْلَاهَا جَمَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ عَدَدُهَا وَ نَأَى عَنِ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا وَ تَفَاوَتَ عَنِ الْإِدْرَاكِ أَبَدُهَا وَ نَدَبَهُمْ لِاسْتِزَادَتِهَا بِالشُّكْرِ لِاتِّصَالِهَا وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْزَالِهَا وَ ثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَلِمَةٌ جُعِلَ الْإِخْلَاصُ تَأْوِيلَهَا وَ ضُمِّنَ الْقُلُوبُ مَوْصُولَهَا وَ أَنَارَ فِي التَّفَكُّرِ مَعْقُولُهَا الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ وَ مِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ وَ مِنَ الْأَوْهَامِ كَيْفِيَّتُهُ ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْ ءٍ كَانَ قَبْلَهَا وَ أَنْشَأَهَا بِلَا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ وَ ذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِمِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَكْوِينِهَا وَ لَا فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِهَا إِلَّا تَثْبِيتاً لِحِكْمَتِهِ وَ تَنْبِيهاً عَلَى طَاعَتِهِ وَ إِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ وَ إِعْزَازاً لِدَعْوَتِهِ ثُمَّ جَعَلَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ وَضَعَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ مِنْ نَقِمَتِهِ وَ حِيَاشَةً(4) لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ وَ
ص: 83
أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اخْتَارَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ وَ سَمَّاهُ قَبْلَ أَنِ اجْتَبَاهُ وَ اصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ إِذِ الْخَلَائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ وَ بِسَتْرِ الْأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ وَ بِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ عَلَماً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَآيِلِ الْأُمُورِ وَ إِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الدُّهُورِ وَ مَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ وَ عَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ وَ إِنْفَاذاً لِمَقَادِيرِ رَحْمَتِهِ فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا فَأَنَارَ اللَّهُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ ص ظُلَمَهَا وَ كَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا(1) وَ جَلَى عَنِ الْأَبْصَارِ غُمَمَهَا(2) وَ قَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ فَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغَوَايَةِ وَ بَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ وَ هَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ اخْتِيَارٍ وَ رَغْبَةٍ وَ إِيْثَارٍ فَمُحَمَّدٌ ص مِنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ فِي رَاحَةٍ قَدْ حُفَّ بِالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ وَ رِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ وَ مُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى أَبِي نَبِيِّهِ وَ أَمِينِهِ وَ خِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ صَفِيِّهِ وَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ وَ قَالَتْ أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ نُصْبُ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ حَمَلَةُدِينِهِ وَ وَحْيِهِ وَ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ بُلَغَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ زَعِيمُ حَقٍّ لَهُ فِيكُمْ وَ عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ وَ بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَهَا عَلَيْكُمْ كِتَابُ اللَّهِ النَّاطِقُ وَ الْقُرْآنُ الصَّادِقُ وَ النُّورُ السَّاطِعُ وَ الضِّيَاءُ اللَّامِعُ بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ مُنْجَلِيَةٌ ظَوَاهِرُهُ مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْيَاعُهُ قَائِداًقَائِدٌ] إِلَى الرِّضْوَانِ أَتْبَاعُهُ مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ اسْتِمَاعُهُ بِهِ تُنَالُ حُجَجُ اللَّهِ
ص: 84
الْمُنَوَّرَةُ وَ عَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ وَ مَحَارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ وَ بَيِّنَاتُهُ الْجَالِيَةُ وَ بَرَاهِينُهُ الْكَافِيَةُ وَ فَضَائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ وَ رُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ وَ شَرَائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ فَجَعَلَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَ الصَّلَاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ وَ الزَّكَاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَ نَمَاءً فِي الرِّزْقِ وَ الصِّيَامَ تَثْبِيتاً لِلْإِخْلَاصِ وَ الْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ وَ الْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ وَ طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ وَ إِمَامَتَنَا أَمَاناً لِلْفُرْقَةِ وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلَامِ وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجَابِ الْأَجْرِ وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ وَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وِقَايَةً مِنَ السُّخْطِ وَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْسَأَةً فِي الْعُمُرِ(1) وَ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ وَ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ وَ تَوْفِيَةَ الْمَكَايِيلِ وَ الْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ وَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ وَ اجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ وَ تَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ وَ حَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ إِخْلَاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَ {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَ نَهَاكُمْ عَنْهُ فَإِنَّهُ {إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ}.ثُمَّ قَالَتْ أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنِّي فَاطِمَةُ وَ أَبِي مُحَمَّدٌ ص أَقُولُ عَوْداً وَ بَدْواً وَ لَا أَقُولُ مَا أَقُولُ غَلَطاً وَ لَا أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ شَطَطاً(2) {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ (3) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} فَإِنْ تَعْزُوهُ (4) وَ
ص: 85
تَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُم وَ أَخَا ابنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُم وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إِلَيْهِ ص فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِالنِّذَارَةِ(1) مَائِلًا عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ(2)
ضَارِباً ثَبَجَهُمْ(3) آخِذاً بِأَكْظَامِهِمْ (4) دَاعِياً إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ يجفيَجُذُّ] الْأَصْنَامَ (5) وَ يَنْكُثُ الْهَامَ حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ (6) وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ وَ خَرِسَتْشَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ (7) وَ طَاحَ وَشِيظُ النِّفَاق(8) وَ انْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشِّقَاقِ وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ (9) فِي نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِمَاصِ (10) وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ
ص: 86
النَّارِ مَذْقَةَ الشَّارِب(1) وَ نَهْزَةَ الطَّامِع(2) وَ قَبْسَةَ الْعَجْلَانِ وَ مَوْطِئَ الْأَقْدَام(3) تَشْرَبُونَ الطَّرْق(4) وَ تَقْتَاتُونَ الْقِدَّ(5) أَذِلَّةً خَاسِئِينَ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ فَأَنْقَذَكُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ ص بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي وَ بَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَم(6) الرِّجَالِ وَ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ وَ مَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أَوْ نَجَمَ قَرْنُ الشَّيْطَان(7) أَوْ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (8) قَذَفَ أَخَاهُفِي لَهَوَاتِهَا(9) فَلَا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ جَنَاحَهَا بِأَخْمَصِه(10) وَ يُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ مُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللَّهِ قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ سَيِّداً فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ
ص: 87
مُشَمِّراً نَاصِحاً مُجِدّاً كَادِحاً لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَ أَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ وَادِعُون(1) فَاكِهُون(2) آمِنُونَ تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِر(3) وَ تَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَار(4) وَ تَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ وَ تَفِرُّونَ مِنَ الْقِتَالِ فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ وَ مَأْوَى أَصْفِيَائِهِ ظَهَرَ فِيكُمْ حَسَكَةُ النِّفَاق(5) وَ سَمَلَ جِلْبَابُ الدِّينِ (6) وَ نَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِين(7) وَ نَبَغَ خَامِلُ الْأَقَلِّينَ (8) وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ (9) فَخَطَر فِيعَرَصَاتِكُم(10) وَ أَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ هَاتِفاً بِكُمْ(11) فَأَلْفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ وَ لِلْعِزَّةِ فِيهِ مُلَاحِظِينَ ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً وَ أَحْمَشَكُمْ فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً(12)
ص: 88
فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُم(1) وَ وَرَدْتُمْ غَيْرَ مَشْرَبِكُم(2) هَذَا وَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَ الْكَلْمُ رَحِيبٌ (3) وَ الْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلْ (4) وَ الرَّسُولُ لَمَّا يُقْبَرْ ابْتِدَاراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ وَ كَيْفَ بِكُمْ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ وَ كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ وَ أَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ وَ أَعْلَامُهُ بَاهِرَةٌ وَ زَوَاجِرُهُ لَائِحَةٌ وَ أَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ وَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ أَ رَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُون(5) أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا رَيْثَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُهَا(6) وَ يُسْلَسَ قِيَادُهَا(7) ثُمَّ أَخَذْتُمْتُورُونَ وَقْدَتَهَا(8) وَ تُهَيِّجُونَ جَمْرَتَهَا وَ تَسْتَجِيبُونَ لِهُتَافِ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ وَ إِطْفَاءِ أَنْوَارِ الدِّينِ الْجَلِيِّ وَ إِهْمَالِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ تَشْرَبُونَ حَسْواً فِي ارْتِغَاء(9) وَ تَمْشُونَ لِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ فِي
ص: 89
الْخَمْرَةِ وَ الضَّرَاء(1) وَ يَصِيرُ(2) مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ حَزِّ الْمُدَى (3) وَ وَخْزِ السِّنَانِ فِي الْحَشَا وَ أَنْتُمُ الْآنَ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْثَ لَنَا أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون...أَ فَلَا تَعْلَمُونَ؟ بَلَى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَنِّي ابْنَتُهُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَ أُغْلَبُ عَلَى إِرْثِي (4) يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَرِثُ أَبَاكَ وَ لَا أَرِثُ أَبِي لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا أَ فَعَلَى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَ نَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ(5) وَ قَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إِذْ قَالَ- فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (6) وَ قَالَ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (7) وَ قَالَ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (8) وَ قَالَ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (9) وَ زَعَمْتُمْ أَنْ لَا
ص: 90
حُظْوَةَ(1) لِي وَ لَا أَرِثَ مِنْ أَبِي وَ لَا رَحِمَ بَيْنَنَا أَ فَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا أَمْ هَلْ تَقُولُونَ إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ أَ وَ لَسْتُ أَنَا وَ أَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَ ابْنِ عَمِّي فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً(2) تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ وَ الْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ وَ عِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَ لَا يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ... مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ.
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِهَا(3) نَحْوَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ وَ أَعْضَادَ الْمِلَّةِ(4) وَ حَضَنَةَالْإِسْلَامِ مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي (5) وَ السِّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي؟(6) أَ مَا كَانَ رَسُولُاللَّهِ ص أَبِي يَقُولُ الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ وَ عَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ(7) وَ لَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ وَ قُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَ أُزَاوِلُ أَ تَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ ص
ص: 91
فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْنُهُ وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ (1) وَ انْفَتَقَ رَتْقُهُ وَ أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ وَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ انْتَثَرَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ وَ أَكْدَتِ (2) الْآمَالُ وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ وَ أُضِيعَ الْحَرِيمُ وَ أُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ فَتِلْكَ وَ اللَّهِ النَّازِلَةُ الْكُبْرَى وَ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى لَا مِثْلُهَا نَازِلَةٌ وَ لَا بَائِقَةٌ(3) عَاجِلَةٌ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ وَ فِي مُمْسَاكُمْ وَ مُصْبَحِكُمْ يَهْتِفُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ هُتَافاً وَ صُرَاخاً وَ تِلَاوَةً وَ إِلْحَاناً وَ لَقَبْلَهُ مَا حَلَّ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ حُكْمٌ فَصْلٌ وَ قَضَاءٌ حَتْمٌ- وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (4) إِيهاً بَنِي قَيْلَةَ(5) أَ أُهْضِمَ تُرَاثُ أَبِي- وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى مِنِّي وَ مَسْمَعٍ وَمُنْتَدًى (6) وَ مَجْمَعٍ تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ وَ تَشْمَلُكُمُ الْخِبْرَةُ وَ أَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَ الْعُدَّةِ وَ الْأَدَاةِ وَ الْقُوَّةِ وَ عِنْدَكُمُ السِّلَاحُ وَ الْجُنَّةُ (7) تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ وَ تَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ وَ أَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَ الصَّلَاحِ وَ النُّخْبَةُ الَّتِي انْتُخِبَتْ وَ الْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ وَ
ص: 92
تَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَ التَّعَبَ وَ نَاطَحْتُمُ الْأُمَمَ وَ كَافَحْتُمُ (1) الْبُهَمَ لَا نَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ (2) نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ وَ دَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ وَ خَضَعَتْ ثَغْرَةُ الشِّرْكِ وَ سَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ وَ خَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ وَ هَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ وَ اسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ (3) فَأَنَّى حُزْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ وَ أَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلَانِ وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ وَ أَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ بُؤْساً لِقَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ-أَلَا وَ قَدْ أَرَى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ (4)- وَ أَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَ الْقَبْضِ وَ خَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ(5) وَ نَجَوْتُمْبِالضِّيقِ مِنَ السَّعَةِ فَمَجَجْتُمْ مَا وَعَيْتُمْ وَ دَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ (6) فَ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ أَلَا وَ قَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ هَذَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْجِذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ (7) وَ الْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ وَ لَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ
ص: 93
وَ خَوَرُ الْقَنَاةِ(1) وَ بَثَّةُ الصَّدْرِ وَ تَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ(2) الظَّهْرِ نَقِبَةَ الْخُفِ (3) بَاقِيَةَ الْعَارِ مَوْسُومَةً بِغَضَبِ الْجَبَّارِ وَ شَنَارِ الْأَبَدِ مَوْصُولَةً بِنَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ فَبِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وَ أَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ فَاعْمَلُوا إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ وَ قَالَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ...
ص: 94
هنالك بعض الأخبار موهمة أنّ الأئمّة ثلاثة عشر(1) وقد تمسك بها بعض العملاء للدوائر الاستعمارية للتشكيك بحقانية مذهب اهل البيت(علیه السلام)كما ورد في باب ما جاء في الاثني عشر و النصّ عليهم من الكافي (2)وقد اجاب المحقق اية الله الشيخ محمد تقي التستري قدس سره عليها وردها واثبت انها محرفة والنسخة الصحيحة منها لا تحريف فيها كما وانها معارضة للروايات المتواترة فلا قيمة لها واليك جوابه فقال:
الأخبار التي تشهد ضرورة المذهب بتحريفها
الاول: روى محمد بن يعقوب بإسناده،(3) عن أبي سعيد، عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إنّي و اثنى
ص: 95
عشر إماما من ولدي و أنت يا عليّ زرّالأرض، يعني أوتادها جبالها(1)، بنا أوتد اللّه الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها و لم ينظروا.
أقول: الخبر كما ترى مشتمل في موضعين على كون اثني عشر إماما من ولد النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيصيرون مع أمير المؤمنين (علیه السلام) ثلاثة عشر.
و رواه الشيخ في غيبته (2) أوّله بلفظ «إنّي و أحد عشر من ولدي» و آخره بلفظ «فإذا ذهب الإثنا عشر من ولدي» و تحريفه في الأخير. و الصواب في الخبر ما رواه أبو سعيد العصفريّ في أصله الّذي هو أحد الأصول الأربعمائة المعروفة، بلفظ «أحد عشر» أوّلا و أخيرا.
و قوله: «أوتادها جبالها» أيضا تحريف و الصواب (3) «أوتادها و جبالها» كما رواه الشيخ (4).
ص: 96
الثاني: روى محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي سعيد رفعه عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و سلّم: من ولدي اثنا عشر نقباء نجباء محدّثون مفهّمون آخرهم القائم بالحقّ، يملأها عدلا كما ملئت جورا.
أقول: هو أيضا كالسابق و الصواب أيضا ما في أصل أبي سعيد «من ولدي أحد عشر- الخبر».
و أخبار أصله تسعة عشر، و هذا الخبر الرّابع منها، و الخبر السابق السادس منه. وفات المجلسيّ النقل منه. و في الخبرين وقع أبو سعيد إلى آخر إسناده في إسناد الكلينيّ فيعلم أنّه نقلهما منه.
الثالث: روى باسناده، عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (علیه السلام)، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال: دخلت على فاطمة عليها السّلام و بين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثنى عشر آخرهم القائم،ثلاثة منهم محمّد و ثلاثة منهم عليّ.
أقول: و هو أيضا كما ترى مشتمل على كون اثنى عشر من ولد فاطمة عليها السّلام، فيصيرون مع أمير المؤمنين (علیه السلام) أيضا ثلاثة عشر.و رواه إرشاد المفيد بإسناده عن الكلينيّ مثله مع زياده لفظ «من ولد فاطمة» بعد قوله «القائم». و رواه الشيخ في غيبته بسند آخر مثله على ما وجدت و الكلّ محرّف.
ص: 97
و الصواب رواية الصدوق للخبر في عيونه (1) و إكماله بإسنادين له و في خصاله بإسناد له عن ابن محبوب مثله بدون لفظة «من ولدها» في الجميع و تبديل قوله: «و ثلاثة منهم عليّ» بلفظ «و أربعة منهم عليّ» و هو الصحيح فإنّ المسمّى بعليّ من الأئمّة عليهم السّلام أربعة: أمير المؤمنين، و السجّاد، و الرّضا، و الهاديّ عليهم السّلام.
كما أنّ المراد بقوله «ثلاثة منهم محمّد» الباقر، و الجواد، و الحجّة عليهم السّلام. و نسب إلى الغيبة موافقة الإكمال و العيون و الخصال لكن الّذي وجدت كونه كالكافي.
ثمّ إنّ المسعودي في إثباته روى مضمون هذا الخبر بإسناد آخر و لفظ آخر هكذا «الحميريّ، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن أبي السفاتج، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر (علیه السلام)، عن جابر الأنصاريّ قال: دخلت على فاطمة عليها السّلام و بين يديها لوح يكاد يغشى ضوؤه الأبصار، فيه ثلاثة أسماء في ظاهره، و ثلاثة أسماء في باطنه و ثلاثة أسماء في أحدطرفيه، و ثلاثة أسماء في الطرف الآخر، يرى من ظاهره ما في باطنه و من باطنه ما في ظاهره، فعددت الأسماء فإذا هي اثنا عشر، فقلت: من هؤلاء؟فقالت: هذه أسماء الأوصياء من ولدي آخرهم القائم، قال جابر: فرأيت فيها «محمّد» في ثلاثة مواضع.
ص: 98
و هو أيضا محرّف كخبر الكافي. و الصحيح أيضا رواية الصدوق له في العيون و الإكمال «عن الحميريّ، عن الفزاريّ، عن مالك السلولي، عن درست، عن عبد الحميد عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن الجعفيّ، عن الباقر (علیه السلام) قال جابر الأنصاريّ: دخلت على فاطمة عليها السّلام و قدّ امها لوح يكاد ضوؤه يغشى الأبصار، فيه اثنا عشر إسما: ثلاثة في ظاهره، و ثلاثة في باطنه، و ثلاثة أسماء في آخره و ثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فإذا هي اثنا عشر، فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت:هذه أسماء الأوصياء أوّلهم ابن عمّي و أحد عشر من ولدي».
ثمّ الغريب أنّ الشيخ في غيبته روى متن الخبر الأوّل بإسناد الخبر الثانيّ كالصدوق مع تبديل «مالك السلوليّ» «بمحمّد بن نعمة السلوليّ» و تبديل «درست عن عبد الحميد» «بوهيب بن حفص» و تبديل «عبد اللّه بن جبلة» «بعبد اللّه بن خالد».و حيث إنّ الصدوق روى كلّا من الخبرين الأوّل كإسناد الكلينيّ، و الثانيّ كأسناد المسعوديّ مع اختلاف يسير فالظاهر أنّ الشيخ خلط فجعل سند الخبر الثاني لمتن الخبر الأوّل و جعلهما خبرا واحدا.
ص: 99
الرابع: روى ذاك الباب من الكافي (1) أيضا عن أبي عليّ الأشعري، عن الحسين ابن عبيد اللّه (2)، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن سماعة، عن عليّ بن الحسن ابن رباط، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: الاثنا عشر إماما من آل محمّد كلّهم محدّث من ولد رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و ولد عليّ بن أبي طالب، فرسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و عليّ (علیه السلام) هما الوالدان.
أقول: و رواه الشيخ في غيبته (3) بإسناده، عن الكلينيّ مثله إلّا أنّه بدّل «عليّ بن سماعة» «بالحسن بن سماعة». و رواه الكلينيّ نفسه قبل ذلك بأحاديث في هذا الباب مع اختلاف في السند هكذا «محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد الخشّاب، عن ابن سماعة، عن عليّ بن الحسن بن رباط- الخ» و مع زيادة في المتن هكذا «فقال عبد اللّه بن راشد- و كان أخا عليّ بن الحسين عليهماالسّلام لأمّه- و أنكر ذلك فصرّر أبو جعفر (علیه السلام)، و قال: أما إنّ ابن أمّك كان أحدهم».
و الكلّ محرّف لاشتمالها على كون الاثني عشر غير أمير المؤمنين عليهم السّلام. و الصواب رواية الصدوق للخبر في الخصال و العيون، أو المفيد له في الإرشاد رواه الأوّل بإسناده عن الكلينيّ بلفظ «كلّهم محدّثون بعد رسول
ص: 100
اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) منهم». و رواه الثاني بلفظ «كلّهم محدّث عليّ بن أبي طالب و أحد عشر من ولده و رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و عليّ (علیه السلام) هما الوالدان».
ثمّ إنّه وقعت تصحيفات أخر في زيادة خبر الكلينيّ الآخر، فقوله «عبد اللّه بن راشد» محرّف «عبد اللّه بن زبيد» كما رواه الصفّار و النعماني في كتابيهما البصائر و الغيبة، و رواه الكلينيّ نفسه في «باب أنّ الأئمّة عليهم السّلام محدّثون»(1) و إن خلطه بخبر آخر.و سقطت كلمة «من الرّضاعة» بعد قوله «لأمّه» كما يفهم من كتاب النعماني (2) و لأنّ «عبد اللّه بن زبيد» كان أخا السجّاد (علیه السلام) من الرّضاعة لا من الولادة و إن توهّمه ابن قتيبة.
و سقطت فقرة «سبحان اللّه محدّثا» بعد قوله «لأمّه» كما رواه النعماني و الصفار في كتابيهما، و كما رواه نفسه في ذاك الباب.
و قوله: «فصرّر أبو جعفر (علیه السلام)» إمّا محرّف «فضرب أبو جعفر (علیه السلام) فخذه» كما رواه الصفّار، و إمّا محرّف «فأقبل عليه أبو جعفر (علیه السلام)» كما رواه نفسه ثمة.(3)
ص: 101
ثمّ إنّ في سندي خبريه أيضا تحريفا ففي الأوّل «عليّ بن سماعة» و ليس موجودا في الرّجال و إنّما هو «الحسن بن سماعة» كما نقلناه عن الغيبة، و لفظ الآخر «ابن سماعة» صحيح حيث إنّ الحسن معروف بابن سماعة، و يشكل أن يكون التحريف من النّساخ حيث إنّ الصدوق في كتابيه و المفيد في إرشاده روياه عنه بلفظ «عليّ بن سماعة». و في الخبر الثاني «عبد اللّه بن محمّد الخشّاب» و الصحيح «عبد اللّه بن محمّد، عن الخشّاب» كما رواه الصفّار. و إنّما اسم الخشّاب «الحسن بن موسى» كما في الخبر الأوّل كما مرّ.الخامس روى ذاك الباب عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن مسعدة ابن زياد، عن أبي عبد اللّه (علیه السلام)(1)؛ و محمّد بن الحسين، عن إبراهيم، عن ابن أبي يحيى (2) المدنيّ، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنت حاضرا لمّا هلك أبو بكر و استخلف عمر أقبل يهوديّ من عظماء يهود يثرب- و تزعم يهود المدينة أنّه أعلم زمانه- حتّى رفع إلى عمر فقال: يا عمر إنّي جئتك اريد الإسلام فإن أخبرتني عمّا أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمّد بالكتاب و السنّة و جميع ما أريد أن أسأل عنه قال: فقال عمر: إنّي لست هناك و لكنّي ارشدك إلى من هو أعلم أمّتنا بالكتاب و السنّة و جميع ما تسأل عنه، و هو ذاك- و أومأ إلى عليّ (علیه السلام)- فقال له اليهوديّ: يا
ص: 102
عمر إن كان هذا كما تقول فما لك و لبيعة النّاس، و إنّما ذاك أعلمكم؟! فزبره عمر(1)، ثمّ إنّ اليهوديّ قام إلى عليّ (علیه السلام) فقال: أنت كما ذكر عمر؟ فقال: و ما قال عمر؟
فأخبره، فقال: فإن كنت كما قال عمر سألتك عن أشياء أريد أن أعلم هل يعلمه أحد منكم فأعلم أنّكم في دعواكم أنّكم خير الامم و أعلمها صادقون، و مع ذلك أدخل في دينكم الإسلام، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): نعم أنا كما ذكر عمر سل عمّا بدالك اخبرك به إن شاء اللّه، قال: أخبرني عنثلاث و ثلاث و واحدة، فقال له عليّ (علیه السلام): يا يهوديّ و لم لم تقل عن سبع؟ فقال له اليهوديّ: إنّك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن البقيّة و إلّا كففت، فإن أنت أجبتني في هذه السبع فأنت أعلم أهل الأرض و أفضلهم و أولى النّاس بالنّاس فقال له: سل عمّا بدالك يا يهوديّ فقال له: أخبرني عن أوّل حجر وضع على وجه الأرض و أوّل شجرة غرست على وجه الأرض و أوّل عين نبعت على وجه الأرض فأخبره أمير المؤمنين (علیه السلام)، ثمّ قال له اليهوديّ: أخبرني عن هذه الامّة كم لها من إمام هدى؟ و أخبرني عن نبيّكم محمّد أين منزله في الجنّة؟ و أخبرني من معه في الجنّة؟
فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): إنّ لهذه الامّة اثنى عشر إمام هدى من ذرّيّة نبيّها
ص: 103
و هم منّي، و أمّا منزلة نبيّنا في الجنّة ففي أفضلها و أشرفها جنّة عدن، و أمّا من معه في منزله فهؤلاء الاثنا عشر من ذرّيّته و امّهم و جدّتهم و امّ امّهم و ذراريهم لا يشركهم فيها أحد.
أقول: و رواه الشيخ في غيبته (1) باسناده عن الكلينيّ مثله لكن فيه بدل «عن إبراهيم، عن ابن أبي يحيى» «عن إبراهيم بن أبي يحيى»- و فيه «وجدّتهم امّ امّهم».و هو أيضا كما ترى مشتمل في موضعين على كون الاثنا عشر من ذرّيّة النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فهو محرّف و الصواب زيادة فقرة «من ذرّيّة نبيّها و هم منّي» في الموضع الأوّل، و زيادة كلمة «من ذرّيّته» في الموضع الثاني».
يشهد لما قلنا أنّ مضمون الخبر المتضمّن لدخول أعلم يهود المدينة على عمر بعد فوت أبي بكر و إرشاد عمر له إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) و سؤاله إيّاه عن ثلاث و ثلاث و واحدة روي بطرق ستّة اخر غير هذا الطريق و كلّها خالية عن ذلك.
أوّلها للكلينيّ نفسه (2) مع الإكمال رويا بإسنادهما «عن البرقيّ عن عبد اللّه بن القاسم، عن حيّان السرّاج، عن داود بن سليمان الكتانيّ (3)، عن أبي الطفيل قال:
ص: 104
شهدت جنازة أبي بكر- إلى أن قال- قال (علیه السلام): إنّ لمحمد اثني عشر إماما عدلا لا يضرّهم خذلان من خذلهم، لا يستوحشون بخلاف من خالفهم، و إنّهم أرسب في الدّين من الجبال الرّواسي في الأرض، و مسكن محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و سلّم في جنّته معه أولئك الاثنى عشرالأئمّة العدل، فقال: صدقت» لكن الأوّل رواه عن حنان بن السراج و الثاني عن حيّان السراج و هو الأصحّ.
و ثانيها للإكمال فقطّ روى بلفظ آخر و طريق آخر «عن أبي الطفيل قال: شهدنا الصلاة على أبي بكر- إلى أن قال- قال (علیه السلام): يا يهوديّ يكون لهذه الأمّة بعد نبيّها اثنا عشر إماما لا يضرّهم خلاف من خالفهم- إلى أن قال- و الّذين يسكنون معه في الجنّة هؤلاء الأئمّة الاثنا عشر، قال له اليهوديّ: اشهد باللّه لقد صدقت.
و ثالثها للنعمانيّ روى بإسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى المدنيّ، عن أبي هارون العبديّ، عن عمر بن أبي سلمة- ربيب رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)- و عن أبي الطفيل قالا: شهدنا الصلاة على أبي بكر- إلى أن قالا- قال (علیه السلام): يا يهوديّ إنّ لهذه الامّة اثنا عشر إماما عدلا كلّهم هاد مهديّ، لا يضرّهم خذلان من خذلهم- إلى أن قال-: و أمّا الّذين مع محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في منزلته فالاثنا عشر الأئمّة المهديّون- الخبر.
ص: 105
و رابعها للإكمال روى بإسناده عن أبي يحيى المدنيّ قال: جاء يهوديّ إلى عمر- إلى أن قال- قال (علیه السلام): يا هارونيّ لمحمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعده اثنا عشر إماما عدلا لا يضرّهم خذلان من خذلهم- إلى أن قال:- و الّذين يسكنون معه هؤلاء الاثنا عشر، فأسلم الرّجل- الخبر.و خامسها للإكمال أيضا روى بأسانيد معتبرة، عن ابن فضّال، عن ابن محرز، عن محمّد بن سماعة الكنديّ، عن إبراهيم بن يحيى المدنيّ، عن الصادق (علیه السلام) قال: لمّا بايع النّاس بعد موت أبي بكر- إلى أن قال:- قال (علیه السلام): فانّ لهذه الأمّة اثني عشر إماما هادين مهديّين لا يضرّهم خذلان من خذلهم- إلى أن قال:- و أمّا قولك من معه في الجنّة من امّته فهؤلاء الاثنا عشر أئمّة الهدى، قال الفتى: صدقت- الخبر.
و سادسها له و للعيون و الخصال مسندا، عن صالح بن عقبة، عن الصادق (علیه السلام) قال: لمّا هلك أبو بكر- إلى أن قال:- قال اليهوديّ له (علیه السلام): كم لهذه الامّة من إمام هدى لا يضرّهم من خالفهم؟ قال (علیه السلام): اثنا عشر إماما، قال: صدقت- إلى أن قال- قال: فمن ينزل معه في منزله؟ قال: اثنا عشر إماما، قال: صدقت- الخبر.
و كلّها خال عن الإشكالين و الأصل في جميعها واحد بلاشبهة، فالواجب الأخذ بالمتّفق عليه كما هو القاعدة.
ص: 106
ثم إنّ ظاهر خبر العنوان من الكافي أنّه مشتمل على سندين أحدهما عن الصادق (علیه السلام) و الثاني عن الخدريّ إلّا أنّه لا يخلو عن تشويش فإنّ الواجب أن يقال بعد السند الأوّل: «قال (علیه السلام) لمّا هلك أبو بكر»، و بعد السند الثاني «قال: كنت حاضرا لمّا هلك أبو بكر»- و لو لا أنّ الخبر روى عن الصادق (علیه السلام) كما عرفت من الطرق الثلاثة الأخيرة لقلنا إنّه كانسندا واحدا، و أنّ المراد «بأبي عبد اللّه» فيه أحد الرّواة و أنّ كلمة «(علیه السلام)» بعده من زيادات النّساخ توهمّا فليست الكلمة في الغيبة.
ثمّ إنّ المجلسي بناء على الظاهر من تعدّد السند في ذاك الخبر حكم بعاميّة الإسناد الثاني منه، و ليس كذلك فليس فيه من يحتمل عاميّته سوى أبي هارون العبديّ مع أنّه إماميّ فروى أمالي المفيد أنّه كان أوّلا خارجيّا فرجع إلى الإمامة بإرشاد الخدريّ الّذي روى عنه في هذا الخبر له.
ثمّ إنّ في خبر العنوان لتحريفا آخر و هو إسقاط جوابه عن السؤال عن الواحدة و قد ذكر في باقي الطرق، و منها طريق الكلينيّ نفسه في خبر أبي الطفيل ففيه- بعد الجواب عن الثلاث الثانية- «قال: فأخبرني عن الواحدة: أخبرني عن وصيّ محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كم يعيش من بعده؟ و هل يموت أو يقتل؟ قال: يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما و لا ينقص، ثمّ يضرب ضربة- الخبر».
ص: 107
لكن فيه أيضا إشكال فإنّ مقتضى عيشه (علیه السلام) بعد النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثلاثين سنة بلا زيادة يوم و لا نقصان توافق شهر وفاتهما و يومها مع أنّه اتّفقت الخاصّة على كون وفاة النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في «28» من صفر، أو «12» من ربيع الأوّل، و كون وفاة أمير المؤمنين (علیه السلام) في شهر رمضان في ليلة «21» أو «23» فالظاهر زيادة قوله «لا يزيد يوما و لا ينقص» لعدم ذكره في غيره، و غير الخامس.هذا و حيث إنّ أحد عشر منهم عليهم السّلام من ولد النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و ذرّيّته كالصدّيقة يعتري الغفلة للكثير من النّاس باطلاق الولادة على الاثنى عشر فهذا ابن طاووس مع فضله و كماله قال في إقباله- في ضمن شرح التفضّلات الّتي تضمّنها مولد النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «و منها أنّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) شرّف باثني عشر من مقدس ظهره قائمون بأمره و سرّه» اللّهمّ إلّا أن يكون «اثنى عشر» من تصحيف النسخة أو يكون أراد الصديقة عليها السّلام مع أحد عشر إماما عليهم السّلام.
* (تنبيه نبيه)*
هذه الأخبار الخمسة الموهمة لكون الأئمّة ثلاثة عشر الّتي أجبنا عن جميعها بنقل الأربعة الأولى بعينها بلفظ آخر صحيح من اصول اخرى، و منها الأوّلان اللّذان نقلناهما من أصل أبي سعيد الّذي نقل عنه الكافي، و بنقل الأخير بمعناه بلفظ صحيح من طرق ستّة- لم ينته سند واحد منها إلى سليم بن قيس الهلاليّ- فإنّ الأربعة الأولى تنتهي إلى الباقر (علیه السلام)، و الخامس تنتهي طرقه الثلاثة الأخيرة إلى الصادق (علیه السلام)، و الثلاثة الأولى إلى أبي الطفيل و عمر بن
ص: 108
أبي سلمة، و ينتهي طريق العنوان إلى أبي سعيد الخدريّ. لكن قال النجاشيّ في عنوان «هبة اللّه أحمد بن محمّد»: «إنّه كان يتعاطى الكلام و يحضر مجلس أبي الحسين بن شيبة العلويّ الزّيديّ المذهب فعمل له كتابا و ذكر أنّ الأئمّة ثلاثة عشر مع زيد بن عليّ بن الحسين و احتجّبحديث في كتاب سليم بن قيس الهلاليّ أنّ الأئمّة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين (علیه السلام).
و قال ابن الغضائريّ- في عنوان سليم بن قيس مشيرا إلى كتابه- «و الكتاب موضوع لامرية فيه و على ذلك علامات شافية تدلّ على ما ذكرنا. منها ما ذكر أنّ محمّد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت. و منها أنّ الأئمّة ثلاثة عشر».
و لعلّ مرادهما بما قالا اشتماله على خبر من تلك الخمسة و إن لم يذكر هو في سندها، و يحتمل أن يريدا اشتماله على خبر آخر غير تلك الخمسة و إن لم يكن الموجود من الكتاب الواصل إلينا متضمّنا له، فإنّه لم يصل إلينا كاملا.
و الظاهر أنّه أراد به ما نقله المسعوديّ عن كتاب سليم في تنبيهه أنّ النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال لعليّ بن أبي طالب (علیه السلام): أنت و اثنا عشر من ولدك أئمّة الحقّ.
و يمكن تأويل خبر كتاب سليم في ذلك بكونه محرّفا كأخبار الكافي، و أمّا خبره في وعظ محمّد بن أبي بكر أباه فغير قابل للتأويل.
ص: 109
هذا و نقل الشيخ في غيبته في ردّ فرق الشيعة المبطلة «أنّ فيهم فرقة قالوا بأنّ للخلف ولدا، و أنّ الأئمّة ثلاثة عشر» و لعلّهم استندوا إلى مثل هذه الأخبار المحرّفة.من الاحاديث المأثورة
عن أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(علیه السلام)إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ.
ص: 110
و من عظيم الصادقات و التي صدقت بما عاهدت الله عليه هي عقيلة آل البيت الحوراء زينب عليها السلام بنت أمير المؤمنين (علیه السلام).
قالوا بإنها ولدت في المدينة في أول شعبان من العام الخامس الهجري و هي البنت الوحيدة للإمام علي (علیه السلام) من الزهراء فاطمة عليها السلام.ربما كانت تسمی بأم كلثوم احياناً و للعلم فان بنات عديدة للإمام علي (علیه السلام) حملن هذا الاسم و هن من نساء شتی. كما أن للإمام علي (علیه السلام) ربيبة و تسمی أم كلثوم و هي شقيقة محمد بن أبي بكر و أمها اسماء بنت عميس و هذه أم كلثوم بنت الخليفة أبي بكر و ربيبة الإمام علي لم تدرك أباها و رباها أميرالمؤمنين (علیه السلام) بعد زواجه من أمها اسماء، و هذه أم كلثوم هي التي تزوجها عمر بن الخطاب في قضية معروفة ولربما تبجح الكثير من الكتاب بان عمراً تزوج ابنة علي (علیه السلام) في حين إنها ربيبة الإمام علي (علیه السلام).
إذاً فالعقيلة زينب هي البنت الوحيدة للإمام من زوجته سيدة نساء اللعالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ، و قد سماها رسول الله بهذا الاسم . و كان النبي
ص: 111
(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يخبر بما ستواجه هذه البنت و كان يقول فيها (من بكی عليها كمن بكی علی مصاب أخويها الحسن و الحسين).
أما الإمام علي (علیه السلام) فكان يری فيها بأنها البنت التي ستترجم تطلعاته و طموحاته و استشف الإمام علي (علیه السلام) من أحاديث الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مستقبل هذه البنت و مساهمتها مع اخيها الحسين (علیه السلام) في ثورته. لذلك لما خطبها منه ابن عمها عبد الله ابن جعفر زوجها الإمام له ووضع ضمن العقد شرطاً و هو أن لا يمنعها من السفر مع أخيها الحسين إلی العراق إن أرادت ذلك، و جاء في الروايات أيضاً أن الإمام علي (علیه السلام) قبيل وفاته بلحظات سئل عن ابنته زينب فقيل له أنها لمتفطر إلی الآن لشدة حزنها فأحضرها و هدأها و انفرد بها و أعطاها ثوباً و قال لها بنية هذا ثوب خاطته أمك فاطمة فاحتفظي به عندك فإذا رأيت أخاك الحسين (علیه السلام) قادماً علی القتال يوم عاشورا البسيه هذا الثوب ثم اخبرها بما ستواجه هناك وما بعده حتی قال لها كأني بكن أنت و أخواتك سبيات في هذا البلد. و لذا جاء في المقاتل أن الحوراء زينب تبعت الحسين يوم العاشر في اللحظة الأخيرة و قبلته بموجب وصية أمها فاطمة و اعطته ذلك الثوب.
و في لفتة أخری يذكرها لنا ابن عباس فيقول انه كلم الحسين (علیه السلام) في سفره كغيره من بعض الصحابة لكنه يقول لما انتهيت من كلامي مع الحسين بأنه إذا كان لابد لك من السفر فما معنی حملك هذه النساء و يقول ابن عباس و إذا بي أسمع صوتاً من وراء الستار يابن عباس تشير علی الحسين ان يخلفنا و
ص: 112
يمضي لا والله بل نحيا و نموت بين يديه يقول ابن عباس فتصورت إنها إحدی نساءه ولما سئلت عنها فقيل لي هي الحوراء زينب.
هذا وقد كتب عن الحوراء زينب عشرات الكتب و جرت مناقشات و مكاتبات في تشخيص قبرها فهل هو في الشام أم في مصر . غير أن السيد عبد الحسين شرف الدين حسم الأمر في كلمته المشهورة بان أثبت أن قبرها في الشام في منطقة الغوطة.
أقول: ولكلمته هذه قصة جميلة و ترتبط بكرامة عظيمة صدرت
من قبر الحوراء زينب في الشام. و هي أن تاجراً كبيراً من أثرياء الباكستان و هوالحاج حبيب كساری و هو صاحب شبكة بنوك (حبيب بنك) له عدة أولاد و أكبر أولاده غلام حسين أصيب بالشلل و كان في بداية الأربعينيات و شل نصف بدنه وقد يئس من شفائه بعد أن جال به عواصم الدول الكبری لكنه بعد ذلك قرر وبنصيحة بعض أصدقائه أن يتوسل إلی الله متشفعاً إليه بالحوراء زينب (علیه السلام) وقصد دمشق مع ولده و استقبلته هيئة رسمية لكنه اصر علی أن ينام ليلته عند الحوراء زينب و كان ذلك في زمن لم يكن هناك كهرباء و لا ماء و المنطقة موحشة و يغلق باب المقام بعد الصلاة العشاء مباشرة إلا أنه بقي علی نيته و نام مع ولده غلام حسين عند القبر و في أوائل الصباح استيقظ و إذا بولده يمشي و يطوف حول القبر فرحاً فصعق الحاج حّبيب كساری و صرخ سائلاً ولده بني كيف عوفيت فأجابه بأني نائم ورأيت امرأة تأخذ بيدي حتی أوقفتني وقالت لقد عافاك الله . وهنا اخذ هذا الرجل ولده متعافياً و عاد
ص: 113
إلی بلاده و صنع ضريحاً من الفضة وهو الشباك المنصوب الآن علی القبر وكان قبله صندوق بسيط من الخشب. حمل الضريح إلی دمشق بالطائرة و جاء الحاج حبيب معه و يصحبه ولده واستقبل رسمياً و أقيم احفتال مهيب و القيت فيه الكلمات و القصائد ومنها كلمة رئيس وزراء سوريا آنذاك صبري العسلي وهنا ألقی السيد عبد الحسين شرف الدين كلمة رائعة عن الحوراء زينب و أثبت ان قبرها الحقيقي هو هذا لا غير كما ألقی الشيخ علي بازي شاعر العراق قصيدة كان من جملتها:
هذا ضريح زينب قف عنده و استغفر الله لكل مذنبتری الملا طراً و أملاك السما أرخ وقوفاً عند قبر زينب
كما القی شاعر آخر من العراق قصيدة كان منها:
ألا زر بقعة بالشام طابت لزينب بضعة لأبي ترابي
وقل للزائرين أن أدخلوها تكونوا آمنين من العذاب
كما القی العالم الكبير الشيخ عبد المهدي مطر قصيدته الرائعة و مطلعها:
يا ريشة القلم استقري و اكتبٍ هل كان هزك مثل موقف زينب
ولقد شجاني منك يا ابنة أحمد يوم متی يخطر لعيني تسكب
أخيراً اقول توفيت الحوراء زينب في 15 رجب عام 63 ه بعد ان قررت الهجرة إلی مصر لأن الوالی علی المدينة ابعدها نظراً لخطر وجودها عليه إذ كانت تقيم المجالس و الندوات. ولما وصلت مكان قبرها الآن باتت ليلتها
ص: 114
وعند الصباح نظرت إلی شجرة هناك فتذكرت ايام سبيها و تذكرت كيف وضعوا رأس الحسين علی شجرة فشهقت و ماتت صابرة حزينة.
قال ابن طاووس في اللهوف: قال بشير بن خزلم الأسدي نظرت الى زينب بنت عليّ عليهما السّلام يومئذ- و لم أر خفرة أنطق و اللّه منها كأنّها تفرغ منلسان أمير المؤمنين (علیه السلام) و قد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس و سكنت الأجراس، ثمّ قالت:
الحمد للّه و الصلاة على أبي محمّد و آله الطيّبين الأخيار، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل و الغدر، أ تبكون! فلا رقأت الدمعة و لا هدأت الرنّة إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا تتّخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا و هل فيكم إلّا الصلف و النطف و الصدر الشنف و ملق الإماء و غمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة أو كفضّة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون، أ تبكون و
ص: 115
تنتحبون؟ إي و اللّه فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها و شنارها، و لن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، و أنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة و معدن الرسالة و سيّد شباب أهل الجنّة، و ملاذ خيرتكم و مفزع نازلتكم و منار حجّتكم و مدرة سنّتكم ألا ساء ما تزرون، و بعدا لكم و سحقا فلقد خاب السعي و تبّت الأيدي و خسرت الصفقة و بؤتم بغضب من اللّه و ضربت عليكم الذلّة و المسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة! أ تدرون أيّ كبد لرسول اللّه فريتم و أيّ كريمة له أبرزتم و أيّ دم له سفكتم و أيّ حرمة له انتهكتم؟ و لقد جئتم بها صلعاء عنقاء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملاء السماء؟ أ فعجبتم أن مطرت السماء دما و لعذاب الآخرة أخزى و أنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل فإنّه لا يخفره البدار و لا يخاف فوت الثأر، و أنّ ربّكم لبالمرصاد.قال الراوي: فو اللّه! لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون و قد وضعوا أيديهم في أفواههم، و رأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته و هو يقول: بأبي أنتم و امّي كهولكم خير الكهول و شبّانكم خير الشبّان و نساءكم خير النساء(1).
و رواه بلاغات نساء «أحمد بن أبي طاهر البغدادي» مع اختلاف باسنادين، لكن ناسبا لها إلى امّ كلثوم (2).
ص: 116
تفاسير اهل السنة
نظرية البيضاوي
قال: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس} الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عمم الحكم. أَهْلَ الْبَيْتِ نصب على النداء أو المدح.
وَيُطَهِّرَكُمْ عن المعاصي. تَطْهِيرا ًواستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطهير للتنفير عنها ، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهمارضي اللّه عنهم لما روي «أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة رضي اللّه عنها فأدخلها فيه ،ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما فيه ثم قال: قال تعالی «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت».
ص: 117
والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف لأن التخصيص بهم لايناسب ما قبل الآية ومابعدها ،والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت لا أنه ليس غيرهم(1).
وفيه: اولا: انه لا تنافي بين كون الآيات التي نزلت قبلها ، و بعدها في موضوع ، و آية التطهير هذه في موضوع آخر.
و ثانياً: لو كان غيرهم داخلين في زمرة اهل البيت للزم ان تتعلق بهم اراده اذهاب الرجس و التطهير ايضاً و لم ترتكبن بعد ذلك ايّ معصية مع انه ثبت خلاف ذلك لان بعض زوجاته بعد وفاته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) خرجن من البيوت و تخلفن القرآن مع ان الله تعالی امرهن بالقرن في البيت لقوله تعالی ( و قرن في بيوتكن ولا تبرج الجاهلية الاولی).
و ثالثاً: ان المراد بالارادة في الآية الشريفة هي ارادة التكوينية لا التشريعية اذ لو كان ارادته تعالی هنا تشريعية لما حصل الامتياز بين الخمسة الطيبة و غيرهم من بني آدم . بداهة انه تعالی اراد من كلهم ترك المعصية و ازالة الرجس و تحصيل الطهارة و التقوی و حيث انه تعالی في مقام المدح لهم (علیه السلام) فلا يمكن ان يكون ارادته تعالی بالنسبة اليهم تكوينية حتی يتحقق المدح فعليه فتعلق الاراده بهم يكشف عن تكون طهارتهم و ذهاب الشك عنهم و يؤيد
ص: 118
هذا المعنی ما ورد في روايات اهل البيت (علیه السلام) من ان الرجس هنا ذهاب الشك عن الدين والمستفاد من الآية عصمتهم لانهم مطهرون و معزلون عن الرجس فلهذا لا يشكون في الدين و لا يعصون الله ما امرهم و هم بامره يعلمون.
نظرية ابن كثير
قال تعالی «إِنَّمايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم في أهل البيت هاهنا،لأنهن سبب نزول هذه الآية وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» نزلت في نساءالنبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة. وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي ،حدثنا زيد بن الحبّاب حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالی «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَالْبَيْت»: نزلت في نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم ،فإن كان المراد أنهن كن سببا لنزول دون غيرهن فصحيح ،وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر ،فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
ص: 119
الحديث الأول: قال الإمام أحمد(1): حدثنا عفان ،حدثنا حماد ،أخبرنا علي بن زيد عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي اللّه عنها ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» رواه الترمذي(2)عن عبد بن حميد عن عفان به. وقال:حسن غريب.
حديث آخر قال ابن جرير(3):
حدثنا ابن وكيع ،حدثنا أبو نعيم ،حدثنا يونس عن أبي إسحاق ،أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة رضي اللّه عنهما،فقال: «الصلاة الصلاة «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» أبو داود الأعمى هو نفيع بن الحارث كذاب.
حديث آخر وقال الإمام أحمد(4) أيضا: حدثنا محمد بن مصعب ،حدثنا الأوزاعي ،حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع رضي اللّه
ص: 120
عنه. وعنده قوم ،فذكروا عليا رضي اللّه عنه فشتموه ،فشتمهم عهم،فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معه ،ألا أخبركم بما رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قلت: بلى ، قال: أتيت فاطمة رضي اللّه عنها أسألها عن علي رضي اللّه عنه ،فقالت: توجه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي اللّه عنهم ،آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة رضي اللّه عنهما ،وأجلسهما بين يديه ،وأجلس حسنا وحسينا رضي اللّه عنهما كل واحد منها على فخذه ،ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساءه ،ثم تلا صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية «إِنَّمايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي ،وأهل بيتي أحق.وقد رواه أبو جعفر بن جرير(1) عن عبد الكريم بن أبي عمير عن الوليد بن مسلم ،عن أبي عمر والأوزاعي بسنده نحوه ،زاد في آخره قال واثلة رضي اللّه عنه: فقلت وأنا يارسول اللّه صلى اللّه عليك من أهلك؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: «وأنت من أهلي» قال واثلة رضي اللّه عنه: وإنها من أرجى ما أرتجي، ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دكين ،عن عبد السلام بن حرب عن كلثوم المحاربي عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند
ص: 121
واثلة بن الأسقع رضي اللّه عنه ،إذ ذكروا عليا رضي اللّه عنه فشتموه ،فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه إني عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين رضي اللّه عنهم ،فألقى صلى اللّه عليه وسلم عليهم كساء له ثم قال لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي ،اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قلت: يارسول اللّه وأنا؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: «وأنت» قال: فواللّه إنها لأوثق عمل عندي.
حديث آخر قال الإمام أحمد(1):
حدثنا عبد اللّه بن نمير ،حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح ،حدثني من سمع أم سلمة رضي اللّه عنها تذكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة رضي اللّه عنها ببرمة فيها خزيرة ،فدخلت عليه بها فقال صلى اللّه عليه وسلم لها: «ادعي زوجك وابنيك » قالت: فجاء علي وحسن وحسين رضي اللّه عنهم ،فدخلواعليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له ،وكان تحته صلى اللّه عليه وسلم كساء خيبري ،قالت: وأنا في الحجرة أصلي ،فأنزل اللّه عزوجل هذه الآية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قالت رضي اللّه عنها: فأخذ صلى اللّه عليه وسلم فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فأدخلت رأسي البيت ،فقلت:
ص: 122
وأنا معكم يارسول اللّه؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: إنك إلى خير ،إنك إلى خير» في إسناده من لم يسموه وشيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.
طريق أخرى قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: جاءت فاطمة رضي اللّه عنها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة ،تحملها على طبق ،فوضعتها بين يديه صلى اللّه عليه وسلم فقال: «أين ابنعمك وابناك؟» فقالت رضي اللّه عنها في البيت ،فقال صلى اللّه عليه وسلم: «ادعيهم» فجاءت إلى علي رضي اللّه عنه فقالت: أجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنت وابناك ،قالت أم سلمة رضي اللّه عنها: فلما رآهم مقبلين مد صلى اللّه عليه وسلم يده إلى كساء كان على المنامة ،فمده وبسطه وأجلسهم عليه ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعةبشماله ،فضمه فوق رؤوسهم ،وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي ،فأذهب عنهم الرجس وطهره متطهيرا(1).
طريق أخرى قال ابن جرير(2): حدثنا ابن حميد حدثنا عبد اللّه بن عبد القدوس ،عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند أم سلمة رضي اللّه عنها فقالت: في بيتي نزلت «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ
ص: 123
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» قالت أم سلمة: جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بيتي فقال: «لاتأذني لأحد» فجاءت فاطمة رضي اللّه عنها، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن رضي اللّه عنه، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه عن جده صلى اللّه عليه وسلم وأمه رضي اللّه عنها ثم جاءعلي رضي اللّه عنه، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فجللهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يارسول اللّه وأنا؟ قالت: فواللّه ماأنعم، وقال: «إنك إلى خير.طريق أخرى قال الإمام أحمد(1): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المعدل عن عطية الطفاوي عن أبيه قال: إن أم سلمة رضي اللّه عنها حدثته قالت: بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: في بيتي يوما إذ قالت الخادم: إن فاطمة وعليا رضي اللّه عنهما بالسدة ، قالت: فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «قومي فتنحي عن أهل بيتي» قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة ومعهم االحسن والحسين رضي اللّه عنهم، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا رضي اللّه عنه بإحدى يديه، وفاطمة رضي اللّه عنها باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل
ص: 124
عليا: وأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال «اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي» قالت: فقلت وأنا يا رسول اللّه؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «وأنت.
طريق أخرى قال ابن جرير(1): حدثنا أبو كريب حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يارسول اللّه ألست من أهل البيت؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «إنك إلى خير،أنت من أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت: وفي البيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه عنهم.طريق أخرى رواها ابن جرير(2) أيضا عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي اللّه عنها.
طريق أخرى قال ابن جرير(3): حدثنا أبوكريب حدثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد اللّه بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه
ص: 125
عنهم،ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى اللّه عزوجل ثم قال: «هؤلاءأهل بيتي»قالت أم سلمة رضي اللّه عنها: فقلت يارسول اللّه أدخلني معهم، فقال صلى اللّه عليه وسلم: «أنتم أهلي.
طريق أخرى رواها ابن جرير(1) أيضا عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمدبن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيدالمكي عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة عن أمه رضي اللّه عنها بنحو ذلك.
حديث آخر قال ابن جرير(2):
حدثنا وكيع قال: حدثنامحمد بن بشيرعن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة رضي اللّهعنها: خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم ذات غداة وعليه مرطم رحل من شعرأسود،فجاءالحسن رضي اللّه عنه فأدخله معه،ثم جاءالحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاءعلي رضي اللّه عنه فأدخله معه،ثم قال صلى اللّه عليه وسلم: «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
طريق أخرى قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي،حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث،حدثنا محمد بن يزيد عن العوامي عن ابن حوشب رضي اللّه عنه عن عمله قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي اللّه عنها فسألتها عن علي رضي
ص: 126
اللّه عنه،فقالت رضي اللّه عنها: تسألني عن رجل من أحب الناس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكانت تحتها بنت هو أحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعاعليا وفاطمة وحسنا وحسينا رضي اللّه عنهم،فألقى عليهم ثوبا فقال: «اللهم هؤلاءأهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فدنوت منهم فقلت: يارسول اللّه، وأنا من أهل بيتك؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «تنحي فإنك على خير.
حديث آخر قال ابن جرير(1):
حدثنا ابن المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي،حدثنا من دل عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي عليوحسن وحسين وفاطمة «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي اللّه عنها كما تقدم، وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي عن عطية عن أبي سعيد رضي اللّه عنهم وقوفا، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
حديث آخر قال ابن جرير(2): حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامربن سعدرضي اللّه عنه قال: قال سعد رضي
ص: 127
اللّه عنه: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة رضي اللّه عنهم، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هؤلاءأهلي وأهل بيتي(1).
2-تفاسير الشيعة
نظرية علي بن ابراهيم القمي
قال علي بن إبراهيم: ثم انقطعت مخاطبة نساء النبي وخاطب أهل بيت رسول الله ص فقال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» ثم عطف على نساء النبي فقال: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ثم عطف على آل محمد فقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ إلى قوله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(2).
نظرية الشيخ الطوسي
قال تعالی «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» روى أبوسعيد الخدري وانس بن مالك وعائشة وأم سلمة وواثلة بن الأسقع أن الآية
ص: 128
نزلت في النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واهل البيت نصب على النداء اوعلى المدح ، فروي عن أم سلمة انها قالت إن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان في بيتي فاستدعا علياً وفاطمة والحسن والحسين ، وجللهم بعباء خيبرية ، ثم قال:اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ً،فأنزل اللَّه تعالى قوله «إِنَّمايُرِيدُاللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فقالت أم سلمة قلت: يارسول اللَّه هل انا من اهل بيتك ؟ فقال: لا، ولكنك الى خير.
واستدل أصحابنا بهذه الآية على ان في جملة اهل البيت معصوماً لايجوز عليه الغلط وان إجماعهم لايكون إلّا صواباً بأن قالوا ليس يخلو إرادة اللَّه لاذهاب الرجس عن اهل البيت من ان يكون هو ما أراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، او يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفاً اختاروا عنده الامتناع من القبائح . والأول لايجوز ان يكونمراداً ، لأن هذه الارادة حاصلة مع جميع المكلفين ، فلا اختصاص لأهل البيت في ذلك ولا خلاف أن اللَّه تعالى خص بهذه الآية اهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على مايبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم؟! على ان لفظة (إنما) تجري مجرى ليس، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم وحكيناه عن جماعة من اهل اللغة،كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد اللَّه إلا إذهاب
ص: 129
الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك على ان إذهاب الرجس قد حصل فيهم. وذلك يدل على عصمتهم، وإذاثبت عصمتهم ثبت ماأردناه.
وقال عكرمة في ازواج النبي خاصة. وهذا غلط، لأنه لوكانت الآية فيهن خاصة لكنى عنهم بكناية المؤنث،كما فعل في جميع ما تقدم من الآيات نحو قوله «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ َوَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِالْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَوَآتِينَ الزَّكاةَ» فذكر جميع ذلك بكناية المؤنث، فكان يجب أن يقول إنما يريد اللَّه ليذهب عنكن الرجس اهل البيت ويطهركن، فلما كنا بكناية المذكر دل على ان النساء لامدخل لهن فيها.
وفي الناس من حمل الآية على النساءومن ذكرناه من اهل البيت هرباًمما قلناه. وقال: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فكنى عنهم بكناية المذكر. وهذا يبطل بما بيناه من الرواية عن أم سلمة ومايقتضيه من كون منتناولته معصوماً. والنساءخارجات عن ذلك. وقداستوفينا الكلام في ذلك- في هذه الآيات- في كتاب الامامة من أراده وقف عليه هناك.
ثم عاد تعالى الى ذكر النساء فأمرهن بأن يذكرن اللَّه تعالى بصفاته، وبالدعاء والتضرع اليه، وان يفكرن في آيات الله التي تتلى في بيوتهن من القرآن المنزل، ويعملن بها وبما فيها من الحكمة «إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً» في تدبير خلقه، وفي إيصال المنافع الدينية والدنيوية اليهم «خَبِيراً» اي عالماً بما يكون منهم،
ص: 130
وبمايصلحهم وبمايفسدهم، وأمرهم بأن يفعلواما فيه صلاحهم واجتناب ما فيه فسادهم.(1)
نظرية تفسير الكاشف
«إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» المراد بالرجس هنا الذنوب. وقد استدل الشيعة بهذه الآية على عصمة أهل البيت، وقالوا: انما أداة حصرتدل على ثبوت الطهارة من الذنوب لأهل البيت دون غيرهم، ولا معنى للعصمة إلّا الطهارة من الذنوب.
وفي صحيح مسلم القسم الثاني من الجزءالثاني ص 116 طبعة 1348 هجري ما نصه بالحرف: «قالت عائشة خرج النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) غداة وعليه مرطم رحل- برد من برود اليمن- من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليفأدخله ثم جاءالحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». ومثله سندا ودلالة مارواه الترمذي في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهما من أئمة الحديث من أهل السنة.
وفي تفسير الطبري عن أبي سعيد الخدري الصحابي الجليل وأم سلمة زوجة الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «قالت: لما نزلت آية «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
ص: 131
الْبَيْت دعا رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، ووضع عليهم كساء وقال: اللهم هؤلاءأهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير». ومثله في تفسير البحر المحيط للأندلسي والتسهيل للحافظ والدر المنثور للسيوطي وغيرها من التفاسير.
وقد تسأل: ان سياق الآيات يدل على ان المراد بآية التطهير نساء النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فكيف أخرجهن عنها من نقلت عنهم من المفسرين والمحدثين؟
الجواب أولا: ان صاحب تفسير المنار نقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده في ج 2 ص 451 الطبعةالثانية: «ان من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن آخر، ثم يعود الى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة». وقال الإمام جعفرالصادق (علیه السلام): ان الآية من القرآن يكون أولها فيشي ء،وآخرها في شي ءآخر .. وعلى هذا فلا يصح الاعتماد على دلالة السياق لآي الذكر الحكيم كقاعدة كلية.
ثانيا: لوسلمنا- جدلا- بصحة الاعتماد على دلالة السياق للآيات فإن قوله تعالى: «ليذهب عنكم .. ويطهركم» بضمير المذكردون ضميرالمؤنث هو نص صريح على اخراجهن من الآية. وليس من شك ان دلالة النص مقدمة على دلالة السياق لأنها أقوى وأظهر.
ص: 132
ثالثا: ان المفسرين والمحدثين الذين ذكرناهم قد اعتمدوا في اخراجهن على الحديث الصحيح عن الرسول الأعظم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وقد اتفقت كلمة المسلمين على ان السنة النبوية تفسير وبيان لكتاب اللّه(1).
سوف تقرؤون
حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حيدر الوكيل
الحلقة السادسة
القسم الثانيوقفت مع الاستاذ الدكتور الطريحي دام عزه في واحات حول مقدمته لكتاب احلام اليقضة للشيخ محمد رضا المظفر ره , وليس ما فيها كل ما في المقدمة فضلا عن الكتاب وها انا ذا اعود في هذه المرة لاضع بين يديه مذاكرات في مقدمته تلك .
ص: 133
اقيم في الاهواز معرضاً برعاية مديرية الارشاد تضمن مجموعة من النفائس والمسكوكات والاثار التاريخية لعلماء ومفكري هذه المنطقة اعني اقليم الاهواز والذي يعبر عنه تاريخيا بكور الاهواز الذي يضم مدن الشوش وشوشتر والحويزة وعبادان والدورق و هنديجان ورامهرمز وجندي سابور وغيرها من مدن محافظة خوزستان .
وقد تضمنت تلك الاثار التاريخية قدم علاقة هذه المنطقة باهل البيت(علیهم السلام) و انها عريقة في الولاء والتشيع لهم (علیهم السلام) فقد كان الحاكم عليها- في بداية العصر العباسي وبالتحديد في زمان خلافة المنصور العباسي- عبد الله بن النجاشي الاسدي الذي كان من اصحاب الامام الصادق عليه السلام و له معه عليه السلام رسائل اشهرها رسالته المعروفة بالرسالة الاهوازية, وقد سكنها ذاك الزمان كبار علماء الشيعة ورواتها كالحسين بن سعيد وكان من اصحاب الامامين الجواد و الهادي عليهما السلام وكذلك ابنه احمد واخوه الحسن ايضا وفضالة بن ايوب الازدي الاهوازي الذي كان من اصحاب الامام الكاظم والامام الرضا عليهما السلام ومحمد بن الحصين الذي ولد في الاهواز عام 146 هجرية وكان من اصحاب الامام الهادي عليه السلام وداود بن مهزيار وعبد الله بن محمد العبدي وعلي بن محمد الصيمري وكان من
ص: 134
اصحاب الامام الهادي عليه السلام وابو بشر البيضائي من سكنة مدينة بيضاء شمال الاهواز وابراهيم بن عبد الله الاهوازي المعروف بابي مسلم واحمد بن عيسی بن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام الذي كان يخطط للانتفاض علی العباسيين حيث خرج من مدينة عبادان في زمان هارون العباسي وبويع سرا بالخلافة وذلك في سنة 185 هجرية ثم انه فر ولم يزل مختفيا الی ان مات سنة 247 هجرية(1) وغيرهم ممن يضيق المقام عن ذكرهم وقد كان علي بن مهزيار وكيلا فيها عن الامام الجواد عليه السلام وهذا ما يدلل علی ان اهالي هذه المنطقة من شيعة اهل البيت (علیهم السلام) .
و قد تضمن المعرض مواقف اهالي اقليم الاهواز علی طول التاريخ بالدفاع المستميت عن مذهب اهل البيت (علیهم السلام) كما نقرء في قصة يعقوب بن اسحاق بن السكيت الدورقي الاهوازي الذي كان اماما في اللغة والادب فقد عهد اليه المتوكل العباسي تاديب اولاده وجعله في عداد ندمائه ثم قتله بعد ان احس بتشيعه فقيل انه ساله عن ابنيه المعتز والمؤيد اهما احب اليك ام الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت والله ان قنبر خادم علي بن ابي طالب عليهالسلام خير منك ومن ولديك فامر الاتراك فداسوا بطنه وسلّوا لسانه فحمل الی داره ومات(2) .
ص: 135
و في هذا الزمان بالذات يقف ابناء محافظة الاهواز بكامل البطولة في الدفاع عن مذهب اهل البيت (علیهم السلام) وقد قدموا الشهداء تلو الشهداء في محاربة البعثيين ومرتزقة صدام المجرم والوهابيين والدواعش الناصبين الحرب لاهل البيت(علیهم السلام) في مختلف بلاد الاسلام امتداد من الاهواز الی سامراء وكربلا و النجف الاشرف وحلب ودمشق .
واخير تتقدم مجلة مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) بالدعاء لمتصدي هذا المعرض فجزاكم الله خير الجزاء وحشركم مع اهل بيت النبوة(علیهم السلام)
للبحث صلة تاتيكم في العدد القادم
ص: 136
كلمة التحرير... 3
مصباح الهداية... 5
تفسيرآيات العقائد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني... 16
الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي... 36
موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام تجاه الفلسفة والعرفان... 41
هل ان الله جل وعلا يتطور؟!! ابو علي الخراساني... 43
هداية الأمة إلى معارف الأئمة اية الله الشيخ محمد جواد الخراساني... 48
رسالة الاثنی عشرية في الرد علی الصوفية و العرفاء... 54
مناظرات حول المعاد... 57
ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر مرتضی العاملي... 69
تنزيه المعبود في الرد علی وحدة الوجود السيد قاسم علي احمدي... 73
خطبة الزهراء البتول سيدة نساء العالمين عليها السلام... 80
الروايات المكذوبة والمحرفة... 94
الحوراء زينب عقيلة بني هاشم عليها السلام
السيد محمد حسن الهاشمي... 110
خطبة الحوراء زينب عليها السلام في مجلس يزيد لعنه الله... 114
حديث الكساء في التفاسير... 116
في العدد القادم نظرة يقظة في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة... 132
معرض الاهواز عبرالتاريخ... 134
ص: 137