مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد26

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

انا لله وانا اليه راجعون

نعزی الامة الاسلامية و قائدها الامام الحجة عجل الله تعالی فرجه

بفاجعة اهانة الرسول المصطفی محمد صلی الله عليه واله وسلم

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة السابعة:العدد السادس والعشرون1394هجرية شمسية1436 هجرية قمرية

مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:

العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف:07901311460

ص: 1

الفهرس

كلمة التحرير... 3

مصباح الهداية... 4

تفسيرآيات العقائد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني... 8

الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي... 43

موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام تجاه الفلسفة والعرفان... 50

هداية الأمة إلى معارف الأئمة اية الله الشيخ محمد جواد الخراساني... 53

عمل المعروف ينجي الكفار من النار إلا أبا طالب العلامة الشيخ علي الكوراني!... 60

رسالة الاثنی عشرية في الرد علی الصوفية و العرفاء... 64

مناظرات حول المعاد... 70

ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر مرتضی العاملي... 84

نظرة يقظة في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة الشيخ حيدر الوكيل... 90

تنزيه المعبود في الرد علی وحدة الوجود السيد قاسم علي احمدي... 97

خطبة رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ في عيد الغدير... 106

نص الخطبة... 107

ما هو موقع الفلسفة من المعارف العقلية السماوية؟! ابو علي الخراساني... 123

اتّخاذ الكفّار أولياء وموادّتهم... 125

ص: 2

كلمة التحرير

لماذا هذا الاصرار ولماذا هذه المراوغة؟

كثيرا ما يقع النقاش في الافكار الفلسفية لملا صدرا واتباعه ويستمر الجدال الی حيث يتضح الحق ويزهق الباطل فلا تبقی اي حجة لمدافعي الفلسفة للدفاع عنها وهناك تجد البعض ياتي ويقول ان السيد الطباطبائي ايضا ممن يرد علی الافكار الفلسفية فانه قد رد القول باصالة الوجود في نهاية الحكمة وقال باصالة الواقعية ثم قال نعم قال باصالة الوجود في اخر المطاف.

اقول: ماذا يقصد هؤلاء المجادلون من هذه المراوغة؟ ولماذا هذا الاصرار علی الباطل؟ علما بان اصالة الواقعية ليست شيئا قبال اصالة الوجود او الماهية.

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 3

مصباح الهداية

آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)

في تفسير قوله تعالى : " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله " (1).

في غاية المرام ، ابن شهرآشوب ذكره عن جماعة من العامة ، قال : فصل في الاستنابة والولاية ، ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أداء سورة براءة ، وعزل به أبا بكر بإجماع المفسرين ، ونقلة الأخبار ، رواه الطبري ، والبلاذري ، والترمذي ، والواقدي ، والشعبي ، والسدي ، والثعلبي ، والواحدي ، والقرطبي ، والقشيري ، والسمعاني ، وأحمد بن حنبل ، وابن بطة ، ومحمد بن إسحاق ، وأبو يعلى الموصلي ، والأعمش ، وسماك بن حرب – في كتبهم - عن عروة بن الزبير ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي رافع ، وزيد بن نقيع ، وابن عمر ، وابن عباس ، واللفظ له : إنه لما نزل براءة من الله ورسوله إلى تسع آيات أنفذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر إلى مكة لأدائها ، فنزل جبرائيل ، قال : إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام : اركب ناقتي الغضباء والحق أبا

ص: 4


1- براءة : 3

بكر ، وخذ براءة من يده ، قال : ولما رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جزع : وقال يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه ، فلما له توجهت رددتني عنه ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : الأمين هبط إليعن الله تعالى ، أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ، وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي(1).

أقول : والأخبار في هذا الباب متواترة من الجانبين ، وقد ذكر في غاية المرام ثلاثة وعشرين خبرا من طريقهم ، وستة عشر من طريقنا(2).

ومن جملة ما رواه عن طريقهم : ما رواه عن الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري ، في الجزء الثاني ، في تفسير سورة براءة من صحيح أبي داود - وهو السنن - وصحيح الترمذي ، قال عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وأمره أن ينادي في الموسم ببراءة ، ثم أردفه عليا فبينا أبو بكر في بعض الطريق ، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغضباء ، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه حدث أمر ، فدفع إليه علي كتابا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عليا ينادي بهؤلاء الكلمات ، فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ، فانطلق فقام علي عليه السلام أيام التشريق ينادي : " ذمة الله ورسوله برئت من كل

ص: 5


1- غاية المرام ص 463 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب 2 / 126 طبع قم
2- غاية المرام ص 461 - 465

مشرك ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت بعد العام عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة " ، قال :وكان علي عليه السلام ينادي بها فإذا أعيى أمر غيره فنادى(1). وقد ذكر أيضا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : علي مني وأنا منه خمسة وثلاثين حديثا من طريقهم ، وفي كثير منها بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " علي مني وأنا منه ، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي "(2) . إذا وقفت على ذلك فاعلم أن عزل سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ، ونصب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لتبليغ سورة البراءة معللا بأنه لا يؤدي عني إلا أنا أو من كان مني ، وعلي مني وأنا منه ، تصريح بعدم أهلية أبي بكر ، ومن يحذو حذوه لمقام الخلافة والإمامة ، وإن المستحق لها ليس إلا أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين هم منه ، وهو منهم ، لأن الخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم تولية لتأدية ما هو من وظيفته وشأنه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : بأن الأمين جبرائيل عليه السلام هبط إلي ، وقال : أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ، وعلي مني وأنا منه ، فلا يؤدي عني إلا علي " وعزل أبا بكر ، لأنه ليس منه تصريح بأن التأدية عنه صلى الله عليه وآله وسلم من وظائف نفسه الشريفة ، ومن كان منه ، ولا يجوز لغيره القيام بها ، فكيف يجوز حينئذ لأبي بكر وتاليه أن يباشروا الخلافة ، ويؤدوا عنه وظائف

ص: 6


1- غاية المرام ص 462
2- غاية المرام 456 - 459

النبوة والرسالة .

فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لم يجز لأحد من الصحابة أن يبلغ ما سمعوهمن الأحكام ، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتبليغ الشاهد منهم الغائب ، وقال : رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ، كما سمعها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، والوالد الولد(1).

قلت : تبليغ الأحكام على وجه الرواية وظيفة كل صحابي سمع منه صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي هو من وظيفته صلى الله عليه وآله وسلم ووظيفة أهل بيته عليهم السلام إنما هو التأدية عنه بمعنى التولية لأداء ما هو من وظيفته ، وتنفيذه ، والخلافة عنه ليس مجرد الرواية عنه ، وإلا لاشترك فيها جميع الصحابة ، وإنما هي تولية لأمر الدين ، وتنفيذ لما هو من وظيفته فتختص بأهل بيته .

ص: 7


1- الكافي 1 / 403

تفسيرآيات العقائد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني

آية ولله المشرق والمغربقال الله تعالی{ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(1)

ونقرأ في القران الكريم: {كل شيء هالك الا وجهه}(2)

وقال عز وجل:{ويبقی وجه ربك ذو الجلال والاكرام}(3)

وقد استعملت كلمة الوجه في ايات اخر من جملتها الايات التالية:

قال تعالی:{وما تنفقون الا ابتغاء وجه الله}(4)

وقال عز وجل:{وما اتيتم من زكاة تريدون وجه الله}(5)

وقال عز من قال:{والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم}(6)

ص: 8


1- سورة البقرة اية115
2- سورة القصص(28)اية88
3- سورة الرحمن (55) اية27
4- سورة البقرة (2) اية272
5- سورة الروم (30) اية39
6- سورة الرعد (13) اية22

وقال سبحانه:{انما نطعمكم لوجه الله}(1)

وقال تعالی:{وما لاحد عنده من نعمة تجزی*الا ابتغاء وجه ربه الاعلی}(2)وقال سبحانه:{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}(3)

مع ملاحظة سياق هذه الايات المباركة لانجد اختلافا في معنی الوجه فيها وعلی هذا الاساس سوف نبحث اية 115 من سورة البقرة واية 88 من سورة القصص .

تحقيق المفردات

في هذه الاية مفردتان من المناسب بحثهما .

المشرق والمغرب:

المشرق والمغرب انما هما بلحاظ الطول والعرض الجغرافيين وهما اسم زمان ومكان في لغة العرب يعني مكان طلوع وغروب الشمس من زاوية

ص: 9


1- سورة الانسان (76) اية9
2- سورة الليل (92) اية19-20
3- سورة الكهف (18) اية28

مشاهدة الانسان ومن جهة ان كل نقطة من الارض لها طول وعرض جغرافي ومع ملاحظة ان الارض كروية وفي نفس الوقت تدور حول نفسها اذن لكل مكان مشرق ومغرب يختص به هذا من جهة المكان واما من جهة الزمان فان دوران الارض حول الشمس مع انحناء محور الارض صار سببا ان تطلع الشمس في نقطة كل يوم من السنة وتغرب ايضا في نقطة كليوم من السنة بحيث يتفاوت كل يوم مع سابقه ولهذه الجهة استعملت هاتين الكلمتين بصيغ المفرد والتثنية والجمع .

اما صيغة المفرد ففي هذه الاية: {ولله المشرق والمغرب }(1)

واما التثنية ففي هذه الاية: {رب المشرقين ورب المغربين}(2)

فمن الممكن ان الاية تشير الی مشرقين ومغربين ممتازين في الدورة السنوية مثل مدار رأس السرطان يعني اول الصيف ومدار رأس الجدي يعني اول الشتاء(3) او المشرق والمغرب الاعتدالي يعني في اول الربيع واول الخريف الذي يكون فيهما الليل والنهار متساويين .

ص: 10


1- سورة البقرة (2) اية115
2- سورة الرحمن (55) اية17
3- كما نقل ذلك في رواية عن امير المؤمنين علیه السلام راجع الاحتجاج للطبرسي ص386وبحار الانوار ج10ص122

واما الجمع ففي هذه الاية {فلا اقسم برب المشارق والمغارب انا لقادرون}(1).

اذن يمكن ان يقال ان المراد في الاية هو جنس المشرق والمغرب ومن جهة اخری الظهور العرفي لهذه الكلمة في كثير من الموارد هو هذا المعنی كما ان استعمالها في القران والحديث علی هذا المعنی ومن جملتها ما فيسورة البقرة اية142{ولله المشرق والمغرب} حيث جاء استعمالها بهذا المعنی في حين ان المطلب المذكور في الاية ليس هو المشرق والمغرب بل تغيير قبلة المسلمين من جهة بيت المقدس الی الكعبة المكرمة كما وان بيت المقدس يقع في الجهة الشمالية الغربية والكعبة واقعة من جهة الجنوب وهكذا تكرر هذا التعبير في الاحاديث الشريفة من جملتها ما عن الامام الباقرع حيث يقول لاثنين من مخالفيه:

شرقا وغربا فلا تجدان علما صحيحا الا شيئا خرج من عندنا اهل البيت(2).

فعلی هذا الاساس يمكن ان يقال ان المقصود من هذا التعبير في الاية المباركة هو ان الله تعالی محيط بكل جهة ومكان ولا يخرج سمت ولا جهة عن ملكه وسلطانه .

ص: 11


1- سورة المعارج (70) اية40
2- اصول الكافي ج1ص399ح3

التولية

هذه الكلمة من الاضداد بمعنی الاقبال والادبار ومن جملة الموارد التي استعملت الكلمة فيها بمعنی الادبار ما جاء في هذه الاية الشريفة:

{لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا}(1)ويستفاد من كلام الراغب في المفردات ان التولي حينما يتعدی بنفسه يعني بلا واسطة حرف الجر يعطي معنی الاقبال وحينما يتعدی بواسطة حرف الجر لفظا او تقديرا يعطي معنی الادبار(2).

لكن بقرينة السياق يتضح ان المراد هنا هو الاقبال .

الوجه

لكلمة الوجه معاني مختلفة وقد ذكر معانيها في كتاب فرهنك معينباللغة الفارسية كالتالي:

الوجه , الشكل, الصورة, الطريق, الطريقة, الاسلوب, الجانب, ذات الشخص, القصد, النية, النغمة, الصحيفةو...

وجاء في اقرب الموارد حول هذه الكلمة:

ص: 12


1- سورة الكهف (18) اية18
2- مفردات الفاظ القران (الراغب الاصفهاني):886

الوجه اول عضو من بدن الانسان يظهر للناظرين وبمعنی اول كل شيء فيقال: هذا وجه الثوب

يقول المرحوم السيد عبد الاعلی السبزواري في تفسير مواهب الرحمن حول كلمة الوجه:الوجه مستقبل كل شيء واشرفه وطريق الوصول اليه ويطلق علی الذات ايضاً.(1)

وقد جاء في هذا التفسير ان المقصود من الوجه في هذه الاية{ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} هو التوجه.(2)

من الجائز ان يكون المراد من{وجه الله} هو ذات الله جل وعلا بمعنی انه اينما توجه الانسان فالله تعالی موجود لا ان الله تعالی في جهة المشرق لا المغرب ولا بالعكس .

من الواضح اننا لاندرك الذات الالهية المقدسة لانها فوق حد فهمنا وانما اللازم ان نخرجه من حديّ التشبيه والتعطيل ونخرجه عن عدم احاطته وتسلطه علی كل شيء .

وجاء في تفسير مجمع البيان:

ص: 13


1- مواهب الرحمان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 394
2- مواهب الرحمان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 400

{فثم} اي فهنالك{وجه الله} اي قبلة الله .

ثم قال: وجه و جهة مثلوزن و زنة بمعنی القبلة(1) .روايات وتفاسير

الروايات الواردة في المقصود من الوجه من هذه الايات ذكرت معان متعددة ولامانع من ان يكون للاية معان مختلفة بشرط ان يكون المعنی قابلا لذلك ولا يتنافی مع الاصول التي جاءت من طريق الوحي ولم ترد رواية معتبرة في تحديد معنی الاية بمعنی خاص .

ففي ذيل اية{فاينما تولوا فثم وجه الله}(2) وردت احاديث مستفيضة في ان المقصود من الوجه في هذه الاية هو سمت القبلة في الصلوات المستحبة .

1- جاء في تفسير القمي ان هذه الاية نزلت في صلاة النافلة اذا كان الانسان في حال السفر فيمكنه ان يصلي الی اي جهة شاء بخلاف الصلوات

ص: 14


1- مجمع البيان ج1ص364 وذكر في هذا التفسير معان اخری للوجه ومن جملتها الذات المقدسة الالهية .
2- سورة البقرة اية 115

الواجبة فالملاك فيها قوله تعالی:{وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}(1) يعني صل الفرائض بسمت المسجد الحرام(2).

وجاء في تفسير العياشي عن الامام الصادقع انه سئل عن رجل قرأ السجدة وهو راكب علی دابته فقال ع يسجد حيث توجهت فان رسول2- اللهص كان يصلي علی ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة يقول: { فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(3).

3- وروي عن الباقرع انه قال: انزل الله هذه الاية في التطوع خاصة(4)

.

ثم قال الامامع ان رسول الله ص حينما رجع من مكة وكان في سيره الی خيبر كان يصلي علی راحلته في حين كانت الكعبة خلفه .

يقول محمد بن الحصين :قالَ: كَتَبْتُ إِلَى عَبْدٍ صَالِحٍ ع يعني الامام الكاظم-ع- الرَّجُلُ يُصَلِّي فِي يَوْمِ غَيْمٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَا يَعْرِفُ الْقِبْلَةَ فَيُصَلِّي حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ بَدَتْ لَهُ الشَّمْسُ فَإِذَا هُوَ قَدْ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَ يَعْتَدُّ

ص: 15


1- سورة البقرة(2) اية 144
2- تفسير القمي ح1ص59
3- تفسير العياشي ج1ص57 ح82
4- تفسير العياشي ج1ص56ح80 –وسائل الشيعة ج4ص333ح23(5317)

بِصَلَاتِهِ أَمْ يُعِيدُهَا فَكَتَبَ يُعِيدُهَا مَا لَمْ يَفُتْهُ الْوَقْتُ أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه(1).

طبعا ليس البحث هنا عن الفتوی حول هذا الموضوع فانه له محله الا ان مفهوم هذا الحديث انه لو صلی الانسان الی غير القبلة وعلم بذلك بعد خروج الوقت اجزأه ما صلی ولا يحتاج الی الاعادة .علی هذا الاساس مع ملاحظة هذه الروايات يمكن ان يقال ان معنی الوجه هنا بمعنی السمت والجهة و{وجه الله} يعني جهة الله ويكفي ان يتجه الانسان الی اية جهة شاء في الصلوات المستحبة وفي الصلوات الواجبة عند التحير او الموارد الاستثنائية .

طبعا لا شك ان الله تعالی في كل مكان ولايخلو منه مكان وليس هو في جهة خاصة كما هو معلوم وثابت بالادلة العقلية والنقلية لكن المقصود في هذه الاية هو القبلة والايات السابقة بينت ذلك باحسن بيان فقد جاء في تفسير الاية السابقة عليها وهي{ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه..}(2) ان المسلمين اتخذوا مساجد بمكة حول المسجد الحرام وان كفار قريش كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام و المساجد التي اتخذوها

ص: 16


1- تهذيب الأحكام (تحقيق خرسان)، ج 2، ص: 49ح28-وسائل الشيعة ج4ص316ح4(5254)
2- البقرة (2) اية 114

بفناء الكعبة ومنعوهم من التعبد فيها وألجأوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى الخروج عن مكة(1).

ومع هذا الحال مما اصاب المسلمين فان ذلك لا يمنع المسلمين من عبادتهم فاينما اتجهوا فهنالك وجه الله وفي شروط معينة اينما اتجهوا فتلك هي القبلة لهم.مضافا الی التفسير الروائي للاية فقد فسر المفسرون الاية من ابعاد اخر بعضها يزيد المعنی الذي ذكرناه وضوحا وبعضها الاخر وان كان صحيحا لكنه لاربط له بالاية .

تفسير الكشاف

يقول الزمخشري في الكشاف في ذيل الاية:

{وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ} أى بلاد المشرق و المغرب و الأرض كلها للَّه هو مالكها و متوليها فَأَيْنَما تُوَلُّوا ففي أى مكان فعلتم التولية، يعنى تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أى جهته التي أمر بها و رضيها. و المعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أى

ص: 17


1- الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 25 وتفسير الصافي، ج 1، ص: 181

بقعة شئتم من بقاعها، و افعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجد دون مسجد و لا في مكان دون مكان إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ الرحمة يريد التوسعة على عباده و التيسير عليهم عَلِيمٌ بمصالحهم. و عن ابن عمر نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت(1).اذن علی اساس تفسير اهل السنة ايضا المقصود من الاية المباركة ان الانسان اينما كان اذا صلی متوجها الی القبلة فقد حظی برضا الله جل وعلا وليس من اللازم ان يكون في المسجد الحرام ام في الكعبة .

والصلوات المستحبة يمكن الاتيان بها علی الدابة واينما اتجهت الدابة كانت تلك الجهة هي القبلة وتوجب رضا الله جل وعلا .

تفسير الميزان

يقول السيد الطباطبائي في ذيل قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} المشرق و المغرب و كل جهة من الجهات حيث كانت فهي لله بحقيقة الملك التي لا تقبل التبدل و الانتقال، لا كالملك الذي بيننا معاشر أهل الاجتماع، و حيث إن ملكه تعالى مستقر على ذات الشي ء محيط بنفسه و أثره، لا كملكنا المستقر على أثر الأشياء و منافعها، لا على ذاتها، و الملك لا يقوم

ص: 18


1- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج 1، ص: 180

من جهة أنه ملك إلا بمالكه فالله سبحانه قائم على هذه الجهات محيط بها و هو معها، فالمتوجه إلى شي ء من الجهات متوجه إليه تعالى.

و لما كان المشرق و المغرب جهتين إضافيتين شملتا سائر الجهات تقريبا إذ لا يبقى خارجا منهما إلا نقطتا الجنوب و الشمال الحقيقتان و لذلك لم يقيد إطلاق قوله فَأَيْنَما، بهما بأن يقال: أينما تولوا منهما فكأن الإنسان أينما ولى وجهه فهناك إما مشرق أو مغرب، فقوله: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ بمنزلة قولنا:و لله الجهات جميعا و إنما أخذ بهما لأن الجهات التي يقصدها الإنسان بوجهه إنما تتعين بشروق الشمس و غروبها و سائر الأجرام العلوية المنيرة.

قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فيه وضع علة الحكم في الجزاء موضع الجزاء، و التقدير- و الله- أعلم فَأَيْنَما تُوَلُّوا جاز لكم ذلك فإن وجه الله هناك، و يدل على هذا التقدير تعليل الحكم بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي إن الله واسع الملك و الإحاطة عليم بقصودكم أينما توجهت، لا كالواحد من الإنسان أو سائر الخلق الجسماني لا يتوجه إليه إلا إذا كان في جهة خاصة، و لا أنه يعلم توجه القاصد إليه إلا من جهة خاصة كقدامه فقط، فالتوجه إلى كل جهة توجه إلى الله، معلوم له سبحانه.

ص: 19

و اعلم أن هذا توسعة في القبلة من حيث الجهة لا من حيث المكان، و الدليل عليه قوله: {وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِب}(1).

القسم الاخير من كلام السيد كلام صحيح يعني في موارد معينة لو صلی الانسان الی اي جهة كانت صلاته صحيحة لا بمعنی ان الكعبة بتلك الجهة واما القسم الاول من كلامه فلا يتضح تناسبه مع معنی الاية يعني ان الاية ليست بصدد بيان ما قال كما وانه لايتفق مع الروايات .

تفسير البيانيقول المرحوم اية الله الخوئي حول الاية:

و الصحيح أن يقال في الآية الكريمة: إنها دالة على عدم اختصاص جهة خاصة باللّه تعالى، فإنه لا يحيط به مكان، فأينما توجه الإنسان في صلاته و دعائه و جميع عباداته فقد توجه إلى اللّه تعالى. و من هنا استدل بها أهل البيت عليهم السّلام على الرخصة للمسافر أن يتوجه في نافلته إلى أية جهة شاء، و على صحة صلاة الفريضة فيما إذا وقعت بين المشرق و المغرب خطأ، و على صحة صلاة المتحير إذا لم يعلم أين وجه القبلة. و على صحة سجود التلاوة إلى غير القبلة، و قد تلاها سعيد بن جبير رحمه اللّه لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض فهذه الآية مطلقة، و قد قيدت في الصلاة الفريضة بلزوم

ص: 20


1- الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 25

التوجه فيها إلى بيت المقدس تارة، و إلى الكعبة تارة أخرى، و في النافلة أيضا في غير حال المشي على قول. و أما ما في بعض الروايات من أنها نزلت في النافلة فليس المراد أنها مختصة بذلك و قد تقدّم أن الآيات لا تختص بموارد نزولها(1).

رأي الفلاسفة واهل العرفان

يستفاد من كلام بعض العرفاء ان المقصود من هذه الاية هو: انه من اللازم ان لا نحصر الذات الالهية المقدسة بما نتصوره في اذهاننا والا فقد ابتعدنا عن الحقيقة كما ومن اللازم ان لا ننفي اي وجود عن الذت الالهية المقدسة .وهؤلاء في بعض الاحيان يفسرون الاية ويأولونها بحيث لايتفق مع مضمونها اصلا ولا يخطر علی ذهن احد .

كلام المحدث الكاشاني

يقول المحدث الكاشاني في عين اليقين(2):

كيف لا يكون الله سبحانه كل الاشياء وهو صرف الوجود الغير المتناهي شدةً وقوةً وغنیً وتماماً؟ فلو يخرج عنه وجود لم يكن محيطا به لتناهي

ص: 21


1- البيان في تفسير القرآن، ص: 290-289
2- عين اليقين ج1ص342

وجوده دون ذلك الوجود تعالی عن ذلك بل انكم لو ادليتم بحبل الی الارض السفلی لهبط علی الله و{فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(1)

نقد وتحقيق

من قوياً ان المحدث الكاشاني رجع عن ذلك في اخر عمره كما يظهر ذلك من رسالة الانصاف والجواب علی كلامه ان كلامه يبتني علی السنخية بين الخالق والخلق والا فلا تلزم المحدودية علی مبنی البينونة بين الذات الالهية المقدسة وبين الخلق وذلك فان الاشياء ليست من سنخ الله جل وعلا حتی يلزم من وجودها محدودية الذات المقدسة الالهية .والحديث الذي جاء في ضمن كلام المحدث - علی فرض صحته(2)

- فالمراد منه ان الله في كل مكان ومحيط بكل شيء احاطة علمية في عين ان الله تعالی ليس بزماني ولا مكاني فلا يخلو منه مكان .

وحضور الذات الالهية المقدسة بمعنی قيمومية ذاته .

كلام ابن عربي

يقول ابن عربي في تفسير هذه الاية:

ص: 22


1- البقرة اية115
2- راجع سنن الترمذي ج5ص78ح3352

{وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ} أي: عالم النور و الظهور الذي هو جنّة النصارى و قبلتهم بالحقيقة هو باطنه {وَ الْمَغْرِبُ} أي: عالم الظلمة و الاختفاء الذي هو جنّة اليهود و قبلتهم بالحقيقة هو ظاهره {فَأَيْنَما تُوَلُّوا} أي: أي جهة تتوجهوا من الظاهر و الباطن {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: ذات اللّه المتجلية بجميع صفاته، أو و للّه الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها و التجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم و فنائكم، و الغروب فيها بتستره و احتجابه بصورها و ذواتها، و اختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء. فأيّ جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجهه لم يكن شي ء إلا إيّاه وحد(1)

ويقول ابن عربي في فصوص الحكم:و بالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إِليه و يطلبه فيها فإِذا تجلى له الحق فيها و أقرَّ به، و إِن تجلى له في غيرها أنكره و تعوذ منه و أساء الأدب عليه في نفس الأمر و هو عند نفسه أنه قد تأدب معه فلا يعتقد معتقد إِلهاً إِلا جَعَلَ في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إِلا نفوسهم و ما جعلوا فيها. فانظر: مراتب الناس في العلم باللَّه تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة. و قد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك. فإِياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها فإِن اللَّه

ص: 23


1- تفسير القران الكريم المنسوب الی ابن عربي، ج 1، ص:50

تعالى أوسع و أعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإِنه يقول {فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}و ما ذكر أيناً من أين. و ذكر أن ثَمَ وجه اللَّه، و وجه الشي ء حقيقته. فنبه بذلك قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا فإِنه لا يدري العبد في أي نَفَسٍ يُقْبَض، فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على حضور. ثم إِن العبد الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصورة الظاهرة و الحال المقيّدة التوجُهَ بالصلاة إِلى شطر المسجد الحرام و يعتقد أن اللَّه في قبلته حال صلاته، و هو بعض مراتب وجه لحق من {فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} فشَطْر المسجد الحرام منها، ففيه وجه اللَّه.

و لكن لا تقل هو هنا فقط، بل قف عند ما أدركت و الزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام و الزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلكالأبنية الخاصة، بل هي من جملة أينيات ما تولى متولٍ إِليها. فقد بان لك عن اللَّه تعالى أنه في أينية كل وجهة، و ما ثَمَّ إِلا الاعتقادات. فالكل مصيب، و كل مصيب مأجور و كل مأجور سعيد و كل سعيد مرضي عنه و إِن شقي زماناً ما في الدار الآخرة. فقد مرض و تألم أهل العناية- مع علمنا بأنهم سعداء أهل حق- في الحياة الدنيا. فمن عباد اللَّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، و مع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إِما بفقد ألم كانوا يجدون فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان

ص: 24

ذلك الألم، أو يكون نعيم مستقل زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان و اللَّه أعلم(1).

ص: 25


1- فصوص الحكم ص113-114 و يعتقد ابن عربي ان كل اقواله من رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ القيت اليه كما صرح بذلك في بداية فصوص الحكم ص47 فقال: أما بعد: فإني رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في مُبشِّرة أُرِيتُها في العشر الآخِر من محرم سنة سبع و عشرونَ و ستمائة بمحروسة دمشق، و بيده صلى اللَّه عليه و آله و سلم كتاب، فقال لي: هذا «كتاب فصوص الحكم» خذه و اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع و الطاعة للَّه و لرسوله و أولي الأمر منا كما أُمِرْنا. ومن العجيب والذي يقبل التامل مع كل هذه الادعآت انه قال: مات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و ما نص بخلافة عنه إلى أحد.و لا عَيَّنَه فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 163 يقول حسن زاده في ذيل هذه العبارة فيممد الهمم في هامش ص410: لا شك ان رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ عين وصيا وذلك الوصي هو امير المؤمنين علي علیه السلام ولا شك ان رسول الله حين ارتحاله لم يعين خليفة وذلك لانه طلب قلما وورقا فقال عمر: حسبنا كتاب الله وان الرجل ليهجر وانتهی الامر الی المشاجرة والنزاع في حضور رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بذلك التفصيل المذكور في كتب الفريقين . في نفس الوقت رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يعلم ان في ما بين افراد الامة من هو خليفة وهو في الحقيقة خليفته , واذا جمدنا علی ظاهر اللفظ فاللازم ان يقال لم يكن الشيخ معصوما وكما صرح في اول الكتاب بقوله: انا لست برسول ولا نبي ولكني وارث وحارس اخرتي . وحيث انه ليس بمعصوم ولا نبي يكون كشفه الماخوذ من الحق اشتباها بحسب معتقده وسوابق انسه والفته . كان كلام ابن عربي صريحا في عدم تعيين الخليفة من قبل رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ولذا تصدی جناب حسن زاده لتوجيهه لكن التوجيه المذكور - من انه لم يعين الخليفة في حال الموت – ليس صحيحا وذلك لان ابن عربي يقول في نهاية كلامه: لعلمه ان في امته من يأخذ الخلافة عن ربه فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع فلما علم ذلك لم يحجر الامر فكلامه علی الاطلاق لا ينفي تعيين الخليفة فان جملة لم يحجر الامر اشارة الی ان النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لم يمنع احدا في حين ان تعيين شخص بعنوان خليفة لا شك انه يكون منع للاخرين من الخلافة . وهنالك اشكالان اخران ايضا : الاول: لو كان هذا الكشف من الله تعالی فلا معنی لكونه اشتباها. الثاني: كونه اشتباها لا ينسجم مع كون كل الكتاب من الرسول الاكرم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ. ومع هذا من العجيب ان يكون هذا الكتاب فصوص الحكم مورد اعتماد الشراح الی حد كتبوا في بيان رؤيا المؤلف: هذا البيان اعتذار من ابراز ما حصل له وذلك لان العارف يلزم ان يكون امين الله ولا يفشي اسرار رفيقه لكني اعتذر عن اظهارها لاني كنت مامور الرسول (شرح القيصري ص308) . ويقول ايضا شارح الفصوص في ممد الهمم (ص8) : ورد في محله ان ما يراه الانسان بعينه الباطنية التي هي مبشرة –رؤيا صالحة- فهي منه تعالی (لا بارادة الانسان) اذن هو رأی مثال جمال النبي (لا المادية الخارجية) . يعني مطالب هذا الكتاب من الاسرار لكن المؤلف حيث انه مامور بالكلام فلذا لهذه الجهة هو بين ما قال. اقول: من المناسب بيان بعض هذه الاسرار: الف: ايمان فرعون وقبض روحه في حين انه كان طاهرا مطهرا (فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شي ء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام. و الإسلام يَجُبُ ما قبله. و جعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه، «فإنه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ». فلو كان فرعون ممن يئس ما بادر إلى الايمان) فصوص الحكم ص201. وقد نقد هذا المطلب الميرزا القمي في رسالة ايمان فرعون في ضمن ثلاث رسائل في نقد العرفان. ب: يفسر ابن عربي هذه الاية «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اغرقوا فَأُدْخِلُوا ناراً » (نوح اية25) هكذا: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، و هو الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. فصوص الحكم – فص نوح ص73 . وذكر القيصري في شرح الفصوص الخطيئات بالخطوات فقال: ان قوم نوح تقدموا خطوات فغرقوا في بحر المعرفة ونار المحبة (شرح القيصري ص529-530). ومن المناسب ان ابن عربي في ذيل عبارة المتن وفي موارد اخری من فصوص الحكم ص190-ص214 يقول والله اعلم وهذه الجملة لا تتلائم مع الكشف واليقين وذلك لانه يؤتی بها عادة في موارد الشك وعدم اليقين .

ص: 26

ص: 27

من الواضح ان ابن عربي في هذا الكلام يری ان اي عقيدة يعتقدها الانسان صحيحة وتوصل الانسان الی الحقيقة ويكون مشمولا لعنايات الله وتوجب الحصول علی نعمه في الاخرة وان كان من الممكن ان يتفاوت حصول النعم بين الافراد.

في هذه الدنيا كل انسان علی اساس فكره يعتقد بالله تعالی ويرد اعتقاد الاخرين فهذا نوع اساءة ادب بالنسبة الی الذات الالهية وذلك لان الاعتقاد الاخر صحيح وهذا الشخص من زاوية فكره ولو جهلا قد نفاه .

باعتقاد ابن عربي ان اي احد في هذه الدنيا معتقد بالله باي نحو من الاعتقاد فسوف يكون بنفس الاعتقاد في يوم القيامة والعلة في تفاوت الناس في الرجات في يوم القيامة انما هو لاجل تفاوتهم في الاعتقاد وذلك لان اللهاستنكار العلماء والشخصيات العلمية

لترويج شخصية الشاعر المعروف بالمولوي الرومي

استنكر العلماء والشخصيات العلمية بث فيلم جلال الدين من علی شاشة تلفزيون الجمهورية الاسلامية الايرانية والذي يهدف الی ترويج شخصية الشاعر المعروف بالمولوي الرومي الفاسد العقيدة والذي كان من المخالفين لاهل البيت عليهم السلام فقد برء ابن ملجم اللعين من تلك الجريمة الكبری بحق امير المؤمنين عليه السلام في كتابه المعروف بالمثنوي .

وقد عنی باشعاره وألطافه الصوفية اعداء اهل البيت عليهم السلام مثل معاوية واختلق لهم انواع الكرامات، فتراه يرفع معاوية الی مقام اولياء الله جل وعلا ويلبسه لباس الكرامة ويطرح سكوت واعياء عثمان عن ايراد خطبة الجمعة يطرحها وبشكل ماهر وحاذق بعنوان انها كرامة وفضيلة. ويطري معاوية وعثمان بكلمات و بشكل ابتكاري بحيث انه لم يسبقه عالم سني بذلك كما وانه قد افرط واصر علی الغناء علی رغم مخالفة الفقهاء وحتی بعض الصوفية المعاصرين له وكذلك متابعته لشمس التبريزي الشاعر المخالف لاهل البيت عليهم السلام والمتجنن بلا اعتراض ولا اشكال عليه .

فعلی كل المخلصين ان يستنكروا بث هذا الفيلم

ص: 28

وبتعبير بعض متنوري الفكر المستجدين كما يصطلح كل الطرق تؤدي الی الصراط المستقيم وكلها في الغاية تصل الی حقيقة واحدة مثل اولئك الذين هم في سفح الجبل وكلهم يتحركون نحو قلته .

فعلی الانسان ان يكون كالهيولی يتقبل كل عقيدة ويری الكل صحيحا وان يبتعد عن حصر الذات الالهية في عقيدة معينة وذلك لان الله اوسع واكبر من تحصره هذه العقائد المختلفة .

فكل عقيدة هي وجه الله وجهة الهية ومرضية له .

وفي النهاية يصور لنا الجنة والنار وفي الحقيقة انكار لجهنم وكل النيران نجاة وكل شيء حسن ونعيم .

جناب حسن زاده له كلام في ممد الهمم يرتبط بالاية المباركة تشرح وتوضح لنا عبارة ابن عربي وتحكي لنا عن وجود امثال هذه الافكار فيزماننا الحاضر فيقول:ان ما قاله القيصري: كل موجود هو وجه خاص للحق المراد منه عنوان المظِهر والمظَهر والمطلق والمقيد...

ص: 29

وهذه نكتة حول الانية اوردها المرحوم الاخوند في الاسفار اذن انيت الحق غير انية الصادر الاول –لا الغيرية التي توجب التباين معه- وانية جبرئيل غير انية ميكائيل وهكذا ولان كل انيّة وجهة الحق وبتعبير القران الكريم:

{فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه}البقرة اية 115.

وقد فرق الاخوند في الاسفار بين الخالق والمخلوق بالمطلق والمقيد وان المقيد عين الارتباط بالمطلق.

وروی عن رسول اللّه ص انه قال: و الذي نفس محمد بيده لو انّكم دلّيتم بحبل الى الأرض السّفلى لهبط على اللّه

وقد فصل هذا الحديث الترمذي في كتابه .

وهكذا اشار احد العرفاء الی هذه النكتة:

عاشقي ديد از دل پرتاب***حضرت حق تعالی اندر خواب

دامنش را گرفت آن غم خور***كه ندارم من از تو دست دگر

چون درآمد زخواب خويش درويش***ديد محكم گرفته دامن خويش(1)

ص: 30


1- ممد الهمم در شرح فصوص الحكم، ص: 71-70

والمعنی ان عاشقا قد ملئ قلبه بالشوق رأی الحق تعالی في منامه , فاخذ بثوبه ذلك المغتم فانه ليس لي غيرك, فلما استيقظ من منامه ذلك الدرويش رأی انه ماسكا علی ثوبه بشدة.

نقد وتحقيق

كلام ابن عربي وما يطرح اخيرا تحت عنوان تعدد وتكثر الاعتقادات لا اساس له عقلا ولا نقلا بل خلاف الضرورة العقلية والنقلية .

فالعقائد المختلفة تكون موردا للتضاد في كثير من الموارد بحيث يلزم من ذلك اجتماع النقيضين والضدين .اللذين لا شك في بطلانهما .

اشكال

وحول ذلك هاهنا ثلاثة اشكالات:1- لو كان واحدا من المذاهب حقا وباقي المذاهب كلها باطلة فلا يكون هنالك معنی صحيحا لهداية الله تعالی وذلك لان الله سوف يهدي قسما قليلا من الناس ويبقی الاخرون بلا هداية.

2- في نفس الفرض المذكور سوف تكون زحمات الانبياء ومجاهدتهم عبثا وبلا فائدة لان قليلا من الناس سوف يحظون بالطريق الصحيح وكل الاخرين سوف يرتطمون في المذاهب الباطلة وفي مسير الضلال .

ص: 31

3- يقع الاشكال في عقلانية خلق العالم والخلائق بمعنی ان الله تعالی خلق مصنعا عظيما باسم العالم وهو معقد وظريف ودقيق كثيرا ولا يتولد منه الناقص والمعيوب الا قليلا وهذا المصنع العظيم سوف يولد اجناسا معيوبة وخربة.

الجواب

وفي الجواب علی هذه الاشكالات يمكن ان نقول:

اولا: ان الله جل وعلا هادي وان هدايته بمعنی انه يري طريق الهداية وانحراف الخلق في المسير لا علاقة له به تعالی بل هو امر يرتبط بهم والله لايجبر احدا علی انتخاب المسير الصحيح .

ثانيا: جهاد الانبياء الالهيين له غايته الصحيحة وشرائع الانبياء السابقين لها محدوديتها الزمانية وكل شريعة محدودة بمجيء النبي الذي من بعده ولوكان هنالك مستضعف فكريا ولم يعتقد بالاسلام فعقيدته باطلة لكنه لا يستحق العذاب .

ثالثا: الذين لم يصلوا الی العقيدة الحقة الا انهم يعقلون ويدركون الحسن والقبيح وعلی مقدار عقولهم يحاسبون وانهم يطوون مسير تكاملهم بعد الموت ويصلون الی الكمال بشرط ان لايكونوا في الدنيا من المعاندين للحق والحقيقة وان لايكونوا من المقصرين في طلبها.

ص: 32

الادلة النقلية

اما ان كل الطرق وكل العقائد منجية وصحيحة فهذا مما يخالف التعاليم السماوية والقران والاحاديث ناطقان ببطلان ذلك واي احد مع اقل تأمل يستطيع ان يدرك ان جميع الطرق والمسالك لا يمكن ان تحقق للانسان الفوز والنجاح وانها لا توصل الانسان الی المقصود .

كما نقرأ في سورة الحمد: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}(1)ففي هذه الاية الناس علی ثلاثة اقسام وقسم واحد منهم فقط في الصراط المستقيم لا ان كل من يحمل اي عقيدة كانت ولا من يسلك اي طريق كان فهو في الصراط المستقيم ويحصل علی كمال المطلوب.

وجاء في اول سورة البقرة:{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدی للمتقين*الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون*والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون*اولئك علی هدی من ربهم واولئك هم المفلحون}(2).

ص: 33


1- الفاتحة(1) اية 6-7
2- البقرة (2)اية2-5

ومن الواضح في هذه الايات ايضا ان المفلحون هم المتقون وقد بينت صفاتهم وسياق الايات واضح الدلالة بان فاقدي هذه الصفات لا يفلحون.

ونقرأ في سورة العصر:

{والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}(1).

واما اولئك الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات ولم يتواصوا بالحق ولم يتواصوا بالصبر فهم في خسران لا يعودهم ربح .

وجاء في سورة البقرة ايضا:{فان امنوا بمثل ما امنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق}(2)

وهكذا في ايات كثيرة النافية بحدة للشرك وعبادة الاصنام والطرق المنحرفة فقد دلت علی ان الانسان بعمله يكسب نار جهنم ويحرم من كل خير وسعادة ولا دلالة لها الا علی الهلاك والخسران:

{ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}(3)

ص: 34


1- العصر(103) اية 1-3
2- البقرة اية 137
3- سورة الانعام (6) اية88

{قل انما امرت ان اعبد الله ولا اشرك به}(1)

{ انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار}(2)

{وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَد ضل ضلالا بعيدا}(3)

{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(4)

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه}(5).{سبحانه وتعالی عما يشركون}(6).

وكذلك هنالك روايات كثيرة حول هذا الموضوع وقد اشارنا الی بعضها في المباحث السابقة .

ص: 35


1- سورة الرعد (13) اية36
2- - سورة المائدة(5) اية72
3- سورة (النساء4) اية116
4- - سورة لقمان(31) اية13
5- - سورة النساء (4) اية48-116
6- سورة الروم (30) اية40

تحقيق حول احد الاحاديث

هنالك قسم من الذين يرتأون فكرة القراآت المختلفة للدين ويذكرون ان كل الطرق تؤدي الی الصراط المستقيم ويؤمنون بتعدد وتكثر الاعتقادات يتمسكون في بعض الاحيان بقسم من الحديث التالي كمؤيد لفكرتهم وهو ما روي عن الامام الصادق ع انه قال: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً(1).

علی اساس هذا الحديث نسبة الكفر واللادينية والعقائد الباطلة الی الاخرين ناشئة من الجهل وعدم العقل ولوكان للانسان ادراك وفهم صحيح لاحترم جميع اعتقادات الناس ولا يوبخ احدا من جهة اعتقاده فكل الاعتقادات حق وصواب واتخاذ اي موقف تجاه اعتقاد الاخرين ومسالكهم وتصرفاتهم خطأوليس بصحيح. ومن الواضح هذا الكلام لايمكن ان يكون صحيحا وذلك نحن نقرأ في القران:

{تبت يدا ابي لهب وتب}(2)

{ولا تزد الظالمين الا تبارا}(3)

ص: 36


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 2، ص: 44
2- سورة المسد(111) اية1
3- سورة نوح (71) اية28

{فلعنة الله علی الظالمين}(1)

فالقران يذكر فرعون وهامان واتباعهما وغيرهم من الفئات الضالة والمضلة اقوامهم وجرّوهم الی جهنم وبعض الناس لو تمكنوا في الارض لاهلكوا الحرث والنسل وطغوا فيها واستعبدوا الناس واعرضوا عن الرشد والصلاح .

ويُعرّف القران اهل الايمان بانهم اشداء علی الكفار ويعتبر اللطافة بالنسبة الی اصحاب المذاهب الباطلة من علامات النفاق وتزلزل الايمان ويعلن عن ان اليهود وامثالهم لايرضون عن المسلمين الا ان يدخلوا في ملتهم.

اذن القول بصحة كل المذاهب والمسالك مما يخالف ارشادات القران والاحاديث وحصائل علوم معرفة المجتمع ومعرفة النفس والناس وعلمالاديان لم تثبت مدينة فاضلة يعيش فيها افرادها المختلفون في الاعتقاد والمذهب بكامل الصلح والصفاء مع ارتباط بعضهم بالبعض الاخر بلا اي مشكلة كما ولاوجود لذلك في العالم .

ومضافا لذلك ان هذا الحديث لايعطي هذا المعنی بل قسم من الحديث يشير الی تفاوت الناس في استعداداتهم وقابلياتهم.

ص: 37


1- سورة البقرة (2) اية89

فعنْ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ عَنْ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَكَيْفَ ذَاكَ فَقَال:

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ أَجْزَاءً بَلَغَ بِهَا تِسْعَةً وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً ثُمَّ جَعَلَ الْأَجْزَاءَ أَعْشَاراً فَجَعَلَ الْجُزْءَ عَشْرَةَ أَعْشَارٍ ثُمَّ قَسَمَهُ بَيْنَ الْخَلْقِ فَجَعَلَ فِي رَجُلٍ عُشْرَ جُزْءٍ وَ فِي آخَرَ عُشْرَيْ جُزْءٍ حَتَّى بَلَغَ بِهِ جُزْءاً تَامّاً وَ فِي آخَرَ جُزْءاً وَ عُشْرَ جُزْءٍ وَ آخَرَ جُزْءاً وَ عُشْرَيْ جُزْءٍ وَ آخَرَ جُزْءاً وَ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ جُزْءٍ حَتَّى بَلَغَ بِهِ جُزْءَيْنِ تَامَّيْنِ ثُمَّ بِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ بِأَرْفَعِهِمْ تِسْعَةً وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ إِلَّا عُشْرَ جُزْءٍ- لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ الْعُشْرَيْنِ وَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْعُشْرَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ الْأَعْشَارِ وَ كَذَلِكَ مَنْتَمَّ لَهُ جُزْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ الْجُزْءَيْنِ وَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ عَلَى هَذَا لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً(1).

يقول المرحوم المجلسي في شرح هذ الحديث: لم يلم أحد أحدا أي في عدم فهم الدقائق و القصور عن بعض المعارف أو في عدم اكتساب الفضائل و الأخلاق الحسنة و ترك الإتيان بالنوافل و المستحبات و إلا فكيف يستقيم عدم الملامة على ترك الفرائض و الواجبات و فعل الكبائر و المحرمات و قد مر أن الله تعالى لا يكلف الناس إلا بقدر وسعهم و ليسوا بمجبورين في فعل

ص: 38


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 2، ص: 44

المعاصي و لا في ترك الواجبات لكن يمكن أن لا يكون في وسع بعضهم معرفة دقائق الأمور و غوامض الأسرار فلم يكلفوا بها و كذا عن تحصيل بعض مراتب الإخلاص و اليقين و غيرها من المكارم فليسوا بملومين بتركها فالتكاليف بالنسبة إلى العباد مختلفة بحسب اختلاف قابلياتهم و استعداداتهم..(1).

اذن المقصود من هذا الحديث هو ان الناس يتفاوتون في الدرجات والقابليات فبعضهم يفهم المطلب بكل سهولة ويدرك كل نكاته الظريفة والدقيقة ولهم بعد النظر واطروحات ابتكارية واذكياء واصحاب فراسة وقسممن الناس ليسوا كذلك وليس من الصحيح ان نتوقع من الجميع كل الامتيازات والفضائل الحسنة .

فالمراتب العالية من اليقين واوج درجات الاخلاص تتطلب قابليات خاصة ولا يمكن لكل احد ان يكون محرم الاسرار(2).

ص: 39


1- بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 66، ص: 165
2- نقل عن الميرزا الشيرازي انه حينما اخبر بان كل مجتهدي عصره اذعنوا باعلميته واتفقوا علی اولويته وعليه فاللازم عليك ان تتقبل المرجعية جرت دموعه علی وجهه وقال ما كنت اتصور اني ابتلي بمثل ذلك (الفوائد الرضوية:484).

طبعا التكاليف الالزامية الكل قادرون علی امتثالها واما ان الله لماذا يتفضل علی بعض دون البعض فهذا تابع للمصالح ونحن لا نعلم ذلك ولا يمكن ان نقول ان هذا من الظلموذلك لان الاختلاف في العطاء والتفضل يرتبط بالعلم الالهي وليس ظلما علی احد , ومن الممكن ان هذه التمايزات حصلت للاشخاص بسبب منهم في عالم الذر ومن الواضح ان اختيار المعلل لا ينسب الی علة اخری والا خرج عن كونه اختياريا اذن قسم من هذا الاختيار يظهر في هذا العالم وهو التفضلات وغيرها .

تذكير لازمهنالك البعض يتهم من يراحع الروايات في المسائل الاعتقادية بانه اخباري, هذا الاسلوب وهذا العمل بعيد عن الشهامة وكلام في غير محله ودلك فان الرجوع الی القران والاحاديث والاهتمام بهما من كمال الافتخار للمؤمن وكان النبي ص يدعو الناس الی ذلك علی طول البعثة ومن جملة التعاليم الدينية ان يجعلوا القران والاحاديث هما الملاك في الاعتقاد والتصرف والمعاملة وان يأخذوا الدين من الدين .

وهذه الطريقة يعني مراجعة الاخبار وجعل القران واخبار المعصومينع هو المحور تتمايز عن الفكر الاخباري ولا علاقة لها بمبانيه والذي يتبنی نفي التقليد ونفي المباني الاصولية القطعية .

ص: 40

كما انه من الواضح ان هناك بعض ظواهر الادلة النقلية مما لا تتفق مع اصول الدين او تكون علی خلاف حكم العقل ففي هذه الموارد نفس الوحي ابدی لها تأويلات بحيث تخرج عن كونها مخالفة للعقل او اصول الدين ونذكر لذلك بعض النماذج:

كما في قوله تعالی {ونفخت فيه من روحي}(1) {وجاء ربك}(2) و{الی ربها ناظرة}(3) وقد جاء تاويلها باحسن ما يكون(4)

.وايضا يلزم ان نعلم ان قسما من الاصول العقلية القطعية التي تُذكر في الفلسفة غير قابلة للترديد وعلی اساسها تبنی المعارف الدينية والتوحيد الالهي وعلی اساسها يبحث مع المنكرين لله تعالی وتفهم الايات والروايات المشتبهة وبها نستخرج النكات الظريفة والدقيقة . وهذه الاصول العقلية مثل احتياج المعلول الی العلة ومثل استحالة اجتماع النقيضين واستحالة الدور والتسلسل وتبعية النظم للناظم العالم القادر و... وهذه الاصول العقلية لا انحصار لها بالفلسفة بل كل عقلاء العالم يؤمنون بها ولا اختلاف فيها .

ص: 41


1- الحجر (15)اية 29
2- الفجر (89)اية22
3- القيامة(75) اية23
4- تفسير البرهان ج3ص363-362ج5ص656ج5ص538-537

واما تلك المسائل المختلف فيها وفيها نظريات متعددة فالمفروض ان لا تجعل من المسلمات مثل: اصالة الوجود ووحدة الوجود والوحدة التشكيكية والاطلاقية والواحد لا يصدر منه الا واحد والتي هي اساس القول بالسنخية بين الخالق والخلق واتحاد العلم والارادة وقدم العالم والمعاد المثالي و...

ص: 42

الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد التاسع عشر

4-قال تعالى: {هُوَ الأول وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عليمٌ}(1).

أهميّة الآيةالمباركه:حول التوحيد الإلهي هنالك ستة آيات في أوّل سورة الحديد والتي تكون الآية سابقة الذكر احداها, نشير إلى حديثين يؤكدان أهميّة هذه الآيات المباركة.

1- قال القميّ في تفسيره للآيات الأولى من سورة الحديد هو قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أعطيت جوامع الكلم(2).

مع ملاحظة هذا الحديث والحديث الآتي, يعلم إنّ سورة الإخلاص والآيات الأوائل الست من سورة الحديد هي جوامع الكلم، يعني الجامعة والشاملة لكلّ كلام حول التوحيد.

ص: 43


1- - الحديد3 :
2- - تفسير القمي،2, 35

2- عن عاصم بن حُمَيد قال : قال الإمام الصادق (علیه السلام): إنّه سئل الإمام السجاد(علیه السلام) عن التوحيد فقال: إنّ اللَّه عزّوجلّ علم أنّه يكون في آخرالزمان أقوام متعمقون، فأنْزل اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والآيات من سورة الحديد إلى قوله : {عليمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} فمن رام وراء ذلك فقد هلك»(1).فعلى أساس هذا الحديث لو تمسك شخص في مباحث التوحيد بغير سورة التوحيد وغير هذه الآيات من سورة الحديد, ولم يكن تفكيره العلمي واعتقاده موافقاً لهذه الآيات, ولم يجعل من هذه الآيات معياراً وميزاناً له (في فهم التوحيد) فقد هلك.

5-قال اللَّه تعالى:

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ

الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ}(2) .

ص: 44


1- - أصول الكافي، ج1, ص91 ح 3 ؛ توحيد الصدوق , 283 باب40 ح2 ؛ بحار الأنوار،ج3, 246 يقول العلامة المجلسي في مرآة العقول ج1 ص320 ح 3 (إنّ سند هذا الحديث صحيح)
2- - المائدة/17

الآية المباركة المذكورة حول نبي اللَّه عيسى المسيح (علیه السلام) واعتقاد المسيحيين بالنسبة للمسيح البعيد عن التوحيد وحيث ان مبنى القرآن على محو الشرك ومحاربة الكفر ولذا لأجل أهمية الموضوع ولأجل إبطال عقائد المسيحية ودفع الشبهات التي اوجدوها فقد تعرضت سور متعددة لشرح حال المسيح وأمّه مريم ولعقائد النصارى الباطلة ومن جملة تلك الآيات هذه الآية المباركة من سورة المائدة فقد اعلنت كفر من يعتقد ان المسيح بن مريم هو اللَّه.

عيسی (علیه السلام)يتكلم عن نفسهوقد عرف نفسه بأنّه: عبداللَّه ورسوله وانّ اللَّه جلّ وعلا اوصاه بالصلاة والزكاة وهما تكليفان من تكاليف اللَّه على عباده واوصاه بالبرّ بوالدته ولم يجعله اللَّه جلّ وعلا جبارا شقيا {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}(1) .

عيسى عند المسيحيين

لقد اختلف المسيحيون بعد عيسى في شأنه وتفرقوا إلى فرق كما جاء ذلك في التاريخ و انهم انقسموا إلى اكثر من سبعين فرقة والمذكور منهم اكثر من

ص: 45


1- - مريم/32 - 30

هذه الفرق الثلاثة (الملكاتية والنسطورية واليعقوبية) ولم يتعرض القرآن الكريم لجزئيات هذه المسالك المختلفة وكان كل ما اهتم به القرآن هو محو الشرك وتطهير العقائد غير التوحيدية للمسيحين.

والفرق المسيحية المعاصرة ثلاثة ايضا يمتاز بعضها عن الآخر: البروتستان، والكاثوليك والارتدكس وهذه الفرق الثلاثة هل هي نفس الفرق السابقة؟ الأمر يحتاج إلى تحقيق، وكلها قائلة بالوهية المسيح وانه هو اللَّه سبحانه وتعالى عما يقولون.

ومن هذه الفرق الثلاثة خصوصا الكاثوليكين والارتدكسيين لا يرون الموحد مسيحيا وأساس هذه العقيدة جملات مسجلة في انجيل يوحنا وهيابتداءً كان العالم كلمة وهذه الكلمة عنداللَّه واللَّه هو الكلمة وحيث ان لفظ الكلمة اطلق على المسيح فمعنى عبارة (اللَّه هو الكلمة) هو (اللَّه المسيح)(1)وقد نفى القرآن هذه العقيدة الباطلة للمسيحين حيث قال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...}

لقد كتب يوحنا في اواخر عمره بعد الحاح واصرار انجيله يعني انه كتبه بعد المسيح ولذا فهو غير قابل للاستناد والإعتماد واغلب الأناجيل مكتوبة بهذا الشكل وانّ المسيح يتألم من هذا القول الباطل والشنيع من كونه متحدا مع اللَّه سبحانه وتعالى فانّه دائما كان داعيا لتوحيد اللَّه جلّ وعلا ووحدانيته.

ص: 46


1- - تفسير الخسروي،370/2س11

(عيسى هو اللَّه!! لا، ابن اللَّه!! لا، لا! شريك اللَّه!! لا بل الكل هو ذلك! )

1- هنالك قسم من المسيحين يعتقدون انّ المسيح هو اللَّه وقد حُكمَ بكفرهم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ

الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...}(1)

في حين انّ المسيح قال: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وقد أخبرهم عن عاقبة المشركين حيث قال:( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مَنْ أَنْصَارٍ)2- من جملة العقائد الباطلة والإنحرافية لقسم آخر من المسيحيين هو إعتقادهم بأنّ المسيح ابن اللَّه سبحانه وتعالى كما قال ذلك قبلهم اليهود بالنسبة إلى عُزيز انه ابن اللَّه سبحانه وتعالى وقال بذلك قبلهم أقوام آخرون وحول هذا الموضوع يقول القرآن (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ)

عيسى ابن مريم لا ابن اللَّه جلّ وعلا

قال تعالى:{إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ

مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(2)

وقال عزّ من قال: {وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(3)

ص: 47


1- - المائدة/72
2- - آل عمران/45
3- - النساء/ 171

لقد عبر القرآن في ستة عشر موضعا عن النبي عيسى بجملة عيسى بن مريم عمدا ويستفاد من هذا التعبيرهو :علی أهل العالم ان يعلموا ومن جملتهم المسيحيون انّ عيسى بشر وانه قد تولد من أم اسمها مريم إذن لا يكون الها ومعبودا فهو وامه كسائر ابناء البشر انسانان وهما من فوقهما إلى ما تحتهما محتاجان للالطاف الإلهية وانهما مولودان يأكلان الطعام ويمشيان ويموتانو... يعني أنهما يحملان صفات المخلوقين ولو كان عيسى ابن اللَّه فاللازم أن يكون مسانخا للَّه وهذا من المحال بأدلة متعددة.

تنزه اللَّه جلّ وعلا عن اتخاذ الإبن

قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}(1)

وكذلك ينزه اللَّه نفسه عن ذلك حيث قال: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}(2)

ويقول عز من قال فى آية اخرى: {إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ}(3)

ص: 48


1- - البقرة/116
2- - مريم/35
3- - النساء/171

وكذلك في آيات كثيرة قد نزه سبحانه وتعالى نفسه من هذا النقص(1).

ويعتقد البعض الآخر انّ عيسى وجبرئيل كلاهما معاونان وشريكان للَّه جلّ وعلا وقالوا بثلاثة الهة وهذا شرك وبماهية الكفر ويعتقدون ان اللَّه أحد هذهالثلاثة وانه ثالث ثلاثة كما جاء ذلك مشروحا في الآية: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ} (2)

ص: 49


1- - الانعام/ 100والتوبة/ 3 10
2- - المائدة/73

موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام تجاه الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الثانية والعشرين.

69- قال "العلامة الحلي" قدس سره:

الذين يجب جهادهم قسمان: مسلمون خرجوا عن طاعة الإمام وبغوا عليه، وكفار، وهم قسمان: أهل كتاب أو شبهة كتاب، كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أصناف الكفار، كالدهرية وعباد الأوثان والنيران، ومنكري ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة، كالفلاسفة وغيرهم.(1)

ص: 50


1- . العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، (ط. ج)، 9 / 41.

العلم إمّا فرض عين أو فرض كفاية أو مستحبّ أو حرام... والحرام: ما اشتمل علي وجه قبح، كعلم الفلسفة لغير النقض.(1)... تمادى بعضهم وقال: "إنه تعالى نفس الوجود، وكل موجود فهو الله تعالى" وهذا عين الكفر والإلحاد. الحمد للّه الذي فضلنا باتباع أهل البيت دون الأهواء المضلة.(2)

سأل السيد المهنّا العلامة الحلي قدس سرهما:

ما يقول سيدنا في من يعتقد التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة لكنّة يقول بقِدَم العالَم؟ ما يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟

وقال العلامة في الجواب:

من اعتقد قِدَم العالَم فهو كافر بلا خلاف؛ لأن الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع.(3)

70- يقول قطب الدين الراوندي قدس سره:

ص: 51


1- . العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، (ط. ج)، 9 / 36 - 37.
2- . العلامة الحلي، كشف الحق ونهج الصدق، 57.
3- . العلامة الحلي، أجوبة المسائل المهنائية، 88 - 89.

واعلم أنّ الفلاسفة أخذوا أصول الاسلام ثم أخرجوها على رأيهم... فهم يوافقون المسلمين في الظاهر وإلا فكل ما يذهبون إليه هدم للإسلام وإطفاء لنور شرعه ويَأْبَى الله إلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.(1)

71- اية الله الشيخ الاعظم الانصاري رحمه اللهقال قدس سره في طهارته بعين العبارة: "إن السيرة المستمرة من الأصحاب قده في تكفير الحكماء المنكرين لبعض الضروريات ولولا يرجع إلى إنكار النبي صلى الله عليه و آله وسلم ".

ص: 52


1- . الراوندي، الخرائح والجرائح، 3 / 1061.

هداية الأمة إلى معارف الأئمة اية الله الشيخ محمد جواد الخراساني

العدد التاسع عشر

إذ ليس محدودا و ***و لا محاطا جلّ أن

لا يعرف الذّات بحي ***كذا صفاته بحيثيّات

و إنّما يعرف بالأوصا***منزّها عن حيث الاتّص

فليست الصّفات أيضا ***و لا بها الذّات إذن

احد .... و سيأتي أيضا عنهم ع ما يظهر منه العموم من الاطلاقات و التّعليلات.

و في هذا، ردّ على الصوفيّة و غيرهم من الحشويّة، الّذين يعتقدون امكان العلم به كشفا او رؤية للكمّلين او لخصوص النبيّ ص، و كذلك الغلاة، الّذين يرون امثال ذلك للأئمّة ع. و لكن الأمر المحال لا يقبل التخصيص، و الاحاطة به محال من كلّ احد، إذ ليس ذاته تعالى محدودا و لا مكيّفا و لا محاطا؛ و الاحاطة، تستلزم التحديد، و العلم به، يستلزم التكييف؛ و هما أيضا

ص: 53

يستلزمان التصريف في ذاته تعالى للأوهام؛ جلّ و تعالى أن يصرّفا في قوى المحدودين. قال امير المؤمنين ع:

و لا يخطر ببال اولى الرّويات خاطرة، من تقرير جلال عزّته، لبعده ان يكون في قوى المحدودين.

و من اجل ذلك كلّه، لا يعرف الذّات عندهم ع. بحيث الذّات بل بحيث الوجود و الشّيئيّة، بمعنى أنّه موجود، و أنّه شي ء لا كالأشياء، كذا صفاته أيضا لا تعرف بحيثيّات؛ اي بحيثيّة الوصفيّة، بمعنى ان تكون لها معان قائمة بالذّات، زائدة عليها.

و إنّما يعرف بالأوصاف منزّها عن حيث الاتّصاف، فهو موصوف بها مجرّدا عن معانيها الوصفيّة و لوازمها التوصيفيّة. و على هذا، فليست الصّفاتأيضا مدركة؛ كما لا تدرك الذّات، و اذا لم تكن مدركة بنفسها، لا تكون بها الذّات إذن مداركة؛ اي يبلغ العلم و الادراك به نهايته.

و الحاصل: أنّه كما لا تدرك ذاته، لا تدرك صفاته؛ و كما لا تدرك ذاته بذاته، لا تدرك أيضا بصفاته؛ فإنّ الصفات مع أنّها غير مدركة في نفسها، ليست بمدركة له في ذاته؛ لأنّها غير الذّات، و إنّما هي معرّفة لها لا مدركة، و الذّات يعرف بها معرفة الاجمال، لا معرفة الادراك؛ قال امير المؤمنين ع: و إنّما يدرك بالصّفات ذوو

ص: 54

يكفي من العلم لأهل ***في ذاته أن يعرفوه ب

لن يكشف الذّات ع***لا باشارة و لا عبارة

لا ذاته بكنهه معرو***و لا بحيث ذاته مو

لم يعلم إلّا أنّه مو***و هذا الإقرار هو ال

به يؤدّى فرض الايما***إذ هو ايقان به في

يكفيك من وجوده ف***أن كان خارجا من

فأثبت الذّات مع التّنز***من غير تعطيل و لا

الهيئات و الأدوات، و قال الصّادق ع في حديث المفضّل:فإن قالوا: او ليس نصفه؟ فنقول: العزيز الحكيم الجواد الكريم، قيل لهم: كلّ هذه صفات اقرار، و ليست صفات احاطة؛ فإنّا نعلم أنّه حكيم و لا نحيط بكنه ذلك منه و كذلك قدير و جواد و سائر صفاته ... .

فاذا كان الذّات غير مدركة لا بالذّات و لا بالصّفات، و كانت أيضا غير محدودة و لا محاطة كذلك، فليست إذن معرفته كذلك مطلوبة من احد؛ بل يكفي من العلم لأهل المعرفة و الكمال، كائنا من كان في ذاته أن يعرفوه بالصّفة معرفة، اجماليّة، علميّة، لا ادراكيّة؛ كما قال الصادق ع في حديث المفضّل:

ص: 55

فإن قالوا: فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به؟ قيل لهم: إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه و هو ان يوقنوا به، و يقفوا عند امره و نهيه، و لم يكلّفوا الاحاطة بصفته ... .

و لأجل ذلك كلّه، لن يكشف الذّات عندهم ع عن السّتارة الغيبيّة، لا باشارة و لا عبارة فعن ابي الحسن الثالث، قال ع:

فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم يقع عليه الناعتون، لا بإشارة و لا عبارة، هيهات هيهات!!(1).فهو تعالى عندهم ع، لا ذاته بكنهه معروف؛ كما يأتي في ذلك عنهم ع اخبار، و لا بحيث ذاته موصوف، و إنّما يوصف من حيث اوصافه و افعاله، لم يعلم من ذاته إلّا أنّه موجود. و هذا الإقرار هو المقصود الكافي، المأمور به؛ كما اشار إليه الصّادق ع في حديث المفضّل و سيأتي أيضا توضيحه. و هذا الإقرار الإجمالي العلمي، دون الإدراكي بوجوده و صفاته، به يؤدّى فرض الايمان به تعالى؛ إذ هو؛ اي الأيمان، ايقان به في غيبه؛ كما قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... (2)فالمفروض من الأيمان، الايقان الغيبي لا الإدراك العقلي، او الكشف القلبي؛ قال الحسين ع:

ص: 56


1- المصدر 4: 160/ 4.
2- بقرة 2: 3.

و لا اهل التفكير، بتفكيرهم إلّا بالتحقيق ايقانا بالغيب(1). و قال ع أيضا:

يصيب الفكر منه الأيمان به موجودا و وجود الأيمان لا وجود صفة(2).

و عندهم ع يكفيك من العلم و الإقرار من حيث وجوده في العين، لا في الذّهن، أن كان عندك خارجا من الحدّين: حدّ التشبيه و حدّ التعطيل، فلا تنفيه نفيا، او تثبته و هما محضا، فيلزم التعطيل و لا تصفه محدودا مكيّفا فيلزم التشبيه، فأثبت الذّات في العين مع التّنزيه عن كلّ ما لا يليق به من غير تعطيل و لا تشبيه، و سيأتي الكلام فيه مفصّلا.و العلم بالوجود، لا يلازم العلم بالذات، فلا يقال: كيف يعلم وجوده و لا يعلم ذاته؟ قال الصادق ع في حديث المفضّل:

ثمّ ليس علم الإنسان بأنه موجود، موجب له ان يعلم ما هو و كيف هو؛ كما أنّ علمه بوجود النّفس لا يوجب ان يعلم ما هي و كيف هي، و كذلك الأمور الروحانيّة اللطيفة..(3)

لا يدرك الذّات بأيّ ***حسّ و وهم، عقل أو

لا لقصور المدركات،***بل لعلوّ ذاته، عن م

ص: 57


1- البحار 4: 301/ 29.
2- المصدر
3- المصدر 3: 148/ 1

علوّ ذاته اقتضى حجا***و الخلق أيضا اكّد ا

الأصل في امتناع الادراك، امتناع الذّات، لا قصور المدركات؛ و إن كانت هي قاصرة بالذّات

دليل امتناع إدراك ذاته تعالى في مذهب أهل البيت (علیهم السلام)

اعلم: إنّ امتناع الادراك عند اهل البيت ع، معلّل بامتناع الذّات و قصور المدركات معا، و الذوق السليم و اللّب الفهيم، يقضى بأنّ ما هو العمدة و الأصل منهما، هو امتناع الذّات؛ اذ معه لا تصل النوبة الى قصور المدركات و لا يبقى له مجال؛ الّا أنّهم ع، لم يكتفوا في التعليل بوجه واحد. و قصور المدركات عندهم أيضا بالذّات، و ان علّلوه احيانا بالعوارض و التّبعات.دليل امتناع إدراك ذاته تعالى عند غيرهم (علیهم السلام)

و امّا غيرهم، فحيث خفى عليهم الأمران: امتناع الذات و قصور المدركات بالذّات، زعموا أنّ الامتناع ليس إلّا لقصور المدركات، لأجل العوارض و التّبعات، فإذ ارتفع المانع، جاز الإدراك، فذهبوا لأجل ذلك الى جواز الرّؤية او دعوى الكشف.

ثمّ اعلم: أنّ المقصود هنا، بيان امتناع الإدراك لا امتناع الذات، و ذلك لمّا تكلّمت على مذهبهم ع بالإجمال، إنّ ذاته تعالى ممتنع الإدراك، فاردت ان

ص: 58

ابيّن معنى الامتناع و وجهه؛ و امّا بيان قصور المدركات فسوف اتعرّض لواحد واحد منها بالتفصيل.

ص: 59

عمل المعروف ينجي الكفار من النار إلا أبا طالب العلامة الشيخ علي الكوراني!

كما توجد أحاديث تدل على أن من يقدم شربة لنبي من الأنبياء ، أو خدمة بسيطة لمؤمن من المؤمنين ، تشمله الشفاعة ، فكيف بأبي طالب الذي نذر كل وجوده وأولاده وعشيرته لنصرة النبي ص ورسالته ، وتحمل أذى قريش ومكائدها وتهديدها؟ ففي ابن ماجة:2/496: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ص : يُصَفُّ الناس يوم القيامة صفوفاً ، وقال ابن نمير أهل الجنة ، فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له. ويمر الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً؟ فيشفع له . قال ابن نمير ويقول: يافلان أما تذكر يوم بعثتني في حاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له . انتهى .

ص: 60

وفي الدر المنثور:2/249: عن ابن مسعود قال قال رسول الله ص في قوله: فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، قال: أجورهم يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا . انتهى .

لكن جواب علماء السلطة حاضر ، وهو أن أبا طالب مجرم كبير مثل أبي لهب وأبي جهل وفراعنة قريش الذين كذبوا النبي ص وتآمروا لقتله ! ولذلك لا تؤثر فيه الشفاعة إلا بنقله من قعر جهنم إلى الضحضاح !!

فحماة الأنبياء في منطق السلطة كأعداء الأنبياءع ، بل أسوأ حالاً !

أحاديث نجت من الرقابة القرشية !

رغم عمل علماء السلطة ورواتها ، فقد استطاعت بعض الأحاديث أن تعبر نقاط التفتيش ، وتنجو من رقابة الثقافة القرشية الحاكمة .

منها ما في مجمع الزوائد:8/216 في قول عمر لصفية عمة النبي ص وما أجابه به: قال: فغضب النبي ص وقال: يا بلال هجر بالصلاة فهجر بلال بالصلاة فصعد المنبر ص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع؟! كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي! فإنها موصولة في الدنيا والآخرة .

وفي فردوس الأخبار:4/399ح6683: ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لاتنفع؟! والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة .وقال ابن الأثير في أسد الغابة:1/134: عن شهر بن حوشب قال أقام فلانٌ يقصد معاوية خطباء يشتمون علياً رضي الله عنه وأرضاه ويقعون فيه ، حتى كان آخرهم رجلٌ من الأنصار أو غيرهم يقال له أنيس، فحمد الله وأثنى عليه

ص: 61

ثم قال: إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل وشتمه ، وإني أقسم بالله أني سمعت رسول الله ص يقول: إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر وشجر ، وأقسم بالله ما أحدٌ أوصل لرحمه منه ، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته ؟! انتهى.

الأسئلة

1 - ما قولكم هل تشمل شفاعة النبي ص بني عبد المطلب أم لا ؟

2 - ما رأيكم فيما رواه البخاري من أن النبي ص تبرأ من ولاية آل أبي طالب .

3 - هل تعترفون بوجود حسد من قريش لبني عبد المطلب ، وأن النبي ص كان يقف في وجه الحاسدين بشدة؟

4 - بماذا تفسرون سخاء أحاديث صحاحكم بالشفاعة والجنة على العاصين من المسلمين ، وعلى المنافقين ، وعلىاليهود والنصارى ، وبخلها على أقارب النبي ص وأسرته ؟! هل هي مصادفة أم خط سياسي متعمد ؟!

ص: 62

5 - ما دام ثبت عندكم أن بطون قريش بخلوا على بني عبدالمطلب بشفاعة النبي يوم القيامة وردوا عليه في حياته ، فلماذا لا يمكن برأيكم أن يكونوا بخلوا عليهم بخلافته وخالفوا قوله ؟!

ص: 63

رسالة الاثنی عشرية في الرد علی الصوفية و العرفاء

الحلقة الثالثة والعشرونهذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء

الفصل الثاني

في تحريم الابتداع في الدين

ويدل على ذلك اثنا عشر وجها:

الأول: قضاء الضرورة به فإنه من أوضح ضروريات الدين وقد انعقد على التحريم هنا إجماع المسلمين.

الثاني: ما رواه الصدوق في الفقيه بأسانيده الصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان في الزمان الأول رجل طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها وطلبها من حرام فلم يقدر عليها فأتاه الشيطان فقال له يا هذا إنك قد طلبت الدنيا من حلال فلم تقدر عليها فطلبتها من حرام فلم تقدر عليها أفلا أدلك

ص: 64

على شيء تكثر به دنياك ويكثر به تبعك؟ قال: بلى تبتدع دينا وتدعو الناس إليه ففعل فاستجاب له الناس فأطاعوه وأصاب من الدنيا ثم إنه فكر فقال ما صنعت ابتدعت دينا ودعوت الناس إليه وما أرى من توبة إلا أن أتى من دعوته فأرده عنه فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول إن الذي دعوتكم إليه باطل وإنما ابتدعته فجعلوا يقولون: كذبت هو الحق ولكنك شككت في دينك فرجعت عنه فلما رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها وتداثم جعلها في عنقه وقال لا أحلها حتى يتوب الله علي قال فأوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل لفلان وعزتي وجلالي لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك ما استجبت لك حتى ترد من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه(1).

الثالث: الآيات الشريفة القرآنية كقوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون)(2)

(إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان)(3)

(ايتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم)(4) إلى غير ذلك.

ص: 65


1- ج 3 ص 572
2- يونس: 59
3- النجم: 23
4- الأحقاف: 4

الرابع: ما رواه العامة والخاصة عنه عليه السلام أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا وقال إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله(1).

أقول: فيه دلالة على وجوب إبطال البدع والرد على أهلها واستحقاق من ترك ذلك اللعن فكيف لا يستحقه أهل البدع. الخامس: ما رواه أيضا عنه عليهالسلام قال: من أتى ذا بدعة فعظمه فإنما سعى في هدم الإسلام(2).

وقال: أبى الله لصاحب البدعة التوبة قيل ولم ذلك؟ قال: إنه قد أشرب قلبه حبها(3).

السادس: ما رواه عنه عليه السلام قال: إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان وليا من أهل بيتي موكلا به يذب عنه ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي

ص: 66


1- كا: ج 1 ص 54
2- كا: ج 1 ص 54
3- كا: ج 1 ص 54 وقال العلامة المولی محمد تقي المجلسي، في الروضة: وأما اليوم وإن كان الولي غائبا فآثار الأئمة المعصومين عليهم السلام ظاهرة والعلماء المؤيدين عن الله موجودون مع أنه اشتهر كثيرا هدايات الصاحب عليه السلام لجماعة من العلماء عند المشكلات، والحمد لله رب العالمين، على أنه كلما أشكل علي تشرفت بخدمته عليه السلام في الرؤيا الصادقة الظاهرة آثارها كما ورد في الأخبار أن غيبته كغيبة الشمس تحت السماء ونفعها ظاهر لا يخفى. راجع: ج 9 ص 329.

الألباب وتوكلوا على الله(1).

أقول: فيه دلالة على وجوب الرجوع إلى أهل العصمة أو كلامهم عند ظهور البدعة مضافا إلى ما سبق.

السابع: ما رواه أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إنما بدو وقوعالفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله يتولى فيها رجال رجالا فلو أن الباطل خلص لما يخف على ذي حجى ولو أن الحق خلص لم يكن اختلاف ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا فعند ذلك (فهنالك) استحوذ الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى(2).

الثامن: ما رواه عنه عليه السلام قال إن من أبغض الخلق إلى الله عز وجل لرجلين: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة قد لهج بالصلاة والصوم فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد مماته الحديث(3).

التاسع: ما رواه بإسناده الصحيح عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام

ص: 67


1- كا: ج 1 ص 54
2- كا: ج 1 ص 54
3- كا: ج 1 ص 55

قالا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار(1).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار(2).

العاشر: ما رواه عنه عليه السلام قال: لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين فإن كل نسب وسبب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع إلاما أثبته القرآن(3)

وعنه عليه السلام قال: ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة(4).

الحادي عشر: مار واه عنه عليه السلام قال: ما من أحد إلا وله شرة وفترة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى بدعة فقد غوى(5).

الثاني عشر: ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن سعد بن عبد الله عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: إذا قام القائم أمر يهدم المنار والمقاصير التي في المساجد فقلت في نفسي لأي معنى هذا؟

ص: 68


1- كا: ج 1 ص 56 - 57
2- كا: ج 1 ص 56 - 57
3- كا: ج 1 ص 59
4- كا: ج 1 ص 58
5- البحار ج 71 ص 211

فأقبل علي فقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة(1).

أقول: إذا عرفت هذا ظهر عندك بطلان التصوف لاشتماله على البدع السابقة وغيرها التي لم يكن شيء منها في زمن الأئمة عليهم السلام متبعا لهم ولا لشيعتهم ولا مأمورا به منهم كما عرفت والله أعلم.

ص: 69


1- كتاب الغيبة ص 123

مناظرات حول المعاد

الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين

هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ المعارف الالهية وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي .وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي .

ص: 70

المناظرة الرابعة

الأُستاذ سيّدان:

خلاصة ما طرح لحد الآن، هو أنّ الميزان الواقعي في بحث المعاد عبارة عن الوحيو يثبت من طريق الأدلة الشرعية والآيات والروايات مع قطعية الأدلة والسند.

وقال الآخوند ملاصدرا: إنّ المعاد جسماني، وقد تمّ عرض موارد

بعنوان شاهد على هذا المدّعى. ولكن قيل: اتضح - بالالتفات إلى قسم صريح من كلماته - أن مراده من الجسم ليس ما فهمه الفقهاء والمحدّثون؛ لأنّ البدن عندهم هو البدن العنصري الترابي والّذي تتعلّقبه الروح، مثل هذه الدنيا. والحال أن الآخوند يعتبر البدن منشأ النفس و صورة بلا مادة، طبقا للأصل الّذي أسّسه و هو: شيئية الشيء بصورته.

و أنتم تفضلتم: إنّ هذا الكلام يقوله المتكلّمون استشهادا بالآثار والخواص الّتي أثبتوها للجسم الأخروي، من قبيل: عدم البُعد الزماني والمكاني و... .

و أنا قلت: يبدو ممّا طرحه القوم من إيضاحات أنّ هاتين المدرستين متعارضتان فيما بينهما، والدليل الّذي اُقيم لإثبات وحدتهما و توافقهما،

ص: 71

فضلاً عن دعوى الإتحاد - و إن كان ذلك ممكنا - هو أنّ هذه الأجزاء في شرائط العالم الآخر تتبدل حالاتها و خواصّها، كما هو الحال في هذا العالم، إذ تختلف الأجزاء المادية بلحاظ الخواص والآثار، كالحجر، والهواء، والكلور، والّتي تختلف فيما بينها من حيث اللطافة والكثافة وكثير من حالاتها الاُخر.

و تفضلتم بأنّ فواكه الجنّة في ذات الوقت الّذي تتناولها يد المتنعّمين لا يخلوا موضعها؛ وهذا لا يتلائم مع المادية العنصرية.

و قلنا: ما الإشكال في أنّ تحلّ فاكهة محل المقطوفة، بدلاً عن أن لا تقلّ أصلاً، و في غير هذه الصورة لابدّ أن نقول: بأنّها مجرّدة. ثمّ إنّكم طرحتم بعض الآيات، من قبيل:يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ(1).

وَ نُنْشِئَكُمْ فِى ما لاَ تَعْلَمُوْنَ(2).

و من المناسب الآن، و للمرة الثانية التأمل في عبارات القوم كي نتبيّن أنّ كلا المدرستين إحداهما في قبال الأخرى.

1 - مدرسة صنف من المحدثين والفقهاء المرتكز في أذهان العموم أنّهم المتشرعة، القائلين: إنّ الأبدان العنصرية الّتي هي من أجزاء هذا

ص: 72


1- - ابراهيم/48.
2- - الواقعة/61.

العالم، هي الّتي تعود.

2 - مدرسة الآخوند ملاصدرا.

بعد هذه المرحلة نقول: لأجل فهم حقيقة إحدى المدرستين، لابدّ من الرجوع إلى ما يختصّ بها مباشرة، و في هذه المرحلة نأتي ببعض الآيات الّتي يُفهم منها جيدا كلام المحدثين، و لا يمكن - لوضوحها - الاستعانة بواسطة آيات اُخرى، من قبيل: وَ نُنْشِئَكُمْ فِى ما لاَ تَعْلَمُوْنَو يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ؛ لأنّ المستفاد من الآية الأولى ليس سوى: أن عالما جديدا بعد العالم ما فوق عالم الدنيا. و لا يعرف الناس وضعه و كيفيته، و هذا الأمر لا يتنافي مع كونه ماديا.

مثال ذلك: عالم رحم الأُم بالنسبة إلى الدنيا بعد الولادة. صحيح أنّالخطاب توجّه إلى الطفل في رحم اُمّه من أنّك ستقدم إلى عالم آخر، ولا تستطيع الآن إدراكه، والحال أنّ كليهما عالم مادي و عنصري.

و كذلك قول الحق تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، فقد فسّرت في الروايات بمعنى لا ينافي المادية، ويلزم الالتفات إلى هذه النقطة و هي: إنّ ما كان بعيدا عن الأفكار الإنسانية، وما وقع محلاً لاستبعاد المنكرين، هو هذا المعاد الّذي يقول به المحدثون، و هو أنّه من هذه العظام الرميمة يُحيى البدن أيضا. و إلاّ لم يستبعد خلع كساء الروح، كما يقتضيه مسلك الآخوند ملاصدرا: بأنّ الروح تخلع هذا الكساء المادي، و ينقطع تعلقها بالبدن العنصري.

ص: 73

فما كان غير مستساغ، هو هذا المعنى الظاهر والمتفق عليه من البدن المادي.

الأُستاذ جوادي:

إذا أردنا تنظيم مبحث المعاد، سيكون بهذا الترتيب:

1 - المعاد كما يكون روحانيا يكون جسمانيا، وهو محل اتّفاق وجهتي نظر الطرفين.

2 - هل أن جسم ذلك العالم مركب من الهيولى والصورة، أو أنّه صورة بلا هيولى؟

والبحث الثاني ليس عند طبقات الناس، وكذلك المحدثين؛ لأنّمسألة الهيولى والصورة ليست مسألة عرفية أو مسألة معنونة في الأحاديث.

إتّفق كلا الطرفين في البحث الأوّل على أن ما يثبته الوحي للجسم الأخروي ثابت، وما ينفيه عنه فهو منفي. ولا موضع للعقل قبال الوحي، فلا ينفي ما أثبته الشرع لهذا الجسم، ولا يثبت ما نفاه الشرع عنه.

والخلاصة: إنّ تمام الصفات والخصوصيات الّتي اُطلقت في الكتاب والسنة على الجسم الأخروي، يرتضيها الحكيم الإسلامي و يعتقد بها.

و أمّا البحث الثاني فهو بحث عقلي صرف، ولا يتعامل معه المحدث بما هو محدث، فهو خارج عن دائرة عمله، ولا يستطيع إثبات ذلك أو

ص: 74

نفيه، والفيلسوف بما أن نظرته شاملة للكون، فله حق التفكر و إبداء الرأي في كلّ موجود في أي مكان.

إنّ أساس إثبات الهيولى المادة للجسم من الجوانب التجريبية

والفيزيائية الحديثة غير قابل للنفي أو الإثبات، كما أنّ ذلك لم يُتعرّض له في الحديث أيضا. والجسم بما أنّه تدريجي الوجود في هذا العالم، فهو يتبدّل و يتكامل، و طبيعي انه يمكن إثبات أن يكون له حصول. و لكن بما أنّ في ذلك العالم لا يوجد زمان، إذ يُطوى فيه بساط الزمن، يقول الحكيم: فلا طريق لي لإثبات الهيولى، إنّ الّذي أقوله إنّه لا يوجد زمان؛ و ذلك لأنّ الزمان يتشكل من حركة الأرض أو الشمس، وهناكلا توجد أرض، فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(1).

و أمّا ذكر الزمان في أدلتنا الشرعية، فهو مماشاة لجري ألسنتنا، فهناك لا توجد حركة، فإذن لا يوجد زمان، هي نشأة كُنْ فَيَكُونُ. و هنا يقول الفيلسوف: بأي شيء يمكن إثبات الهيولى؟!

و أمّا ما تفضلتم به من أمر الاستبعاد وهو رجوع الأبدان، فنقول: إن ما كان مشكلاً غير قابل الفهم للناس، هو تجرّد و استقلال الروح؛ لأنّهم كانوا يظنون أنّ الإنسان يضمحل مع بدنه: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِى الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِى خِلْقٍ جَدِيْدٍ(2).

ص: 75


1- - الحاقة/14.
2- - السجدة/10.

فقال اللّه تعالى في جوابهم: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ(1). يعني أنّ المسألة، مسألة التوفّى والقبض لا الفوت والضياع.

والحكيم لا يقول: إنّه ليس هناك أرض، و إنّما يقول: إنّ الأرض تتبدّل، و من تلك الأرض المبدلة تتفجر الأنهار، والأعمال الّتي في هذه النشأة عَرَض، هي في تلك النشأة جوهر، فكلّ ما في الأرض يتبدّل.

والخلاصة: إنّ الّذي يجب أن يثبته المحدّث هو أنّ الجسم هناكمركّب من الهيولى والصورة، ويثبت الزمان والحركة والتدريج، و إذا لم تثبت هذه، فسيكون الجسم بلا مادة.

الأُستاذ سيّدان:

صحيح أن المحدث لا علاقة له بالهيولى والصورة، ولا يطرح البحث بهذا الشكل، ولكن ليس مصب الكلام هو: هل إنّ جسم عالم الآخرة له هيولى أم لا؟ في حين أن وجود الهيولى في هذا العالم هو مورد بحث أيضا، وليست قانونا قطعيا.

مضافا إلى ذلك - و طبق ما قاله بعض أهل الفنّ - إنّ تعلّق الصورة

ص: 76


1- - السجدة/11.

بشيء لا يتوقّف على وجود الهيولى، فيمكن أن تكون شرائط ذلك العالم شرائط لا تحتاج معها إلى الهيولى، مع ما أنّ الجسم الّذي له جهة مادية، والصورة عارضة عليه. ولكنه في نفس الوقت لا يلزم أن تكون الهيولى عارضة عليه نظير ما تخيّله البعض بأنّ النور جزء من الشرائط القطعية للحياة، ولكن قد ردّت هذه النظرية فيما بعد، و عرفوا أنّ النور قد يوجب القضاء على بعض الحيوانات في قعر البحر.

و إذا تجاوزنا ذلك، فالمهم هو محتوى البحث - و بغضّ النظر عن الاصطلاح - و هو هل إنّ الأجزاء الوجودية لهذا العالم موجودة في العالم الاخروي أم لا؟و هل إنّ الجوهر و حقيقة هذا العالم تعود في العالم الاخروي أم لا؟

والمتوفّون من الأفراد لهم نفس و جسد، فهل هذه الأجزاء - بهذا المعنى في هذا العالم - تعود في ذلك العالم أم لا؟

و ما هو المستفاد من أدلة الوحي؟

المستفاد صراحة من أقوال الآخوند ملاصدرا هو: إنّ ما كان من الأجزاء المادية والعنصرية لهذا العالم لا تتحقق له في ذلك العالم. و بهذا البيان يُجاب عن شبهة نقصان أجزاء الأرض، و شبهة الآكل والمأكول.

الأستاذ جوادي:

ص: 77

لا يقول المرحوم الآخوند ملاصدرا: إنّ أجزاء هذا العالم لا تحققّ لها هناك، و إنّما يقول: حتّى خطوط الأصابع تعود هناك، ولكن خطوط الأصابع عند خلقها على نحوين:

نحوٌ مع علة قابلة، يعني الاستعداد لأجل التبديل والتدرّج الفاعلي.

و نحوٌ مع علة فاعلة فقط، يعني بمجرّد الإرادة.

ففي هذا العالم تحتاج خطوط الأصابع إلى هاتين العلتين، ولكن في الآخرة تكون الحاجة فقط للعلة الفاعلة، و هي إرادة الحق تعالى.

الأُستاذ سيّدان:يعني هل إنّ الأجزاء الوجودية ل- زيد، والّتي كانت معه في هذا العالم، توجد في ذلك العالم بالإرادة؟

الأستاذ جوادي:

نعم، هو كذلك.

الأستاذ سيّدان:

فهل إنّ أجزاء يدي هذه موجودة هناك بغير هذه الهيئة؟

ص: 78

الأستاذ جوادي:

نعم، موجودة.

الأستاذ سيّدان:

إذن، على هذا فالجسم المحشور يكون من هذه الكرة الأرضية؛ لأنّ

أجزاء اليد موجودة في الأرض، والحال أنّه الملاصدرا صرّح: بأنّالمحشور ينهض من هذه الأرض، ويقولون بأنه جسم، فهناك مجرد إبداع و إنشاء النفس، لا جسم هذا العالم. و في مرحلة الإيجاد فقط، ليست هناك حاجة إلى التدرّج.

الأستاذ جوادي:

إنه جسم هذا العالم، ولكن ينقطع ارتباطه مع الأرض.

ص: 79

يقول في مسألة شبهة الآكل والمأكول:

إنّ مجازات المجرم في هذا العالم لها توجيه بأي نحو كان، و هكذا هناك أيضا. فمثلاً: لو سرق شخص في هذا العالم في سن العشرين، و بعد عدة سنوات عندما يصل إلى سن الكهولة يقدّم إلى محكمة العدل الإسلاميه، و تقطع أنامله، والحال أن جميع جسمه و أعضاءه قد تبدّلت؛ لأنّ شيئية الشيء بصورته. و هذا الأمر نفسه في عالم الآخرة. فإنه توجد مرتبة واحدة من الأجزاء الوجودية لهذا العالم في ذلك العالم.

الأستاذ سيّدان:

إذا تقرَّر وجود مرتبة واحدة من الأجزاء الوجودية في ذلك العالم، فلا معنى لقطع ارتباطه، يقول الآخوند صدرالمتألهين: لا أثر لأجزاء زيد الوجودية والّتي ابتلعتها الأرض، بل هي النفس، فإنه يتمّ إيجاد صورة لا ارتباط لها بالمادة الأرضية أصلاً، والحال أنّ هذا الكلام لا يقول به المحدّثون.

و مرة أخرى نستذكر ما طرحناه خلال البحث من كلمات أكابر أهل الفنّ فلتراجع. و كذا ما أوردنا من كلمات صدرالمتألهين.

الأستاذ جوادي:

ص: 80

نحن عندنا نوعان من المادة:

إحداها: المادة الّتي لا تستطع أن تكون كاملة، فليس لها تكامل و تدرّج.

ثانيها: المادة الّتي لها القابلية على التكامل، و لهذا يقول أهل جهنّم: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلُ صَالِحَا(1).

أرجعنا إلى ذلك العالم لنتكامل بالعمل الصالح.

الأستاذ سيّدان:

أخيرا، هل إنّ أجزاء زيد الوجودية موجودة في ذلك العالم أم لا؟

الأستاذ جوادي:

نعم، هي موجودة، ولكن منقطعة عن المادة.

ص: 81


1- - السجدة/12.

الأستاذ سيّدان:

الأجزاء الوجودية لزيد مساوية، مع كونها مادية، والحال أن الآخوند ملاصدرا منقول: إن أجزاء زيد الوجودية، والّتي تصبح جزءا من البدن لا ربط لها بهذا العالم، و إنما النفس تُنشى ء صورة متناسبة مع الصفات.

الأستاذ جوادي:

إحد عقائدنا هي: إن الأرض تشهد في العالم الآخر، و مسلّم أنّ الأرض تتبدّل إلى أرض أخرى يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ(1). إذن، لابدّ أن يتبدّل ارتباط زيد بهاتين الأرضين.

الأستاذ سيّدان:

فهل إن معنى تبدّل الأرض هو: أنّ الأرض تعدم أساسا، أو أنّ الأرض نفسها تتبدّل مع تغيير الشرائط والأوضاع بنوع آخر و وضع آخر؟

ص: 82


1- - ابراهيم/48.

والخلاصة: إذا كان مراد الآخوند ملاصدرا هو أنّ هناك مادة أرضية، و لو بصورة أخرى، فيأتي أيضا إشكال نقصان أجزاء الأرض.

فعليه، لابدّ أن يقول: لا وجود للأجزاء الأرضية والعنصرية في ذلك العالم، كما صرّح بذلك. ولا يمكن استفادة مدّعى الآخوند من ظواهر الأدلة الشرعية، فإنه معنىً خطر في ذهنه. فإذا غار فقيه في تحقيق أدلّة المعاد من الآيات والروايات، كما يغور في الفروع و روايات الأحكام، فإنه لا يستفيد ذات المعنى الّذي استفاده الآخوند.

فعليه، لا يوجد عندنا من ظواهر الأدلة موضوع يفيد ما أفاده.

يقول كاتب هذا الكتاب: و هذا الكلام وقع مورد تأييد الأستاذ الآملي ظاهرا.

ص: 83

ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر مرتضی العاملي

العدد الثالث

تتمة الادلة التي يستدل بها علی تشيع ابن عربي

6- حديث المنزلة:

وقالوا: «لقد أومأ بدقة إلى حديث المنزلة، تحت عنوان «فص هاروني» من كتاب الفصوص، والعبارة هي قوله:

«فص حكمة إمامية في كلمة هارونية».

حيث دلت عبارته هذه - بزعمهم - على أمرين:

أحدهما: أن ظاهر الكلمة يوهم: أن حكمة الطائفة الإمامية في الكلمة الهارونية، وهي حديث المنزلة، ولفظ أخلفني.

ثانيهما: إنه أورد في عبارته المقام الهاروني صريحاً بلفظ «الإمامة»، ولم يبال بمخالفة علماء أهل السنة، وإنكارهم الخلافة الهارونية..»().

ونقول:

ص: 84

أولاً: إن هذا الإستدلال غريب أيضاً.. فإنه لم يورد في ذلك الفصل أي شيئ يشير إلى هذه التفاصيل التي ذكروها سوى هذا العنوان الآنف الذكر، فهو لم يشر إلى الإمام علي عليه السلام، ولا إلى حجة الوداع، ولا إلى حديث المنزلة، ولا لغير ذلك، مما يدل على أمر الإمامة، لا من قريب ولا من بعيد..

ثانياً: إن كلمة الإمامة تستعمل عند أهل السنة في معنى الخلافة أيضاً.. وأهل السنة ينكرون خلافة هارون لأخيه موسى، وصيرورته بذلك إماماً لقومه بعده.. بحجة أن النبي هارون عليه السلام، قد مات قبل النبي موسى عليه السلام، فلا معنى لأن يكون خليفة له من بعده..

ونقول لهم: إن المراد من حديث المنزلة هو إثبات المنزلة التي كانت لهارون النبي من النبي موسى عليهما السلام - إثباتها لأمير المؤمنين عليه السلام، فإذا ثبتت بقيت.

ويكون للإمام علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله منزلة هارون من موسى ما دام الإمام علي عليه السلام حياً، حتى بعد وفاته صلى الله عليه وآله.. وليس المراد التشبيه بموسى وهارون من جميع الجهات، حتى في الحياة والممات، وحتى في مواجهة هارون لعبادة العجل الذي صنعه السامري لبني إسرائيل.. وما إلى ذلك..

ص: 85

ثالثاً: إنه إذا جاز أن يكون لهذا التلويح المدعى أي أثر في معرفة حقيقة اعتقاد ابن عربي، فلماذا لا يكون لتلك التصريحات التي وردت في هذه الدراسة، وهي تعد بالعشرات، بل بالمئات، دلالة على ضد ذلك؟!..

خصوصاً مع تصريحه بعدم استخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله لأحد من بعده، وغير ذلك مما سيأتي..

7- مودة ذوي القربى:

قد نسبوا إلى هذا الرجل قوله:

رأيت ولائي آل طه وسيلة *** على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى *** بتبليغه إلا المودة في القربى()

وقد اعتبروا ذلك من دلائل تشيعه..

ونقول:

أولاً: إن هذين البيتين لا يدلان على أكثر من إظهار الحب والولاء لأهل البيت عليهم السلام، ولا يدلان على الاعتقاد بإمامتهم. وقد مدح الشافعي أهل البيت عليهم السلام، والشافعي ليس من الشيعة قطعاً.. ومدحهم أيضاً وغالى فيهم ابن أبي الحديد المعتزلي، وهو ما فتئ يبذل جهده في نقض عقائد

ص: 86

الشيعة، حتى إنه ليتشبث بما هو أوهى من بيت العنكبوت، فهل صارالمعتزلي شيعياً، وكذلك كل من أظهر الولاء والحب لأهل البيت صلوات الله عليهم؟!..

ثم إن من المعلوم: أن إظهار الحب لهم عليهم السلام واجب على كل مسلم، بنص آية المودة وغيرها، فمن لا يواليهم لا يكون مسلماً بإجماع الأمة، لأنه يكون صريح المعاندة للقرآن الكريم..

ثانياً: لو كان هذان البيتان يدلان على التشيع بمعناه الاعتقادي والفقهي لدخلت في التشيع أمم عظيمة من الناس من أهل السنة الذين مدحوا أهل البيت عليهم السلام، مع أن منهم من هو من أشد الناس على شيعة أهل البيت، وأحرص الناس على نقض عقائدهم، مثل الفضل بن رزوبهان، وابن حجر الهيتمي.. بل يدخل فيهم من حارب أهل البيت عليهم السلام أنفسهم، فقد ورد في التاريخ: مدح عمرو بن العاص علياً، وورد أيضاً مدحه عليه السلام من قبل معاوية، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء أيضاً..

ثالثاً: قد تقدم أن ابن عربي نفسه قد صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحداً..()

وأي تأويل لكلامه مرفوض، لأن سائر كلماته الصريحة تؤيد وتؤكد عدم تشيعه..

رابعاً: إننا نشك في صحة نسبة هذا الشعر لابن عربي، إذ قد قال الكنجي ما يلي: «وأنشد بعض مشايخنا، وهو محمد بن العربي، شيخ المحققين: رأيت ولائي آل طه وسيلة.. الخ..»().

ص: 87

وقال ابن حجر الهيتمي:

«وللشيخ الجليل شمس الدين ابن العربي: رأيت ولائي آل طه الخ..»().

ونحن نسجل هنا الملاحظات التالية:

أ - إننا لم نجد هذين البيتين فيما بين أيدينا من مؤلفات لابن عربي، رغم أنه قد ضمن كتبه الكثير من أشعاره..

ب - هناك اثنان باسم ابن عربي، وابن العربي..

أحدهما: القاضي محمد بن عبد الله، بن محمد المعافري، الأشبيلي، المالكي، أبو بكر ابن العربي. وهو من حفاظ الحديث، وهو صاحب كتاب العواصم من القواصم. وكتاب عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي، وغير ذلك، وقد رحل إلى المشرق أيضاً، وتوفي سنة 543..().

الثاني: محمد بن علي، بن محمد ابن العربي، أبو بكر الحاتمي، الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، والملقب بالشيخ الأكبر. زار بلاد الشام، وبلاد الروم، والعراق، والحجاز، ومصر، وغيرها..

ويقول محمد قطة العدوي: إن أهل المشرق قد اصطلحوا على التعبير عن محيي بكلمة «ابن عربي» بدون ألف ولام، فرقاً بينه وبين القاضي ابن العربي..().

وبعدما تقدم نقول:

ص: 88

إن الملاحظ هو: أن الكنجي الشافعي، وهو مشرقي، قد عبر ب- : «ابن العربي» وهذا هو نفس التعبير الذي ورد في الصواعق أيضاً..

فإذا صح ما قاله العدوي، فإن قائل هذين البيتين يكون هو ابن العربي، أي القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله، بن محمد المعافري، وليس محيي الدين محمد بن علي، ابن عربي الطائي..

ج - إن اللقب الذي أطلقه الهيتمي على قائل هذين البيتين هو «شمس الدين»، ومن الواضح أن لقب صاحب الفتوحات هو محيي الدين.. وهذه قرينة أخرى على أن المراد هو ابن عربي آخر، فإما أن يكون القاضي المعافري، وهو محمد ابن العربي، أو يكون شخصاً غير هذين الاثنين..

ص: 89

نظرة يقظة في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة الشيخ حيدر الوكيل

الحلقة الرابعة

الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين

كتب الاستاذ الفاضل الدكتور محمد جواد الطريحي اعزه الله تعالى مقدمة لكتاب المرحوم العلامة المظفر قدس سره احلام اليقظة , وعند قرائتي لها وجدت مواضع للنظر والتعليق .. وقد طلب مني فضيلة الاخ العلامة الشيخ عبد الامير الطريحي دام عزه ان اكتب ما عندي فاستجبت له سائلا المولى سبحانه ان يغمرنا جميعا بعفوه ورحمته مسمتيحا العذر من جناب الدكتور الجواد الطريحي ..

وسأقف مع الاستاذ الدكتور في واحات واسال الله تعالى التوفيق

ص: 90

الواحة الخامسةعلم الكلام علم لم يحظ بنصيب وافر من الدراسة الواعية الحرة مما ادى الى انطلاق نزعة التقليد في مسائله بل وفي تقييم مساره التاريخي والكلام في علم الكلام طويل مشج ولكن لابد من التعرض الى شئ منه هنا لما نثره الباحث الجواد من افكار لايؤيدها واقع العلم بعد الفحص والمتابعة .

علم الكلام او الفكر العقائدي الاسلامي هو فكر اسلامي قرآني تكفل بيانه القرآن والسنة الشريفة واعلامة المؤسسون هم الرسول الاعظم واله الاطهار (صلى الله عليه واله )..

نعم لعلم الكلام ادوار مر بها ولكننا لا نرى التنازل عن اصالة التاسيس الاسلامي لهذا العلم لانه العمود الفقري للدين الاسلامي وتطوره انما هو في جانب الدفاع عن العقيدة او اسلوب العرض , وللتوضيح نقول : ان علم الكلام هو علم بيان العقيدة والدفاع عنها , فلعلم الكلام وضيفتان :

الاولى : بيان العقيدة الاسلامية .

الثانية : الدفاع عن العقيدة الاسلامية امام الشبهات المثارة من الخصوم .

ونجد ان هناك اغفال للجانب الاول حتى ان الباحث قال " واما سبب نشوء علم الكلام عند المسلمين فقد كان "للدفاع عن عقائدهم باسلوب البراهين الفلسفية ..الخ "

ص: 91

ولكن بعد استيضاح حقيقة علم الكلام نجد ان اصالة تاسيس علم الكلام واسلاميته مما لا يسع المنصف انكاره .

نعم لابد من معرفة الادوار التي مر بها علم الكلام وهي فيما نجد ملامحة واضحة بادنى ملاحظة هي اربعة ادوار :

الدور الاول : هو دور النص , وهو الدور الذي بينت فيه العقيدة الاسلامية بواسطة دعاتها المؤسسين المتمثلة بيانتهم بالقران الكريم والسنة الطهرة .

وهذا الدور هو اهم الادوار ولا ينبغي تجاوزه بحال وما يقال من ان الاعتماد على النصوص في تحصيل العقيدة خطأ علمي لاستلزامه الدور لا يعدو ان يكون وهما او شبكة من شباك الشيطان لابعاد الامة عن منبع العقيدة الحقة ودعاتها العظام صلوات الله عليهم .

الدور الثاني : دور اوائل الغيبة الكبرى , التي تميزت بقيادة العلماء وابتعاد القيادة المعصومة عن الساحة الفكرية للامة وبقيت النصوص وخضعت لاجتهاد الاعلام وتقديرهم للامور والمواقف واسلوب العرض والدفاع ومن هنا نجد ظهور المحاكاة للكلام السني ابتعادا واقترابا في شقيه الاشعري والمعتزلي وهذا ما فرضته ظروف التولي للزعامة واهمية الاندماج في الجو الفكري العام مع الاحتفاظ بالخصوصية , فاخطاوا واصابوا فجزاهم الله خيرا .

وفي هذا الدور ظهرت محولات رد الفلسفة بالاسلوب العقلي مع ظهور حالة العداء بين الكلام والفلسفة وانفراد كل منها بمسائل تخصه .

ص: 92

الدور الثالث : دور التوفيق بين الفلسفة والكلام وانضج ما ظهر فيه هو تجريد الخواجا نصير الدين الطوسي ره وبهذا الدور صارت الفلسفة بمدرستها المشائية مقدمة للكلام بشكل رسمي ان صح التعبير.

الدور الرابع : هو دور ملا صدرا الشيرازي الذي قضى فيه على ملامح علم الكلام ولم يبق منها شئ كما اعترف به الشيخ مطهري في محاضرات في تاريخ الفلسفة.

تنبيه : لاينبغي اغفال امرين:

الاول : ليس كل ما ظهر من نتاج كلامي هو تابع لهذا التحديد لادوار علم الكلام بل كانت هذه هي الصبغة الغالبة.

الثاني : ان هناك مدارس عارضت وبشدة التغلب الفلسفي على المدرسة الكلامية وحاولت الرجوع الى المنابع الاصلية وفي مدى نجاحها او اخفاقها ما لا يسعني التعرض له هنا.

ومن هنا نقول لا تصح دعوى ان علم الكلام نشأ :" للدفاع عن عقائدهم باسلوب البراهين الفلسفية حيث حاولوا التنسيق بين الاراء الرائجة في الفلسفة وبين نظريات الاسلام للدفاع عن العقيدة الاسلامية عندما هاجمتها الفلسفة اليونانية واستخدموا الاساليب البرهانية التي تستخدمها الفلسفة " ص18.

ص: 93

وذلك لان علم الكلام نشأ مع الاسلام بل هو عموده الفقري ولا وجود للاسلام بدون العقيدة .

الواحة السادسة

1- هناك اشكالية مهمة ينبغي الالتفات اليها وهي ان معظم الباحثين يجعلون علم الكلام عند المخالفين محط انظارهم عند البحث في تاريخ العلم او معرفة مميزاته اما نحن فجعلنا محور حديثنا عن علم الكلام هو ما عند الاصحاب .

2- هناك خلط كبير عند الكثيرين بين المنهج العقلي والفلسفة نشأ من تسمية الفلسفة بالعلم العقلي واضفاء صفة العقلية عليها.

والاسلام دين ذو منهج عقلي اي يعتمد الموازين العقلية التي وهبها الله تعالى للانسان وليس دينا فلسفيا بمعني الفلسفة المطروحة عند البشر في مدارسها ومشاربها المختلفة .

3- هناك اقصاء للنص عن سبيل تحصيل العقيدة بفرض ان النقل لا يمكن الاعتماد عليه ما لم يثبت اصل اعتباره وهذا لايتم الا بالعقل وبالعقل وحده

والصحيح ان النقل له دوره الكبير في تبيان العقيدة الموافقة للعقل بالمعنى الذي نقول به اعني العقل الفطري المركوز عند نوع البشر .

ص: 94

4- دعوى ان الفلسفة تدرس " لرد الشبهات وللاقناع ولتوسيع افق الذهن وزيادة المعلومات " غير تامة فان الشبهات انما ترد بالحق لابالباطل والفلسفة هي مورد للشبهة ينبغي التصدي لردها .

ومن الغريب ان النص السابق يقول في تتمته :" والفلسفة ابعد ما تكون عن العقيدة الصافية الخالصة الصحيحة "

أ ليس من التناقض الواضح ان تكون فلسفة ابعد ما تكون من الحق وسيلة للدفاع عن الحق ؟

لا ينبغي التوقف في بيان حقيقة ان الفلسفة دخيل مشوه وان توقف بعض الاعلام في بيانها انما هو لانجذابهم اليها من جهة ووضوح مخالفتها للدين كما اعترف به المظفر ره هذا ما جعل هناك تارجحا في التقييم والموقف .

والجدير برجال الفكر الحر والباحثين عن الحقيقة والمناصرين لمعارف ال البيت الطاهرين صلوات الله عليهم ان يكون لهم موقف واضح ناقد رافض مواجه لفلسفة خالفت معطياتها معطيات الدين .

5- دعوى ان قطعي الفلسفة لايخالف قطعي الدين , كلام مضبب لا واقع ورائه فان الحكمة المتعالية اقرت قدم العالم مثلا واقرت بسيط الحقيقة كل الاشياء فهما من معطيات الفلسفة فهل تتنازل عنهما الفلسفة ام نتنازل عن عطاء الاسلام في بيان الواقع من حدوث العالم وان الباري خلو من خلقه وخلقه خلو منه كما وردت به النصوص الشريفة.

ص: 95

6- لا ادري كيف تنسجم دعوى ان الفلسفة بعيدة عن العقيدة الصحيحة الخالصة مع دعوى ان علماء الشيعة فلاسفة ولهم نصيب وافر في الفلسفة ! وما يضر الشيعة تجاهل الانسانية لتراث ساهم فيه بعضهم لا بما هم شيعة لوضوح ان الفلسفة لا تمثل الاسلام كما اعترف به الشيخ المظفر ره .

7 - لا يشكل الفكر الفلسفي لبنة في البناء الفكري الاسلامي بل هو العدو اللدود له والله المستعان .

ص: 96

تنزيه المعبود في الرد علی وحدة الوجود السيد قاسم علي احمدي

العدد الرابع

الفصل الثاني

اشتراك الوجود معنى أو لفظا ؟

الكلام في أنّ مفهوم الوجود هل هو مشترك معنويّ أم لفظيّ ؟

والمراد من القول بكون اشتراك الوجود لفظيّا هو : أنّ المفهوم من الوجود المضاف إلى الإنسان غير مفهوم الوجود المضاف إلى الفرس ولا اشتراك بينهما في مفهوم الكون، وعلى هذا فلا اشتراك هناك إلاّ في لفظ الوجود(1).

ص: 97


1- لاحظ تعليقة الهيدجيّ : 153، والشوارق : 39

والمراد من القول بكون اشتراك الوجود معنويّا هو : أنّ للوجود مفهوما واحدا مشتركا بين الموجودات ، ويحمل الوجود على موضوعاته بمعنى واحد(1).

وبعبارة أخرى ، هل للوجود معنى واحد في جميع المحمولات على الذوات ، أم له معانٍ متعددة بحسب تعدد الذوات والماهيّات بحيث يكون للوجود المحمول على الإنسان في قولنا (الإنسان موجود) معنى ، والمحمول على الماء في قولنا (الماء موجود) معنى آخر . والقائلون بالاشتراك المعنويّ هم أصحاب القول الأوّل والقائلون بعدمه هم أصحاب القول الثاني.

ذهب جمع إلى القول بالاشتراك اللفظيّ((2)، ولكن الفلاسفة قائلون بالاشتراك المعنويّ.

هذا، وقد قيل : إنّ وصفه تعالى بالوجود من ضيق العبارة ، وإنّ معنى قولنا ( إنّه موجود ) أنّه ليس بعدم ولا معدوم ، فيكون مرجع اتصافه به إلى سلب

ص: 98


1- لاحظ بداية الحكمة : 10
2- ومن جملة القائلين بالاشتراك اللفظيّ العلاّمة الحائريّ في كتاب حكمت بوعلى سينا ، والعلاّمة الشيخ عليّ المازندرانيّ في كتاب الحجّة البالغة ، والقاضي سعيد القمّيّ في كتاب كليد بهشت تبعاً لشيخه المولى رجبعلي التبريزي ، وأيضا هو مسلك أبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصريّ ، بل هو مسلك كثير من المتأخّرين كما في حكمت بوعلي : 3 / 121 .

العدم عنه لا إثبات الوجود الّذي هو نقيض العدم له ، فإنّه تعالى منزّه عن ذلك ؛ لأنّ الوجود الّذي هو نقيضه حدّ له واقع في طرفه وقباله .

كما يتّضح ذلك بقولنا مثلاً خرج الشيء من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم ، فإنّ الوجود والعدم متناقضان متقابلان صار كلّ منهما حدّا للآخر وفي قباله وطرفه ، واللّه سبحانه لمّا كان منزّها عن الحدود لايمكن اتّصافه بالوجود الّذي هو حدّ العدم وطرفه، ويوضح ذلك قوله عليه السلام : «سبق الأوقات كونه والعدم وجوده»(1).

وأيضا الوجود الّذي هو نقيض العدم إنّما يتصوّر فيما يتصوّر فيه العدم كالماهيّات ، واللّه عزّ وجلّ منزّه عن الماهيّة وعن عوارضها .

والحاصل أنّ وصفه بالوجود كوصفه بسائر أوصاف الجمال مثل قولنا : إنّه عالم أي ليس بجاهل ، وقادر أي ليس بعاجز وهكذا ، وأمّا غيره تعالى من الموجودات الممكنة فإنّما يتّصف بالوجود المقابل للعدم المناقض له لكونه ذي ماهيّة مشخصّة لوجوده كما أنّ وجوده كان مشخّصا له، فإنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، وما لم يوجد لم يتشخّص(2).

ص: 99


1- الكافي 1 / 139 حديث4 ، بحارالأنوار 4 / 229حديث3
2- كما حكاه العلاّمة الخوئي في منهاج البراعة في شرح نهج البلاغه عن بعض المحقّقين 13 / 169

أو يقال : لا ضير في التزام صدق لا موجود على اللّه بالمعنى الّذي نقصده فينا ؛ فإنّ المقصود بالموجود فينا ما ينحل إلى ماهيّة ووجود، وقد تحقّق أنّ الحق ماهيّته إنيته ، فليس هو بموجود بهذا المعنى ، ونمنع أن يكون مفهوم الوجود العام الوحدانيّ ضروريّ الصدق على اللّه وغيره ، وإنّما ضروريّة صدقه على اللّه بالمعنى الكنائي الّذي لا يستطاع التعبير عمّا كني به عنه وعلى خلقه بالمعنى الحقيقيّ الجاري عليه حقيقة(1) .

أقول : وعلى ما ذكروه فليس اللّه تعالى موجودا بالمعنى الّذي نفهمه في غيره تعالى ، ولا معدوما ، ولايلزم ارتفاع النقيضين ؛ لأنّ من شرط التناقض هو وحدة الرتبة(2) .

ووجود الخالق ليس في رتبة وجود المخلوق حتّى يقال : إن لم يكن موجودا فكان معدوما ، وهذه الملازمة فرع اتّحاد الرتبة بين الوجود والعدم

ص: 100


1- الحجّة البالغة للشيخ عليّ بن فضل اللّه الحائريّ : 213، ولاحظ أيضا حكمت بوعلي سينا 3 / 123 للعلاّمة الحائريّ ، وكليد بهشت : 56 للقاضي سعيد القمّيّ ، وغيرها .
2- قال في الأسفار : على أنّ نقيض وجود الشيء في مرتبة من المراتب دفع وجوده فيها ، وقال السبزواريّ في تعليقته : لأنّ نقيض كلّ شيء رفعه . [الاسفار 2 / 5 ] .

كما في المخلوقات، فهو تعالى ليس بموجود بهذا المعنى ، ولايلزم من ذلك أن يكون معدوما ومستلزما للتعطيل .

نعم هو تعالى موجود وشيء لا بهذا المعنى .

ويؤيّده قوله عليه السلام : « . . فمعاني الخلق عنه منفيّة »(1) .

وقوله عليه السلام : « كلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه وكلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه »(2) .

وقوله عليه السلام : « الكائن قبل الكون بغير كيان »(3).

ص: 101


1- التوحيد : 79 حديث34 ، بحارالانوار 4 / 294 حديث22 .
2- التوحيد : 40 ، عيون الأخبار 1 / 153 ، الاحتجاج 2 / 400 ، بحارالأنوار 4 / 230 . قال القاضي سعيد القمي في شرحه : لعمري أنّ هذا الحكم يشمل الوجود العام وغيره من الأحكام . [ شرح التوحيد : 1 / 180 ] .
3- مهج الدعوات : 111 ، بحار الأنوار 91 / 231 حديث8. قال بعض الأعلام : انطر إلى صراحته في المقصود وندائه بأعلى صوته الى ما ذكرنا من أنّه تعالى منزّه عن الوجود وأنّ التعبير به من باب الضيق في العبارة وإلاّ فلا معنى لتحقّق المشتق من غير تحقّق مبدأ اشتقاقه ، وهو مثل ما في بعض الكلمات المأثورة عن أهل الذكر عليهم السلام من أنّه عالم لا بالعلم ، وقادر لا بالقدرة ، و . .

وقوله عليه السلام : « ما زال «ليس كمثله شيء»(1)

عن صفة المخلوقين متعاليا »(2).

وقوله عليه السلام : « أنّ الخالق لا يوصف الاّ بما وصف به نفسه »(3).

وقوله عليه السلام : « فليست له صفة تنال ، ولا حدّ يضرب له الأمثال »(4).

وقوله عليه السلام : « الحمدللّه الّذي كان قبل أن يكون كان »(5).

وقوله عليه السلام : « سبق الأوقات كونه والعدم وجوده »(6).

ص: 102


1- الشورى : 11
2- التوحيد : 50 ، بحار الأنوار 4 / 275 قال القاضي سعيد القمي في شرحه : هو سبحانه متعال عن صفاتهم ( أي المخلوقين ) إذ ليس كمثله شيء ، فلو صدقت عليه الصفات المشترك المفهوم بينه وبين خلقه لشارك الخلق إيّاه وماثله في ذلك المفهوم . [ شرح التوحيد : 1 / 258 ].
3- التوحيد : 61 ، الكافي 1 / 138 ، وشرح التوحيد : 1 / 318
4- التوحيد : 42 حديث 3 ، بحار الأنوار 4 / 269 حديث 15 . قال القاضي سعيد القمي في شرحه : أي ليست له « صفة » حتى تنال ؛ إذ كلّ ما هو مصداق مفهوم فيمكن أن ينال إليه وإن كان باعتبار ذلك المفهوم . [ شرح التوحيد : 1 / 188 ] .
5- التوحيد : 60 حديث17 ، بحارانوار 3 / 298 حديث26 و54 / 38 حديث14
6- الكافي 1 / 139 حديث4 ، بحارانوار 4 / 229 حديث3. قال بعض الأعلام في هذا المقام : إنّ وجوده تعالى ليس على حدّ وجود سائر الموجودات الممكنة ؛ لأن الممكنات جميعها تنحل في ظرف العقل إلى ماهية ووجود عارض لها ، ومن هنا قالوا : كلّ ممكن زوج تركيبي ، بل وجوده عزّ وجلّ نحو آخر من الوجود وهو عين ذاته ، وليس له ذات غيره بل ماهيته إنّيته. والحاصل : أنه تعالى كما أنه منزّه عن الماهية المعروضة للوجود فكذلك منزّه عن الوجود العارض عليها ؛ لأنّ الوجود بهذا المعنى مسبوق بالعدم ، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض الخطب : سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، فوجوده بمعنى آخر فتأمل جيّدا. [ منهاج البراعة 13/166 ]

وغيرها من الأخبار .

وقد مرّ أنّ اللّه تعالى مكوّن الكون وليس وجوده مقابلاً للعدم فإنّه مسبوق بالعدم ، والوجود فيه سبحانه إنّما هو تعبير يراد به نفي العدم وكون العدم مسبوقا باعتبار أنّه منتزع من الوجود لأنّه عدم الوجود ، وبعد كون الوجود حادثا ومجعولاً بجعله يكون العدم أيضا حادثا ، وليس المقصود إثبات السّبق بالنسبة إليه تعالى فإنّه موجد السبق وهو قبل القبل ولا يتّصف بالقبليّة ، والمقصود أنّ العدم أيضا حادث .

ص: 103

وقوله عليه السلام : « موجود لا عن عدم »(1)

أي أنّه ليس هو الموجود المقابل للمعدوم بأن يكون موردا لهذا الطرف الجامع بين الوجود والعدم دون الطرف الآخر فإنّه مسبوق بالذات على العدم لا محالة ، بل الموجود تعبير يراد منه نفي تطرّق العدم بالنسبة إليه.

وبالجملة ، إنّه تعالى منزّه عن الوجود الّذي هو نقيض العدم ، ونسبة الوجود إليه تعالى سلب نقص العدم عنه لا إثبات الوجود ، فوصفه تعالى بالوجود من ضيق العبارة يعني ليس بعدم ولا معدوم(2).

هذا ؛ والظاهر أنّ الوجود في الجميع مشترك في المعنى العام الطارد للعدم والنفي والبطلان فقط.

ص: 104


1- نهج البلاغة : 40 خطبة 1 ، أمالي الطوسي : 23 حديث 28 ، الاحتجاج 1 / 199 ، أعلام الدين : 70 ، بحار الأنوار 4 / 247 حديث 5 و 54 / 177 حديث 136
2- ثمّ إنّ العلاّمة الحائريّ ذكر ثلاثة تقارير للاشتراك اللفظيّ على وجه لا يستلزم التعطيل ، فلاحظ : حكمت بوعلي سينا 3 / 122 و123 ، وراجع أيضا : كليد بهشت : 56 وشرح توحيد الصدوق : 1 / 180 و312 و314 و365 و369 للقاضي سعيد القمّيّ حيث ادّعى كثيرا الاشتراك اللفظيّ بينه تعالى وبين خلقه في جميع الصفات حتّى في الوجود واستند بذلك الی الأخبار الكثيرة .

فإذا قيل : اللّه تعالى موجود ، أو الإنسان موجود ، أو الزوجيّة موجودة ، أو الملكية موجودة فالوجود فيها مشترك في المفهوم العام أي الخروج عن حدّ البطلان والنفي والتعطيل.

فهما ( أي الموجود المخلوق المتجزّي المحتمل للزّيادة والنقصان ، مع الموجود الّذي يكون بخلاف ذلك كلّه متعاليا عنه ) مشتركان في أنّ كليهما يدلاّن على نفي العدم والبطلان ، ويحكيان عن مجرّد الثبوت والواقعيّة ونفي التعطيل فقط(1).

والأدلّة الّتي ذكرها الفلاسفة للاشتراك المعنويّ - مضافا إلى عدم تماميّتها في نفسها ، كما وقد أجاب عنها جمع من الأعلام - لا تدلّ على أكثر ممّا ذكرناه وهو أنّ لفظ الوجود أو الموجود إذا أطلق في أيّ مورد كان بمعنى واحد ومفهوم فارد ، وهو خروجه عن حدّ البطلان والنفي والتعطيل.

للبحث صلة

ص: 105


1- أقول : إنّه قد ينتزع من الحقائق المتباينات مفهوم واحد ( وهو طارد العدم ) ويطلق عليها ، فإذا قلنا : اللّه تعالى موجود ، نقصد به : اللّه تعالى طارد العدم ، وإذا قلنا : الخلق موجود ، نعني به : الخلق طارد العدم. وعلى هذا يصحّ اطلاق موجود بمعنى واحد - أي طارد العدم - على اللّه تعالى وخلقه ، وهذا المعنى - أي طارد العدم - انتزاعيّ يطلق على الأشياء المتباينة ، ولا يستلزم منه السنخيّة بينهما.

خطبة رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ في عيد الغدير

رويت هذه الخطبة في المصادر التالية:

روضة الواعظين لابن الفتال النيسابوري المتوفی سنة 508 هجرية قمرية.

الاحتجاج لامين الاسلام الطبرسي المتوفی سنة520 هجرية قمرية.

اليقين للسيد ابن طاووس المتوفی سنة 664 هجرية قمرية.

التحصين للسيد ابن طاووس المتوفی سنة 664 هجرية قمرية.

الاقبال للسيد ابن طاووس المتوفی سنة 664 هجرية قمرية.

العدد القوية لعلي بن يوسف الحلي المتوفی في القرن الثامن الهجري القمري.

الصراط المستقيم لعلي بن يوسف البياضي المتوفی سنة 877 هجرية قمرية.

وقد وردت هذه الخطبة بتلاثة طرق في هذه الكتب المتقدمة عن الامام الباقرعلیه السلام وزيد بن ارقم وحذيفة بن اليمان وهما من اصحاب رسول اللهصَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ المعروفين.

ص: 106

نص الخطبة

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذی عَلا في تَوَحُّدِهِ وَ دَنا فی تَفَرُّدِهِ وَجَلَّ فی سُلْطانِهِ وَعَظُمَ فی اَرْكانِهِ، وَاَحاطَ بِكُلِّ شَیءٍ عِلْماً وَ هُوَ فی مَكانِهِ وَ قَهَرَ جَمیعَ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ وَ بُرْهانِهِ، حَمیداً لَمْ یَزَلْ، مَحْموداً لایَزالُ (وَ مَجیداً لایَزولُ، وَمُبْدِئاً وَمُعیداً وَ كُلُّ أَمْرٍ إِلَیْهِ یَعُودُ). بارِئُ الْمَسْمُوكاتِ وَداحِی الْمَدْحُوّاتِ وَجَبّارُ الْأَرَضینَ وَ السّماواتِ، قُدُّوسٌ سُبُّوحٌ، رَبُّ الْمَلائكَةِ وَالرُّوحِ، مُتَفَضِّلٌ عَلی جَمیعِ مَنْ بَرَأَهُ، مُتَطَوِّلٌ عَلی جَمیعِ مَنْ أَنْشَأَهُ. یَلْحَظُ كُلَّ عَیْنٍ وَالْعُیُونُ لاتَراهُ.

كَریمٌ حَلیمٌ ذُوأَناتٍ، قَدْ وَسِعَ كُلَّ شَیءٍ رَحْمَتُهُ وَ مَنَّ عَلَیْهِمْ بِنِعْمَتِهِ. لا یَعْجَلُ بِانْتِقامِهِ، وَلایُبادِرُ إِلَیْهِمْ بِمَا اسْتَحَقُّوا مِنْ عَذابِهِ. قَدْفَهِمَ السَّرائِرَ وَ عَلِمَ الضَّمائِرَ، وَلَمْ تَخْفَ عَلَیْهِ اَلْمَكْنوناتُ ولا اشْتَبَهَتْ عَلَیْهِ الْخَفِیّاتُ. لَهُ الْإِحاطَةُ بِكُلِّ شَیءٍ، والغَلَبَةُ علی كُلِّ شَیءٍ والقُوَّةُ فی كُلِّ شَئٍ والقُدْرَةُ عَلی كُلِّ شَئٍ وَلَیْسَ مِثْلَهُ شَیءٌ. وَ هُوَ مُنْشِئُ الشَّیءِ حینَ لاشَیءَ دائمٌ حَی وَقائمٌ بِالْقِسْطِ، لاإِلاهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزیزُالْحَكیمُ.

جَلَّ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ یُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَاللَّطیفُ الْخَبیرُ. لایَلْحَقُ أَحَدٌ وَصْفَهُ مِنْ مُعایَنَةٍ، وَلایَجِدُ أَحَدٌ كَیْفَ هُوَمِنْ سِرٍ وَ عَلانِیَةٍ إِلاّ بِمادَلَّ عَزَّوَجَلَّ عَلی نَفْسِهِ.

وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الله ألَّذی مَلَأَ الدَّهْرَ قُدْسُهُ، وَالَّذی یَغْشَی الْأَبَدَ نُورُهُ، وَالَّذی یُنْفِذُ أَمْرَهُ بِلامُشاوَرَةِ مُشیرٍ وَلامَعَهُ شَریكٌ فی تَقْدیرِهِ وَلایُعاوَنُ فی تَدْبیرِهِ. صَوَّرَ مَا ابْتَدَعَ عَلی غَیْرِ مِثالٍ، وَ خَلَقَ ما خَلَقَ بِلامَعُونَةٍ مِنْ أَحَدٍ وَلا تَكَلُّفٍ وَلاَ احْتِیالٍ. أَنْشَأَها فَكانَتْ وَ بَرَأَها فَبانَتْ.

ص: 107

فَهُوَالله الَّذی لا إِلاهَ إِلاَّ هُوالمُتْقِنُ الصَّنْعَةَ، اَلْحَسَنُ الصَّنیعَةِ، الْعَدْلُ الَّذی لایَجُوُر، وَالْأَكْرَمُ الَّذی تَرْجِعُ إِلَیْهِ الْأُمُورُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الله الَّذی تَواضَعَ كُلُّ شَیءٍ لِعَظَمَتِهِ، وَذَلَّ كُلُّ شَیءٍ لِعِزَّتِهِ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَیءٍ لِقُدْرَتِهِ، وَخَضَعَ كُلُّ شَیءٍ لِهَیْبَتِهِ. مَلِكُ الْاَمْلاكِ وَ مُفَلِّكُ الْأَفْلاكِ وَمُسَخِّرُالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، كُلٌّ یَجْری لاَِجَلٍ مُسَمّی. یُكَوِّرُالَّلیْلَ عَلَی النَّهارِ وَیُكَوِّرُالنَّهارَ عَلَی الَّلیْلِ یَطْلُبُهُ حَثیثاً. قاصِمُ كُلِّ جَبّارٍ عَنیدٍ وَ مُهْلِكُ كُلِّ شَیْطانٍ مَریدٍ.

لَمْ یَكُنْ لَهُ ضِدٌّ وَلا مَعَهُ نِدٌّ أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُولَدْ وَلَمْ یَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ. إلاهٌ واحِدٌ وَرَبٌّ ماجِدٌ یَشاءُ فَیُمْضی، وَیُریدُ فَیَقْضی، وَیَعْلَمُ فَیُحْصی، وَیُمیتُ وَیُحْیی، وَیُفْقِرُ وَیُغْنی، وَیُضْحِكُ وَیُبْكی، (وَیُدْنی وَ یُقْصی) وَیَمْنَعُ وَ یُعْطی، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِیَدِهِ الْخَیْرُ وَ هُوَ عَلی كُلِّ شَیءٍ قَدیرٌ.

یُولِجُ الَّلیْلَ فِی النَّهارِ وَیُولِجُ النَّهارَ فی الَّلیْلِ، لاإِلاهَ إِلاّهُوَالْعَزیزُ الْغَفّارُ. مُسْتَجیبُ الدُّعاءِ وَمُجْزِلُ الْعَطاءِ، مُحْصِی الْأَنْفاسِ وَ رَبُّ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ، الَّذی لایُشْكِلُ عَلَیْهِ شَیءٌ، وَ لایُضجِرُهُ صُراخُ الْمُسْتَصْرِخینَ وَلایُبْرِمُهُ إِلْحاحُ الْمُلِحّینَ.

اَلْعاصِمُ لِلصّالِحینَ، وَالْمُوَفِّقُ لِلْمُفْلِحینَ، وَ مَوْلَی الْمُؤْمِنینَ وَرَبُّ الْعالَمینَ. الَّذِی اسْتَحَقَّ مِنْ كُلِّ مَنْ خَلَقَ أَنْ یَشْكُرَهُ وَیَحْمَدَهُ (عَلی كُلِّ حالٍ)

أَحْمَدُهُ كَثیراً وَأَشْكُرُهُ دائماً عَلَی السَّرّاءِ والضَّرّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ، وَأُومِنُ بِهِ و بِمَلائكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. أَسْمَعُ لاِمْرِهِ وَاُطیعُ وَأُبادِرُ إِلی كُلِّ مایَرْضاهُ وَأَسْتَسْلِمُ لِماقَضاهُ، رَغْبَةً فی طاعَتِهِ وَ خَوْفاً مِنْ عُقُوبَتِهِ، لاِنَّهُ الله الَّذی لایُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَلایُخافُ جَورُهُ.

ص: 108

وَأُقِرُّلَهُ عَلی نَفْسی بِالْعُبُودِیَّةِ وَ أَشْهَدُ لَهُ بِالرُّبُوبِیَّةِ، وَأُؤَدّی ما أَوْحی بِهِ إِلَی حَذَراً مِنْ أَنْ لا أَفْعَلَ فَتَحِلَّ بی مِنْهُ قارِعَةٌ لایَدْفَعُها عَنّی أَحَدٌ وَإِنْ عَظُمَتْ حیلَتُهُ وَصَفَتْ خُلَّتُهُ

- لاإِلاهَ إِلاَّهُوَ - لاَِنَّهُ قَدْأَعْلَمَنی أَنِّی إِنْ لَمْ أُبَلِّغْ ما أَنْزَلَ إِلَی (فی حَقِّ عَلِی) فَما بَلَّغْتُ رِسالَتَهُ، وَقَدْ ضَمِنَ لی تَبارَكَ وَتَعالَی الْعِصْمَةَ (مِنَ النّاسِ) وَ هُوَالله الْكافِی الْكَریمُ.

فَأَوْحی إِلَی: (بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحیمِ، یا أَیُهَاالرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ - فی عَلِی یَعْنی فِی الْخِلاَفَةِ لِعَلِی بْنِ أَبی طالِبٍ - وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَالله یَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ).

مَعاشِرَالنّاسِ، ما قَصَّرْتُ فی تَبْلیغِ ما أَنْزَلَ الله تَعالی إِلَی، وَ أَنَا أُبَیِّنُ لَكُمْ سَبَبَ هذِهِ الْآیَةِ: إِنَّ جَبْرئیلَ هَبَطَ إِلَی مِراراً ثَلاثاً یَأْمُرُنی عَنِ السَّلامِ رَبّی - وَ هُوالسَّلامُ - أَنْ أَقُومَ فی هذَا الْمَشْهَدِ فَأُعْلِمَ كُلَّ أَبْیَضَ وَأَسْوَدَ: أَنَّ عَلِی بْنَ أَبی طالِبٍ أَخی وَ وَصِیّی وَ خَلیفَتی (عَلی أُمَّتی) وَالْإِمامُ مِنْ بَعْدی، الَّذی مَحَلُّهُ مِنّی مَحَلُّ هارُونَ مِنْ مُوسی إِلاَّ أَنَّهُ لانَبِی بَعْدی وَهُوَ وَلِیُّكُمْ بَعْدَالله وَ رَسُولِهِ.

وَقَدْ أَنْزَلَ الله تَبارَكَ وَ تَعالی عَلَی بِذالِكَ آیَةً مِنْ كِتابِهِ (هِی): (إِنَّما وَلِیُّكُمُ الله وَ رَسُولُهُ وَالَّذینَ آمَنُواالَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلاةَ وَیُؤْتونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ)، وَ عَلِی بْنُ أَبی طالِبٍ الَّذی أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَی الزَّكاةَ وَهُوَ راكِعٌ یُریدُالله عَزَّوَجَلَّ فی كُلِّ حالٍ.

وَسَأَلْتُ جَبْرَئیلَ أَنْ یَسْتَعْفِی لِی (السَّلامَ) عَنْ تَبْلیغِ ذالِكَ إِلیْكُمْ - أَیُّهَاالنّاسُ - لِعِلْمی بِقِلَّةِ الْمُتَّقینَ وَكَثْرَةِ الْمُنافِقینَ وَإِدغالِ اللّائمینَ وَ حِیَلِ الْمُسْتَهْزِئینَ بِالْإِسْلامِ، الَّذینَ وَصَفَهُمُ الله في كِتابِهِ بِأَنَّهُمْ یَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مالَیْسَ فی قُلوبِهِمْ، وَیَحْسَبُونَهُ هَیِّناً وَ هُوَ عِنْدَالله عَظیمٌ.

وَكَثْرَةِ أَذاهُمْ لی غَیْرَ مَرَّةٍ حَتّی سَمَّونی أُذُناً وَ زَعَمُوا أَنِّی كَذالِكَ لِكَثْرَةِ مُلازَمَتِهِ إِیّی وَ إِقْبالی عَلَیْهِ (وَ هَواهُ وَ قَبُولِهِ مِنِّی) حَتّی أَنْزَلَ الله عَزَّوَجَلَّ فی ذالِكَ (وَ مِنْهُمُ الَّذینَ یُؤْذونَ النَّبِی وَ یَقولونَ

ص: 109

هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ - (عَلَی الَّذینَ یَزْعُمونَ أَنَّهُ أُذُنٌ) - خَیْرٍ لَكُمْ، یُؤْمِنُ بِالله وَ یُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنینَ) الآیَةُ.

وَلَوْشِئْتُ أَنْ أُسَمِّی الْقائلینَ بِذالِكَ بِأَسْمائهِمْ لَسَمَّیْتُ وَأَنْ أُوْمِئَ إِلَیْهِمْ بِأَعْیانِهِمْ لَأَوْمَأْتُ وَأَنْ أَدُلَّ عَلَیْهِمُ لَدَلَلْتُ، وَلكِنِّی وَالله فی أُمورِهمْ قَدْ تَكَرَّمْتُ. وَكُلُّ ذالِكَ لایَرْضَی الله مِنّی إِلاّ أَنْ أُبَلِّغَ ما أَنْزَلَ الله إِلَی (فی حَقِّ عَلِی)، ثُمَّ تلا: (یا أَیُّهَاالرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ - فی حَقِّ عَلِی - وَ انْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَالله یَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ).

فَاعْلَمُوا مَعاشِرَ النّاسِ (ذالِكَ فیهِ وَافْهَموهُ وَاعْلَمُوا) أَنَّ الله قَدْ نَصَبَهُ لَكُمْ وَلِیّاً وَإِماماً فَرَضَ طاعَتَهُ عَلَی الْمُهاجِرینَ وَالْأَنْصارِ وَ عَلَی التّابِعینَ لَهُمْ بِإِحْسانٍ، وَ عَلَی الْبادی وَالْحاضِرِ، وَ عَلَی الْعَجَمِی وَالْعَرَبی، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلوكِ وَالصَّغیرِ وَالْكَبیرِ، وَ عَلَی الْأَبْیَضِ وَالأَسْوَدِ، وَ عَلی كُلِّ مُوَحِّدٍ.

ماضٍ حُكْمُهُ، جازٍ قَوْلُهُ، نافِذٌ أَمْرُهُ، مَلْعونٌ مَنْ خالَفَهُ، مَرْحومٌ مَنْ تَبِعَهُ وَ صَدَّقَهُ، فَقَدْ غَفَرَالله لَهُ وَلِمَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَ أَطاعَ لَهُ.مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّهُ آخِرُ مَقامٍ أَقُومُهُ فی هذا الْمَشْهَدِ، فَاسْمَعوا وَ أَطیعوا وَانْقادوا لاَِمْرِ(الله) رَبِّكُمْ، فَإِنَّ الله عَزَّوَجَلَّ هُوَ مَوْلاكُمْ وَإِلاهُكُمْ، ثُمَّ مِنْ دونِهِ رَسولُهُ وَنَبِیُهُ الُْمخاطِبُ لَكُمْ، ثُمَّ مِنْ بَعْدی عَلی وَلِیُّكُمْ وَ إِمامُكُمْ بِأَمْرِالله رَبِّكُمْ، ثُمَّ الْإِمامَةُ فی ذُرِّیَّتی مِنْ وُلْدِهِ إِلی یَوْمٍ تَلْقَوْنَ الله وَرَسولَهُ.

لاحَلالَ إِلاّ ما أَحَلَّهُ الله وَ رَسُولُهُ وَهُمْ، وَلاحَرامَ إِلاّ ما حَرَّمَهُ الله (عَلَیْكُمْ) وَ رَسُولُهُ وَ هُمْ، وَالله عَزَّوَجَلَّ عَرَّفَنِی الْحَلالَ وَالْحَرامَ وَأَنَا أَفْضَیْتُ بِما عَلَّمَنی رَبِّی مِنْ كِتابِهِ وَحَلالِهِ وَ حَرامِهِ إِلَیْهِ.

ص: 110

مَعاشِرَالنّاسِ، علی (فَضِّلُوهُ). مامِنْ عِلْمٍ إِلاَّ وَقَدْ أَحْصاهُ الله فِی، وَ كُلُّ عِلْمٍ عُلِّمْتُ فَقَدْ أَحْصَیْتُهُ فی إِمامِ الْمُتَّقینَ، وَما مِنْ عِلْمٍ إِلاّ وَقَدْ عَلَّمْتُهُ عَلِیّاً، وَ هُوَ الْإِمامُ الْمُبینُ (الَّذی ذَكَرَهُ الله فی سُورَةِ یس: (وَ كُلَّ شَیءٍ أَحْصَیْناهُ فی إِمامٍ مُبینٍ).

مَعاشِرَالنَّاسِ، لاتَضِلُّوا عَنْهُ وَلاتَنْفِرُوا مِنْهُ، وَلاتَسْتَنْكِفُوا عَنْ وِلایَتِهِ، فَهُوَالَّذی یَهدی إِلَی الْحَقِّ وَیَعْمَلُ بِهِ، وَیُزْهِقُ الْباطِلَ وَیَنْهی عَنْهُ، وَلاتَأْخُذُهُ فِی الله لَوْمَةُ لائِمٍ. أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالله وَ رَسُولِهِ (لَمْ یَسْبِقْهُ إِلَی الْایمانِ بی أَحَدٌ)، وَالَّذی فَدی رَسُولَ الله بِنَفْسِهِ، وَالَّذی كانَ مَعَ رَسُولِ الله وَلا أَحَدَ یَعْبُدُالله مَعَ رَسُولِهِ مِنَ الرِّجالِ غَیْرُهُ.

(أَوَّلُ النّاسِ صَلاةً وَ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَالله مَعی. أَمَرْتُهُ عَنِ الله أَنْ یَنامَ فی مَضْجَعی، فَفَعَلَ فادِیاً لی بِنَفْسِهِ).

مَعاشِرَالنّاسِ، فَضِّلُوهُ فَقَدْ فَضَّلَهُ الله، وَاقْبَلُوهُ فَقَدْ نَصَبَهُ الله.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّهُ إِمامٌ مِنَ الله، وَلَنْ یَتُوبَ الله عَلی أَحَدٍ أَنْكَرَ وِلایَتَهُ وَلَنْ یَغْفِرَ لَهُ، حَتْماً عَلَی الله أَنْ یَفْعَلَ ذالِكَ بِمَنْ خالَفَ أَمْرَهُ وَأَنْ یُعَذِّبَهُ عَذاباً نُكْراً أَبَدَا الْآبادِ وَ دَهْرَ الدُّهورِ. فَاحْذَرُوا أَنْ تُخالِفوهُ. فَتَصْلُوا ناراً وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرینَ.

مَعاشِرَالنّاسِ، بی - وَالله - بَشَّرَالْأَوَّلُونَ مِنَ النَّبِیِّینَ وَالْمُرْسَلینَ، وَأَنَا - (وَالله) - خاتَمُ الْأَنْبِیاءِ وَالْمُرْسَلینَ والْحُجَّةُ عَلی جَمیعِ الَْمخْلوقینَ مِنْ أَهْلِ السَّماواتِ وَالْأَرَضینَ. فَمَنْ شَكَّ فی ذالِكَ فَقَدْ كَفَرَ كُفْرَ الْجاهِلِیَّةِ الْأُولی وَ مَنْ شَكَّ فی شَیءٍ مِنْ قَوْلی هذا فَقَدْ شَكَّ فی كُلِّ ما أُنْزِلَ إِلَی، وَمَنْ شَكَّ فی واحِدٍ مِنَ الْأَئمَّةِ فَقَدْ شَكَّ فِی الْكُلِّ مِنْهُمْ، وَالشَاكُّ فینا فِی النّارِ.

مَعاشِرَالنّاسِ، حَبانِی الله عَزَّوَجَلَّ بِهذِهِ الْفَضیلَةِ مَنّاً مِنْهُ عَلَی وَ إِحْساناً مِنْهُ إِلَی وَلا إِلاهَ إِلاّهُوَ، أَلا لَهُ الْحَمْدُ مِنِّی أَبَدَ الْآبِدینَ وَدَهْرَالدّاهِرینَ وَ عَلی كُلِّ حالٍ.

ص: 111

مَعاشِرَالنّاسِ، فَضِّلُوا عَلِیّاً فَإِنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدی مِنْ ذَكَرٍ و أُنْثی ما أَنْزَلَ الله الرِّزْقَ وَبَقِی الْخَلْقُ.

مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ، مَغْضُوبٌ مَغْضُوبٌ مَنْ رَدَّ عَلَی قَوْلی هذا وَلَمْ یُوافِقْهُ.

أَلا إِنَّ جَبْرئیلَ خَبَّرنی عَنِ الله تَعالی بِذالِكَ وَیَقُولُ: «مَنْ عادی عَلِیّاً وَلَمْ یَتَوَلَّهُ فَعَلَیْهِ لَعْنَتی وَ غَضَبی»، (وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوالله - أَنْ تُخالِفُوهُ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها - إِنَّ الله خَبیرٌ بِما تَعْمَلُونَ).مَعاشِرَ النَّاسِ، إِنَّهُ جَنْبُ الله الَّذی ذَكَرَ فی كِتابِهِ العَزیزِ، فَقالَ تعالی (مُخْبِراً عَمَّنْ یُخالِفُهُ): (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ یا حَسْرَتا عَلی ما فَرَّطْتُ فی جَنْبِ الله).

مَعاشِرَالنّاسِ، تَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ وَ افْهَمُوا آیاتِهِ وَانْظُرُوا إِلی مُحْكَماتِهِ وَلاتَتَّبِعوا مُتَشابِهَهُ، فَوَالله لَنْ یُبَیِّنَ لَكُمْ زواجِرَهُ وَلَنْ یُوضِحَ لَكُمْ تَفْسیرَهُ إِلاَّ الَّذی أَنَا آخِذٌ بِیَدِهِ وَمُصْعِدُهُ إِلی وَشائلٌ بِعَضُدِهِ (وَ رافِعُهُ بِیَدَی) وَ مُعْلِمُكُمْ: أَنَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلِی مَوْلاهُ، وَ هُوَ عَلِی بْنُ أَبی طالِبٍ أَخی وَ وَصِیّی، وَ مُوالاتُهُ مِنَ الله عَزَّوَجَلَّ أَنْزَلَها عَلَی.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ عَلِیّاً وَالطَّیِّبینَ مِنْ وُلْدی (مِنْ صُلْبِهِ) هُمُ الثِّقْلُ الْأَصْغَرُ، وَالْقُرْآنُ الثِّقْلُ الْأَكْبَرُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُما مُنْبِئٌ عَنْ صاحِبِهِ وَ مُوافِقٌ لَهُ، لَنْ یَفْتَرِقا حَتّی یَرِدا عَلَی الْحَوْضَ.

أَلا إِنَّهُمْ أُمَناءُ الله فی خَلْقِهِ وَ حُكّامُهُ فی أَرْضِهِ. أَلاوَقَدْ أَدَّیْتُ.

أَلا وَقَدْ بَلَّغْتُ، أَلاوَقَدْ أَسْمَعْتُ، أَلاوَقَدْ أَوْضَحْتُ، أَلا وَ إِنَّ الله عَزَّوَجَلَّ قالَ وَ أَنَا قُلْتُ عَنِ الله عَزَّوَجَلَّ، أَلاإِنَّهُ لا «أَمیرَالْمُؤْمِنینَ» غَیْرَ أَخی هذا، أَلا لاتَحِلُّ إِمْرَةُ الْمُؤْمِنینَ بَعْدی لاَِحَدٍ غَیْرِهِ.

ثم قال: «ایهاالنَّاسُ، مَنْ اَوْلی بِكُمْ مِنْ اَنْفُسِكُمْ؟ قالوا: الله و رَسُولُهُ. فَقالَ: اَلا من كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلی مَوْلاهُ، اللهمَّ والِ مَنْ والاهُ و عادِ مَنْ عاداهُ وَانْصُرْمَنْ نَصَرَهُ واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.

ص: 112

مَعاشِرَالنّاسِ، هذا عَلِی أخی وَ وَصیی وَ واعی عِلْمی، وَ خَلیفَتی فی اُمَّتی عَلی مَنْ آمَنَ بی وَعَلی تَفْسیرِ كِتابِ الله عَزَّوَجَلَّ وَالدّاعی إِلَیْهِ وَالْعامِلُ بِمایَرْضاهُ وَالْمحارِبُ لاِعْدائهِ وَالْمُوالی عَلی طاعَتِهِ وَالنّاهی عَنْ مَعْصِیَتِهِ. إِنَّهُ خَلیفَةُ رَسُولِ الله وَ أَمیرُالْمُؤْمِنینَ وَالْإمامُ الْهادی مِنَ الله، وَ قاتِلُ النّاكِثینَ وَالْقاسِطینَ وَالْمارِقینَ بِأَمْرِالله. یَقُولُ الله: (مایُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَی).

بِأَمْرِكَ یارَبِّ أَقولُ: اَلَّلهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وَعادِ مَنْ عاداهُ (وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ) وَالْعَنْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَاغْضِبْ عَلی مَنْ جَحَدَ حَقَّهُ.

اللهمَّ إِنَّكَ أَنْزَلْتَ الْآیَةَ فی عَلِی وَلِیِّكَ عِنْدَتَبْیینِ ذالِكَ وَنَصْبِكَ إِیّاهُ لِهذَا الْیَوْمِ: (الْیَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دینَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْكُمْ نِعْمَتی وَ رَضیتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دیناً)، (وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَالْإِسْلامِ دیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِی الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرینَ). اللهمَّ إِنِّی أُشْهِدُكَ أَنِّی قَدْ بَلَّغْتُ.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّما أَكْمَلَ الله عَزَّوَجَلَّ دینَكُمْ بِإِمامَتِهِ. فَمَنْ لَمْ یَأْتَمَّ بِهِ وَبِمَنْ یَقُومُ مَقامَهُ مِنْ وُلْدی مِنْ صُلْبِهِ إِلی یَوْمِ الْقِیامَةِ وَالْعَرْضِ عَلَی الله عَزَّوَجَلَّ فَأُولئِكَ الَّذینَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ (فِی الدُّنْیا وَالْآخِرَةِ) وَ فِی النّارِهُمْ خالِدُونَ، (لایُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلاهُمْ یُنْظَرونَ).

مَعاشِرَالنّاسِ، هذا عَلِی، أَنْصَرُكُمْ لی وَأَحَقُّكُمْ بی وَأَقْرَبُكُمْ إِلَی وَأَعَزُّكُمْ عَلَی، وَالله عَزَّوَجَلَّ وَأَنَاعَنْهُ راضِیانِ. وَ مانَزَلَتْ آیَةُ رِضاً (فی الْقُرْآنِ) إِلاّ فیهِ، وَلا خاطَبَ الله الَّذینَ آمَنُوا إِلاّبَدَأ بِهِ، وَلانَزَلَتْ آیَةُ مَدْحٍ فِی الْقُرْآنِ إِلاّ فیهِ، وَلاشَهِدَ الله بِالْجَنَّةِ فی (هَلْ أَتی عَلَی الْاِنْسانِ) إِلاّلَهُ، وَلا أَنْزَلَها فی سِواهُ وَلامَدَحَ بِها غَیْرَهُ.

مَعاشِرَالنّاسِ، هُوَ ناصِرُ دینِ الله وَالُْمجادِلُ عَنْ رَسُولِ الله، وَ هُوَالتَّقِی النَّقِی الْهادِی الْمَهْدِی. نَبِیُّكُمْ خَیْرُ نَبی وَ وَصِیُّكُمْ خَیْرُ وَصِی (وَبَنُوهُ خَیْرُالْأَوْصِیاءِ).مَعاشِرَالنّاسِ، ذُرِّیَّةُ كُلِّ نَبِی مِنْ صُلْبِهِ، وَ ذُرِّیَّتی مِنْ صُلْبِ (أَمیرِالْمُؤْمِنینَ) عَلِی.

ص: 113

مَعاشِرَ النّاسِ، إِنَّ إِبْلیسَ أَخْرَجَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ بِالْحَسَدِ، فَلاتَحْسُدُوهُ فَتَحْبِطَ أَعْمالُكُمْ وَتَزِلَّ أَقْدامُكُمْ، فَإِنَّ آدَمَ أُهْبِطَ إِلَی الْأَرضِ بِخَطیئَةٍ واحِدَةٍ، وَهُوَ صَفْوَةُالله عَزَّوَجَلَّ، وَكَیْفَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ أَنْتُمْ وَ مِنْكُمْ أَعْداءُالله،

أَلا وَ إِنَّهُ لایُبْغِضُ عَلِیّاً إِلاّشَقِی، وَ لایُوالی عَلِیّاً إِلاَّ تَقِی، وَ لایُؤْمِنُ بِهِ إِلاّ مُؤْمِنٌ مُخْلِصٌ.

وَ فی عَلِی - وَالله - نَزَلَتْ سُورَةُ الْعَصْر: (بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحیمِ، وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفی خُسْرٍ) (إِلاّ عَلیّاً الّذی آمَنَ وَ رَضِی بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ).

مَعاشِرَالنّاسِ، قَدِ اسْتَشْهَدْتُ الله وَبَلَّغْتُكُمْ رِسالَتی وَ ما عَلَی الرَّسُولِ إِلاَّالْبَلاغُ الْمُبینُ.

مَعاشِرَالنّاسِ، (إتَّقُوالله حَقَّ تُقاتِهِ وَلاتَموتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

مَعاشِرَالنّاسِ، (آمِنُوا بِالله وَ رَسُولِهِ وَالنَّورِ الَّذی أُنْزِلَ مَعَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلی أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ). (بالله ما عَنی بِهذِهِ الْآیَةِ إِلاَّ قَوْماً مِنْ أَصْحابی أَعْرِفُهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وَأَنْسابِهِمْ، وَقَدْ أُمِرْتُ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ فَلْیَعْمَلْ كُلُّ امْرِئٍ عَلی مایَجِدُ لِعَلِی فی قَلْبِهِ مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ).

مَعاشِرَالنّاسِ، النُّورُ مِنَ الله عَزَّوَجَلَّ مَسْلوكٌ فِی ثُمَّ فی عَلِی بْنِ أَبی طالِبٍ، ثُمَّ فِی النَّسْلِ مِنْهُ إِلَی الْقائِمِ الْمَهْدِی الَّذی یَأْخُذُ بِحَقِّ الله وَ بِكُلِّ حَقّ هُوَ لَنا، لاَِنَّ الله عَزَّوَجَلَّ قَدْ جَعَلَنا حُجَّةً عَلَی الْمُقَصِّرینَ وَالْمعُانِدینَ وَالُْمخالِفینَ وَالْخائِنینَ وَالْآثِمینَ وَالّظَالِمینَ وَالْغاصِبینَ مِنْ جَمیعِ الْعالَمینَ.

مَعاشِرَالنّاسِ، أُنْذِرُكُمْ أَنّی رَسُولُ الله قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِی الرُّسُلُ، أَفَإِنْ مِتُّ أَوْقُتِلْتُ انْقَلَبْتُمْ عَلی أَعْقابِكُمْ؟ وَمَنْ یَنْقَلِبْ عَلی عَقِبَیْهِ فَلَنْهان یَضُرَّالله شَیْئاً وَسَیَجْزِی الله الشّاكِرینَ (الصّابِرینَ). أَلاوَإِنَّ عَلِیّاً هُوَالْمَوْصُوفُ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ وُلْدی مِنْ صُلْبِهِ.

ص: 114

مَعاشِرَالنّاسِ، لاتَمُنُّوا عَلَی بِإِسْلامِكُمْ، بَلْ لاتَمُنُّوا عَلَی الله فَیُحْبِطَ عَمَلَكُمْ وَیَسْخَطَ عَلَیْكُمْ وَ یَبْتَلِیَكُمْ بِشُواظٍ مِنْ نارٍ وَنُحاسٍ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَبِا الْمِرْصادِ.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّهُ سَیَكُونُ مِنْ بَعْدی أَئمَّةٌ یَدْعُونَ إِلَی النّارِ وَیَوْمَ الْقِیامَةِ لایُنْصَرونَ. مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ الله وَأَنَا بَریئانِ مِنْهُمْ.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّهُمْ وَأَنْصارَهُمْ وَأَتْباعَهُمْ وَأَشْیاعَهُمْ فِی الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَبِئْسَ مَثْوَی الْمُتَكَبِّرِینَ. أَلا إِنَّهُمْ أَصْحابُ الصَّحیفَةِ، فَلْیَنْظُرْ أَحَدُكُمْ فی صَحیفَتِهِ!!

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنِّی أَدَعُها إِمامَةً وَ وِراثَةً (فی عَقِبی إِلی یَوْمِ الْقِیامَةِ)، وَقَدْ بَلَّغْتُ ما أُمِرتُ بِتَبْلیغِهِهان حُجَّةً عَلی كُلِّ حاضِرٍ وَغائبٍ وَ عَلی كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ شَهِدَ أَوْلَمْ یَشْهَدْ، وُلِدَ أَوْلَمْ یُولَدْ، فَلْیُبَلِّغِ الْحاضِرُ الْغائِبَ وَالْوالِدُ الْوَلَدَ إِلی یَوْمِ الْقِیامَةِ. وَسَیَجْعَلُونَ الْإِمامَةَ بَعْدی مُلْكاً وَ اغْتِصاباً، (أَلا لَعَنَ الله الْغاصِبینَ الْمُغْتَصبینَ)، وَعِنْدَها سَیَفْرُغُ لَكُمْ أَیُّهَا الثَّقَلانِ (مَنْ یَفْرَغُ) وَیُرْسِلُ عَلَیْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلاتَنْتَصِرانِ.مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ الله عَزَّوَجَلَّ لَمْ یَكُنْ لِیَذَرَكُمْ عَلی ما أَنْتُمْ عَلَیْهِ حَتّی یَمیزَالْخَبیثَ مِنَ الطَّیِّبِ، وَ ما كانَ الله لِیُطْلِعَكُمْ عَلَی الْغَیْبِ.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّهُ ما مِنْ قَرْیَةٍ إِلاّ وَالله مُهْلِكُها بِتَكْذیبِها قَبْلَ یَوْمِ الْقِیامَةِ وَ مُمَلِّكُهَا الْإِمامَ الْمَهْدِی وَالله مُصَدِّقٌ وَعْدَهُ.

مَعاشِرَالنّاسِ، قَدْ ضَلَّ قَبْلَكُمْ أَكْثَرُالْأَوَّلینَ، وَالله لَقَدْ أَهْلَكَ الْأَوَّلینَ، وَهُوَ مُهْلِكُ الْآخِرینَ.

ص: 115

قالَ الله تَعالی: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلینَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرینَ، كذالِكَ نَفْعَلُ بِالْمجْرِمینَ، وَیْلٌ یَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبینَ).

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ الله قَدْ أَمَرَنی وَنَهانی، وَقَدْ أَمَرْتُ عَلِیّاً وَنَهَیْتُهُ (بِأَمْرِهِ). فَعِلْمُ الْأَمْرِ وَالنَّهُی لَدَیْهِ، فَاسْمَعُوا لاِمْرِهِ تَسْلَمُوا وَأَطیعُوهُ تَهْتَدُوا وَانْتَهُوا لِنَهْیِهِ تَرشُدُوا، (وَصیرُوا إِلی مُرادِهِ) وَلا تَتَفَرَّقْ بِكُمُ السُّبُلُ عَنْ سَبیلِهِ.

مَعاشِرَالنّاسِ، أَنَا صِراطُ الله الْمُسْتَقیمُ الَّذی أَمَرَكُمْ بِاتِّباعِهِ، ثُمَّ عَلِی مِنْ بَعْدی. ثُمَّ وُلْدی مِنْ صُلْبِهِ أَئِمَّةُ (الْهُدی)، یَهْدونَ إِلَی الْحَقِّ وَ بِهِ یَعْدِلونَ.

ثُمَّ قَرَأَ: «بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحیمِ الْحَمْدُلِلَّهِ رَبِ الْعالَمینَ...» إِلی آخِرِها،

سپس پیامبر صلّی الله علیه و آله قرائت فرمود: «بسم الله الرّحمن الرّحیم الحمدللّه ربّ العالمین الرّحمن الرّحیم» - تا آخر سوره.

وَقالَ: فِی نَزَلَتْ وَفیهِمْ (وَالله) نَزَلَتْ، وَلَهُمْ عَمَّتْ وَإِیَّاهُمْ خَصَّتْ، أُولئكَ أَوْلِیاءُالله الَّذینَ لاخَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلاهُمْ یَحْزَنونَ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ. أَلا إِنَّ أَعْدائَهُمْ هُمُ السُّفَهاءُالْغاوُونَ إِخْوانُ الشَّیاطینِ یوحی بَعْضُهُمْ إِلی بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُروراً. أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمُ الَّذینَ ذَكَرَهُمُ الله فی كِتابِهِ، فَقالَ عَزَّوَجَلَّ: (لاتَجِدُ قَوْماً یُؤمِنُونَ بِالله وَالْیَوْمِ الْآخِرِ یُوادُّونَ مَنْ حادَّالله وَ رَسُولَهُ وَلَوْكانُوا آبائَهُمْ أَوْأَبْنائَهُمْ أَوْإِخْوانَهُمْ أَوْعَشیرَتَهُمْ، أُولئِكَ كَتَبَ فی قُلوبِهِمُ الْإیمانَ) إِلی آخِرالآیَةِ.

أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمُ الْمُؤْمِنونَ الَّذینَ وَصَفَهُمُ الله عَزَّوَجَلَّ فَقالَ: (الَّذینَ آمَنُوا وَلَمْ یَلْبِسُوا إیمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدونَ).

(أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمُ الَّذینَ آمَنُوا وَلَمْ یَرْتابوا).

ص: 116

أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمُ الَّذینَ یدْخُلونَ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ آمِنینَ، تَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ بِالتَّسْلیمِ یَقُولونَ: سَلامٌ عَلَیْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلوها خالِدینَ.

أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمْ، لَهُمُ الْجَنَّةُ یُرْزَقونَ فیها بِغَیْرِ حِسابٍ. أَلا إِنَّ أَعْدائَهُمُ الَّذینَ یَصْلَونَ سَعیراً.

أَلا إِنَّ أَعْدائَهُمُ الَّذینَ یَسْمَعونَ لِجَهَنَّمَ شَهیقاً وَ هِی تَفورُ وَ یَرَوْنَ لَهازَفیراً.

أَلا إِنَّ أَعْدائَهُمُ الَّذینَ قالَ الله فیهِمْ: (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) الآیة.أَلا إِنَّ أَعْدائَهُمُ الَّذینَ قالَ الله عَزَّوَجَلَّ: (كُلَّما أُلْقِی فیها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ یَأتِكُمْ نَذیرٌ، قالوا بَلی قَدْ جاءَنا نَذیرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلنا مانَزَّلَ الله مِنْ شَیءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فی ضَلالٍ كَبیرٍ) إِلی قَوله: (أَلافَسُحْقاً لاَِصْحابِ السَّعیرِ). أَلا إِنَّ أَوْلِیائَهُمُ الَّذینَ یَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَیْبِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبیرٌ.

مَعاشِرَالنَاسِ، شَتّانَ مابَیْنَ السَّعیرِ وَالْأَجْرِ الْكَبیرِ.

(مَعاشِرَالنّاسِ)، عَدُوُّنا مَنْ ذَمَّهُ الله وَلَعَنَهُ، وَ وَلِیُّنا (كُلُّ) مَنْ مَدَحَهُ الله وَ أَحَبَّهُ.

مَعاشِرَ النّاسِ، أَلاوَإِنّی (أَنَا) النَّذیرُ و عَلِی الْبَشیرُ.

(مَعاشِرَالنّاسِ)، أَلا وَ إِنِّی مُنْذِرٌ وَ عَلِی هادٍ.

مَعاشِرَ النّاس (أَلا) وَ إِنّی نَبی وَ عَلِی وَصِیّی.

(مَعاشِرَالنّاسِ، أَلاوَإِنِّی رَسولٌ وَ عَلِی الْإِمامُ وَالْوَصِی مِنْ بَعْدی، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ وُلْدُهُ. أَلاوَإِنّی والِدُهُمْ وَهُمْ یَخْرُجونَ مِنْ صُلْبِهِ).

أَلا إِنَّ خاتَمَ الْأَئِمَةِ مِنَّا الْقائِمَ الْمَهْدِی.

ص: 117

أَلا إِنَّهُ الظّاهِرُ عَلَی الدِّینِ.

أَلا إِنَّهُ الْمُنْتَقِمُ مِنَ الظّالِمینَ.

أَلا إِنَّهُ فاتِحُ الْحُصُونِ وَهادِمُها.

أَلا إِنَّهُ غالِبُ كُلِّ قَبیلَةٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهادیها.

أَلاإِنَّهُ الْمُدْرِكُ بِكُلِّ ثارٍ لاَِوْلِیاءِالله.

أَلا إِنَّهُ النّاصِرُ لِدینِ الله.

أَلا إِنَّهُ الْغَرّافُ مِنْ بَحْرٍ عَمیقٍ.

أَلا إِنَّهُ یَسِمُ كُلَّ ذی فَضْلٍ بِفَضْلِهِ وَ كُلَّ ذی جَهْلٍ بِجَهْلِهِ.

أَلا إِنَّهُ خِیَرَةُالله وَ مُخْتارُهُ.

أَلا إِنَّهُ وارِثُ كُلِّ عِلْمٍ وَالُْمحیطُ بِكُلِّ فَهْمٍ.

أَلا إِنَّهُ الْمخْبِرُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّوَجَلَّ وَ الْمُشَیِّدُ لاَِمْرِ آیاتِهِ.

أَلا إِنَّهُ الرَّشیدُ السَّدیدُ.

أَلا إِنَّهُ الْمُفَوَّضُ إِلَیْهِ.أَلا إِنَّهُ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْقُرونِ بَیْنَ یَدَیْهِ.

أَلا إِنَّهُ الْباقی حُجَّةً وَلاحُجَّةَ بَعْدَهُ وَلا حَقَّ إِلاّ مَعَهُ وَلانُورَ إِلاّعِنْدَهُ.

ص: 118

أَلا إِنَّهُ لاغالِبَ لَهُ وَلامَنْصورَ عَلَیْهِ.

أَلاوَإِنَّهُ وَلِی الله فی أَرْضِهِ، وَحَكَمُهُ فی خَلْقِهِ، وَأَمینُهُ فی سِرِّهِ وَ علانِیَتِهِ.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنّی قَدْبَیَّنْتُ لَكُمْ وَأَفْهَمْتُكُمْ، وَ هذا عَلِی یُفْهِمُكُمْ بَعْدی. أَلاوَإِنِّی عِنْدَ انْقِضاءِ خُطْبَتی أَدْعُوكُمْ إِلی مُصافَقَتی عَلی بَیْعَتِهِ وَ الإِقْرارِبِهِ، ثُمَّ مُصافَقَتِهِ بَعْدی. أَلاوَإِنَّی قَدْ بایَعْتُ الله وَ عَلِی قَدْ بایَعَنی. وَأَنَا آخِذُكُمْ بِالْبَیْعَةِ لَهُ عَنِ الله عَزَّوَجَلَّ. (إِنَّ الَّذینَ یُبایِعُونَكَ إِنَّما یُبایِعُونَ الله، یَدُالله فَوْقَ أَیْدیهِمْ. فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما یَنْكُثُ عَلی نَفْسِهِ، وَ مَنْ أَوْفی بِما عاهَدَ عَلَیْهُ الله فَسَیُؤْتیهِ أَجْراً عَظیماً).

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ شَعائرِالله، (فَمَنْ حَجَّ الْبَیْتَ أَوِاعْتَمَرَ فَلاجُناحَ عَلَیْهِ أَنْ یَطَّوَّفَ بِهِما) الآیَة.

مَعاشِرَالنّاسِ، حُجُّواالْبَیْتَ، فَماوَرَدَهُ أَهْلُ بَیْتٍ إِلاَّ اسْتَغْنَوْا وَ أُبْشِروا، وَلاتَخَلَّفوا عَنْهُ إِلاّبَتَرُوا وَ افْتَقَرُوا.

مَعاشِرَالنّاسِ، ماوَقَفَ بِالْمَوْقِفِ مُؤْمِنٌ إِلاَّغَفَرَالله لَهُ ماسَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ إِلی وَقْتِهِ ذالِكَ، فَإِذا انْقَضَتْ حَجَّتُهُ اسْتَأْنَفَ عَمَلَهُ.

مَعاشِرَالنَّاسِ، الْحُجّاجُ مُعانُونَ وَ نَفَقاتُهُمْ مُخَلَّفَةٌ عَلَیْهِمْ وَالله لایُضیعُ أَجْرَالْمحْسِنینَ.

مَعاشِرَالنّاسِ، حُجُّوا الْبَیْتَ بِكَمالِ الدّینِ وَالتَّفَقُّهِ، وَلاتَنْصَرِفُوا عَنِ الْمشَاهِدِإِلاّ بِتَوْبَةٍ وَ إِقْلاعٍ.

ص: 119

مَعاشِرَالنّاسِ، أَقیمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ كَما أَمَرَكُمُ الله عَزَّوَجَلَّ، فَإِنْ طالَ عَلَیْكُمُ الْأَمَدُ فَقَصَّرْتُمْ أَوْنَسِیتُمْ فَعَلِی وَلِیُّكُمْ وَمُبَیِّنٌ لَكُمْ، الَّذی نَصَبَهُ الله عَزَّوَجَلَّ لَكُمْ بَعْدی أَمینَ خَلْقِهِ. إِنَّهُ مِنِّی وَ أَنَا مِنْهُ، وَ هُوَ وَ مَنْ تَخْلُفُ مِنْ ذُرِّیَّتی یُخْبِرونَكُمْ بِماتَسْأَلوُنَ عَنْهُ وَیُبَیِّنُونَ لَكُمْ ما لاتَعْلَمُونَ.

أَلا إِنَّ الْحَلالَ وَالْحَرامَ أَكْثَرُمِنْ أَنْ أُحصِیَهُما وَأُعَرِّفَهُما فَآمُرَ بِالْحَلالِ وَ اَنهَی عَنِ الْحَرامِ فی مَقامٍ واحِدٍ، فَأُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الْبَیْعَةَ مِنْكُمْ وَالصَّفْقَةَ لَكُمْ بِقَبُولِ ماجِئْتُ بِهِ عَنِ الله عَزَّوَجَلَّ فی عَلِی أمیرِالْمُؤْمِنینَ وَالأَوْصِیاءِ مِنْ بَعْدِهِ الَّذینَ هُمْ مِنِّی وَمِنْهُ إمامَةٌ فیهِمْ قائِمَةٌ، خاتِمُها الْمَهْدی إِلی یَوْمٍ یَلْقَی الله الَّذی یُقَدِّرُ وَ یَقْضی.

مَعاشِرَالنّاسِ، وَ كُلُّ حَلالٍ دَلَلْتُكُمْ عَلَیْهِ وَكُلُّ حَرامٍ نَهَیْتُكُمْ عَنْهُ فَإِنِّی لَمْ أَرْجِعْ عَنْ ذالِكَ وَ لَمْ أُبَدِّلْ. أَلا فَاذْكُرُوا ذالِكَ وَاحْفَظُوهُ وَ تَواصَوْابِهِ، وَلا تُبَدِّلُوهُ وَلاتُغَیِّرُوهُ. أَلا وَ إِنِّی اُجَدِّدُالْقَوْلَ: أَلا فَأَقیمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأْمُرُوا بِالْمَعْروفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ.

أَلاوَإِنَّ رَأْسَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ تَنْتَهُوا إِلی قَوْلی وَتُبَلِّغُوهُ مَنْ لَمْ یَحْضُرْ وَ تَأْمُروُهُ بِقَبُولِهِ عَنِّی وَتَنْهَوْهُ عَنْ مُخالَفَتِهِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الله عَزَّوَجَلَّ وَمِنِّی. وَلا أَمْرَ بِمَعْروفٍ وَلا نَهْی عَنْ مُنْكَرٍ إِلاَّمَعَ إِمامٍ مَعْصومٍ.مَعاشِرَالنّاسِ، الْقُرْآنُ یُعَرِّفُكُمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ وُلْدُهُ، وَعَرَّفْتُكُمْ إِنَّهُمْ مِنِّی وَمِنْهُ، حَیْثُ یَقُولُ الله فی كِتابِهِ: (وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِیَةً فی عَقِبِهِ). وَقُلْتُ: «لَنْ تَضِلُّوا ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما.

مَعاشِرَالنّاسِ، التَّقْوی، التَّقْوی، وَاحْذَرُوا السّاعَةَ كَما قالَ الله عَزَّوَجَلَّ: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَیءٌ عَظیمٌ). اُذْكُرُوا الْمَماتَ (وَالْمَعادَ) وَالْحِسابَ وَالْمَوازینَ وَالُْمحاسَبَةَ بَیْنَ یَدَی رَبِّ الْعالَمینَ وَالثَّوابَ وَالْعِقابَ. فَمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أُثیبَ عَلَیْها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّیِّئَةِ فَلَیْسَ لَهُ فِی الجِنانِ نَصیبٌ.

ص: 120

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّكُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُصافِقُونی بِكَفٍّ واحِدٍ فی وَقْتٍ واحِدٍ، وَقَدْ أَمَرَنِی الله عَزَّوَجَلَّ أَنْ آخُذَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الْإِقْرارَ بِما عَقَّدْتُ لِعَلِی أَمیرِالْمُؤْمنینَ، وَلِمَنْ جاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنّی وَ مِنْهُ، عَلی ما أَعْلَمْتُكُمْ أَنَّ ذُرِّیَّتی مِنْ صُلْبِهِ.

فَقُولُوا بِأَجْمَعِكُمْ: «إِنّا سامِعُونَ مُطیعُونَ راضُونَ مُنْقادُونَ لِما بَلَّغْتَ عَنْ رَبِّنا وَرَبِّكَ فی أَمْرِ إِمامِنا عَلِی أَمیرِالْمُؤْمِنینَ وَ مَنْ وُلِدَ مِنْ صُلْبِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ. نُبایِعُكَ عَلی ذالِكَ بِقُلوُبِنا وَأَنْفُسِنا وَأَلْسِنَتِنا وَأَیْدینا. علی ذالِكَ نَحْیی وَ عَلَیْهِ نَموتُ وَ عَلَیْهِ نُبْعَثُ. وَلانُغَیِّرُ وَلانُبَدِّلُ، وَلا نَشُكُّ (وَلانَجْحَدُ) وَلانَرْتابُ، وَلا نَرْجِعُ عَنِ الْعَهْدِ وَلا نَنْقُضُ الْمیثاقَ.

وَعَظْتَنا بِوَعْظِ الله فی عَلِی أَمیرِالْمؤْمِنینَ وَالْأَئِمَّةِ الَّذینَ ذَكَرْتَ مِنْ ذُرِّیتِكَ مِنْ وُلْدِهِ بَعْدَهُ، الْحَسَنِ وَالْحُسَیْنِ وَ مَنْ نَصَبَهُ الله بَعْدَهُما. فَالْعَهْدُ وَالْمیثاقُ لَهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَّا، مِنْ قُلُوبِنا وَأَنْفُسِنا وَأَلْسِنَتِنا وَضَمائِرِنا وَأَیْدینا. مَنْ أَدْرَكَها بِیَدِهِ وَ إِلاَّ فَقَدْ أَقَرَّ بِلِسانِهِ، وَلا نَبْتَغی بِذالِكَ بَدَلاً وَلایَرَی الله مِنْ أَنْفُسِنا حِوَلاً. نَحْنُ نُؤَدّی ذالِكَ عَنْكَ الّدانی والقاصی مِنْ اَوْلادِنا واَهالینا، وَ نُشْهِدُالله بِذالِكَ وَ كَفی بِالله شَهیداً وَأَنْتَ عَلَیْنا بِهِ شَهیدٌ.

مَعاشِرَالنّاسِ، ماتَقُولونَ؟ فَإِنَّ الله یَعْلَمُ كُلَّ صَوْتٍ وَ خافِیَةَ كُلِّ نَفْسٍ، (فَمَنِ اهْتَدی فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما یَضِلُّ عَلَیْها)، وَمَنْ بایَعَ فَإِنَّما یُبایِعُ الله، (یَدُالله فَوْقَ أَیْدیهِمْ).

مَعاشِرَالنّاسِ، فَبایِعُوا الله وَ بایِعُونی وَبایِعُوا عَلِیّاً أَمیرَالْمُؤْمِنینَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَیْنَ وَالْأَئِمَّةَ (مِنْهُمْ فِی الدُّنْیا وَالْآخِرَةِ) كَلِمَةً باقِیَةً.

یُهْلِكُ الله مَنْ غَدَرَ وَ یَرْحَمُ مَنْ وَ فی، (وَ مَنْ نَكَثَ فَإِنَّما یَنْكُثُ عَلی نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفی بِما عاهَدَ عَلَیْهُ الله فَسَیُؤْتیهِ أَجْراً عَظیماً).

ص: 121

مَعاشِرَالنّاسِ، قُولُوا الَّذی قُلْتُ لَكُمْ وَسَلِّمُوا عَلی عَلی بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنینَ، وَقُولُوا: (سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَیْكَ الْمَصیرُ)، وَ قُولوا: (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذی هَدانا لِهذا وَ ما كُنّا لِنَهْتَدِی لَوْلا أَنْ هَدانَا الله) الآیة.

مَعاشِرَالنّاسِ، إِنَّ فَضائِلَ عَلی بْنِ أَبی طالِبٍ عِنْدَالله عَزَّوَجَلَّ - وَ قَدْ أَنْزَلَهافِی الْقُرْآنِ - أَكْثَرُ مِنْ أَنْ أُحْصِیَها فی مَقامٍ واحِدٍ، فَمَنْ أَنْبَاَكُمْ بِها وَ عَرَفَها فَصَدِّقُوهُ.

مَعاشِرَالنّاسِ، مَنْ یُطِعِ الله وَ رَسُولَهُ وَ عَلِیّاً وَ الْأَئِمَةَ الَّذینَ ذَكرْتُهُمْ فَقَدْ فازَفَوْزاً عَظیماً.

مَعاشِرَالنَّاسِ، السّابِقُونَ إِلی مُبایَعَتِهِ وَ مُوالاتِهِ وَ التَّسْلیمِ عَلَیْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنینَ أُولئكَ هُمُ الْفائزُونَ فی جَنّاتِ النَّعیمِ.مَعاشِرَالنّاسِ، قُولُوا ما یَرْضَی الله بِهِ عَنْكُمْ مِنَ الْقَوْلِ، فَإِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ جَمیعاً فَلَنْ یَضُرَّالله شَیْئاً.

اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنینَ (بِما أَدَّیْتُ وَأَمَرْتُ) وَاغْضِبْ عَلَی (الْجاحِدینَ) الْكافِرینَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمینَ.

ص: 122

ما هو موقع الفلسفة من المعارف العقلية السماوية؟! ابو علي الخراساني

ابو علي الخراساني

إن الفلاسفة اليونانيين ما كانوا يقرون بدين ولا بإله ولا بنبيّ أصلا كما سنبيّن ذلك، والفلاسفة المسلمون قد جمعوا بين التوحيد والشرك كما تراهم يقرّون بوجود الخالق بمقتضى إسلامهم حينا، وينكرون وجوده ويعتبرونه نفس وجود الأشياء تبعا لليونانيين ولمبانيهم الفلسفية حينا آخر حيث يحرّفون معنى الخلق إلى تطور ذات الله بالأطوار!

ويقولون إنّ العالم قد خلقه الله حينا، ويقولون إنّ الله تجلى في صورة العالم حينا آخر حيث يأولون معنى الخلق إلى تجلي ذات الله بالصور المختلفة!ويقولون حينا العالم حادث، وحينا آخر يقولون العالم حادث ذاتي وقديم زماني، فوجوده أزلي ودائمي! حيث يأولون معنى إحداث العالم وإيجاد الأعيان المخلوقة إلى معنى حدوث الصور المختلفة المتوالية على ذات الله تعالى لا خلق أعيان الأشياء لا من شيء، ويتناقضون في قولهم بكون العالم مخلوقا ممكن الوجود وهو مع ذلك قديم أزلي!

ص: 123

قد يعترفون بنبوّة الأنبياء والوحي إليهم، وقد يقولون إن النبوّة حالة خاصة من الحالات الطبيعية لعموم الناس كالبلوغ قد وصل إليها بعضهم، ولم يصل إليها بعض آخر، فلا نبي هناك بالخصوص ولا وحيا إلهيا!

قد يقرّون بالأوصياء والأئمة المعصومين عليهم السلام، وقد يبتدعون أمثالا وأشباها ورقباءا لهم تحت عنوان الفيلسوف الإلهي والإنسان الكامل! وهو كل إنسان معارض للأنبياء والأوصياء عليهم السلام ومدعي شؤونهم قد وصل إلى تلك المقامات بالرياضات والأعمال الشاقة، بل يدّعون أنّ الانبياء والأئمة عليهم السلام لا علم لهم إلاّ بواسطة الملك ولكن أولياء الفلسفة والعرفان يتصلون إلى المبدأ بلا واسطة!

قد يقولون بوجود المعاد والجنة والنار والثواب والعقاب، وقد يقولون بأن كل ذلك تخيّلات وإنشائات النفس، ثم يفنى كل شيء في ذات الله وليست هنالك جنة ولا نار ولا مؤمن ولا كافر ولا ثواب ولا عقاب!

ص: 124

اتّخاذ الكفّار أولياء وموادّتهم

اية الله محمد اصف محسني

العدد الثاني

تقدم في العدد الاول ان من جملة محرمات الشريعة اتّخاذ الكفّار أولياء وموادّتهم وقد تقدم الاستدلال عليه من الايات واليك تتمة المقال.

ج- نحو الحكم

و هو الحرمة الشديدة. و احتمال الكراهة، أو الإرشاد مقطوع البطلان من ملاحظة الآيات الشريفة المتقدّمة.

و النتيجة أنّ غير المسلم- كائناً من كان و لو قاصراً- يحرم تولّيه و اتّخاذه وليّاً و الدعاء لآخرته إذا كان مقصّراً و إلقاء المودّة إليه و مواداته.

د) ماذا استثني؟

ص: 125

قال الله تعالی: {لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ* إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}(1).

وقال الله تعالی: { وَلاَ تَتّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً*إِلّا الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ... }(2).

أقول: الاستثناء في الآية الأخيرة بكلا فرديه غير راجع إلی اتّخاذ الوليّ و النصير، بل إلی القتل، كما يظهر من قبلها و من قوله: {مِيثَاقٌ } و من قوله: {فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } .

و إنّما الكلام في استثناء الآية الأولی، فنقول: إنّ قوله تعالی : { أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } بدل اشتمال لقوله: { عَنِ الّذِينَ }، و معنی الآية: إنّ الله لا ينهاكم عن برّ الكفّار الذين لم يقاتلوكم، و لم يخرجوكم من دياركم، و لا عن الإقساط معهم؛ فإنّ العدالة في نفسها حسنة.

و هذا ليس من الاستثناء في شيء؛ إذا المحرّم هو اتّخاذ الكفّار أولياء، و تولّيهم، و مودّتهم، وهذا ينطق بجواز البرّ و الإحسان و العدل مع الكفّار غير المضرّين، و لا ربط بين الأمرين. و قد مرّ منّا القول بجواز الإطعام و غيره للكافرين إذا كان بلا محبّة.

ص: 126


1- . الممتحنة(60) :9 .
2- .النساء(4) :89.

قال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع في ذيل الآية الشريفة المذكورة:والذي عليه الإجماع أن برّ الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابةً كان أو غير قرابة ليس بمحرّم، .و إنّما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة و الفطرة و الكفّارات، فلم يجوّزه أصحابنا، و فيه خلاف بين الفقهآء، انتهی يعني فقهاء غير الإماميّة.

قال المحقّق في الشرائع: «ولو أوصی الذّميّ للراهب و القسّيس و غيرهما جاز، كما تجوز الصدقة عليهم، و الهبة، و غيرها». و عقّبه صاحب الجواهر بقوله: « بلا خلاف و لا إشكال؛ للعموم» .

أقول: لكنّ قوله تعالی بعد ذلك: { إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ ... } يدلّ علی أنّ المحرّم إنّما هو تولّي الكفّار المقاتلين للمسلمين، المخرجين لهم من ديارهم، و قضيّة الحصر المستفاد من كلمه { إِنّمَا } عدم حرمة تولّي الكفّار غير المضرّين و إن كانوا متعصّبين لدينهم، و بهذا الحصر يخصّص سائر الإطلاقات.

ثمّ إنّ مقتضی المقابلة عرفاً بين قوله تعالی: {لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ ...} و بين قوله تعالی: { إِنّمَا يَنْهَاكُمُ ... } أيضاً هو جواز تولّي غير المقاتلين المخرجين، و حرمة البرّ و القسط مع المقاتلين المخرجين فتأمل(1).

ص: 127


1- . و من هنا انقدح لزوم الإصلاح في كلام صاحب مجمع البيان و معقد إجماعه، فلاحظ و تدبّر، و علی كلّ حالٍ لا مجال لحرمة القسط معهم علی أيّ حالٍ إذا أريد منه العدل، فالمحرّم بناء علی تماميّة مقتضی المقابلة المذكورة هو البرّ فقط.

ولعلّ هذا أحد مصاديق ما اشتهر بين الأصولييّن من أنّ التفصيل قاطع للشركة.و الآيات التقدّمة لا تأبی عن حملها علی هذا الاختصاص.

نعم، لا يصحّ حمل الآية الأولی علی هذا التفصيل؛ فإنّها آبية عن التخصيص، و هي قوله تعالی: { ...الّذِينَ اتّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِباً ...}، و الجمع بين هذه الآية أعني قوله تعالی: { ... الّذِينَ اتّخَذُوا دِينَكُمْ ...}، و بين الآية الآخيرة أعني قوله: {إِنّمَا يَنْهَاكُمُ ... } يفيدنا حرمة التولي مع غير المسلمين من الذين يؤذون المسلمين، و يضرّون بدين الإسلام دون غيرهم، و الله عالم.

وهذا المعنی ممّا لا شكّ في حرمته و أن لم يكن مدلولاً للآيات المذكورة؛ لاستقلال العقل بذلك، بل بغضهم و عداوتهم من لوازم الإيمان و لايمكن اجتماع الاعتقاد بالإسلام و محبّة من كان بهذه الصفة، و إلی هذا ينظر قوله تعالی: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَحْدَهُ }.

و قوله تعالی: { مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }.

ثمّ أنّ في الآيتين من الآيات المتققدمة حرمة اتخاذ الآباء و الإخوان أولياء، و حرمة مودّة الآباء و الأبناء و الإخوان و العشيرة، مع أنّ محبّة الأولاد و الآباء غير اختياريّة، و يصعب إزالتها جدّاً، و قد قال الله تعالی: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، نعم، هي غير ممتنعة لكنّها عسرة.

فهل يمكن أن يقال: إنّ المحرّم هو المودّة من حيث كفرهم لا من حيث قرابتهم ، فيجوز محبّتهم من هذه الناحية أم لا؟

ص: 128

الظاهر هو الثاني؛ لأنّ المسلم لا يحبّ- غالباً- الكافر من حيث كونه كافراً، بل لعلّه لا يوجد، و إن وجد فهو فرد نادر، و لا يمكن حمل المطلقات علی الفرد النادر، و عليه، فالظاهر أنّ المراد من الآيات الناهية هو النهي عن جميع الحيثيّات، و هذا أمر ممكن يتحقّق بواسطة التلقين و غيره(1).

ه) ما معنی المودّة و التولّي و اتّخاذ الأولياء

قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالی: { لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ}(2).

لاينبغي للمؤمنين أن يتّخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم، و أن يستعينوا بهم، و يلتجؤوا إليهم، و يظهروا المحبّة لهم، كما قال في عدّة من مواضع القرآن ... و قوله: { مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } معناه يجب أن يكون الموالاة مع المؤمنين(3)

و هذا نهي عن موالاة الكفّار و معاونتهم علی المؤمنين . و قال ابن عباس رضي الله: «نهي عن ملاطفة الكفّار».

و الأولياء جمع الوليّ و هو الذي يلي أمر من ارتضی فعله بالمؤونة و النصرة، و يجري علی وجهين:

ص: 129


1- . إذا كان المواداة بمعنی المحبّة من الطرفين، فيشكل الجزم بحرمة حبّ الكافر قلباً من طرف واحد؛ لجهة من الأسباب غير جهة كفرة مع عدم إظهار الحبّ و إلقائه إليه، فتأمّل في المقام.
2- .آل عمران(3): 27.
3- . لا يستفاد من الآية الوجوب المذكور، كما لا يخفی علی المتدبّر.

أحدهما: المعين بالنصرة، و الآخر المعان ، فقوله تعالی: { اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا} معناه معينهم بنصرته، و يقال: المؤمن وليّ الله، أي معان بنصرته ... ثمّ استثنی فقال: { إِلّا أَنْ تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } ، و المعنی إلّا أن يكون الكفّار غالبين، و المؤمنين مغلوبين، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقهم، و لم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهارُ مودّتهم بلسانه، و مداراتُهم تقيّةً منهم ، و دفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك، انتهی كلام المجمع.

و قال:

في سورة المائدة «الاتّخاذ» هو الاعتماد علی الشيّء لإعداده لأمر، و هو افتعال من الأخذ ، و أصله الاتّخاذ، فأُبدلت الهمزة تاءً، و أدغمت في التاء التي بعدها، و مثله الاتّعاد من الوعد، و الأخذُ يكون علی وجوه: تقول: أخَذَ الكتاب إذا تناله، و أخَذَ القرآن إذا تقبّله ، وَ أَخَذَ الله من مأمنه إذا أهلكه، و أصله جواز الشيّء إلی جهة من الجهات. و الأولياء جمع الوليّ و هو النصير؛ لأنّه يلي بالنصر صاحبه، انتهی ما أردنا نقله.

و عن الراغب في مفرداته:

الولاء و التوالي أن يحصل شيآن فصاعداً حصولاً ليس منهما، و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان، و من حيث النسبة، و من حيث الدين، و من حيث الصداقة، و النصرة، و الاعتقاد»، انتهی . و قيل: التولّيّ: اتّخاذ الولّيّ.

أقول: و في اللغة: وَدَّ: أحبّه، و توادّ الرجلان: تحابا.

ص: 130

فالنتيجة أنّ محبّة الكفّار المذكورين حرام، و جعلّهم أنصاراً صدّيقين حرام أيضاً، و لايجوز للمسلم أن يُولِد بينَه و بينهم التحابُبَ، و المعاونةَ، و الصداقَةَ، و المراودةَ والركن إليهم، و يلتجؤون إليه.

نعم ترتفع الحرمة المذكورة في صورة الضرر و الخوف منهم، فيجوز المعاونة، و المراودةُ بلا صداقة قلبيّة؛ لقوله تعالی: { إِلّا أَنْ تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً }. ثمّ إنّه هل تجوز الشركة معهم في المعاملات التجاريّة؟ وهل يجوز أداء ما تعارف بين المتلاقيين في العرف من الرسوم الأخلاقيّة معهم خصوصاً إذا كانوا أقارب أو جيراناً؟

قلت: الظاهر جوازُ الأمرين معاً؛ لعدم دليل علی المنع، بل لا يبعد شمولُ قولهِ تعالی: «وقولوا للناس حسناً» لهم أيضاً، و إنّما الحرام مودّتهم، و المراودة معهم بحيث يصدق أنّه اتِّخذهم أولياء.

و قد ورد في الروايات المعتبرة سنداً إطعام الأسير، و سقيه، و الرفق به و إن كان يراد من الغد قتله، بل في بعض الروايات انّ إطعام الأسير، و الإحسان إليه حقّ واجب و إن كان يراد قتله من الغد، لاحظ الروايات في الوسائل(1).

لكنّ في صحيح حريز عن سدير، قال: قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): أطعم سائلاً لا أعرفه مسلماً؟ فقال: «نعم، أعط من لا تعرفه بولاية و لا عداوة للحقّ، إنّالله

ص: 131


1- مجمع البيان، ج 11 ص69.

عزّوجلّ يقول: «»، لا تعط من نصب بشيء من الحقّ، أو ادّعی إلی شيء من الباطل»(1) .

أقول: لا يبعد حمله علی الكراهة، فلا يكون دليلاً علی الحرمة.

و) هل يلحق بالكفّار أرباب المذاهب الباطلةِ المنتحلة للإسلام أم لا؟

يمكن أن يختار الشقّ الأوّل، و يدلّل عليه بوجوه:

1. أنّ المناط في النهي عن محبّة الكفّار و اتّخاذهم أولياء بعينه موجود فيهم أيضاً، فيسحب الحكم أيضاً.

2. قوله تعالی: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلّوْا قَوْماً غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ } ، و لا شكّ أنّ معتنقي المذاهب الباطلة إذا كانوا مقصّرين في تحقيق الحقّ، مغضوب عليهم لله تعالی.

3. قول الصادق(علیه السلام) في صحيح ابن الحجّاج: «من قَعدَ عند سباب أولياء الله، فقد عصی الله»(2).

4. قوله(علیه السلام) أيضاً في صحيح العقرقوقي بعد السؤال عن قوله تعالی:{ وَقَدْ نَزّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ... } فقال: «إنّما عني عني بهذا الرجل يجحد الحقّ، و يكذّب به، و يقع في الأئمّة، فقم من عنده، و لا تقاعده كائناً من كان».

ص: 132


1- . البرهان، ج 1، ص120. سدير مجهول فالرواية غير معتبرة مطلقاً.
2- وسائل الشيعة، ج11، ص502.

أقول: تمام الآية المسؤول عنها: { فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ }.

1. خبر ابن فضّال، قال: سمعت الرضا(علیه السلام) يقول: «مَن واصل لنا قاطعاً، أو قطع لنا واصلاً، أو مدح لنا عائباً، أو أكرم لنا مخالفاً، فليس منّا و لسنا منه»(1)

، و منها غير ذلك، و الخبر يضعف بضعف مصدره و هو كتاب صفات الشيعة.

أقول: أمّا الوجه الأوّل، فإحراز وحدة الملاك غير ثابت، و لإن فرض ثبوته، فهو ظنّيّ. و أمّا الوجه الثاني، ففيه أنّ إطلاقه الشامل للمقام غير معلوم؛ إذ قوله تعالی بعد ذلك: { قَد يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ...} قرينة علی اختصاصه بالكفّار.

و أمّا الروايات، فمقتضی النظر الدقيق فيها عدمُ دلالتها علی المطلوب، و الثابت من بعضها حرمةُ بعض العناوين الخاصّة، كما في الرواية الثالثة و الرابعة، و بالجملة لم يثبت إلحاق «الضالّين» بالكفّار في هذا الحكم، فمودّتهم و اتّخاذهم أوليآء غير محرّمة إلّا أن يطرأ عليها عنوان آخر محرّم، كما فرض في الرواية الاولی و غيرها.

و أمّا من حكم بكفره و لو مع ادّعائه الإسلامَ كالغلاة-مثلاً- فهم من الكفّار بلا حاجة إلی الإلحاق، و كالعالمين بالحقّ و لكنّهم أنكروا الحقّ بعد ثبوته، وارتدّوا عن دينهم بتوهينهم من نصبه الله طريقاً لعباده، و كذا كلّ من أنكر ضروريّاً من الدين بحيث يكذّب النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيه؛ فإنّه خارج عن الإسلام و إن اعتقد بعض أصوله، أو امتثل بعضّ فروعه.ز) ها هنا فروع كما يلي

ص: 133


1- المصدر، ص507.

1. يجوز تبادل السفراء بين الدول الإسلاميّة و غيرها؛ لأنّه غير داخل فيما حرّمه القرآن.

2. يجوز الشراء و الاشتراء و الشركة معهم، و استخدامهم في بعض الأمور إذا لم يصدق عليها عنوانُ محرّمٌ أخر، و لم يستلزم محذوراً آخرَ.

3. من المحسوس أنّ جُملةً من الحكومات الكافرة في عصرنا في الشرق و الغرب أعداء للإسلام و المسلمين يحرم علينا مودّتهم، و اتّخاذهم أولياء في شتّی المجالات الحيويّة، بل هل ضعّف الإسلامَ إلّا هؤلاء الخنازير؟ فيحرم علی الدُوَل الإسلاميّة، حرمة شديدة أكيدة صداقتهم، و اتّخاذهم أولياء إلّا لدفع الضرر.

و إنّما أطلنا الكلام في هذا الموضوع؛ لأنّه من المهمّات، و لا سيّما في هذه الأعصار. و التجربة قد أثبتت أنّ القرآن كلامٌ إلهيّ؛ فإنّ المسلمين في طول تأريخهم لو توجّهوا إلی تشديد القرآن هذا ، و عملوا به لمازالت سطوتُهم، ولما ضعفت شوكتُهم، و لم ينجرّ الأمر إلی هذا الوضع المؤسف المؤلم المفجع الذي لا يقدر المسلم الغيور علی بيانه، بل تصوّره، { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }.

ص: 134

استنكار العلماء والشخصيات العلمية

لترويج شخصية الشاعر المعروف بالمولوي الرومي

استنكر العلماء والشخصيات العلمية بث فيلم جلال الدين من علی شاشة تلفزيون الجمهورية الاسلامية الايرانية والذي يهدف الی ترويج شخصية الشاعر المعروف بالمولوي الرومي الفاسد العقيدة والذي كان من المخالفين لاهل البيت عليهم السلام فقد برء ابن ملجم اللعين من تلك الجريمة الكبری بحق امير المؤمنين عليه السلام في كتابه المعروف بالمثنوي .

وقد عنی باشعاره وألطافه الصوفية اعداء اهل البيت عليهم السلام مثل معاوية واختلق لهم انواع الكرامات، فتراه يرفع معاوية الی مقام اولياء الله جل وعلا ويلبسه لباس الكرامة ويطرح سكوت واعياء عثمان عن ايراد خطبة الجمعة يطرحها وبشكل ماهر وحاذق بعنوان انها كرامة وفضيلة. ويطري معاوية وعثمان بكلمات و بشكل ابتكاري بحيث انه لم يسبقه عالم سني بذلك كما وانه قد افرط واصر علی الغناء علی رغم مخالفة الفقهاء وحتی بعض الصوفية المعاصرين له وكذلك متابعته لشمس التبريزي الشاعر المخالف لاهل البيت عليهم السلام والمتجنن بلا اعتراض ولا اشكال عليه .

فعلی كل المخلصين ان يستنكروا بث هذا الفيلم

ص: 135

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109