«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة السابعة: العدد الخامس والعشرون1394هجرية شمسية1436 هجرية قمرية
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/ هاتف: 07901311460
ص: 1
كلمة التحرير... 3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)... 4
تفسيرآيات العقائد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني... 11
الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي... 27
تنزيه المعبود في الرد علی وحدة الوجود... 32
هل تقبلون عقيدة فداء المسلمين باليهود والنصارى يوم القيامة؟... 43
الروايات المكذوبة... 52
ابن عربي ليس بشيعي... 57
مناظرات حول المعاد... 64
المعاد كما في كتاب الشيعة في الاسلام للسيد الطباطبائي... 88
من محرمات الشريعة اتّخاذ الكفّار أولياء وموادّتهم... 99
نظرة يقظة في مقدمة الاستاذ الطريحي لاحلام اليقظة... 105
هداية الامة إلی معارف الائمة... 111
موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام... 119
تجاه الفلسفة والعرفان... 119
رسالة الاثنی عشرية في الرد علی الصوفية(و العرفاء)... 121
ص: 2
وجوب جهاد العدو
لقد ابتليت الامة الاسلامية باعدائها الذين يستبيحون دماءها واموالها فها هي الوهابية واذنابها من داعش ومن ورائهم امريكا وحلفاؤها واسرائيل يعيثون في الارض فسادا و يستبيحون دماء الامة الاسلامية واموالها وقد تقدم في العدد السابق ان امير المؤمنين (علیه السلام) اخبر بخروج خارجة من الخوارج في اخر الزمان بين الفرات ودجلة وقد ظهرت هذه الفرقة الطاغية المحاربة لله والرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة الاطهار عليهم افضل الصلاة والسلام وما علينا الا الوقوف امام هؤلاء المجرمين بكل قوة وبلا توان ولا تكاسل كما هو المشاهد من ابطالنا في العراق الحبيب حيث وقف ابناؤنا امامهم دفاعا عن الاسلام ومقدساته.
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعمالمجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
في تفسير قوله تعالى : " وتعيها اذن واعية "(1)
في غاية المرام بعد أن قال : أنها نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) ذكر فيه تسعة أحاديث من طريق العامة ، وثمانية من طريقنا (2) فقال : الأول أبو المؤيد موفق بن أحمد ، من أعيان علماء العامة ، من كتاب فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام) : أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ ،أخبرنا والدي أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن حبيب المقري - من أصل كتابه - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أخبرنا أبو بكر الفضل بن جعفرالصيدلاني الواسطي بواسط ، حدثنا يحيى بن زكريا بن حمويه ، حدثنا سنان بن هارون ، عن الأعمش ، عن علي بن ثابت ، عن زر بن حبيش ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " ضمني رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقال : أمرني ربي أن
ص: 4
أدنيك ولا أقصيك وأذني تسمع وتعي ، وحقا على الله أن تسمع وتعي ، فنزلت هذه الآية " وتعيها أذن واعية " (1)
وقال : الثاني الموفق بن أحمد أيضا بإسناده السابق ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الصفاني بمرو ، وأخبرنا أبو رجاء محمد بن حمدون الشيخي ، أخبرنا العلا بن مسلمة أبو سالم البغدادي ، حدثنا أبو قتادة الحسن بن عبد الله بن رائد ، عن جعفر بن يرقان ، عن ميمون بن مرهان ، عن ابن عباس ، عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " سألت ربي عز وجل أن يجعلها أذن علي " قال علي كرم الله وجهه : ما سمعت من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) شيئا إلا ووعيته وحفظته ، ولم أنسه . (2)وقال : الثالث الثعلبي في تفسيره ، في تفسير قوله تعالى : " أذن واعية " قال : أخبرني ابن فنجويه ، قال : حدثنا ابن حيان ، حدثنا إسحاق بن مجة، حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن عيسى ، حدثنا علي بن علي ، حدثني أبو حمزة الثمالي ، حدثني عبد الله بن الحسين ، قال : حين نزلت هذه
ص: 5
الآية " وتعيها أذن واعية " قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " سألت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا علي " قال علي : فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي أن أنساه . (1)
وقال : الرابع الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، حدثنا ابن حبش ، حدثنا أبو القاسم بن الفضل ، حدثنا محمد بن الغالب بن حرب ، حدثنا بشر بن آدم ،حدثنا عبد الله بن زبير الأسدي ، حدثنا صالح بن هيثم ، قال : سمعت بريدة الأسلمي يقول : قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لعلي (علیه السلام) : " إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك ، وأن تعي ، وحق على الله أن تعي " قال : فنزلت " وتعيها أذن واعية "
(2)وقال : الخامس الحافظ أبو نعيم الإصفهاني ، بإسناده عن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله (صَلَّىاَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ، وأنزل علي هذه الآية : " وتعيها أذن واعية " ، فأنت الأذن الواعية " (3)ثم سرد الروايات إلى آخر ما رواه من طريق العامة .
وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، فقد روي في غاية المرام ، عن محمد بن العباس بن ماهيار الثقة في تفسيره أنه أورد ثلاثين حديثا من الخاص والعام .
ص: 6
منها : ما رواه عن محمد بن سهل القطان ، عن محمد بن عمر الدهقان، عن محمد بن كثير ، عن الحرث بن الحضيرة ، عن أبي داود ، عن أبي بريدة ، قال : قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " إني سألت الله ربي أن يجعل لعلي أذن واعية ، فقيل لي : قد فعل ذلك به " (1)
ومن جملة روايات الخاصة : ما عن محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات ، عن الأصبغ بن نباته ، قال : لما قدم علي (علیه السلام) الكوفة صلى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم " سبح اسم ربك الأعلى " فقال المنافقون والله ما يحسن أن يقرأ علي بن أبي طالب (علیه السلام) القرآن ، ولو أحسن أن يقرأ بنا غير هذه السورة لفعل ، قال فبلغه ذلك ، فقال :ويلهم إني لأعرف ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وفصله من فاصله ، وحروفه عن معانيه ،
والله ما حرف نزل على محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلا وأنا أعرف فيمن أنزل ، وفي أي يوم نزل ، وفي أي موضع ، ويلهم أما يقرأون : " إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى "(2)والله هي عندي ، ورثتها من رسول الله من إبراهيم وموسى ، ويلهم والله أنا الذي أنزل الله في " وتعيها أذن واعية " فإنا كنا عند رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيخبرنا بالوحي : فأعيه أنا ويفوتهم ، فإذا خرجنا قالوا : ماذا ، قال آنفا .(3)
ص: 7
أقول : ويشهد لذلك أي إنه (علیه السلام) الأذن الواعية التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه المجيد بأنها تعي علوم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، الروايات المتواترة من الجانبين معنى بل لفظا ، من أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال : أنا مدينة العلم وعلي بابها (1) وأنا مدينة الحكمةوعلي بابها .(2)وأنا دار الحكمة وعلي مفتاحها . (3)وإن عليا أعلم أمتي .(4)وإن عليا أقضاكم (5) وعلي مع القرآن والقرآن معه (6) وأن العلم خمسة أجزاء ، وأعطي علي بن أبي طالب من ذلك أربعة أجزاء وأعطي سائر الناس واحدا ، وشاركهم في هذا الجزء (7) إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن تمام العلم عنده (علیه السلام) .
إذا تبين لك ذلك فاعلم أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة بمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) .
توضيح ذلك : إن قوله عز وجل : " وتعيها أذن واعية " إخبار عن أن الشرع والدين والكتاب مصون عن الضياع بوعيها وضبطها ، كما هو ظاهر،
ص: 8
وهذا كما يدل مطابقة على علمه (علیه السلام) بجميع أحكام الدين وعدم تطرق السهو والنسيان إليه ، يدل التزاما على عصمته وأمانته ، إذ لو لم يكن مأمونا مصونا عن العمد في المخالفة ، لتطرق الضياع إلى الكتابوالدين من جهة عدم عصمة واعيه وحامله ، فلا يتم المخبر به إلا باجتماع أمرين : الوعي المصون معه عن الجهل والسهو والنسيان ، والعصمة المانعة عن اتباع الهوى وارتكاب المعصية .
فالكلام الملقي في هذا المقام ناظر إلى إفادة الأمرين قطعا ، فكل منهما مستفاد من اللفظ ، غاية الأمر أن استفادة أحدهما منه على وجه المطابقة ، والآخر على وجه الالتزام .
وأيضا الغرض من دعاء النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أن يجعلها أذن علي (علیه السلام) وإجابته تعالى شأنه ، وتنزيل الآية في شأن علي (علیه السلام) إجابة لدعاء نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ليس إلا حفظ الدين والكتاب بسبب وعيها ، فلو لم يكن عنده معصوما من الزلل والخطأ ، كما عصمه من السهو والنسيان للزم نقض الغرض ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
والفرق بين هذا الوجه وسابقه : أن هذا ناظر إلى الالتزام العقلي ، والأول إلى الالتزام اللفظي .
وإذا اتضح لك هذا المعنى اتضح لك أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هاد إلى الحق بقول مطلق ، لا يفارق عن الحق أبدا ، يدور معه الحق أينما دار
ص: 9
ومن هذا شأنه يستحق الخلافة والإمامة قطعا لأن الخلافة عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من حيث نبوته ورسالته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)المستتبعة لافتراض طاعته على الأمة إنما هي من شؤون الهداية إلى الدين الحنيف ، التي لم يبعث النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلا لها ، وليس للخلفاء المقدمين عليه هذا الشأن قطعا ، لمراجعتهم(1) في كثير من الموارد التي أشكل عليهم الأمر إلى مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) ، كما هو مذكور في كتب الفريقين ، فتختص الخلافة والإمامة به حينئذ ، إذ لا مجال للعدول عن مثله(علیه السلام) إلى غيره من الأمة ، قال الله تعالى: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (2)
فالآية الكريمة دالة وناصة على اختصاص الخلافة والإمامة به (علیه السلام) ، لأن النص على الشئ قد يكون بالتنصيص على وجود علته وسببه ، كما في المقام ، فيستدل به على وجود المعلول استدلالا لميا ، وقد يكون بالتنصيص على ثبوت ما يتفرع عليه كإرجاع الخمس والفئ الذين هما من حقوق الإمارة والولاية إلى ذي القربى ، طبق رجوعه إليه تعالى ، وإلى رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كما في آية الخمس والفئ ، فيستدل به على وجود العلة استدلالا إنيا ، وقد يكون بالنص على الإمامة والولاية ابتداء كآية أولي الأمر ، فالكل ناصة على الخلافة ودليل عليها ، وإن اختلف في كيفية الدلالة .
ص: 10
آية وما رميت اذ رميت
قال الله تعالی: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت اذ رميت ولكن الله رمی وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ان الله سميع عليم (1)
نزلت هذه الاية الشريفة بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة وحيث ان بعض الفرق المنحرفة جعلت من هذه الاية المباركة مستمسكا لها وحيث انه قد طرحت حول هذه الاية اراء مختلفة كان من اللازم نقد وتحقيق هذه الاراء والنظريات.
فهنالك خمسة نظريات حول هذه الاية الشريفة:
النظرية الاولی
النظرية الاولی: حول هذه الاية: وما رميت اذ رميت ولكن الله رمی والايات الاخری المشابهة لها هو انه معجزة حصلت وان عمل غير طبيعي قد
ص: 11
تحقق ولذا فان الله جل وعلا من اجل ان لا يغتر المسلمون نسب هذا العمل العظيم الی نفسه.يقول القمي في تفسيره حول هذه الاية: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم اي انزل الملائكة حتی قتلوهم ثم قال: وما رميت اذ رميت ولكن الله رمی يعنی الحصی الذي حمله رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ورمی به في وجوه قريش وقال: شاهت الوجوه(1).
فقد وقع التصريح في هذا التفسير بان الذي رمی بالحصی علی الكفار هو الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وانه بدعاء النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حصلت المعجزة وتحقق عمل خارق للعادة وخارج عن قدرة البشر ولذا فان الله جل وعلا من اجل ان لا يغتر المسلمون نسب هذا العمل العظيم الی نفسه.
ثم ان قافلة كفار قريش والتي تحمل مجموعة من البضايع الكثيرة ومع قلة من الحراس وعدة من رؤساء قريش وبقيادة ابي سفيان رجعت من الشام وقد اطلع جبرئيل النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علی ذلك وعلم المسلمون بذلك وهنا خرج المسلمون من المدينة للهجوم علی قافلة الكفار فارسل ابوسفيان ضمضم الغفاري الی مكة طالبا اسناد قريش له وغير طريقه هو الی مكة وبعد اطلاع قريش علی الامر تحرك ابوجهل مع مجموعة من القوات نحو بدر.
ص: 12
حينذاك اطلع جبرئيل النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علی تحركهم فقال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لاصحابه: العير احب اليكم ام النفير؟
فاختار كبار المهاجرين والانصار الحرب وكان عدد المسلمين الحاضرين في المعركة 313شخص مع فرسين و70 جملا ومقدار قليل من السيوف والدروع في حين كان عدد المشركين من قريش يتراوح بين950 الی1000شخص مع استعداد كامل للحرب فكان معهم 400فرس و700جمل.
وقد استقر المسلمون في اسفل الوادي وكان المشركون في اعلاه وكانت الارض التي استقر عليها المسلمون سهلة بحيث ان الانسان لو طمست بها رجليه كان من الصعوبة الخروج منها(1).
في مثل هذه الحالة حيث لا تناسب بين القوتين وكون قوة المشركين اكثر من الضعف بالنسبة للمسلمين ومع قوة المشركين الفائقة وتجهيزاتهم كان انتصار الكفار علی المسلمين من الامور القطعية والمسلمة بالحسابات الطبيعية وهنا جاءت الامدادات الغيبية واراد الله جل وعلا لرسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) النصر.
فدعا رسول لله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وطلب من امير المؤمنين (علیه السلام) كفا من الحصی ورمی بها في وجوه الكفار وحينها امتلئتعيونهم بصغار الحصی فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عنها: شاهت الوجوه .
ص: 13
وكان هذا الحصی سببا لانشغال الكفار بانفسهم وفقدوا القدرة علی الحرب فتجرأ المسلمون عليهم وغلبوهم(1).
ولاجل ان لا يفتخر المسلمون بهذا النصر وان يكونوا ذاكرين لله جل وعلا قال الله تعالی: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت اذ رميت (2).
ولو دققنا النظر في هذه الاية الشريفة وما رميت اذ رميت ولكن الله رمی
فسوف لا يبقی شك في كون المراد منها هو تلك الحفنة من الحصی التي رماها رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في وجوه المشركين والمراد من القتل هو قتل الكفار علی يد المسلمين.
والتدبر في سياق ذيل الاية الشريفة لا يدع شكا في أن الآية تشير إلى وقعة بدر و ما صنعه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من رميهم بكف من الحصى، و المؤمنون بوضع السيف فيهم و قتلهم القتل الذريع، و ذيل الآية أعني قوله: وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً يدل على أن الكلام جار مجرى الامتنان منه تعالى، و قد أثبت تعالى عين ما نفاه في جملة واحدة أعني قوله: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت .فمن جميع هذه الشواهد يتحصل أن المراد بقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى نفي أن تكون وقعة بدر و ما ظهر فيها من استئصال المشركين و الظهور عليهم و الظفر بهم جارية على مجرى العادة و المعروف من نواميس الطبيعة، و كيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم
ص: 14
على ما روي إلا فرس أو فرسان و بضعة أدرع و بضعة سيوف، أن يستأصلوا جيشا مجهزا بالأفراس و الأسلحة و الرجال و الزاد و الراحلة، هم أضعافهم عدة و لا يقاسون بهم قوة و شدة، و أسباب الغلبة عندهم، و عوامل البأس معهم، و الموقف المناسب للتقدم لهم.
إلا أن الله سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبت أقدام المؤمنين و أرعب قلوب المشركين، و ألقى الهزيمة بما رماه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من الحصاة عليهم فشملهم المؤمنين قتلا و أسرا فبطل بذلك كيدهم و خمدت أنفاسهم و سكنت أجراسهم.
فبالحري أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين و الرمي الذي شتت شملهم و ألقى الهزيمة فيهم إليه سبحانه دون المؤمنين.
فما في الآية من النفي جار مجرى الدعوى بنوع من العناية، بالنظر إلى اسناد القتل بأطرافه إلى سبب إلهي غير عادي، و لا ينافي ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم، و النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) راميا لما رماه من الحصاة.و قوله: وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنا ً الظاهر أن ضمير مِنْهُ راجع إلى الله تعالى، و الجملة لبيان الغاية و هي معطوفة على مقدر محذوف، و التقدير: إنما فعل الله ما فعل من قتلهم و رميهم لمصالح عظيمة عنده، و ليبلي المؤمنين
ص: 15
و يمتحنهم بلاء و امتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة، و هو إفناء خصمهم و إعلاء كلمة التوحيد بهم و إغناؤهم بما غنموا من الغنائم(1).
النظرية الثانية
النظرية الثانية: حول الاية المباركة هو ان هذه التعابير الورادة في الاية الشريفة باعتبار شدة تقرب الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومجاهدي بدر وعلی رأسهم امير المؤمنين (علیه السلام) الی الله جل وعلا.
وهنالك ايات في القران الكريم تشابه هذه الاية وما رميت اذ رميت ولكن الله رمی مثل ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله (2).
فقد اعلنت هذه الاية المباركة ان البيعة مع الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بيعة مع الله جل وعلا كما وقد وردت في الروايات تعابير كثيرة تدل علی ان محبة اهل بيت النبي(علیه السلام) محبة لله كما وان عداوتهم عداءلله(3) فعن امير المؤمنين انه قال سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول:
من احبنا فقد احب الله, ومن ابغضنا فقد ابغض الله, ومن والانا فقد والا الله, ومن عادانا فقد عادی الله, ومن اطاعنا فقد اطاع الله (4).
ص: 16
وكما نقرأ في زيارة الائمة عليهم السلام:
ومن احبكم فقد احب الله...ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله (1).
فورود هذه المفاهيم لاجل شدة تقرب هؤلاء العباد لله تعالی وهذه التعابير لاجل ان يعرف المؤمنون شأن ومقام النبوة والامامة العالي.
النظرية الثالثة
النظرية الثالثة: رأي الغلاة والافراطيين , هؤلاء مع ملاحظة هذه الاية والايات المشابهة لها قالوا بالحلول ورأيهم ان الله تعالی حال بالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة الاطهارعليهم السلام وحينما رمی النبي تلك الحصيات ففي الواقع انه لم يرم ولكن الله رمی.وقد ردت هذه النظرية بكل شدة من قبل الائمة الطهار (علیه السلام) ولعنوا قائلها وكفروه.
الغلاة يعتقدون بنحو من الاتحاد بين الله تعالی والنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة الاطهار عليهم السلام وان الله تعالی حل في هذه الذوات المقدسة ويستدلون بمثل هذه الاية وبالروايات التي من هذا القبيل.
ص: 17
وحول الاستدلال بهذه الاية يقولون: ان الرامي في هذه الاية ولكن الله رمی هو الله تعالی وحيث ان الرامي في الواقع هو الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فنحصل علی هذه النتيجة ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هو الله تعالی.
هنالك حديث ورد في كتاب الكافي حول احد الغلاة من المناسب نقله عن مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) وَ هُوَ مُغْضَبٌ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ آنِفاً فِي حَاجَةٍ فَتَعَرَّضَ لِي بَعْضُ سُودَانِ الْمَدِينَةِ فَهَتَفَ بِي لَبَّيْكَ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَبَّيْكَ فَرَجَعْتُ عَوْدِي عَلَى بَدْئِي إِلَى مَنْزِلِي خَائِفاً ذَعِراً مِمَّا قَالَ حَتَّى سَجَدْتُ فِي مَسْجِدِي لِرَبِّي وَ عَفَّرْتُ لَهُ وَجْهِي وَ ذَلَّلْتُ لَهُ نَفْسِي وَ بَرِئْتُ إِلَيْهِ مِمَّا هَتَفَ بِي وَ لَوْ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَدَا مَا قَالَ اللَّهُ فِيه إِذاً لَصَمَّ صَمّاً لَا يَسْمَعُ بَعْدَهُ أَبَداً وَ عَمِيَ عَمًى لَا يُبْصِرُ بَعْدَهُ أَبَداً وَ خَرِسَ خَرْساً لَا يَتَكَلَّمُ بَعْدَهُ أَبَداً ثُمَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ أَبَا الْخَطَّابِ وَ قَتَلَهُ بِالْحَدِيد(1).كانت هنالك فرقة من الغلاة في زمان الامام الصادق (علیه السلام) برئاسة ابي الخطاب(2) الذي كان يروج عقيدة الغلو وفي يوم التقی احد رجال هذه الفرقة بالطريق مع الامام الصادق (علیه السلام) فَهَتَفَ بالامام لَبَّيْكَ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَبَّيْكَ يقول الامام(علیه السلام) : فَرَجَعْتُ عَوْدِي عَلَى بَدْئِي إِلَى مَنْزِلِي خَائِفاً ذَعِراً مِمَّا قَالَ
ص: 18
حَتَّى سَجَدْتُ فِي مَسْجِدِي لِرَبِّي وَ عَفَّرْتُ لَهُ وَجْهِي وَ ذَلَّلْتُ لَهُ نَفْسِي وَ بَرِئْتُ إِلَيْهِ مِمَّا هَتَفَ بِي...فالامام(علیه السلام) يصرح برد هذه الاعتقادات ويلعن صاحبها ويدعو علی مروج هذه العقيدة ابي الخطاب بالموت بالحديد.
بيان الشيخ الطوسي ره
لقد اورد الشيخ الطوسي في تفسير التبيان علی القول بان الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) متحد مع الله تعالی واستندوا الی هذه الاية وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى ثلاثة اشكالات فقال :
فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة، بأن قال: لما قال وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى - و كان النبي هو الرامي- دل ذلك على انه هو اللَّه تعالى، فهو جهل و قلة معرفة بوجوه الكلام لأنه لو كان على ما قالوه:1- لكان الكلام متناقضاً، لأنه خطاب للنبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأنه لم يرم، فان كان هو اللَّه تعالى فالى من توجه الخطاب؟ و إن توجه اليه الخطاب دل على ان اللَّه غيره.
2-و أيضاً فإذا كان هو اللَّه فقد نفى عنه الرمي فإذا أضافه بعد ذلك الى اللَّه كان متناقضاً.
3-على انه قد دلت الأدلة العقلية على ان اللَّه ليس بجسم، و لا حال في جسم، فبطل قول من قال إن اللَّه كان حل في محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و ليس هذا موضع نقضه. و قد ذكرنا الكلام في ذلك و استوفيناه في الأصول(1).
ص: 19
النظرية الرابعة
النظرية الرابعة: وقال اخرون طبقا للمباني التي يعتقدونها بانه يمكن الاستدلال بهذه الاية وامثالها علی وحدة الوجود والقول بان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) متحد مع الذات الالهية المقدسة بل كل الموجودات هي عين الوجود الالهي بلا فرق بين ان تكون بنحو الوجود الاطلاقي كما عليه العرفاء حيث يقولون : ان في دار الوجود وجود واحد وهو الله تعالی عن ذلك والذي تطور وتشأن باطوار مختلفة كما في البحر وامواجه.
او كانت بنحو الوجود التشكيكي الذي يقول به الفلاسفة حيث جعلوا للوجود مراتب ودرجات وكل مرتبة تختلف عن المرتبة الاخری الا ان جميعالمراتب شيء واحد وهو الله تعالی عن ذلك فحيقة جميع الماتب هو الوجود ومراتب الوجود هو الله جل وعلا مثل النور و درجاته.
القائلون بوحدة الوجود
ومن المناسب ان نذكر بيانات القائلين بوحدة الوجود العجيبة والغريبة وكيفية استدلالهم بالاية.
فقال في كتاب ممد الهمم في شرح فصوص الحكم:
و الدليل على ذلك وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى و العين ما أدركت إلّا الصورة المحمدية التي ثبت لها الرمي في الحسّ، و هي التي نفى اللّه الرمي عنها أولا ثم أثبته لها وسطا، ثم عاد بالاستدراك أن اللّه هو الرامي في صورة محمدية و لا بد من الإيمان بهذا، فانظر الى هذا المؤثر حتى أنزل الحقّ
ص: 20
في صورة محمدية، و أخبر الحقّ نفسه عباده بذلك، فما قال أحد منا عنه ذلك بل هو قال عن نفسه و خبره صدق و الإيمان به واجب، سواء أدركت علم ما قال أو لم تدركه: فامّا عالم و إمّا مسلم مؤمن.
ثم استشهد بهذا البيت من الشعر بعنوان انه دليل فقال:
گر چه تير از كمان همى گذرد***از كماندار بيند اهل خرد
ومعناه ان كل سهم يخرج من القوس فانما يراه اهل العقل من صاحب القوس.
ثم قال: الايمان به واجب سواء ادركته ام لم تدركه(1).نظرة الميرزا علي الهمداني
نقل صاحب كتاب ممد الهمم عن الرسالة الوجودية لاحد العارفين ميرزا علي الهمداني كلاما له في الرسالة وهو:
ان الانسان الكامل هو مظهر الهوية الذاتية مع جميع الاسماء و الصفات كما تخبرنا عن ذلك الاية الكريمة وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى والاية الكريمة إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2) والاية الكريمة وَ
ص: 21
ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه(1) و الحديث القدسي الشريف
لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتّى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني أجبته و ان سألني أعطيته(2) وهذه الآيات و الاحاديث دليل علی ان هذه الطائفة منه واليه بل هي عينه.
اى آن كه حدوث وقدمت اوست همه***سرمايه شادى و غمت اوست همه
تو ديده ندارى كه به خود در نگرى***بينى كه ز سر تا قدمت اوست همه (3)
ومعنی هذين البيتين: ان كل ماهو حادث وقديم هو الله, وكل راس المال من الفرح والحزن هو الله , وانت مخاطبا الله جل وعلا ليس لك عين حتی تنظر بها الی نفسك حتی تنظر من اعلی راسك الی قدمك انك الكل.
اقول: وبطلان هذا القول بديهي لا يحتاج الی استدلال وبيان الادلة العقلية والنقلية علی بطلانه ؛ كيف وكل صاحب عقل سليم يمكنه ان يطلع علی معاني هذه الايات بالمراجعة الی التفاسير وكتب العلماء الاعاظم من انه حصل امر عظيم في هذه المعركة وان الله تعالی من علی المسلمين بالنصر.
ص: 22
ومع كل ذلك نجد القائلين بوحدة الوجود يستغلون امثال هذه الايات والروايات فيدعون دلالتها علی معان باطلة وغير صحيحة.
وهذه الافكار والاعتقادات وامثالها ناشئة من الافكار والاصول الباطلة التي يتبناها هؤلاء ولاجل تطبيقها مع الاصول الاعتقادية الصحيحة يلتجؤون الی امثال هذه التأويلات والانحرافات.
النظرية الخامسة
النظرية الخامسة: وهي نظرية القائلين بالجبر وهذه الطائفة لاجل اثبات نظريتهم تمسكوا بهذه الاية في بيان ادلتهم النقلية.
تقرير الاستدلال: ان الله تعالی نسب الی نفسه القتل الصادر من المؤمنين ونفاه عنهم كما وانه سلب عن الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الحصی الذي رماه بوجوه الكفار ونسبه الی نفسه , وعليه فيظهر من هذا النفي والاسنادان الانسان وحده محل ظهور فعل الله تعالی والذي كان في هذا المورد الخاص علی يد النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والمؤمنين وليس من فاعل حقيقي الا الله تعالی.
الجواب: علی اساس نظرية الجبريين كل افعال البشر من فعل الله جل وعلا ومنسوبة اليه ومن هذه الجهة لا فرق بين فعل وفعل ولا فرق بين فاعل وفاعل حتی تنسب بعض الافعال الی غيره في حين ان المستفاد من الاية الكريمة ان هناك خصوصية في قتال المؤمنين مع الكفار في معركة بدر ولا وجود لهذه الخصوصية في قتال الكفار كما وان هناك خصوصية تستفاد من الاية في رمي
ص: 23
الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للحصی لا توجود في رمي اخر ولا في افعال الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الاخری في سائر الحروب.
وهذه الخصوصية صارت سببا في نسبة هذا الفعل من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والمؤمنين الی الله جل وعلا وان تسلب من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والمؤمنين ولو كان المقصود في الاية المباركة نفي كل فعل من اي فاعل ونسبته الی الله تعالی فلا وجه لاختصاص ذلك بالرمي والقتل المذكور في الاية المباركة بل يلزم سلب جميع الافعال عن المخلوقين ونسبتها الی الله تعالی وبالتدقيق في الاية المباركة ومع ملاحظة تفسيرها وشأن نزولها نستكشف ان الاية في مقام امتنان الله المنان علی عباده المؤمنين واظهار اللطف والعناية الخاصة الالهية علی الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والمؤمنين في غزوة بدر .في ذلك الوقت الذي فزع فيه اصحاب الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من كثرة اعداد قريش فتضرعوا الی الله تعالی واستغاثوه قال الله تعالی: اذ تشتغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين (1).
حينذاك ارسل الله سبحانه ملائكته لنصر المؤمنين حتی ينتصروا علی الاعداء علی رغم قلتهم وكثرة اعدائهم وقوتهم وكذلك من الله علی نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حينما رمی كفا من الحصيات الصغار في وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق احد من قريش الا وامتلأ عينيه بالحصيات الصغار ومن الواضح ان
ص: 24
هذا الرمي وهذا القتل لم يكن من قدرة البشر بل كان من الله تعالی واظهر هذه المعاجز لاجل اثبات نبوة رسوله ونصرة دينه.
خلاصة البحث
الفرق بين افعال الانسان العادية والمعجزة واضح ولا يخفی علی احد فالرمي في الاية من معاجز النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد اسند الی الله تعالی ومحل الكلام افعال الانسان العادية والتي تصدر باختياره غير المعاجز وطبعا هنالك جواب اخر غير هذا الجواب ذكرناه في مكانه المناسب(1).ولو اردنا ان نتعرف علی اصل هذه الاشكالات التي ترد علی هؤلاء الناس واردنا ان نتعرف علی حلها من اساسها واصلها فاللازم ان نقول: ان اساس حركات الانسان الصحيحة وتكاملهم هو العقل فبالعقل يشخص الحق من الباطل وبالعقل يعرف الله تعالی والرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبه يصل الی الوحي وبالتعقل يستطيع الانسان ان يستفيد الانسان من الوحي في مختلف المسائل.
والعقل يقول: حيث ان الخطأ لا يتطرق الی كلام الوحي فالعقل يحكم بلزوم متابعة الوحي وتقدمه في كل كلام ونحن لا نجد ولو موردا واحدا يخالف فيه الوحي العقل وتلك الموارد التي لا تدركها العقول الضعيفة فانما لقصورها وضعفها وهذه الموارد قد جاء توضيحها في القران الكريم وروايات المعصومين عليهم السلام.
ص: 25
ففي امثال هذه الايات { ونفخت فيه من روحي}(1) {وجاء ربك}(2) لابد من الرجوع الی المفسرين الواقعيين وهم الائمة الاطهار عليهم السلام ولو اعتمدنا في هذه الموارد علی بعض الشخصيات من اصحاب المباني والافكار الاخری غير الالهية فنحن علی حافة السقوط والهلاك يقول الامام الكاظم (علیه السلام):من دخل في الايمان بعلم ثبت فيه, ونفعه ايمانه , ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه (3).
ويقول (علیه السلام) ايضا:
من اخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) زالت الجبال قبل ان يزول ومن اخذ دينه من افواه الرجال ردته الرجال (4).
اذن لو بنی الانسان افكاره علی آراء البشر غير الالهية واخذ من هذا وذاك فسوف يتاثر بافكار الاخرين تغير افكاره ولو اعتمد القران والاحاديث في افكاره فسوف تزول الجبال ولا تتغير عقيدته.
ص: 26
العدد الثامن عشر
10- ما هي الاغراض والدوافع السياسية في الامور العقائدية؟لا شك ان للاعتقاد الحق اثراً بالغاً في دفع الانسان نحو الصلاح والسعادة ولا شك ان الاستعمار كان من وراء كثير من الانحرافات العقائدية.ففكرة الارجاء وان الفاسق مرجوامره الی الله جل وعلاوفكرة الجبر وان الله هو الذي يعطي ملكه لمن يشاء كانت من جراء السياسة الاموية وكان معاوية لعنه الله هو المغذي لهذه الافكار في حين ان بطلانها من بديهيات الامور وقد قال تعالی ان الله لا يغير ما بقوم حتی يغيروا ما بانفسهم .وكذلك فكرة الابدال والاقطاب وانهم اربعون بدلاًفي طول الزمان هي فكرة اموية خرافية وقد ذكر الاستاذ محمود ابو رية في كتابه اضواء علی السنة المحمدية انها من الموضوعات، و لا شكّ أن بني أميّة الذين لا يحلوهم ان يسمعوا بالروايات المتواترة؛ من أن الأئمة اثنا عشر كلهم من قريش، الواضحة الإنطباق علی آل بيت النبي صلی الله عليه و آله و سلّم. فهم و عملاؤهم و من حذا حذوهم؛ يفترون بمثل هذه الأباطيل، لأجل إطفاء نور الحق، و لأجل تمزيق الأمّة الإسلامّية. و قد سار الإستعمار في القرون الأخيرة علی
ص: 27
هذه الخطّة؛ فأوجدوا وروّجوا الفرق الضالة و المنحرفة، فأوجدوا فرق الوهّابيّة و الشيخيّة و البهائية و البابيّة. و أوجدوا الأحزاب القومية و العلمانيّة و الماركسيّة و الشيوعيّة و الإشتراكيّة.و بثوا الأفكار الإلحادية، وروّجوا كل بدعة و ضلالة؛ تحت غطاء الفكر و التحرر و العقل و المنطق.
و لذا نجد أن بريطانيا تعرّف التصوّف ما يسمی بالعرفان، بأنه الإسلام الحقيقي؛ حرباً منهم للحقيقة، و بغضاً منهم للنور المحمدي؛ مذهب آلالبيت عليهم أفضل الصلاة و السلام، الذي ما عرفه أحدّ إلا اعترف به، و تفانی من أجله؛ كما يشهد بذلك التاريخ.
أقول : و علی المخلصين من أبناء الأمّة الإسلاميّة، و العلماء و الحوزات العلميّة؛ أن لايألوا جهداً في إظهار الإسلام المحمدي الاصيل كما هو ناصعاً جميلاً بعيداً عن الاهواء والبدع والخرافات التي يروج لها الاستعمار ويتخذها ذريعة لمحاربة الاسلام والمسلمين و العلماء الربّانيين المجاهدين المخلصين، ويريد بهاتمزيق الأمّة الإسلاميّة.
الباب الثالث
التوحيد الالهي من زاوية الايات و الروايات
سبق و أن مرالكلام في نقد الرؤية الفلسفية في الباب الثاني و البحث عن أصول المعرفة في الباب الاول و كان محور الاستدلال هناك هو نقد الفكر الفلسفي بواسطة الدليل العقلي و اجد من اللازم طرح نقد الفكر الفلسفي من
ص: 28
خلال استدلالات و كلمات ائمة الدين و قادته و هم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) واله عليهم السلام و ها انا اقدم ذلك في بيان رؤية الاسلام حول التوحيد الالهي بواسطة بياناتهم والتي قد جاءت تارةً مكتفية بالارشاد الی بيان تلك المعارف و اخری بالاستدلال العقلي حول تلك المعارف هذا وكما قد سبق في باب اصول المعرفة أنه يصح الاستدلال بالآيات و الروايات من زاويتين:
الاولی: بما تضمنته تلك الايات و الروايات من استدلال عقلي.الثانية: باعتبار قيام الدليل و البرهان العقلي علی صحة و صدق الرسالة الاسلامية العظيمة فان ما جاء به النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من معاجز متعددة و التي قسم منها ماثل و باقٍ الی يومنا هذا كمعجزة القرآن الكريم كما يثبت لنا صدق الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و انه من عند الله جل وعلا كذلك يثبت لنا واقعية كل ما جاء به من معارف حول الكون و الوجود و الحياة.
آيات التوحيد
اما الايات
1- قال تعالی: قل هوالله احدالله الصمدلم يلدولم يولدولم يكن له كفوا احد
وقد فسر الامام الحسين عليه السلام هذه السورة المباركة بقوله :
إنه سبحانه قد فسر الصمد فقال: اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ ... ثم فسره فقال: لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ . لَمْ يَلِدْ : لم يخرج منه شيء كثيف... ولا شيء لطيف... تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولد منه شيء كثيف أو لطيف، وَلَمْ يُولَدْ : لم يتولد من شيء ولم يخرج من شيء... لا بل هو اللّه
ص: 29
الصمد الذي لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء، مبدع الأشياء وخالقها، ومنشيء الأشياء بقدرته…فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد.(1)
الإمام الصادق (علیه السلام):إن اللّه تبارك وتعالى أحد صمد ليس له جوف ...(2)
وعن اميرالمؤمنين (علیه السلام):
تأويل الصمد: لا إسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا، ولا ثمة، ولا خلا، ولا ملا، ولا قيام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني، ولا روحاني، ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع، ولا يسعه موضع، ولا علی لون، ولا خطر علی قلب، ولا علی شم رائحة، منفي عنه هذه الاشياء.(3)
2- قال الله تعالی(4) فلا تجعلوا لله انداداً و انتم تعلمون~ و قال تعالی جعلوا لله انداداً ليضلوا عن سبيله~(5) و هاتان الآيتان دالتان علی عدم السنخية بينه تعالی و بين مخلوقاته حيث أن معنی الند هو المشارك في السنخ ففي مفردات
ص: 30
الراغب الاصفهاني نديد الشيئ مشاركه في جوهره... قال تعالی: فلا تجعلوا لله انداداً(1).
3- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2)و معنى هذه الآية واضح جدا ولا يوجد فيها أي غموض أو تعقيد أو صعوبة. يقول الشيخ الطبرسي في تفسيرها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وهو كقولهم مثلك لا يبخل والمراد نفي البخل عن ذاته وهو من باب الكناية لانهم إذا نفوا الشي ء عمّن يسد مسدّه فقد نفوه عنه، فالمعنى نفي المماثلة عن ذاته سبحانه فلا فرق بين أن يقال ليس كاللَّه شي ء وأن يقال: ليس كمثله شي ء الّا فائدة الكناية وقيل كرّرت كلمة التشبيه للتأكيد.(3)
وعلی أساس هذا التفسير فقد اشتملت الآية المباركة علی الكناية فهي من زاوية ادبية تشتمل على الفصاحة ودلالتها في بيان المعنى ادل وأقوی، فإن كان مثل وشبيه اللَّه جلّ وعلا لا وجود له، فبالاولوية ذات اللَّه جلّ وعلا لا مثيل لها ولا شبيه.
ص: 31
حجة الاسلام والمسلمين السيد قاسم علي احمديالعدد الثالث
وقفة مع أصالة الوجود
إنّ الّذي يقتضيه الوجدان والفطرة السليمة والمتبادر من الكتاب والسنّة أنّ متعلّق جعل الجاعل - جلّ جلاله - هو الإنسان بما هو إنسان ، والشجر بما هو شجر والسّماء والأرض . . وكون هذه الأشياء في الخارج منتزعا عن حقيقة الوجود - كما يقوله القائل بأصالة الوجود - تخيّل باطل .
ويمكن استظهاره من كلام ثامن الأئمّة (علیه السلام) أيضا كما في رواية عمران الصابيّ في تفسير الآية الشريفة : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً(1) يعني أعمى عن الحقائق الموجودة(2)
ص: 32
ولعلّه إلى ذلك أشار عليه السلام بقوله :
لا يقال له ما هو ؟ لأنّه خلق الماهيّة(1).
ونحن بالمراجعة إلى عقولنا ووجداننا وكافّة حواسّنا نعلم وندرك بوضوح أنّ الأشياء الّتي حولنا حقّ وواقع ، ولم يخطر ببالنا - قبل تشويش أفكارنا بالآراء المنحرفة - هذا التساؤل :هل الأشياء الخارجيّة موجودة ؟
وهل السّماء والأرض والجبال و . . حقّ أم إنّها ظلال للحقّ ؟ !
وبعد كلّ هذا ، هل نحن موجودون ؟ !
ولماذا أنكرت هذه الطائفة أصالة الأشياء والماهيّات الخارجيّة ؟ وهربوا من ذلك بإنكار المخلوقات رأسا ؟ مع أنّ الآيات القرآنيّة - مضافا إلى الوجدان والعقل والحسّ - تشهد جميعا بحقّانيّة المخلوقات .
قال اللّه جلّ جلاله : الحمد للّه الّذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثمّ الّذين كفروا بربّهم يعدلون(2) .
وقال عزّ اسمه : ما خلق اللّه السماوات والأرض وما بينهما إلاّ بالحقّ وأجل مسمّى(3)
ص: 33
ويرشدنا سبحانه إلى أنّ الخلق ليس باطلاً فيقول :
الّذين يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ماخلقت هذا باطلاً
.(1)
يقول عزّ من قائل : و الشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره .(2)
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشهد بحقّانيّة الموجودات .وثمّة طائفة من الآيات القرآنيّة تبيّن أنّه سبحانه منزّه عن أوصاف خلقه، وليس كمثله شيء ، وأنّه خلو عن خلقه وخلقه خلو عنه . .
قال اللّه عزّ وجلّ : سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون(3) .
سبحان ربّ السماوات والأرض ربّ العرش عمّا يصفون(4).
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار(5).
ليس كمثله شيء وهو السّميع العليم(6).
شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم(7)
ص: 34
لكم اللّه ربّكم لا إله إلاّ هو خالق كلّ شيء فاعبدوه(1)
الّذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلاّ هو يحيى ويميت(2)
فهذه الآيات - وما أكثرها - تصرح أنّ اللّه غير خلقه وخلقه غيره ، وأنّ خلقه شيء متحقّق وموجود في الخارج ، وتشهد - أيضاً - لهذه المغايرةبين اللّه وبين خلقه الآيات الواردة في التسبيح ، كقوله جلّ وعزّ : و إن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم (3)
سبّح اللّه ما في السّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم(4)
ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبّحون بحمد ربّهم(5)
يسبّح للّه ما في السّماوات وما في الأرض الملك القدّوس العزيز الحكيم(6)
إلى غير ذلك من الآيات .
وأيضا الآيات الّتي تبيّن ذنوب عباده وشركهم أو ما أشبه ذلك كلّها تدلّ على ما ذكرناه ، كقوله تعالى :
قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق(7).
ص: 35
فنادى في الظّلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين(1).
قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتّخذ من دونك أولياء(2).
يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون(3).وهذا ، مضافا إلى أنّ الأخبار المتواترة والأدلّة العقليّة القطعيّة ، بل الفطرة والوجدان والبداهة كلّ ذلك يدلّ على موجوديّة الأشياء وتحقّقها.
فهذه الفرق من الفلاسفة يلغون وجود الأشياء وتبعوا السوفسطائيّين الّذين يزعمون أنّ العالم غير موجود رأسا ، ونحن ندرج بعض الشواهد الدالّة على ذلك من كلماتهم :
قال صاحب الأسفار : إنّ الماهيّات الإمكانيّة أمور عدميّة . . . بمعنى أنّها غير موجودة لا في حدّ أنفسها بحسب ذواتها ، ولا بحسب الواقع ؛ لأنّ ما لا يكون وجودا ولا موجودا في حدّ نفسه لا يمكن أن يصير موجودا بتأثير الغير وإفاضته ، بل الموجود هو الوجود ، وأطواره وشؤونه وأنحاؤه(4).
ص: 36
وقال أيضا : وفي كلام المحقّقين إشارات واضحة ، بل تصريحات جليّة بعدميّة الممكنات أزلاً وأبدا ، وكفاك في هذا الأمر قوله تعالى : كلّ شيء هالك إلاّ وجهه .
قال الشيخ محمّد الغزاليّ - مشيرا إلى تفسير هذه الآية عند كلامه في وصف العارفين بهذه العبارة - : فرأوا بالمشاهدة العيانيّة أن لا موجود إلاّ اللّه ، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه ، لا أنّه يصير هالكاً في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلاً وأبدا لا يتصوّر إلاّ كذلك ، فإنّ كلّ شيءإذا اعتبر ذاته من حيث هو فهو عدم محض ، وإذا اعتبر من الوجه الّذي يسري إليه الوجود من الأوّل الحقّ ، رُئي موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الّذي يلي موجده(1).
وهكذا يرى صاحب الأسفار : أنّ الأرض والسّماء والإنسان وغيرها ممّا يسمّيها الماهيّات الإمكانيّة ليست في الواقع إلاّ اعتبارات وهميّة .
وقال إمامه في المعارف ابن العربيّ في الفصّ اليعقوبيّ : إنّ الممكنات على أصلها من العدم ، وليس وجود إلاّ وجود الحقّ بصور ما عليه الممكنات في أنفسها ، فقد علمت من يتلذّ ومن يتألّم .
ص: 37
قال القيصريّ في شرحه : ليس وجود في الخارج إلاّ وجود الحقّ متلبّسا بصور أحوال الممكنات ، فلا يلتذّ بتجلّياته إلاّ الحقّ ولا يتألّم سواه(1).
وقال ابن العربيّ في الفصّ الهوديّ : وما خلق تراه العين إلاّ عينه حقّ.
و قال القيصريّ في شرحه : أي ليس خلق في الوجود تشاهده العين إلاّ وذاته عين الحقّ الظاهرة في تلك الصورة ، والحقّ هو المشهود ،والخلق موهوم ، لذلك سمّي به ، فإنّ الخلق في اللغة هو الإفك والتقدير(2) .
وقال بعض المعاصرين : إنّ أهل التحقيق فى التوحيد - أعني المتألّهين في التوحيد - قائلون بأنّ الحق سبحانه ليس له سوى فضلاً عن أن يكون قديما أو حادثا ، بل ليس الوجود إلاّ لحقّ وآياته(3).
وقال بعض آخر : ليس الموجود الأزليّ إلاّ واحدا مطلقا غير محدود ، فلا غير هناك حتّى تباين معه ، إذ لا مجال للغير في تجاه الموجود الغير المتناهي(4).
ص: 38
ثمّ إنّ منشأ هذا الاعتقاد هو القول بأنّ ماهيّات الممكنات ليست إلاّ منتزعة من حدود الوجود ، وليست لها واقعيّة وحقيقة ، وهي - أي الأشياء والماهيّات الخارجيّة - كسراب بقيعة يحسبها الجاهل أنّها موجودة ، وليس في دار التحقّق إلاّ حقيقة واحدة وموجود واحد وهو الوجود ، وأنّ ما يرى من الكثرات مراتب وتطوّرات لتلك الحقيقة الواحدة ، وأنّ جميع هذه الأشياء أطوار هذه الحقيقة وشؤونها وتعيّناتها وأنّ التوحيد الّذي يجب الاعتقاد به هو هذا المعنى .أقول : وهذا خلاف ما يقتضي به الوجدان والفطرة السليمة والآيات والأخبار من أنّ الأشياء الخارجيّة حقائق متبائنة و . .
فعلى ما ذكروه يلزم إتّحاد الخالق والمخلوق والعابد والمعبود والفاعل والفعل أو المفعول . . كلّ ذلك ممّا لا تقبله العقول بالبداهة ، وخلاف ما هو المأثور من قوله عليه السلام في دعاء يستشير : أنت الخالق وأنا المخلوق ، وأنت المالك وأنا المملوك ، وأنت الربّ وأنا العبد ، وأنت الرازق وأنا المرزوق ، وأنت المعطي وأنا السائل ، وأنت الجواد وأنا البخيل(1).
وهو خلاف الأخبار الواردة في نفي التشبيه ، فإنّ فرض الصدور والترشّح والتجلّي والتجزّي والتغيّر و . . يستلزم المعلوليّة والمخلوقيّة ،
ص: 39
ولابدّ من تنزيهه سبحانه عمّا كان فيه ملاك المعلوليّة والمخلوقيّة ، والتشبيه على نحوين : إمّا بين الموجودين ، وإمّا لوجود ملاك المخلوقيّة والمعلوليّة في شيء واحد ، وإن لم يكن الموجود إلاّ أحدهما .
وأيضا هو خلاف الأخبار الواردة في نفي السنخيّة بينه تعالى وبين خلقه و . .ويلزم ممّا ذكروه سقوط التكاليف جميعا ، بل بطلان النبوّة والإمامة و . .
وقد ورد عن مولانا أبي الحسن عليه السلام في حديث أنّه قال : لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق ، ولا المنشى ء من المنشأ ، لكنّه المنشى ء ، فرق بين من جسّمه وصوّره وأنشأه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئا(1)
وعن أبي عبداللّه عليه السلام في حديث :
. . خالقنا لا مدخل للأشياء فيه ؛ لأنّه واحد وأحديّ الذّات وأحديّ المعنى(2)
وعن أبي جعفر عليه السلام : إنّ اللّه خلو من خلقه وخلقه خلو منه(3)
وعن أبي عبداللّه عليه السلام : إنّه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله التغيّر والزوال أو ينتقل من لون إلى لون ومن هيئة إلى هيئة ومن
ص: 40
صفة إلى صفة ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين ، فإنّه لم يزل ولا يزال بحالة واحدة ، هو الأول قبل كلّ شيء ، وهو الآخر على ما لم يزل ، ولا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره(1)والعاقل - غير المشوب ذهنه بكلمات العرفاء والفلاسفة - يفهم من هذه الأخبار وغيرها : وجود الأشياء حقيقة في العالم ، وأنّها غير اللّه تعالى ومبائنة معه سبحانه ، كما قرّرنا هذا البيان في قوله سبحانه :
ليس كمثله شيء(2) وقلنا إنّ المستفاد من هذه الآية أمران :
أحدهما : ما يدلّ على نفي شيء مثله .
ثانيهما : ما يدلّ على وجود شيء ليس مثله .
أي إنّ ما هو غيره تعالى ليس مثله والتوحيد الّذي نعتقد هو مفاد : ليس كمثله شيء لا مفاد ليس شيء غيره ، ولا مفاد لا شيء غيره . . كما عليه العرفاء والفلاسفة .
وقد ورد عن مولانا أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام : إنّما اختلف الناس في هذا الباب حتّى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادوا من الحقّ بعدا ، ولو وصفوا اللّه عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم
ص: 41
واليقين ، ولما اختلفوا ، فلمّا طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(1)وسيأتي في الفصل الرابع بيان أنّ ما ورد في الفلسفة من الإيمان بأصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة ووحدة الوجود ، وأنّ اللّه تعالى مساوٍ للوجود يتّفق مع اعتقاد عرفاء المسالك والأديان من البراهمة والبوذيين و . .
فتحصّل ممّا ذكرناه بطلان القول بأصالة الوجود وعليه فيكفي لإبطال القول بوحدة الوجود ممنوعيّة هذا القول وعدم ثبوته .
ص: 42
العلامة الشيخ علي الكورانيروى مسلم:8/104: عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول هذا فكاكك من النار!! ورواه ابن ماجة:2/1434 عن أنس وزاد في أوله إن هذه الأمة مرحومة عذابها بأيديها وروى السيوطي نحوه في الدر المنثور: 5/251عن ابن أبي حاتم والطبراني ، ومجمع الزوائد:7/95 وقال: رواه الطبراني وفيه سلامة بن رونج وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات. وفي أحمد:4/407 و408 و:4/391 و398 و402 و410 بروايات متعددة، وكنز العمال:1/73 و86 و:12/ 159 و170-172 و:4/149 عن مصادر متعددة.
والظاهر أن هذه المقولات ردةُ فعل من بعض المسلمين على زعم اليهود بأنهم لاتمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم يخلفهم فيها المسلمون ! فاخترع لهم أبو موسى الأشعري أو غيره نظرية فداء المسلم من النار بيهودي أو نصراني
ص: 43
! كما يفعل المجرم فيفدي نفسه من مشكلة تحصل له في الدنيا بأن يجعلها في رقبة غيره زوراً وبهتاناً ! !
وفي الدر المنثور:1/84: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، وسموا أربعين يوماً ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي وأصحابه ! فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ورد يده على رؤسهم: كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لانخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبداً ، ففيهم أنزلت هذه الآية :قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَات. يعنون أربعين ليلة .
الأسئلة
1 - هل توافقوننا على أن أبا موسى الأشعري كذب على رسول الله’ وأن ما ادعاه من وضع جرائم أحد على ظهر آخر أمرٌ لا يقبله دينٌ ولا عقل ، ويرده قول الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .
2 - هل تقبلون ما استدلت به بعض مصادركم على عقيدة فداء المسلمين بغيرهم بقوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ . سورة العنكبوت: 13 مع أنه ليس في الآية دلالة على أن الأثقال التي حملوها تسقط عن أصحابها ؟!
ص: 44
هل تثبتون الشفاعة لليهود والنصارى وتحرمون منها بني هاشم؟!وسع أتباع الخلافة القرشية شفاعة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حتى شملت اليهود والنصارى لكنهم لم يسمحوا أن تشمل شفاعته آباءه وأعمامه !!
والسبب في ذلك أن بطون قريش يحتاجون من أجل إثبات شرعية حكمهم إلى نفي الشرعية عن آباء النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأعمامه ، ونفي أنهم يمثلون خط التوحيد في أبناء إسماعيل(علیه السلام)، فلو اعترفوا بذلك لكان بنو عبد المطلب ورثة إبراهيم ، وكان علي(علیه السلام) وارثهم .
لذلك زعموا أن عم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأباه وجده كانوا كفاراً فجاراً ، وأنهم في جهنم كأبي لهب ، ولايوجد منهم وارث للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلا قريش وأبو بكر وعمر! وأن علياً يشاركهم بصفته مسلماً ، وليس بصفته وارث بني عبد المطلب !
في الكافي:1/448: عن الإمام الصادق(علیه السلام) قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرتين .
ص: 45
وعنه(علیه السلام): وقد قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً ؟ فقال: كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً ***نبياً كموسى خُطَّ في أول الكتْبِ
وفي حديث آخر: كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول:
لقد علموا أن ابنَنا لا مكذبٌ ***لدينا ولا يَعبأ بقيل الأباطلِ
وأبيضُ يستسقى الغمام بوجهه*** ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
كيف عالج أتباع عمر أحاديث شفاعة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لأقاربه؟
منذ أن أخبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) المسلمين بأنه سيشفع يوم القيامة لبني عبد المطلب
وأحاديثها صحيحة عندهم ، تحرك حساد بني عبد المطلب وردوا على النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في حياته وأشاعوا عدم شفاعته لهم !
ويكفي أن تلاحظ الغضب النبوي في الحديث التالي الذي رواه في مجمع الزوائد:9/170: وأتاه العباس فقال يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذاك إلا لأنهم يبغضونا ! فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أو قد فعلوها ؟! والذي نفسي بيده لايؤمن أحدهم حتى يحبكم ، أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب !
وفي مجمع الزوائد:7/188و390: عن أنس قال خرج رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهو غضبان! فخطب الناس فقال: لاتسألوني عن شئ اليوم إلا أخبرتكم به، ونحن نرى أن جبريل معه ! قلت فذكرالحديث إلى أن قال فقال عمر: يا
ص: 46
رسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا فاعف عفا الله عنك!
وفي مجمع الزوائد:9/258: وجلس على المنبر ساعة وقال: أيها الناس مالي أوذى في أهلي؟! فوالله إن شفاعتي لتنال حي حا ، وحكم ، وصدا ، وسلهب ، يوم القيامة ! انتهى. وقد صحح الهيثمي الحديث الثاني وقال عنه: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح .
وقد بلغ من تفاقم القضية وكثرة أحاديثها أن الهيثمي عقد باباً:8/214 في عدة صفحات بعنوان: باب في كرامة أصله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). وأورد فيه أحاديث عن طهارة آباء النبي وأمهاته’، ونقل حوادث خطيرة أهان فيها القرشيون أسرة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)! هذا وهم في حياته، وتحت قيادته في المدينة! وهم مسلمون مهاجرون أو طلقاء استحقوا القتل بالأمس في فتح مكة ، فمنَّ عليهم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعفا عنهم ! قال في مجمع الزوائد:9/257: عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أم هاني بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها ، فقال لها عمر بن الخطاب: إعلمي فإن محمداً لايغني عنك شيئاً ، فجاءت إلى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فأخبرته به فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): مابال أقوام يزعمون أن شفاعتي لاتنال أهل بيتي؟! وإن شفاعتي تنال حا وحكم ! وحا وحكم قبيلتان . انتهى .وفي البحار:93/219: أن عمر قال لها: غطي قرطك فإن قرابتك من محمد لاتنفعك شيئاً! فقالت له: هل رأيت لي قرطاً يا ابن اللخناء! ثم دخلت على رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فأخبرته بذلك وبكت ... الخ ..
ص: 47
الإختراع القرشي.. شفاعة الضحضاح لرئيس بني هاشم !
ثم انظر كيف عالج القرشيون هذه الغضبة النبوية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة في شفاعته لبني عبد المطلب، فاخترعوا لرئيسهم أبي طالب شفاعة الضحضاح وزعموا أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يشفع له فينقله الله من قعر النار إلى ضحضاح من نار يغلي منه أم دماغه !!
قال البخاري:7/203: عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه !! ورواه في:4/202 ونحوه أحمد:1/290 و295 و206 و207 و:3/9 و50و55 والحاكم:4/582 والبيهقي في البعث والنشور ص59 والذهبي في تاريخ الإسلام:1/234 وغيره وغيره .
وفي البخاري:4/247: قال له عمه العباس: ما أغنيت عن عمك فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان فيالدرك الأسفل من النار ورواه في:7/121و203 ومسلم:1/135 وأحمد:1/206 و207 و210 و:3 /50 و55
هذه الشفاعة التي ابتكرها العقل القرشي لايقبلها عقل ! لأن الشفاعة إما أن يأذن بها الله تعالى لرسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة ، وإما أن لايأذن بها فيبقى الشخص في مكانه في النار . .
أما شفاعة الضحضاح فهي أقرب إلى الشفاعة العكسية ، لأن الضحضاح كما قال السدي وهو من أتباع السلطة: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها
ص: 48
استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقَّاهم عقارب كأنهن البغال الدهم، وأفاع كأنهن البخاتي، فضربنهم ! الدر المنثور: 4/127
ماذا فعلوا بوعد النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أن يصل رحم عمه أبي طالب؟
كما توجد عدة أحاديث نبوية تنص بشكل خاص على شفاعة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لأبي طالب رضوان الله عليه . فقد روى في كنز العمال:12/152 عن عمرو بن العاص أن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: إن لأبي طالب عندي رحماً سأبلها ببلالها . راجع أيضاً:16/10 و:12/42 ومعنى بلال الرحم: صلتها حتى تروى وترضى .لكن البخاري وجد المخرج من ذلك ! فروى عن عمرو بن العاص وزير معاوية أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد أعلن براءته من ولاية آل أبي طالب ! وفي نفس الوقت وعدهم أن يبل رحمهم بشئ ما ! قال البخاري:7/73: باب يبل الرحم ببلالها. عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) جهاراً غير سر يقول: إن آل أبي طالب قال عمر وفي كتاب محمد بن جعفر بياض ، ليسوا بأوليائي ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين . زاد عنبسة بن عبد الواحد ، عن بيان ، عن قيس ، عن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): ولكن لهم رحمٌ أبلها ببلاها ، يعني أصلها بصلتها . قال أبو عبد الله أي البخاري ببلاها كذا وقع ، وببلالها أجود وأصح ، وببلاها لا
ص: 49
أعرف له وجهاً . وروى نحوه مسلم:1/133 والترمذي: 5/ 19 والنسائي: 6/248 - 250 وأحمد:2 /360 و519 .
عمل المعروف ينجي الكفار من النار.. إلا أبا طالب !
كما توجد أحاديث تدل على أن من يقدم شربة لنبي من الأنبياء ، أو خدمة بسيطة لمؤمن من المؤمنين ، تشمله الشفاعة ، فكيف بأبي طالب الذي نذر كل وجوده وأولاده وعشيرته لنصرة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ورسالته ، وتحمل أذى قريش ومكائدها وتهديدها؟ ففي ابن ماجة:2/496: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمْ): يُصَفُّ الناس يوم القيامة صفوفاً ، وقال ابن نمير أهل الجنة ، فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له. ويمر الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً؟ فيشفع له . قال ابن نمير ويقول: يافلان أما تذكر يوم بعثتني في حاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له . انتهى .
وفي الدر المنثور:2/249: عن ابن مسعود قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في قوله: فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، قال: أجورهم يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا . انتهى .
ص: 50
لكن جواب علماء السلطة حاضر ، وهو أن أبا طالب مجرم كبير مثل أبي لهب وأبي جهل وفراعنة قريش الذين كذبوا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وتآمروا لقتله ! ولذلك لا تؤثر فيه الشفاعة إلا بنقله من قعر جهنم إلى الضحضاح !!
فحماة الأنبياء في منطق السلطة كأعداء الأنبياء(علیه السلام) ، بل أسوأ حالاً !
ص: 51
قد انتخبنا لك أيها القارئ الكريم في هذه الصفحة تحقيقاً ومقالاً حول الروايات المكذوبة من تحقيقات العلماء والمفكرين, ونبدأ بتحقيق حول خطبة البيان والتطنجية للدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني.
خطبةالبيان والتطنجية:نذكر هنا الخطبتين الواردتين في كتب الغلاة المنسوبتين للإمام أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي (علیه السلام) وهما خطبة البيان
وخطبة التطنجية وليرى ضعاف العقول والنفوس ما في هاتين الخطبتين من هفوات ومخالفات صريحة، وكلمات تشمئز منها نفوس العوام فضلاً عن الأعلام، وما ورد فيهما من ألفاظ تدل على الكفر الصريح بل والخروج عن التوحيد إلى دائرة الشرك التي يتبرأ منها أمير المؤمنين(علیه السلام)وينسب قائلها إلى الغلو والخروج عن الحد ومع هذا يحاول بعض عوام الجهال من الذين لا علم لهم ولا اطلاع الدفاع عن مثل هذه الخطب، والطعن بأعلام الشيعة ومراجع التقليد الذين قالوا بعدم صحة نسبتها لإمام الموحدين(علیه السلام)بل تمادى بعض الجهلة
ص: 52
من جهالهم وعوامهم المغرر بهم أنْ ينسب إلى الشيخ المجلسي صاحب بحار الأنوار أعلي الله مقامه عدم الاطلاع ومعرفة خطب أمير المؤمنين(علیه السلام)ويطالبه بالدليل لأن الشيخ المجلسي رحمه الله ذكر إنَّ هذه الخطب لا توجد إلا في كتب الغلاة من أمثال رجب البرسي كما طعن بالسيد أبو القاسم الخوئي قدس سره والسيد السيستاني حفظه الله وأبقاه وغير هؤلاء ممَّن أنكر نسبة هذه الخطب الموضوعة والمنسوبة إليه(علیه السلام)ليروج بذلك عقيدة الغلاة ويستغل جهل العوام ليجعل من ذلك سراً من أسرارهم وفضيلة من فضائلهم عليهم السلام وهو بذلك يدافع عن الباطل وينحرف عن الحق وإنَّه يعلم علم اليقين إنَّ مثل هذه الخطب المشتملة على الغلو والكفر الصريح لا يمكن صدورهاعن الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام)وهذا الجاهل المتعامي قد حكم على طائفة من أصحاب أمير المؤمنين(علیه السلام)بالجهل لأنهم أذعنوا لمثل هذه الخطب ولم يسألوه(علیه السلام)عمَّا جاء فيها من ألفاظ منكرة, وعبارات مقززة وهو(علیه السلام)سيد الفصحاء والبلغاء من هذه الألفاظ التي وردت في الخطبة التطنجية قوله (علیه السلام)عن نفسه(علیه السلام)
أنا طيرثا ، أنا جانبوثا ، أنا البارحلون ، أنا عليوثوثا ، أنا المسترق على البحار في نواليم الزخار عند البيار ، إذا تمالت الشدائد من دولة الخصيان وملكة الصبيان والنسوان ، يا أشباه الأعثام وبهام الأنعام . مخاطباً بذلك المسلمين. كيف تكونون إذا دهمتكم رايات لبني كنام مع عُثمَان .
ص: 53
قل لي بربك أيُّها الغيور على دينه ومذهبه والمحب لأمير المؤمنين هل يمكن أنْ ننسب مثل هذه العباير لإمام الورى(علیه السلام)وباب مدينة العلم والحكمة (علیه السلام) ونحن نذكر مقتطفات ممَّا جاء في الخطبتين، لينظر المؤمن بعين البصيرة لا بعين التقليد ما في الخطبتين من مخالفات صريحة لمعتقدات الشيعة.
الخطبة التطنجية:
وممَّا نسبه رجب البرسي و السيد كاظم الرشتي إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) الخطبة التي يقال لها التطنجية خطبها أمير المؤمنين (علیه السلام) بين الكوفة والمدينة فقال فيها:
... فإنَّها الآمل والمأمول أنا الواقف علىالتطنجين، أنا الناظر إلى المغربين والمشرقين ... ولقد علمت من عجائب خلق الله ما لا يعلمه إلا الله، وعرفت ما كان وما يكون ومن كان في الذر الأول مع من تقدم من آدم الأول ولقد كشف لي فعرفت و علمني ربي فتعلمت ألا فعوا ولا تضجوا ولا ترجوا, فلولا خوفي عليكم أنْ تقولوا جنَّ أو أرتد لأخبرتكم بما كانوا وما أنتم فيه وما تلقونه إلى يوم القيامة, علم أوعز إليَّ فعلمت ولقد ستر علمه عن جميع النبيين إلا صاحب شريعتكم هذه صلوات الله عليه وآله فعلمني علمه وعلمته علمي ... لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلي وما تحت السابعة السفلي وما في السماوات العلي وما بينهما وما تحت الثرى كلّ ذلك علم أحاطة لا علم أخبار ... ولو كشف لكم ما كان مني في القديم الأول وما يكون مني في الآخرة لرأيتم عجائب مستعظمات وأموراً
ص: 54
مستعجبات وصنايع وإحاطات أنا صاحب الخلق الأول قبل نوح الأول ولو علمتم ما كان بين آدم ونوح من عجائب اصطنعتها وأمم أهلكتها فحق عليهم القول فبئس ما كانوا يفعلون.
أنا صاحب الطوفان الأول، أنا صاحب الطوفان الثاني، أنا صاحب سيل العرم .. أنا مدمرها، أنا مزلزلها، أنا مرجعها، أنا مهلكها، أنا مرجعها، أنا مدبرها، أنا بابيها، أنا داحيها، أنا مميتها، أنا محييها، أنا الأول، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطن، أنا مع الكور قبل الكور، أنا مع الدور قبل الدور، أنا مع القلم قبل القلم، أنا مع اللوح قبل اللوح... ، أنا صاحب جابلقا وجابرسا، أنا صاحب الرفوف وبهرم، أنا مدبر العالم الأول حين لا سماؤكم هذه ولاغبراؤكم ... إلى قوله (علیه السلام) يا جابر إذا صاح الناقوس وكبس الكابوس وتكلم الجاموس فعند ذلك عجائب وأي عجائب ... وتحرك عساكر خراسان وتبع شعيب بن صالح التميمي من بطن الطالقان وبويع لسعيد السوسي بخوزستان وعقدت الراية لعماليق كردان وتغلبت العرب على بلاد الأرمن والسقلاب وأذعن هرقل بقسطنطنية لبطارقة سينان ...
أنا صاحب إبليس بالسجود، أنا معذبه وجنوده على الكبر والغيور بأمر الله، أنا رافع إدريس مكاناً علياً، أنا منطق عيسي في المهد صبياً، أنا مدين الميادين وواضع الأرض، أنا قاسمها أخماساً فجعلت خمساً براً وخمساً بحراً وخمساً جبلاً وخمساً عماراً وخمساً خراباً، أنا خرقت القلزم من الترجيم وخرقت العقيم من الحيم وخرقت كلاً من كلّ وخرقت بعضاً في بعض، أنا
ص: 55
طيرثا أنا جانبوثا أنا البارحلون، أنا عليوثوثا، أنا المسترق على البحار في نواليم الزخار عند البيار، ... أنا مبرج الأبراج وعاقد الرياح ومفتح الأخراج وباسط العجاج أنا صاحب الطور أنا ذلك النور الظاهر، أنا ذلك البرهان الباهر وإنَّما كشف لموسي شقص من شفص الذر من المثقال ...، أنا صاحب جنات الخلود، أنا مجري الأنهار أنهاراً من ماء تيار وأنهاراً من لبن وأنهاراً من عسل مصفى والأخرى عمقيوس أعددتها للظالمين وأودعت ذلك كلّه وادي برهوت وهو الفلق وربّ ما خلق ... إلى آخر الخطبة .
ص: 56
العدد الثاني
4- لا يعمل بالقياس:
واستدلوا على تشيع ابن عربي، بأنه لا يعمل بالقياس، ولا يقول به.. وغير الشيعة هم الذين يعملون بالقياس.ونقول:
إن ذلك لا يدل على تشيعه أيضاً، وذلك للأمور التالية:
أولاً: إن الشافعي، وآخرين من أئمة أهل السنة أيضاً، لا يعملون بالقياس، ولا يقولون به، فهل صار الشافعي شيعياً، فضلاً عن غيره؟!
ثانياً: لنفترض: أن ابن عربي كان وحده الذي وافق الشيعة في رفض العمل بالقياس، فإن هذا لا يجعله في جملة الشيعة ؟! فإن للتشيع عقائده، وأسسه، وأركانه.. وعلى رأسها رفض صحة خلافة أحد سوى أمير المؤمنين (علیه السلام)، واعتبار التعدي على السيدة الزهراء عليها السلام أمراً يوجب غضب
ص: 57
الله ورسوله، ويَحْرِم فاعله من أي مقام. فضلاً عن أن يتصدى لمقام الخلافة والإمامة؟!
ولم يكن ابن عربي ممن يرى ذلك في شأن من تعدى على السيدة الزهراء (علیه السلام)، واغتصب مقام الخلافة، كما ستظهره النصوص التي أوردناها في هذه الدراسة الموجزة إن شاء الله تعالى..
ثالثاً: إنهم ينسبون إلى ابن الجنيد الإسكافي، أنه كان يعمل بالقياس في الفقه أيضاً، فلو صح هذا الأمر عنه، فهل يجعله في جملة أهل السنة، ويخرجه عن مذهب التشيع؟!..هذا إن لم نقل: إن القياس الذي عمل به ابن الجنيد، هو قياس الأولوية القطعية، الداخل في باب الظهورات، والذي من أمثلته قوله تعالى: لاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ الدالة على حرمة ضربهما..
ولعله قد اشتبه عليه الأمر أحياناً فتخيل ما هو ظني - بحسب الفهم النوعي - قطعياً، حين حصل له القطع الشخصي به.
أو نقول: كما احتمله بعضهم: إنه كان يستعمل القياس في مناقضاته مع أهل السنة ليلزمهم بما يلزمون به أنفسهم.
هذا وقد نسب العمل بالقياس، إلى الحسن بن علي ابن أبي عقيل أيضاً .
فلعله بقي متأثراً بهم بهذا المقدار، ولعل الأمر بالنسبة إليه هو نفس ما قدمناه بالنسبة للإسكافي.
ص: 58
وروي القول بالقياس عن الفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمان، وجماعة .
رابعاً: قد أظهرت كلمات ابن عربي: أنه لا يرضى بالاعتراض على من يعمل بالقياس، ويعتبر العامل به عاملاً بشرع الله أيضاً.. وليس هذا هو رأي الشيعة في هذه المسألة..
وستأتي طائفة من عباراته الصريحة في ذلك في فصل: سمات ومناهج..خامساً: إن ابن عربي حين استدل على ضرورة استبعاد القياس، قد وجه ما قد يدخل في عداد الإهانات لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، حيث قال:
بل عاتبه سبحانه، لما حرم على نفسه باليمين في قصة عائشة وحفصة، بقوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ..
وكان هذا مما أرته نفسه، فلو كان هذا الدين بالرأي، لكان رأي النبي أولى من رأي من ليس بمعصوم...
فإن كلامه هذا يتضمن تخطئة رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، واعتبار ما يفعله النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) رأياً له، وليس بدلالة إلهية.. مع أن هذه الآية التي هي في صورة عتاب إلهي، إنما جاءت لتسجل غاية الثناء والمدح، والتكريم لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وقد أراد الله تعالى من خلالها أن يجعل الرسول لنا أسوة وقدوة في نفس فعله هذا..
ص: 59
إنه تعالى يقول: إن هاتين المرأتين اللتين تواجهان رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، بأعظم الأذى، قد تظاهرتا عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، إلى الحد الذي أوجب التدخل الإلهي، لفضح أمر المتظاهرتين، وإعلان: أن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ
.والمتظاهرتان هما اللتان أفشتا سره، وتفننتا في الإضافة على هذا السر، والزيادة فيه، حتى عرف رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعضه، وأعرض عن بعض..
واللافت هو: أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، إنما يلقى هذه المعاملة من امرأة، وممن هي زوجته، التي له حق القوامة عليها، وهو نبيها، وأولى بها من نفسها..
هذا النبي - برغم ذلك كله - يعاملها أحسن معاملة، ويكون موقفه منها ليس مجرد الصفح والعفو، بل يصل إلى حد أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يَحْرِم نفسه مما هو حلال له، لتبقى نفس تلك الزوجة المؤذية له، مرتاحة، ومسرورة، وإنما كان سرورها في محروميته وعذابه..
فالله تعالى يريد أن يظهر لنا هذا الخلق العظيم لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فيقول له على مسمع منا:
لماذا أنت حليم وكريم، وسموح ونبيل، إلى هذا الحد ؟!
فهل من يكون حليماً، وكريماً، وصاحب نبل، وخلق رفيع، يكون قد ارتكب ذنباً بذلك؟!
ص: 60
وهل يصح أن يعّد هذا النوع من الكلام معه لوماً له، وانتقاصاً لشأنه، وإنقاصاً من قدره ومقامه؟!..
حاشا وكلا!!..بل هو غاية التكريم له، والثناء عليه، وهو إعلان بمقامه السامي، وتنويه عظيم به، وإظهار لمآثره الجليلة، لنجد نحن فيه الأسوة الحسنة الفضلى، والقدوة المثلى..
ولكن ابن عربي أراد أن يفسر كلام الله، بما يناقض المقصود الحقيقي، بل لقد وصل الأمر به إلى حد أن ينسب النقص والخلاف لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!
5- شعره في الوصية:
واستدلوا على تشيع هذا الرجل بأشعاره التي يذكر فيها الوصية، وهي:
وصّى الإله، ووصت رسله فلذا ***كان التأسي بهم من أفضل العمل
لولا الوصية كان الخلق في عمه ***وبالوصية دام الملك في الدول
فاعمد إليها ولا تهمل طريقتها ***إن الوصية حكم الله في الأزل
حيث قالوا: إن هذه الأبيات قد تضمنت تلويحاً بحسن طويته، وصفاء عقيدته.
ونقول:
ص: 61
أولاً: إنه إن كان يتحدث عن وصي الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فإنه لم يعين من هو هذا الوصي، فهل هو أبو بكر؟! أم هو علي؟! أم شخص ثالث سواهما؟!ثانياً: سلمنا أن المراد به الإمام علي (علیه السلام)، بقرينة أنه قد صرح بذلك في بعض مؤلفاته، حيث قال: فلا الحق رضيها لنبيه، ولا النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، رضيها لابنته ووصيه..
فإننا نقول:
ولكن ليت شعري، ما هو مقصوده من كونه وصيا؟!، فإن ظاهر كلامه، بل صريحه، يتحدث في هذا المورد، عن أصل الوصية، التي هي مطلوبة للشارع من كل أحد، ولذلك قال مخاطباً سامعه وقارئه: فاعمد إليها ولا تهمل طريقتها ..
فإنه لا يريد أن يقول: إن على كل مسلم أن يوصي بالخلافة من بعده.
وأما بالنسبة لوصف الإمام علي (علیه السلام) بالوصي في بعض مؤلفاته الأخرى، فإننا نقول:
إنه ليس ثمة ما يثبت: أنه يقصد أيضاً الوصية في أمر الإمامة، أو الخلافة.
ولذلك تجد أهل السنة لا ينكرون، بل هم يصرحون بكون علي (علیه السلام) هو الوصي لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولكنهم يصححون خلافة أبي بكر وعمر أيضاً، باعتبار أن الوصاية لعلي - عندهم - إنما هي في الأمور المتعلقة بشخص
ص: 62
النبي، كالديون، والودائع، وبعض ما يرتبط بالتعامل مع أبنائه، أو مع غيرهم، وما إلى ذلك..ثالثاً: إنه هو نفسه يصرح بأنه لم يكن بين رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبين أبي بكر رجل! ألا يدل ذلك على أنه يرى أبا بكر في المقام الأول بعد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟!.
يضاف إلى ذلك: ما سوف نورده في هذه الدراسة، من نصوص فإنها تكفي لإظهار حقيقة اعتقاده في أبي بكر وعمر، وعائشة، وسائر المناوئين للإمام علي (علیه السلام). الأمر الذي لا ينسجم مع اعتقاده بالوصاية لعلي في تولي أمور الناس بعده (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، إلا إذا كان يرى الجمع بين الأضداد.
رابعاً: إنه يصرح أيضاً بأن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يستخلف أحداً بعده، فراجع.. .
إلا أن يدعى أن مقصوده هو الخلافة الصوفية، ولكنه تأويل تحكمي تعسفي، يخالفه ظاهر كلامه..
والغريب في الأمر، أنهم يلجأون إلى كلام مبهم ومجمل، ويرون أن فيه تلويحاً أو دلالة على حسن طويته، ويتركون تصريحاته التي لا بد من عدها في ضد ذلك.. مع أنها لا مجال لتأويلها!!
إن هذا لشيء عجاب؟!..
ص: 63
الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين
هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ المعارف الالهية وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي.
وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي.
ص: 64
المناظرة الثالثة
الأستاذ سيّدان:
وصلنا في الكلام إلى هنا، حيث قلتم: إنّ نظر الآخوند ملاصدرا هو
نظر المحدثين و علماء الإسلام القائلين بالمعاد الجسماني، و لكن يبدو
أنّه فسر كلمة جسماني في كثير من الموارد، بأنّ المقصود من الجسم ليس هو الجسم المادي والبدن العنصري؛ لأنّ في عالم مابعد المادة، لا
وجود و لا أثر لهذا العالم المادي، و إنما المقصود هو الهيئة الّتي تبتدعها النفس، و ذلك بالنسبة إلى أكثر النفوس. و أمّا بالنسبة إلى المتصفين بالكمال فلا يوجد حتّى جسم بهذا المعنى أيضا.
و بذلك نتوصل إلى نقطة مهمة من البحث، هي: هل في العالم الآخر تحشر الأرواح مع مادة هذه الدنيا والجسم العنصري أو لا؟
نظر جمهور الفقهاء والمحدثين هو أنّ البدن المادي الدنيوي يحشر مع الروح المتعلق بها، و لو مع الإختلاف في العوارض والآثار.
لكن الآخوند ملاصدرا لم يقبل هذا المعنى. و بما أنّه أوضح هذا المطلب في موارد متعددة ببيان واضح، فإذا كان هناك إجمال و تشابه
في بعض كلماته، فلابدّ أن يُفسَّر على هذا المعنى، و إلاّ فإنّ كلماته متناقضة.
ص: 65
والآن نأتي بعبائر من الأسفار الأربعة تكون شاهدا على ذلك:
حكمة عرشية: إنّ للنفس الإنسانية نشآت ثلاثة إدراكية:النشأة الأولى: هي الصورة الحسيّة الطبيعية، و مظهرها الحواس
الخمس الظاهرة، و يقال لها: الدنيا؛ لدنوّها و قربها؛ لتقدمها على الأخيرتين، و عالم الشهادة؛ لكونها مشهودة بالحواس، و شرورها و
خيراتها معلومة لكلّ أحد لا يحتاج إلى البيان. و في هذه النشأة لا يخلوا موجود عن حركته و استحالته، و وجود صورتها لا تنفك عن
وجود مادتها.
والنشأة الثانية: هي الأشباح والصور الغائبة عن هذه الحواس، و
مظهرها الحواس الباطنة، و يقال لها: عالم الغيب والآخرة، لمقايستها إلى الأولى؛ لأنّ الآخرة والأولى من باب المضاف، و لهذا لا يعرف
إحداهما إلاّ مع الأخرى كالمتضائفين، كما قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأوُلَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ . و هي تنقسم إلى الجنّة: و هي دار السعداء، والجحيم: هي دار الأشقياء. و مبادى ء السعادة
والشقاوات فيهما هي الملكات والأخلاق الفاضلة والرذيلة.
والنشأة الثالثة: هي العقلية، و هي دار المقربين و دار العقل
والمعقول، و مظهرها القوة العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلاً بالفعل،
و هي لا تكون إلاّ خيرا محضا و نورا صرفا.
ص: 66
فالنشأة الأولى دار القوة والاستعداد والمزرعة لبذور الأرواح، و نبات النيات والاعتقادات والأخيرتان كلّ منهما دار التمام والفعلية، وحصول الثمرات و حصّاد المزروعات.فإذا تقرّر هذا، و لم تكن النفس ذات قوة استعدادية ساذجة من الصّور والأوصاف والملكات النفسانية، إلاّ في أوّل كونها الدنياوي ومبدأ فطرتها الأصلية قبل أن تخرج قوتها الهيولائية النفسانية إلىفعلية الآراء والملكات والأخلاق، فلا يمكن لها بعد أن يخرج في شى ءمنها من القوة إلى الفعل أن يتكرّر لها القوة الاستعدادية بحسب فطرة ثانية هي أيضا في هذا المقام، و تكوّن آخر لأجل تعلق بمادة اُخرىحيوانية .
و قال في موضع آخر:
وليس لقائل أن يقول: ما قررتم في إبطال النقل بعينه جار فيتعلق النفوس إلى الأبدان في النشأة الآخرة...
لأنّا نقول: الأبدان الأخروية ليست وجودها استعدادي، و لا تكوّنهابسبب استعدادات المواد و حركاتها و تهيؤاتها و استكمالاتها المتدرّجة الحاصلة لها عن أسباب غريبة و لواحق مفارقة. بل، تلك الأبدان لوازم تلك النفوس، كلزوم الظل لذي الظل، حيث إنّها فائضةبمجرد إبداع الحق الأوّل لها بحسب الجهات الفاعلية من غير مشاركة
ص: 67
القوابل و جهاتها الإستعدادية، فكل جوهر نفساني مفارق يلزم شبح مثالي ينشأ منه بحسب ملكاته و أخلاقه و هيئاته النفسانية، بلامدخلية الاستعدادات و حركات المواد، كما في هذا العالم شيئا فشيئا.و ليس وجود البدن الأخروي مقدما على وجود نفسه. بل، هما معا في الوجود من غير تخلّل الجعل بينهما، كمعية اللازم والملزوم والظلوالشخص، فكما أنّ الشخص و ظلّه لا يتقدّم أحدهما على الآخر و لم يحصل لأحدهما استعداد من الآخر لوجوده. بل، على سبيل التعبية واللزوم، فهكذا قياس الأبدان الأخروية مع نفوسها المتصلة بها... .
و قال بعد عدة صفحات:
والجواب: إنّ التجرد الواقع في كلام المشكك، إن أراد به التجرّد عن الأجسام الحسية والأشباح البرزخية جميعا، فليس الحال كذلك في نفوس الناقصين والمتوسطين؛ لأنّها و إن تجرّدت عن الحسية لميتجرّد عن المثالية... .
و قال أيضا:
و أمّا قوله: لمّا كانت النفوس المفارقة عن الأبدان غير متناهية،يلزم اجتماع المفارقات كلها...، فهو مدفوع.
أمّا أوّلاً فلأنّ الكلام ليس في جميع المفارقات من النفوس. بل، إنّما هو في نفوس الأشقياء، و لا يلزم ما ذكره. فإن النفوس بعضها ممّا لا يتعلق بالأجرام، و ما يتعلق منها بالأشباح المثالية و إن فرض كونها
ص: 68
غير متناهية، لم يلزم منه فساد؛ لعدم التزاحم في الأشباح المثالية على محل واحد مادّي، فيجوز عدم تناهية و قال أيضا:تأييد و تذكرة: و ممّا يؤيّد ما ذكرناه من بطلان تعلّق النفوس بعد الموت بجرم فلكي أو عنصري، و ينوّر ما قرّرناه من أن الصور الأخروية الّتي بها نعيم السعداء و جحيم الأشقياء، ليست هي الّتي انطبعت في جرم فلكي أو غير فلكي، بل هي صورة معلّقة موجودة للنفس من النفس في صقع آخر، مرتبة بأعمال و أفعال حدّث عنها في دار الدنيا، و أثمرت في ذاتها أخلاقا و ملكات مستتبعة لتلك الصور المعلّقة هو ما قاله قدوة المكاشفين محي الدين العربي .
و قال في ذلك المجلد:
... فإنّها إذا فارقت هذا البدن فإن كانت خيّرة، فلا محالة لها سعادة غير حقيقة من جنس ما كانت توهمته و تخيلته، و بلغت إليه همته، و سمعت من أهل الشرائع من الحور والقصور، والسدر المخضود، والطلح المنضود، والظّل الممدود... و هذا ممّا لا إشكال في إثباته عندنا؛ لأنّ الصور الأخروية المحسوسة حصولها غير مفتقر إلى موضوع و مادة كما أشرنا إليه .
و قال أيضا:
ص: 69
و أنزل من هذه المرتبة من الإعتقاد في باب المعاد و حشر الأجساد، اعتقاد علماء الكلام كالإمام الرازي و نظرائه بناءً على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات أجزاء ماديّة لأعضاء أصلية باقية عندهم، و تصويرها مرة أخرى بصورة مثل الصورة السابقة؛ليتعلّق النفس بها مرة أخرى، و لم يتفطّنوا بأنّ هذا حشر في الدنيا لا في النشأة الأخرى، و عود إلى الدار الأولى دار العمل والتحصيل لا إلى دار العقبى دار الجزاء والتكميل.
فأين استحالة التناسخ؟ و ما معنى قوله تعالى: اِنّا لَقادِرُوْنَ عَلَى اَنْ نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِىْ مَا لاَ تَعْلَمُونَ..؟ و لا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، و أنّ
الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع إلى اللّه أو القرب منه، لا العود إلى
الخلقة المادّية والبدن الترابي الكثيف الظلماني .
و هكذا يقول بعد تبيانه نظر المتكلمين:
و هذا نهاية ما بلغ إليه فهم أهل الكلام، و غاية ما وصلت إليه قوة نظر علماء الرسوم في إثبات النشأة الآخرة و حشر الأجسام و نشر الأرواح والنفوس، و فيه مع قطع النظر عن مواضع المنع والخدش، و عن تحريف الآيات القرآنية عن معانيها... إنّ ما قرّره و صّوره ليس من إثبات النشأة الأخرى، و بيان الإيمان بيوم القيامة في شيء أصلاً. فإنّ
ص: 70
الّذي يثبت من تصوير كلامه و تحرير مرامه ليس إلاّ إمكان أن يجتمع متفرقات الأجزاء المنبثة في أمكنة متعددة و جهات مختلفة من الدنيا، و يقع منضما بعضها إلى بعض في مكان واحد فيفيض عليها صورة
مماثلة للصورة السابقة المنعدمة؛ فيعود الروح من عالمه التجرديالقدسي بعد أحقاب كثيرة ما كانت فيه رَوح و راحة تارة أخرى إلى هذا العالم متعلقة بهذا البدن الكثيف المظلم.
و إنّما سمّي يوم الآخرة بيوم القيامة؛ لأنّ فيه يقوم الروح عن هذا
البدن الطبيعي مستغنيا عنه في وجوده قائما بذاته و بذات مبدعه و منشئه. والبدن الأخروي قائم بالروح هنالك، والروح قائم بالبدن الطبيعي هاهنا؛ لضعف وجوده الدنيوي، و قوّة وجوده الأخروي...
و قال:
و قد أشرنا إلى أنّ وجود الأمور الأخروية أصفى من التركيب، و أعلى من الامتزاج، و أقرب إلى الوحدة الخالصة من هذه الأمور الدنيوية، فكما أنّ فعله الخاص في الابتداء هو إنشاء النشأة الأولى. لا تركيب المختلفات و جمع المتفرقات، فكذلك حقيقة المعاد، والفعل اللائق به إنشاء النشأة الثانية و هو أهون عليه من إيجاد المكوّنات في الدنيا الّتي تحصّل بالحركات من الأجساد والاستحالات في المواد؛ لأنّ الآخرة خير و أبقى، و أدوم و أعلى. و ما هو كذلك، فهو أولى و أنسب
ص: 71
في الصدور عن المبدأ الأعلى و أهون عليه تعالى، كما قال: وَ هُوَ اَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ.
و قال أيضا:و قد إتّفق المحققون من الفلاسفة والمليين على حقيّة المعاد، و ثبوت النشأة الباقية، لكنّهم اختلفوا في كيفيّته. فذهب جمهور الإسلاميين و عامة الفقهاء و أصحاب الحديث إلى أنّه جسماني فقط، بناءً على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد والزيت في الزيتونة.
و ذهب جمهور الفلاسفة و اتباع المشائين إلى أنّه روحاني، أي عقلي فقط؛ لأنّ البدن ينعدم بصوره و أعراضه لقطع تعلّق النفس عنها، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى، إذ المعدوم لا يعاد.
والنفس جوهر مجرد باق لا سبيل إليه للفناء، فتعود إلى عالم المفارقات؛ لقطع التعلّقات بالموت الطبيعي.
و ذهب كثير من أكابر الحكماء و مشايخ العرفاء و جماعة من المتكلّمين، كحجة الإسلام الغزالي والكعبي والحليمي والراغب الاصفهاني و كثير من أصحابنا الإمامية، كالشيخ المفيد و أبي جعفر الطوسي والسيّد المرتضى والعلامة الحلّي والمحقق الطوسي رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين إلى القول بالمعادين جميعا، ذهابا إلى أنّ
ص: 72
النفس مجردة تعود إلى البدن، و به يقول جمهور النصارى والتناسخية إلاّ أنّ الفرق...
إلى أن قال:ثمّ إنّ هؤلآء القائلين بالمعادين جميعا اختلفت كلماتهم في أنّ المعاد من جانب البدن، أهو هذا البدن بعينه أو مثله؟ و كلّ من العينية أو المثلية، أيكون باعتبار كلّ واحد من الأعضاء والأشكال والتخاطيط أم لا؟
والظاهر أن هذا الأخير لم يوجبه أحد، بل كثير من الإسلاميين مال كلامهم إلى أنّ البدن المعاد غير البدن الأوّل بحسب الخلقة والشكل...
إلى أن قال:
هذا تحرير المذاهب والآراء. والحق كما ستعلم أنّ الُمعاد في المَعاد هو هذا الشخص بعينه نفسا و بدنا، فالنفس هذه النفس بعينها، والبدن هذا البدن بعينه، بحيث لو رأيته لقلت رأيته بعينه فلان الذي كان في الدنيا...
و قد أوضح المرحوم السبزواري ذلك في حاشيته :
أي البدن البرزخي والأخروي، هذا البدن الدنيوي لكن لا بوصف الدنيوية والطبيعية، و إنّما كان هو هو بعينه لما مضى، و سيأتي أنّ شيئية الشيء بصورته، أي الصورة البدنية لا بمادته و بصورته.
و قال بعد ذلك:
ص: 73
المقام الرابع: في الاعتقاد بالصور الّتي في الآخرة، هو مقام الراسخين في العرفان الجامعين بين الذوق والبرهان، و هو الإذعان اليقيني بأنّ هذه الصور الّتي أخبرت بها الشريعة و أنذرت بها النبّوة،موجودات عينية و ثابتات حقيقية، و هي في باب الموجودية والتحقق أقوى و أتم و أشد و أدوم من موجودات هذا العالم، و هي الصور المادية. بل، لا نسبة بينهما في قوة الوجود و ثباته و دوامه و ترتّب الأثر عليه، و هي على درجات:
بعضها صور عقلية، هي جنّة الموحدين المقرّبين.
و بعضها صور حسية ملذة، هي جنّة أصحاب اليمين و أهل السلامة والمسلمين، أو مؤلمة هي جحيم أصحاب شمال من الفاسقين أو الضالّين والمكذبين بيوم الدّين. و لكن ليست محسوساتها كمحسوسات هذا العالم، بحيث يمكن أن يرى بهذه الأبصار الفانية والحواس الداثرة البالية، كما ذهب إليه الظاهريّون المسلمون.
و لا أنّها أمور خيالية و موجودات مثالية لا وجود لها في العين، كما يراه بعض أتباع الرواقيين و تبعهم آخرون.
و لا أنّها أمور عقلية أو حالات معنوية و كمالات نفسانية.
و ليست بصورة و أشكال جسمانية و هيئات مقدارية، كما يراه جمهور المتفلسفين من أتباع المشائين. بل، إنّما هو صور عينية جوهرية موجودة لا في هذا العالم الهيولائي، محسوسة لا بهذا
ص: 74
الحواس الطبيعية، بل موجودة في عالم الآخرة، محسوسة بحواس أخروية، نسبة الحاس إلى الحاس كنسبة المحسوس إلى المحسوس .و قال في موضع آخر:
واعلم أنّ لكلّ نفس من نفوس السعداء في عالم الآخرة مملكة عظيمة الفسحة، و عالما أعظم و أوسع ممّا في السموات والأرضين، و هي ليست خارجة عن ذاته، بل جميع مملكته و مماليكه و خدمه و حشمه و بساتينه و أشجاره و حوره و غلمانه كلّها قائمة به، و هو حافظها و منشئها بإذن اللّه تعالى و قوّته. و وجود الأشياء الأخروية و إن كانت تشبه الصور الّتي يراها الإنسان في المنام أو في بعض المرايا؛ لكن يفارقها بالذات والحقيقة...
و يقول أيضا: فكلّ نفس من النفوس إذا انقطع تعلّقها عن البدن بالموت و خلت، و بخراب البيت ارتحلت، تصير حواسها الباطنيّة لإدراك أمور الآخرة أشدّ و أقوى، فتشاهد الصور العينية الموجودة في تلك الدار، و لا يختصّ ذلك بنفس دون نفس...
الأستاذ جوادي:
البحث قد ورد في مرحلة أخرى. فقد كان البحث في المرحلة الأولى، هل أنّ المعاد عند الفلاسفة الإسلاميين منحصر بالمعاد الروحي، أو أنّه روحي و جسماني أيضا؟
ص: 75
و قلنا: إنّ كلاهما معاد في الفلسفة الإسلامية، فإنّ للإنسان في القيامة روح و بدن.و أمّا المرحلة الثانية: فالبحث في أنّه هل الجسم الّذي قلنا: بأنّه المحشور في القيامة مادي أو غير مادي؟
الآخوند (ملاصدرا) قائل هنا بأنّ الجسم صوري لا مادي. و هذا هو نظر المحدثين أيضا، و إن لم يصرّحوا به في قالب الاصطلاح.
و توضيح الموضوع هو أنّه قد ذكرت خصوصيات في الأحاديث و كلمات المحدثين بالنسبة إلى الجنّة و أهلها، و لازمها هو أنّ الجسم صوري لا مادي، فمثلاً لو سئل المحدّثون إنّ أهل الجنّة إذا أرادوا استطلاع بعضهم عن أخبار البعض الآخر - و كان كلّ واحد منهم في غرفة - هل يحتاجون الانتقال المكاني والحركة؟
فسوف يكون جوابهم: لا.
ثمّ هل يحتاجون في قطف الثمار إلى حركة من مكانهم؟
فسيقولون: لا.
و هل يحتاج شواء اللحم إلى تهيئة مقدمات الصيد، والحركة من مكان لآخر؟
سيقولون: لا، بل بمجرد إرادتهم لحما مشويا سوف يحظر عندهم.
فموجودات عالم الدنيا تحتاج إلى مقدمات حتّى يتحقق لها ذلك، و لكن نظام الآخرة نظام: كن فيكون . فهنا لا يحتاج الشيء إلى طي
ص: 76
المراحل الوجودية الخاصة. و ليس في البين حركة و تدرّج، و يسمّون هكذا موجود، الموجود الصوري غير المادي و مع أنّه جسم، و لكنهليس جسم مثل الجسم الدنيوي في كيفية تكوّنه و في آثاره. و إن شئت أن تقول: جسم مادي و لكن ليس فيه أثر من آثار الجسم المادي الدنيوي.
والخلاصة: فما هو مسلّم و ثابت، و الاعتقاد به لازم، هو جسمانية المعاد، و لكن اختصاصه بكونه ماديّ أو صوري، فهذا ليس من الضروريات. و ممّا يؤيّد هذا الأمر كلام للمرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتاب كشف الغطاء، يقول:
المبحث الثالث: في المعاد الجسماني.
و يجب العلم بأنّه تعالى يعيد الأبدان بعد الخراب، و يرجع هيئتها الأولى بعد أن صارت إلى التراب...
إلى أن قال: ولا يجب المعرفة على التحقيق الّتي لا يصلها إلاّ صاحب النظر الدقيق، كالعلم بأنّ الأبدان هل تعود بذواتها أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئاتها...
والّذي يظهر من هذا الكلام هو هذا الوجه: بأنّه لا يلزم التحقيق أو العلم بأنّ الأبدان في المعاد تعود إلى حالتها المادية، أو تكون على هيئة الأبدان و صورتها. و كلّ واحد من الاحتمالين وارد، والاحتمال الثاني إنّما يعود ما يماثلها هو الوجه الّذي اختاره الآخوند ملاصدرا.
ص: 77
و حاصل ذلك هو أنّ المحدَّثين قالوا - طبقا للروايات الواصلة -: إنّ الجنّة نشأت: كن فيكون . و هناك كلّ شى ء¨ يوجد فإنّه يوجد بإرادةالإنسان، فمثلاً فوران عين الماء بإرادة الإنسان. و نور المؤمن يضيء - طبعا لنفسه - القيامة. و هذه النشأة بالاصطلاح الفلسفي هي النشأة الصورية. ففي هذه الدنيا تعتمد النفس على البدن، و هناك يعتمد البدن على النفس، و قد نقلت رواية في ذيل الآية الكريمة:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَ السَّمَواتُ عن أبي أيوب الأنصاري، قال: أتى النبيّ صلى الله عليه و آله حبر من اليهود و قال: أرأيت إذ يقول اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَ السَّمَواتُ ، فأين الخلق عند ذلك؟ قال: أضياف اللّه لن يعجزهم ما لديه.
الأُستاذ سيّدان:
إنّ نتيجة ما تفضلتم به من إيضاح هي أنّه و إن صرّخ الآخوند ملاصدرا بأنّ الجسم المحشور ليس هو الجسم المادي العنصري، بل الجسم الصوري. هذا هو مراد المحدثين، و إن كانوا لم يتكلّموا فيه طبقا للاصطلاح الوارد. و لكن بما أنّهم بيّنوا الآثار والخواص الّتي هي ليست آثار و خواص الجسم المادي، من قبيل: عدم التدرّج في الوجود، و عدم
ص: 78
الاحتياج للفاصلة الزمانية في التحقّق بالإرادة. فإذن محتوى كلام المحدثين هو مقصود الآخوند)ملاصدرا(الا اني أقول هنا:
أوّلاً: إجراء المصالحة بين المحدثين والآخوند، و إنّ مراد كليهما أمر واحد، بمعنى أنّه لا اختلاف بين العلماء في كيفية الجسم المحشور.
ينافي مع ما يستفاد من كلمات أهل الفنّ في طريقة طرح الموضوع.
يقول المرحوم الميرزا أحمد الآشتياني في كتاب لوامع الحقائق ، بعد إثبات استقلال وتجرّد الروح: و هذا ممّا اتّفقت عليه كلمة الأعلام و حكماء الإسلام. و ما ينبغي البحث عنه في المقام أمران:
الأمر الأوّل: في ثبوت أصل المعاد بحكم العقل القطعي و تأييد الآيات والروايات.
الثاني: إنّه بعد ما ثبت بحكم العقل والنقل لزوم المعاد و يوم الجزاء، وقع البحث في أنّ ما ينتقل إليه الأرواح في القيامة الكبرى و يوم الحساب، هل هو عين الأبدان الدنيوية البالية العنصرية بشمل شتاتها و جميع جهاتها بأمره تبارك و تعالى، كما يقتضيه الاعتبار، حيث إنّ النفس خالفت أو أطاعت و انقادت لّما كانت بتلك الجوارح، فحسن المجازاة و كمال المكافاة بأن يكون المجازى عين من أطاع أو عصى أم لا، بل تنتقل إلى صورة مجرّدة تعليمية ذات امتداد نظير القوالب المثالية والصور المرآتية ؟
ص: 79
و قال بعد ذلك:
ما وقع التصريح به في القرآن الكريم هو الأوّل، كما في جوابسؤال إبراهيم عليه السلام حيث قال: رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى الْمَوْتَى ، و قوله تعالى في جواب: أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ اَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِيْنَ عَلَى أَنْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ ، و قوله عزّ شأنه في جواب سؤال: مَنْ يُحْيِى الْعِظَامَ وَ هِىَ رَمِيْمٌ* قُلْ يُحْيِيْهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيْمٍ ، و غير ذلك من الآيات.
ثمّ يضيف بعد ذلك:
و لكن جماعة من أهل الحكمة المتعارفة ذهبوا لشبهة عرضت لهم إلى الثاني، ولابدّ لنا من حلّها و دفعها بعون اللّه تعالى .
و جاء بعد ذلك بخلاصة من مسلك ملاصدرا و انتقده.
والمرحوم الميرزا محمّد تقي الآملي في تعليقته على شرح منظومة دُرر الفوائد بعد التوضيح والتعليق على مختار المصنف يقول:
هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذه الطريقة، و لكنّ الإنصاف أنّه عين انحصار المعاد بالروحاني، لكن بعبارة أخفى فإنّه بعد فرض كون شيئية الشيء بصورته، و أنّ صورة ذات النفس هو نفسه، و أنّ المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشيء لا يحشر، و أنّ المحشور هو النفس، غاية الأمر إمّا مع إنشائها لبدن مثالي قائم بها
ص: 80
قياما صدوريا مجردا عن المادة و لوازمها إلاّ المقدار كما في نفوس المتوسطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين، و إمّا بدون ذلكأيضا كما في المقرَّبين، ولعمري إنّ هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعة السّلام والتحية.
و كذلك قال المرحوم الآقا السيّد أحمد الخوانساري في العقائد الحقة:
ثمّ إنّ البدن المحشور يوم النشور البدن العنصري، كما هو صريح الآيات والأخبار.
و قد يقال: إنّ المحشور ليس البدن العنصري. بل، البدن المثالي المنشأ بإنشاء النفس بإذن اللّه تعالى المختلف باختلاف الملكات الحاصلة في الدنيا، و في المقام شبهات تدعوا إلى القول المذكور .
ثمّ جاء بعد ذلك بآيات و روايات تدلّ على أنّ المحشور هو الأبدان العنصرية، ثمّ قال: قد أختار بعضٌ الحشر بالأبدان المثالية بتقريب:
إنّ الإنسان بعد الموت ينشأ بإذن اللّه بدنا بلا مادة مناسبا للملكة الحاصلة في زمان حياته .
و ثانيا: ما ذُكر في هذا البيان بعنوان إثبات وحدة كلا المسلكين، من قبيل: عدم التدرّج والتكوّن بالإرادة و...، قابل للنقد. و هو أنّ مثل هذه
ص: 81
الآثار لا دلالة فيها على عدم المادية، و أنّ المحشور هو الصورة المحضة. إذ من الممكن أن تكون هذه الأجزاء المادية الدنيوية - في شرائط خاصة - تترتّب عليها آثار خاصة أخرى غير الآثار الدنيوية.و هناك حوادث كثيرة من قبيل: إحضار عرش بلقيس عند حضرة سليمان على نبيّنا وآله وعليه السلام مقدار أقل من طرفة العين، شاهدة على عدم تنافي مثل هذه الحوادث والخصوصيات مع كونها ادية أصلاً. و مجرد الاستبعاد لا يمكن أن يكون دليلاً على العدم، فالمؤثرات والخصائص الّتي اكتشفت اليوم للمادة، أدَّت إلى تحوّلٍ في الاختراعات من قبيل: التلفيزيون؛ والهاتف؛ و غيرها. و على كلّ حال، فهذا المعنى يؤيّد أن صِرْف الاستبعاد لا يمكنه أن ينفي أي احتمال في المادة.
و ثالثا: إنّ البحث الأصلي هو أنّ المحشور في العالم الآخر هل هو الإنسان بمكوّناته المادية؟
وبعبارة اخرى؛ هل تتعلق الروح بهذا البدن المادي أو أنّ متعلق الروح مجرّد صورة من بدن الإنسان؟
إنّ خصوصيات نِعَم الجنّة لم يدر حولها كلام، و إنّما الّذي وقع فيه البحث، و استبعده المنكرون للمعاد في عصر نزول آيات القرآن هو: هل يمكن احياء هذه العظام مرة أخرى بعد رميمها؟
ص: 82
قال تعالى: وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِى الْعِظَامَ وَ هِىَ رَمِيْمٌ .
و قال تعالى في جوابهم: قُلْ يُحْيِيْهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيْمٍ و قال تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ اَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَىقَادِرِيْنَ عَلَى أَنْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ .فالبحث لم يكن في أنّه هل يمكن للروح صنع صورة كصورة البدن من قبيل: الصورة الخيالية ، أم لا؟
الأُستاذ جوادي:
صرّح الآخوند ملاصدرا بأنّك إذا رأيت الجسم المحشور سوف تقول: إنّه فلان.
والخلاصة: إنّ الإنسان هو الإنسان.
و أمّا الحوادث، من قبيل: قضية آصف بن برخيا و إحضاره عرش بلقيس، و غيرها، فهي لا تنافي المادية؛ لأنّه بالنتيجة أنّ العرش اُحضر عند سليمان على نبيّنا وآله وعليه السلام، و لا وجود لعرش آخر في المكان الأوّل، و بقي مكانه خاليا. ولكن في الجنّة في الوقت الّذي
يقطف المؤمن الفاكهة، لا يبقى موضعها خاليا على الشجرة، بمعنى أنّه لا ينقص من الشجرة شيئا.
ص: 83
هذا الأمر لا يتلائم مع كون الفاكهة عنصرا ماديا، كما أنّ حدوث جسم في مورد ما في هذا العالم يحتاج إلى تدرّج و حركة مهما كان
زمانها سريعا، حتّى ولو أقلّ من طرفة العين. و لكنه بالنتيجة يحتاج إلى الزمان، بخلاف فاكهة و نِعَم الجنّة، فهي تظهر بمجرّد الإرادة.
الأُستاذ سيّدان:لا استحضر فعلاً مستندا شرعيا يدلّ على أنه ولو بمدة قليلة جدا تظهر فاكهة أخرى موضع الفاكهة المقتطفة. و على هذا الفرض، فأيضا لا منافاة مع المادية؛ لأنّه بالقدرة القاهرة للحق توجد في ذات الآن فاكهة
في موضع الفاكهة الّتي وصلت إلى المُنعَم عليه، لا أنّه لا تقل الفاكهة أصلاً. مضافا إلى أنّ هذا الأمر ليس هو مورد البحث الأصلي. فمورد البحث هو: هل أنّ المحشور في القيامة هي الأجزاء العنصرية والمادية لبدن زيد؟ يعني أنّ الأعضاء الّتي كان يمتلكها زيد في الدنيا، هل
يمتلكها في الآخرة؟ أو أنّه لا يوجد من الأجزاء العنصرية لزيد - ولو
بتغيير في عوارضها و شرائطها - شيء أصلاً، و إنّما نفس زيد مع ما
يوجده هو؟
الأُستاذ جوادي:
جاء في الآية المباركة: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ
ص: 84
وَالسَّمَوَاتُ ، في ذلك اليوم تبدل الأرض الّتي فيها أجزاء بدن الإنسان بأرض أخرى، وبحسب بعض الروايات، تبدل بقطعة خبز يأكلها الناس. و في بعض الروايات تبدلّ بأرض لم يُعص فيها.
الأُستاذ سيّدان:أرى أنّ محور البحث يدور حول هذا التساؤل: ما هو المستفاد من البيان القرآني في مسألة الحشر؟
أفلا يستفاد أن من أجزاء هذا العالم تُخلق الأبدان مرتين؟ فإذن لا معنى للصورة بانفرادها.
الأُستاذ جوادي:
قلنا: إنّ زيدا يحشر مع الروح والجسد، و مع تمام خطوط أنامله، و يُدلي بشهادته.
الأُستاذ سيّدان:
إذا كان يحشر مع عين تلك الأجزاء فلماذا تكون الصورة بانفرادها؟
ص: 85
الأُستاذ جوادي:
هل أنّ القيامة مع الدنيا عالم واحد أو عالمان؟ هناك آيات تدلّ على التعدد، من قبيل:
وَ نُنْشِئَكُمْ فِى ما لاَ تَعْلَمُوْنَ .يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ .
الأُستاذ سيّدان:
هما عالمان، ولكن ليس مقتضى الإثنينية أنّ العالم الاخر صورة ولا مادة له.
الأُستاذ جوادي:
نُقلت رواية في الوافي بهذا المضمون:
عن أبي الحسن عليه السلام قال: إنّ الأحلام لم تكن فيما مضى في أوّل الخلق و إنّما حدثت .
فقلت: و ما العلة في ذلك؟
ص: 86
فقال: إنّ اللّه عزّ ذكره بعث رسولاً إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة اللّه و طاعته. فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا فواللّه ما أنت بأكثرنا مالاً و لا بأعزّنا عشيرة.
فقال: إن أطعتموني أدخلكم اللّه الجنّة، و إن عصيتموني أدخلكم اللّه النار.
فقالوا: و ما الجنّة والنار؟ فوصف لهم ذلك.
فقالوا: متى نصير إلى ذلك.
فقال: إذا متّم.فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عِظاما و رُفاتا، فازدادوا له تكذيبا و به استخفافا. فأحدث اللّه عزّ وجلّ فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا و ما أنكروا من ذلك.
فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أراد أن يحتجَّ عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متّم، و إن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتّى تبعث الأبدان .
بلى، إنّ الرواية مرتبطة بعالم البرزخ ولا ربط لها بموضوع البحث.
ص: 87
اية الله الشيخ ما جد الكاظمي
الحلقة الثانية
قال السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب كتاب تفسير الميزان في كتابه الشيعة في الاسلام حول المعاد:بيان آخر: قد أشرنا في الفصل الثاني من الكتاب في مبحث الظاهر و الباطن القرآني، إنّ المعارف الإسلامية في القرآن الكريم، مبيّنة بطرق مختلفة، و الطرق المذكورة بشكل تنقسم إلى قسمين، الظاهر و الباطن.
البيان الظاهري
و المراد من طريق الظاهر، هو البيان الذي يتناسب مع مستوى أفكار العامة، على خلاف الطريق الباطن الذي يختصّ بالخاصة منهم، و يدرك مع روح الحياة المعنويّة.
المعنی الباطني للمعاد
ص: 88
أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة على فهم المعنى الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية على مستوى أرفع من العامة. و القرآن الكريم، يلمح خلال تعابيره البسيطة أحيانا بالمعنى الباطني تلميحا.
فالقرآن الكريم بتعابيره المختلفة، يذكر إجمالا:
أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني نحو الكمال تصير إلى الله تعالى، و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها و استقلالها كليا.
و كل ما ذكر يمكن استنتاجه من الآيات التالية:
يقول جلّ من قائل: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى .و يقول: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور.
و يقول: وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه..الی اخر ما ذكره وقد نقلنا كلامه بالكامل في الحلقة الماضية , كما وقد اجبنا في الحلقة السابقة عن قسم من كلامه وذكرنا اننا سنورد ما استدل به من الايات ونذكر تفسيرها من كتاب تفسير التبيان لشيخ الطائفة الطوسي قدس سره وغيره ليتضح بطلان ما ذكره من تاويل لا يمت ولا له علاقة بالاية المباركة اصلا .
وقد ادعی ان هذه الايات تدل علی المعاد الروحي و المثالي؛ وان المراد منها هو فناء الخلائق في الذات الالهية بالرجوع لها هكذا يفسر هذه الايات السيد الطباطبائي خلافا لصريحها وخلافا لقاطبة المفسرين واجماعهم وخلافا
ص: 89
للايات الكثيرة جدا والتي ذكر انها اكثر من تسعمائة اية الدالة علی كون المعاد جسميا لا مثاليا وخلافا للروايات الكثيرة الدالة علی جسمانية المعاد.
وقد تقدم في العدد السابق الجواب علی قسم مما ادعی دلالته من الايات واليك تتمة الجواب.
4- ومن جملة ما استدل به قوله تعالی يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي اقول: وقد جاء تفسيرها في التبيان لشيخ الطائفة الطوسيرحمه الله هكذا:قال تعالی يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي تقول لهم الملائكة إذا أعطوهم كتبهم بايمانهم ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي إلى ما أعده اللَّه لك من الثواب ،وقد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول يريدون ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع.
ثم بين ما يقال له او تبشر به بأنه يقال لها ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي إلى الموضع الذي يختص اللَّه تعالى بالأمر والنهي به دون خلقه راضِيَةً بثواب اللَّه و جزيل عطائه مَرْضِيَّةً الافعال من الطاعات ، وإنه يقال لها فَادْخُلِي فِي عِبادِي الذين رضيت عنهم ورضيت أفعالهم وَادْخُلِي جَنَّتِي التي وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها.
5- واما قوله تعالی لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد(1).مما استدل به الطباطبائي فيقول شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله في تفسير الاية:
ص: 90
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي أزلنا الغطاء عنك حتى ظهر لك الأمر ، وإنما تظهر الأمور في الآخرة بما يخلق اللَّه فيهم من العلوم الضرورية ، فيصير بمنزلة كشف الغطاء عما يرى ، والمراد به جميع المكلفين: برّهم وفاجرهم ، لان معارف الجميع ضرورية ، وقوله فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ معناه إن عينك حادة النظر لا يدخل عليها شك ولا شبهة.وقوله وَقالَ قَرِينُهُ هذا مالَدَيَّ عَتِيدٌ أي معدّ محفوظ أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ إنما قيل: ألقيا ،لأن المأمور به إلقاء كل كافر في النار اثنان من الملائكة.
6- واما قوله تعالب {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُون}(1)
مما استدل به الطباطبائي فتفسير الاية كما جاء في تبيان شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله:
قوله تعالی: هَلْ يَنْظُرُونَ معناه هل ينتظرون ، لأن النظر قد يكون بمعنى الانتظار ،قال أبو علي: معناه هل ينتظر بهم أو هل ينتظر المؤمنون بهم إلا ذلك. وإنما أضافه اليهم مجازاً ، لأنهم كانوا جاحدين لذلك غير متوقعين ، وإنما كان ينتظر بهم المؤمنون ، لايمانهم بذلك واعترافهم به. والانتظار هو الإقبال على مايأتي بالتوقع له. وأصله الإقبال على الشي ء بوجه من الوجوه.
ص: 91
وإنما قيل لهم: ينتظرون وإن كانوا جاحدين ، لأنهم في منزلة المنتظر أي كأنهم ينتظرون ذلك ، لأنه يأتيهم لا محالة إتيان المنتظر.
والتأويل معناه مايؤل اليه حال الشي ء تقول: أوَّله تأويلا ، وتأوله تأولًا ، وآل اليه أمره يؤل أولا ،وقيل تأويله عاقبته من الجزاء به في قول الحسن وقتادةومجاهد ,وقال أبوعلي تأويله ما وعدوا به من البعث والنشور والحساب والعقاب.
وقوله يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ إخبار عن اعتراف الكفار الذين أعرضوا عن حجج اللَّه وبيِّناته والإقرار بتوحيده ونبوة أنبيائه ، وإقرار منهم بأنما جاءت به الرسل كان حقاً. والحق ما شهد بصحته العقل ، وضده الباطل ، وهو ما يشهد بفساده العقل.
وقوله فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا والشفيع هو السائل لصاحبه إسقاط العقاب عن المشفع فيه ،والعفو عن خطيئته فيتمنون ذلك مع يأسهم منه-في قول أبي علي.
وقوله فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ إخبار من الكفار وتمنيهم أن يردوا الى الدنيا حتى يعملوا غير ما عملوه من الكفر والضلال. فأخبر اللَّه تعالى عند ذلك ،فقال قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي أهلكوها بالكفر والمعاصي وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ معناه ضل عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء للَّه وآلهة معه.
ص: 92
7- واما قوله تعالی: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (1).مما استدل به الطباطبائي فجوابه انه جاء ت هذه الاية بعد قوله تعالی:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ} وقال الشيخ الطوسي في تفسيرها: تقديره: لهم عذاب عظيم في هذا اليوم. وهو يوم القيامة. وشهادة الايدي والأرجل باعمال الفجار. وقوله يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ يعنيجزاءهم الحق ،والدين- هاهنا- الجزاء ،ويجوز ان يكون المراد جزاء دينهم الحق ،وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ اي يعلمون الله ضرورة في ذلك اليوم ،ويقرون انه الحق ،الذي ابان الحجج والآيات في دار التكليف.
8- واما قوله تعالی يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيه(2).مما استدل به الطباطبائي فيقول الشيخ الطوسي في تفسيرها:
ياأَيُّهَا الْإِنْسانُ خطاب لجميع المكلفين من البشر من ولد آدم يقول اللَّه لهم ولكل واحد منهم ياأَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ والكدح السعي الشديد في الامر يقال: كدح الإنسان في أمره يكدح ،وفيه كدوح وخدوش أي آثار من شدة السعي في الامر ،ومعنى كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً ايها الإنسان إنك في أمرك بشدة ومشقة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربك ،فأنت لاتخلو في الدنيا من مشقة ،فلا تعمل لها ،واعمل لغيرها فيما تصير به إلى الراحة من الكدح
ص: 93
،فالغني والفقير كل واحد منهما يكدح مايقتضيه حاله. وقوله فَمُلاقِيهِ تفخيم لشأن الامر الذي يلقى من جهته ،فجعل لذلك لقاء جزائه ، لقاء هو هذا من المعاني العجيبة والحكمة البالغة والهاء في فَمُلاقِيهِ يحتمل أمرين: أن تكون كناية عن اللَّه ،وتقديره فملاقي ربك أي تلاقى جزاء ربك ،ويحتمل أن تكون كناية عن الكدح ، وتقديره فملاقي كدحك الذي هو عملك.9- واما قوله تعالی: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ (1).مما استدل به الطباطبائي فتفسير الاية كما قال الشيخ في التبيان:
قال مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي من كان يأمل لقاء ثواب الله ,وقوله فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ أي الوقت الذي وقته الله للثواب والعقاب آت لا محالة والله هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بما تضمرونه في نفوسكم ، فيجازيكم بحسب ذلك.
10- واما قوله تعالی: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2).مما استدل به الطباطبائي فجوابه انه جاء ت هذه الاية بعد قوله تعالی:
يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وقال الشيخ الطوسي في تفسيرها: أي يوحى الي أن معبودكم الذي يحق له العبادة واحد فَمَنْ كانَ منكم يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ
لقاء ثوابه أو عقابه ويرجو معناه يأمل. وقيل معناه يخالف فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
ص: 94
أي طاعة يتقرب بها اليه وَلايُشْرِكْ بِعِبادَةِ اللَّه أحداً غيره من ملك ولابشر ولا حجر ،ولامدر ولا شجر ،فتعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً.
11- واما قوله تعالی فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى* وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى* فَأَمَّا مَنْ طَغى* وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى* وَ أَمَّا مَنْخافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (1).مما استدل به الطباطبائي فذكر شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) في تفسيرها:
فَأَمَّا مَنْ طَغى بأن تجاوز الحد الذي حده اللَّه ،وارتكب المعاصي والطغيان العصيان بمجاوزة الحد فيه الى الافراط فيه ،فكل كافر طاغ بافراطه في ظلم نفسه ،وظلم النفس كظلم غيرها في التعاظم. وقوله وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا معناه اختار من افعال حياة الدنيا بارتكاب المعاصي وترك ماوجب عليه ،فالإيثار إرادة الشي ء على طريقة التفضيل له على غيره ،ومثله الاختيار ،لأنه يختاره على انه خير من غيره ،فمن آثر الأدنى على الاولى فهو منقوص بالحاجة ،كما ان من آثر القبيح على الحسن كان منقوصاً ثم بين تعالى ماله في الآخرة فقال فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى اي النار مثواه ومستقره وموضع مقامه.
ثم ذكر منه وبضد ذلك فقال وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ومعناه من خاف مقام مسألة ربه عما يجب فعله أوتركه وعمل بموجب ذلك بأن فعل الطاعة وأمتنع من المعصية ونهى نفسه عن الهوى وماتدعو اليه شهواته ،ثم بين تعالى ماله في مقابلة ذلك من الثواب، فقال فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أي هي مقره ومأواه.
ص: 95
ثم خاطب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ،فقال يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
أى متى يكون قيامها على ما وصفها ف أيان بمعنى متى الّا أن متى أكثر استعمالا في السؤال عن الزمان ونظيرها أين في السؤال عنالمكان. ولذلك فسرت أيان ب متى والارساء الثبوت من قولهم: رست السفينة ترسو رسوا فهي راسية إذا ثبتت ومنه. قوله أرساها ويجوز أن يكون المراد بالمرسى المصدر.
ويجوز أن يكون وقت الارساء والمعنى متى ثبت أمرها بقيامها.
وقوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أى انه ليس عندك علم متى تكون ،وإنما عندك علم أنها تكون وقوله إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أى قل لهم إلى اللَّه تعالى إجراؤها ،فالمنتهى موضع بلوغ الشي ء ،وكأنه قيل: إلى ربك منتهى أمرها بإقامتها لان منتهى أمرها بذكرها ووصفها والإقرار بها إلى الرسول بإقامتها ،ومنتهى أمرها إقامتها إلى اللَّه تعالى لا يقدر عليه إلّا اللَّه تعالى. وقيل: المعنى إلى ربك منتهى علمها أى لا يعلم إلا هو متى وقت قيامها ذكره الحسن.
وقوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها خطاب من اللَّه للنبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأنه إنما يخوف من يخاف ذلك اليوم وهو يوم القيامة ،وإنما خص الانذار بمن يخشى ،لأنه لما كان المنتفع بالإنذار من يخشى فكأنه خص بالإنذار. والكافر لما لم ينتفع بذلك فكأنه لم ينذر أصلا.
ثم بين تعالى سرعة مجيئها وقرب حضورها فقال كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.
ص: 96
12- واما قوله تعالی يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون(1).مما استدل به الطبطبائي فذكر الشيخ الطوسي(رحمه الله) في تفسيرها:
حكى ما يقال للكفار يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول ياأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا يستحقها ،وكذبوا أنبيائي ورسلي لاتَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ فان اليوم دار جزاء لادارتوبة واعتذار إِنَّما تُجْزَوْنَ على قدر ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم ،وعلى المعاصي بالعقاب ودخول النار ،وأنتم مستحقون لذلك.
ثم عاد الى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته تَوْبَةً نَصُوحاً أي توبة خالصة لوجه اللَّه. والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الإنسان نفسه بإخلاص الندم مع العزم على ألّا يعود إلى مثله في القبح. وقوله عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ معناه متى تبتم توبة نصوحاً كفر الله عنكم سيئاتكم ،وغفر لكم فان عسى من الله واجبة وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مضافاً إلى تكفير السيئات والعفو عنها يَوْمَ لايُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ولا يخزي الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي لايذلهم ولايعاقبهم بل يعزهم بإدخال الجنة.انتهی كلام الشيخ الطوسي(رحمه الله) .اقول: وقد ظهر لك ان ما استدل به علی انكار المعاد الجسماني من الايات لا دلالة فيه علی مدعاه ابدا.
ص: 97
وفي الحقيقة ان هذا الكلام لا يستحق النقض و كذا قول من قال: و اعلم أن الجنّة و غرفاتها و مساكنها و أشجارها و أنهارها و الأبدان التي فيها كلها صور إدراكية، وجودها عين مدركيتها و محسوسيتها. فإنه لا يحتاج الی النقض، فما قيمته في مقابل كلام الله عزّوجل و أنبيائه و رسله و الأئمة صلوات الله عليهم. إلا أن الذي يثير العجب ؛ اغترار المغترّين به و اعتباره حكماً عقلياً!. والحكم العقلي: إما بديهي أو برهاني، فأي حكم عقلي يحكم بذلك، أم أي برهان يدل علی ذلك؟. و جدير بالذكر أن ما رتّبوه من مقدمات فاسدة؛ كالسنخية بين العلّة و المعلول، و غيرها، لا تدل حتی علی المعاد الروحي و المثالي بل انها تدل علی ان الكل هو الله ولاغير وان كل ما يترآی فانما هو هو كما قال قائلهم:
همه ميكن كو كو***حسن ميكه هو هو
يعني:
الكل يقولون اين هو اين هو الا ان حسن الاملي يقول ان كل من يشار اليه هو هو.
واكرر كلامي ان هذا الكلام في الحقيقة لا يستحق النقض إلا أن الذي يثير العجب ؛ اغترار المغترّين به و اعتباره حكماً عقلياً!. ولذا اضطررنا الی جوابه والحمد لله اولا واخرا.
ص: 98
اية الله محمد اصف محسني
قال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
وقال الله تعالی: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي...
ص: 99
وقال الله تعالی: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء ...
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ
وقال الله تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر ...
وقال الله تعالی: ... فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
وقال الله تعالی: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...أ موضوع الحكم في هذه الآيات
وهو كما يلي:
.1المتّخذون دين الاسلام هزواًولهباً،سواءكانوا كفّاراً أو أهل كتاب،كما في الآية الأولی، وكلمة من
فيها تبعيضيّة،كما هوالظاهر،فلايكون الموضوع جميع أهل الكتاب والكفّار، بل بعضهم، وهم الموصوفون بما
ص: 100
ذكر،ويحتمل-غير بعيد-كون كلمة من بيانية،فيكون الموضوع جميعهم،لكنّ الأوّل إن لم يكن ظاهراً لا أقلّ من كونه قدراً متيقّناً في مقام التخاطب.
.2اليهود والنصاری، سواء استهزؤابالإسلام أم لا، قاصرون في اعتقادهم أو مقصّرون، ولا يبعد إلحاق بقيّة أصناف الكفّار بهما بطريق أولی،أو بوحدة الملاك.
.3المستحبّون الكفر علی الإيمان، أیّ نوع كفر كان، ولو كانوا آباء أو
إخواناً فضلاً عن سائر الأقارب والأجانب، قاصرين كانوا أم مقصّرين، مضرّين أو نافعين لبعض الأشخاص.
.4الكافرون، قاصرين كانوا أم مقصّرين، يضرّون بالإسلام والمسلمين أم لا.
.5عدوّالله وعدوّ المسلمين.
.6الّذين غضب الله عليهم ،والظاهر عدم شمول هذا العنوان للقاصرين..7من حادّ الله ورسوله.
أقول:وحيث لا منافاة،فلايحمل مطلقها علی مقيّدها،بل يؤخذ بالجميع،فالذي يسري إليه الحكم هو العنوان المستوعب لجميع الأصناف المذكورة، والظاهرأنّه غير المسلم مهما كان عقيدته وشعاره.
ب متعلّق الحكم فيها
وهو ايضاً كما يلي:
ص: 101
.1اتّخاذ أولياء كما في جملة من الآيات .
.2تولّيهم، كما في عدّة من الآيات.
.3إلقاء المودّة إليهم ،كما في بعضها.
.4الاستغفار و طلب المغفرة،كما في قصّة الخليل (علیه السلام)، ويلحق به طلب دخول الجنّة بطريق الأولی.
.5اتّخاذهم بطانة.
وأمّا طلب الخير الدنيويّ لهم من الله تعالی من غير محبّة وإظهار مودّة،فلم أجد في القرآن مايدلّ علی تحريمه،وليس الدعاء بأعظم من إيصال الخير الدنيويّ إليهم من إطعام،أو سقي ، أو إسكان،أوكسوة،أو حلّ موضوع علميِّ وغير ذلك؛فإنّ الظاهر عدم تحريم هذه الأمور في جملة .
اللّهمّ إلّا أن يستدلّ علی حرمتها بقوله تعالی : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَابَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ...؛إذ مع العداوة والبغضاء كيف يبقی مجال لطلب الخير واقعاً-فتأمّل-وإن جاز في مقام دفع شرّه،أو جلب نظره لحلّ مشكلة، لكنّ بمجرّد الطلب الإنشائيِّ دون الحقيقي؛ إذالمحاذير تقدّر بقدر الضرورة.
لا يقال: الأسوة المذكورة لا دليل علی وجوبها،غاية الأمر استحبابها.
ص: 102
فإنّه يقال: الدليل علی وجوبها في المقام قوله تعالی بعد ذلك:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
أقول : الاسوة المذكورة ليست بواجبة، والآية الأخيرة دليل علی استحبابها دون وجوبها، واللازم علی المسلم بغض الكافر من حيث إنّه كافر لا من كلّ حيث ، فالظاهر عدم حرمة الدعاء له في الامور العاجلة؛ لعدم الدليل عليها،فتأمّل.
وفي صحيح عبدالرحمن بن الحجّاج- المرويّ بطرق كثيرة- قال: قلت لأبي الحسن موسی (علیه السلام):أرأيت إن احتجتُ إلی الطبيب وهو نصرانيّ أسلّم عليه وأدعو له؟ قال: نعم، إنّه لا ينفعه دعاؤك
وظاهر الرواية جواز الدعاء لدنياه و آخرته لكن لابدّ من تخصيصه بغير الكافر المقصّر في الدين وإلّا فالدعاء لآخرته حرام، كما عرفت،أو تحمل الرواية علی الدعاء لدنياه فقط.
فإن قلت: فمن أين قيّدتَ تحريمَ الدعاء للمقصّر من الكفّار دون مطلقها؟قلت: لأنّ أبا إبراهيم (علیه السلام) لم يكن قاصراً،بل مقصّراً،معانداً،فلاحظ؛ وعليه فلا دليل علی حرمة الاستغفار للقاصر.
فإن قلت: لا فائدة في الدّعاء للكافر ولو كان قاصراً.
قلت: الدعاء يفيده في إسقاط الذنوب ، وأمّا كفره، فليس بموجب للخلود إذا كان عن قصور،بل يمتحن في القيامة، كما في عدّة من الروايات
ص: 103
الصحاح ، وحرّرناه في صراط الحقّ، فإذا أطاع يدخل الجنّة ، فافهم؛فإنّه دقيق.
ثمّ إنّه يلحق بالكافر المقصِّر في حرمة الاستغفار،المنافقُ أيضاً،كما يفهم من صحيح الحلبي المذكور في الحاشية .
وامّا طلب الهداية إلی الدين، فلا شكّ في جوازه و رجحانه، بل هدايته إليه واجبة عملاً.
ص: 104
حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حيدر الوكيل
الحلقة الثالثة
الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين
كتب الاستاذ الفاضل الدكتور محمد جواد الطريحي اعزه الله تعالى مقدمة لكتاب المرحوم العلامة المظفر قدس سره احلام اليقظة , وعند قرائتي لها وجدت مواضع للنظر والتعليق .. وقد طلب مني فضيلة الاخ العلامة الشيخ عبد الامير الطريحي دام عزه ان اكتب ما عندي فاستجبت له سائلا المولى سبحانه ان يغمرنا جميعا بعفوه ورحمته مسمتيحا العذر من جناب الدكتور الجواد الطريحي ..
وسأقف مع الاستاذ الدكتور في واحات
واسال الله تعالى التوفيق
ص: 105
الواحة الرابعةهل الفلسفة في العصر الاسلامي تابعة للفلسفة في العصر اليوناني ؟
هل للفلسفة في العصر الاسلامي تاصيلها ولمستها الكبيرة ؟
اسئلة راودت الباحث كما راودت غيره وحاولوا الاجابة عنها ولعل جواب الباحث لم يكن واضحا فقد قال :" وقد وقع الخلط لدى الباحثين في اصالة الفلسفة الاسلامية من حيث تاثرها وتبعيتها لعصور الفلسفة القديمة بمدارسها المختلفة ... الخ " .
والظاهر ان هناك اشكالية تاريخية كبرى يصعب حلها وحاصلها ان الفلسفة اليونانية او بعبارة دقيقة المنسوبة لليونانيين , لاسبيل الى توثيقها فقد بقيت اقوالا في كتب الفلاسفة في الدور الاسلامي ولم تصلنا اصول الكتب المنسوبة الى اليونانيين ومما يثير الدهشة ان اليونانيين كانوا انذاك امة وثنية وما تحاوله الفلسفة هو ان تجعلهم في القمة من الاعتقاد بالتوحيد .
واليوم لا نجد في تاريخهم ما يؤشر الى تميز اؤلئك القوم الذين رفعهم الفلاسفة واعطوهم دور الريادة والتاسيس , بل ينكرون ذلك وينسبون ما يوجد عند الشرقيين وغيرهم مما ينسب الى اليونانيين الى المسيحي افلوطين ..
وعلى هذا فليس هناك فلسفة يونانية بل هناك دعوى انتساب لم يصدقها اهلها .
اما حديث الاصالة والابداع فله مجال في ما لو كانت الفلسفة قد جائت بما ينفع الناس في دينهم او دنياهم , اما الفلسفة المتداولة فليست الا ابحاثا
ص: 106
تجريدية حاولت الخوض في كل شئ من الخالق والمخلوق وقدتحررت العلوم الطبيعية من اسلوب البحث التجريدي فتطورت حتى صارت الافكار المطروحة في الفلسفة الطبيعية اضحوكة يتندر بها ..
وبقيت مطالب ما يرتبط بالتوحيد وعالم الغيب وقوانين العقل البشري في حيز احترام امة من الناس احسنوا الظن بها فجالت بالعقول ايما جولان وابعدت الحقيقة عن يد الباحثين والله المستعان .
والحاصل : لا مسوغ في البحث التاريخي حول الاصالة والتبعية لامور :
الاول : ان اصول المسائل ليست من ابداع العقل الاسلامي بل وفدت الى الثقافة الاسلامية من خارجها وقد وقف الاسلام موقف العداء لها لما مثلته من مجانبة الحق والضلال والاضلال عن عقيدة التوحيد الحقة .
الثاني : ان الاصالة ان كانت بمعنى السبق فالفلسفة ايا كان منشؤها هي السابقة على الاسلام وان كانت بمعنى الغور العلمي بما يحقق الهدف والغاية منها فاننا نجد ان الدور الاسلامي زاد فيها مسائل وتفريعات لا ريب في ان بعضها مفيد ولكن لا نرتاب ايضا في ان اكثرها تخرصات وخيالات ما انزل الله بها من سلطان .
الواحة الخامسة
علم الكلام علم لم يحظ بنصيب وافر من الدراسة الواعية الحرة مما ادى الى انطلاق نزعة التقليد في مسائله بل وفي تقييم مساره التاريخي والكلام في
ص: 107
علم الكلام طويل مشج ولكن لابد من التعرض الى شئ منه هنا لما نثره الباحث الجواد من افكار لايؤيدها واقع العلم بعد الفحص والمتابعة .علم الكلام او الفكر العقائدي الاسلامي هو فكر اسلامي قرآني تكفل بيانه القرآن والسنة الشريفة واعلامة المؤسسون هم الرسول الاعظم واله الاطهار (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ..
نعم لعلم الكلام ادوار مر بها ولكننا لا نرى التنازل عن اصالة التاسيس الاسلامي لهذا العلم لانه العمود الفقري للدين الاسلامي وتطوره انما هو في جانب الدفاع عن العقيدة او اسلوب العرض , وللتوضيح نقول : ان علم الكلام هو علم بيان العقيدة والدفاع عنها , فلعلم الكلام وضيفتان :
الاولى : بيان العقيدة الاسلامية .
الثانية : الدفاع عن العقيدة الاسلامية امام الشبهات المثارة من الخصوم .
ونجد ان هناك اغفال للجانب الاول حتى ان الباحث قال " واما سبب نشوء علم الكلام عند المسلمين فقد كان "للدفاع عن عقائدهم باسلوب البراهين الفلسفية ..الخ "
ولكن بعد استيضاح حقيقة علم الكلام نجد ان اصالة تاسيس علم الكلام واسلاميته مما لا يسع المنصف انكاره .
نعم لابد من معرفة الادوار التي مر بها علم الكلام وهي فيما نجد ملامحة واضحة بادنى ملاحظة هي اربعة ادوار :
ص: 108
الدور الاول : هو دور النص , وهو الدور الذي بينت فيه العقيدة الاسلامية بواسطة دعاتها المؤسسين المتمثلة بيانتهم بالقران الكريم والسنة الطهرة .وهذا الدور هو اهم الادوار ولا ينبغي تجاوزه بحال وما يقال من ان الاعتماد على النصوص في تحصيل العقيدة خطأ علمي لاستلزامه الدور لا يعدو ان يكون وهما او شبكة من شباك الشيطان لابعاد الامة عن منبع العقيدة الحقة ودعاتها العظام صلوات الله عليهم .
الدور الثاني : دور اوائل الغيبة الكبرى , التي تميزت بقيادة العلماء وابتعاد القيادة المعصومة عن الساحة الفكرية للامة وبقيت النصوص وخضعت لاجتهاد الاعلام وتقديرهم للامور والمواقف واسلوب العرض والدفاع ومن هنا نجد ظهور المحاكاة للكلام السني ابتعادا واقترابا في شقيه الاشعري والمعتزلي وهذا ما فرضته ظروف التولي للزعامة واهمية الاندماج في الجو الفكري العام مع الاحتفاظ بالخصوصية , فاخطاوا واصابوا فجزاهم الله خيرا .
وفي هذا الدور ظهرت محولات رد الفلسفة بالاسلوب العقلي مع ظهور حالة العداء بين الكلام والفلسفة وانفراد كل منها بمسائل تخصه .
الدور الثالث : دور التوفيق بين الفلسفة والكلام وانضج ما ظهر فيه هو تجريد الخواجا نصير الدين الطوسي ره وبهذا الدور صارت الفلسفة بمدرستها المشائية مقدمة للكلام بشكل رسمي ان صح التعبير .
ص: 109
الدور الرابع : هو دور ملا صدرا الشيرازي الذي قضى فيه على ملامح علم الكلام ولم يبق منها شئ كما اعترف به الشيخ مطهري في محاضرات في تاريخ الفلسفة .
تنبيه : لاينبغي اغفال امرين :الاول : ليس كل ما ظهر من نتاج كلامي هو تابع لهذا التحديد لادوار علم الكلام بل كانت هذه هي الصبغة الغالبة .
الثاني : ان هناك مدارس عارضت وبشدة التغلب الفلسفي على المدرسة الكلامية وحاولت الرجوع الى المنابع الاصلية وفي مدى نجاحها او اخفاقها ما لا يسعني التعرض له هنا .
ومن هنا نقول لا تصح دعوى ان علم الكلام نشأ :" للدفاع عن عقائدهم باسلوب البراهين الفلسفية حيث حاولوا التنسيق بين الاراء الرائجة في الفلسفة وبين نظريات الاسلام للدفاع عن العقيدة الاسلامية عندما هاجمتها الفلسفة اليونانية واستخدموا الاساليب البرهانية التي تستخدمها الفلسفة " ص18.
وذلك لان علم الكلام نشأ مع الاسلام بل هو عموده الفقري ولا وجود للاسلام بدون العقيدة .
ص: 110
آية الله الشيخ جواد الخراساني قدس سرهالعدد الثامن عشر
المقصد الثاني فى التكلم في ذاته تعالى
اختلفت في ذات ذي الجلال***طوائف الإسلام الانتحاليّ
حذو الّذين قبلهم من الأمم***لمّا نسوا ما ذكروا من النّعم
فاعرضوا عن باب أهل البيت***فافترقوا بكلّ كيت ذيت
في التكلّم في ذاته تعالى
أقوال الطوائف المختلفة في ذاته تعالى
و امّا غيرهم، فقد اختلفوا فيه على اقوال شتّى، اختلفت في ذات ذي الجلال، طوائف الإسلام الانتحاليّ؛ إذ الإسلام الحقيقي ليس له طوائف، فانّ الربّ واحد، و الدين واحد؛ و إنّما جاء الفرق و الطوائف فيه من جهة الانتحال. و على كلّ حال، فإنّهم اختلفوا في ربّهم، حذو الّذين قبلهم من الأمم، حيث اختلفوا في ربّهم و في دينهم، لمّا نسوا ما ذكروا به من النّعم: نعمة الرسول و نعمة الهداية و نعمة الكتاب و نعمة الوصيّ؛ كما قال في شأن اليهود: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ نَسُوا
ص: 111
حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ .... و في النصارى: ... قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ....
و هؤلاء المنتحلة للاسلام، اقتدوا بهم من بعدهم، فاعرضوا عن باب أهل البيت(علیهم السلام) الّذين قال اللّه فيهم: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ و قد اذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا؛ و هم ابواب بيوته بنصّ النبيّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، حيث قال: انا مدينة العلم و علي بابها . و قد قال تعالى: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ؛ و هم الذين يعرفون القرآن، ظاهره و باطنه، تأويله و تنزيله، لأنّهم هم المطهّرون. و قد قال تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و إذ اعرضوا عن أهل بيت الوحي (علیه السلام)، استبدّوا بآرائهم؛ فافترقوا بكلّ كيت ذيت، هما بمعنى واحد مثل كذا و كذا؛ اي افترقوا بكلّ وجه و طريق.
فقيل: جوهر و قيل: جسم***و قيل: صورة و قيل: اسم
و قيل: مدرك بحسّ البصر***فمطلقا أو كان ذا في المحشر
و قيل: مدرك بعقل فلسفيّ ***و قيل: بالكشف و قلب
و قيل: ذاته الوجود المطلق***فهذه الّتي عليها افترقوا
و عند أهل بيت الاصطفاء***الكلّ باطل بلا استثناء
بل عندهم، بذاته لا يعرف***لا يوصف الذات و لا يعرّف
ص: 112
بيان اختلاف الأقوال في ذاته تعالى
فقيل: إنّ ذاته تعالى جوهر مجرّد، و قيل: جسم؛ و قيل: صورة؛ و قيل: اسم؛ يعني، أنّ الاسم هو المسمّى، او أنّ اسمه قديم كالمسمّى؛ و إليهما اشار الصادق(علیه السلام)بقوله: من عبد الاسم فقد كفر، و من عبد الاسمو المسمّى فقد اشرك ؛ و قيل: مدرك بحسّ البصر، حتّى ممّن ابى جسميّته فمطلقا في الدنيا و الآخرة و هو قول أو كان ذا في المحشر، و هو قول الاشاعرة؛ و قيل: مدرك لا بالحسّ، بل بالعقل، و لكن لا بكلّ عقل، بل بعقل فلسفيّ المستكمل، للفلسفة الالهيّة؛ و قيل: لا بالبصر و لا بالعقل، بل مدرك بالقلب من طريق الكشف، و لكن لا بكلّ قلب و كشف، بل بكشف الواصل و كشف العارف؛ و قيل: ذاته الوجود المطلق، و القائل: بعض المتكلّمين و الفلاسفة و العرفاء، الّذين قالوا: بادراكه بالعقل أو بالكشف، و يظهر من اعتراض علاء الدولة السّمناني على محيي الدين بن عربي و تخطئته و تكفيره ايّاه، أنّه أوّل من ابدأ هذا القول، و ان كان عندي فيه نظر.
فهذه الأقوال، هي الّتي عليها افترقوا؛ فاتّخذ كلّا منها قوم، و جعلوه مذهبا لهم.
و عند أهل بيت الاصطفاء الّذين اصطفاهم اللّه على العالمين ذريّة بعضها من بعض، الكلّ باطل بلا استثناء. و ستظفر على بطلان كلّ منها بالدّليل على التفصيل.
ص: 113
(بيان ما ورد عن أهل البيت (علیهم السلام) في ذاته تعالى إجمالا، و أنّه لا يدرك و لا يوصف)
و قد رأيت ان اذكر أوّلا: جملة ما ورد عنهم (علیهم السلام) في ذاته تعالى على الإجمال، ثمّ ارجع الى تفصيل كلّ منها بالاستدلال. ليكون هذاالاجمال كالفهرس لذلك التفصيل، فيطّلع القارئ على تمام مذهبهم في بدء التحصيل. فاستمع لما يتلى عليك من هذا السفر الجليل:
بل عندهم، بذاته؛ اي بنفس الذات لا يعرف، بحيث يعرف ما هو الذات؟ او بحيث يعرف بنفسه و بلا واسطة، و لذلك لا يوصف الذات و لا يعرّف أنّه ما هو؛ اذ
و إنّما يعرف بالصّفات***و الخلق و الآثار، لا بالذّات
و الذات منه عندهم لا يدرك***و كلّ من رام هناك يهلك
بل ليس مدركا و لا موصوفا***و لم يكن بذاته معروفا
و كلّ معروف بنفسه عرف***فذاك بالمصنوع عندهم وصف
التوصيف و التعريف فرع المعرفة، و اذا لم يعرف الذات، فلا يوصف و لا يعرّف.
و إنّما يعرف عندهم بالصّفات، بأنّه عليم، حكيم مثلا، لا بالذّات؛ و يعرف أيضا بالواسطة لا بنفسه، فيعرف بالآيات و الخلق و الآثار، لا بالذّات.
امّا أنّه تعالى يعرف عندهم بالصّفات: فيدلّ عليه ما سيأتي عنهم(علیهم السلام) من أنّه تعالى يوصف بما وصف به نفسه؛ من ذلك قول الرضا(علیه السلام) : اعرفه بما
ص: 114
عرّف به نفسه، و اصفه بما وصف به نفسه. و قول الحسين(علیه السلام) : يا ابن الأزرق! اصف إلهي بما وصف نفسه، و اعرفه بما عرّف به نفسه .و امّا أنّه تعالى لا يعرف إلّا بالصّفات: فذلك يستفاد من نهيهم عن الخوض في ذاته، و أنّ ذاته لا يعلمها إلّا هو؛ و سيأتي تفصيله.
و امّا أنّه لا يعرف إلّا بالخلق و الآيات: فقد تقدّم الكلام فيه. و من ذلك قول الصادق (علیه السلام) في الاهليلجة: لا يعرف إلّا بخلقه.
و الذات منه تعالى كما لا يعرف و لا يوصف عندهم، كذلك عندهم لا يدرك لا بالعقل و لا بالوهم و لا بغير ذلك؛ كما يأتي مفصّلا و كلّ من رام هناك يهلك. بل ليس هو تعالى عندهم مدركا و لا موصوفا و لم يكن بذاته معروفا؛ و بين الثلاثة ملازمة. فإنّ ما لا يدرك بذاته لا يعرف و لا يوصف و ما لا يعرف أو لا يوصف بذاته، لا يدرك بذاته، و كيف يكون مدركا ما لا يعرف بنفسه؟ و كلّ معروف من الأشياء بنفسه عرف او يمكن ان يعرف بنفسه، فذاك بالمصنوع عندهم وصف، فهو عندهم مصنوع ليس بإله. قال الرضا(علیه السلام) : كلّ معروف بنفسه مصنوع . و قال امير المؤمنين(علیه السلام): ليس بإله من عرف بنفسه.
و اللّه لا يعرف بالقياس***و لا يقاس ذاته بالناس
شي ء و لكن ليس كالأشياء***ليس كمثله في الاختفاء
ذات و لكن لا يقال: ما هو؟***و الذات لا يعلمها إلّا هو
هويّة الذات لنا خفيّة***لا أنّه ليست له هويّة
ص: 115
و اللّه تعالى لا يعرف بالقياس و الحدس و التخمين و السّبر و التقسيم؛ كما صنعت الفلاسفة؛ حيث قسّموا الأشياء: الى الوجود و الماهيّة ثمّ رجّحوا اصالة الوجود ؛ فاستنتجوا من ذلك أنّ ذاته تعالى هو الوجود. قال الرضا(علیه السلام): من يصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السّبيل، قائلا غير الجميل .
. و مثله عن الحسين (علیه السلام) ؛ و قال امير المؤمنين(علیه السلام) : البعيد من حدس القلوب ...
هذا، مع أنّ طريق القياس، امّا عقل، او وهم، او تمثيل؛ و الكلّ ليس إليه سبيل؛ و لا يقاس ذاته بالناس؛ قال امير المؤمنين(علیه السلام) : و لا يحسّ بالحواس و لا يقاس بالنّاس ... و نظيره كثير، يأتي في فصله. و في القياس أيضا تشبيه، و التشبيه ينافي التنزيه.
و غاية المعرفة في ذاته تعالى عندهم ، أنّه شي ء، و لكن ليس كالأشياء، و له فصل يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى؛ ليس كمثله في الاختفاء، فإنّه اخفى من كلّ شي ء، لأنّه لا يدرك بشي ء من المدركات؛ كما يأتي تحقيقه، و هو تعالى ذات و لكن لا يقال:
ما هو؟ قال امير المؤمنين(علیه السلام):
لا يقال له ما هو لأنّه خلق الماهيّة . و الذات لا يعلمها إلّا هو؛ قال الصادق(علیه السلام) : سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو. و اذا كان لا يدرك و لا يوصف، و لا يعرف بنفسه، و لا يعلمه احد، فكيف يمكن انيقال ما هو؟
ص: 116
فعلى هذا، هويّة الذات لنا خفيّة، لا نعرفها و لا ندركها، لا أنّه ليست له هويّة. و هذا ردّ على من زعم أنّه اذا قلنا بأنّه لا يدرك و لا يعرف فقد اثبتنا أنّه لا شي ء؛ قال الصّادق (علیه السلام) في حديث المفضّل:
فإن قالوا: فانتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتّى كأنّه غير معلوم، قيل لهم: هو كذلك من جهة، اذا رام العقل معرفة كنهه و الاحاطة به، و هي من جهة أخرى اقرب من كلّ قريب اذ استدلّ عليه بالدّلائل الشافية، فهو من جهة، كالواضح لا يخفى على احد، و من جهة، كالغامض لا يدركه احد. و كذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده و مستور بذاته .
و كونه في ذاته معيّنا***لا يقتضي لغيره التّعيّنا
من ذاك لم يجز لنا أن نصفه***إلّا بشي ء نفسه قد وصفه
و لا يحيط خلقه علما به***من ناقص أو كامل بربّه
و كونه في ذاته معيّنا، لا يقتضي لغيره التّعيّنا، فلا يلزم ان يكون متعيّنا عند غيره.
من ذاك الّذي ذكرنا أنّ ذاته خفيّة علينا و أنّا لا ندركه بذاته ، لم يجز لنا أن نصفه توصيفا، إلّا بشي ء نفسه قد وصفه. لأنّ التوصيف كما تقدّم، فرع الادراك، و هو ممنوع. و التوصيف و ان كان بالصفات. الّا أنّه يرجع أيضا الى توصيف الذّات. و سيأتي باب مخصوص فيما ورد عنهم(علیه السلام) من أنّه لا يجوز توصيفه إلّا بما وصف به نفسه، و عندهم(علیهم السلام)أيضا لا يحيط خلقه
ص: 117
علما به سواء كان بالعقل، او بالرّؤية، او بالكشف ؛ كما قال تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً .
و هذا، احد الوجوه المانعة عن الادراك، فإنّ الادراك، مستلزم للاحاطة العلميّة به؛ و من المحال ان يكون الخالق محاطا للمخلوق، و سيجي ء تفصيله في فصله. و هذا الوجه ممّا لا يفرق فيه بين شخص دون شخص، بل يعمّ كلّ احد من ناقص أو كامل في المعرفة بربّه؛ كما قال الصّادق(علیه السلام) في الحديث السّابق: كالغامض لا يدركه.
ص: 118
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مبانيالفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الثانية والعشرين.
67- آية الله البهجة فقد كان يعدّ دراسة الفلسفة أمرا خطيرا جدا إلاّ بعد الاجتهاد في علم الكلام وتصحيح الاعتقادات.(1) وقال لمن اراد تعلم الفلسفة قبل علم الكلام:
أتريد أن تصير كافرا؟!
68- الشيخ محمد تقي الجعفري وكان يستنتج رحمه الله في كتاب المبدأ الأعلى من مذهب العرفاء أنّ كلامهم في النتيجة هو نفس كلام الماديين لأن
ص: 119
كليهما يعترفان بوجود واحد فقط إلاّ أنّ العرفاء يسمون ذلك الموجود الواحد بالله والماديين يسمونه بالمادة!(1) ويقول:
إنّ خلاصة كلام هؤلاء هو أنّ الله عين الموجودات، والموجودات هي عين الله.(2) من الغريب أنّه إن اعتقدت بأن الأصل هو الوجود، وإن الموجود يكون واحدا شخصيا، فأنت أعلم من في الوقت وإن لم تكن تميز الألف عن الباء... وبالعكس إن تأملت وأبديت نظرا في مسألة وحدة الموجود فأنت أجهل الناس عندهم وإن كنت أعلم من فى الوقت! (3)إن العرفاء... توحيدهم يكون وحدة الوجود... الإنسان الكامل يصير في الانتهاء عين الله في هذا المذهب؛ إنّ الإنسان الكامل الحقيقي هو نفس وجود الله في الأصل. (4)
ص: 120
الحلقة الثانية والعشرون
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء.
ما روي عنهم عليهم السلام من أن الحب في الله والبغض في اللهمن علامات الإيمان بل أوثق عرى الإيمان والإسلام(1)وفي
ذلك من الدلالة على الوجوب والمبالغة فيه واستلزام الترك للخروج عن الإيمان والإسلام إلى الكفر ما هو أوضح من أن يبين ولنذكر مما دل على ذلك اثني عشر حديثا.
الأول: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله فهو ممن كمل إيمانه(2).
الثاني: ما رواه عنه عليه السلام قال: من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله
ص: 121
وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله(1).
الثالث: ما رواه عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: ود المؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله(2).
الرابع: ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن الحب والبغض أمن الإيمان هو؟ فقال: وهل الإيمان إلا الحب والبغض ثم تلا قوله تعالى (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)(3).
ومثله ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام قال هل الدين إلا الحب أن الله يقول: (إن كنتم تحبون الله فاتبعونييحببكم الله)(4).
الخامس: ما رواه الكليني عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق قالوا الله ورسوله أعلم وقال بعضهم: الصلاة وقال بعضهم الزكاة وقال بعضهم الصيام وقال بعضهم الحج والعمرة وقال بعضهم الجهاد فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لكل ما قلتم فضل ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وتوالي أولياء الله والتبري من أعداء الله(5).
السادس: ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث من علامات المؤمن
ص: 122
علمه بالله ومن يحب ومن يبغض(1).
السابع: ما رواه عنه عليه السلام قال: قد يكون حب في الله ورسوله وحب في الدنيا فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله وما كان في الدنيا فليس شيء(2).
الثامن: ما رواه عنه عليه السلام قال: إن المسلمين ليلتقيان فأفضلهما أشدهما حبا لصاحبه(3).
التاسع: ما رواه عنه عليه السلام قال: ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهماأشدهما حبا لأخيه(4).
العاشر: ما رواه عنه عليه السلام قال: من لم يحب على الدين ويبغض على الدين فلا دين له(5).
الحادي عشر: ما رواه في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في جوابه لهمام حيث ذكر من جملة علامات المؤمن الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله(6).
الثاني عشر: ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من
ص: 123
حب الرجل دينه حبه لإخوانه (1).
وفي المجالس عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه قال لبعض أصحابنا: أحبب في الله وأبغض في الله ووال في الله وعاد في الله فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد أحد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك وقد صارت ولاية الناس أكثرها في الدنيا عليها يتحابون وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئا فقال له: من ولي الله حتى أواليه؟ ومن عدو الله حتى أعاديه؟ فوضع يده على رأس علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: وال ولي هذا ولو كان قاتلأبيك أو ولدك وعاد عدو هذا ولو كان أباك أو ولدك(2).
وأما الفصول: ففيما يلحق بذلك ويناسبه وهي اثنا عشر فصلا.
ص: 124
الفصل الأول
في تحريم الاقتداء بأعداء الدين ومشابهتهم ومشاكلتهم
ويدل على ذلك اثنا عشر وجها:
الأول: عدم ظهور دليل على الجواز مع قيام الدليل على المنع.
الثاني: القطع بأنه يقبح عقلا وشرعا وعرفا مماثلة أعداء الدين فيما هو مختص بهم وأنه يستلزم عدم ثبات الدين وقلة البصيرة فيه ويلزم من ذلك ترك الاقتداء بأهل الدين من النبي والأئمة عليهم السلام وقد ثبت وجوب الاقتداء المذكوروتحريم تركه.
الثالث: إجماع الشيعة بل جميع المسلمين على قبح ذلك وإنكاره وذم فاعله.
الرابع: قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب ولا تكونوا كالذين آذوا موسى يضاهؤن قول الذين كفروا قاتلهم الله لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)(1) إلى غير ذلك من الآيات.
الخامس: ما رواه الصدوق في الفقيه عن الصادق عليه السلام قال أوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل للمؤمنين لا يلبسوا لباس أعدائي ولا يطعموا مطاعم أعدائي ولا يسلكوا مسالك أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي(2).
السادس: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله أنه قال لبعض أصحابه لا تتزين إلا
ص: 125
في أحسن زي قومك فما رؤى إلا في أحسن زي قومه حتى مات(1).
السابع: ما رواه عنه عليه السلام في حكم اختلاف الحديث قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد(2).
أقول: وفي معناه أحاديث متعددة دالة على وجوب اجتناب العامة وترك أقوالهم وأفعالهم والأمر بمخالفتهم.
الثامن: ما رواه عنه عليه السلام أنه قيل له أصلي في القلنسوة فقال: لا تصلفيها فإنها لباس أهل النار(3).
التاسع: ما رواه عنه عليه السلام قال: ولا تتزر بإزار فوق القميص إذا أنت صليت فإنه من زي الجاهلية(4).
العاشر: ما رواه الشيخ عنه عليه السلام في مذمة الحديد في جملة إنه من حلية أهل النار(5).
الحادي عشر: ما رواه عنه عليه السلام في البرطلة قال: لا تلبسها حول الكعبة فإنها من زي اليهود(6).
الثاني عشر: ما رواه الكليني وغيره في أحاديث الجهاد أن النبي وأمير
ص: 126
المؤمنين عليهم السلام كانا يجعلان للمسلمين في الحرب شعارا مخالفا لشعار المشركين وكانا يقتلان من خالف شعار المسلمين(1).
أقول: لا يخفى أن الوحدة المذكورة منها ما يدل على التحريم، ومنها ما يدل على النهي والمرجوحية لكن بدليل آخر فظهر أن المشاكلة المذكورة محرمة إلا فيما دل الدليل فيه على نفي التحريم إذا عرفت ذلك علمت أن هذه الوجوه دالة على الرد على الصوفية فإن مشايخهم ورؤسائهم من العامة يجب اجتنابهم وتركمشاكلتهم والاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ومسالكهم المخالفة للشرع.
ص: 127