مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 24

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

الامام الباقر (علیه السلام):{بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}

من لايحضره الفقيه 4/405

بحار الانوار 46/288

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة السابعة: العدد الرابع والعشرون1393هجرية شمسية1436 هجرية قمرية

مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:

العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460

ص: 1

الفهرس

كلمةالتحرير...3

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...5

ايات العقائد اية الله السيد جعفر سيدان...9

الرؤية الفلسفية آية الله الكاظمي...42

مناظرات حول المعاد...48

موقف اصحاب الائمة (علیه السلام)والعلماء من الفلسفة والعرفان...63

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...65

قصة اصحاب الرس درس وعبرة...70

تنزيه المعبود حجة الاسلام والمسلمين علي احمدي...78

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي...89

ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر العاملي...92

نظرة يقظة حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...111

هداية الامة الی معارف الائمة(علیه السلام)اية الله الخراساني...117

المعاد كما في كتاب الشيعة في الاسلام للسيد الطباطبائي...123

ص: 2

كلمة التحرير

الخوارج في اخر الزمان

لقد ابتليت الامة الاسلامية باعدائها الذين يستبيحون دماءها واموالها فهاهي الوهابية واذنابها من داعش وغيرهم يعيثون في الارض فسادا و يستبيحون دماء الامة الاسلامية واموالها ولقد اخبر امير المؤمنين بخروجهم خارجة منهم في اخر الزمان في ما بين الفرات ودجلة فروی المسعودي في كتابه مروج الذهب «مرّ عليّ عليه السّلام بالخوارج و هم صرعى؟ فقال: لقد صرعكم من غرّكم، فقيل: و من غرّهم؟ قال: الشّيطان و أنفس السوء، فقال أصحابه: قد قطع اللّه دابرهم إلى آخر الدّهر، فقال عليه السّلام: كلّا و الذي نفسي بيده إنّهم لفي أصلاب الرّجال و أرحام النساء لا تخرج خارجة إلّا خرجت بعدها مثلها حتّى تخرج خارجة بين الفرات و دجلة مع رجل يقال له: الأشمط فيخرج إليه رجل منّا أهل البيت فيقتلهم و لا تخرج بعدها خارجة إلى يوم القيامة»(1).

ص: 3


1- مروج الذهب للمسعودي

و روى الخطيب البغدادي عن حبّة العرنيّ انه قال: «لمّا فرغنا من النهروان قال رجل منّا و إنّه لا يخرج بعد اليوم حروريّ أبدا، فقال عليه السّلام: لا تقل هذا فوالذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّهم لفي أصلاب الرّجال و أرحام النساءو لا يزالون يخرجون حتّى تخرج منهم طائفة بين نهرين حتّى يخرج إليهم رجل من ولدي فيقتلهم فلا يعودون أبدا»(1).

هذه حقيقة داعش لعنهم الله واراح الامة منهم وما علينا الا الوقوف امامهم بكل قوة .

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت

لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 4


1- تاريخ بغداد الخطيب البغدادي في حبّة العرنيّ

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)

في تفسير قوله تعالى : " وسلام علی ال يس "(1).

في غاية المرام : أبو نعيم الإصفهاني بإسناده عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : " وسلام على آل يس " قال :" آل يس " آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم(2) .

أقول : والروايات عن أهل البيت عليهم السلام " وعن ابن عباس رضي الله عنه

مستفيضة في أن " آل " بالمد ، لا بكسر الهمزة (3)،

بل في بعض الأخبار متنهيا إلى أبي عبد الرحمن السلمي : أن عمر بن الخطاب كان يقرأ : " سلام على آل يس " بالمد قال عبد الرحمن : " آل يس " آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم(4) .

ص: 5


1- الصافات : 130
2- غاية المرام ص 382 . البرهان 4 / 33
3- البرهان 4 / 33 . غاية المرام ص 382
4- غاية المرام ص 382

بل يظهر مما احتج به مولانا الرضا عليه السلام في مجلس المأمون على العلماء : أن قراءة الآل بالمد مسلمة عند المسلمين ، فقال عليه السلام في مقام بيان الآيات الدالة على اصطفاء أهل البيت على الأمة .

وأما الآية السابقة ، فقوله تبارك وتعالى : " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "(1)وقد علم المعاندون منهم أنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك ، فكيفالصلاة عليك ؟ فقال : تقولون : " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف ؟ فقالوا : لا ، فقال المأمون : هذا ما لا خلاف فيه أصلا ، وعليه إجماع الأمة ، فهل عندك في الآل شئ أوضح من هذا في القرآن ، قال أبو الحسن عليه السلام : نعم ، أخبروني عن قول الله عز وجل " يس "قال العلماء : " يس " محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يشك فيه أحد ، قال أبو الحسن عليه السلام : إن الله أعطى محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله ، وذلك لأن الله لم يسلم على أحد إلا على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، فقال تبارك وتعالى : " سلام على نوح في العالمين(2)، سلام على إبراهيم(3)، وسلام على موسى

ص: 6


1- الأحزاب : 56
2- الصافات : 79
3- الصافات : 109

وهارون(1)" ، ولم يقل سلام على آل نوح ، ولا على آل موسى ، ولا على آل إبراهيم " فقال : " سلام على آل يس " يعني آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم(2).

ولم يرد أحد من العلماء في مجلس المأمون على مولانا الرضا عليه السلام : أن القراءة بكسر الهمزة لا بمدها ، وهو كاشف عن أن القراءة بالمد عندهم مسلمة .

وناهيك في ذلك أن العلامة الرازي - مع تشكيكه في أغلب الأمور ، بحيث صار ملقبا بإمام المشككين - جزم بقراءة المد ، واحتج بالآية الكريمة على مساواة أهل البيت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التسليم عليهم(3) ، وهو يكشف عن كمال وضوح قراءة الآل عنده ، بحيث لا تكون محلا للشك والتشكيك ، وإلا لشك فيه هو كما هو دأبه وديدنه في سائر الموارد .

وإذا تبين ذلك فاعلم أن الله تبارك وتعالى أشرك آل إبراهيم وآل عمران مع الأنبياء في الاصطفاء ، فقال جل ذكره : " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين "(4)ولكن لم يشرك آل أحد منهم عليهم السلام معهم في التسليم عليهم سوى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يدل على أن

ص: 7


1- الصافات : 120
2- غاية المرام ص 382
3- تفسير الفخر الرازي 26 / 162
4- آل عمران : 33

الله أعطاهم فضلا وشرفا لا يدانيه فضل وشرف ، ولا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله كما أفاده مولانا الرضا عليه السلام .

ومن هذا شأنه لا يقاس بسائر الناس من الأمة ، فلا يعقل أن تتخلف الإمامة والخلافة عنهم إلى غيرهم . والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

ص: 8

ايات العقائد اية الله السيد جعفر سيدان

آية ولله المشرق والمغرب

قال الله تعالی{ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(1)

ونقرأ في القران الكريم: {كل شيء هالك الا وجهه}(2)وقال عز وجل:{ويبقی وجه ربك ذو الجلال والاكرام}(3)

وقد استعملت كلمة الوجه في ايات اخر من جملتها الايات التالية:

قال تعالی:{وما تنفقون الا ابتغاء وجه الله}(4)

وقال عز وجل:{وما اتيتم من زكاة تريدون وجه الله}(5)

وقال عز من قال:{والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم}(6)

ص: 9


1- سورة البقرة اية115
2- سورة القصص(28)اية88
3- سورة الرحمن (55) اية27
4- سورة البقرة (2) اية272
5- سورة الروم (30) اية39
6- سورة الرعد (13) اية22

وقال سبحانه:{انما نطعمكم لوجه الله}(1)

وقال تعالی:{وما لاحد عنده من نعمة تجزی*الا ابتغاء وجه ربه الاعلی}(2)

وقال سبحانه:{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}(3)

مع ملاحظة سياق هذه الايات المباركة لانجد اختلافا في معنی الوجه فيها وعلی هذا الاساس سوف نبحث اية (115) من سورة البقرة واية (88) من سورة القصص .

تحقيق المفرداتفي هذه الاية مفردتان من المناسب بحثهما .

المشرق والمغرب:

المشرق والمغرب انما هما بلحاظ الطول والعرض الجغرافيين وهما اسم زمان ومكان في لغة العرب يعني مكان طلوع وغروب الشمس من زاوية مشاهدة الانسان ومن جهة ان كل نقطة من الارض لها طول وعرض جغرافي ومع ملاحظة ان الارض كروية وفي نفس الوقت تدور حول نفسها اذن لكل مكان مشرق ومغرب يختص به هذا من جهة المكان واما من جهة الزمان فان

ص: 10


1- سورة الانسان (76) اية9
2- سورة الليل (92) اية19-20
3- سورة الكهف (18) اية28

دوران الارض حول الشمس مع انحناء محور الارض صار سببا ان تطلع الشمس في نقطة كل يوم من السنة وتغرب ايضا في نقطة كل يوم من السنة بحيث يتفاوت كل يوم مع سابقه ولهذه الجهة استعملت هاتين الكلمتين بصيغ المفرد والتثنية والجمع .

اما صيغة المفرد ففي هذه الاية: {ولله المشرق والمغرب }(1)

واما التثنية ففي هذه الاية: {رب المشرقين ورب المغربين}(2)

فمن الممكن ان الاية تشير الی مشرقين ومغربين ممتازين في الدورة السنوية مثل مدار رأس السرطان يعني اول الصيف ومدار رأس الجدي يعنياول الشتاء(3) او المشرق والمغرب الاعتدالي يعني في اول الربيع واول الخريف الذي يكون فيهما الليل والنهار متساويين .

واما الجمع ففي هذه الاية {فلا اقسم برب المشارق والمغارب انا لقادرون}(4).

اذن يمكن ان يقال ان المراد في الاية هو جنس المشرق والمغرب ومن جهة اخری الظهور العرفي لهذه الكلمة في كثير من الموارد هو هذا المعنی كما ان استعمالها في القران والحديث علی هذا المعنی ومن جملتها ما في

ص: 11


1- سورة البقرة (2) اية115
2- سورة الرحمن (55) اية17
3- كما نقل ذلك في رواية عن امير المؤمنين (علیه السلام) راجع الاحتجاج للطبرسي ص386وبحار الانوار ج10ص122
4- سورة المعارج (70) اية40

سورة البقرة اية142{ولله المشرق والمغرب} حيث جاء استعمالها بهذا المعنی في حين ان المطلب المذكور في الاية ليس هو المشرق والمغرب بل تغيير قبلة المسلمين من جهة بيت المقدس الی الكعبة المكرمة كما وان بيت المقدس يقع في الجهة الشمالية الغربية والكعبة واقعة من جهة الجنوب وهكذا تكرر هذا التعبير في الاحاديث الشريفة من جملتها ما عن الامام الباقر(علیه السلام) حيث يقول لاثنين من مخالفيه:

شرقا وغربا فلا تجدان علما صحيحا الا شيئا خرج من عندنا اهل البيت(1).فعلی هذا الاساس يمكن ان يقال ان المقصود من هذا التعبير في الاية المباركة هو ان الله تعالی محيط بكل جهة ومكان ولا يخرج سمت ولا جهة عن ملكه وسلطانه .

التولية

هذه الكلمة من الاضداد بمعنی الاقبال والادبار ومن جملة الموارد التي استعملت الكلمة فيها بمعنی الادبار ما جاء في هذه الاية الشريفة:

{لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا}(2)

ويستفاد من كلام الراغب في المفردات ان التولي حينما يتعدی بنفسه يعني بلا واسطة حرف الجر يعطي معنی الاقبال وحينما يتعدی بواسطة حرف الجر (لفظا او تقديرا) يعطي معنی الادبار(3).

ص: 12


1- اصول الكافي ج1ص399ح3
2- سورة الكهف (18) اية18
3- مفردات الفاظ القران (الراغب الاصفهاني):886

لكن بقرينة السياق يتضح ان المراد هنا هو الاقبال .

الوجه

لكلمة الوجه معاني مختلفة وقد ذكر معانيها في كتاب فرهنك معين(باللغة الفارسية) كالتالي:

الوجه , الشكل, الصورة, الطريق, الطريقة, الاسلوب, الجانب, ذات الشخص, القصد, النية, النغمة, الصحيفةو...

وجاء في اقرب الموارد حول هذه الكلمة:الوجه اول عضو من بدن الانسان يظهر للناظرين وبمعنی اول كل شيء فيقال: هذا وجه الثوب

يقول المرحوم السيد عبد الاعلی السبزواري في تفسير مواهب الرحمن حول كلمة الوجه:

الوجه مستقبل كل شيء واشرفه وطريق الوصول اليه ويطلق علی الذات ايضاً.(1)

وقد جاء في هذا التفسير ان المقصود من الوجه في هذه الاية{ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} هو التوجه.(2)

ص: 13


1- مواهب الرحمان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 394
2- مواهب الرحمان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 400

من الجائز ان يكون المراد من{وجه الله} هو ذات الله جل وعلا بمعنی انه اينما توجه الانسان فالله تعالی موجود لا ان الله تعالی في جهة المشرق لا المغرب ولا بالعكس .

من الواضح اننا لاندرك الذات الالهية المقدسة لانها فوق حد فهمنا وانما اللازم ان نخرجه من حديّ التشبيه والتعطيل ونخرجه عن عدم احاطته وتسلطه علی كل شيء .

وجاء في تفسير مجمع البيان:

{فثم} اي فهنالك{وجه الله} اي قبلة الله .

ثم قال: وجه و جهة مثلوزن و زنة بمعنی القبلة(1) .روايات وتفاسير

الروايات الواردة في المقصود من الوجه من هذه الايات ذكرت معان متعددة ولامانع من ان يكون للاية معان مختلفة بشرط ان يكون المعنی قابلا لذلك ولا يتنافی مع الاصول التي جاءت من طريق الوحي ولم ترد رواية معتبرة في تحديد معنی الاية بمعنی خاص .

ففي ذيل اية{فاينما تولوا فثم وجه الله}(2) وردت احاديث مستفيضة في ان المقصود من الوجه في هذه الاية هو سمت القبلة في الصلوات المستحبة .

ص: 14


1- مجمع البيان ج1ص364 وذكر في هذا التفسير معان اخری للوجه ومن جملتها الذات المقدسة الالهية .
2- سورة البقرة اية 115

1- جاء في تفسير القمي ان هذه الاية نزلت في صلاة النافلة اذا كان الانسان في حال السفر فيمكنه ان يصلي الی اي جهة شاء بخلاف الصلوات الواجبة فالملاك فيها قوله تعالی:{وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}(1) يعني صل الفرائض بسمت المسجد الحرام(2).

وجاء في تفسير العياشي عن الامام الصادق(علیه السلام) انه سئل عن رجل قرأ السجدة وهو راكب علی دابته فقال (علیه السلام) يسجد حيث2- توجهت فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي علی ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة يقول: { فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(3).

3- وروي عن الباقر(علیه السلام) انه قال: انزل الله هذه الاية في التطوع خاصة(4) .

ثم قال الامام(علیه السلام) ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما رجع من مكة وكان في سيره الی خيبر كان يصلي علی راحلته في حين كانت الكعبة خلفه .

يقول محمد بن الحصين :قالَ: كَتَبْتُ إِلَى عَبْدٍ صَالِحٍ (علیه السلام) (يعني الامام الكاظم(علیه السلام)) الرَّجُلُ يُصَلِّي فِي يَوْمِ غَيْمٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَا يَعْرِفُ الْقِبْلَةَ فَيُصَلِّي حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ بَدَتْ لَهُ الشَّمْسُ فَإِذَا هُوَ قَدْ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَ

ص: 15


1- سورة البقرة(2) اية 144
2- تفسير القمي ح1ص59
3- تفسير العياشي ج1ص57 ح82
4- تفسير العياشي ج1ص56ح80 –وسائل الشيعة ج4ص333ح23(5317)

يَعْتَدُّ بِصَلَاتِهِ أَمْ يُعِيدُهَا فَكَتَبَ يُعِيدُهَا مَا لَمْ يَفُتْهُ الْوَقْتُ أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ- فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه(1).طبعا ليس البحث هنا عن الفتوی حول هذا الموضوع فانه له محله الا ان مفهوم هذا الحديث انه لو صلی الانسان الی غير القبلة وعلم بذلك بعد خروج الوقت اجزأه ما صلی ولا يحتاج الی الاعادة .

علی هذا الاساس مع ملاحظة هذه الروايات يمكن ان يقال ان معنی الوجه هنا بمعنی السمت والجهة و{وجه الله} يعني جهة الله ويكفي ان يتجه الانسان الی اية جهة شاء في الصلوات المستحبة وفي الصلوات الواجبة عند التحير او الموارد الاستثنائية .

طبعا لا شك ان الله تعالی في كل مكان ولايخلو منه مكان وليس هو في جهة خاصة كما هو معلوم وثابت بالادلة العقلية والنقلية لكن المقصود في هذه الاية هو القبلة والايات السابقة بينت ذلك باحسن بيان فقد جاء في تفسير الاية السابقة عليها وهي{ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه..}(2) ان المسلمين اتخذوا مساجد بمكة حول المسجد الحرام وان كفار قريش كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام و المساجد التي اتخذوها

ص: 16


1- تهذيب الأحكام (تحقيق خرسان)، ج 2، ص: 49ح28-وسائل الشيعة ج4ص316ح4(5254)
2- البقرة (2) اية 114

بفناء الكعبة ومنعوهم من التعبد فيها وألجأوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى الخروج عن مكة(1).ومع هذا الحال مما اصاب المسلمين فان ذلك لا يمنع المسلمين من عبادتهم فاينما اتجهوا فهنالك وجه الله (وفي شروط معينة اينما اتجهوا فتلك هي القبلة لهم).

مضافا الی التفسير الروائي للاية فقد فسر المفسرون الاية من ابعاد اخر بعضها يزيد المعنی الذي ذكرناه وضوحا وبعضها الاخر وان كان صحيحا لكنه لاربط له بالاية .

تفسير الكشاف

يقول الزمخشري في الكشاف في ذيل الاية:

{وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ} أى بلاد المشرق و المغرب و الأرض كلها للَّه هو مالكها و متوليها فَأَيْنَما تُوَلُّوا ففي أى مكان فعلتم التولية، يعنى تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى:

{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أى جهته التي أمر بها و رضيها. و المعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أى بقعة شئتم من بقاعها، و افعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجد دون مسجد و لا في مكان دون مكان إِنَّ

ص: 17


1- الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 25 وتفسير الصافي، ج 1، ص: 181

اللَّهَ واسِعٌ الرحمة يريد التوسعة على عباده و التيسير عليهم عَلِيمٌبمصالحهم. و عن ابن عمر نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت(1).

اذن علی اساس تفسير اهل السنة ايضا المقصود من الاية المباركة ان الانسان اينما كان اذا صلی متوجها الی القبلة فقد حظی برضا الله جل وعلا وليس من اللازم ان يكون في المسجد الحرام ام في الكعبة .

والصلوات المستحبة يمكن الاتيان بها علی الدابة واينما اتجهت الدابة كانت تلك الجهة هي القبلة وتوجب رضا الله جل وعلا .

تفسير الميزان

يقول السيد الطباطبائي في ذيل قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} المشرق و المغرب و كل جهة من الجهات حيث كانت فهي لله بحقيقة الملك التي لا تقبل التبدل و الانتقال، لا كالملك الذي بيننا معاشر أهل الاجتماع، و حيث إن ملكه تعالى مستقر على ذات الشي ء محيط بنفسه و أثره، لا كملكنا المستقر على أثر الأشياء و منافعها، لا على ذاتها، و الملك لا يقوم من جهة أنه ملك إلا بمالكه فالله سبحانه قائم على هذه الجهات محيط بها و هو معها، فالمتوجه إلى شي ء من الجهات متوجه إليه تعالى.

و لما كان المشرق و المغرب جهتين إضافيتين شملتا سائر الجهات تقريبا إذ لا يبقى خارجا منهما إلا نقطتا الجنوب و الشمال الحقيقتان و لذلك لم يقيد إطلاق قوله فَأَيْنَما، بهما بأن يقال: أينما تولوا منهما فكأن الإنسان أينما ولى

ص: 18


1- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج 1، ص: 180

وجهه فهناك إما مشرق أو مغرب، فقوله: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ بمنزلة قولنا: و لله الجهات جميعا و إنما أخذ بهما لأن الجهات التي يقصدها الإنسان بوجهه إنما تتعين بشروق الشمس و غروبها و سائر الأجرام العلوية المنيرة.

قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فيه وضع علة الحكم في الجزاء موضع الجزاء، و التقدير- و الله- أعلم فَأَيْنَما تُوَلُّوا جاز لكم ذلك فإن وجه الله هناك، و يدل على هذا التقدير تعليل الحكم بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي إن الله واسع الملك و الإحاطة عليم بقصودكم أينما توجهت، لا كالواحد من الإنسان أو سائر الخلق الجسماني لا يتوجه إليه إلا إذا كان في جهة خاصة، و لا أنه يعلم توجه القاصد إليه إلا من جهة خاصة كقدامه فقط، فالتوجه إلى كل جهة توجه إلى الله، معلوم له سبحانه.

و اعلم أن هذا توسعة في القبلة من حيث الجهة لا من حيث المكان، و الدليل عليه قوله: {وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِب}(1).

القسم الاخير من كلام السيد كلام صحيح يعني في موارد معينة لو صلی الانسان الی اي جهة كانت صلاته صحيحة لا بمعنی ان الكعبة بتلك الجهة واما القسم الاول من كلامه فلا يتضح تناسبه مع معنی الاية يعني ان الاية ليست بصدد بيان ما قال كما وانه لايتفق مع الروايات .

تفسير البيان

يقول المرحوم اية الله الخوئي حول الاية:

ص: 19


1- الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص: 25

و الصحيح أن يقال في الآية الكريمة: إنها دالة على عدم اختصاص جهة خاصة باللّه تعالى، فإنه لا يحيط به مكان، فأينما توجه الإنسان في صلاته و دعائه و جميع عباداته فقد توجه إلى اللّه تعالى. و من هنا استدل بها أهل البيت عليهم السّلام على الرخصة للمسافر أن يتوجه في نافلته إلى أية جهة شاء، و على صحة صلاة الفريضة فيما إذا وقعت بين المشرق و المغرب خطأ، و على صحة صلاة المتحير إذا لم يعلم أين وجه القبلة. و على صحة سجود التلاوة إلى غير القبلة، و قد تلاها سعيد بن جبير «رحمه اللّه» لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض فهذه الآية مطلقة، و قد قيدت في الصلاة الفريضة بلزوم التوجه فيها إلى بيت المقدس تارة، و إلى الكعبة تارة أخرى، و في النافلة أيضا في غير حال المشي على قول. و أما ما في بعض الروايات من أنها نزلت في النافلة فليس المراد أنها مختصة بذلك «و قد تقدّم أن الآيات لا تختص بموارد نزولها»(1).

رأي الفلاسفة واهل العرفان

يستفاد من كلام بعض العرفاء ان المقصود من هذه الاية هو: انه من اللازم ان لا نحصر الذات الالهية المقدسة بما نتصوره في اذهاننا والا فقد ابتعدنا عن الحقيقة كما ومن اللازم ان لا ننفي اي وجود عن الذت الالهية المقدسة .

وهؤلاء في بعض الاحيان يفسرون الاية ويأولونها بحيث لايتفق مع مضمونها اصلا ولا يخطر علی ذهن احد .

ص: 20


1- البيان في تفسير القرآن، ص: 290-289

كلام المحدث الكاشاني

يقول المحدث الكاشاني في عين اليقين(1):

كيف لا يكون الله سبحانه كل الاشياء وهو صرف الوجود الغير المتناهي شدةً وقوةً وغنیً وتماماً؟ فلو يخرج عنه وجود لم يكن محيطا به لتناهي وجوده دون ذلك الوجود تعالی عن ذلك بل انكم لو ادليتم بحبل الی الارض السفلی لهبط علی الله و{فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم}(2)

نقد وتحقيق

من قوياً ان المحدث الكاشاني رجع عن ذلك في اخر عمره كما يظهر ذلك من رسالة الانصاف والجواب علی كلامه ان كلامه يبتني علی السنخية بين الخالق والخلق والا فلا تلزم المحدودية علی مبنی البينونة بين الذات الالهية المقدسة وبين الخلق وذلك فان الاشياء ليست من سنخ الله جل وعلا حتی يلزم من وجودها محدودية الذات المقدسة الالهية .

والحديث الذي جاء في ضمن كلام المحدث - علی فرض صحته(3)

- فالمراد منه ان الله في كل مكان ومحيط بكل شيء احاطة علمية في عين ان الله تعالی ليس بزماني ولا مكاني فلا يخلو منه مكان .

وحضور الذات الالهية المقدسة بمعنی قيمومية ذاته .

ص: 21


1- عين اليقين ج1ص342
2- البقرة اية115
3- راجع سنن الترمذي ج5ص78ح3352

كلام ابن عربي

يقول ابن عربي في تفسير هذه الاية:

{وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ} أي: عالم النور و الظهور الذي هو جنّة النصارى و قبلتهم بالحقيقة هو باطنه {وَ الْمَغْرِبُ} أي: عالم الظلمة و الاختفاء الذي هو جنّة اليهود و قبلتهم بالحقيقة هو ظاهره {فَأَيْنَما تُوَلُّوا} أي: أي جهة تتوجهوا من الظاهر و الباطن {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي: ذات اللّه المتجلية بجميع صفاته، أو و للّه الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها و التجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم و فنائكم، و الغروب فيها بتستره و احتجابه بصورها و ذواتها، و اختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء. فأيّ جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجهه لم يكن شي ء إلا إيّاه وحد(1)

ويقول ابن عربي في فصوص الحكم:

و بالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إِليه و يطلبه فيها فإِذا تجلى له الحق فيها و أقرَّ به، و إِن تجلى له في غيرها أنكره و تعوذ منه و أساء الأدب عليه في نفس الأمر و هو عند نفسه أنه قد تأدب معه فلا يعتقد معتقد إِلهاً إِلا جَعَلَ في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إِلا نفوسهم و ما جعلوا فيها. فانظر: مراتب الناس في العلم باللَّه تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة. و قد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك. فإِياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم

ص: 22


1- تفسير القران الكريم المنسوب الی ابن عربي، ج 1، ص:50

بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها فإِن اللَّه تعالى أوسع و أعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإِنه يقول {فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}و ما ذكر أيناً من أين. و ذكر أن ثَمَ وجه اللَّه، و وجه الشي ء حقيقته. فنبه بذلك قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا فإِنه لا يدري العبد في أي نَفَسٍ يُقْبَض، فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على حضور. ثم إِن العبد الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصورة الظاهرة و الحال المقيّدة التوجُهَ بالصلاة إِلى شطر المسجد الحرام و يعتقد أن اللَّه في قبلته حال صلاته، و هو بعض مراتب وجه لحق من {فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} فشَطْر المسجد الحرام منها، ففيه وجه اللَّه.

و لكن لا تقل هو هنا فقط، بل قف عند ما أدركت و الزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام و الزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأبنية الخاصة، بل هي من جملة أينيات ما تولى متولٍ إِليها. فقد بان لك عن اللَّه تعالى أنه في أينية كل وجهة، و ما ثَمَّ إِلا الاعتقادات. فالكل مصيب، و كل مصيب مأجور و كل مأجور سعيد و كل سعيد مرضي عنه و إِن شقي زماناً ما في الدار الآخرة. فقد مرض و تألم أهل العناية- مع علمنا بأنهم سعداء أهل حق- في الحياة الدنيا. فمن عباد اللَّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، و مع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم،

ص: 23

إِما بفقد ألم كانوا يجدون فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عنوجدان ذلك الألم، أو يكون نعيم مستقل زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان و اللَّه أعلم(1).

ص: 24


1- فصوص الحكم ص113-114 و يعتقد ابن عربي ان كل اقواله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القيت اليه كما صرح بذلك في بداية فصوص الحكم ص47 فقال: أما بعد: فإني رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في مُبشِّرة أُرِيتُها في العشر الآخِر من محرم سنة سبع و عشرونَ و ستمائة بمحروسة دمشق، و بيده صلى اللَّه عليه و آله و سلم كتاب، فقال لي: هذا «كتاب فصوص الحكم» خذه و اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع و الطاعة للَّه و لرسوله و أولي الأمر منا كما أُمِرْنا. ومن العجيب والذي يقبل التامل مع كل هذه الادعآت انه قال: مات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و ما نص بخلافة عنه إلى أحد.و لا عَيَّنَه فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 163 يقول حسن زاده في ذيل هذه العبارة فيممد الهمم في هامش ص410: لا شك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عين وصيا وذلك الوصي هو امير المؤمنين علي (علیه السلام) ولا شك ان رسول الله حين ارتحاله لم يعين خليفة وذلك لانه طلب قلما وورقا فقال عمر: حسبنا كتاب الله وان الرجل ليهجر وانتهی الامر الی المشاجرة والنزاع في حضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك التفصيل المذكور في كتب الفريقين . في نفس الوقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم ان في ما بين افراد الامة من هو خليفة وهو في الحقيقة خليفته , واذا جمدنا علی ظاهر اللفظ فاللازم ان يقال لم يكن الشيخ معصوما وكما صرح في اول الكتاب بقوله: انا لست برسول ولا نبي ولكني وارث وحارس اخرتي . وحيث انه ليس بمعصوم ولا نبي يكون كشفه الماخوذ من الحق اشتباها بحسب معتقده وسوابق انسه والفته . كان كلام ابن عربي صريحا في عدم تعيين الخليفة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذا تصدی جناب حسن زاده لتوجيهه لكن التوجيه المذكور - من انه لم يعين الخليفة في حال الموت – ليس صحيحا وذلك لان ابن عربي يقول في نهاية كلامه: لعلمه ان في امته من يأخذ الخلافة عن ربه فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع فلما علم ذلك لم يحجر الامر فكلامه علی الاطلاق لا ينفي تعيين الخليفة فان جملة لم يحجر الامر اشارة الی ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع احدا في حين ان تعيين شخص بعنوان خليفة لا شك انه يكون منع للاخرين من الخلافة . وهنالك اشكالان اخران ايضا : الاول: لو كان هذا الكشف من الله تعالی فلا معنی لكونه اشتباها. الثاني: كونه اشتباها لا ينسجم مع كون كل الكتاب من الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ومع هذا من العجيب ان يكون هذا الكتاب فصوص الحكم مورد اعتماد الشراح الی حد كتبوا في بيان رؤيا المؤلف: هذا البيان اعتذار من ابراز ما حصل له وذلك لان العارف يلزم ان يكون امين الله ولا يفشي اسرار رفيقه لكني اعتذر عن اظهارها لاني كنت مامور الرسول (شرح القيصري ص308) . ويقول ايضا شارح الفصوص في ممد الهمم (ص8) : ورد في محله ان ما يراه الانسان بعينه الباطنية التي هي مبشرة –رؤيا صالحة- فهي منه تعالی (لا بارادة الانسان) اذن هو رأی مثال جمال النبي (لا المادية الخارجية) . يعني مطالب هذا الكتاب من الاسرار لكن المؤلف حيث انه مامور بالكلام فلذا لهذه الجهة هو بين ما قال . اقول: من المناسب بيان بعض هذه الاسرار: الف: ايمان فرعون وقبض روحه في حين انه كان طاهرا مطهرا (فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شي ء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام. و الإسلام يَجُبُ ما قبله. و جعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه، «فإنه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ». فلو كان فرعون ممن يئس ما بادر إلى الايمان) فصوص الحكم ص201. وقد نقد هذا المطلب الميرزا القمي في رسالة ايمان فرعون في ضمن ثلاث رسائل في نقد العرفان. ب: يفسر ابن عربي هذه الاية «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اغرقوا فَأُدْخِلُوا ناراً » (نوح اية25) هكذا: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، و هو الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. فصوص الحكم – فص نوح ص73 . وذكر القيصري في شرح الفصوص الخطيئات بالخطوات فقال: ان قوم نوح تقدموا خطوات فغرقوا في بحر المعرفة ونار المحبة (شرح القيصري ص529-530). ومن المناسب ان ابن عربي في ذيل عبارة المتن وفي موارد اخری من فصوص الحكم ص190-ص214 يقول والله اعلم وهذه الجملة لا تتلائم مع الكشف واليقين وذلك لانه يؤتی بها عادة في موارد الشك وعدم اليقين .

ص: 25

ص: 26

من الواضح ان ابن عربي في هذا الكلام يری ان اي عقيدة يعتقدها الانسان صحيحة وتوصل الانسان الی الحقيقة ويكون مشمولا لعنايات الله وتوجب الحصول علی نعمه في الاخرة ( وان كان من الممكن ان يتفاوت حصول النعم بين الافراد).

في هذه الدنيا كل انسان علی اساس فكره يعتقد بالله تعالی ويرد اعتقاد الاخرين فهذا نوع اساءة ادب بالنسبة الی الذات الالهية وذلك لان الاعتقاد الاخر صحيح وهذا الشخص من زاوية فكره ولو جهلا قد نفاه .

ص: 27

باعتقاد ابن عربي ان اي احد في هذه الدنيا معتقد بالله باي نحو من الاعتقاد فسوف يكون بنفس الاعتقاد في يوم القيامة والعلة في تفاوت الناس في الرجات في يوم القيامة انما هو لاجل تفاوتهم في الاعتقاد وذلك لان الله يظهر ويتجلی في الاخرة بنفس الصورة التي يعتقدها كل شخص وعليه فعلی الانسان ان يحذر من ان يری عقيدة بالخصوص صحيحة ويكفر بكل ما يعتقده الاخرون فحينذاك سوف يحرم من خير كثير وذلك لان ما يعتقده الشخص احد ابعاد الولاية الحقيقية والابعاد الاخر ما يعتقده الاخرون .لم يملك أحداً شيئاً من الأمور كما ملكهم أشياء كثيرة في دار الدنيا.(1)وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّه.

للبحث صلة

ص: 28


1- التبيان في تفسير القرآن،ج 10،ص: 295

جناب حسن زاده له كلام في ممد الهمم يرتبط بالاية المباركة تشرح وتوضح لنا عبارة ابن عربي وتحكي لنا عن وجود امثال هذه الافكار فيزماننا الحاضر فيقول:

ان ما قاله القيصري: كل موجود هو وجه خاص للحق المراد منه عنوان المظِهر والمظَهر والمطلق والمقيد...وهذه نكتة حول الانية اوردها المرحوم الاخوند في الاسفار اذن انيت الحق غير انية الصادر الاول - لا الغيرية التي توجب التباين معه- وانية جبرئيل غير انية ميكائيل وهكذا ولان كل انيّة وجهة الحق وبتعبير القران الكريم:

{فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه}البقرة اية 115.

وقد فرق الاخوند في الاسفار بين الخالق والمخلوق بالمطلق والمقيد وان المقيد عين الارتباط بالمطلق .

وروی عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: «و الذي نفس محمد بيده لو انّكم دلّيتم بحبل الى الأرض السّفلى لهبط على اللّه»

وقد فصل هذا الحديث الترمذي في كتابه .

وهكذا اشار احد العرفاء الی هذه النكتة:

ص: 29

عاشقي ديد از دل پرتاب***حضرت حق تعالی اندر خواب

دامنش را گرفت آن غم خور***كه ندارم من از تو دست دگر

چون درآمد زخواب خويش درويش ***ديد محكم گرفته دامن خويش(1)

والمعنی ان عاشقا قد ملئ قلبه بالشوق رأی الحق تعالی في منامه , فاخذ بثوبه ذلك المغتم فانه ليس لي غيرك, فلما استيقظ من منامه ذلك الدرويش رأی انه ماسكا علی ثوبه بشدة.

نقد وتحقيق

كلام ابن عربي وما يطرح اخيرا تحت عنوان (تعدد وتكثر الاعتقادات) لا اساس له عقلا ولا نقلا بل خلاف الضرورة العقلية والنقلية .

فالعقائد المختلفة تكون موردا للتضاد في كثير من الموارد بحيث يلزم من ذلك اجتماع النقيضين والضدين .اللذين لا شك في بطلانهما .

اشكال

ص: 30


1- ممد الهمم در شرح فصوص الحكم، ص: 71-70

وحول ذلك هاهنا ثلاثة اشكالات:

1- لو كان واحدا من المذاهب حقا وباقي المذاهب كلها باطلة فلا يكون هنالك معنی صحيحا لهداية الله تعالی وذلك لان الله سوف يهدي قسما قليلا من الناس ويبقی الاخرون بلا هداية.1- في نفس الفرض المذكور سوف تكون زحمات الانبياء ومجاهدتهم عبثا وبلا فائدة لان قليلا من الناس سوف يحظون بالطريق الصحيح وكل الاخرين سوف يرتطمون في المذاهب الباطلة وفي مسير الضلال .

2- يقع الاشكال في عقلانية خلق العالم والخلائق بمعنی ان الله تعالی خلق مصنعا عظيما باسم العالم وهو معقد وظريف ودقيق كثيرا ولا يتولد منه الناقص والمعيوب الا قليلا وهذا المصنع العظيم سوف يولد اجناسا معيوبة وخربة.

الجواب

وفي الجواب علی هذه الاشكالات يمكن ان نقول:

اولا: ان الله جل وعلا هادي وان هدايته بمعنی انه يري طريق الهداية وانحراف الخلق في المسير لا علاقة له به تعالی بل هو امر يرتبط بهم والله لايجبر احدا علی انتخاب المسير الصحيح .

ص: 31

ثانيا: جهاد الانبياء الالهيين له غايته الصحيحة وشرائع الانبياء السابقين لها محدوديتها الزمانية وكل شريعة محدودة بمجيء النبي الذي من بعده ولو كان هنالك مستضعف فكريا ولم يعتقد بالاسلام فعقيدته باطلة لكنه لا يستحق العذاب .ثالثا: الذين لم يصلوا الی العقيدة الحقة الا انهم يعقلون ويدركون الحسن والقبيح وعلی مقدار عقولهم يحاسبون وانهم يطوون مسير تكاملهم بعد الموت ويصلون الی الكمال بشرط ان لايكونوا في الدنيا من المعاندين للحق والحقيقة وان لايكونوا من المقصرين في طلبها .

الادلة النقلية

اما ان كل الطرق وكل العقائد منجية وصحيحة فهذا مما يخالف التعاليم السماوية والقران والاحاديث ناطقان ببطلان ذلك واي احد مع اقل تأمل يستطيع ان يدرك ان جميع الطرق والمسالك لا يمكن ان تحقق للانسان الفوز والنجاح وانها لا توصل الانسان الی المقصود .

كما نقرأ في سورة الحمد: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}(1)

ص: 32


1- الفاتحة(1) اية 6-7

ففي هذه الاية الناس علی ثلاثة اقسام وقسم واحد منهم فقط في الصراط المستقيم لا ان كل من يحمل اي عقيدة كانت ولا من يسلك اي طريق كان فهو في الصراط المستقيم ويحصل علی كمال المطلوب.وجاء في اول سورة البقرة:{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدی للمتقين*الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون*والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون*اولئك علی هدی من ربهم واولئك هم المفلحون}(1).

ومن الواضح في هذه الايات ايضا ان المفلحون هم المتقون وقد بينت صفاتهم وسياق الايات واضح الدلالة بان فاقدي هذه الصفات لا يفلحون.

ونقرأ في سورة العصر:

{والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}(2).

واما اولئك الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات ولم يتواصوا بالحق ولم يتواصوا بالصبر فهم في خسران لا يعودهم ربح .

وجاء في سورة البقرة ايضا:

ص: 33


1- البقرة (2)اية2-5
2- العصر(103) اية 1-3

{فان امنوا بمثل ما امنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق}(1)وهكذا في ايات كثيرة النافية بحدة للشرك وعبادة الاصنام والطرق المنحرفة فقد دلت علی ان الانسان بعمله يكسب نار جهنم ويحرم من كل خير وسعادة ولا دلالة لها الا علی الهلاك والخسران:

{ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}(2)

{قل انما امرت ان اعبد الله ولا اشرك به}(3)

{ انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار}(4)

{وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَد ضل ضلالا بعيدا}(5)

{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(6)

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه}(7).

ص: 34


1- البقرة اية 137
2- سورة الانعام (6) اية88
3- سورة الرعد (13) اية36
4- - سورة المائدة(5) اية72
5- سورة (النساء4) اية116
6- - سورة لقمان(31) اية13
7- - سورة النساء (4) اية48-116

{سبحانه وتعالی عما يشركون}(1).وكذلك هنالك روايات كثيرة حول هذا الموضوع وقد اشارنا الی بعضها في المباحث السابقة .

تحقيق حول واحد من الاحاديث

هنالك قسم من الذين يرتأون فكرة القراآت المختلفة للدين ويذكرون ان كل الطرق تؤدي الی الصراط المستقيم ويؤمنون بتعدد وتكثر الاعتقادات يتمسكون في بعض الاحيان بقسم من الحديث التالي كمؤيد لفكرتهم وهو ما روي عن الامام الصادق (علیه السلام) انه قال: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً(2).

علی اساس هذا الحديث نسبة الكفر واللادينية والعقائد الباطلة الی الاخرين ناشئة من الجهل وعدم العقل ولوكان للانسان ادراك وفهم صحيح لاحترم جميع اعتقادات الناس ولا يوبخ احدا من جهة اعتقاده فكل الاعتقادات حق وصواب واتخاذ اي موقف تجاه اعتقاد الاخرين ومسالكهم وتصرفاتهم خطأ

ص: 35


1- سورة الروم (30) اية40
2- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 2، ص: 44

وليس بصحيح. ومن الواضح هذا الكلام لايمكن ان يكون صحيحا وذلك نحن نقرأ في القران:{تبت يدا ابي لهب وتب}(1)

{ولا تزد الظالمين الا تبارا}(2)

{فلعنة الله علی الظالمين}(3)

فالقران يذكر فرعون وهامان واتباعهما وغيرهم من الفئات الضالة والمضلة اقوامهم وجرّوهم الی جهنم وبعض الناس لو تمكنوا في الارض لاهلكوا الحرث والنسل وطغوا فيها واستعبدوا الناس واعرضوا عن الرشد والصلاح .

ويُعرّف القران اهل الايمان بانهم اشداء علی الكفار ويعتبر اللطافة بالنسبة الی اصحاب المذاهب الباطلة من علامات النفاق وتزلزل الايمان ويعلن عن ان اليهود وامثالهم لايرضون عن المسلمين الا ان يدخلوا في ملتهم.

اذن القول بصحة كل المذاهب والمسالك مما يخالف ارشادات القران والاحاديث وحصائل علوم معرفة المجتمع ومعرفة النفس والناس وعلم

ص: 36


1- سورة مسد(111) اية1
2- سورة نوح (71) اية28
3- سورة البقرة (2) اية89

الاديان لم تثبت مدينة فاضلة يعيش فيها افرادها المختلفون في الاعتقاد والمذهب بكامل الصلح والصفاء مع ارتباط بعضهم بالبعض الاخر بلا اي مشكلة كما ولاوجود لذلك في العالم .ومضافا لذلك ان هذا الحديث لايعطي هذا المعنی بل قسم من الحديث يشير الی تفاوت الناس في استعداداتهم وقابلياتهم.

فعنْ يَحْيَى بْنِ أَبَانٍ عَنْ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَكَيْفَ ذَاكَ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ أَجْزَاءً بَلَغَ بِهَا تِسْعَةً وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً ثُمَّ جَعَلَ الْأَجْزَاءَ أَعْشَاراً فَجَعَلَ الْجُزْءَ عَشْرَةَ أَعْشَارٍ ثُمَّ قَسَمَهُ بَيْنَ الْخَلْقِ فَجَعَلَ فِي رَجُلٍ عُشْرَ جُزْءٍ وَ فِي آخَرَ عُشْرَيْ جُزْءٍ حَتَّى بَلَغَ بِهِ جُزْءاً تَامّاً وَ فِي آخَرَ جُزْءاً وَ عُشْرَ جُزْءٍ وَ آخَرَ جُزْءاً وَ عُشْرَيْ جُزْءٍ وَ آخَرَ جُزْءاً وَ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ جُزْءٍ حَتَّى بَلَغَ بِهِ جُزْءَيْنِ تَامَّيْنِ ثُمَّ بِحِسَابِ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ بِأَرْفَعِهِمْ تِسْعَةً وَ أَرْبَعِينَ جُزْءاً فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ إِلَّا عُشْرَ جُزْءٍ- لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ الْعُشْرَيْنِ وَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْعُشْرَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ الْأَعْشَارِ وَ كَذَلِكَ مَنْ تَمَّ لَهُ جُزْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ الْجُزْءَيْنِ

ص: 37

وَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ عَلَى هَذَا لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً(1).

يقول المرحوم المجلسي في شرح هذ الحديث: لم يلم أحد أحدا أي في عدم فهم الدقائق و القصور عن بعض المعارف أو في عدم اكتساب الفضائلو الأخلاق الحسنة و ترك الإتيان بالنوافل و المستحبات و إلا فكيف يستقيم عدم الملامة على ترك الفرائض و الواجبات و فعل الكبائر و المحرمات و قد مر أن الله تعالى لا يكلف الناس إلا بقدر وسعهم و ليسوا بمجبورين في فعل المعاصي و لا في ترك الواجبات لكن يمكن أن لا يكون في وسع بعضهم معرفة دقائق الأمور و غوامض الأسرار فلم يكلفوا بها و كذا عن تحصيل بعض مراتب الإخلاص و اليقين و غيرها من المكارم فليسوا بملومين بتركها فالتكاليف بالنسبة إلى العباد مختلفة بحسب اختلاف قابلياتهم و استعداداتهم..(2).

اذن المقصود من هذا الحديث هو ان الناس يتفاوتون في الدرجات والقابليات فبعضهم يفهم المطلب بكل سهولة ويدرك كل نكاته الظريفة والدقيقة ولهم بعد النظر واطروحات ابتكارية واذكياء واصحاب فراسة وقسم

ص: 38


1- الكافي (ط - الإسلامية)، ج 2، ص: 44
2- بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج 66، ص: 165

من الناس ليسوا كذلك وليس من الصحيح ان نتوقع من الجميع كل الامتيازات والفضائل الحسنة .فالمراتب العالية من اليقين واوج درجات الاخلاص تتطلب قابليات خاصة ولا يمكن لكل احد ان يكون محرم الاسرار(1).

طبعا التكاليف الالزامية الكل قادرون علی امتثالها واما ان الله لماذا يتفضل علی بعض دون البعض فهذا تابع للمصالح ونحن لا نعلم ذلك ولا يمكن ان نقول ان هذا من الظلموذلك لان الاختلاف في العطاء والتفضل يرتبط بالعلم الالهي وليس ظلما علی احد , ومن الممكن ان هذه التمايزات حصلت للاشخاص بسبب منهم في عالم الذر ومن الواضح ان اختيار المعلل لا ينسب الی علة اخری والا خرج عن كونه اختياريا اذن قسم من هذا الاختيار يظهر في هذا العالم وهو التفضلات وغيرها .

ص: 39


1- نقل عن الميرزا الشيرازي انه حينما اخبر بان كل مجتهدي عصره اذعنوا باعلميته واتفقوا علی اولويته وعليه فاللازم عليك ان تتقبل المرجعية جرت دموعه علی وجهه وقال ما كنت اتصور اني ابتلي بمثل ذلك (الفوائد الرضوية:484).

تذكير لازم

هنالك البعض يتهم من يراحع الروايات في المسائل الاعتقادية بانه اخباري , هذا الاسلوب وهذا العمل بعيد عن الشهامة وكلام في غير محله ودلك فان الرجوع الی القران والاحاديث والاهتمام بهما من كمال الافتخار للمؤمن وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس الی ذلك علی طول البعثة ومن جملة التعاليم الدينية ان يجعلوا القران والاحاديث هما الملاك في الاعتقاد والتصرف والمعاملة وان يأخذوا الدين من الدين .

وهذه الطريقة يعني مراجعة الاخبار وجعل القران واخبار المعصومين(علیه السلام) هو المحور تتمايز عن الفكر الاخباري ولا علاقة لها بمبانيه والذي يتبنی نفي التقليد ونفي المباني الاصولية القطعية .

كما انه من الواضح ان هناك بعض ظواهر الادلة النقلية مما لا تتفق مع اصول الدين او تكون علی خلاف حكم العقل ففي هذه الموارد نفس الوحي ابدی لها تأويلات بحيث تخرج عن كونها مخالفة للعقل او اصول الدين ونذكر لذلك بعض النماذج:

ص: 40

كما في قوله تعالی {ونفخت فيه من روحي}(1) {وجاء ربك}(2) و{الی ربها ناظرة}(3) وقد جاء تاويلها باحسن ما يكون(4).

وايضا يلزم ان نعلم ان قسما من الاصول العقلية القطعية التي تُذكر في الفلسفة غير قابلة للترديد وعلی اساسها تبنی المعارف الدينية والتوحيد الالهي وعلی اساسها يبحث مع المنكرين لله تعالی وتفهم الايات والروايات المشتبهة وبها نستخرج النكات الظريفة والدقيقة . وهذه الاصول العقلية مثل احتياج المعلول الی العلة ومثل استحالة اجتماع النقيضين واستحالة الدور والتسلسل وتبعية النظم للناظم العالم القادر و... وهذه الاصول العقلية لا انحصار لها بالفلسفة بل كل عقلاء العالم يؤمنون بها ولا اختلاف فيها .

واما تلك المسائل المختلف فيها وفيها نظريات متعددة فالمفروض ان لا تجعل من المسلمات مثل: اصالة الوجود ووحدة الوجود والوحدة التشكيكية والاطلاقية والواحد لا يصدر منه الا واحد والتي هي اساس القول بالسنخية بين الخالق والخلق واتحاد العلم والارادة وقدم العالم والمعاد المثالي و...

ص: 41


1- الحجر (15)اية 29
2- الفجر (89)اية22
3- القيامة(75) اية23
4- تفسير البرهان ج3ص363-362ج5ص656ج5ص538-537

الرؤية الفلسفية آية الله الكاظمي

العدد السابع عشر

8- هل ان علمه تعالی بالاشياء من باب انها عينه لانها معاليله قائمة بذاته ام لا ؟

قال في بداية الحكمة:

الفصل الخامس في علمه تعالی:قد تقدم: أنّ ذاته المتعالية صرف الوجود الذي لا يحده حدّ و لا يشذّ عنه وجود و لا كمال وجودي فما في تفاصيل الخلقة من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي فهو موجود عنده بنحو اعلی و أشرف، غير متميّز بعضها من بعض فهو معلوم عنده علما اجماليّا في عين الكشف التفصيليّ.

ثم إنّ الموجودات بما هي معاليل له قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل حاضرة بوجوداتها عنده فهي معلومة له علما حضوريّا في مرتبة وجوداتها المجردة منها بأنفسها و الماديّة منها بصورها المجردة.

فقد تحقّق: أنّ للواجب تعالی علما حضوريّا بذاته، و علما حضوريّا تفصيليّا بالأشياء في مرتبة ذاته قبل ايجادها و هو عين ذاته و علما حضوريّا تفصيليّا بها

ص: 42

في مرتبتها و هو خارج من ذاته، و من المعلوم أنّ علمه بمعلوماته يستوجب العلم بما عندها من العلم(1)

اقول ان الاقوال في علمه تعالی عند الفلاسفة احد عشر قولا هذا احدها و خلاصة الاشكال فيها ان لازم بعضها هو نفي العلم الالهي قبل ايجاد الاشياء و لازم بعضها الاخر هو حضور صور الاشياء مع الذات الالهية المقدسة سواء كان هذا الحضور من قبيل حضور صور الاعيان الثابتة أم من قبيل حضور صور الماهيات الممكنة الكامنة أو من قبيل حضور صور الاشياء في الذات نعم لم يجعلوا هذه الصور في مرتبة الذات الا انها قديمة بقدم الذات عندهم و لا يخفی بطلان هذا الرأي فلا قديم غيره تعالی.

و قد ذكر السيد الطباطبائي الاقوال العشرة و اشكل علی كل واحد منها و ذهب الی ان علم الله سبحانه و تعالی الاجمالي في عين علمه التفصيلي و بالعكس.

اقول: ما ذهب اليه السيدالطباطبائي من ان علمه تعالی الاجمالي عين علمه التفصيلي باعتبار انها عين الذات الالهية تعالی الله عن ذلك كما صرح به حيث قال: ان الموجودات بما هي معاليل له قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل ....

وهذا المعنی عين القول بوحدة الوجود والموجودفلاشیءخارج عن ذاته تعالی حسب هذا القول ولا يخفی بطلان هذاالقول بل واستحالته كما سبق من

ص: 43


1- -بداية الحكمة، المرحلة الثانية عشر، الفصل الخامس،ص 163

تباين الذات الالهية مع مخلوقاتهاكما وان عمدة الاشكال في كل هذه الاقوال انها في مقام بيان كيفية العلم الالهي و الحال ان بيان كيفية العلم الالهي خارج عن حدود معرفة المخلوق و المطابق للايات و الروايات و العقل ان المخلوق لا يستطيع و لا يمكنه ان يدرك كنه و حقيقة ذات الله جل و علا.

9- ما هو برهان الصديقين؟ و ما هو برهان القاهريّة؟.

ذكر الأستاذ مصباح اليزدي عن المحقق الطوسي في شرحه علی الإشارات:«المتكلمون يستدلون بحدوث الأجسام و الأعراض؛ علی وجود الخالقالی والحكماء الطبيعيون أيضا يستدلون بوجود الحركة علی التحركالیوأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود، و إنه واجب، أو ممكن علی إثبات الواجب، ثم بالنظر في ما يلزم ا لوجوب و الإمكان علی صفاتهالیفذكر الشيخيعني ابن سيناترجيح هذه الطريقة علی الطريقة الأولی؛ بأنه أوثق و أشرف، و ذلك لأن أولی البراهين بإعطاء اليقين؛ هو الإستدلال بالعلة علی المعلول،و أما عكسه، الذي هو الإستدلال بالمعلول علی العلة، فربّما لا يعطي اليقينالیولما كان طريق قومه أصدق الوجهين و سمهم بالصدّيقين، فإن الصديق هو ملازم الصدق»(1).إنتهی

كلام الطوسيرهثم ذكر: إن صدر المتألهين ردّ ذلك، و إن برهان الصديقين عنده ما يكون النظر فيه حقيقة الوجود. أما ما ذكره ابن سينا؛ فالنظر مقصور فيه علی مفهوم الوجود. ثم ذكر أن تقرير ملا صدرا يبتني علی أصول:

ص: 44


1- - تعليقة علی نهاية الحكمة:408.

أحدها:إصالة الوجود.

ثانيها: كونها ذا مراتب.

ثالثها: كون المعلول مفتقر الذات الی العلة و عين الربط بها»(1).

أقول: و قد عرفت بطلان كون الوجود حقيقة مشككة، و بطلان كونه ذا مراتب، و بطلان القول بكون وجود المعلول وجودا ربطيّا و تعلّقيا. و ستعرف بطلان القول بكون وجود المعلول وجودا ربطيّا و تعلّقيا. و ستعرف بطلان القول بإصالة الوجود. و الحاصل: بطلان كل مقدمات ما ذكره ملا صدرا من برهان الصديقين.

و أما برهان القاهريّة:فهو إن كل مقهور أثر من الآثار بحكم العقل، و الأثر لا بد له من مؤثر، و بتعبير آخر إن كل شیء مجبور علی حاله، مضطر في وجوده و حدوده؛ فهو آثر من الآثار.

فمثلا: حينما ننظر الی كتاب من الكتب، نحكم عقلا بأنه أثر من الآثار، و نحكم بأن هنالك قوة أثّرت فيه ابعاده الثلاثة، و أعطته هذا اللون من الحدّ و الشكل. و ما هذا الحكم العقلي إلا لأنه مضطر علی حاله، مجبور في وجوده.و ننتقل من مثال الكتاب الی مثال الإنسان؛ فهو أيضا آثر من الآثار بحكم العقل، فلا حول ولا قوة في ايجاد نفسه، و لا في الزمان الذي وجد فيه. فقد جاء الی الوجود بلا اختيار منه، بل هو مقهور مغلوب علی أمره.

ص: 45


1- -تعليقة علی نهاية الحكمة:408و 412.

و هذا الحكم جار في كل محدود؛ من الذرّة الی المجرّة. فكل محدود فهو أثر من الآثار، لأنه لا اختيار له في حدوده. ثم أنه المعلوم أيضا بحكم العقل بداهة؛ هو أن لكل أثر مؤثرا، لا حدّ له و لا مقهوريّة في ذاته، و إلا لأصبح مقهورا مغلوبا علی أمره، و أثر من الآثار.

و بهذا البرهان نثبت أن الأله واحد لا شريك له؛ بمقتضی غالبيّته و قاهريّته، و أنه لا قاهر غيره، لأن كل ماعداه مقهور مغلوب ، لا حول و لا قوّة لديه إلا ما ملّكه و وهب له مالكه و قاهره.

و قد أرشد أهل بيت العصمة و الطاهرة عليهم السلام الی ما يحكم به العقل؛ من الفرق بين الخالق و المخلوق.

فعن مولانا الرضا (علیه السلام) في خطبته الشريفة في مجلس المأمون:«أول عبادة الله؛ معرفته، و أصل معرفة الله؛ توحيده، و نظام توحيد الله؛ نفي صفات عنه، لشهادة العقول؛ أن كل صفة و موصوف مخلوق، و شهادة كل مخلوق؛ أن له خالقا ليس بصفة و لا موصوف، و شهادة كل صفة و موصوف؛ بالإقتران، و شهادة الإقتران؛ بالحدوث، و شهادة الحدوث؛ بالإمتناع من الأزل ،الممتنع من الحدث فليس الله من عرف بالتشبيه ذاته، و لاإياه وحدّ؛ من اكتنهه، و لا حقيقته أصاب؛ من مثّله، و لا به صدق؛ من نهّاه، و لا صمد صمّدّه؛ من أشار إليه، و لا اياه عنی من شبّهه...»(1)

و توضيحا لمعاني هذه الخطبة نقول:

ص: 46


1- - عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، للصدوق: 1:150

إن كل صفة تقترن مع الموصوف ،كما في كل وجودٍ محدودٍ، فهي مخلوقة؛ يعني أثر من الآثار.و العقل يشهد أن كل مخلوق له خالق، و الخالق ليس بصفة و لا موصوف؛ لأنه باقترانه بالصفة يصبح حادثاً و مخلوقاً،لأن العقل يشهد بأن الإقتران أثر من الآثار، و الأثر حادث، و ليس بأزلي الوجود، و من المستحيل عقلاً أن يكون الحدوث أزليّاً؛ لأن الأزلي لا حدوث له.

و النتيجة من هذا الإستدلال العقلي؛ أن من شبّه الله جلّ و علا بالمحدودين لم يعرفه فليس الله جل وعلا من هو معروفةٌ ذاته بشباهتها مع غيرها. فكل ما له شبيه ليس هو الله عز وجل لان الله عز وجل لا شبيه له،ولم يوحد الله جل وعلا من اكتنه ذاته جل وعلا ،ولا اصاب الحقيقة من مثل الله جل وعلا ولا بالله صدق من انهی الله وجعل له نهاية وحد ولا قصد سيده من اشار اليه جل وعلا ولم يقصده من شبهه...

وقد جاء فيها ايضاً:بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعرله وبتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له وبمضادته بين الاشياء عرف ان لاضد له وبمقارنته بين الامور عرف ان لا قرين له...

ص: 47

مناظرات حول المعاد

الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين

هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ المعارف الالهية وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانه مجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي.

وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي.

ص: 48

المناظرة الثانية

الأستاذ سيّدان:

بيان خلاصة المناظرة السابقة:

1 - تثبيت حجية العقل، و أنّ أساس جميع المباني هي الحجج و أدلة العقل.

2 - انحصار الطريق في غير المستقلات العقلية بالوحي.

3 - الاطمئنان بطائفة الأخبار المعتبرة.

4 - وجود فارق بين منهجية الفقهاء والفلاسفة الإسلاميين.

الأستاذ جوادي:

الفيلسوف الإسلامي يفكّر، و ينتخب بطريقة حرة. و في النتيجة يصيّر نفسه عبدا للوحي. ثمّ بعد أن يقع في شراك الوحي، يتحرّك في داخله، و يبعد عن ذهنه المدارس المادية والإلحادية. و ينتخب من بين الأقفاص قفص الشريعة الذهبي، فيتحدد و يتقيّد تفكيره في هذا المحور.

و إليك عدة نماذج من هذه التقييدات:

يقول أبوعلي في الشفاء في مسألة الدعاء:«واعلم أنّ أكثر ما يقرّبه الجمهور، و يفزع إليه، و يقول به فهو حق، و إنّما يدفعه هؤلآء المتشبهة بالفلسفة جهلاً منهم بعلله و أسبابه، و

ص: 49

قد علمنا في هذا الباب كتاب البر والإثم...»(1)

المرحوم صدرالمتألهين في بحث تجرّد النفس، يقول بعد إثبات التجرّد:

«فصل في شواهد سمعية في هذا الباب... فلنذكر أدلة سمعية لهذا المطلب، حتّى يُعلم أنّ الشرع والعقل متطابقان في هذه المسألة كما في سائر الحكميات، و حاشا الشريعة الحقة الإلهية البيضاء أن تكون أحكامها مصادمة للمعارف اليقينية الضرورية، وتبّا لفلسفة تكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنة».(2)

و يقول صدرالمتألهين أيضا في شرح اُصول الكافي في ذيل حديث جنود العقل:

«واعلم أنّه يمكننا أن نعرف بنور الاستبصار والإعتبار وجود هذه الجنود... إلاّ أن تعيّن عددها بهذا المبلغ المعيّن، أعني الخمسة والسبعين، و كذا عدد مقابلاتها ممّا لا يعرف إلاّ بنور النبّوة، و مشكاة الولاية، فمعرفة حصرها في هذا العدد، و كذا حصر مقابلاتها فيه، موكول إلى السماع من أولياء العصمة و أهل بيت النبّوة سلام اللّه عليهم».(3)

ص: 50


1- - الإلهيات من الشفاء، المقالة العاشرة، الفصل الأوّل، ص 555.
2- - الحكمة المتعالية، الأسفار الأربعة، 8/303.
3- - شرح اُصول الكافي، ص 68 - 69

و على هذا الأساس، في ذيل بيان للمرحوم الكليني على خطبة منقولة عن أميرالمؤمنين عليه السلام والّتي يقول فيها:

«فلو إجتمع ألسنة الجنّ والإنس، و ليس فيها لسان نبيّ ... على أن يبيّنوا التوحيد بمثل ما أتى به - بأبي و أمّي - ما قدروا عليه».

هنا يقول صدرالمتألهين:

«و شاهد ذلك، أمّا جملة فقول النبيّ صلى الله عليه و آله: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها».

ثمّ يبيّن بتفصيل فضائل المولى أميرالمؤمنين عليه السلام(1).

و لكن الظواهر لابدّ أن تكون في حدّ اليقين، و في هذه الصورة تكون قابلة للإستدلال على الإعتقادات، و لا يجوز التمسّك بالظواهر قبل الفحص عن المخصص اللبي. فإذا كان المخصص اللبي متصلاً - يعني يكون قرينة عقلية بديهية - فالمطلب واضح. و إذا كان نظريا فلابدّ من التقييم.

و على هذا الأساس، تناول الفلاسفة الإسلاميون البحوث العقلية. بمعنى أنّه من أجل فهم و تشخيص المخصصات اللبية، إمّا أن يعثروا على برهان واضح يخالف الظواهر، كي يتخلّوا عنها، و إمّا أنّ البراهين العقلية تكون مؤيّدة للظواهر، أو أنّ العقل لا طريق له للإثبات أو النفي، و في هذه الصورة يُتمسّك بظواهر الشرع.

ص: 51


1- - المصدر السابق، ص 342

الأُستاذ سيّدان:

ليس الكلام في تقيّد الفلاسفة الإسلاميين بالشرع، و لكنّ الكلام هو في مقام العمل في طريقة التفكير، فلم يكن مثل هكذا مسلك، و ذلك بشهادة هذا المطلب الّذي نُقل عن الآخوند ملاصدرا في باب تجرّد النفس. ففي كلامه أوّلاً قد طُرحت الإستدلالات العقلية، و اختير المطلب على أساس هذه الأدلة. ثمّ راح يلتمس آية أو رواية لإثبات و تأييد مطلوبه.

إضافة إلى ذلك فإنّهم جعلوا المقدمات العقلية - الّتي هي مورد الإختلاف والإشكال - تزاحم و تعارض ظواهرالشرع.(1)

ص: 52


1- - و هنا نذكّر ببعض الروايات الصريحة أو الظاهرة في عدم تجرّد الروح. 1 - عن أبى عبداللّه، عن أبيه عليهماالسلام قال:«واللّه ما من عبد من شيعتنا ينام إلاّ أصعد اللّه عزّ وجلّ روحه إلى السّماء فيبارك عليها، فإن كان قد أتى عليها أجلها جعلها في كنوز رحمته، و في رياض جنّته، و ظلّ عرشه. و إن كان أجلها متأخّرا بعث بها مع أمَنَته من الملائكة ليردّها إلى الجسد الّذي خرجت منه لتسكن فيه... الحديث». بحار الأنوار، 61/54، عن الكافي و أمالي الصدوق.2 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحقّ، و ما رأت في الهواء فهو الأضغاث، ألا و إنّ الأرواح جنود مجنّده فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف، فاذا كانت الروح في السماء تعارفت و تباغضت، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض، و إذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض». بحار الأنوار، 61/31 3 - عن أبي عبداللّه، عن أبائه عليهم السلام قال: «قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لا ينام الرجل و هو جُنُب، و لا ينام إلاّ على طهور، فإن لم يجد الماء فَلْيَتَيمم بالصعيد فإنّ روح المؤمن ترفع إلى اللّه تبارك و تعالى فيقبلها و يبارك عليها، فإن كان أجلها قد حضر جعلها في كنوز رحمته، و إن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من ملائكته فيردّونها في جسدها. بحارالأنوار، 61/31.4 - عن محمّد بن مسلم، قال: «سألت أباجعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى» كيف هذا النفخ؟ فقال: إنّ الروح متحرك كالريح، و إنّما سمّي روحا؛ لأنّه اشتقّ اسمه من الريح، و إنّما أخرجه على لفظة الريح؛ لأنّ الروح مجانس للريح، و إنّما أضافه إلى نفسه؛ لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفى بيتا من البيوت فقال: بيتي، و قال لرسول من الرسل: خليلي، و أشباه ذلك، و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدّبر». بحارالأنوار، 61/28، اصول كافي، 1/133 و الاحتجاج، 2/323.5 - عن هشام بن الحكم، عن الصادق عليه السلام قال: في جواب مسألة - «... والروح جسم رقيق قد اُلبس قالبا كثيفا - إلى أن قال -: أفيتلاشي الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال عليه السلام: بل هو باقٍ إلى وقت يُنفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى، فلا حسّ و لا محسوس، ثمّ اُعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها...» بحار الأنوار، 61/33 عن الاحتجاج.و لأجل المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع راجع: تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ميرزا حسنعلي مرواريد، ص 225 و ميزان المطالب، ميرزا جواد آقا طهراني، ص 260.

ص: 53

الأُستاذ جوادي:

في الكتب الفلسفية والعقلية يُبحث أوّلاً في الاستدلالات العقلية، ثمّ الأدلة النقلية، على عكس الكتب الحديثية، و هذا تقديم و تأخير في مرحلة البيان، و هو ما تقتضيه طبيعة الكتابة ليس إلاّ.

و لم يلج الفقهاء في المسائل الإعتقادية، و لا بحثوا ذلك، بل إنّهم اقتصروا في هذه المسائل على ذلك الإيمان الإجمالي، فإنّهم إذا وردوا البحث سوف يرون - مع الأخذ بنظر الإعتبار الروايات والأدلة الشرعية - حصول الإختلاف في النظريات والآراء، كما هو الحال في الفروع.

الأُستاذ سيّدان:

عمدة البحث هو أنّ الفلاسفة الإسلاميين يجعلون المقدمات العقلية غير الواضحة والمختلف فيها مزاحمة للروايات الواضحة الدلالة، فإذا كان المبنى حقا أن يُطرح بعنوان الطريق الصحيح نحو الواقعيات، فالمفروض فانّ طريق المعرفة الّذي حكم العقل به (طبعا في الموارد الّتي يفقد العقل ابتداءً الحكم الواضح فيها)، هو أنّه لابدّ من الرجوع ابتداءً - قبل تلوث الذهن بالمقدمات والاصطلاحات - إلى الوحي.

و بعيدا عن التأويل والتوجيه، والحبّ والبغض تناقش و تدرس الأدلة الشرعية، طبعا مع التأمل والتدبر في مفادها. و في هذا المقام يفهم

ص: 54

- على نحو العلم الإجمالي - أنّ الدليل العقلي الصحيح ليس خلاف المستفاد من الأدلة الشرعية، إذ كيف يمكن أن نستفيد من الشريعة في موضوع على خلاف ما يحكم به العقل الواقعي؟!

نعم، قد يقال: إنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا في مقام الهداية والتعليم، فقد تحدثوا بأحاديث غامضة ملغزة، و لم يقصدوا الظاهر فضلاً عن الصريح. و اعتمادهم في هذا الخلاف الظاهر على بعض المقدمات العقلية المختلف فيها أصلاً، و هو كما ترى.(1)

و أمّا ما قيل: من أنّ الفقهاء إذا وردوا ميدان المناقشة سوف يرون الاختلاف الكثير، فنقول: إنّ الاختلاف الّذي بمعنى تعارض الروايات، فقليل في المسائل الاعتقادية، و ما قيل فهو من نوع واحد. فمثلاً الخطبة الّتي في التوحيد المنقولة عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام نجد نظيرها في أقوال الإمام الرضا عليه السلام.

فعليه، إذا كانت الأدلة الأساسية هي الروايات والآيات، و تمّ النّظر فيها بتأمل و إنصاف، فسوف يقل اختلاف و جهات النظر فيها. نعم، إلاّ إذا كانت أفكار الناظرين في الروايات قبلاً مشوبة بالمقدمات العقلية الخلافية، الأمر الّذي يوجب الإختلاف أيضا؛ لأنّ كلاً منهم يريد أن يوجّه الروايات و تعبيراتها طبقا لوجهات نظره.

ص: 55


1- - فهذا الاحتمال باطل ولم تكن تلك المسائل خلافية في زمن الائمة عليهم السلام. المترجم.

الاستاذ جوادي:

إنّ مسألة علم الإمام عليه السلام مسألة إعتقادية واقعة موقع الاختلاف الشديد بين العلماء، مع أنّ طرفي النزاع قد تناولا المسألة ناظرين كليهما إلى الأدلة الشرعية من ذلك الاختلاف الواقع بين الفقيهين الكبيرين صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري في هذه المسألة، فقد قال صاحب الجواهر - في هذا الباب - الكلام المعروف في مبحث (الكر)، و إن كان قد عدل عنه فيما بعد. و قد تعرّض الشيخ الأنصاري لكلام صاحب الجواهر في كتاب الطهارة - بحسب ما نقل عنه - و قال: «تعالى اللّه و تعالوا عن ذلك علوا كبيرا».

الإشكال المطروح في مبحث (الكر)، هو عبارة عن عدم التطابق بين التقديرين بالوزن والمساحة، و صاحب الجواهر في هذا البحث أورد إشكالاً بنحو الجواب عن هذه المسألة. و قد نقل الشيخ الأنصاري كلام صاحب الجواهر و ردّ عليه بهذا النحو:

«نعم، دفعه بعض بوجهٍ أشكل، و هو منع علم الإمام عليه السلام بنقص الوزن دائما عن المساحة. و لا غضاضة فيه؛ لأنّ علمهم ليس كعلم الخالق، فقد يكون قدّروه بأذهانهم الشريفة و أجرى اللّه الحكم عليه. و فيه ما لا يخفى، فإن هذا يرجع إلى نسبة الغفلة في الأحكام الشرعية، بل الجهل المركب إليهم، و تقدير اللّه سبحانه إيّاهم على

ص: 56

هذا الخطأ، و تعالى اللّه و تعالوا عن ذلك علوا كبيرا».(1)

الأُستاذ سيّدان:

غير واضح أنّ المرحوم صاحب الجواهر باختياره وجهة النظر المذكورة كان على أساس التتبع الكامل في الروايات والأدلة. و إنّما خطر على ذهنه هذا الموضوع، ضمن مناقشة مسألة فقهية، فأشكال باقتضاب، و كما ذكرتم أنّه عدل بعد ذلك.(2)

الاستاذ جوادي:

و أمّا مسألة المعاد في نظر المرحوم الآخوند[صدر المتألهين]، فهي تتطابق مع وجهة نظر أبوعلي [ ابن سينا]. قال أبوعلي في إلهيات الشفاء:

ص: 57


1- - كتاب الطهارة، للشيخ مرتضى الأنصاري، الماء المحقون، ص 25.
2- - المثال أعلاه بعنوان نموذج من الاختلاف الشديد بين العلماء في علم الإمام عليه السلام في مسألة اعتقادية و غير مناسب، بل إنّه اشتباه فاحش ظهر في هذا المورد، من صاحب الجواهر، فإنّه شكّل بنفسه جبهة، في مقابل جميع علماء الإمامية. مع أنّه قد يصدر الاشتباه من كلّ أحد، و لذلك لا يمكن القول: إنّه أفاد هذا الجواب؛ لأنّه استند إلى رواية خاصة. و إنّما خطر هذا في ذهنه، من أجل مواجهته لهذه المشكلة العلمية الفقهية، ثمّ بعد ذلك تنبّه لاشتباهه، و قد عدل من نظره السابق.

«يجب أن يُعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، و لا سبيل إلى اثباته إلاّ من طريق الشريعة و تصديق خبر النبي، و هو الّذي للبدن عند البعث. و خيرات البدن و شروره معلومة لا يحتاج إلى تعلّم. و قد بسطت الشريعة الحقة الّتي أتانا بها سيّدنا و مولانا و نبييّنا محمّد صلى الله عليه و آله حال السعادة والشقاوة الّتي بحسب البدن، و منه ما هو مدرك بالعقل...»(1).

و مثل هذه العبارة ما أورده في كتاب (النجاة)(2).

و قد تعرَّض المرحوم الآخوند [ملا صدرا] في شرح الهداية الأثيرية لأثيرالدين الأبهري لنفس هذه المسألة بهذا النحو، فقال: «و ممّا يجب أن يُعلم، قبل الخوض في تلك المقاصد، أنّ المعاد على ضربين: ضرب لا يفي بوصفه و كنهه إلاّ الوحي والشريعة، و هو الجسماني باعتبار البدن اللائق بالآخرة و خيراته و شروره والعقل لا ينكره»(3).

ثمّ قال: «ثمّ اعلم أنّ أعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الّذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة...»(4).

ص: 58


1- - إلهيات الشفاء، الفصل السابع من المقالة التاسعة، ص 544
2- - اُنظر: النجاة، الحكمة الإلهية، ص 291، طبع ايران
3- - شرح الهداية الأثيرية، خاتمة للقسم الثالث من كتاب الهداية في أحوال النشأةالآخرة للنفس الناطقة، ص 376
4- - المصدر السابق، في بيان إعادة النفس في الآخرة، ص 381.

و قال في الأسفار بعد تمهيد الأصول والمقدمات:

«فصل في نتيجة ما قدمناه، و ثمرة ما أصّلناه.

أقول: إنّ من تأمل و تدبّر في هذه الأصول والقوانين... لم يبق له شك و ريب في مسألة المعاد و حشر النفوس والأجساد، و يعلم يقينا ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، و ينكشف له أن المُعاد في المَعاد مجموع النفس والبدن بعينهما و شخصهما»(1).

و قال: «فالإعتقاد بحشر الأبدان يوم القيامة هو أن يبعث أبدانا من القبور، إذا رأى أحد كلّ واحد منها يقول: هذا فلان بعينه»(2).

و أمّا ظواهر الكلمات المنقولة عن الآخوند - كما نقلتم في تفسير

آية: «وَ أنَّ اللّه َ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ»(3) - والّتي دلّت على أنّ البدن قبر، و تحشر الأرواح من الأبدان. فليس معنى ذلك، أنّ المعاد روحاني، و أنّ اللذات منحصرة باللذات الروحية. و إنّما المقصود هو أن حكم

ص: 59


1- - الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 9/197. «المناسب الرجوع في المورد أعلاه إلى حاشية الأسفار [حول العبارة المذكورة بعد قول الّذي نقلناه أو مثاليا، من الحكيم السبزوارى رحمه الله على ما سيأتي نقلها] حتّى يُعلم أنّ المقصود من هذه العبارة بأنّها المعنى الّذي سوف يأتي تشخيصه» انتهى.
2- - الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، 9/200
3- - الحج/7

الإنسان في ذلك العالم حكمه في هذا العالم. ففي هذا العالم الّذي تكون فيه الروح مقيدة بالبدن، هناك نوعان من اللذة:

1 - اللذات الروحية والفكرية.

2 - اللذات الحسية (الجسمانية).

والصحيح أن يقال بالنسبة إلى الالتذاذ الروحي: الإنسان حين يبعث من قبر البدن، بمعنى أن يخرج من الإلتذاذ والتقييد بالجسم.

يقول الآخوند [صدر المتألهين] في توضيح قوله تعالى: «وَ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ»(1):

«انّ الجنّة جنتان: روحانية؛ و جسمانية». و يقول كذلك: «و لك أن تقول: العالم عالمان»(2). فعلى هذا يكون للمقربين كلتا الجنّتين، و ليس المقصود حصر المعاد بالروحاني. ولابدّ من إعمال هذا التوجيه في كلمات الشيخ الصدوق. فعليه، لا يبقى وجه لاعتراض الشيخ المفيد عليه.

قال الصدوق، على ما نقل عنه في بحار الأنوار: «اعتقادنا في الجنّة أنّها دار البقاء و دار السلامة... و أنّها دارٌ أهلها جيران اللّه، و أولياؤه و أحبّاؤه و أهل كرامته، و هم أنواع على مراتب:

منهم: المتنعمون بتقديس اللّه و تسبيحه و تكبيره في جملة ملائكته.

ص: 60


1- - الرحمن/46
2- - الحكمة المتعالية فى الاسفار العقلية الاربعة، 3/503 - 504

و منهم: المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه، والآرائك و حورالعين، و استخدام الولدان المخلدين، والجلوس على النمارق والزرابي، و لباس السندس والحرير، كلّ منهم إنّما يتلذذ بما يشتهي و يريد حسب ما تعلقت عليه همته و يُعطي ما عبد اللّه من أجله»(1).

و قال الشيخ المفيد عند نقله لهذا الكلام:

«وليس في الجنّة من البشر من يلتذّ بغير مأكل و مشرب، و ما تدركه الحواس من الملذذات. و قول من زعم: أنّ في الجنّة بشرا يلتذّ بالتسبيح والتقديس من دون الأكل والشرب، قول شاذ عن دين الإسلام، و هو مأخوذ من مذهب النصارى الّذين زعموا: أنّ المطيعين في الدنيا يصيرون في الجنّة ملائكة لا يطعمون و لا يشربون و لا ينكحون.

و قد أكذب اللّه هذا القول في كتابه بما رغّب العالمين فيه من الأكل والشرب والنكاح، فقال تعالى: «اُكُلُهَا دَائِمٌ وَ ظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اَتَّقَواْ...»(2)(3)».

و لابدّ أن يقال: إنّ الصدوق ليس ناظرا في كلامه المتقدم إلى إنكار اللذائذ الحسّية لجماعة من أهل الجنّة، و إنّما مقصوده هو: أنّ المقربين

ص: 61


1- - بحار الأنوار، 8/200
2- - الرعد/35
3- - بحار الانوار، 8/202

يحصلون مضافا إلى اللذات الروحانية على اللذات الجسمانية.

والحاصل: إنّ نظر الآخوند ملاصدرا هو عين وجهة نظر أبوعلي بن سينا في باب المعاد الروحاني والجسماني، و كذلك هو نظر المحدثين و علماء الإسلام.

ص: 62

موقف اصحاب الائمة (علیه السلام)والعلماء من الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الواحدة والعشرين.

65- العلامة الشيخ محمد تقي التستري قدس سره

صاحب المؤلفات القيمة مثل كتاب قاموس الرجال والنجعة في شرح اللمعة وبهج الصباغة في شرح نهج البلاغة وغيرها

كان رحمه الله من المخالفين للفلسفة والعرفان ويری حرمة حفظ كتبهم وعلق علی عبارة الشهيد الاول قدس سره في كتاب اللمعة من حرمة حفظ كتب الضلال لغير النقض أو الحجّة أو التقيّة بقوله:

ص: 63

لأنّ أكثر النّاس فهمهم قاصر عن تشخيص الحقّ و الباطل، فإذا قرأ كتاب ضلال يعتقده حقّا، و إذا كان في قلبه زيغ يصير سببا لزيادته.و قد كان المنصور أمر بترجمة كتب زردشت و كتاب زنده، فكثرت الزّنادقة في عصره كابن أبي العوجاء و أبي شاكر الدّيصاني و ابن المقفّع و عبد الملك البصريّ.

و كما يحرم حفظ كتب الضّلال، يحرم حظر كتب الهدى كحظر فرق العامّة من إبقاء كتب الإماميّة(1).

66- اية الله الشيخ محمد اصف محسني احد العلماء الكبار في افغانستان وله مؤلفات قيمة من جملتها كتاب حدود الشريعة محرماتها وواجباتها وهو كتاب قيم وقد تضمنت ابحاث هذا الكتاب الرد علی مشرب الفلاسفة وافكارهم فينقل من جملة المحرمات اتّخاذ الهين اثنين ويقول:

نهی الله عنه في القرآن،وهو من أكبر الكبائر،فإنّ الله لا يغفر أن يشرك به والمشرك مخلّد في النّار.والظاهرأن الإله بمعنی المعبود دون الخالق.

ص: 64


1- النجعة في شرح اللمعة، ج 7، ص: 35

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي

الحلقة الواحدة والعشرون

هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء

الباب الثاني عشر

في إبطال ما صار شعارا لهم من موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله

قد عرفت وعرف كل من تتبع العامة والخاصة إن التصوف من طريق المخالفين لأهل البيت عليهم السلام: ولما تبعهم هؤلاء المنتمون إلى التشيع استلزم ذلك محبتهم لمشايخ الصوفية الذين هم أعداؤهم عليهم السلام وأنجز الأمر إلى عداوة علماء الإمامية لمباينة الطريقتين بالكلية كما هو ظاهر حتى صاروا يدعون تارة أن أكثر مشايخ الصوفية كانوا شيعة وتارة أن أكثر علماء الشيعة كانوا صوفية ودعواهم في الموضعين ظاهرة الفساد مستلزمة لموالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله وذلك محرم شرعا وتحريمه واضح ونزيده توضيحا بوجوه اثني عشر:

ص: 65

الأول: عدم ظهور دلالة على الجواز مع ظهورها على المنع كما يأتي هنا وفي الفصول إن شاء الله.

الثاني: قضاء الضرورة من الدين كما هو ظاهر.

الثالث: قضاء صريح العقل بقبحه وإن من والا عدو أحد فقد عاداهوبالعكس، وقد شاع من كلام الحكماء والعلماء قولهم: الأصدقاء ثلاثة والأعداء ثلاثة، فالأصدقاء الصديق وصديق الصديق وعدو العدو، والأعداء العدو وعدو الصديق وصديق العدو وذلك مما يشهد بصحته كل عاقل فعلم أن من عادى وليا لله أو والا عدوا لله فقد عادى الله.

الرابع: تصريح القرآن الكريم في آيات كثيرة قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباؤهم أو أبناؤهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)(1) وقوله تعالى (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) وقوله تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)(2)

إلى غير ذلك من الآيات. وقد روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) فقال: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه يحب بهذا قوما ويحب بهذا أعدائهم من أحب عدونا فليس منا(3).

ص: 66


1- المجادلة: 22
2- الممتحنة: 60
3- تفسير البرهان ج 3 ص 290

الخامس: الاجماع من جميع الإمامية وجميع المسلمين على ذلك ومعلوم دخول المعصوم فيه الضرورة والنقل. دخول المعصوم فيه بالضرورة والنقل.

السادس: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من أحب حجراحشر معه(1) وعنه المرء مع من أحب(2).

وعنه عليه السلام أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت(3) وغير ذلك مما ورد في هذا المعنى.

السابع: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المتحابين في الله يوم القيامة على منابر من نور قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء حتى يعرفوا به فيقال هؤلاء المتحابون في الله(4).

الثامن: ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجدة خضراء في ظل عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين وجوههم أشد بياضا وأضوء من الشمس الطالعة يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل يقول الناس: من هؤلاء؟ فيقال هؤلاء المتحابون في

ص: 67


1- وما عثرنا عليه في البحار عن مولانا الرضا عليه السلام هكذا: لو أن رجلا تولى حجرا لحشره الله تعالى معه.
2- مستدرك الوسائل ج 2 ص 366 وفي الكافي أيضا عن الباقر عليه السلام المرء مع من أحب ج 2 ص 127.
3- مجالس الشيخ ص 239.
4- كا: ج 2 ص 125 - 126

الله(1).

التاسع: ما رواه أيضا بإسناده الصحيح عن علي بن الحسين عليه السلام قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين قام مناد فنادى يسمع الناس فيقول أينالمتحابون في الله، قال: فيقوم عنق من الناس فيقال لهم اذهبوا إلى الجنة بغير حساب قال: فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة بغير حساب فيقولون فأي ضرب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله قال فيقولون: وأي شيء كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحب في الله ونبغض في الله فيقولون نعم أجر العاملين(2).

العاشر: ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليحبكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله الجنة بحبكم وإن الرجل ليبغضكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله ببغضكم النار(3).

الحادي عشر: ما ورآه عن أبي جعفر عليه السلام قال إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك(4) .

ص: 68


1- كا ج 2 ص 125 - 126
2- كا: ج 2 ص 126
3- كا: ج 2 ص 126
4- كا: ج 2 ص 126

الثاني عشر: ما روي عنهم عليهم السلام من أن الحب في الله والبغض في الله من علامات الإيمان بل أوثق عرى الإيمان والإسلام(1).وفي ذلك من الدلالة على الوجوب والمبالغة فيه واستلزام الترك للخروج عن الإيمان والإسلام إلى الكفر ما هو أوضح من أن يبين ولنذكر مما دل على ذلك اثني عشر حديثا. للبحث صلة

ص: 69


1- الوسائل ج 3 ط القديم باب وجوب الحب في الله.

قصة اصحاب الرس درس وعبرة

روی الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا عليه السلام حديثا حول قصةاصحاب الرس وهو صحيح سنداً فرواه الصدوق عن احمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم عن ابيه عن عبد السلام الهروي قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليهم السلام قَالَ: أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَبْلَ مَقْتَلِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ الرَّسِّ فِي أَيِّ عَصْرٍ كَانُوا وَ أَيْنَ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَ مَنْ كَانَ مَلِكُهُمْ وَ هَلْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَمْ لَا وَ بِمَا ذَا هَلَكُوا فَإِنِّي أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرَهُمْ وَ لَا أَجِدُ غِيَرَهُمْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ حَدِيثٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ وَ لَا يُحَدِّثُكَ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا عَنِّي وَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آيَةٌ إِلَّا وَ أَنَا أَعْرِفُهَا وَ أَعْرِفُ تَفْسِيرَهَا وَ فِي أَيِّ مَكَانٍ نَزَلَتْ مِنْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ وَ فِي أَيِّ

ص: 70

وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَ إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً(1) وأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ وَ لَكِنَّ طُلَّابَهُ يَسِيرٌ وَ عَنْ قَلِيلٍ يَنْدَمُونَ لَوْ فَقَدُونِي كَانَ مِنْ قِصَّتِهِمْ يَا أَخَا تَمِيمٍ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ صَنَوْبَرَةٍ يُقَالُ لَهَا شَاهْ دِرَخْتُ كَانَ يَافِثُ بْنُ نُوحٍ غَرَسَهَا عَلَى شَفِيرِ عَيْنٍ يُقَالُ لَهَا دُوشَابُ كَانَتْ أُنْبِطَتْ (2) لِنُوحٍ ع بَعْدَ الطُّوفَانِ وَ إِنَّمَا سُمُّوا أَصْحَابَ الرَّسِّ لِأَنَّهُمْ رَسُّوا بَيْنَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ع وَ كَانَتْ لَهُمْ اثْنَتَا عَشْرَةَ قَرْيَةً عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ يُقَالُ لَهَا رَسُّ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَ بِهِمْ سُمِّيَ ذَلِكَ النَّهَرُ وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ نَهَرٌ أَغْزَرُ مِنْهُ وَ لَا أَعْذَبُ مِنْهُ وَ لَا قُرًى أَكْثَرُ وَ لَا أَعْمَرُ مِنْهَا تُسَمَّى إِحْدَاهُنَّ آبَانَ وَ الثَّانِيَةُ آذَرَ وَ الثَّالِثَةُ دَي وَ الرَّابِعَةُ بَهْمَنَ وَ الْخَامِسَةُ إِسْفَنْدَارَ وَ السَّادِسَةُ فَرْوَرْدِينَ وَ السَّابِعَةُ ارْدِيبِهِشْتَ وَ الثَّامِنَةُ خُرْدَادَ وَ التَّاسِعَةُ مُرْدَادَ وَ الْعَاشِرَةُ تِيرَ وَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ مِهْرَ وَ الثَّانِيَةَ عَشَرَ شَهْرِيوَرَ وَ كَانَتْ أَعْظَمُ مَدَائِنِهِمْ إِسْفَنْدَارَ وَ هِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا مَلِكُهُمْ وَ كَانَ يُسَمَّى تركوذَ بْنَ غابورَ بْنِ يارشِ بْنِ سازنِ بْنِ نُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ فِرْعَوْنَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام (3) وَ بِهَا الْعَيْنُ وَ الصَّنَوْبَرَةُ وَ قَدْ غَرَسُوا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْهَا

ص: 71


1- الجم: الكثير من كل شي ء كما قال في القاموس. و في بعض النسخ: «فان هاهنا لعلما جما».
2- نبط الماء ينبط نبع و البئر استخرج ماؤها. القاموس
3- فرعون إبراهيم: نمرود. فرعون موسى: ريان. و في بعض النسخ الخطية: تركور بن غابور بن يارش بن سان بن نمرود بن كنعان بن فرعون إبراهيم، و في بعضها الآخر «بنان» مكان «سان».

حَبَّةً مِنْ طَلْعِ تِلْكَ الصَّنَوْبَرَةِ فَنَبَتَتِ الْحَبَّةُ وَ صَارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً وَ حَرَّمُوا مَاءَ الْعَيْنِ وَ الْأَنْهَارِ فَلَا يَشْرَبُونَ مِنْهَا وَ لَا أَنْعَامُهُمْ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَتَلُوهُمْ وَ يَقُولُونَ هُوَ حَيَاةُ آلِهَتِنَا فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حَيَاتِهَا وَ يَشْرَبُونَهُمْ وَ أَنْعَامُهُمْ مِنْ نَهَرِ الرَّسِّ الَّذِي عَلَيْهِ قُرَاهُمْ وَ قَدْ جَعَلُوا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ عِيداً يَجْمَعُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَيَضْرِبُونَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بِهَا كِلَّةُ(1)

مَنْيُرِيدُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ ثُمَّ يَأْتُونَ بِشَاةٍ وَ بَقَرٍ فَيَذْبَحُونَهَا قُرْبَاناً لِلشَّجَرَةِ وَ يُشْعِلُونَ فِيهَا النِّيرَانَ بِالْحَطَبِ فَإِذَا سَطَع(2) دُخَانُ تِلْكَ الذَّبَائِحِ وَ قُتَارُهَا فِي الْهَوَاءِ وَ حَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ خَرُّوا لِلشَّجَرَةِ سُجَّداً وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِي ءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ وَ يَقُولُ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ عِبَادِي فَطِيبُوا نَفْساً وَ قَرُّوا عَيْناً فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَ يَضْرِبُونَ بِالْمَعَازِف(3) وَ يَأْخُذُونَ الدَّسْتْبَنْدَ فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَ لَيْلَتَهُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَ إِنَّمَا سَمَّتِ الْعَجَمُ

ص: 72


1- الكلة بالكسر: الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق يقال بالفارسية «پشه دان» من البحار.
2- سطع: علا و ارتفع
3- المعازف: الملاهي. والدست بند: لعب للمجوس، قيل: إنّه ما يسمى بالفارسية سنج .

شُهُورَهَا(1) بِآبَانْمَاهَ وَ آذَرْمَاهَ وَ غَيْرِهِمَا اشْتِقَاقاً مِنْ أَسْمَاءِ تِلْكَ الْقُرَى لِقَوْلِ أَهْلِهَا بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ هَذَا عِيدُ شَهْرِ كَذَا وَ عِيدُ شَهْرِ كَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ عِيدُ شَهْرِ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ صَغِيرُهُمْ فَضَرَبُوا عِنْدَ الصَّنَوْبَرَةِ وَ الْعَيْنِ سُرَادِقاً مِنْ دِيبَاجٍ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ لَهُ اثْنَاعَشَرَ بَاباً كُلُّ بَابٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهُمْ وَ يَسْجُدُونَ لِلصَّنَوْبَرَةِ خَارِجاً مِنَ السُّرَادِقِ وَ يُقَرِّبُونَ لَهُ الذَّبَائِحَ أَضْعَافَ مَا قَرَّبُوا لِلشَّجَرَةِ الَّتِي فِي قُرَاهُمْ فَيَجِي ءُ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيُحَرِّكُ الصَّنَوْبَرَةَ تَحْرِيكاً شَدِيداً وَ يَتَكَلَّمُ مِنْ جَوْفِهَا كَلَاماً جَهْوَرِيّاً(2) وَ يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَعَدَتْهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الشَّيَاطِينُ كُلُّهَا فَيَرْفَعُونَ رُؤوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ وَ بِهِمْ مِنَ الْفَرَحِ وَ النَّشَاطِ مَا لَا يُفِيقُونَ وَ لَا يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الشُّرْبِ وَ الْعَزْف فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً وَ لَيَالِيَهَا بِعَدَدِ أَعْيَادِهِمْ سَائِرَ السَّنَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَلَمَّا طَالَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِبَادَتُهُمْ غَيْرَهُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ وُلْدِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمَاناً طَوِيلًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ

ص: 73


1- [3]في هامش بعض نسخ العيون: و اعلم ان من التواريخ الأربعة المشهورة تاريخ الفرس و يسمى بالتاريخ اليزدجردي و اسامي شهورهم: فروردين، ارديبهشت، خرداد، تير، مرداد، شهريور مهر، آبان، آذر، دي، بهمن، اسفند. و منها تاريخ الجلالي المسمى بالملكي أيضا و اسامي شهور هذا التاريخ كاسامي شهور تاريخ الفرسية الا انها يقيد بالقديم.
2- كلام جهوري: عال

اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ فَلَا يَتَّبِعُونَهُ فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ وَ الضَّلَالِ وَ تَرْكَهُمْ قَبُولَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الرُّشْدِ وَ النَّجَاحِ وَ حَضَرَ عِيدُ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى قَالَ يَا رَبِّ إِنَّ عِبَادَكَ أَبَوْا إِلَّا تَكْذِيبِي وَ الْكُفْرَ بِكَ وَ غَدَوْا يَعْبُدُونَ شَجَرَةً لَا تَنْفَعُ وَ لَا تَضُرُّ فَأَيْبِسْ شَجَرَهُمْ أَجْمَعَ وَ أَرِهِمْ قُدْرَتَكَ وَ سُلْطَانَكَ فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَ قَدْ يَبِسَ شَجَرُهُمْ فَهَالَهُمْ ذَلِكَ وَ قُطِعَ بِهِمْ وَ صَارُوا فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ قَالَت سَحَرَ آلِهَتَكُمْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ إِلَيْكُمْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَكُمْ عَنْ آلِهَتِكُمْ إِلَى إِلَهِهِ وَ فِرْقَةٌ قَالَتْ لَا بَلْ غَضِبَتْ آلِهَتُكُمْ حِينَ رَأَتْ هَذَا الرَّجُلَ يَعِيبُهَا وَ يَقَعُ فِيهَا وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِهَا فَحَجَبَتْ حُسْنَهَا وَ بَهَاءَهَا لِكَيْ تَغْضَبُوا لَهَا فَتَنْتَصِرُوا مِنْهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ فَاتَّخَذُوا أَنَابِيبَ طِوَالًا مِنْ رَصَاصٍ وَاسِعَةَ الْأَفْوَاهِ ثُمَّأَرْسَلُوهَا فِي قَرَارِ الْعَيْن إِلَى أَعْلَى الْمَاءِ وَاحِدَةً فَوْقَ و الْأُخْرَى مِثْلَ الْبَرَابِخ(1) وَ نَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ حَفَرُوا فِي قَرَارِهَا بِئْراً ضَيِّقَةَ الْمَدْخَلِ عَمِيقَةً وَ أَرْسَلُوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ وَ أَلْقَمُوا فَاهَا صَخْرَةً عَظِيمَةً ثُمَّ أَخْرَجُوا الْأَنَابِيبَ مِنَ الْمَاءِ وَ قَالُوا نَرْجُو الْآنَ أَنْ تَرْضَى عَنْهُ آلِهَتُنَا إِذْ رَأَتْ أَنَّا قَدْ قَتَلْنَا مَنْ كَانَ يَقَعُ فِيهَا وَ يَصُدُّ عَنْ عِبَادَتِهَا وَ دَفَنَّاهُ تَحْتَ كَبِيرِهَا يَتَشَفَّى مِنْهُ فَيَعُودَ لَنَا نُورُهَا وَ نَضَارَتُهَا كَمَا كَانَ فَبَقُوا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أَنِينَ نَبِيِّهِمْ ع وَ هُوَ يَقُولُ سَيِّدِي قَدْ تَرَى ضِيقَ مَكَانِي وَ شِدَّةَ كَرْبِي فَارْحَمْ ضَعْفَ رُكْنِي وَ قِلَّةَ حِيلَتِي وَ عَجِّلْ بِقَبْضِ رُوحِي وَ لَا تُؤَخِّرْ إِجَابَةَ

ص: 74


1- البربخ بالباءين الموحدتين و الخاء المعجمة ما يعمل من الخزف للبئر و مجاري الماء. من البحار قوله: نزحوا ما فيها اي في الانبوبة المركبة من الانابيب.

دَعْوَتِي حَتَّى مَاتَ ع فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِجَبْرَئِيلَ ع يَا جَبْرَئِيلُ أُنْظِرُ عِبَادِي هَؤُلَاءِ الذي (الَّذِين) غَرَّهُمْ حِلْمِي وَ أَمِنُوا مَكْرِي وَ عَبَدُوا غَيْرِي وَ قَتَلُوا رَسُولِي أَنْ يَقُومُوا لِغَضَبِي أَوْ يَخْرُجُوا مِنْ سُلْطَانِي كَيْفَ وَ أَنَا الْمُنْتَقِمُ مِمَّنْ عَصَانِي وَ لَمْ يَخْشَ عِقَابِي وَ إِنِّي حَلَفْتُ بِعِزَّتِي لَأَجْعَلَنَّهُمْ عِبْرَةً وَ نَكَالًا لِلْعَالَمِينَ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَ هُمْ فِي عِيدِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا بِرِيحٍ عَاصِفٍ شَدِيدَةِ الْحُمْرَةِ فَتَحَيَّرُوا فِيهَا وَ ذُعِرُوا(1)

مِنْهَا وَ انْضَم بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ صَارَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتَهِمْ كَحَجَرِ كِبْرِيتٍ يَتَوَقَّدُ وَ أَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِمْ كَالْقُبَّةِ جَمْراً تَلْتَهِبُ فَذَابَتْ أَبْدَانُهُمْ فِي النَّارِ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ فِي النَّارِفَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ غَضَبِهِ وَ نُزُولِ نَقِمَتِهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ(2).

ولنا في هذا الحديث درس وعبرة حيث يندد مولانا امير المؤمنين عليه السلام بتقاليد الزردشتيين(المجوس) ويرد عيد النيروز واليوم الثالث عشر من شهر فروردين.

يقول: اية الله المكارم الشيرازي: ((حسب التحقيق الذي قمت به بالنسبة إلى التقاليد الخرافية باسم الثالث عشر من فروردين ويوم الخروج من البيت (يعني سيزده بدر) فوجدتُ ان اصله يرجع من جهة تاريخيّة إلى اصحاب الرس و الذين قد ورد ذكرهم في القران الكريم و قد اشير في التفاسير إلى حالات

ص: 75


1- الذعر بالضم: الخوف
2- عيون اخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق الناشر رضا المشهدي ج1 ص205 باب 16

اصحاب الرس و قد رأيت في أحد شروح نهج البلاغة قصتهم مفصلاً و انه كانت لهم اثنا عشر مدينة اسم كل واحدة منها باسماء شهور السنة الشمسيّة - فروردين و ارديبهشت و خرداد و بهذا الترتيب - مذهبهم عبادة الاصنام و كانوا يعبدون شجرة الصنوبر و كانت لهم من مصادرهم المادية الممتازة ففي اليوم الاول من فروردين يجتمعون من هذه المدن الاثنى عشر في مدينة فروردين و يقيمون احتفالاً هنالك و في اليوم الثاني في مدينة ارديبهشت و تكون فيها مراسمهم و في اليوم الثالث في مدينة خرداد و هكذا إلى مدينة اسفند و بعد ان تمت المدن يجتمعون في اليوم الثالث عشر فيالصحراء و يقيمون احتفالهم بالرقص و أنواع المفاسد . اذن اليوم الثالث عشر كانت من بقايا سنن عباد الاصنام كما ان سنة الاربعاء- چهارشنبه سوري- التي كانت مورد احترام عباد النار ايضاً من سنن عباد النار(1).

ويقول: اية الله الصافي الگلپايگاني: الرقص و اختلاط المحارم مع غير المحارم في كل يوم و في كل مكان سواء كان في عيد النيروز ام في الثالث عشر او غيرهما و كذلك كل عمل يلزم منه هتك حرمة الاسلام و كذلك اللعب بالنار في الاربعاء - چهارشنبه سوري- او في اي وقت اخر حرام , واللازم على المسلم ان يقدّم الاسلام على كل الأمور و التقاليد .

و ما كان عند الايرانيين من العناوين المذكورة باسم التقاليد الوطنية و غير ذلك من الاعمال محكومةٌ من قبل الاسلام و قد ابطلها الاسلام و كل من

ص: 76


1- (مسائل جديد از ديدكاه علماء و مراجع تقليد/المحمودي ص/155)

يريد تجديد و احياء هذه الامور بايّ اسم و أي عنوان فقد عمل على خلاف وظيفته الاسلامية(1).

ص: 77


1- (مسائل جديد از ديدگاه علماء و مراجع تقليد-محمودي ص/160)

تنزيه المعبود حجة الاسلام والمسلمين علي احمدي

العدد الثاني

تتمة البحثثمّ إنّ كلمات بعض أتباع المشايين ظاهرة في القول بأصالة الوجود(1) كما أنّ كثيرا من كلمات الإشراقيّين ظاهرة في القول بأصالة الماهيّة(2) .

وقد كان صاحب الأسفار برهة من الزمان قائلاً بأصالة الماهيّة بل كان شديد الذبّ عنها(3) ثمّ رجع عنها ، كما أنّ بعض كلمات ابن سينا والخواجة الطوسيّ ونظرائهم ظاهرة في القول بأصالة الماهيّة واعتباريّة الوجود(4).

ص: 78


1- راجع التحصيل : 284 ، 286
2- راجع : الأسفار 1 / 411 ، والتلويحات : 22-23 ، وحكمة الإشراق : 64 - 67 .
3- الأسفار 1 / 49
4- شرح مبسوط منظومه 1 / 62-63

وقد اعترف المحقق الإصفهانيّ في نهاية الدراية بذهاب المشهور من الحكماء والمتكلّمين إلى أصالة الماهيّة وتعلق الجعل بها(1) .

كما اعترف بعض المعاصرين بأنّ المباحث الفلسفيّة قبل الفارابيّ كانت تدور على أصالة الماهيّة ، ثمّ ذهب إليها الفارابيّ وابن سينا وبهمنيار وميرداماد وشيخ الإشراق وصاحب الأسفار في بدء الأمر، ولايمكن استناد القول بأصالةالوجود إلى المشايين وأصالة الماهيّة إلى الإشراقيّين مع عدم طرح مسألة أصالة الوجود قبل صاحب الأسفار كمسألة فلسفيّة مستقلّة .

وعلى فرض صحّة الاستناد المذكور ، إنّه لم تطرح أصالة الوجود من أتباع المشايين على نحو يظهر تأثيرها في حلّ المسائل الفلسفيّة ، بل هم أيضا يطرحون المسائل غالبا على نحو يتلائم مع أصالة الماهيّة(2) .

قال صاحب الشّوارق - بعد نقل كلام المحقق الطوسيّ في التجريد ، معلّقا على قوله : (ليس الوجود معنى به يحصل الماهيّة في العين بل الحصول) - :

ص: 79


1- نهاية الداراية 2 / 256
2- لاحظ : آموزش فلسفه ، محمد تقى مصباح 1/294

هذا ردّ لما ذهب إليه جماعة من أتباع المشايين من كون الوجود صفة موجودة في الخارج منضمّة إلى الماهيّة وكون الماهيّة موجودة بها، فعندهم المجعول بالذات والصادر من الجاعل بالحقيقة إنّما هو الوجود ، والماهيّة من حيث هي غير مجعولة ومن حيث الاتصاف بالوجود مجعولة بالعرض وهذا المذهب بظاهره سخيف جدّا وقد أبطله شيخ الإشراق في كتاب الإشراق وغيره بما لا مزيد عليه(1) .أقول : يعلم من هذا الكلام أنّ القول بأصالة الوجود مختار جمع من أتباع المشايين لا جمهورهم ، من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وثامسطيوس وإسكندر إلى فارابي و ابن سينا و . .

والغرض مما ذكرناه في المقام من نقل بعض الكلمات : أنّ ما ذهبوا إليه من مسلّميّة أصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة ممنوع .

والمهم في هذه الرسالة البحث عن ما يأتي في الفصل الثالث والرابع ، إذ المقصود من ذكر هذا الفصل هو أنّ القول بأصالة الوجود ليس أمرا مفروغا عنه ، بل محلّ بحث ونزاع بينهم فضلاً عن غيرهم ، ولا ريب في أنّ إثبات وحدة الوجود يتوقف على تماميّة هذا الفصل أي أصالة الوجود واعتباريّة

ص: 80


1- شوارق الإلهام : 52

الماهيّة . وبعد إبطال القول بأصالة الوجود يبطل أساس الاعتقاد بوحدة الوجود كما لا يخفى .

وأمّا ما استدلوا بها لأصالة الوجود فقد أجاب عنها غير واحد من الأعلام(1) ولا يهمّنا ذكرها ومناقشتها تفصيلاً ، ولا بأس بالإشارة إليها إجمالاً.فنقول: إنّ ما استدلّوا بها لأصالة الوجود كلّها مبتنية على مقدّمات غير مسلّمة أو مصادرة على المطلوب ، مضافا إلى اعتراف بعض القائلين بأصالة الوجود بأنّ العقل يثبت أصالة الماهيّة ، ولكنّ الذوق العرفاني يحكم بأصالة الوجود ، فراجع عبارة السبزواري في حاشيته على شرح المنظومة .

وعلى هذا ، إنّ الاستدلال على أصالة الوجود يبتني على مصدر آخر للمعرفة وهو الذوق العرفاني والإشراق.

وهنا نسأل : هل للنفس أن تحكم بما لا يحكم به العقل؟

وهل لها أن تدرك خلاف ما يدركه العقل؟

ص: 81


1- لاحظ حكمت بوعلى سينا : 1 / 385 - 386 ، و رسالة ودايع الحكم في كشف خدايع بدايع الحكم ، وهداية الأمّة :423، و ميزان المطالب : 6 ، و عارف و صوفي چه ميگويند : 187 ، وكتاب التوحيد للمحقق محمّد هادى الطهرانى وغيرها .

ولا يخفى أنّ الحكم العقلي الوجداني والبديهي لا يمكن حصول الخلاف فيه بين العقلاء ، ولا شك في أنّ العقلاء يقولون بثبوت الماهيّة حقيقة لا بمجرّد اعتبار وخيال ، ويحكمون على سبيل الواقع والحقيقة بوجود الأرض والسماء والحجر والشجر والإنسان وغيرها كما مرّ .

ثمّ قبل الدخول في الإستدلال على أصالة الوجود أو الماهيّة وبيان الحقّ في ذلك لابدّ من تشخيص أنّه أيّ معنى من معاني الوجود هو المقصود بالأصالة عند القائلين به ، كما لابدّ من تشخيص أنّه أيّ معنى من معاني الماهيّة هو المراد عند القائلين بأصالتها .ذكر في الاصطلاحات الفلسفيّة لكلمة الوجود أربعة معان:

الأوّل : الحقيقة البسيطة النّورية الّتي حيثية ذاتها حيثية الإباء عن العدم ومنشئيّة الآثار ، ويعبّر عنها في لسان القوم بحقيقة الوجود ، وهي التي اختلف في أصالتها وعدمها ، وهذه الحقيقة ليس لها لفظ موضوع ؛ لأنّ الوضع يتوقّف على تصور الموضوع له ، وهذه الحقيقة لا يمكن تصورها أصلا لوجهين ذكرهما صاحب المنظومة في شرحها.

الثاني : المفهوم العام البديهي المشترك الذي هو عنوان لتلك الحقيقة ووجه من وجوهها ومن طريقه يشير العقل الى تلك الحقيقة ، وهذا هو المفهوم الذي ينتزعه العقل من الموجودات ويحمله عليها بعد انتزاعه منها،

ص: 82

وهذا الذي مضى القول في بداهته ، وله أحكام مذكورة في المسائل الآتية ووضع له في العربية لفظ الوجود والكون وغيرهما ، وفي الفارسية لفظ ( هستي ).

الثالث : المعنى المركّب الاشتقاقي الذي يفهم من لفظه واجدية ذات لصفة ولا يحمل المعنى الثاني على الموضوعات إلاّ باعتبار هذه الواجدية ، ووضع له لفظ الموجود في لغة العرب ولفظ ( هست ) في لغة الفرس.

الرابع : المعنى المصدري الذي وضع له في الفارسية لفظ ( بودن ) وليس له في العربية لفظ خاص بل يستعمل له لفظ الوجود ومرادفاته ، وهذاالمعنى يتصوّر عند اعتبار العقل تلبّس الذات بالوجود إذا لم ينظر إليه نظرا استقلاليا ، وبعبارة أخرى : إذا يرى الوجود نعتا للذات مرآة للنظر فيها لا مفهوما مستقلاً.

ثمّ قد اشتبه المعنى الأوّل بالثاني اشتباه المعنون بالعنوان وبالعكس على كثير في كثير من الموارد وأعطي حكم الأوّل للثاني وبالعكس(1).

أقول : الاصطلاحات الثلاثة الأخيرة مستعملة في العرف واللغة ، وأمّا الأوّل فهو مجرّد اصطلاح مبنيّ على الإدّعاء ، وفاسد بالأدلة العقليّة والنقليّة،

ص: 83


1- توضيح المراد : 8 ، لاحظ أيضا : تعليقة على نهاية الحكمة : 20

ولا ربط له بكلمة الوجود عرفا ولغةً وعقلاً ، وهذا المعنى هو المراد من قولهم : إنّ اللّه تعالى مساوٍ للوجود ، وهو الذي يكون محلّ النزاع بينهم في أصالته ووحدته وعدمهما .

فالمراد من الوجود عند القائلين بأصالته ليس المعنى الكليّ الانتزاعي والمحمول على الأشياء ، وهو الذي يعدّ من المعقولات الفلسفيّة الثانية ، بل المقصود من الوجود هو نفس الحقيقة العينيّة ، وهو المعنى الذي جاء به ملاصدرا الشيرازي .فالقول بأصالة الوجود معناه أنّه لا تحصّل للأشياء حقيقة وإنّما الثابت في الخارج وجود محض فما نراه ونسمّيه شجرا وحجرا وإنسانا وسماءا وارضا و . . . كلّه وهم وخيال ؛ لأنّ الذي متحصّل في الخارج إنما الوجود فقط والوجود شيء واحد لا تمايز ولا تفاوت فيه .

وأما القائلون بأصالة الماهية ، فمرادهم من الماهيّة هو ما به الشيء هو هو ، لا القالب الذهنيّ ، ولا الحدّ العقلي المنتزع من الأشياء ، وإلاّ فالماهيّة بمعنى القالب الذهني والحدّ العقلي لا شكّ في اعتباريّتها حتى عند القائلين بأصالة الماهية ، كما قيل .

ثمّ إنّ ما استدلّ به على أصالة الوجود أمور:

ص: 84

منها : لأنّه منبع كلّ شرف وخير ، ومعلوم أنّه لا شرف ولا خير في المفهوم الاعتباري.

[شرح المنظومه للسبزواري في فن الحكمة:11].

وفيه أوّلاً : يمكن أن يقال : إنّ الكائنات والمتحقّقات على قسمين خير وشرّ ، وما عن الفلاسفة في هذا الأمر من أنّ الشرّ عدمي فهو باطل .

وثانيا : لو سلّم خيريّة كلّ ما في الخارج فما هو الخير هو الأشياء الواقعيّة الخارجيّة ، وأمّا كونها هو الوجود أو الماهيّة فهو أوّل الكلام .وبعبارة أخرى ، إنّ هذا الدليل من المصادرة الواضحة ؛ لأنّ كون الوجود منبع كلّ خير أوّل الكلام إذ هو مبنيّ على كونه متأصلاً فمن يرى الماهيّة متأصّلة يراها منبع كلّ خير وشرف دون الوجود .

وثالثا : إن وافقه القائل بأصالة الماهيّة فقد قصد من الوجود ضدّ العدم وهو الثبوت المطلق ، يعني أنّ كلّ شيء وجوده خير من عدمه ، فوجود الشيء من حيث هو وجود خير محض ، فتوهّم القائل بأصالة الوجود منه وحمله على المعنى الذي عنده من كون الوجود منشأ للآثار ، وكيف يقول ذلك من قال بأصالة الماهيّة ؟ ! وأنّ القول به يستلزم أصالة الوجود ، ومع أنه لو ثبت الاتفاق المطلق فلا دليل عليه .

ص: 85

ولا يخفى أنهم حيث قالوا بأنّ الوجود منشأ كلّ خير وهو خير محض، وقالوا أيضا : بأنّ الماهيّة عدميّة اعتباريّة ولم يكن غيرهما شيء منشأ للآثار ، فاضطرّوا إلى أن يلتزموا في الشرور بأنّها أعدام ، فلا حاجة فيها إلى علّة ومؤثّر ، أو يكفي في علّتها الماهيّات ؛ لأنّ العدم يصحّ أن يكون علّة للعدم .

وهذا أيضا باطل ؛ لأنّ الخير والشرّ كلاهما أمران وجوديّان وأنّ فاعل الشرور في التكوينيّات هو اللّه تعالى ، وفي الإراديّات كأفعال البشر فاعلها هو العبد ، وليس شيء منهما بعدمي .ومنها : الفرق بين نحوي الكون أي الكون الخارجي والكون الذهني يفي بإثبات المطلوب ، بيانه: أن الماهية في الوجود الخارجي يترتب عليها الآثار المطلوبة منها، وفي الوجود الذهني بخلافه، فلو لم يكن الوجود متحققاً بل المتحقق هي الماهية، وهي محفوظة في الوجودين بلا تفاوت ، لم يكن فرق بين الخارجي والذهني ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله(1).

وبعبارة أخرى : الفرق بين نحوي الكون الخارجي والذهني بترتب الآثار المطلوبة على الأوّل دون الثاني مع أنّ الماهية محفوظة في الوجودين

ص: 86


1- شرح المنظومه للسبزواري في فن الحكمة : 11

بلاتفاوت ، وإلاّ لم يكن الصورة الذهنية علماً بالخارج لوجود التطابق بين العلم والمعلوم .

وفيه : إنّ هذا الوجه مبتن على القول بأن الأشياء بأنفسها - لا بأشباحها وصورها - توجد في الذهن ، وإنما التفاوت بين الخارجي وبين الذهني بترتيب آثار الشيء عليه في الخارج دون الذهن بتفاوت الوجودين دون الموجودين بأن نقول : ماهية الشمس هي هي بعينها في الخارج والذهن ، بخلاف ما إذا قلنا : إنّ الأشياء بأشباحها وصورتها توجد في الذهن وإنه لا يأتي ماهية الشيء حقيقة في الذهن وهذا سرّ عدم ترتب الآثار الخارجيّة .وبالجملة: نحن بالمراجعة إلى كلماتهم في المقام نعرف أنّ محل البحث والخلاف يرجع إلى أنّ الموجود الذهني هل هو عين ما في الخارج أو شبحه او . . وهذا الدليل غير تام بالنسبة إلى القائل بالصورة والشبح في تلك المسألة كما لا يخفى .

وقد اعترف به صاحب التعليقة على نهاية الحكمة في بيان عدم تماميّة ما استدلّ به الماتن من الوجهين حيث قال : فعلى المثبتين للوجود الذهني أن يستدلّوا أوّلاً على وجود الذهن والصّور والمفاهيم الذهنيّة ، وثانيا على كونها محاكية للموجودات العينيّة ومطابقة لها ، وجميع ما تمسّك به لإثبات الوجود الذهني ناظر إلى الجانب الأوّل من المسألة كما تلاحظ في المتن .[ تعليقة على نهاية الحكمة ، المصباح : 66 ] .

ص: 87

واعترف به أيضا بعض شرّاح المنظومة بأنّ : ما استدلّ به صاحب المنظومة - أي السبزواري - يكفي لردّ القول بالإضافة لا القول بالشبح والصورة ، فلاحظ(1) .

ومع الغضّ عمّا ذكرناه نقول : يمكن أن يكون اختلاف آثار الماهيّة باختلاف أمكنتها ، بمعنى : أنه على تقدير القول بأنّ الأشياء بأنفسها وحقيقتها الخارجيّة توجد في الذهن وأنّ ما في الذهن عين ما في الخارج ، فليس تعميمللآثار بحيث تعمّ الماهيّة العينيّة والذهنيّة ؛ فإنّ الآثار اللازمة للماهيّات إنما هي ثابتة لما يوجد في الخارج دون الذهن .

أقول : كلّ الأدلّة المذكورة لأصالة الوجود أدلّة إلزاميّة أو مصادرة على المطلوب ، مضافا إلى ما ذكرناه من اعتراف القائلين بأصالة الوجود بأنّ العقل يثبت أصالة الماهية ولكنّ بالذوق العرفاني نثبت أصالة الوجود .

والغرض ممّا ذكرناه أو سنذكره نفي القول بأصالة الوجود فقط لا إثبات أصالةالماهيّة.

ص: 88


1- شرح مبسوط منظومه ، المطهري : 1 / 284 ، 314 ، 321

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي

الحلقة الواحدة والعشرون

لا يخفی ان المستعمر الكافر هو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرابالاسلام لاغراض استعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهارانحرافات الشيخية حتی تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة . المجلة

المسالة السادسة عشرة

طهارة مدفوعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ومن معتقدات الشيخية ان بول ومدفوعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام محكومة بالطهارة خلافا لما ذهب اليه جميع المسلمين فقد جاء في رسائل الحكمة للشيخ الاحسائي والرسالة التطهيرية لمحمد باقر

ص: 89

الاسكوئي الحائري و مجلة الفجر الصادق العدد الثالث قال في رسائل الحكمة :«و هل فضلاتهم عليهم السلام من الدم و البول و الغائط نجسة لهم لا لغير هم او لغير هم ايضاً و عليه فما المراد من نجاساتها او لا لغير هم ؟ اقول – و هذا قول الاحسائي – المشهور بين اصحابنا الحكم بالنجاسة لهم عليهم السلام و لغير هم فيجب مشاركتهم لهم في الحكم ليقتدی بهم و قيل بالطهارة لما روی عنه صلى الله عليه وآله وسلم ان الحجام لما حجمه شرب ما في المحجمة من دمه الشريف فقال صلى الله عليه وآله وسلم له ما معناه : اما جسدك فقد حرمه الله علی النار و لا تعد و لما بال صلى الله عليه وآله وسلم في القارورة شربته ام سلمة و رآها و لم ينهها عن ذلك و الاعتبار شاهدبالطهارة..»(1) مع ان الثابت عند جميع علماء الشيعة ان الارض تبتلع فضلاته و انه صلى الله عليه وآله وسلم لم ير علی غائط قط. و لهذا جاء في باب احكام التخلي من كتاب شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني قدس سره قوله:«و يستحب التباعد عن الناس بحيث لا يری تاسيا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 90


1- احمد الاحسائي : رسائل الحكمة – الدار العلمية – بيروت ط 1 – 1993 م – ص260. و محمد باقر الاسكوئي : الرسالة التطهيرية – ص 63. و مجلة الفجر الصادق – تصدر في الكويت – العدد الثالث – ص17.

فانه لم ير قط علی بول و لا غائط»(1).

و مع ذلك تعتقد فرقة الشيخية ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بال في قارورة و اعطاها لام المؤمنين ام سلمة (رض) فشربتها ليجعل من ذلك دليلا علی طهارة بوله صلى الله عليه وآله وسلم و بقية مدفوعاته صلى الله عليه وآله وسلم.

و في كتاب وسائل الشيعة في باب استحباب التباعد عن الناس عند التخلي و شدة التستر و التحفظ عدة روايات منها عن ابي عبدالله (علیه السلام) قال: ما اوتي لقمان الحكمة لحسب و لا مال..الی ان قال (علیه السلام) : و لم يرهاحد من الناس علی بول و لا غائط و لا اغتسال لشدة تستره و تحفظه في امره الی ان قال: فبذلك اوتي الحكمة و منح القضية»(2).

هذا ما كان من امر لقمان الحكيم فما بالك بسيد و لد آدم صلى الله عليه وآله وسلم فهل يجوز لنا ان نقول انه صلى الله عليه وآله وسلم بال في قارورة و سلمها

ص: 91


1- محمد بن جمال الدين : اللمعة الدمشقية-ج 1- ص84. و الحر العاملي: وسائل الشيعة – بيروت – دار احياء التراث العربي – ط5- 1403 ه- - 1983 م –ج 1- ص 215.
2- الحر العاملي: نفس المصدر –ص215.

صلى الله عليه وآله وسلم لام سلمة (رض) فشربته لنجعل ذلك دليلا علی طهارة بوله صلى الله عليه وآله وسلم ؟.

ابن عربي ليس بشيعي العلامة السيد جعفر العاملي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين، إلى قيام يوم الدين.

وبعد..أنه قد وردتنا أسئلة عديدة عن حقيقة ما يقال عن تشيُّع محيي الدين ابن عربي، صاحب كتاب: «الفتوحات المكية» وكتاب «فصوص الحكم» وكتاب «الوصايا» وغير ذلك.وقد أجبنا عن بعض تلك الأسئلة بإيجاز واقتضاب، يظهر رغبتنا في تجنب الدخول في التفاصيل، التي قد تكون مملة، أو غير ضرورية..

ثم هي تظهر إيثارنا صرف وقتنا وجهدنا فيما هو أهم، ونفعه أعم..

ص: 92

غير أن إحساسنا بأن ثمة من تأثر بشائعة تشيُّع هذا الرجل، وأن ثمة استسلاماً ولو بصورة جزئية ومحدودة أمام بعض أفكاره التي يقرؤونها في كتبه، أو تلقى إليهم عنه، مع كون تلك الأفكار لا تنسجم مع مذهب أهل البيت عليهم السلام ومبانيه الحقة، لا من قريب ولا من بعيد..

إن إحساسنا هذا قد ساهم في تبلور شعور بضرورة أن نقوم بوضع حد لهذه الشائعة، وذلك بالرجوع إلى بعض أقاويل هذا الرجل، ووضعها أمام هؤلاء الناس الطيبين، ليروا بأم أعينهم حقيقة ما يعتقده هذا الرجل، وما يتبناه من مناهج واعتقادات، وما يظهر عليه من لمحات وسمات..

مع تأكيدنا على أن ما نورده في هذه الدراسة الموجزة، ما هو إلا غيض من فيض، مما يجده المتتبع لكلماته في سائر كتبه ومؤلفاته..

تمهيدوبعد.. فإنه قد كان، ولا يزال، ثمة أناس يتظاهرون بالزهد، والإعراض عن الدنيا، ويدّعون لأنفسهم كرامات، بل ومعجزات، ويتفننون في إطلاق كلمات تعبر عن نظرتهم إلى الدنيا وزهدهم بها.

وهي كلمات تعتمد في الأكثر على تنميق العبارات، والتصرف في الكلمات وتركيباتها، واشتقاقاتها، فتأتي بعض عباراتهم طريفة، وبديعة، ورنانة، في أحيان كثيرة، كما أنها قد تكون على درجة من السقوط والابتذال أحياناً

ص: 93

أخرى، ولكن بعض العلماء تلقفوا كلماتهم تلك، وأخذوها بجدية وسلامة نية، وحاولوا أن يضعوها في سياق صحيح ومقبول..

وقد أثمرت جهود أساطين العلم في بلورة علم شريف متكامل، له أصوله، وفروعه، وضوابطه، وهو ما يعرف اليوم بعلم العرفان، الذي كان لجهابذة العلم الإيرانيين القدح المعلى، وقصب السبق في إنجازه، ورسم معالمه، وتحديد وضبط قواعده..

وكان ابن عربي هو أحد أركان الصوفية الذين كتبوا في التصوف والمتصوفة الشيء الكثير، وقد اشتملت كتاباته أحياناً على لمحات راقية في مضامينها إلى درجة تثير الإعجاب، ولكنه يتضاءل ويسفل في كتاباته أحياناً أخرى، ويخبط خبط عشواء، يصل إلى حد الابتذال.. إلى حد أنك تشعر: أنه مجرد رجل أمي، لم يمارس علماً، ولم يطلع على شيء من المعارف..ولكن بعضاً نادراً من علمائنا الأبرار رضوان الله عليهم، قد أحسنوا به ظنونهم، واعتبروا تلك اللمحات الراقية، هي المعيار لكل ما صدر عنه، فسعوا بجدية وصدق، إلى رفع مستوى ما تسافل من أفكاره، وكلماته، وتمحلوا لها ضروباً من التأويل - وغضوا النظر عن كل السقطات، والهفوات، ترفعاً منهم، وسمواً، وشرفاً، ونبلاً.. مع ثباتهم على أصولهم المتينة، والتزامهم بمبادئهم القويمة..

ص: 94

أما جمهور علمائنا وفقهائنا، فإنهم قد أهملوا أمره، حين أخذوا عليه أموراً كثيرة تنافي أصول أو ضروريات الإسلام أحياناً، وأصول وضروريات التشيع أحياناً أخرى..

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، أي عند إهمال هؤلاء، واعتناء أولئك، إذ قد كان ثمة أناس ممن قصر باعهم، وقل اطلاعهم، قد تخيلوا أن كل كلام صدر عن ابن عربي، يمثل خط التشيع، ويصب في الاتجاه الصحيح، وهو طريق الوصول إلى الله.

وحيث إن هؤلاء ليس لديهم القدرة على تمييز الحق من الباطل، والصحيح من السقيم، فقد مست الحاجة إلى توضيح الحقيقة فيما يرتبط بدعوى تشيُّع ابن عربي، ليكون الناس على بينة من أمرهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة..غير أننا قبل أن ندخل في التفاصيل نشير إلى أن محيي الدين ابن عربي المالكي المذهب، الصوفي الاتجاه، قد ألف كتباً عديدة، أشهرها كتاب «فصوص الحكم»، الذي ألفه بدمشق، وكتاب «الفتوحات المكية» الذي ألفه بمكة قبل ذلك..

ص: 95

وقد أودع في كتابيه هذين، وفي غيرهما فنوناً من الكلام الذي أعجب كثيرين من أهل التصوف من أهل السنة، واجتذب عدداً من العرفاء والمتصوفة من الشيعة الإمامية أيضاً..

وقد وجد بعض علماء العرفان من الشيعة، بعض اللمحات، التي هي شديدة الندرة في كلامه، دعتهم للاعتقاد بتشيُّع هذا الرجل.. رغم أن في مقابلها ما لا يكاد يحصر من دلائل التزامه بمذهب أهل السنة، بل وتعمقه فيه، وتعصبه له إلى أبعد الحدود..

مع أن تلك اللمحات التي وجدوها.. ليست فقط قابلة للتأويل، بل هي لا تحتاج إلى تأويل، من حيث إنها لا تخرج عن قواعد والتزامات أهل السنة أيضاً، كما أن عدداً منها، لا بد أن يعدَّ من الأدلة القاطعة على تسننه الشديد أيضاً..

غير أن حسن الظن، وطهر الروح لدى بعض هؤلاء الأخيار، قد دعاهم إلى التماس العذر لهذا الرجل، حتى فيما لا يعذر فيه أحد..

ص: 96

ثم إنهم قد ذكروا: أنه قد ذهب إلى تشيُّع ابن عربي: كل من المحدث النيسابوري، وابن فهد الحلي، والقاضي نور الله التستري، والشيخ البهائي، والفيض الكاشاني، والمجلسي الأول..(1).

ص: 97


1- وقد أوجز بعض الأخوة أمر هذه النسبة إليهم على النحو التالي: أما بالنسبة للمجلسي الأول، فقد حاول المتصوفة اتهامه بما ذكر، فبرأه المجلسي الثاني رحمه الله، وكذبهم، فراجع رسالته في الاعتقادات. وأما البهائي، فإنه إنما يورد ما يستحسنه من كلمات، تتوافق مع أغراضه في تآليفه. كما أن بعض كلماته وأشعاره ربما أوهمت أن لديه ميلاً إلى طريقة أهل التصوف.. وليست نسبة التصوف إليه إلا مثل دعوى أهل السنة أنه منهم، حين رأوا مداراته لهم.. وأما بالنسبة للفيض، فإنه قد تنقل من حال إلى حال، من الفلسفة إلى التصوف، إلى الإخبارية، إلى طريقة الفقهاء. وقد هاجم المتصوفة وابن العربي بالذات، خصوصاً في موضوع: أنه لم يسأل ربه أن يعرفه إمام زمانه، فراجع أواخر كتاب بشارات الشيعة.. فقد اعتبر هذا خذلاناً من الله، وأن الشياطين قد استهوت ابن عربي ونسبه إلى سوء الأدب أيضاً, وغير ذلك.. وأما التستري، فقد كان متفانياً في حبه لأهل البيت عليهم السلام، حريصاً على إثبات تشيع كل من أثيرت شبهة حول تشيعه، وهذا ظاهر في كتابه: مجالس المؤمنين. وأما ابن فهد، فلا نعرف منشأ نسبة هذا الرأي إليه لننظر فيه. وما عدا هؤلاء فإن الأمر في شأنهم سهل..

وأضاف بعضهم: السيد صالح الموسوي الخلخالي..

ولا نريد التحقيق في صحة نسبة هذا الرأي إلى هؤلاء العلماء، رغم أن للكلام فيه مجالاً،(1)

بل نحن ندخل في نفس الموضوع الذي نسب إليهم مباشرة، ونعلنها صريحة وواضحة من الآن: أننا لا نوافقهم على هذا الرأي المنسوب إليهم، بل نقول:

إن هذا الرجل سُنيٌ متعصب، ومهتم بتشييد مباني مذهبه، وإثارة الشبهات حول صحة التشيُّع، ويسعى جاهداً لزعزعة مبانيه، وتشويه معالمه، كما سيتضح من هذه الدراسة، فإلى ما يلي من صفحات..

في أجواء ابن عربي:

وبعد، فإننا لكي نتمكن من أن نكون في موقع الإنصاف والأمانة والموضوعية، ومن إعطاء إجابة دقيقة حول ما يقال من تشيُّع ابن عربي، فإن

ص: 98


1- راجع: بحار الأنوار ج45 ص51 واللهوف ص77 وفي ط أخرى ص106 والعوالم «الإمام الحسين عليه السلام» ص293 وغير ذلك..

البحث يفرض علينا الإقتراب، بل الدخول إلى أجواء هذا الرجل، لنقوم بدراسة مباشرة لأفكاره، ولنعرف من خلال الشواهد والمفردات والدلائل حقيقة ما يعتقده، وما يدعو إليه.

وذلك يستدعي جهات من البحث والبيان، في ضمن أقسام، تتضمن عدة فصول:

فالقسم الأول، بعنوان: أهل البيت والتشيع.. دفاعات واستدلالات..

والقسم الثاني، بعنوان: جنون العظمة..

والقسم الثالث، بعنوان: ابن عربي.. سني متعصب..

القسم الأول: أهل البيت.. والتشيُّع ....دفاعات.. واستدلالات:

وهو يشتمل على فصول:

الفصل الأول: تشيُّع ابن عربي: دليل ونقد..

الفصل الثاني: من هم أهل البيت, وحقيقة عصمتهم..الفصل الثالث: ما يذم به الشيعة..

الفصل الرابع: هكذا يدافعون عن ابن عربي..

الفصل الأول

ص: 99

تشيُّع ابن عربي.. دليل ونقد..

من هو الشيعي:

قال الشيخ المفيد: «التشيع في أصل اللغة هو الإتِّباع على وجه التدين، والولاء للمتبوع على الإخلاص، قال الله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}(1).

ففرق بينهما في الإسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام»..

إلى أن قال:

«.. فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف، فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين صلوات الله عليه، على سبيل الولاء والاعتقاد بإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله، بلا فصل. ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء..»(2).

ص: 100


1- الآية 15 من سورة القصص
2- أوائل المقالات ص2 و3

أي أن الحكم بالتشيع يحتاج إلى توفر أمرين، لا مجال للحكم على شخص بالتشيع إذا فقد أي منهما:

أحدهما: أن يكون من أتباع الإمام علي عليه السلام على سبيل الولاء، والاعتقاد بإمامته بعد الرسول بلا فصل..

الثاني: نفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة.

وهذا الركن الثاني هو الركن الأهم، إذ إن الولاية الحقيقية لا تتحقق إلا به، فإن إظهار المحبة، والولاء أمر شائع، وهو خفيف المؤونة، يبادر الناس لإظهاره لأدنى مناسبة، حتى من يعتقد بإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام، أما رفض ولاية من استأثروا لأنفسهم بالخلافة، فهو الأصعب، والأشد. وهو الذي يميز الشيعي حقيقة عن غيره..

فهل كان ابن عربي مستجمعاً لهذين الركنين؟! ليمكن الحكم بتشيعه بالمعنى العام؟

أم أنه فاقد لهما أو لأحدهما؟! لكي لا يحكم عليه بذلك..

ونقصد بالمعنى العام، ما يشمل الإمامية والجارودية من الزيدية، والإسماعيلية أيضاً..

ص: 101

وأما التشيع بمعناه الأخص، وهو كونه إمامياً اثنا عشرياً، فله سمات، وعلامات، وخصوصيات أخرى أيضاً، لا بد من التأكد من توافرها في أي شخص ليحكم بكونه شيعياً إمامياً..

وعلى كل حال، فإن بيان حال ابن عربي، والتأكد من صحة نسبة التشيع إليه، هو ما سيتضح في الفصول التالية..

بداية وتوطئة:

إن الذين قالوا عن ابن عربي: إنه شيعي يكتم تشيعه، قد استدلوا على مدَّعاهم هذا بعدة أمور، رأوا أنها مفيدة في إثباته، ونحن نوردها، وفقاً لما يستفاد من كلماتهم، ونسجل ملاحظاتنا عليها في ضمن المطالب التالية:

استدلوا بما يلي:

1- الاجتهاد ومقلدة العلماء..

2- أسعد الناس به أهل الكوفة..

3- الخليفة الموعود..

نقلوا عن محيي الدين بن عربي عبارة، ذكروا أنها تدل على تشيعه، وصحة عقيدته، من عدة وجوه، وهذه العبارة هي التالية:

ص: 102

«إن لله خليفة يخرج من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، من ولد فاطمة عليها السلام، يواطئ اسمه اسم رسول الله، جده الحسين بن علي عليه السلام، يبايع بين الركن والمقام. يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله في الخلق - بفتح الخاء - وينزل عنه في الخلق - بضم الخاء. أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً. يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، ويرفع المذاهب عن الأرض، فلا يبقى إلا الدين الخالص.

أعداؤه مُقلِّدة العلماء، أهل الاجتهاد، ولِما يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه، خوفاً من سيفه.

يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم. يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهودٍ وكشفٍ بتعريفٍ إلهي.

له رجال إلهيون، يقيمون دعوته وينصرونه. ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله. ولكن الله يُظهره بالسيف والكرم، فيطمعون، ويخافون، ويقبلون حكمه من غير إيمان، ويضمرون خلافه، ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على ضلالٍ في ذلك.

لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع، وما بقي مجتهد في العالم، وأن الله لا يُوجد بعد أئمتهم أحداً له درجة الاجتهاد.

ص: 103

وأما من يدعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال».(1). انتهى..

حيث استدلوا على صحة عقيدته بالفقرات التالية:

أولاً: استدلوا بقوله: «إن لله خليفة يخرج.. الخ»، إذ إن أهل السنة مع اعتقادهم بظهور المهدي الموعود، إلا أنهم يقولون: إنه سيولد. أما الاعتقاد بحياة ووجود الإمام المهدي فهو من مختصات الإمامية من الشيعة.

ثانياً: استدلوا بقوله: «وأسعد الناس به أهل الكوفة»، حيث إن هذه العقيدة من مختصات الشيعة الإمامية أيضاً، فإنهم يقولون: إنه عليه السلام يخرج من مكة، ثم يقدم الكوفة، ويرسل الجيوش منها إلى سائر البلاد.

ص: 104


1- الروح المجرد ص319 ط سنة 1423 ه- عن كتاب «الأربعين» للشيخ البهائي ص312 و313 خاتمة الحديث رقم 36 عن الفتوحات لابن عربي، في الباب 366 ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري ج2 ص281 ط حجرية وقد ذكر الطهراني في الروح المجرد ص221: أن الظاهر هو أن الشيخ البهائي قد التقط فقرات هذه العبارة من كتاب الفتوحات المكية ج3 ص327 و336 ط دار الكتب العربية الكبرى مصر.

ثالثاً: قالوا: إن التشنيعات الواردة في هذه الفقرة على مقلدة المجتهدين، تدل على أنه يشنع على أهل السنة، لأنهم هم الذين يقولون: إن الاجتهاد وزمانه قد انقطع..

ونقول:

إن جميع ما ذكروه لا يصلح للإستدلال به على صحة عقيدة ابن عربي، وذلك لما يلي:

أولاً: إن هناك جماعات من أهل السنة قد ألفوا كتباً في أحوال الأئمة الاثني عشر، مثل ابن الصباغ المالكي، والشبلنجي الشافعي، والشبراوي الشافعي، والفضل بن رزوبهان، وابن حجر الهيتمي، والقندوزي الحنفي.. وغيرهم كثير، فهل يمكن عد هؤلاء من الشيعة أيضاً؟!

ثانياً: إنه لم يصرح بأن هذا الخليفة لله (وهو المهدي)، الذي يتحدث عنه: على قيد الحياة أو لا، بل ذكر أن لله خليفة، ولم يزد على ذلك..

فلماذا يتبرع المستدل بإضافة أنه «على قيد الحياة»..

ثالثاً: ما معنى قوله: يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً..

ص: 105

فهل يقصد: أن هذا هو تمام عمره الشريف؟ أم يقصد أنه يعيش بصفته حاكماً هذا المقدار من السنين؟ ولكن العبارة خانته، ولم يصلحها.. فإذا كان يقصد الشق الثاني، وأن العبارة قد خانته، فنقول:

لماذا لم يصلحها له كشفه، خصوصاً وأنه يدعي - كما سيأتي - أنه قد كتب الفتوحات منقاداً فيه إلى الجبر الإلهي، وكانت مضامينه تملى على سبيل الإلهام، فيلقي إليه ما يشاء، ويمسك ما يشاء. كما سنشير إليه في فصل: مادح نفسه..

فكيف يخطئ هذا الإلهام الإلهي؟ ولماذا لم يلتفت هو إلى هذا الخطأ، فيراجع فيه ربه ليأذن له بإصلاحه؟ أو يصلحه هو بنفسه؟ أو يعتذر عن إصلاحه بعدم الإذن له فيه؟!

رابعاً: إن ذهاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى الكوفة بعد ظهوره، وإرسال جيوشه إلى سائر البلاد، ليس من اعتقادات الشيعة، وإنما هو مجرد رواية وردت في كتبهم، كسائر الروايات.

كما أنها قد وردت في كتب أهل السنة أيضاً.(1).

ص: 106


1- راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص10 وينابيع المودة ج3 ص173 و214 == و300 و399 و394.

فلماذا لا ينسبه إليهم من أجل ذلك؟!!. أو فليحكم بتشيع جميع أهل السنة، لأنهم قد رووا هذه الرواية في كتبهم!!..

خامساً: بالنسبة لمهاجمته للقائلين بانقطاع الاجتهاد، نقول:

أ - إن ذلك لا يدل على تشيعه، حتى لو تفرد هو بهذا النقد لهم.. لأن فتح باب الاجتهاد وسدِّه، لا ينافي شيئاً من عقائد الشيعة، فلا يدل مثلاً على أحقية من غصب الخلافة..

ب - إنه ليس هو الوحيد من علماء أهل السنة الذي أعلن بنقد هذا الموضوع، ورفضه جملة وتفصيلاً..

فقد ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله: أن هناك من كان يدعو إلى فتح باب الاجتهاد، ويعترض على سده منذ القرون التي أعلن فيها انسداد بابه حتى يومنا هذا، أمثال:

أبي الفتح الشهرستاني المتوفى سنة 548 ه- .

وأبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790 ه- .

والسيوطي المتوفى سنة 911 ه- .

ص: 107

وقد ألف السيوطي رسالة سماها: «الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» وقدم لهذا الرسالة بقوله:

«إن الناس قد غلب عليهم الجهل، وعمهم، وأعماهم حب العناد، وأصمهم. فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدوه منكراً بين العباد. ولم يشعر هؤلاء الجهلة: أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان، أن يقوم به طائفة في كل قطر»(1).

وقال الشوكاني: «ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة».

هذا بالإضافة إلى غير هؤلاء من العلماء الكبار، الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، ويقفون أمام غلقه.

وقد استمر هذا الصمود أمام غلق باب الاجتهاد إلى القرون المتأخرة، حيث اعترض على هذا الاغلاق أيضاً أمثال:

ص: 108


1- وقد طبع هذا الكتاب مؤخراً في مصر نشر مكتبة الثقافة الدينية

جمال الدين الأفغاني. والشيخ محمد عبده. ومحمد رشيد رضا(1).

والسيد سابق(2). وغيرهم..

سادساً: بالنسبة لما ذكره عن خليفة الله نقول: إنه حتى لو كان يقصد به الإمام المهدي عليه السلام، وأنه حي فعلاً، وأنه ابن الإمام العسكري عليه السلام..

فإن ذلك لا يدل أيضاً على تشيعه، وذلك لأن الحديث القائل: إنه يكون بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر خليفة، أو أميراً، أو إماماً، كلهم من قريش، قد أحرج أهل السنة بدرجة كبيرة، حيث إنه مروي في أصح الكتب والمسانيد، وعلى رأسها كتب الصحاح عندهم، مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، ومسند أحمد بن حنبل، وغير ذلك كثير، بل ذكر في ينابيع المودة: أنه مروي عن بضعة وعشرين صحابياً..

ص: 109


1- راجع فيما تقدم: تاريخ حصر الاجتهاد، للشيخ آقا بزرك الطهراني ص26 و27 و28، والاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي ص74 و94 و356 و377 و390
2- راجع: فقه السنة ص7 و14

وقد حير هذا الحديث علماء أهل السنة، وشرّقوا وغرّبوا في بيان المراد منه، فجاء أمثال ابن الصباغ المالكي، والشبلنجي الشافعي، والكنجي الشافعي، والقندوزي الحنفي، والشبرواي الشافعي، وابن روزبهان، والهيتمي و.. و.. وتكفلوا بحل الإشكال بطريقة تحفظ لهم تسننهم العميق، وعصبيتهم للخلفاء، وتدفع عنهم غائلة إلزام الشيعة لهم، فقالوا:

نحن نقبل بتطبيق الحديث المذكور على الاثني عشر إماماً الذين يقول بهم الشيعة، والذين أولهم علي عليه السلام، وآخرهم المهدي عجل الله تعالى فرجه، ولكننا نفسر خلافتهم، وإمارتهم، وإمامتهم، بما يتناسب مع حفظ سائر الخصوصيات الاعتقادية لأهل السنة، خصوصاً بالنسبة لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من الحاكمين.. فنقول:

إن المراد بالخلافة هو الخلافة في التقوى، والصلاح، والكرامات، تماماً كما يعتقد أهل التصوف في أولياء الصوفية.. أو حتى أدنى من ذلك بمراتب..

أما الإمامة بمعناها الصحيح الذي يقول به الشيعة الإمامية، تبعاً لأئمتهم الطاهرين، وكذلك الإمامة بمعنى الحاكمية، فهي لأبي بكر، وعمر، وعثمان، و..و.. بل إن لهؤلاء مقام العصمة، وأعظم مراتب الكرامة عند الله، حتى إنه سيأتي أن أبا بكر يكون على العرش على يمين الله، وغير ذلك..

ص: 110

وماذا على أهل السنة لو قالوا لأنفسهم، إذا تم لهم ذلك: لا ضير علينا بعد اليوم، من تجويز كل فضيلة في حق أبي بكر، وعمر، وليتوسع الناس، وليترخصوا في هذا الأمر ما شاؤا، فقد حلت مشكلة ذلك الحديث المحرج، وقد أسكتنا الشيعة باعترافنا بصلاح أئمتهم، وباعطائهم درجة أولياء الصوفية، وتمكنا بذلك من حفظ كل خصوصياتنا الاعتقادية، وحفظ التسنن بمعناه الدقيق والعميق..

وابن عربي كما يظهر من كلماته الكثيرة جداً هو من هذا الفريق العريق في التسنن، الذين هم في الحقيقة، الأصلب في التسنن والأصعب.. والأبعد عن إمكانية اقناعهم بالحق..

إن نفس الباب الذي ذكر فيه ابن عربي تلك الفقرات، قد اشتمل على أمور تخالف عقيدة الشيعة، وأحاديثهم، مثل أن عيسى ينزل من السماء بالمنارة البيضاء بشرق دمشق، وأن المهدي هو الذي يصلي خلف عيسى..(1)

وغير ذلك..

للبحث صلة

ص: 111


1- راجع: الفتوحات المكية ج3 ص327 ط دار صادرأفست عن دار الكتب العربية الكبرى بمصر.

نظرة يقظة حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل

الحلقة الثانية

الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين

كتب الاستاذ الفاضل الدكتور محمد جواد الطريحي اعزه الله تعالى مقدمة لكتاب المرحوم العلامة المظفر (قدس سره) احلام اليقظة , وعند قرائتي لها وجدت مواضع للنظر والتعليق .. وقد طلب مني فضيلة الاخ العلامة الشيخ عبد الامير الطريحي دام عزه ان اكتب ما عندي فاستجبت له سائلا المولى سبحانه ان يغمرنا جميعا بعفوه ورحمته مسمتيحا العذر من جناب الدكتور الجواد الطريحي ..

وساقف مع الاستاذ الدكتور في واحات

واسال الله تعالى التوفيق

الواحة الثالثة

ص: 112

ليس التوحيد عقيدة معقدة لتترك للتاصيل العلمي والتعقيد الناشئ من تراكم الخبرات البشرية بخطأها وصوابها , بل هو عقيدة واضحة تلائم الفطرةالانسانية ويدلنا على صحة هذا القول عموم الدعوة لعقيدة التوحيد وعدم قصرها على فئة مخصوصة .

ومن هنا نجد ان الدعوة الاسلامية في نصوصها الاولى اعتمدت استثارة الواضحات والتنبيه لما غفلت عنه العقول بما ران عليها من اهواء او تحريفات ذهبت بها بعيدا عن التفكير السليم والاستنتاج البين .

ومن هنا نجد ان التعقيد الذي حدث في علم التوحيد نشأ عن الابتعاد عن العطاء الاسلامي الكبير واتباع الفلاسفة بما ترجم من كتبهم في عهد بني امية وبني العباس.

والحاصل ان التوحيد عند الشيعة تبعا لائمتهم يباين التوحيد عند الفلاسفة لا سيما مدرسة الملا الشيرازي ( ملا صدرا ) الذي قال بوحدة الوجود كما اعترف به الشيخ المظفر ره في مقدمته على الاسفار , ولا ريب ان التوحيد الذي بينه الامام امير المؤمنين علي صلوات الله عليه لا يمت الى هذه الدعوة الباطلة بصلة .

ومن هنا لا مجال للمساعدة على دعوى ان التيار العقلي الذي احدثة العطاء العلوي في التوحيد هو الذي انتج "الالاف من مفاخر العلماء الحكماء لتاصيل دراسات الفلسفة الاسلامية " .

ص: 113

وابعد منها دعوى ان الفلسفة " انتهلت من المعين الصافي لمدرسة النبوة والامامة "

وذلك لامور :الاول : ما مر ذكره من التقاطع بين العطاء الاسلامي والبحث الفلسفي ونذكر هنا شاهدا اخر : قال السيد هاشم الحسيني الطهراني في ما علقه على كتاب التوحيد للشيخ الصدوق قدس سره ص328 في تعليقته على الحديث الصحيح عن ابي عبد الله عليه السلام قال : المشيئة محدثة , قال معقبا :" ومشيئة الله تعالى تارة تؤخذ باعتبار تعلقها بافعاله تعالى فهي عند الحكماء واكثر المتكلمين قديمة من صفات الذات وعند ائمتنا صلوات الله عليهم وبعض المتكلمين كالمفيد رحمه الله حادثة من صفات الفعل ..

وهذه التقاطعات الكبيرة والكثيرة والواضحة تنفي ما ذكره صاحب المقدمة في هامش رقم 2 في الصفحة 13 عن الشيخ المظفر من " تظاهر الفلسفة بتاييد الدين الاسلامي وظهور نتائج اتفاقها مع العقائد الثابتة " .

فالفلسفة لم تؤيد الدين بل هي تحاول ان تحل محله وتؤول نصوصه وتبتعد عن اهم معطياته في اكبر محاولة التفاف على الدين والله المستعان .

الثاني : تصريح اعلامها المؤسسين بمآخذها فابن سينا تعلمها بمطالعة كتب الفلاسفة في مكتبة لملك في قصة معروفة ذكرها المرحوم الشيخ اغا بزرك في طبقاته في ترجمة ابن سينا .

ص: 114

اما ملا صدرا فقد صرح باخذ مطالبه من فلاسفة اليونان في الاسفار وغيره(1)

, كما اعترف حسن زادة املي والمظفر ره والحيدري وغيرهم بانمطالب الاسفار هي شرح برهاني لمطالب ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص ..فراجع التوحيد للسيد كمال الحيدري ج1 ص 229 او انه عيال على ابن عربي السني الصوفي الضال .

ص: 115


1- والملا الشيرازي هو مؤسس فلسفة الحكمة المتعالية والمروج لها في الوسط الشيعي له كلمات كثيرة في اجلال وتقديس الفلاسفة السابقين من اليونانيين والملطيين , قال في كتابه حدوث العالم ص 155 و256 :" واساطين الحكمة المعتبرة عند اليونانيين خمسة : انباذقلس وفيثلغورس وسقراط وافلاطن وارسطاطاليس - قدس الله نفوسهم - فلقد اشرقت انوار الحكمة في العالم بسببهم وانتشرت العلوم الربوبية في القلوب بسعيهم وكل هؤلاء كانوا حكماءا زهادا عبادا متالهين معرضين عن الدنيا مقبلين على الاخرة . فهؤلاء الخمسة يوصفون بالحكمة ثم لم يسم احد بعد هؤلاء حكيما ..الخ ويقول في الاسفار ج 1 ص 31 :" واقتفيت آثار الحكماء السابقين بمقدار والفضلاء اللاحقين , مقتبسا من نتائج خواطرهم وانظارهم مستفيدا من ابكار ضمائرهم واسرارهم وحصلت ما وجدته في كتب اليونانيين والرؤساء المعلمين تحصيلا يختار اللباب من كل باب ... الخ . هذه مصادر فلسفة الملا صدرا ولا يمتلك الا دعوى المطابقة لما ثبت في النصوص الشريفة ولعلي اقف معه وقفة اخرى في خصوص مسالة حدوث العالم واثبات مخالفة معطيات اساتذته هؤلاء لما ثبت عند المسلمين بالقطع واليقين .

اما دعوى المطابقة والجمع بين هذه المطالب ومطالب القران والسنة فكذبة كبرى لا ينبغي ان يستمر انطلائها على الملأ العلمي فان القوم ياخذون الفكرة من تلكم المنابع الاسنة ثم ياتون الى النص فيلوون عنقه فان ابى اولوه ولو راجعتم لوجدتم ان هناك استدلالات قائمة على اخبار لم تثبت اما انها لا اصللها او انها عامية او ابتعدوا بها عن ظاهرها او اغفلوها عند البحث فراجع واغتنم (1).

ولنذكر بعضا من ذلك :

1- كان الله وليس معه شئ وهو الان كما كان .

مرسل في الفصول المهمة ج1ص154 وقريب منه في صحيح البخاري ج4 ص 73 وج 8 ص175 وغيره من كتب العامة , وورد مثل معناه في كتبنا ايضا.

والاضافة لم ترد في النصوص لامن طرقنا ولا من طرق العامة وهي ( وهو الان كما كان ) بل هي زيادة من الجنيد الصوفي كما ذكره الشعراني في حاشيته على شرح اصول الكافي للمازندراني ج3 ص 123.

2- تخلقوا باخلاق الله .

لم يرد من طرقنا ولا بسند ضعيف , بل هو عامي حكم العامة بضعفه .

3- لنا مع الله حالات نحن فيها هو وهو فيها نحن .

ص: 116


1- وقد بحثنا في الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في الاسفار فوجدنا فيها الكثير من الموضوعات واخبار العامة والله المستعان . وقد طبع البحث بعنوان ( الاسفار عن نصوص الاسفار ) .

لم يرد من طرقنا ولا من طرق العامة بل هو من موضوعات الصوفية .

وغير ذلك كثير يجده المتتبع لكتب القوم .

ص: 117

هداية الامة إلی معارف الائمة علیه السلام آية الله الخراساني

العدد السابع عشر

ابطال «أزليّة الأرواح» و «تناسخها»«التناسخيّة» أيضا قوم ينكرون المبدأ، و يقولون بأزليّة الأرواح، و كذلك ينكرون المعاد؛ و المعاد عندهم هو نفس «التناسخ»، و التناسخ عندهم على انحاء، و لذلك صارت التناسخيّة طوائف:

أقوال طوائف التناسخية

فقوم منهم يقولون: إنّ الروح، اذا استكملت زمن تعلّقها بالبدن جهة كمالها العلميّة و العمليّة كالكمّلين، فهي تفارق البدن، و تبقى بعد مفارقتها مجرّدة؛ و اتّصلت الى عالم القدس؛ و ان بقى من كمالها شي ء، كالنّفوس الناقصة، فهي تنتقل من بدن الى بدن الى ان لا يبقى من كمالها شي ء، فتنسخ الأجساد و تعود الى تجرّدها.

و قال آخرون: ربّما تنزّلت من بدن الإنسان الى حيوان مشابه له في الصفات، و يسمّى «مسخا».

و آخرون: الى النباتات أيضا و يسمّى «فسخا».

ص: 118

و آخرون: الى الجمادات؛ كالمعادن و البسائط أيضا و يسمّى «رسخا».

ثمّ اعلم: أنّ القول بالتّناسخ من حيث الأزليّة، باطل و محال عقلا و شرعا؛ و من حيث المعاد، باطل شرعا فقط؛ لأنّه على خلاف المعاد الإسلامي؛ و امّا في نفسه من حيث نفس الانتقال، فلا امتناع له عقلا، الّا أنّه لا دليل على ثبوته لا عقلا و لا شرعا.و لكن «الحكماء»، ادّعوا استحالته من هذه الجهة، و استندوا فيها الى حجج واهية لا حاجة لنا الى ذكرها، اذ لا غرض لنا بذكر التناسخ هنا إلّا من حيث دعوى الازليّة.

و الوجه في فسادها، ما ذكرت:

و امّا الارواح فكالأبدان***حدوثها المشهود بالوجدان

و في الولوج و الخروج الحادث***تغيّر الأرواح بالحوادث

و الأزليّ، ما له تنقّل***و لا تفسّخ و لا تبدّل

و من يرى تناسخا فقد كفر***انكر ربّا و المعاد للبشر

و امّا الأرواح فكالأبدان، حدوثها المشهود بالوجدان؛ لأنّها تتعلّق بالبدن بعد استكمال الجنين. و دعوى كونها ثابتة، موجودة قبل الأبدان، دعوى بلا برهان؛ و لا طريق الى اثباته من طريق العقل، لعدم وجود أثر له، يستدلّ به عليه.

ص: 119

و ما ورد من الشرع أنّها خلقت قبل الأبدان بألفي عام أو ازيد، فهو يثبت حدوثها و تجدّدها و مخلوقيّتها؛ و قد سئل الصادق (علیه السلام) عن التناسخ، فقال(علیه السلام): «فمن نسخ الأوّل»(1). هذا، مع أنّه لو لم يكنالمشهود من ولوجها دليلا على حدوثها حين الولوج، ففي تغيّرها بالولوج و الافتراق دليل على حدوثها؛ كما قلت: و في الولوج و الخروج الحادث، كلّ منهما تغيّر الأرواح بالحوادث، و المتغيّر بالحوادث حادث.

و الأزليّ، ما له تنقّل، ينتقل من شي ء الى شي ء، و لا تفسّخ من هيئة الى هيئة، و لا تبدّل من طور الى طور. و من يرى تناسخا فقد كفر، إذ انكر ربّا، و كذلك المعاد للبشر، لقوله بأزليّة الأرواح و تناسخها. فعن الرضا (علیه السلام)، إنّه قال له المأمون ما تقول في القائلين بالتّناسخ؟ فقال (علیه السلام): «من قال بالتّناسخ فهو كافر باللّه العظيم، يكذب بالجنّة و النّار.»(2)

و عنه (علیه السلام) أيضا: «من قال بالتّناسخ فهو كافر»(3) و عن الصادق (علیه السلام) في جواب الزنديق حيث قال: اخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح من ايّ شي ء قالوا ذلك و بايّ حجّة قاموا على مذاهبهم؟

ص: 120


1- بحار الانوار 4: 321/ 4 و 25: 324/ 93
2- المصدر 4: 320/ 1
3- المصدر 4: 320/ 2. يعني: أنّهم اتّخذوا هذا القول منه، لا أنّهم استندوا إليه في حجّتهم

قال (علیه السلام): «إنّ اصحاب التناسخ، قد خلّفوا ورائهم منهاج الدين، و زيّنوا لانفسهم الضلالات، و امرجوا انفسهم في الشّهوات، و زعموا أنّ السّماء خاوية، ما فيها شي ء ممّا يوصف، و أنّ مدبّر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة؛ من روى أنّ اللّه خلق آدم على صورته، و أنّه لا جنّة و لا نار و لا بعث و لا نشور، و القيامة عندهم خروج الروح من قالبه، و ولوجه في قالب آخر:ان كان محسنا في القالب الأوّل، اعيد(1)

في قالب افضل منه حسنا في أعلى درجة الدنيا؛ و إن كان مسيئا أو غير عارف، صار في بعض الدوابّ المتعبة في الدنيا أو هوامّ مشوّهة الخلقة، و ليس عليهم صوم و لا صلاة و لا شي ء من العبادة اكثر من معرفة من يجب عليه معرفته؛ و كلّ شي ء من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النّساء و غير ذلك من الأخوات و البنات و الخالات و ذوات البعولة، و كذلك الميتة و الخمر و الدمّ.

فاستقبح مقالتهم كلّ الفرق و كلّ الامم؛ فلمّا سئلوا الحجّة، زاغوا و حادوا، فكذب مقالتهم التوراة، و لعنهم الفرقان، و زعموا مع ذلك أنّ إلههم ينتقل من قالب الى قالب و أنّ الأرواح الأزليّة، هي الّتي كانت في آدم، ثمّ هلمّ جرّا تجري الى يومنا هذا في واحد بعد آخر. فإذا كان الخالق في صورة المخلوق، فبما يستدلّ على أنّ احدهما خالق صاحبه؟

ص: 121


1- هذا قبل أنّ يستكمل و ذكر قولهم بعد الاستكمال عند قوله (علیه السلام): «و قالوا إنّ الملئكة ...».

و قالوا: إنّ الملائكة من ولد آدم؛ كلّ من صار في أعلى درجة دينهم، خرج من منزلة الامتحان و التصفية، فهو ملك. فطورا تخالهم نصارى في اشياء، و طورا دهريّة؛ يقولون: إنّ الأشياء على غير الحقيقة(1)، فقد كان يجبعليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأنّ الدوابّ عندهم، كلّها من ولد آدم حوّلوا في صورهم؛ فلا يجوز اكل لحوم القرابات»(2)

و القول بالتّناسخ المجرّد***لم يمتنع عقلا و لم يسدّد

هذا كلّه في التناسخ مع الأزليّة و انكار المعاد، امّا بدونها؛ يعني في دار الدنيا، فالحكم كما قلت:

و القول بالتّناسخ المجرّد عن دعوى الأزليّة و انكار المعاد، لم يمتنع عقلا، خلافا للفلاسفة، حيث ادّعوا استحالته و لم يسدّد أيضا، اي لم يصحّح من طريق الشرع، بل ينفيه ما ورد من الآيات و الأخبار في احوال البرزخ من تعذيب ارواح الكفّار و الفجّار، و ترويج ارواح المؤمنين الأخيار، بل لو لم يكن ذلك، فالقول به أيضا، قول بغير علم و تخرّص بالغيب.

ص: 122


1- لأنّها عندهم «مسخ» و «فسخ» و «رسخ» من الانسان
2- البحار 2: 320/ 3، لأنّ الحيوانات عندهم مسوخ الانسان، فهم قراباتهم.

و امّا ما ورد من أنّ ارواح المؤمنين في حواصل طيور خضر، فانّ الأخبار في ذلك مختلف، و مع ذلك هو غير التناسخ الّذي يقولون من انتقال الروح الى جسد عنصري آخر في الدنيا، للعقوبة أو للاستكمال.

ص: 123

المعاد كما في كتاب الشيعة في الاسلام للسيد الطباطبائي

اية الله الشيخ ما جد الكاظمي

الحلقة الاولیقال السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب كتاب تفسير الميزان في كتابه الشيعة في الاسلام حول المعاد:

بيان آخر(1): قد أشرنا في الفصل الثاني من الكتاب في مبحث الظاهر و الباطن القرآني، إنّ المعارف الإسلامية في القرآن الكريم، مبيّنة بطرق مختلفة، و الطرق المذكورة بشكل تنقسم إلى قسمين، الظاهر و الباطن.

البيان الظاهري:

ص: 124


1- الشيعة في الإسلام ص 157

و المراد من طريق الظاهر، هو البيان الذي يتناسب مع مستوى أفكار العامة، على خلاف الطريق الباطن الذي يختصّ بالخاصة منهم، و يدرك مع روح الحياة المعنويّة.

و البيان الذي يؤخذ عن طريق الظاهر مؤداه أن الله تعالى الحاكم المطلق لعالم الخلقة، فكل ما في هذا الكون ملكه، فهو الذي خلق الملائكة التي لا يعلم إحصاؤها كي تكون مطيعة و منفّذة لأوامره، يرسلهم إلى حيث شاء منالكون، و لكل بقعة من عالم الطبيعة و ما يلازمها من نظم ترتبط بمجموعة خاصة من الملائكة موكّلين عليها.

و النوع الإنساني من مخلوقاته و عباده الذين يجب عليهم اتباع أوامره و نواهيه، و الطاعة له، و ما الأنبياء إلّا حملة شرائعه و قوانينه، يبعثهم إلى الناس، لبيان و إجراء تلك الشرائع و القوانين.

فالله جلّ ثناؤه، لما جعل الثواب و الأجر لمن آمن و أطاع، جعل العقاب و العذاب لمن كفر و عصى، و هو القائل، وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، و لما كان عادلا، فعدالته تقتضي أن يفصل بين الفريقين في النشأة الأخرى، و هما الأخيار و الأشرار، و أن يمتّع الأخيار بالنعيم، و للأشرار الشقاء.

و قد وعد الله تعالى بمقتضى عدله، أن يحشر الناس الذين مروا في الحياة الدنيا دون استثناء، و يحاسبهم حسابا دقيقا في معتقداتهم و أعمالهم، من

ص: 125

صغيرة أو كبيرة، و يقضي بينهم بالحق و العدل، و في النهاية، سيوصل لكل ذي حق حقه، و يأخذ لكل مظلوم نصيبه ممن ظلمه، و يعطي أجر عمل كل عامل، و يصدر الحكم لفريق في الجنة و فريق في السعير.

هذا هو البيان الظاهري للقرآن الكريم، و قد جاء مطابقا لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، و نطاقه أشمل.المعنی الباطني للمعاد:

أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة على فهم المعنى الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية على مستوى أرفع من العامة. و القرآن الكريم، يلمح خلال تعابيره البسيطة أحيانا بالمعنى الباطني تلميحا.

فالقرآن الكريم بتعابيره المختلفة، يذكر إجمالا:

أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني (نحو الكمال) تصير إلى الله تعالى، و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها و استقلالها كليا.

و الإنسان هو جزء من أجزاء هذا الكون، فإن طريق كماله الخاص يتم عن طريق الشعور و العلم، مسرعا في طريقه إلى الله تعالى، و اليوم الذي يختتم به هذا المسير، سيشاهد عيانا حقانية الله الأحد، و سيرى أن القدرة و الملك و

ص: 126

كل صفة من صفات الكمال تنحصر في ذاته القدسية، و من هذا الطريق، ستتجلّى له حقيقة الأشياء كلها.

و هذا هو أول منزل و موقف من العالم الأبدي، فإذا كان الإنسان في هذه الدنيا، بإيمانه و عمله الصالح، أوجد ارتباطا و اتصالا بالله تعالى و استأنس به، و بالمقربين من عباده، سيحظى بسعادة لا توصف، و سيكون في جوار الله سبحانه، و يكون قرين الصالحين في العالم العلوي، و إذا ما كان ممن تربطهمعلاقة وثيقة بهذه الدنيا الدنيئة، و لذائذها الزائلة، فقد قطع اتصاله بالعالم العلوي، و لم تقم بينه و بين خالقه رابطة أو اتصال و لا مع المقربين من عباده، فإنه سيحاط بعذاب دائم، و خزي أبدي.

صحيح أن الأعمال الحسنة و السيئة للإنسان في هذه الدنيا تزول و تذهب، لكن صور الأعمال هذه تستقر في باطنه، و أينما رحل فهي معه، و تكون مصدر حياته الآتية سواء في السعادة أو الشقاء.

و كل ما ذكر يمكن استنتاجه من الآيات التالية:

يقول جلّ من قائل: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (1).

و يقول: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور(2).

ص: 127


1- سورة العلق الآية 8
2- سورة الشورى الآية 53

و يقول: وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه(1):

و يقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (2).و يخاطب الله سبحانه يوم القيامة بعض أفراد البشر، بقوله:

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد(3).

و في تأويل القرآن الكريم، و الحقائق التي تنبع منه الآيات، يقول جلّ اسمه:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُون(4).

و يقول تعالى:

ص: 128


1- سورة الانفطار الآية 19
2- سورة الفجر الآية 27- 30
3- سورة ق الآية 22
4- سورة الأعراف الآية 53

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (1).

و يقول تعالى شأنه:

يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيه(2).و يقول تعالى ذكره:

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ (3).

و يقول تعالى اسمه:

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (4).

و يقول سبحانه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (5).

ص: 129


1- سورة النور الآية 25
2- سورة الانشقاق الآية 6
3- سورة العنكبوت الآية 5
4- سورة الكهف الآية 110
5- سورة الفجر الآية 27- 30

و يقول سبحانه و تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى* وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى* فَأَمَّا مَنْ طَغى* وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى* وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (1).

و يتعرض القرآن الكريم لحقيقة جزاء الأعمال قائلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون(2).(3)الجواب علی دعوی الطباطبائي:

اقول: اما ما ادعاه الطباطبائي بقوله: هذا هو البيان الظاهري للقرآن الكريم، و قد جاء مطابقا لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، و نطاقه أشمل.

ومعناه انه يفسر الايات الكثيرة جدا الدالة بالدلالة الصريحة والقطعية علی المعاد الجسماني بان هذه الدلالة لا حقيقة من ورائها بل جاءت مطابقة لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، و نطاقه أشمل وبعبارة اخری ان حكمة الاجتماع اقتضت ذلك ومعنی ذلك ان ما دلت عليه الايات من كون المعاد جسميا فهو مجرد خداع.

ص: 130


1- سورة النازعات الآية 34- 41
2- سورة التحريم الآية 7
3- الشيعة في الإسلام السيد الطباطبائي مركز بقية الله الاعظم (علیه السلام) للدراسات و النشر

اقول: هذا الادعاء هدم لكل الموازين العلمية ونسبة الكذب والخداع الی الله العظيم وتكذيبه جل وعلا حيث يقول: ان ما توعدون لواقع ، ويقول: ومن اصدق من الله قيلا، وفي اية اخری ومن اصدق من الله حديثا ويقول: ان الله اشتری من الموءمنين انفسهم بان لهم الجنة..وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفی بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم...

وتاويل ذلك كله مقطوع البطلان وخلاف الوجدان ومخالف للضرورة من الدين واجماع جميع الشرايع الالهية.واما قوله: ان القران الكريم يلمح خلال تعابيره البسيطة أحيانا بالمعنى الباطني تلميحا , فالقرآن الكريم بتعابيره المختلفة، يذكر إجمالا:

أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني (نحو الكمال) تصير إلى الله تعالى، و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها و استقلالها كليا. ومعناه كما هو واضح أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، و الإنسان أحدها، في سيرها التكويني سوف تنتهي حركتها و سيرها، و تفقد إنيّتها يعني تحققها الجسمي والمادي وكذلك تفقد استقلالها كليا فلا وجود لها في الخارج اصلا وانما الوجود لله تعالی وذلك لفنائها واندكاكها في ذات الله تعالی.

ويدعي ان هذا المعنی من معاني بواطن القران ويقول ان القران يلوح الی هذا المعنی ويقول ايضا ان هذا المعنی يمكن استنتاجه من هذه الايات.

ص: 131

ففيه: انه انكار صريح للمعاد وهو خلاف الضرورة من الدين بل خلاف حكم العقل وذلك لان الدليل الدال علی امكان المعاد عقلا ثابت وذلك لقيام البرهان العقلي من ان الله جل وعز خلق ما خلق من كتم العدم قال تعالی :كما بدانا اول خلق نعيده فدل دليل علی امكانه هو الوقوع اذ ان الله جل وعلا لم يكن خلقه للخلائق بالفيض يعني ان وجود الخلائق هو نفس وجود الله سنخا كما تدعي الفلسفة ونفس وجوده عينا كما يدعي العرفاء بل ان الله تعالی قادرعلی ان يخلق غيره كما ذكرنا برهان ذلك في كتابنا الرؤية الفلسفية نقد وتحليل .

اقول: وقد خلق غيره بالوجدان فهذا ادل دليل علی الامكان بان يعيد الخلق كما بدأه .

واما الدليل العقلي علی ثبوت المعاد فبدليل قاعدة اللطف الدالة علی تنزه الله من الظلم والقبيح فلا يمكن ان تنتهي الحياة بلا اخرة لانه يلزم من ذلك ان يخرج من هذه الدنيا الملايين من البشر مظلومين ومحرومين وهذا مناف لعدالة الحكيم نعم انكر هذا الحكم العقلي الفلاسفة كما مر في اصول المعرفة من كتابنا الرؤية الفلسفية نقد وتحليل .

واما قوله: ان هذا المعنی من معاني بواطن القران.

ففيه: ان بواطن القران لا يعلمها الا النبي والائمة الاطهار (علیه السلام) ولا يمكن لاحد ان يدعيها من دونهم ولا دليل علی حجية قول من يدعي ذلك .

ص: 132

واما قوله ان القران يلوح الی هذا المعنی ويقول ايضا ان هذا المعنی يمكن استنتاجه من هذه الايات .

ففيه: انه تناقض فالتلويح يعني عدم الدلالة بل مجرد اشارة والاستنتاج يعني الدلالة العرفية لللفظ علی المعنی , اليس هذا تناقضاً فتارة يقول انه من المعنیالباطني واخری يقول ان القران يلوح الی هذا المعنی وثالثة يقول ان هذا المعنی يمكن استنتاجه من هذه الايات .

هذا مضافا الی انه يدعي ان ظاهر القران علی خلاف باطنه والملاك في المعنی هو الباطن , اقول: وفيه انه علی هذا فكل ظواهر القران لا قيمة لها وهو كما تری لا يقول به عاقل فضلا عن مسلم اذ الظواهر حجة عند كل العقلاء مضافا الی ان المعاد المذكور في القران الكريم ليس علی مستوی الظاهر بل بالدلالة الصريحة والقطعية .

واما ما استدل به من الايات فنحن نذكر ما ذكره من الايات ونذكر ما يقوله المفسرون ليتضح بطلان ما ذكره من التأويل ويعلم انه لا علاقة له بالاية المباركة اصلا .

وقد ادعی ان هذه الايات تدل علی المعاد الروحي و المثالي؛ وان المراد منها هو فناء الخلائق في الذات الالهية بالرجوع لها هكذا يفسر هذه الايات السيد الطباطبائي خلافا لصريحها وخلافا لقاطبة المفسرين واجماعهم وخلافا

ص: 133

للايات الكثيرة جدا والتي ذكر انها اكثر من تسعمائة اية الدالة علی كون المعاد جسميا لا مثاليا وخلافا للروايات الكثيرة الدالة علی جسمانية المعاد.

1- فاما قوله تعالی: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى فالطباطبائي يفسر الرجوع بالفناءبالذات الالهية لكن هذا المعنی لاربط له بالاية وخلاف صريحها وخلاف سياقها ومعنی الرجوع الی الله هو الرجوع الی المحكمة الالهية ليجازی الانسان بما عمل اما بالجنة او النار فيقول الشيخ الطوسي في تفسيرها مع ما قبلها: (إِنّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) ... ليطغى أي ليجاوز الحد في العصيان والخروج عن الطاعة (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) أي إذا كثر ماله واستغنى بطر وطغى ،وخرج عن الحد المحدود له، ...ثم قال على وجه التهديد لهم (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى)

فالرجعی والمرجع والرجوع واحد أي مصيرهم ومرجعهم إلى اللَّه فيجازيهم اللَّه على أفعالهم على الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب,

2- واما معنی قوله تعالی: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور(1) فليس معناها ان الانسان يفنی في الله بل لا ربط له بالاية فلاحظ ما قبلها وهو: وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي من تشاء الی صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض الا الی الله تصير الامور.فالاية تتكلم عن الدين وانه هو خط الهداية لا غير ومعنی ذلك ان كل من ينحرف

ص: 134


1- سورة الشورى الآية 53

عنه فسوف يواجه المحكمة الالهية يوم القيامة وبعبارة اخری ولا يمكن الفرار من حكومة الله جل وعلا .

3- واما قوله تعالیوَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّهِفلابد من ملاحظة سياق الاية من خلال الايات السابقة وهي:

(إِنّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) وهم الذين يفعلون الطاعات التي يستحقون بها الجنة والثواب بأن واع اللذات جزاء على طاعاتهم ، واخبر أيضاً (وَإِنَّ الْفُجَّارَ) وهم الذين خرجوا عن طاعة اللَّه إلى معصيته والمراد به - هاهنا- الكفار (لَفِي جَحِيمٍ) جزاء على كفرهم ومعاصيهم (يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّين وَماهُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) يعني لا يكونون غائبين عن الجحيم بل يكونون مؤبدين فيها ، (يَصْلَوْنَها يَوْم الدِّينِ) معناه إن الفجار يصلون في الجحيم يوم الجزاء على الاعمال. وسمي الإسلام ديناً لأنه يستحق به الجزاء لان أصل الدين الجزاء ،ودين اليهودية وغيرها يستحقبها العقاب. ومعنى قوله (يَصْلَوْنَها) يلزمونها بكونهم فيها ومنها لمصطلي الملازم للنار متدفياً بها ،صلى يصليصل اواصطلى يصطلي اصطلاء.

وقوله (وَما أَدْراكَ مايَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ مايَوْمُ الدِّينِ) تعظيم ليوم الجزاء بلفظ الاستفهام ،والغرض فيه التنبيه على عظم حاله وما يستحق به من ثواب وعقاب ليعمل العباد بما يؤديهم إلى الثواب والجنة والنجاة من العقاب ،وعظم يوم الدين لشدة الحاجة إلى نعيم الجنة ،والنجاة من النار ومن جملة العصاة ،فلا يوم أعظم من ذلك , ثم فسر تعالى ذلك وبينه بعد أن عظمه فقال (يَوْمَ لاتَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) ومعناه لايملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما

ص: 135

يملك كثير من الناس ذلك في الدنيا ،فان الامر في ذلك اليوم للَّه وحدهلم يملك أحداً شيئاً من الأمور كما ملكهم أشياء كثيرة في دار الدنيا.(1)وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّه.

للبحث صلة

ص: 136


1- التبيان في تفسير القرآن،ج 10،ص: 295

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109