«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
{بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة السابعة: العدد الثالث والعشرون1393هجري-ة شمسية1436 هجرية قمرية
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 2
موقع مكتب
سماحة آية الله العظمی السيد السيستانی(دام ظله)
الصورة

ص: 3
كلمةالتحرير...5
تفسير ايات العقائد اية الله السيد جعفر سيدان...7
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...20
مناظرة حول المعاد ... 33
الرؤية الفلسفية آية الله الكاظمي...45
موقف اصحاب الائمة (علیه السلام)والعلماء من الفلسفة والعرفان...53
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...61
تنزيه المعبود حجة الاسلام والمسلمين علي احمدي...67
الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي ...80
اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي...85
هداية الامة الی معارف الائمة(علیه السلام)اية الله الخراساني...92
ادعاء عمر وكعب الأحبار أن كل المسلمين في الجنة العلامة الشيخ علي الكوراني ...105
ماذا تعرف عن مدعي العرفاء...115
نظرة يقظة حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...117
من تاريخ الشيخية والبابية حجة الاسلام محمودي...124
ومن تاريخ فرقة البابية الضالة....130
ص: 4
ينقل عن اية الله العظمی السيد الخوئي قدس سره انه قال اقل ضرر الفلسفة ان يتخذ الانسان موقفا قبال اهل البيت(علیه السلام) وبالخصوص قبال اشرف العلوم و ارفعها محلّا واعظمها جوهرا وانفَسِها ذاتاً وهو علم التوحيد الذي هو اساس كل علم و مدار كل معرفة.
وممّا يعزّ على كلّ غيور أن يرى ثلّةً ممّن يتزيّن بزيّ العلم ويتشدّق بألفاظ المعرفة يقف - ويا للأسف - ليفتح بابا ويحمل راية أمام مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم الإلهيّة وهو يحسب أنّه يحسن صنعا ، يحدو به دواعي دنيويّة أو وساوس شيطانيّة أو أهواء نفسيّة ، أعاذنا اللّه من أمثال هذه النزعات الانحرافيّة والأفكار الشيطانيّة .
ولمّا انتهى الأمر إلى ازدياد هذه الأفكار الكاسدة وانتشارها في هذه البرهة الزمنيّة بين طلاّب العلوم الدينيّة تصدی رجال الفكر لنقد أساس وأصول الفلسفة والعرفان وبيان الأبحاث العقائديّة المهمّة علی اساس العقل والكتاب والسنّة ، وإبطال أصالة الوجود والاشتراك فيه ، وأدلّة الفلاسفة في وحدة الوجود ووحدة الخالق والمخلوق وبينوا موارد الافتراق بين مدرسة الوحيوالافكار الفلسفية والعرفانية وإبطال مكاشفات العرفاء من الآيات والأخبار ،
ص: 5
وبيان الميزان في تمييز الحقّ من الباطل من الكرامات وهذه هي وظيفة كل المخلصين من ابناء الامة الاسلامية فجزاهم الله خير الجزاء.
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 6
آية النور
الحلقة الثانية
باطن وتأويل اية النور
نحن نعلم ان للقران ظاهرا وهذا الظاهر مع التحقيق والفحص في الادلة الوحيانية الاخری ومع عدم وجود القرائن القطعية والعقلية المخالفة له حجة.
ومضافا الی هذا الظاهر – مع ملاحظة اللغة وقواعد اللغة العربية – ان للقران اشارات ولطايف وانه مع التعقل والتعمق يمكن الوصول اليها.
الا ان كل ما يطرح من الباطن او التأويل فهو مما لا يمكن استفادته من ظاهر الاية(1)
كما ولا يمكن الوصول اليه بالتفكير العميق ولو كان ذلك المعنیالتأويلي مما لا يتنافی مع النصوص الشرعية فلا يمكن العلم بمراد الاية وذلك لفقدان الدليل والرواية المعتبرة.
نعم حينما يكون للتأويل سند معتبر وفي ذلك السند تم التحقيق الكافي حوله يكون بالامكان قبول ذلك التأويل , وعلی هذا فالتأويلات لها مراتب فلو كان السند قطعيا كان التأويل قطعيا ولو كان ظنيا كان التأويل ظنيا ولوكان
ص: 7
السند ضعيفا كان التأويل ضعيفا ولو كان السند مكذوبا فليس التأويل بصحيح.
والغرض من بيان ذلك ان قسما من تأويلات المعروفين في الفلسفة والعرفان علی خلاف الاصول القرآنية والشرعية ولاجل هذا الدليل فهي باطلة, فعلی سبيل المثال قوله تعالی في{ولا تزد الظالمين الا ضلالا}(1) نوح يدعو الله جل وعلا ان لا يزيد الظالمين الا ضلالا لانهم لم يستجيبوا الی دعوته وحينما دعاهم جعلوا اصابعهم في آذانهم والبستهم علی رؤسهم واستكبروا...
يقول الله تعالی بعدذلك{مما خطيآتهم اغرقوا فادخلوا نارا} (2)وحول هذه الايتين لابن عربي تأويل سخيف وباطل لابأس بذكره , انه يقول ان ال في {الظالمين } للعهد اشارة الی الظالمين في اية 32 من سورة فاطر {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}(3) والمقصود من الظالم لنفسه في هذه الاية المرتاض الفاني في ذات الله والمراد من المقتصد الشخص الفاني في صفات الله والمراد من السابق بالخيرات اولئك الذين يعملون الخيرات الا انهم غافلون عن ذكر الله(4).
ص: 8
وعلی اساس هذا التأويل ان احسن الطوائف في الاية هو الظالم لنفسه وبعده المقتصد واتعسهم هم الفاعلون للخيرات.
اقول: فمع ملاحظة ان ال في الظالم في اية 24 من سورة نوح(علیه السلام) ال العهد وترجع الی الظالم الذي ذكر في الاية وايضا الضلال بمعنی الحيرة وعليه فيمكن ان يقال ان نوح(علیه السلام) دعا احسن دعاء في حق الظالمين وذلك لان الاية سوف تكون بهذا المعنی الهي ارفع المرتاضين بارفع عنايتك ولطفك واجعلهم حياری في ذاتك في حين انمالوارد عن الامام الباقر (علیه السلام)ان المراد بال{سابق بالخيرات}هو امير المؤمنين علي (علیه السلام)(1).
وايضا في تاويل الاية الاخيرة{مما خطيآتهم اغرقوا فادخلوا نارا} (2)جاء ان الخطيآت اخذت من الخطوة والمقصود هو ان قوم نوح تقدموا خطوات مهمة نحو بحر المعرفة وانهم لعقوا نار المحبة(3).
اقول: من الواضح ان هذه التأويلات تتنافی مع النصوص واصول المذهب ولا يمكن ان تكون هي المراد من الاية.
ص: 9
ونظير هذا الكلام في اية النور كلام السيد حيدر الاملي حيث فسر قوله تعالی{كمشكاة} بعالم الابدان وفسر ما بعدها بعالم الارواح والعقول...وهذا الكلام منه لايمكن ان يكون مراد الله جل وعلا هو هذه الامور.
والحاصل ان تاويلات العرفاء والفلاسفة حول اية النور علی قسمين:1- التاويلات التي لا تتفق بل تخالف الاصول القرانية والادلة الوحيانية ومن الواضح ان هذه التاويلات باطلة وكمثال لهذه التاويلات انهم فسروا النور في الاية بالوجود والسماوات بالمخلوقات وحينئذ ف{الله نور السماوات والارض} تكون بمعنی الله وجودالسماوات والارض وعليه لا يكون الا وجود واحد له مراتب مختلفة ويتشكل باشكال مختلفة والكل شؤونه وانواره.
وهنا نقول ان هذا التاويل تاويل باطل وليس بصحيح وذلك لان الذات الالهية المقدسة حقيقة مباينة لحقية المخلوقات , فالله تعالی غني الذات والمخلوقات كلها فقيرة ومحتاجة في ذاتها وكلها مخلوقة لله جل وعلا وقد نشأت هذه التاويلات من القول بهذه المباني: وحدة الوجود واصالته والتشكيك فيه بل ومصدرها وهو القول بالوحدة الاطلاقية وقد ناقشنا هذه النظريات واثبتنا بطلانها فراجع(1).
ص: 10
1- التأويلات التي لا تستفاد من الاية وليس عليها دليل روائي لكنها غير منافية لكلام الوحي.
وهذا النوع من التاويلات وان كان لا اشكال فيه بنفسه الا انه لايمكن نسبته لله جل وعلاعلی انه هو مراد الاية ونذكر لذلك نموذجا من كلام ابن عربي في التفسير المنسوب اليه فيقول:{ مثل نوره}صفة وجوده وظهوره في العالمين بظهورها به كمثل{ كمشكاة فيها مصباح } وهي اشارةالی الجسد لظلمته في نفسه وتنوره بنور الروح الذي اشير اليه بالمصباح وتشبكه بشباك الحواس تلألؤ النور من خلالها كحال المشكاة مع المصباح والزجاجة اشارة الی القلب المتنور بالروح...(1).
كلام ابن سينا
لابن سينا في الاشارت كلام حول مراتب النفس وانه يقسمها الی الی اربع مراحل : العقل الهيولاني والعقل الفعلي وعقل الملكة والعقل المستفاد.فالنفس التي لا تعلم شيئا الا انها لها القابلية علی العلم تسمی بالعقل الهيولاني , واذا ما وصلت تلك القابلية الی الفعلية تسمی بالعقل بالفعل , واذا
ص: 11
كان بامكانها احضار المعلومات واستفادت منها سمّيت العقل بالملكة , واذا ارتبطت بالعقل الفعال سميت بالعقل المستفاد.
وقد طبق ابن سينا في الاشارات والمحقق الطوسي في شرحه علی الاشارات مراحل النفس هذه علی اية النور(1) ومن اللازم في مقام الثبوت والاثبات نقد وتحقيق هذا التفسير في مكانه المناسب(2)وفي الحقيقة هذا التفسير تفسير بالرأي.
احاديث تأويلية حول اية النور
1- روي في كتب اصحابنا عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: دخلت إلى مسجد الكوفة، و أمير المؤمنين (صلوات الله و سلامه عليه) يكتب بإصبعه و يتبسم، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما الذي يضحكك؟ فقال: «عجبت لمن يقرأ هذه الآية و لم يعرفها حق معرفتها». فقلت له: أي آية، يا أمير المؤمنين؟فقال: «قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ، المشكاة: محمد (صلى الله عليه و آله)، فِيها مِصْباحٌ، أنا المصباح. فِي زُجاجَةٍ الزجاجة الحسن و الحسين (عليهما السلام)، كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ و هو علي بن الحسين (عليه السلام)، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ محمد بن علي (عليه السلام)، زَيْتُونَةٍ جعفر بن محمد (عليه السلام) لا شَرْقِيَّةٍ موسى بن جعفر (عليه السلام)، وَ لا غَرْبِيَّةٍ علي بن موسى (عليه السلام)، يَكادُ زَيْتُها يُضِي ءُ محمد بن علي
ص: 12
(عليه السلام)، وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ علي بن محمد (عليه السلام)، نُورٌ عَلى نُورٍ الحسن ابن علي (عليه السلام)، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ القائم المهدي (عليه السلام) {وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ }(1)
وقد ذكر ت في بعض التفاسير (ومن جملتها تفسير شيخ هادي الطهراني وكذلك في كلام القاضي سعيد القمي) استحسانات لهذه التسميات فعلی سبيل المثال اطلق علی الامام السجاد(علیه السلام){كوكب دري} لاجل ان زمان الامام(علیه السلام) زمان ظلمة وخفقان او{يكاد زيتها يضيء} اطلقتعلی الامام الجواد(علیه السلام) من جهة ان الامام بين حقايق لعدة جعلتهم جميعها يبهتون ويتحيرون وقد افحمهم الامام(علیه السلام)وقبلوا كلامه(2).
2- وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق باسناده عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَار(3)
قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ ع اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ قُلْتُ مَثَلُ نُورِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ ص قُلْتُ كَمِشْكاةٍ قَالَ صَدْرُ مُحَمَّدٍ ص قَالَ قُلْتُ فِيها مِصْباحٌ قَالَ فِيهِ نُورُ الْعِلْمِ يَعْنِي النُّبُوَّةَ قُلْتُ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ قَالَ عِلْمُ رَسُولِ اللَّهِ ص صَدَرَ إِلَى قَلْبِ عَلِيٍّ ع قُلْتُ كَأَنَّها قَالَ لِأَيِّ شَيْ ءٍتَقْرَأُ كَأَنَّها
ص: 13
فَقُلْتُ فَكَيْفَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قُلْتُ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ قَالَ ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع لَا يَهُودِيٌّ وَ لَا نَصْرَانِيٌّ قُلْتُ يَكادُ زَيْتُها يُضِي ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قَالَ يَكَادُالْعِلْمُ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْعَالِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ قُلْتُ نُورٌ عَلى نُورٍ قَالَ الْإِمَامُ فِي إِثْرِ الْإِمَامِ (علیه السلام)(1).
3-وَقَدْرُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ سُئِلَ عَن ْقَوْل ِاللَّهِ عَزَّوَجَلَّ- اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ فَقَالَ هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَنَا فَالنَّبِيُّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(2)وَالْأَئِمَّةُ
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مِنْ دَلَالاتِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَمَصَالِحِ الدِّينِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَلَاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم (3).
وهذا الحديث يتناسب مع الروايات الواردة في كون المراد من النور في الاية{الله نور..} هو الهادي والهدی حيث طبق هذا المعنی علی الائمة الطاهرين(علیه السلام)ولا شك ان الائمة(علیه السلام) هم مصاديق الهادين وسبل الهداية والهدی.
ص: 14
4-عنْ عِيسَى بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ و َجَلَّ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ قَالَ الْمِشْكَاةُ نُورُ الْعِلْمِ فِي صَدْرِ النَّبِيِّ ص- الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجَاجَةُ صَدْرُ عَلِيٍّ ع صَارَ عِلْمُ النَّبِيِّ ص إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ ع الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ قَالَ نُورٌ- لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قَالَ لَا يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ – يَكادُ زَيْتُها يُضِي ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قَالَ يَكَادُ الْعَالِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ع يَتَكَلَّمُ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يسْأَلَ – نُورٌ عَلى نُورٍ يَعْنِي إِمَاماً مُؤَيَّداً بِنُورِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ فِي إِثْرِ إِمَامٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ع وَذَلِكَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَة فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله عز وجل خلفاءه في أرضه وحججه على خلقه لاتخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم (علیه السلام)(1).
المَثَل ونفي المِثل
جاء في القران الكريم{ليس كمثله شيء}(2)و{لله المثل الاعلی}(3)و{فلا تضربوا لله الامثال}(4).فالمِثل الشيء الذي له مماثل وشبيه من جنسه والمَثلبمعنی الصفة او التوصيف(5) فامثال القران كلها جاءت لتوصيف المطلب بنحو خاص.
ص: 15
وعليه فالمِثل غير المَثل والله جل وعلا لا مثل ولا نظير له, وهنا سوال وهو لماذا يقول الله جل وعلا لا تضربوا لله مَثَلا؟ يقول الشيخ الطوسي في كتابه التبيان في تفسير القرآن:
{وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى}...وللَّه الوصف الأعلى،من اخلاص التوحيد، ولا ينافي هذا قوله {فَلاتَضْرِبُوالِلَّهِالْأَمْثالَ}لأنه بمعنى الأمثال التي توجب الاشباه، فأما الأمثال التي يضربها اللَّه للناس لما فيها من الحكمة من غير تشبيه له تعالى بخلقه ، فحق وصواب ،كما قال تعالى{وَتلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَمايَعْقِلُهاإِلَّاالْعالِمُون}(1)-(2).وعلی هذا لا يصح المثل الذي فيه تشبيه الذات الالهية المقدسة بخلاف المثل الذي فيه توصيف الله جل وعلا بلا تشبيه ولا يكون موجبا للنقص فلا ضير فيه.
{وله المثل الاعلی في السماوات والارض}(3).
ص: 16
علاقة آية البيوت مع اية النور
جاءت هذه الاية المباركة{في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال}(1)
بعد اية النور فما هي العلاقة بينهما اذن؟
وقوله تعالی{في بيوت} يتعلق بالمشكاة او المصباح من اية النور علی ما هو الاقرب والاوضح(2)وان قيل امورا اخری.وايضا الاية التي بعدها هي:{رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار}(3).
وقد جاء في تفاسير العامة نقل هذه الرواية:
ابن مردويه عن انس بن مالك وبريدة انهما قالا: قرأرسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)هذه الآية: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ إلى قوله وَالْأَبْصارُ فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أي بيوت هذه قال: بيوت الأنبياء. فقام إليه أبوبكر فقال: يارسول الله هذا البيت منها يعني بيت علي وفاطمة قال: نعم من أفاضلها(4).
ص: 17
وعلی هذا فنور الايمان ونور الهداية امر واضح وكل من لم يكن معاندا فسوف يحصل علی هذا النور وان الله تعالی يهديه.
كلمة الختامورد حديث في تحف العقول عن الامام الصادق(علیه السلام) يكون لنا درسا بليغا انهقَالَ: خَصْلَتَيْنِ مُهْلِكَتَيْنِ تُفْتِي النَّاسَ بِرَأْيِكَ أَوْ تَدِينُ بِمَا لَا تَعْلَم(1)
فعلی اساس هذا الحديث لا يستطيع الانسان ان يتدين بكل ما خطر في ذهنه ويظهره علی لسانه بلا ان يكون له دليل من الكتاب او العترة الطاهرة.
طبعا المسائل العقلية والتي اما ان تكون من البديهيات او من البرهانيات المبتنية علی الضروريات لا اشكال فيها لوحصلت بيد الانسان ومثلها لا يكون مخالفا للكتاب والعترة الطاهرة.
لكن في غير هذه الموارد لو نسب الانسان رايه والذي يعتقده حق وصواب الی الدين فهذا العمل مخاطرة وموجب للهلاك.
ص: 18
للشيخ الانصاري في الرسائل كلام حول ذلك مهم جدا وهو انه لما اورد هذا الحديث الشريف ان دين الله عزوجل لايصاب بالعقول الناقصة(1)قال:و قد أشرنا هنا و في أوّل المسألة إلى عدم جواز الخوض لاستكشاف الأحكامالدينيّة، في المطالب العقليّة، و الاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم و الانتقال منه إليه على طريق اللّم ثم قال:
و أوجب من ذلك: ترك الخوض في المطالب العقليّة النظريّة لإدراك ما يتعلّق باصول الدين؛ فإنّه تعريض للهلاك الدائم و العذاب الخالد(2)
فالشيخ الانصاري في كلامه هذا المهم يحذرنا من الاعتبارات العقلية النطرية(القائمة علی اساس الظن والحدس) لا العقل الضروري(القائم علی اساس البديهيات والبرهانيات).
ص: 19
في تفسير قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية "(1)
في غاية المرام من طريق العامة:
قال : الخامس ، الأعمش ، عن عطية ، عن الخدري ، وروى الخطيب الخوارزمي ، عن جابر : أنه لما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " علي خير البرية " .
وفي رواية جابر : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي قالوا : جاء خير البرية (2).
ص: 20
قال : السادس ، أبو المؤيد موفق بن أحمد ، في كتاب المناقب ، قال أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شهرويه بن شهردار الديلمي ، فيما كتب لي من همدان ، حدثنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوسالهمداني إجازة ، عن الشريف أبي طالب الفضل بن محمد بن طاهر الجعفري رضي الله عنه بداره بأصبهان ، في سكة الخوارج ، أخبرني الشيخ الحافظ أبو بكر بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الإصبهاني ، حدثنا أحمد بنمحمد السري ، أخبرنا المنذر بن محمد بن المنذر ، حدثني أبي ، حدثني عمي الحسين بن سعيد ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن زياد البزاز ، عن إبراهيم بن مهاجر ، حدثنا يزيد بن شرحبيل الأنصاري - كاتب علي عليه السلام - قال : سمعت عليا كرم الله وجهه يقول : " حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مسنده إلى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جيئت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين"(1)قال : السابع ، الجيري يرفعه إلى ابن عباس ، قال : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " في علي عليه السلام وشيعته(2) .
قال : الثامن ، في كتاب شواهد التنزيل ، للحاكم أبي إسحاق الحسكاني ،
ص: 21
قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شرحبيل الأنصاري - كاتب علي عليه السلام - قال : سمعت عليا عليه السلام يقول :قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مسنده إلى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " هم شيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض تدعون غرا محجلين(1).
قال : التاسع ، مقاتل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : "هم خير البرية " قال : نزلت في علي وأهل بيته .
قال : العاشر ، صاحب كتاب الأربعين ، وهو الثامن والعشرون من أحاديث الأربعين ، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن الحسن الصفاربقراءتي عليه، قال : أخبرنا أبو عمرو بن مهدي ، قال : أخبرنا أبو العباس بن عقدة ، قال: حدثنا محمد بن أحمد القطواني ، قال : حدثنا إبراهيم بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن مسلم ، عن ابن الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قد أتاكم أخي ، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ، ثم قال : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، ثم قال : إنه أولكم إيمانا معي ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ،وأعظمكم عند الله مزية ، قال : فنزلت " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " قال : فكان أصحاب
ص: 22
محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي عليه السلام قالوا : قد جاءخير البرية(1).
قال : الحادي عشر ، أبو نعيم الإصفهاني ، يرفعه إلى تميم بن جذلم ،عن ابن عباس رحمه الله قال : لما نزلت هذه الآية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " هم أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوكم غضبانا مقحمين "(2).
هذه جملة من الروايات المروية من طريقهم .
وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، ولنتبرك بذكر واحدة منها :
في غاية المرام ، عن الشيخ الطوسي رحمه الله في أماليه ، منتهيا إسناده إلى يعقوب بن ميثم التمار ، مولى علي بن الحسين عليه السلام قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له : جعلت فداك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني وجدت في كتب أبي : أن عليا عليه السلام قال لأبي ميثم : أحبب حبيب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان فاسقا زانيا ، وأبغض مبغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا وإن كان صواما قواما ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " ثم التفت وقال : هم والله شيعتك يا علي ، وميعادك وميعادهم الحوض غدا غرا محجلين ، فقال : أبو جعفر عليه
ص: 23
السلام : هكذا هو عندنا في كتاب علي عليه السلام(1).
أقول : الروايات المستفيضة من الجانبين تدل على أن أكمل مصاديق" الذين آمنوا وعملوا الصالحات " الخبر عنهم بأنهم خير البرية إنما هو مولانا أمير المؤمنين ، ولا ينطبق الموصول على غيره إلا من كان من شيعته وأتباعه فمن كان هذا شأنه فهو أقرب الخلق إلى الله تعالى بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يجوز أن يتقدم غيره عليه في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل التقدم عليه مناف لانحصار المؤمنين الصالحين فيه وفي شيعته .
فإن قلت : لا ينافي كونهم من شيعته عليه السلام تقدمهم عليه في الخلافة، لجواز أن يكون ذلك التقديم لتفويضه الأمر إليهم ، لمصلحة رآها .
قلت : من وقف على قصة سقيفة بني ساعدة ، وكيفية أخذ البيعة منه عليه السلام ومن أتباعه ، وتصرفهم فدكا ، ورد شهادة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وشهادة الحسن والحسين عليهما السلام ، وهمهم بإحراق بيت فاطمة عليها السلام ومن فيه ، واستخلاف الأول الثاني ، وجعل الثاني الشورى لتعيين الخليفة من بين ستة ، وسائر ما جرى بينهم يعلم بعدم موافقتهم لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعدم موافقته معهم ، وهذه الأمور الواقعة مما اتفقت عليه الأمة ، وصرحت به أخبار الفريقين ، وإن زادت أخبار بعضهم على بعضفي بعض الخصوصيات .
ص: 24
قال ابن قتيبة في تاريخه - المعروف بالإمامة والسياسة - بعد تصريحه بأن ما ذكره مما اتفقت عليه الأخبار(1).
قال : في بيان كيفية بيعته عليه السلام مع أبي بكر ، وإن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب : وقال والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ، قال : وإن ، فخرجوا فبايعوا إلا عليا ، فإنه زعم أنه قال : حلفت أن لا أخرج . ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها . فقالت لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقا ، فأتى عمر أبا بكر فقال ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : فادع لي عليا ، قال : فذهب إلى علي عليه السلام فقال : ما حاجتك ، فقال : يدعوك خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله ، فرجع فأبلغ الرسالة ، قال : فبكى أبو بكر طويلا ، فقال عمر الثانية أن لا تمهل هذاالمتخلف عنك بالبيعة ، فقال : أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ : عد إليه فقل له أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به ، فرفع على صوته فقال : سبحان الله لقد ادعى ما ليس له ، فرجع قنفذ ، فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو
ص: 25
بكر طويلا .
ثم قال عمر : فمشى معه جماعة حتى أتوا فاطمة عليها السلام فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي قحافة ، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم تتصدع ، وأكبادهم تتفطر ، وبقي عمر ومعه قوم ، فأخرجوا عليا ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع ، فقال : إن لم أفعل فمه ، قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، قال : تقتلون عبد الله وأخا رسوله ؟ قال عمر : أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا ، وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ، فقال : لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يصيح ويبكي وينادي : " يا بن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني". فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنا قد أغضبناها ،فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها . فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد السلام ، فتكلم أبو بكر ، فقال : يا حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والله إن قرابةرسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك ، وشرفك ، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول
ص: 26
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة .
فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلانه ، قالا : نعم ، فقالت : ناشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قالت : فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها .
ثم خرج باكيا ، فاجتمع إليه الناس ، فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي ، قالوا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن هذا الأمر لا يستقيم ، وأنت أعلمنا بذلك ، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين ، فقال : والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلمبيعة ، بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة عليها السلام .
قال : فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة ، قال : فلما توفيت أرسل علي إلى أبي
ص: 27
بكر ، أن أقبل إلينا ، فأقبل أبو بكر حتى دخل على علي عليه السلام وعنده بنو هاشم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد يا أبا بكر فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ، ولانفاسة عليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددت علينا ، ثم ذكر علي عليه السلام قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ،فقال أبو بكر : لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى ، فقال علي عليه السلام : موعدك غدا في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله تعالى .
ثم خرج فأتى المغيرة بن شعبة ، فقال : ألا ترى يا أبا بكر أن تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبة ، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم ، إذا كان العباس معكم ، قال : فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى دخلوا على العباس رضي الله عنه ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ، ثم قال: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبيا وللمؤمنين وليا ، فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا ، حتى اختار له الله ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم ، متفقين لا مختلفين ، فاختاروني عليهم وليا ،ولأمورهم راعيا ، وما أخاف بحمد الله وهنا ، ولا حيرة ، ولا جبنا ، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وما زال يبلغني من طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين ، ويتخذونكم لحافا ،
ص: 28
فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع ، فلما دخلتم فيما دخل فيه العامة أو دفعتموهم عما مالوا إليه . وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، يكون لك ولعقبك من بعدك ، إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ، ومكان أصحابك ، فعدلوا الأمر عنكم(1)
على رسلكم بني عبد المطلب ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم ،ثم قال عمر : أي والله وأحرى(2)
إنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن منكم ، فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم ولعامتكم ، فتكلم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه.
ثم قال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كما زعمت نبيا ، وللمؤمنين وليا ، فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق ، لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنتبالمؤمنين طلبت ، فنحن منهم متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه ، وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، وإن كان حقا لنا لم ترض عنك فيه ببعض دون بعض .
ص: 29
وأما قولك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها .
قال : ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف فأقبل على الناس فعذر عليا عليه السلام بمثل ما اعتذر عنده ، ثم قام علي عليه السلام فعظم حق أبي بكر ، وذكرفضيلته وسابقته ، ثم مضى فبايعه ، فأقبل الناس على علي عليه السلام فقالوا :أصبت يا أبا الحسن ، وأحسنت ، قال : فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ، ويستقيلهم ، يقول : أقلتكم في بيعتي ، هل من كاره هل من مبغض ؟ فيقوم علي عليه السلام في أول الناس فيقول : والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا ، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا " انتهى كلامه . وقد ذكر قبل ذلك : ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له : بايع أبا بكر ، فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ،واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيكم ،فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، فإذا احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم حيا وميتا ، فانصفوا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوءوا بالظلم ، وأنتم تعلمون ، فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع ،
ص: 30
فقال له علي عليه السلام : " احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم يردده عليك غدا ، ثم قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ، ولا أبايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك .
فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه : يا ابن عم إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ،ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشد احتمالا واستضلاعا ،فسلم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ، ودينك ، وعلمك ، وفهمك ، وسابقتك ،ونسبك ، وصهرك فقال علي كرم الله وجهه : " الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العرب من داره ، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ، المتطلع لأمر الرعية الدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا من الحق بعدا " .
وقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك .
قال : وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
ص: 31
وآله وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار ، تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أن زوجك ، وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت لا أدفنه ، وأخرج أنازع الناس بسلطانه ، فقالت : فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن عليه السلام إلا ما كان ينبغي ، لقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم " انتهى(1).
وإذا وقفت على ما جرى بينهم وبين مولانا أمير المؤمنين عليه السلام اتضح لك اتضاح الشمس في رابعة النهار أن احتمال الموافقة وتفويض الأمر إليهم لا مجال له ، كما تبين لك أن بيعته عليه السلام وبيعة أتباعه مع أبي بكر لم يكن إلا عن كره وإجبار ، فلم يحصل اتفاق على بيعته .والعجب من هذا المؤرخ الفاضل ، كيف زعم بعد ذكر هذه التفاصيل أنه عليه السلام بايع أبا بكر باختيار ، كما يظهر من آخر كلامه في بيان كيفية بيعته عليه السلام مع أبي بكر ، وليت شعري ما وجه إنكار عمر ؟ وتكذيبه أنه عليه السلام أخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن قضية مؤاخاته عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أظهر من الشمس ، وأبين من الأمس ، وقد تواترت روايات الفريقين على أنه صلى الله عليه وآله وسلم
ص: 32
اتخذ عليا أخا لنفسه(1).
الحمد لله والصلاة والسلام علی محمد واله الاطهار واللعن علی اعدائهم اجمعين
هذه سلسلة مناظرات حول المعاد بين استاذين: سماحة الاستاذ السيد جعفر سيدان استاذ المعارف الالهية وسماحة الاستاذ الشيخ جوادي املي استاذ الفلسفة وتدور هذه المناظرات حول كون المعاد في يوم القيامة هل هو بهذا البدن الترابي وبهذا الجسم الدنيوي كما يقول سماحة الاستاذ سيدان ام لا وانهمجرد روح بلا بدن واذا كان هنالك بدن فهو بدن مثالي لا جسمي كما يقول سماحة الاستاذ جوادي املي.
وقد كانت هذه المناظرات في شهري ذي القعدة وذي الحجة من سنة 1405قمرية في الجامعة الرضوية علی صاحبها الاف التحية والسلام وقد كتب وجمع هذه المناظرات سماحة الاستاذ الشيخ مهدي مرواريد وترجمها الی العربية الاستاذ وسام الخطاوي.
ص: 33
المناظرة الاولی
الأستاذ سيّدان:
عثرت من خلال مراجعاتي لكلمات الفلاسفة الإسلاميين المتأخرين علی موارد تخالف نتائج البحوث الفلسفية المستفادة من الأصول والأدلة الشرعية. وطبيعي أنّ احتمال وجود قصور في فهم كلمات القوم، أو في فهم مفاد الروايات، وارد في البين.لكن مع التأمّل والتدبّر، والحضور عند أهل الفنّ والمتخصصين بكلا الجنبتين (الفلسفة والحديث) يتضح تخالف كلا المسلكين.
ثمّ عثرت علی بعض اعترافات جمع من علماء الفلسفة تصرّح في بعض الموارد بهذا الإختلاف، من جملتهم المرحوم الآشتياني في «لوامع الحقائق»(1)
ص: 34
،والآملي في «دُرر الفوائد»(1) ، والخوانساري في «العقائد الحقة»(2).
فقد اعترف هؤلاء الأكابر بأن المعاد الّذي أثبته صدر المتألهين ومن تبعه بعنوان: «المعاد الجسماني»، هو المعاد الروحاني (بشكل أدق)، ممّا لا يتوافق مع المعاد المبيّن في الأدلة الشرعية.
إنّ الإذعان لهذا الأمر- يعني مخالفة نتيجة الطريق الفلسفي مع المستفاد من الأدلة الشرعية- يوجب عدم الاطمئنان للطريق الفلسفي.
والموضوع الآخر الّذي نشاهده في الأبحاث الفلسفية، هو الإختلاف الكبير في كثير من المسائل بين الفلاسفة أنفسهم. و هاتان الجهتان- و بالخصوص الجهة الأِولی- أوجبتا عدم الاطمئنان بالطرق الفلسفية.
و بالطبع فإنّ المنهج العقلاني وحجّية العقل (بالمعنی الواقعي للكلمة) غير قابل للإنكار. وبالعقل يتمّ تشخيص حقانية الوحي، و قيمة كلّ شيء.أمّا الموارد الّتي هي خارج نطاق إمكانية العقل، بمعنی أن العقل يدرك بأنّه لايمكن له إعمال النّظر القاطع والواضح فيها، أو كالمسائل المعقدة جداً، والّتي وضعت لها مقدمات خاطئة موضع المقدمات الصحيحة ففي هذا النحو من الموارد، لا يصحّ العمل بالمنهج العقلي، أو الاتكاء المطلق علی المقدمات العقلية. وإن أمكن أحياناً حصول القطع من هذه المقدمات ،فإنّه لايمكن
ص: 35
حينئذٍ البحث مع ذلك الإنسان القاطع،اللّهمّ إلّا إذا طعنّا في مقدمات قطعة، حتّی يتخلّی عن حالته هذه. ولكن العقل- بعد توجهه الإجمالي لهذه الأمور المذكورة- يعتقد أنّ هذا الطريق غيرمأمون، ولذلك يمتنع عن الورود فيه.
لهذا كان من المناسب علی الفيلسوف الإسلامي- الّذي يؤمن بالوحي- أن يصبّ منهجه المعرفي علی الوحي في هذه الموارد، بمعنی أن يرجع مباشرة إلی الآيات والروايات، طبعاً مع وضوح الدلالة و تمامية السند دون أن يلجأ إلی التأويل والتوجيه، ما لم تكن في مورده قرينة قطعية أو شرعية .
ونحن نری- عموماً- أنّ الفلاسفة الإسلاميين لم يسلكوا هكذا مسلك، فإنّهم بحثوا المسائل أوّلاً من حيث الرؤی الفكرية والتعقّلية، وقبلوا الموضوع علی أساس مقدمات غير واضحة ومختلف فيها. ثمّ بعد ذلك- وبحكم انتسابهم إلی مدرسة الوحي- يضطرون الی القاء نظرة علی الأدلة الشرعية، وفي كثير من الأحيان يقعون في التناقض؛ لأنّهم يرون عدم التوافق بين نتيجة الأفكار والأبحاث، وبين ما يستفاد من الأدلة الشرعية، وبذا يفتحون طريق التأويل والتوجيه. وغالباً ما يتبعون المتشابهات ليؤيدوا بها ما اختاروه من آراء.ومن باب المثال مسألة (المعاد)، فإنّهم يطرحون ذلك، كما أشرنا إليه؛ لأنّ العقل وحده هو القادر في هذه المسألة علی طرح المحتملات والفروض المختلفة، وإن كان قد يأتي بالمؤيدات الاستحسانية لبعضها. لكن الحكم القطعي علی كيفية المعاد خارج عن دائرة العقل.
ص: 36
ولحسن الحظ اعترف جمع من العلماء المتأخرين من المتخصصين وأصحاب النّظر في المسلكين (الفلسفة والحديث)، بعدم موافقة المعاد الصدرائي للمعاد الجسماني المستفاد من الأدلة الشرعية، وإن كان القائلون بالمعاد المذكور يستشهدون علی مختارهم بالآيات والروايات، ولكن يتضح بالتحقيق أن هذه الأدلة إمّا من قبيل المتشابهات الّتي لها وجوه واحتمالات مختلفة، أو لها ظهور في خلاف مدّعاهم من قبيل الآية الكريمة: {يوم تبدل الارض غير الارض}(1)
وقوله تعالی:{وننشأكم في ما لا تعلمون}(2)
، أو آية: {ان الله يبعث من في القبور}(3)،
مع التوجيه العجيب الّذي أعمله ملا صدرا، حيث قال: {ان الله يبعث من في القبور }، قبور الأجساد وقبور الأرواح، أعني الأبدان(4).ولاستيضاح هذا المطلب أعلاه، نطالع حاشية الصفحة نفسها، حيث قال (الحكيم السبزواري) معلقاً: «أعني الأبدان تفسير لكليهما، فإنّ الأبدان الطبيعية قبور وغلف للأجساد البرزخية والصور الأخروية، و كذا للأرواح».
ص: 37
والأعجب من هذا البيان ما قاله القيصري شارح الفصوص بالنسبة إلی الآية الشريفة:{ونسوق المجرمين الی جهنم وردا}(1) ، قال: «و جاء من قوله تعالی: {ونسوق المجرمين الی جهنم وردا} – إلی أن قال – أو أراد بالمجرمين الكاسبين للخيرات، والسالكين طريق النجاة، المرتاضين بالأعمال الشاقّة، والمشتاقين لظهور حكم الحاقّة، فإنّهم يكسبون بها التجليّات المفنية لذاتهم»(2).
الأستاذ جوادي:
لاينبغي الخلط بين الطريق العقلي وبين سلاّك الطريق، فإن الطريق العقلي معصوم وإن أخطأ الأفراد السالكون فيه. والروايات ليست علی مستوی واحد، فقد تحدّث الأئمّة(علیهم السلام) علی حسب اختلاف درجات الأفراد في الفهم.
ومن باب المثال ما نقله الصدوق في كتاب التوحيد، باب القدرة: إن عبدالله الديصاني أتی هشام بن الحكم فقال له: (ألك ربّ؟ فقال: بلی، قال: قادر؟ قال: نعم، قادر، قاهر، قال: ) يقدر أن يدخل الدنيا كلّها في البيضة علی ان لا يُكبّرالبيضة ولايصغّر الدنيا؟ فقال هشام: النظرة، (فقال له: قد انظرتك حولاً، ثم خرج عنه، فركب هشام إلی أبی عبدالله(علیه السلام) فاستأذن عليه، فقال: يا ابن رسول الله أتاني عبدالله الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلاّ علی الله وعليك، فقال له أبوعبدالله(علیه السلام): عما ذا سألك؟ فقال: قال لي: كيت وكيت)، فقال أبوعبدالله(علیه السلام): ياهشام كم حواسك؟ قال: خمس، فقال: أيّها أصغر؟ فقال:
ص: 38
الناظر. فقال: وكم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو أقل منها. فقال: يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما تری. فقال: أری سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وتراباً جبالاً وأنهاراً.
فقال له أبوعبدالله (علیه السلام): إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها، قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة من غير ان يصغّر الدنيا و لايكبّر البيضة. (فانكبّ هشام عليه وقبّل يديه ورأسه ورجليه، وقال: حسبي يا ابن رسول الله، فانصرف إلی منزله)(1) .
وبهذا المضمون ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: «جاء رجل إلی الرضا(علیه السلام) فقال: هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض و مابينهما في بيضة؟ قال: نعم، وفي أصغر من البيضة، قد جعلها في عينك وهيأقل من البيضة؛ لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما، ولو شاء لأعماك عنها».(2)
وفي هذا الباب روی الصدوق رواية اُخری عن الإمام الصادق(علیه السلام) قال: «قيل لأميرالمؤمنين(علیه السلام): هل يقد ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبّر البيضة؟ قال: إنّ الله تبارك وتعالی لا ينسب إلی العجز، والّذي سألتني لايكون»(3).
ص: 39
وفي رواية اُخری عن الإمام الصادق(علیه السلام) أيضاً، عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال في جواب من سأله ذات السؤال: «ويلك! إنّ الله لا يوصف بالعجز. ومن أقدر ممن يلطّف الأرض ويعظّم البيضة».(1)
ونجد هنا نحوين من الجواب في هاتين الروايتين.
والنموذج الآخر لإختلاف الجواب في المسائل الإعتقادية، ما نقله الصدوق أيضاً في التوحيد:
الرواية الأولی: عن سعد بن سعد قال: سألت أباالحسن الرضا(علیه السلام) عن التوحيد، فقال: «هو الّذي أنتم عليه»(2).الرواية الثانية: عن هشام بن سالم، قال: دخلت علی أبي عبدالله (علیه السلام) فقال لي: أتنعت الله؟ فقلت: نعم، قال: هات، فقلت: هوالسميع البصير، قال: هذه صفة يشترك فيها المخلوقون، قلت: فكيف تنعته؟ فقال: هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، و علم لاجهل فيه، وحق لا باطل فيه، حينئذٍ قال هشام: فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد»(3).
ومعلوم أن مستوی الكلام في الرواية الثانية أرقی من الرواية الأُولی. وقد استفاد الفارابي في برهان: «صِرفُ الشيء لايتكرر ولا يتثنی» من هذه الكلمات والعبائر.
ص: 40
و لابد من الإلتفات إلی موضوع آخر وهو: أنّ المطلوب في باب أصول العقائد هو الجزم والاعتقاد القلبي، ولا يمكن الإستدلال باخبار الاحاد وان كان معتبر سندا ودلالة وقابلا للاستدلال في المسائل الفقهية؛ لأنّ مبنی حجية خبر الواحد الثقة أو الوسائط الّتي تقع سلسلتها إلی المعصوم ثابتة علی كاهل الأُصول، من قبيل: «اصالة عدم الخطأ في الزيادة»و«اصالة عدم الخطأ في النقيصة».ولابدّ في كلّ واسطة من تطبيق هذه الأصول حتّی تتحقق الحجية. و معلوم أنّ بالأصل لايمكن الجزم بالواقع والإعتقاد به.
والخلاصة: بما أن سند روايات الآحاد ظنّي، فلا يمكن جعلها مستنداً للقطع والإعتقاد. وكذلك من جهة الدلالة إذا لم تكن صريحة في مضمونها، وإنّما هي صرف ظهور، فالظهور غير موجب للقطع بالمراد.
و أمّا مسألة إختلاف الفلاسفة الإسلاميين، وأن هذا الإختلاف أوجب عدم الاطمئنان بالطريق العقلائي، فينتقض عليه باختلاف الفقهاء فيما بينهم، مع أن مبنی الفقهاء ابتداءً هو الرجوع إلی الروايات، و إذا كان مجرد الإختلاف موجباً لعدم اطمئنان الطريق، فلابد أن نعرف أن طريق الحديث أيضاً سيكون غير مأمون، وذلك لإختلاف عدد من الفقهاء الكبار كالشيخ الصدوق والمفيد، والإنتقادات الشديدة الّتي وجّهها الشيخ المفيد في شرح إعتقادات الصدوق، أو إختلاف الفقهاء المتقدمين والمتأخرين في مسألة منزوحات البئر.
ص: 41
الأستاذ سيّدان:
اختلاف الروايات في باب الأصول الإعتقادية- ومن جملتها الروايتين المذكورتين- ليست من قبيل التناقض والتضاد. وأنّما هي من قبيل الزيادة والنقيصة. وفي موضوع ما قد يضاف مطلب- بحسب اختلاف حال السامعمثلاً- يتناقض هذا المطلب مع ما يقال في موضع آخر. وعليه لابّد من الجمع بين مفاد الروايات، وبهذا الشكل يرتفع الإختلاف.
و أمّا أن أخبار الآحاد ليست بحجّة في المسائل الأعتقادية (فيرد عليه):
أوّلاً: إنّ في كثير من الموارد تكون الأخبار متواترة أو تكون بحكم المتواترة؛ لأجل احتفافها بالقرائن القطعية.
ثانياً: وإن كان خبر الواحد لا يوجب القطع، ولكن في كثير من الموارد يوجب الطمأنينة. وفي مثل هذه الموارد، مع فرض عدم وجود طريق آخر للإعتقاد، يصبح الإعتقاد علی طبق خبر الواحد اعتقاداً اطمئنانياً وليس جزمياً. أي لابّد من القول: إنّه قد ورد في الشريعة من طريق مطمئن في مسألة اعتقادية ما كذا و كذا. وكذلك من حيث دلالة ظهور الكلمات في كثير من الأحيان يوجب الطمأنينة بمراد المتكلم.
وإذا كان المقصود من الصراحة- الّتي قيلت- هي أنّ الكلام لايقبل التوجيه والتأويل، ولو بمثل تأويلات القيصري، فعليه لايوجد عندنا أصلاً رواية وآية صريحة؛ لأنّ كلّ آية يشار إليها تقبل الحمل والتأويل.
ص: 42
وعلی كلّ حال، فإن هذا المطلب لايقف أمام الرجوع إلی الأدلة الشرعية، بل لابّد من مراجعة هذه الأدلة. فإذا كان الدليل الشرعي- بعد التأملّ والتدبرّفيه- يوجب يقيناً، فذلك حسن. وإذا أوجب الاطمئنان أو الظن أو أقل من ذلك، ففي المسائل الإعتقادية يتوقّف عند ذلك الحد من الاطمئنان أو الظنّ.
ليس مقصودنا أن في جميع المسائل الإعتقادية لدينا أدلة قطعية مائة بالمائة، ولكن هذا المطلب لا يسوّغ لنا الإغماض عن الأدلة الشرعية، أو أن نجعلها في الدرجة الثانية، ونبني أساس المعتقدات علی الطريقة التعقلية، مع فرض أن المسألة خارجة عن دائرة حكم العقل القطعي.
وأمّا مسألة اختلاف الفقهاء، فلايمكن قياسها باختلاف الفلاسفة، وذلك:
أوّلاً: إنّ الفقهاء لم يدّعوا أصلا ً الجزم والكشف في المسائل الفقهية الّتي هي مورد الإختلاف والإشكال. وإنّما أجزأوا العمل بآرائهم لأنفسهم ولمقلّديهم(1).
ثانياً: قد سلك الفقهاء الطريق المناسب للوصول إلی الأحكام الشرعية، وهو التعبد بالأدلة الشرعية. ولهذا فهم معذورون حتّی لو أخطأوا في استنباطهم. وملاحظة اختلاف بعضهم مع البعض الآخر لايجعل الطريق غير موصل؛ لأنّهم أخيراً لا طريق لهم وهم معذورون، (بعد التسليم بأن العمل والفتوی بالاحتياط في المسائل باعث علی العسر والحرج). ولكن هل سلك الفلاسفة الإسلاميون الطريق الواقعي للوصول إلی الحقائق؟
ص: 43
فهم ابتداءاً بحثوا المسائل من نافذة التعقّل، ولمّا لم تثبت مصونية هذا الطريق في حدّ نفسه، و لو لإنسان واحد ناظر من الخارج لهذا الأمر و متوجه إلی اختلاف الفلاسفة في نتائج افكارهم، ولهذا فهو يری أنّ هذا الطريق غير آمن وأنّ عليه أن لايسلكه. وحقيقة الأمر هي: أنهم وردوا في أوّل الأمر (مع فرض أن هذه المسألة ليست من المستقلات العقلية) و أخيراً توصلوا إلی نتيجة فكرية واحدة، وطالماً جزموا بهذه النتيجة، ولا مندوحة لهم إلّا بالتخلّي عن كثير من الأدلة الشرعية.
ومعلوم أنّ الشخص القاطع بمطلب، لايمكن منعه من ترتيب آثار القطع. ولكن يمكن تذكيره بهذا المطلب، وهو أنّ نتيجة أفكاره تنافي الأدلة الشرعية، طبعاً فيما لو كان هذا معتقداً بالوحي والأصول الشرعية. فانّه سوف يتزلزل قطعه، ويعرف إجمالاً أنّ بعض أو جميع المقدمات العقلية- الّتي علی أساسها تمّ قطعه- غير تامّة.
و أمّا الذين ينظرون من الخارج لهذه الواقعة، يعرفون أنّ الطريق الّذي يجر الإنسان إلی مخالفة الأدلة الشرعية طريق غير صحيح، ولا يمكن الأعتماد عليه في المباني الإعتقادية. والظاهر أن الشيخ الاعظم الأنصاري- في بحث القطع من الرسائل- أشار الی هذا المطلب قائلاً: «و أوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية؛ لإدراك ما يتعلق بأصول الدين ؛ فإنّه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد»(1).
ص: 44
العدد السادس عشر
5- انه لو تعددت حقيقة الوجود فهل من حدود بين الخالق والمخلوق؟
والجواب عن هذا السؤال فهو: ما تقدم من البرهان العقلي القطعي انه جل وعلا ليس كمثله شيءو لانظير ولاشبيه ولاضد له فهو شيء لاكالاشياء وكما قال سيد الموحدين واميرالمؤمنين عليه افضل الصلاة والسلام: « مع كل شيء لابمقارنة وغير كل شئ لابمزايلة » فلا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان وانه لا يتطرق اليه التحديد ولا يوجد مانع عقلي من وجود غيره محدود غير خارج عن سلطانه لانه ليس ضداً له و لاممانعاً لوجوده او هو من سنخ وجوده تعالی فلاسنخيّة بين وجوده القاهر المؤثر ووجودغيره الذي هو اثر
ص: 45
ومغلوب ومقهور. والحاصل انه جل وعلا ليس من سنخ المحدوداتوان المخلوقات محدودة وهو غيرها فانه ليس من سنخ الآثار فما هو المستحيل في البين؟
6- هل ان ارادة الله جل وعلا ذاتيّة وعليه فلا يتخلف المراد عن الارادة؟ ام ان ارادته صفة من صفات الافعال لا من صفات الذات وانه فاعل بالاختيار؟
اقول: هذه احدى نقاط الخلاف بين الفلاسفة والاخرين حيث ان الفلاسفة تبنّوا ان ارادته تعالى عين ذاته وعليه فلاينفك المراد عن الارادة وحاصله قدم العالم لقدم الذات المقدسة الالهية.
هذا وفسّرالمتأخرون منهم الارادة بالحب فارادته يعني حبه للشيء؟
ويلاحظ عليه:
ان الله جل وعلا مريد مضافاً لكونه مختاراً فليست ارادته منفكة عن اختياره فلا يمتنع ان تكون الارادة «بالمعنی الاتي من العلم » عين الذات وقديمة لكن متعلقها «يعني المراد» يحصل في وقت خاص فكون الارادة عين الذات لاينافي تعلقها بمراد منفك زمناً عن الارادة فالذات الالهية حسب ما تقدم من الدليل العقلي القاطع قاهرة لامقهوريّة ولا مغلوبيّة فيها.
ص: 46
واما اعتبار ان المراد لاينفك عن الارادة زماناً ووجوداً فمعناه حذف الاختيار عن الذات المقدسة وهو باطل عقلاً وهل يصح ان يكون لنا اختيارونحن لا نملك من امرنا شيئاً الا ما ملّكنا الله اياه وربنا لا يملك قدرة الاختيار.
والحاصل فسواء قلنا ان الارادة من صفات الذات ام من صفات الافعال فذلك لايستلزم صدور الخلائق عنه تعالى بالايجاب لا بالاختيار ولذا ارجع العلماء ارادته تعالى الى صفة العلم وقالوا «ارادته لافعال ذاته عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية الى الايجاد في ذلك الوقت دون غيره»(1) ، هذا مضافاً الى ان الفاعل بالايجاب لايُسمّى مريداً وذلك لانه مضطر ومقهورعلى صدور الفعل منه.(2)
ص: 47
واما الارادة بمعنى الضمير وما يعزم عليه الانسان في نفسه فمستحيل على الله جل وعلا لانه يستلزم كونه تعالى محلاً للحوادث وكل ماكان محلاً للحواداث فهو حادث وقد اوضح برهانه العلامة السيد البهبهاني رحمه اللهكما تقدم في بحث الاضافة الابداعية.
وكذلك تفسير الارادة بمعنى الحب ايضاً امر باطل فالارادة والحب وان كانا من الصفات النفسانية الاّ انه:
اولاً: لاترادف بينهما لالغةً ولاعرفاً.
ثانياً: ان تفسير الارادة بمعنى الحب يرجع الى كون الارادة من الصفات النفسانيّة والتي تكون بمعنى الضمير والله جل وعلا لاتركب في ذاته حتى تكون له صفات نفسانيّة ولاتعدد في صفاته فهو من-زه عن صفات البشر
ص: 48
والمخلوقات من الاشتمال على الضمير والحاصل اننا اذا نظرنا الى الارادة من حيث الذات فهي ترجع الى صفة العلم وانها علم خاص لا انها مطلق العلم واذا نظرنا اليها من جهة المراد فهي عبارة عن ايجاده واحداثه وتكون من صفات الافعال كالخالقية والرازقية وقداوضح ذلك ائمة اهل البيت(علیه السلام) ففي صحيح صفوان قال قلت لابي الحسن(علیه السلام) اخبرني عن الارادة من الله ومن الخلق فقال: «الارادة من الخلق الضمير وما يبدوا لهم بعد ذلك من الفعل واما من الله فارادته احداثه لاغير»(1).
7- هل ان فاعلية الله جل وعلا بالابداع ام بالتجلي ؟
ادعی السيد الطباطبائي ان فاعليته تعالی بالتجلي اقول الاقوال في فاعليته تعالى كالتالي:
1) ان فاعليته تعالى بالقصد والمقصود من ذلك «هو الذي له علم وارادة وعلمه بفعله تفصيلي قبل الفعل بداع زائد كالانسان في افعاله الاختيارية وكالواجب عند جمهور المتكلمين»(2) وقد تبنى هذ الرأي المعتزلة والاشاعرة الا ان الاشاعرة ذهبوا الى ان الله جل وعلا لا غاية له في افعاله وانها لاتعلل بالاغراض.(3)
ص: 49
ويرد قول الاشاعرة لزوم العبثية في افعاله تعالى وهو باطل بحكم العقل البديهي القاضي بتنزه الذات الالهية عن كل قبيح وقد قال تعالى وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الاّ بالحق ولكن اكثرهم لايعلمون(1)~ وقال تعالى :افحسبتم انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لاترجعون(2)~ وقال تعالى ولايزالون مختلفين الاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم(3) ~
ولازم قول المعتزلة ان يكون الله جل وعلا ناقصاً في ذاته محتاجاً للغير ولا يخفى بطلانه.
2) ان فاعليته تعالى بالعناية، والمراد «هو الذي له علم سابق على الفعل زائد على ذاته نفسه الصورة العلمية منشأ لصدور الفعل من غير داع زائد كالانسان الواقع على جذع عال فانه بمجرد توهم السقوط يسقط على الارض وكالواجب تعالى في ايجاده الاشياء عند المشائين»(4) وتوضيحه ان نفس ارتسام صور المخلوقات في صقع الربوبية يكون منشأ لصدور الفعل منه وبعبارة اخرى تعلق علمه بفعله الذي هو النظام الخير يصير مبدأ لصدوره لاباء جوده ان يعلم خيراً ولايفعله.
ص: 50
ويلاحظ عليه: مضافاً لما تقدم انه يلزم على هذا القول عروض الاعراض على الذات الالهية المقدسة اولاً وجهل الذات الالهية في مرتبة الذات تعالى الله عن ذلك.
3) ان فاعليته تعالى بالرضا، والمراد «هو الذي له ارادة لفعله عن علم وعلمه التفصيلي بفعله عين فعله وليس له قبل الفعل الاّ علم اجمالی به بعلمه بذاته المستتبع لعلمه الاجمالی بمعلوله كالانسان يفعل الصور الخيالية وعلمه التفصيلي بها عين تلك الصور وله قبلها علم اجمالی بها لعلمه بذاته الفعالة لها وكفاعلية الواجب تعالى للاشياء عند الاشراقيين»(1) وتوضيح ذلك: ان حبه ورضاه بذاته يستلزم حبه ورضاه بما تقتضيه ذاته فيريد الفعل تبعاً لارادته ذاته.
ويلاحظ عليه: مضافاً لما تقدم انه يلزم على هذا القول نفي العلم التفصيلي بمخلوقاته عنه تعالى قبل ان يخلق الخلائق وهو باطل.
4) ان فاعليته تعالى بالتجلي و يفسره لنا السيد الطباطبائي بانه «هو الذي يفعل الفعل وله علم تفصيلي به هو عين علمه الاجمالي بذاته كالواجب تعالى بناءاً على ما سيأتي ان له تعالى علماً اجمالياً بالاشياء في عين الكشف
ص: 51
التفصيلي»(1)وسمي بالتجلي قيل: لكونه افعاله ظهورات وتجليات لذاته وصفاته التي هي عين ذاته(2).
ولا يخفى ابتناؤه على القول بالسنخية ووحدة الوجود والموجود وقد تقدم بطلان ذلك بما لامزيد عليه وانه تعالى قادر بذاته حقيقة على ابداع كل شيء فليست فاعليته كفاعلية سائر الاشياء فانه ليس كمثله شيء ولو لم تكن ذاته المقدسة كذلك يلزم النقص عليه ومحدوديته تعالى فليست فاعليته بنحو السيل والترشح او التنزل بل بنحو الابداع لامن شيء فلا يمتنع منه ايجاد الاشياء الكثيرة.
ولايخفى انه تعالى يكون قادراً على ابداع الحقائق والاشياء لا من شيء اكمل واعظم من موجود تكون فاعليته وقادريته عين فياضيته من ذاته، وهذا النحو من الفاعلية هو من كماله ومختصاته تعالى.
ص: 52
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة العشرين.
وفي هذه الحلقة نذكر القائلين بحرمة دراسة الفلسفة إلا للمجتهدين في العقائد العارفين بضلالتها وإضلالها لاجل نقضها وإبطالها.
ص: 53
قال الله تعالی: {لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ}(1).
وقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إِذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله(2).
الصورة

«العاقل كيف يصدرمنه هذاالكلام،وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه... فلاإشكال في أنّ الالتزام بذلك كفرصريح وزندقه ظاهرة لأنه إنكارللواجب والنبي صلی الله عليه وآله وسلم.»
«إني في المعارف الاعتقادية... لا أأيد مسلك عرفان صاحب الفصوص.»
الصورة

«... وهذا المطلب هو وحدة الوجود والموجود الباطلة التي تكون مستلزمة لإنكار الخالق والخالقية.» (مجلس استفتائه)
الصورة

«سمعنا أن في هذه الحوزة المباركة يدرس العرفان علی ضوء كتاب ابن عربي، وهذا خطر علی الحوزة ولا سيما على شبابنا، فإن كتاب ابن عربي كل من قرأ هذا الكتاب يعتقد بأنّه زنديق ولا إيمان له بالله تعالى وتقدس... ومن هنا يكون هذا الدرس خطراعلی الحوزة ولا سيما علی شبابنا، وعلينا أن نكون فى يقظة وحذر من هذه الأمور.»
ص: 54
نص الجواب من المراجع في بعض المباني الفلسفية العرفانية بلاتقطيع مخلٍّ لكلماتهم
وبلا إشارة إلى قائل أو كتاب معين:
الصورة

«الحضور في هذه المجالس حرام. وكل هذه المطالب باطلة. والاعتقاد بها كفر واضح وخروج عن الدين. وكل من اعتقد بوحدة وجود الباري تعالى مع ما سوی الله فقد خرج عن التوحيد وهو بلا دين...»
الصورة

«الحضور فى هذه المجالس حرام وموجب للضلال وغضب الله المتعال، وكل مكلف زائداً على أنه لا يجوز له الحضور في تلك المجالس يجب عليه أن يُعلم الآخرين لئلا يقعوا في الضلالة.»
«الحضور في هذه المجالس (التفاتا إلى المطالب المذكورة) التي تصير باعثةلإضلال المؤمنين والمؤمنات ليس بجائز.علي الصافي الگلپايگاني»
الصورة

«... لا تكفي الفتوی بحرمة هذه المجالس وحرمة المشاركة فيها فقط، بل غلق هذه المجالس قانونا ومنع انعقادها قانونا وشرعا إن لم يكن بأوجب من غلق محال شرب الخمور ومن منع المتبرجات فلا يكون بأقل منها...»محمد باقر بن عبد الله الشيرازي
ص: 55
الصورة

«باسمه تعالی. المجالس التي تطرح فيها هذا النوع من المباحث لا تجوز المشاركة فيها للأشخاص الناشئين إلا لمن يقدر علی الإجابة عن هذه الأفكار الباطلة، ووجود مثل هذا الشخص نادر.والله العالم.» جعفر السبحاني
الصورة

«إن وحدةالوجود قد تكون بمعنی... وحدة مصداق الوجود بمعنى أنه ليس في عالم الوجود شيء غير الله، وكل شيء يكون عين ذات الله. هذا الكلام مستلزم للكفر ولم يقبله أحد من الفقهاء.»
استفتاءفي بعض نصوص عبارات كتب نهاية الحكمة وبدايتهاوأخرى لمؤلفهما عن المراجع
بلا إشارة إلى اسم كتاب أو شخص معين
سلام عليكم. إن في بعض مجالس الصوفية والكتب، تذكر مطالب تأتي نماذج منها ذيلا، فما هو حكم الحضور في تلك المجالس؟ وما هو وظيفة المؤمنين قبالها؟ وما هو حكم من يدافع عنها؟فمن تلك المطالب ما ذكروه في نفي الحدوث الحقيقي للعالم وتخطئة القول بحدوثه، بل عدّ العقيدة بحدوث العالم - الذي هو من ضروريات الأديان - أسخف الأقوال:
«إن من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر.» «بعض من لم يجد بدا من إيجاب العلة التامة لمعلولها قال بأن علة العالم هي إرادة الواجب دون ذاته تعالى وهو
ص: 56
أسخف ما قيل في هذا المقام.» «إن قدرته تعالى هي مبدئيته للإيجاد وعليته لما سواه وهي عين الذات المتعالية ولازم ذلك دوام الفيض.»
وقالوا في عجز الباري تعالی من خلق أكثر من شيء واحد:
«الواجب تعالى... لا يفيض إلا وجودا واحدا.» «فالأثرالصادرمنه واحد... فالوجود الذي هوفيض هوأثره المجعول واحدغيركثير.»
وقالوا في الجبر، ونفي الاختيار والفاعلية الحقيقية عن الله تعالى:
«إن الواجب بالذات علة تامة ينتهي إليه كل موجود ممكن بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط بمعنى أن الحقيقة الواجبية هي العلة بعينها.» «إن العلة التامة يلزم من وجودها وجود المعلول ومن عدمها عدمه.»
وقالوا في أن كل فعل هو فعل الله:
«فما من شي ء ممكن موجود سوى الواجب بالذات حتى الأفعال الاختيارية إلا وهو فعل الواجب بالذات معلول له بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط.» «إنه فاعل تام لمجموع ما سواه» «فهو مبدء لما سواه... واقتضاء المبدء لما هو مبدء له ضروري.»
وقالوا في علية ذاته لوجود الأشياء لا فعله وإيجاده:
«وعلمه الذي هو عين ذاته علة لما سواه.»
وقالوا في الاعتقاد بالشباهة والسنخية بين ذات الله تعالی وخلقه:
«من الواجب أن يكون بين المعلول وعلته سنخية ذاتية.» «إن الفعل ضروري المسانخة لفاعله».
وقالوا في وحدة وجود الخالق والمخلوق وعينيتهما؛ وكون جميع الأشياء في ذات الله، ونفي الخلقة:
ص: 57
«لا يشذ عنه وجود.»«الوجودات الإمكانية كائنة ما كانت... محاطة له بمعنى ما ليس بخارج.»«قول بعضهم أن علة الإيجاد هي إرادة الواجب بالذات دون ذاته المتعالية كلام لا محصل له.»«إنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها، مليء بما يهبه ويجود به... علی ما يليق بكبريائه»«إنه صمد... لا مكان خاليا فيه.»
وقالوا في أن ذات الله تعالی عين كل شيء مع إضافة غيره إليه، فوجوده عندهم مساو لوجود جميع الأشياء:
«إن العلة تمام وجود معلولها... إن تمام الشي ء هو الشي ء وما يفضل عليه»«من الواجب في التشكيك أن يشمل الشديد علی الضعيف وزيادة».
وقالوا في الاعتقاد بوجود ما يساوي الله تعالی من خلقه وعجزه تعالی عن خلق غير ذلك:
«الواجب تعالى... لا يفيض إلا وجودا واحدا بسيطا له كل كمال وجودي.»
وقالوا في إثبات الآلهة المتعددة وأرباب الأنواع، وإسناد الخلقة والربوبية إلی غير الله تعالی:
«مرتبة الوجود العقلي معلولة للواجب تعالى بلا واسطة وعلة متوسطة لما دونها من المثال ومرتبة المثال معلولة للعقل وعلة لمرتبة المادة والماديات.»
وقالوا في أن معنی تقدم وجود الله تعالی علی وجود المخلوقات هو تطوّر ذات الله بالأطوار المختلفة:
«تقدم الوجود على الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية إذ ليس بينهما تأثير وتأثر ولا فاعلية ولا مفعولية بل حكمهما حكم شي ء واحد له شؤون وأطوار وله تطور من طور إلى طور.»وقالوا في الاعتقاد بالإجمال والتفصيل والحدوث في ذات الله تعالى وعلمه:
ص: 58
«إن له تعالى علما إجماليا في عين الكشف التفصيلي.» «يكشف بتفاصيل صفاته التي هي عين ذاته المقدسة عن إجمال ذاته كالواجب تعالى.» «فهو معلوم عنده علما إجماليا في عين الكشف التفصيلي.»
وقالوا في أن المسلمين جميعا لم يفهموا حقيقة التوحيد إلی الألف الهجري!إلی أن ظهرت الفلسفة التي تفس-ر وحدة الله الحقيقية بمعنی شمول ذاته لجميع الأشياء ونفي الغير مطلقا:
«إن المتعاطين لعلوم القرآن... أهملوا هذا البحث الشريف... ثم ما وقع في كلام الفلاسفة الإسلاميين بعد الألف الهجري... مبنية على صرافة الوجود وأحدية الذات جلت عظمته... لم يقو بالوقوف عليه أفهام العلماء حتى بعد ما فتح[أمير المؤمنين عليه السلام] بابه.»
وقالوا في تأويل معنی المعاد الشرعي إلی معنی بسط ذات الله وقبضها:
«نفادوجودالأشياءوإنتهائهاإلى أجلها...لم يكن إلا بسطا ثم قبضا...وهوالمعاد الموعود.»
وقالوا في أن جميع الأشياء تسير دائما إلی الكمال! وأن المعنی الدقيق للمعاد هو فناء إنيتها في الرجوع إلی الله:
«القرآن يدل علی أن العالم بجميع أجزائه يسير تكوينا إلی الكمال، وستتم حركته يوما وتدفع إنيته قبال عظمة الله.»
وقالوا في استغناء القرآن عن بيان النبي والأئمة عليهم السلام إلا في مثل تفاصيل الأحكام والقصص والمعاد:«لا معنى لإرجاع فهم معاني الآيات والمقام هذا المقام[أي التحدي]... حتى إلى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم... نعم تفاصيل الأحكام مما لا سبيل إلى تلقيه من غير بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم... وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلا... جميع ما نقل عن
ص: 59
النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يمكن استفادته من الكتاب ولو توقف ذلك على بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من الدور الباطل وهو ظاهر.»
الجواب:
لا يجوز الحضور في هذه المجالس لمن ليس أهلا للجواب عنها... فلا يسمع لأقوال هؤلاء المنحرفين عن خطّ أهل البيت وأقوالهم. 26 رجب المرجب 1433
إن أكثر ما ذكرتم من هذه الطائفة غير صحيح والدليل علی خلافه، ولا يجوز للمؤمنين الحضور في مجالسهم، بل اللازم التبري عن عقائدهم.
بسم الله الرحمن الرحيم ...المطالب المذكورة من مجالس الصوفية وكتبهم أكثرها من أسخف الأقوال وأبطلها ومن أضر القول إلی جوامع المسلمين خلطوا بذلك الحق والباطل وليس فيها كرامة من شيء... لا يحوز الحضور في مجالسهم ولا استماع شيء من كلماتهم ولا المؤانسة معهم. والله العالم.27 جمادي الأولی سنة 1433 1/2/1391
باسمه تعالی. كثير من هذه العبارات موهومة باطلة وبعضها دعوی بلا دليل واللازم الاجتناب عنها.
ص: 60
الحلقة العشرون
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية والعرفاء.
الباب الحادي عشر
في إبطال ما يفعلونه من الذكر الخفي والجلي على ما ابتدعوه
ص: 61
إعلم أن كل أمر من أمور الدنيا والدين له ثلاث مراتب إفراط وتفريط وعدل بمعنى الزيادة والنقصان والتوسط ولا شك أن الأولين مذمومان قبيحان عقلا وشرعا فهما محرمان في الأمور الدينية والأحكام الشرعية لاستلزامهما مخالفة الشرع وكذا في أمور الدنيا لأن لها أحكاما شرعية فإذا حصلت مخالفتها ثبت التحريم، والطرف الثالث أعني التوسط والعدل هو الممدوح شرعا المحمود عقلا بل هو الواجب وقد قال عليه السلام: الجاهل إما مفرط وإما مفرط(1).
وقال عليه السلام: خير الأمور أوساطها، والشواهد على ذلك كثيرة إذا عرفت ذلك فاعلم أن الصوفية قد خرجوا في جميع ما سلكوا واختصوا به إلى حد الافراط أو التفريط وفي هذا الباب قد خرجوا إلى الحدين معا فتارة يرفعون أصواتهم بالذكر حتى يتجاوز حد العلو لفرط المبالغة والغلو مع الوصول إلى حد الغناء وتارة يخفونه في أنفسهم على وجه لم يرد به شرع بل هو مخترع مبتدع فإنهم يتصورون مجرد خروج حروف لا إله إلا الله من جوانب القلب والباطن على وجه معروف عندهم مفصل بينهم، فيخرجون بعض الحروف قوة لا فعلا ونطقا من الجانب الأيمن وبعضها من الأيسروبعضها من فوق وبعضها من تحت من غير أن ينطقوا بألسنتهم بل يحركون رؤسهم وأبدانهم حركة عنيفة لأجل ذلك ويجهدون أنفسهم فيه ومن عرف أحوالهم واطلع عرف أن أمرهم في الحالين مقصور على الظاهر دون الباطن
ص: 62
ولا شك أن الشيطان قصد صرفهم عن العبادة الشرعية في الحالين فصارت همتهم مصروفة إلى المبالغة في إخراج الحروف وتحسين الصوت ونحوهما مع أنه لا يوافق الشرع شيء مما يفعلونه وهذا كاف في فساد طريقهم غير إنا نذكر في ذلك اثني عشر وجها: الأول: عدم ظهور دلالة قطعية على ذلك كما مر مرارا ولا يخفى أن إثبات عبادة شرعية بغير دليل تشريع مردود.
الثاني: مخالفة لعمل الشيعة وإجماعهم قديما وحديثا إلى قريب من هذا الزمان كما عرفت وستعرف دخول المعصومين عليهم السلام في ذلك الاجماع وخروج هؤلاء الشذاذ لا يقدح لما عرفت من فساد أقوالهم وأفعالهم.
الثالث: مخالفة لطريقة(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) النبي والأئمة عليهم السلام إذ قد نقلت أحوالهم وآثارهم على غير هذا الوجه كما ستعرف إن شاء الله.
الرابع: الآيات الشريفة القرآنية الدالة على النهي عن الافراط في رفع الصوت بالذكر كقوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول}(1)
{ولا تجهر بصوتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}(2){ادعواربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}(3)
إلى غير ذلك من الآيات ومنافاتها لعلو الصوت إلى هذا الحد الذي يفعلونه ظاهرة مع أنهم يصلون فيه إلى حد الغناء وقد تقدم من أدلة تحريمه ما لا مزيد عليه في مثله.
ص: 63
الخامس: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي كثير الذكر لقدكنت أمشي معه وإنه ليذكر الله وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله ولقد كان يحدثه القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله وكنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله(1).
أقول: هذا دال على خلاف طريقتهم في المقامين كما ترى.
السادس: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال قال الله عز وجل من ذكرني سرا ذكرته علانية(2).
السابع: ما رواه أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من ذكر الله عز وجل في السر فقد ذكر الله كثيرا إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر فقال الله عز وجل: (يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)(3).أقول: الذي يفهم من الذكر في السر هو الاخفات بذكر الله مع النطق باللسان ومنافاة ذلك لعلو الصوت الذي هو شعارهم ظاهرة، ويعلم من ذلك أن فعلهم مرجوح وتركه أولى ويأتي تمام الكلام إن شاء الله.
الثامن: ما رواه بإسناده قال: قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام اذكرني في
ص: 64
نفسك أذكرك في نفسي(1).
التاسع: ما رواه عن أحدهما قال: لا يكتب الملك إلا ما سمع وقد قال الله عز وجل {واذكر ربك في نفسك} فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل إلا الله لعظمته(2).
أقول: دلالة هذا وأمثاله على مرجوحية علو الصوت المفرط وغيره بالذكر واضحة وذكر الله في النفس إنما يفهم منه استحضار عظمة الله في القلب فإنه مقابل النسيان وأما مجرد تصور إخراج الحروف من جوانب القلب كما مر فلا يفهم من شيء من من الآثار والأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام.
العاشر: ما رواه الطبرسي في تفسير قوله تعالى{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} عن النبي صلى الله عليه وآله إنه كان في غزاة فأشرفوا على واد فجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم فقال صلى الله عليه وآله أيها الناس اربعوا على أنفسكم أما إنكم لا تدعون الأصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا(3).الحادي عشر: ما رواه الشيخ بهاء الدين في الكشكول عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من أمتي يقال لهم صوفية ليسوا مني وإنهم يهود أمتي يحلقون للذكر رؤسهم ويرفعون أصواتهم بالذكر يظنون أنهم من الأبرار وهم أضل من الكفار وأنهم من أهل النار لهم شهقة
ص: 65
كشهقة الحمار الحديث(1).
الثاني عشر: ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جنبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان والأحكام والضالة والحدود ورفع الأصوات(2).
وقد روى في عدة أحاديث أن العبادة في السر أفضل من العبادة في العلانية وأن المستتر بالحسنة له سبعون حسنة(3)
والمعنيان مع تكررهما دالان على المقصود هنا. فإن قلت: التفضيل يدل على ثبوت الفضل للقسم الآخر وبعض ما مر غير واضح الدلالة على المنع والأخير محمول على الكراهية.
قلت: أما التفضيل فقد استعمل كثيرا مع عدم المشاركة سلمنا لكن دلالة جميع ما مر من التفضيل والنهي وغيرهما على المرجوحية واضحة كما ترى والمداومة على المرجوح شرعا فضلا عن محرم كافية في مخالفة الشرعفكيف إذا انضم إلى ذلك اعتقاد رجحان المرجوح على أن ما وصل إلى حد الافراط فلا ريب في عدم جوازه وكذا ما يسمونه ذكرا خفيا فإنه لا يصدق عليه الذكر سرا ولا الذكر في النفس ولا يعهد شرعا هذه الحركات بل هي من المخترعات المبتدعات والله تعالى أعلم.
ص: 66
العدل الاول
المدخل
ص: 67
الحمد للّه الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده .. وحجب العقول عن أن تتخيّل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل .. بل هو الّذي لم يتفاوت في ذاته ، ولم يتبعّض بتجزئة العدد في كماله .(1) الأحد ، الصمد ، الّذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .(2)
...هذه رسالة في ردّ القول بوحدة الوجود المشهورة عند أهل الفلسفة والعرفان ، وحاصلها : أنّ الوجود واحد ، بسيط غير متعدّد ، وأن حقيقة جميع الكائنات - من الخالق تعالى وخلقه - هو الوجود لا غير ، وأوردوا لها جملة من التوهمات والتخرصات زعموها براهين عقليّة وقد حللنا كلماتهم ونقلنا أقوالهم ثم استدللنا على ردها بما وسعنا من الأدلة العقلية والنقليّة ، وقد ذكرت فيها ما دلّت عليه السنّة والكتاب ، وصرّحت به الأئمة الاطياب عليهم السلام ، وحقّقه علماءالدين وأولوا الألباب ، من أنّ المباينة وعدم السنخيّة بينه سبحانه وبين خلقه من أصول عقائد الإماميّة بل جميع الأديان ،ولا تكون معرفة التوحيد الحقيقيّ إلاّ بمعنى تنزيهه سبحانه وتعاليه عن خلقه ، ونفي التشابه والتماثل بين الخالق والمخلوق .
ص: 68
ولم أرد بذا وذاك إلاّ نشر معارف الأئمة عليهم السلام وظهور حقّانيتها ..
وهي تشتمل على فصول أربعة وخاتمة ، وإثبات عقيدة الفلاسفة في التوحيد من طريق الاستدلال يبتني عندهم على أمور ثلاثة :
(1) إثبات أصالة الوجود واعتبارية الماهيّة ، (2) وأنّ مفهوم الوجود مشترك معنوي لا لفظي ، (3) وأنّ الوجود حقيقة مشكّكة لا حقائق متبائنة ، ولا يثبت توحيدهم إلاّ بتماميّة كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة . فنحن نذكرها في ضمن هذه الفصول ونناقشها .
الفصل الأوّل : في أنّ الأصل هل الوجود أم الماهيّة ؟
حاصله : أنّهم اختلفوا في الأصل في التحقّق ، هل أن الوجود هو المتحقّق الأصيل فتكون الماهية على هذا أمرا اعتباريا(1)أم أن الماهيّة هي المتحقّق الأصيل فيكون الوجود أمرا اعتباريا ؟فالقائل بأصالة الوجود يقول : إنّ المتحقّق بالذات في الخارج هو الوجود، وإنّ الآثار الخارجيّة إنّما هي للوجود أصالةً، وتنسب إلي الماهيّة الموجودة بالعرض .
ص: 69
والقائل بأصالة الماهيّة يقول : إنّ المتحقّق بالذات هو الماهيّة وتلك الآثار تترتّب على الماهيّة الموجودة حقيقةً ، وتنسب إلى وجودها بالعرض.
ولا ريب أنّ إثبات وحدة الوجود يتوقف على القول الأوّل .
الفصل الثّاني : في أن الوجود هل هو مشترك معنوي أم لفظي ؟
حاصله : أنّهم قد اختلفوا في أنّ الوجود بمفهومه هل هو مشترك معنويّ يحمل على موضوعاته بمعنى واحد ، أم أنه مشترك لفظيّ يحمل عليها بمعاني متعدّدة ؟
فإذا قيل : اللّه تعالى موجود ، أو زيد موجود ، أو الملكيّة موجودة ، أو الزوجيّة للأربعة موجودة ، هل الوجود في الجميع بمعنى واحد ومفهوم فارد ، أو بمعاني متعدّدة ، ومفاهيم مختلفة ، والاشتراك في لفظ الوجود فقط ؟ واثبات وحدة الوجود عندهم يتوقّف على القول الأوّل .
الفصل الثّالث : في أن الوجود هل هو حقيقة واحدة مشكّكة أم لا ؟حاصله : إنّهم اختلفوا في أنّ الوجود هل هو حقيقة واحدة ذات تشكّك ومراتب متفاوتة - بالشدّة والضعف ، والتقدّم والتأخّر ، والغنى والفقر ، والكمال والنقص - بحسب أصل تلك الحقيقة، وليس التفاوت والاختلاف بينها نوعيّا ، أم أن الوجودات حقائق متباينة بتمام ذواتها البسيطة ، أم أنّ
ص: 70
الوجود واحد حقيقيّ لا كثرة فيها اصلاً، لا بحسب الأنواع، ولا بحسب الأفراد، ولا بحسب المراتب ، والموجود متعدّد وهو الماهيّة ، وموجوديّة الكلّ بانتسابه إلى الوجود ، أو . . .(1) .
ولا ريب أن اثبات وحدة الوجود عندهم إنما يتوقّف على القول الأوّل .
الفصل الرابع : في أن وحدة الوجود والموجود هل هو حق أم لا؟!
حاصله : إنّ الصوفيّة قائلون بوحدة الوجود والموجود بمعنى أن الوجود واحد شخصى هو اللّه سبحانه، ولا موجود سواه، وإنما يتصف غيره بالموجودية على سبيل المجاز(2) .
وأمّا العرفاء - المسمّى عندهم بالعرفاء الشامخين ! - فإنّهم قالوا بوحدة الوجود والموجود جميعا في عين كثرتهما، وهذا هو الّذي اختاره ملاصدراوالسبزواري، إذ أن هؤلاء يقولون بتكثر الوجود والموجود ومعذلك يثبتون الوحدة في عين الكثرة ! وقد يمثل له بأنّه كما إذا كان إنسان مقابلاً لمرائي متعددّة ، فالإنسان متعدّد وكذا الإنسانيّة لكنّه في عين الكثرة واحد بملاحظة
ص: 71
العكسيّة وعدم الأصليّة ، فإنّ عكس الشيء بما هو عكسه ليس شيئا على حياله، إنّما هو آلة لحاظ الشيء .
والحاصل؛ إنّ القائلين بوحدة الوجود والموجود - أي الصوفيّة والعرفاء الشامخين ! - يقولون : بأنّه ليس في دار التحقّق إلاّ موجود واحد وهو الحق سبحانه وما سواه من الموجودات أطواره وشؤونه ، كما سنذكر كلماتهم تفصيلاً في الفصل الرابع، فلاحظ .
وأمّا الخاتمة : ففي سرد كلمات الأعلام في وحدة الوجود .
هذا ؛ ونستّمد من العليّ القدير أن يسدّد خطانا ، ويخلص أعمالنا ، ويجعل قادم أيّامنا خيرا من ماضيه ، ويرضي موالينا سلام اللّه عليهم عنّا . . بمنّه وكرمه
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين .
الفصل الأوّل
أصالة الوجود أو الماهيّة ؟قد اختلفت الفلاسفة في الأصيل منهما ، فنسب إلى المشائين أصالة الوجود، وإلى الإشراقيّين القول بأصالة الماهيّة .
ص: 72
ومحصله : أنّهم متّفقون على أنّ الوجود والماهيّة متّحدان في الخارج والتمايز بينهما في الذهن ، والمتّحدان في الخارج يجب أن يكون أحدهما أصلاً والآخر أمرا انتزاعيّا عقليّا(1) .
فالاتحاد بين الوجود والماهية يتحقّق إمّا بأن يكون الوجود أصيلاً والماهية اعتباريّة ، وهذا هو مختار القائلين بأصالة الوجود ، وإمّا بأن تكون الماهية أصيلة والوجود اعتباريّا ، وهذا هو مختار القائلين بأصالة الماهية(2).
ص: 73
فإنّ مفهوم الوجود المنتزع من الخارج تارة يقال بأنّ منشأ انتزاعه نفس ما يقع موضوعا في القضية الحمليّة الّتي يكون مفهوم الوجود محمولاً فيها ، وهذا معناه القول بأصالة الماهية . وأخرى يقال بأنّ منشأ انتزاعه حقيقة وراء ذلك ، وتكون الماهية بدورها منتزعة عن تلك الحقيقة أيضا ، وهي سنخ حقيقة لو أمكن تصّورها مباشرة لكان ذلك مساوقا للتصديق بوجودها وطارديتها للعدم ، وهذا هو القول بأصالة الوجود .
فعلى الأوّل يكون المحقق في الخارج هو ذوات الأشياء، أي هي ذات الفرس وذات الشجر وذات الحجر و . . ومتعلّق جعل الجاعل - عزّ اسمه - هو الفرس بما هو فرس والشجر بما هو شجر و . . وعلى هذا لا اشكال في التكثّر لتعدّد الماهيات وتباين الحقائق الموجودة الخارجيّة .وعلى الثاني يكون المتحقّق هو حقيقة الوجود ووجود الأشياء، لا غير .
ص: 74
ولنتساءل هل الوجدان والفطرة السليمة يحكمان بأنّ الأشياء والماهيات الخارجيّة أشياء حقيقيّة واقعيّة وأوّلاً وبالذات ، أو أنّ الموجود المحقّق أوّلاً وبالذات هو حقيقة الوجود ، والأشياء لها تحقّق مجازا وثانيا وبالعرض ؟ !
أي هل الأشياء لها وجودات خارجيّة واقعا خارجة عن اطار الذهن أم لا ؟
وهل المتبادر من نصوص الكتاب والسنّة أنّ الواقعيّات الخارجيّة مصاديق حقيقيّة لمفهوم الإنسان والفرس والبقر والشجر وأنّ هذه الأمور متحقّقة في الخارج حقيقة وأوّلاً وبالذات ، أو أن الموجود والمحقّق هو وجود هذه الأشياء أي حقيقة الوجود وهي ( أي الأشياء والماهيّات الخارجيّة ) كسراب بقيعة يحسبها الجاهل أنّها موجودة ، فالموجوديّة إنّما هي وصف للوجود وإنّ موجوديّة الماهيّة أيضا بالوجود .
وهل أن المتبادر عند عموم العقلاء : أنّ المتحقّق هو ذوات الأشياء أي ذات الشجر والحجر و . . أو أمر آخر يسمّى بالوجود ، فيكون هذه الذوات والأشياء في الخارج منتزعا عن الوجود كما عليه القائل بأصالة الوجود .
وببيان آخر نقول : هل يمكن سلب التحقّق والموجوديّة عن الأشياء والماهيات الخارجيّة حقيقة أم لا ؟فإن كان مقتضى الوجدان والفطرة، والمتبادر من نصوص الكتاب والسنّة ، والمنسبق عند عامة العقلاء أنّ المتحقّق في الخارج هو الّذي يقال له : شمس
ص: 75
وقمر وحجر وشجر و . . (1)ولا يرون إلاّ الذات المشخصّة بالشخصيّة الخاصة الّتي لا يصح سلب الموجوديّة عنها ، لا انتزاعيّة هذه الذوات والأشياء الخارجيّة عن الوجود(2) فكيف يجوز للعاقل رفع اليد عن ذلك ، مع عدم إقامة البرهان والدليل المعتدّ به للقول بأصالة الوجود ؛ لأنّ أدلّتهم مبتنية على مقدّمات غير مسلّمة أو مصادرة على المطلوب، فلاحظ .
وممّا يؤيّد ما سلف كلام المحقق الداماد حيث قال في مجعوليّة الماهيّة بالذات : إنّه لمّا كان نفس قوام الماهيّة مصحح حمل الوجود ، فاحدس أنّها
ص: 76
إذا استغنت بحسب نفسها ومن حيث أصل قوامها عن الفاعل ، صدق حمل الموجود عليها من جهة ذاتها وخرجت عن حدود بقعة إمكانها وهو باطل..(1)
قوله : نفس قوام الماهيّة مصحح حمل الوجود . . يعني أنّ الماهيّة متحقّقة في الخارج أوّلاً وبالذات وبدون واسطة في العروض .
وقد أقرّ السبزواريّ بخفاء وساطة الوجود حيث قال : صحّة سلب التحقّق والتحصّل [ أي عن الماهيّة ] هنا بالنظر الدقيق البرهاني بل بإعانة من الذوق العرفاني ، وأمّا بعد التنزل فالتحقّق لذي الواسطة [ أي الماهية ] هنا حقيقي وصحّة السلب منتفية(2) .
وقال في حاشية الكتاب : صحّة سلب الوجود عن الكليّ الطبيعيّ ضعيفة وثبوت الوجود له كاد أن يكون بالحقيقة ، فالكليّ الطبيعيّ موجود بحكم العقل الفطريّ ، وهذا حقيقة عقليّة ، مجاز عرفانيّ ، وبهذا يمكن التوفيق بين قولي المثبت والنافي ؛ فإن الطبيعيّ موجود بواسطة في العروض(3) ، وغير
ص: 77
موجود لصحة سلب الوجود . . وإن كانت هذه الصحّة أخفي واحتاجت إلى زيادة تدقيق وإعانة مذاق رشيق(1) .
أقول : وهو وإن كان من القائلين بأصالة الوجود وأقام لها أدلّة وكان هنا بصدد تثبيت اعتباريّة الماهية وأنّ الوجود واسطة في عروض موجوديّة الماهيّة إلاّ أنّه يقول بأنّ هذه الوساطة أخفى ( أي هو في بيان إخفائية وساطة الوجود ) فهو لا شعوريّا قد أقرّ بأنّ العاقل يحكم بمقتضى الفطرة السليمة بموجوديّة الماهيّة وتحققها في الخارج حقيقة وأوّلاً وبالذات ، وأقرّ أيضا بعجز البرهان العقليّ عن المنع للحكم الفطريّ وسلب التحقّق عن الماهيّة أي الطبيعيّ ، واستشهد لمدعاه ( أي سلب التحقّق عن الماهيّة ) بالذوق العرفانيّ ، ولنا معه كلام في إبطاله سيأتي إن شاء اللّه تعالى .
وقريب من هذا ما اعترف به بعض المعاصرين في شرحه(2) .
وقال صاحب كتاب (حكمة ابوعلي سينا) : يعدّ القول بأصالة الوجود - الّذي هو مفتاح للقول بوحدة الوجود بل الموجود - من أخطر وأشدّ ما يصدم المعرفة الإلهيّة ، بخلاف أصالة الماهيّة الّتي هي محفوظة من هذه الخطرات...
ص: 78
وهي لباب التقديس والتنزيه في الحس والعيان ، وفي الأعيان لا يشاهد إلاّ الذوات المتنوّعة حقيقيّة(1) .
ثمّ إنّ كلمات بعض أتباع المشايين ظاهرة في القول بأصالة الوجود(2) كما أنّ كثيرا من كلمات الإشراقيّين ظاهرة في القول بأصالة الماهيّة(3) .
وقد كان صاحب الأسفار برهة من الزمان قائلاً بأصالة الماهيّة بل كان شديد الذبّ عنها(4) ثمّ رجع عنها ، كما أنّ بعض كلمات ابن سينا والخواجة الطوسيّ ونظرائهم ظاهرة في القول بأصالة الماهيّة واعتباريّة الوجود(5) .
وقد اعترف المحقق الإصفهانيّ في نهاية الدراية بذهاب المشهور من الحكماء والمتكلّمين إلى أصالة الماهيّة وتعلق الجعل بها(6) .
كما اعترف بعض المعاصرين بأنّ المباحث الفلسفيّة قبل الفارابيّ كانت تدور على أصالة الماهيّة ، ثمّ ذهب إليها الفارابيّ وابن سينا وبهمنيار وميرداماد وشيخ الإشراق وصاحب الأسفار في بدء الأمر، ولايمكن استناد القول بأصالة
ص: 79
الوجود إلى المشايين وأصالة الماهيّة إلى الإشراقيّين مع عدم طرح مسألة أصالة الوجود قبل صاحب الأسفار كمسألة فلسفيّة مستقلّة .
ص: 80
الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزوينيالحلقة الواحدة والعشرون
لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقة التشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض استعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهارانحرافات الشيخية حتی تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة . المجلة
المسأله الخامسة عشرة
«تقدم الأئمة(علیهم السلام)علی جميع المخلوقات ومسألة الأنوار»
من معتقدات فرقة الشيخية قولهم بتقدم ذوات أهل البيت(علیهم السلام)علی جميع المخلوقات، وقد أنكر ذلك جميع علماء الطائفة الشيعية بل وجميع المسلمين، لمخالفة ذلك للضرورة من الدين وما ورد في القرآن العظيم من أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأهل بيته(علیه السلام) من صلب أبيهم آدم(علیه السلام) وأنهم من البشر، وأن مسألة الأنوار من وضع الغلاة الذين أرادوا هدم الإسلام بمثل هذه المعتقدات الفاسدة، وقد أنكر شيخ الطائفة المسدد والمؤيد الشيخ المفيد قدرس سره مسأله الأنوار واعتبرها من وضع الغلاة، ولكن بعض مشايخ الشيخية لم يرضهم ذلك فتحاملوا عليه واتهموه بالسفه.
ص: 81
قال موسی الاسكوئي في نقده للشيخ المفيد: «ولا يلزم من القول به عيب ولا إشكال إلا علی مذهب الشيخ الجليل الشيخ المفيد عليه الرحمة، حيث قال: بعدم تقدم وجود المعصومين الأربعة عشر علی جميع الموجودات، وفساده بحمد الله في هذا الزمان من أوضح الواضحات، وأبده البديهيات، والأخبار المتواترة في تقدمهم علی جميع ما ذرء وبرء صريحة، وإثباته تحصيل للحاصل. ونقل تلك الأخبار لكثرتها وانتشارها كنقل التمر إلی هجر.
والحق أن هذا القول من ذلك الشيخ الجليل مع وجود الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الصريحة في تقدمهم علی كل الموجودات في غاية العجب، وأعجب منه نسبته القول به إلی الغلو، ولا بأس بنقل عبارته. قالرحمه الله ، في مسائل التلعكبرية في جواب السؤال عن أن أشباح آل محمد سابقة علی وجود آدم(علیه السلام) أم لا؟ قال: والمراد بذلك أن أمثلتهم في الصور كانت في العرش فرآها آدم وسأل عنها، فأخبره الله أمثال صور من ذريته شرفهم بذلك وعظمهم به ، وأما أن تكون ذواتهم كانت قبل آدم (علیه السلام) موجودة فذلك باطل بعيد عن الحق، لايعتقده محصل ولا يدين به عالم، وإنما قال به طوايف من الغلاة الجهّال والحشوية من الشيعة، الذين لابصر لهم بمعاني الأشياء ولا حقيقة الكلام، وقد قيل إن الله تعالی كان قد كتب أسمائهم علی العرش فرآها آدم(علیه السلام) وعرفه بذلك، وعلم أن شأنهم عندالله عظيم، وأما القول بأن ذواتهم كانت موجودة قبل آدم (علیه السلام) فالقول ببطلانه علی ما قدمناه انتهی» .
ص: 82
قال موسی الاسكوئي معقباً علی كلام الشيخ المفيد:«ولولا القائل بهذا القول الشنيع هذا الشيخ الجليل لسارعنا في تسفيه قائله وتخطئته بأنواع مختلفة»(1) .
فالذي ينظر إلی كلام الشيخ المفيد يراه موافقاً للضرورة من الدين وما ورد في الفرقان العظيم ودلت عليه الأخبار الصحيحة، ومخالفة موسی الاسكوئي لكل ذلك، فما يدعيه من وجود أخبار مستفيضة بل متواترة علی تقدمهم (علیهم السلام) علی كافة الموجودات دعوی باطلة، لمخالفة ذلك لما ذكرناه سابقاً من أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والأئمة (علیهم السلام) من ولد آدم(علیه السلام) فوجودهم متأخر عن وجود آدم(علیه السلام) . وأعجب من ذلك زعمه أن تلك الأخبار لكثرتها وانتشارها لايحتاج إلی نقلها، فإن نقلها كنقل التمر إلی هجر، ومع ذلك خفيت هذه الأخبار علی الشيخ المفيد، ولم تخف علی موسی الاسكوئي.
هذا ويقال لموسی الاسكوئي ومن تابعه في مقالته هذه، أن دعواك أن الأربعة عشر بذواتهم متقدمون علی جميع ما ذرء وما برء ، فالسؤال المطروح: من هو الذي ولدته آمنة رضوان الله عليها؟ هل هو محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) المولود بذاته قبل خلق العالم، أم أنه شخص آخر غيره؟ فبماذا يجيب الاسكوئي، ومن هو الذي ولدته فاطمة بنت أسد، هل هو علي(علیه السلام) الذي وجد قبل وجود الخلق، أم أنه شخص آخر؟ ومن هما اللذان ولدتهماالصديقة الطاهرة (علیه السلام)؟هل هما الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام اللذان خلقهما الله سبحانه قبل خلق
ص: 83
الخلق بذواتهما، أم أنهما شخصان آخران؟ فإذا كانا هما فهو تحصيل للحاصل، وإذا كانا غيرهما، إذن فمن هما؟ وهكذا في بقية الأئمة(علیهم السلام) . ولهذا كان الحق مع الشيخ المفيد والباطل مع غيره. فتشنيع موسی الاسكوئي علی الشيخ المفيد ورميه بالسفه ليس في محله.
قال الشيخ المفيد:«وأما القول بأن ذواتهم كانت موجودة قبل آدم (علیه السلام) فالقول في بطلانه علی ما قدمناه»(1) . وهذا القول من الشيخ المسدد المفيد يبطل قول كل متقوّل من دون دليل يركن إليه . وقد أوضح الشيخ المفيد معنی الأشباح بما لا مزيد عليه . قال: «والصحيح من حديث الأشباح الرواية التي جاءت عن الثقات بأن آدم(علیه السلام) رأی علی العرش أشباحاً يلمع نورها، فسأل الله تعالی عنها، فأوحی إليه أنها أشباح رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وأعلمه أن لولا الأشباح التي رآها ما خلقه ولا خلق سماء ولا ارضاً.. ولم يكونوا في تلك الحال صوراً محياةً ولا أرواحاً ناطقة، لكنها كانت صوراً علی مثل صورهم في البشرية، تدل علی ما يكونون عليه في المستقبل من الهيئة، والنور الذي جعله عليهم يدل علی نور الدين بهم وضياء الحق بحججهم»(2) . وهذا الذيذكره الشيخ المفيد يوافق العقل والنقل وقد وردت بذلك الآيات والأخبار الصحيحة.
ص: 84
والحق ما ذهب اليه الشيخ المفيد وغيره من علماءالشيعة لموافقة ذلك للضرورة من دين المسلمين . قال قدس سره في المسائل العكبرية: «فأما تكرار القول بأنه قد صح أنهم أنوار ، فقد قالنا فيه ما يكفي، وبينا أنه مذهب مردود، ووصفنا الذاهب إليه من الناس بما ذكرناه من الغلو والتقليد بغير بيان»(1) . فالشيخ المفيد هنا نفی أن يكون هناك بيان علی كونهم أنواراً لعدم وجود رواية صحيحة تدل علی مدعی موسی الاسكوئي.اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين
ص: 85
ابو جعفر الكاظمي
العدد الاخير
مكاشفات يوحنا
هذا الكتاب يسمي (رؤيا يوحنا اللاهوتي) وهو آخر كتب العهد الجديد من الانجيل، وقد ذكر فيه عجائب وغرائب من أخبار آخرالزمان. جاء في الإصحاح التاسع عشر الى آخر الكتاب ذكر الهلاك والبوار لأهل الأرض، ثم نزول المسيح عليه السلام، وقتل الدجال، ونص عبارته:
«ثم رأيت وبالعدل السماء مفتوحة؛ وإذا فرس أبيض، والجالس عليه يدعى أمينا وصادقاً يحكم و يحارب... ويدعى (كلمة الله)... ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين
ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده، فقبض على الوحش والنبي الكذّاب معه الصانع، قُدّامه الآيات التي أضلّ بها الذين قبلوا سمة الوحش، والذين سجدوا لصورته، وطُرح الإثنين حيين في بحيرة النار المتّقدة بالكبريت، والباقين قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم».
ثم أشار في الإصحاح العشرين الى الرجعة مع المسيح وكلمة الله، وسمّاها القيامة الأولى. وهذا الذي يقول به كثير من الشيعة؛ لما ورد في أخبار أهل النبي صلوات الله عليهم؛ من الرجعة وقيام بعض الموتى مع الإمام المهدي والمسيح عليهما الصلاة والسلام. ثم ذكر القيامة الكبرى والحساب، ومصيرأهل النار الى النار، وأهل الجنّة الى الجنّة.
ص: 86
هذا شيء مما جاء في كتب التوراة والإنجيل من حوادث آخر الزمان، والعذاب الشديد لأهل الأرض بما يقترفونه من الآثام، وبيان علامات ظهور الإمام المهدي، ونزول المسيح عليهما السلام معه، وقتلهم الدجّال، وجميع الأديان؛ مقرّة به.
المجوس
المجوس يذكرون في كتبهم ذلك ويسمون الإمام المهدي عليه السلام (بهرام) وترجمة بهرام (محمد) أو (المهدي) وهم ينتظرونه.
وقد أوضح ذلك (كيخسرو شاهرخ) في كتابه الذي سمّاه (آيين مازديستي) أي: دين المجوسية، إلا أنه فسّر (بهرام) بالنصر والفتح والرفاه؛ فراراً من الإقرار بمحمد أو المهدي، وقد عيب عليه ذلك.
البرهميّة
والبرهميون من الهنادك يعتقدون بجميع ما مرّ؛ من نزول العذاب الشديد على أهل الأرض، وعقب ذلك يظهر من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويزعمون أنه في ذلك اليوم يُسيطر البرهميون على جميع أهل الأرض.
جميع الأديان
وجميع الأديان تذكر ذلك، وأهل كل دين يزعمون أنهم وحدهم سيعيشونفي رفاهية وأمن ورغد، وأن الأرض ستكون لهم دون غيرهم.
ص: 87
وما ذكر في كتب الأديان كلها صحيح فإنها متفقة على أنه؛ سيظهر في آخر الزمان بعد عذاب شديد، من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ولكن زعم كل من أهل الأديان بأن الرفاه والعدل سيكون لهم وحدهم؛ خطأ في التعبير والتفسير، فإن أهل الأرض كلهم سينعمون بظهور الإمام المهدي عليه السلام؛ وكون الدين كله لله، وأهل الأرض يكونون أهل دين واحد وهو دين الإسلام الذي صدّق بجميع الرسل قبله.
فأهل كل دين ينظرون الى أنفسهم وحدهم دون من سواهم، ودين الإسلام ينظر الى جميع أهل الأرض سواء، وإن النعمة ستشملهم بلا استثناء؛ كما ورد في أخبار النبي وأهل بيته الأطهار عليهم الصلاة والسلام، ويعم السلام، وتبطل جميع آلات الحروب وتُدمّر، وسوف لاتبقى حرب بعد ظهور الإمام المهدي عليه السلام؛ إذ تكون الأمم كلها أمّة واحدة لا يوجد فيها اختلاف ديني أو عنصري أو جنسي، أو غير ذلك من الإختلاف؛ فلا موجب للحرب.
وقد صرّحت بذلك آيات القرآن الكريم، قال تعالى في سورة النور:
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم. وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً. ومن يكفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾.ونطقت به الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق أهل بيته عليهم السلام، وصرّحت به كتب التوراة والإنجيل. قال أشعياء
ص: 88
في الإصحاح الثاني ما لفظه:
«فيقضي بين الأمم، وينصف لشعوب كثيرين؛ فيطبعون سيوفهم سككاً، ورماحهم مناجل، لا ترفع أمّة على أمّة سيفاً، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد».
وجاء مثل ذلك بنفس التعبير في الإصحاح الرابع من كتاب (ميخا).
وهذا صريح في أن الأسلحة النارية تبطل ولا يبقى لها أثر؛ لأنها مدعاة الخوف ووسائل التدمير والخراب.
أهل الصلف من الجهّال
ومع اتفاق الأديان كلها، وتصريح الآيات، وتواتر الأحاديث، وأخبار الكتب السماوية بأسرها على ذلك؛ يحصل العلم الجازم، واليقين القاطع؛ بأن هذا أمر كائن لا محالة بتقدير من العزيز الحكيم.
لكن الذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم.
والذين ينكرون آيات الله، ويهزأون بعقيدة الإمام المهدي ونزول المسيح عليهما السلام مع هذه الدلالات الواضحات والآيات البينات؛ أولئك من أصحاب الدجّال؛ الذين ذكرت متواترات الأخبار أنهم سيبيدون ويهلكون على يد الإمام المهدي والمسيح عليهما السلام.اللهم! عجّل فرج وليّك واملأ به الأرض قسطاً وعدلاً فقد مُلئت ظلماً وجوراً.
ص: 89
الأديان كلها ترمي الى هدف واحد
إن من تتبع ما وصل الى هذا العصر من الأديان السابقة مع ما طرأ عليها من التغيير والتبديل والتحريف وقايسها بالقرآن الكريم وأحاديث النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم؛ يحصل له العلم بأن الأديان كلها ترمي الى هدف واحد، وإن كان بعضها أكمل من بعض، وأمل الجميع؛ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وهي لا تختلف مع سائر الأديان في الهدف الأصلي؛ من التوحيد الإلهي، والعلوم الكلية، وسعادة البشر في معاشهم ومعادهم. ويمكن تعيين مواضع التحريف في كتب الأديان السابقة؛ بمقايستها بالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة؛ فما وجد مخالفاً لهما عُلم أنه محرّف، إلا قليلا من الأحكام المنسوخة.
والنظر في أخبار آخر الزمان وعلامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام من كتب التوراة والإنجيل وكتب سائر الأديان؛ يُعطي نموذجاً من ذلك إذا قيست بما ورد في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة. فإن كتب الأديان كلها متفقة مع ما ورد في القرآن المجيد والأحاديث النبوية؛ من أحوال آخر الزمان وظهور الإمام المهدي عليه السلام. ولا تختلف إلا في تعابير لاشك أنها محرفة؛ مثل التعبير بلفظ (إسرائيل وبلاد صهيون وأبناء يعقوب وأراضي يهوذا وغيرها). ويدل على تحريفها مضافاً الى ذلك ما ورد في كتب العهدين؛ من أن دولةاليهود لا تعود ويستحيل أن يسيطر اليهود على جميع أهل العالم، والمبشرات في التوراة والإنجيل إنما تبشر بقيام دولة يدين لها أهل الأرض جميعهم،
ص: 90
وليس ذلك إلا ما جاء في القرآن الكريم في سورة التوبة، وفي سورة الصف، وفي سورة الفتح، من قوله تعالى:
﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله...﴾
ذلك هو الدين الاسلامي الذي تنفق معه في الهدف كليات الأحكام والعلوم جميع الاديان، وبهذا يفتح باب لمعرفة قوله تعالى في سورة فُصّلت:
{ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك}.
وقوله عز اسمه في سورة الشورى آية 13:
{شَرَعَ لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..}.
وإذا فتح هذا الباب اطّلع الناظر منه على كيفية اتحاد البشر وسعادتهم كافة، فان الدعوة الى الله وشرائعه كانت واحدة منذ خُلق الإنسان على وجه الأرض، وستكون واحدة في أواخر عمر الدنيا، ويكون البشر كله كأهل بيت واحد؛ متحابين متآخين، مطبقين ما يأمرهم به الإمام المهدي عليه السلام ومن معه من أنبياء الأديان السابقة؛ مما يضمن لهم السعادة والخير و الرفاه والطمأنينة ورغد العيش؛ لا يهود، ولا نصارى، ولا برهميون، ولا بوذيون، ولا مجوس، ولا شيوعيون ملحدون. بل جميع أهل الأرض مسلمون، وجوههم لله، مسلمونإليه أمرهم، متوكلون عليه، لا يخافون إلا عذابه، ولا يرجون إلا رحمته وثوابه، ورحمته كاملة لهم غير منقوصة.
ص: 91
اللهم أرنا ذلك اليوم، وخلصنا من تبلبل الأحوال،
وشدة الزلزال، وجميع الأخطار والأهوال،
واجعلنا ناعمين بفضلك ورحمتك
وقل ربّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين
ص: 92
العدد السادس عشر
في ابطال «ازليّة الأشياء» بالخصوص مضافا الى ما تقدّم، و ابطال «ازليّة النّجوم» أيضا
و هو لدى العقل بديهي الخطاء***و ليس هذا القول إلّا شططا
لو لم يشاهدوا حدوث العالم***لم يشهدوا ثبوته في القدم
قد مرّ أنّ القائل بالعرض و الاتّفاق، صار مآله الى القول بأزليّة الأشياء، و هو لدى العقل بديهيّ الخطاء، و ليس هذا القول إلّا شططا؛ لأنّه خلاف ضرورة الوجدان و بداهة البرهان.
[طريق إبطال الأزلية، و إثبات ضدّها]
و طريق ابطال الأزليّة، اثبات ضدّها، و هو الحدوث؛ لأنّهما ضدان لا يجتمعان، فهما كالنقيضين اثبات احدهما ابطال للآخر. و اثبات الحدوث على ما تقدّم، إمّا بنفسه بالوجدان، او بلازمة من الافتقار و غيره.
حجة القائلين بأزلية الأشياء و جوابهم
و أمّا حجّة الأزليّة فامران:
ص: 93
احدهما: دعوى عدم الوجدان الذي تقدّم أنّه مستند كلّ منكر لرحمان؛ و هو هنا عدم وجدان الحدوث و مشاهدته للعالم.
و يكفي في جوابه: النقض عليه بالقدم، كما صنع النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في الحديث الآتي، و إليه اشرت بقولي: لو لم يشاهدوا حدوث العالم، لم يشهدوا ثبوته في القدم، فليس عدم وجدان الحدوث دليلا على الأزلية.ثانيهما: ما تقدّم من الأوهام الّتي جعلوها آلة للقول بالاتّفاق.
و قد عرفت الجواب عنها بالتّفصيل، و كذلك تقدّم الكلام في اثبات الحدوث و لوازمه للعالم. الّا إنّي ازيد هنا ما يخصم به اللّجوج العنيد، و يحسم مادّة الوسوسة و الترديد، و ذلك باثبات الحدوث لجميع اجزاء العالم تفصيلا:
ثم الحدوث بيّن الوجدان***للنّبت و الحيوان و الانسان
و اللّيل و النّهار لم يجتمعا***فلا يكونان قديمين معا
و إذ تعارضا فقد تلازما***حدوث واحد حدوث لهما
إثبات الحدوث لجميع أجزاء العالم
ص: 94
امّا النبات و الحيوان و الإنسان فحدوثها مشهود بالعيان، محسوس بالوجدان، من غير حاجة الى بيّنة أو تجشّم برهان؛ كما قلت: ثمّ الحدوث بيّن الوجدان حسا للنّبت و الحيوان و الإنسان.
الليل و النهار حادثان
و امّا غيرها، فحدوثها ثابت بالإمعان؛ كما قلت: و اللّيل و النّهار لن تجتمعا ابدا في زمان واحد، لأنّهما ضدّان، فلا يكونان قديمين معا؛ اذ لا بدّ أن يفرض احدهما سابقا على الآخر، لعدم امكان اجتماعهما، فيلزم حدوث اللاحق منهماقطعا. و في هذا أيضا نقض لقولهم: بأنّا لم نشهد الحدوث، فنحكم بالقدم، فإنّهم لم يشهدوا حدوث احدهما مع لزوم حكمهم به، و إذ تعارضا؛ اي يعرض احدهما على الآخر فيجي ء و يذهب، فقد تلازما في الحدوث و حينئذ حدوث واحد منهما، حدوث لهما بالملازمة؛ لأنّ القديم لا يعرض الحادث و لا يتغيّر به، و الحادث لا يعرض القديم و لا يغيّره.
محاجة النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع القائلين بأزلية الأشياء
في الإحتجاج: اجتمع اهل خمسة اديان: «اليهود» و «النصارى» و «الدهريّة» و «الثنويّة» و «مشركوا العرب» لمناظرة النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؛ و كان من مناظرته مع الدهريّة، أنّه قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لهم:
ص: 95
«و انتم ما الّذي دعاكم الى القول بأنّ الأشياء لا بدء لها و هي دائمة لم تزل و لا تزال؟
فقالوا: لأنا لا نحكم إلّا بما نشاهد، و لم نجد للأشياء محدثا، فحكمنا بأنّها لم تزل و لم نجد لها انقضاء و فناء فحكمنا بأنّها لا تزال.
فقال رسول اللّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أ فوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء ابد الأبد؟ فان قلتم: إنّكم وجدتم ذلك انهضتم [اثبتّم] لأنفسكم إنّكملم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية، و لا تزالون كذلك؛ و لئن قلتم: هذا دفعتم العيان و كذّبكم العالمون الّذين يشاهدونكم.
دليل حدوث الليل و النهار
قالوا: بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء ابد الأبد؛
قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما، لأنّكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضائها اولى (1) من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث و الانقطاع؛ لأنّه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء ابد الأبد؟ ا و لستم تشاهدون اللّيل و النّهار و احدهما بعد الآخر؟
ص: 96
فقالوا: نعم، فقال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أ فترونهما لم يزالا و لا يزالان؟ فقالوا:
نعم، قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أ فيجوز عندكم اجتماع اللّيل و النّهار؟ فقالوا: لا، فقال: فإذن ينقطع احدهما عن الآخر، فيسبق احدهما و يكون الثاني جاريا بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمْ): قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل أو نهار و لم تشاهدوهما، فلا تنكروا للّه قدرته.
ثمّ قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أ تقولون ما قبلكم من اللّيل و النّهار متناه (1)
أم غير متناه؟ فان قلتم غير متناه فقد وصل إليكم آخر(2) بلا نهاية لأوّله؛ و ان قلتم إنّه متناه فقد كان و لا شي ء منهما؛ قالوا: نعم، قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لهم: أ قلتم إنّ العالم قديم غير حادث، و انتم عارفون بمعنى ما اقررتم به و بمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم، قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): فهذا الّذي نشاهده من الأشياء بعضها الى بعض مفتقر، لأنّه لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به؛ كما نرى البناء محتاجا بعض اجزائه الى بعض و إلّا لم ينسق و لم يستحكم؛ و كذلك سائر ما نرى؛ فاذا كان هذا المحتاج بعضه الى بعض لقوّته و تمامه هو القديم، فاخبروني ان لو كان محدثا كيف كان يكون و ما كانت صفته؟»
و كلّ ضدّين بهذا الشأن***فالموت و الحياة حادثان
ص: 97
و الموت لم يخلقه ذو الحياة***إذ كلّ حيّ كاره الممات
و الأرض أيضا قبل من عليها***إذ هي مأوى من آوى إليها
كذا النجوم قبلها السّماء***و قبل الأرض و السّماء فضاء
فليست الكواكب المدبّرة***لأنّها بذاتها مفتقرة
ثمّ الفضاء لم تكن في الأزل***لأنّها تأثّرت بالشاغل
فصمتوا و علموا أنّهم لا يجدون للحدوث صفة يصفونها إلّا و هي موجودة في هذا الّذي زعموا أنّه قديم، فوجموا و قالوا: سننظر في امرنا(1).
فقد نقض (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أوّلا قولهم بقدم العالم لعدم رؤيتهم حدوثه، ثمّ الزمهم بالإقرار بحدوث اللّيل و النّهار، ثمّ استدلّ على حدوث جميع العالم بالافتقار.
إثبات الحدوث لكل ضدّين
و قد تبيّن من تقريره (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حدوث الليل و النّهار حكم عام كلّي لكلّ ضدّين موجودين في العالم، فيمكن اثبات الحدوث له أيضا بهذا التقرير، و من ذلك الموت و الحياة؛ كما قلت: و كلّ ضدّين بهذا الشأن فالموت و
ص: 98
الحياة أيضا حادثان؛ بعين التقرير المتقدّم؛ فإنّهما لا يجتمعان معا في زمان، فلا بدّ ان يكون احدهما سابقا على الآخر أيضا للتعارض.و يمكن تقرير المخلوقيّة لهما أيضا بوجه آخر؛ كما قرّره الصادق(علیه السلام)في الإهليلجة، و قد اشرت إليه بقولي: و الموت لم يخلقه ذو الحياة قطعا؛ إذ كلّ حيّ كاره الممات، فكيف يخلق الموت لنفسه؟ فلا بدّ ان يكون خالقه غيره. و اذا ثبت مخلوقيّة الموت، ثبت مخلوقيّة الحياة بالتّلازم، و يأتي ذكر الحديث.
دليل حدوثية النجوم
و قد اشرت الى وجه الافتقار و الحدوث بما قرّره الصادق(علیه السلام)بقولي: و الأرض أيضا قبل من عليها لظهور أنّ المكان قبل المتمكّن إذ هي مأوى من آوى إليها و سكن عليها، فظهر افتقار ما على الأرض إليها و حدوث ما بعدها؛ كذا النّجوم قبلها السّماء، لأنّها متمركزة فيها، فهي أيضا مفتقرة الى السماء، و هي بعدها. فهي حادثة أيضا، و قبل الأرض و السّماء الفضاء، لأنّهما موضوعتان على الفضاء و متمكّنتان فيها، فهما أيضا مفتقرتان إليها، حادثتان بعدها. و على هذا، فليست «الكواكب» هي المدبّرة لما في الأرض؛ و القول بربوبيّتها باطل، لأنّها بذاتها مفتقرة الى غيرها و هي السّماء؛ و الحادث المفتقر لا يكون محدثا.
ص: 99
دليل حدوثية الفضاءفبقي من الموجودات الفضاء فقط، ثمّ الفضاء لم تكن في الأزل أيضا، لأنّها تأثّرت بالشاغل؛ اعني السماء و الأرض، و المتأثر بغيره، متغيّر، و كلّ متغيّر حادث.
[قول الصادق(علیه السلام)في بطلان أزلية الأشياء و النجوم]
و قد ابطل الصادق(علیه السلام)القول بأزليّة الاشياء أو بأزليّة النّجوم مشروحا، فمن الاوّل: ما اجاب به(علیه السلام)عن اسئلة الزنديق؛
قال: اخبرني عمّن زعم أنّ الخلق لم يتناسلون و يتوالدون و يذهب قرن و يجي ء قرن و تفنيهم الأمرض و الأعراض و صنوف الآفات، يخبرك الآخر عن الاوّل، و ينبئك الخلق عن السلف، و القرون عن القرون، إنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر و النّبات، في كلّ دهر يخرج منه حكيم، عليم بمصلحة النّاس، بصير بتأليف الكلام و يصنّف كتابا قد حبره بفطنته و حسّنه بحكمته، و قد جعله حاجزا بين النّاس يأمرهم بالخير، و يحثّهم عليه و ينهاهم عن السّوء و الفساد و يزجرهم عنه، لئلا يتهارشوا و لا يقتل بعضهم بعضا.
قال (علیه السلام): «ويحك! إنّ من خرج من بطن أمّه امس و يرحل عن الدنيا غدا، لا علم له بما كان قبله و لا ما يكون بعده؛ ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من ان يكون
ص: 100
خلق نفسه، او خلقه غيره، او لم يزل موجودا؛ فما ليسبشي ء لم يقدر يخلق شيئا و هو ليس بشي ء، و كذلك ما لم يكن، فيكون شيئا، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتدائه.
و لو كان الإنسان ازليّا، لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزلي لا تغيّره الأيّام و لا يأتي عليه الفناء، مع أنّا لم نجد بناء من غير بان، و لا اثرا من غير مؤثّر، و لا تأليفا من غير مؤلّف، فمن زعم أنّ اباه خلقه، قيل: فمن خلق اباه؟ و لو أنّ الأب، هو الذي خلق ابنه، لخلقه على شهوته، و صوّره على محبّته، و لملك حياته و لجاز فيه حكمه؛ و لكنّه ان مرض فلم ينفعه، و ان مات فعجز عن ردّه، إنّ من استطاع ان يخلق خلقا و ينفخ فيه روحا حتّى يمشي على
رجليه سويّا، يقدر ان يدفع عنه الفساد.»(1)
و من الثاني أيضا من هذا الحديث؛ قال:
ايّها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أنّ هذا التدبير الّذي يظهر في العالم تدبير النّجوم السبعة؟
ص: 101
قال (علیه السلام): يحتاجون الى دليل أنّ هذا العالم الاكبر و الاصغر من تدبير النجوم الّتي تسيح في الفلك و تدور حيث دارت، متبعة لا لا تفتّر و سائرة لا تقف.ثم قال (علیه السلام): و إنّ كلّ نجم منها موكّل مدبّر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين، فلو كانت قديمة ازليته لم تتغيّر من حال الى حال (1).
و في الإهليلجة، قال:
«أ رأيت إن قلت لك إنّ البروج لم تزل و هي الّتي خلقت انفسها على الحساب ما الّذي يرد عليّ، قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعدا و بعضا نحسا، و بعضها مضيئا و بعضها مظلما، و بعضها صغيرا و بعضها كبيرا؟ قال: كذلك ارادت ان تكون بمنزلة النّاس، فإنّ بعضهم جميل و بعضهم قبيح، و بعضهم قصير و بعضهم طويل، و بعضهم ابيض و بعضهم اسود، و بعضهم صالح و بعضهم طالح، قلت: فالعجب منك! إنّي اراودك اليوم على ان تقرّ لي بصانع فلم تجبني الى ذلك حتّى كان الآن، اقررت بأنّ القردة و الخنازير خلقن انفسهنّ؟ قال: بهتّني بما لم يسمع النّاس منّى! قلت: أ فمنكر انت لذلك؟ قال: اشدّ الإنكار، قلت: فمن خلق القردة و الخنازير؟ ان كان النّاس و النّجوم خلق انفسهنّ، فلا بدّ من ان تقول إنّهنّ خلق انفسهنّ أ فتقول إنّها من خلق
ص: 102
الناس؟ قال: لا، قلت: فلا بدّ ان يكون لها خالق أو هي خلقت انفسها؛ فان قلت: إنّها من خلق النّاس، فقد اقررت أنّ لها خالقا؛ فان قلت: لا بدّ ان يكون لها خالقا فقد صدقت و ما اعرفنا به، و لئن قلت: إنهنّ خلقن انفسهنّ، فقد اعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع.»ثم قلت: فأخبرني بعضهنّ قبل بعض خلقن انفسهنّ أم كان ذلك في يوم واحد؟
فإن قلت: بعضهنّ قبل بعض، فأخبرني السّماوات و ما فيهنّ و النّجوم قبل الأرض و الأنس و الذرّ خلقن انفسهنّ أم بعد ذلك؟ فان قلت: إن الأرض قبل، أ فلا ترى قولك إنّ الاشياء لم تزل، قد بطل حيث كانت السّماء بعد الأرض؟ قال: بلى، و لكن اقول معا جميعا خلقن، قلت: أ فلا ترى أنّك قد اقررت إنّها لم تكن شيئا قبل ان خلقن و قد اذهبت حجّتك في الازليّة؟ قال:
«إنّي لعلى حدّ وقوف ما ادري ما اجيبك فيه، لأنّي اعلم أنّ الصانع إنّما سمّي صانعا لصناعته، و الصناعة غير الصانع، و الصانع غير الصناعة، لأنّه يقال لرجل الباني لصناعته، و البناء غير الباني، و الباني غير البناء، و كذلك الحارث غير الحرث، و الحرث غير الحارث.»
قلت: فاخبرني عن قولك إنّ النّاس خلقوا انفسهم، فبكمالهم خلقوا ارواحهم و اجسادهم و صورهم و انفاسهم، أم خلق بعض ذلك غيرهم؟ قال:
ص: 103
«بكمالهم لم يخلق شيئا منهم غيرهم، قلت: فاخبرني، الحياة احبّ إليهم أم الموت؟ قال: او تشكّ أنّه لا شي ء احبّ إليهم من الحياة و لا ابغض إليهم من الموت؟ قلت: فاخبرني، من خلق الموت الّذي يخرج انفسهم الّتي زعمت أنّهم خلقوها؟ فإنّك لا تنكر أنّ الموت غير الحياة، و أنّه هو الّذي يذهببالحياة؛ فان قلت: إنّ الّذي خلق الموت غيرهم، فإنّ الّذي خلق الموت، هو الّذي خلق الحياة؛ و لئن قلت: هم الذين خلقوا الموت لانفسهم، إنّ هذا لمحال من القول، و كيف خلقوا لانفسهم ما يكرهون؟»(1)
و قال(علیه السلام)في جملة ما قال:
«أ لست تعلم أنّه حيث كان جميع اهل الدنيا إنّما يولدون بهذه النّجوم على ما وصفت في النّحوس و السعود، إنهنّ كنّ قبل النّاس؟ قال: ما امتنع ان اقول هذا؟ قلت: أ فليس ينبغي لك ان تعلم أنّ قولك إنّ النّاس لم يزالوا و لا يزالون قد انكسر عليك، حيث كانت النّجوم، قبل النّاس، فالنّاس حدث بعدها و لئن كانت النّجوم خلقت قبل النّاس ما تجد بدّا ان تزعم انّ الأرض خلقت قبلهم، قال: و لم ازعم أنّ الأرض خلقت قبلهم؟ قلت:
افلست تعلم أنّها لو لم تكن الأرض جعل اللّه لخلقه فراشا و قرارا و مهادا، ما استقام النّاس و لا غيرهم من الأنام، و لا قدروا ان يكونوا في الهواء، الّا ان تكون لهم اجنحة؟ قال: و ما ذا يغني عنهم الاجنحة اذا لم تكن لهم معيشة؟ قلت: ففي
ص: 104
شكّ انت من أنّ النّاس حدث بعد الأرض و البروج؟ قال: لا، و لكن على اليقين من ذلك، قلت: أليك أيضا بما تبصره؛ قال: ذلك انفى للشكّ عنّي، قلت: الست تعلم أنّ الّذي تدور عليه هذه النّجوم و الشّمس و القمر هذا الفلك، قال: بلى،قلت: فما ارى هذه النّجوم الّتي زعمت أنّها مواليد الناس إلّا و قد وضعت بعد هذا الفلك، لأنّه به تدور هذه البروج و تسفل مرّة و تصعد أخرى، قال:
قد جئت بامر واضح لا يشكل على ذي عقل إنّ الّذي تدور به النّجوم هو اساسها الّذي وضع لها، لأنّها إنّما جرت به، قلت:
اقررت أنّ خالق النّجوم الّتي يولد بها النّاس سعودهم و نحوسهم، هو خالق الأرض، لأنّه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء، قال: ما اجد بدّا من اجابتك الى ذلك، قلت: أ فليس ينبغي ان يدلّك عقلك على أنّه لا يقدر على خلق السّماء إلّا الذي خلق الأرض و الذرّة و الشّمس و القمر و النّجوم، و أنّه لو لا السّماء و مافيها، لهلك ذرء الأرض، قال: اشهد أنّ الخالق واحد من غير شكّ، لأنّك قد اتيتني بحجّة ظهرت لعقلي و انقطعت بها حجّتي.»
اقول: و قد استدلّ(علیه السلام)بهذه الجملة الأخيرة بالافتقار على حدوث الأشياء ثمّ بالاتّصال على وحدة الصانع.
ص: 105
قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْمُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}(1)
وقد ورد في تفسيرها عن أهل البيت(علیهم السلام)أن المقصود بها عترة النبي(علیهما السلام)من أبناء فاطمة(علیهم السلام)، وأن السابقين بالخيرات منهم الأئمة المعصومون ، والمقتصد من يعرف حق الإمام ، والظالم لنفسه من لم يعرف حق الإمام ، وأنهم جميعاً صالحون حتى الظالم لنفسه ما دام ليس ظالماً لغيره .
فوراثة الكتاب في هؤلاء الصالحين ، دون الفاسقين الذين هم قسم رابع غير هذه الثلاثة. وهذا هو المعنى الوحيد المعقول للآية.
روى في الإحتجاج:2/301: ( عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله(علیه السلام)عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ؟ قال: أي شئ تقول ؟ قلت: إني أقول إنها خاصة لولد فاطمة . فقال(علیه السلام): أما من سلَّ سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة وغيرهم فليس بداخل في الآية ، قلت: من يدخل فيها ؟ قال: الظالم لنفسه الذي لايدعو الناس إلى ضلال ولا هدى ،
ص: 106
والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق الإمام ، والسابق بالخيرات هو الإمام).
وقال المجلسي +في البحار:23/218: (روى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن العباس بن مروان قال: حدثنا علي بن عبد الله بن أسد ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عثمان بن سعيد ، عن إسحاق بن يزيد الفراء ، عن غالب الهمداني ، عن أبي إسحاق السبيعي قال: خرجتحاجاً فلقيت محمد بن علي فسألته عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ..الآية؟ فقال: ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق؟ يعني أهل الكوفة ، قال قلت: يقولون إنها لهم . قال: فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنة ؟! قلت: فما تقول أنت جعلت فداك ؟ فقال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق ، أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا أهل البيت، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل ، وأما الظالم لنفسه ففيه ما جاء في التائبين وهو مغفور له . يا أبا إسحاق بنا يفك الله عيوبكم ، وبنا يحل الله رباق الذل من أعناقكم ، وبنا يغفر الله ذنوبكم ، وبنا يفتح الله وبنا يختم لا بكم ، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف، ونحن سفينتكم كسفينة نوح ، ونحن باب حطتكم كباب حطة بني إسرائيل ) .
وقال ابن شعبة الحراني في تحف العقول ص425: ( لما حضر علي بن موسى(علیهما السلام)مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان . فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
ص: 107
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.. الآية ؟ فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلها . فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن ؟
فقال الرضا(علیه السلام): لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة . فقال المأمون: وكيف عنى العترة دون الأمة ؟
فقال الرضا لنفسه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير . ثم جعلهم كلهمفي الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم .
ثم قال الرضا(علیه السلام): هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وهم الذين قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، يا أيها الناس لاتعلموهم فإنهم أعلم منكم .
قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل ؟
فقال الرضا(علیه السلام): هم الآل .فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثر عنه أنه قال: أمتي آلي، وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض(!!) الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته !فقال الرضا(علیه السلام): أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد ؟
قالوا: نعم . قال(علیه السلام): فتحرم على الأمة ؟ قالوا: لا .
قال(علیه السلام): هذا فرق بين الآل وبين الأمة ، ويحكم أين يذهب بكم ، أصرفتم
ص: 108
عن الذكر صفحاً ، أم أنتم قوم مسرفون ، أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم !
قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن ؟
قال(علیه السلام): من قول الله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). (سورة الحديد: 26) فصارت وراثةالنبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين. أما علمتم أن نوحاً سأل ربه فقال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) (سورة هود: 45) وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله ، فقال له ربه تبارك وتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاتَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (سورة هود: 46) فقال المأمون: فهل فضل الله العترة على سائر الناس؟ فقال الرضا(علیه السلام): إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابهُ .
قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله ؟
قال الرضا(علیه السلام): في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. (سورة آل عمران:23-34) وقال الله في موضع آخر: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ
ص: 109
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.(سورة النساء:54)ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(سورة النساء: 59) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحسدوا عليهما بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين ، والملك هاهنا الطاعة لهم . قالت العلماء: هل فسر الله تعالى الإصطفاء في الكتاب ؟
فقال الرضا(علیه السلام): فسر الإصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً . فأول ذلك قول الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين .(سورة الشعراء: 214) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآلفهذه واحدة . والآية الثانية في الإصطفاء قول الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (سورة الأحزاب: 33) وهذا الفضل الذي لايجحده معاند ، لأنه فضل بين .
والآية الثالثة، حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الإبتهال فقال: قل يامحمد: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). (سورة آل عمران:61) فأبرز النبي(علیهما السلام)علياً والحسن والحسين وفاطمة(علیهم السلام)فقرن أنفسهم بنفسه...إلى آخر الرواية ).انتهى.
وهذا المعنى هو المقصود بقول النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)الذي رواه عمر: (سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له) لأنه يستحيل أن يكون مقصوده(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كل ظالم من أمته ، وقد نص القرآن والسنة على دخولهم بعضهم النار .
ص: 110
قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج العقيلي وابن هلال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ، وقرأ عمر: فمنهم ظالم لنفسه.. الآية ). انتهى. ( وروى السيوطي نحوه عن أنس ، ورواه في كنز العمال:2/10و485 عن عمر وأضاف لمصادره: الديلمي في الفردوس والبيهقي في البعث والنشور ).ويؤيده مارواه السيوطي:5/251، عن الطبراني والبيهقي في البعث ، عن أسامة بن زيد: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): كلهم من هذه الأمة ، وكلهم في الجنة). انتهى . (ونحوه في كنز العمال:2/ 486 ، ومجمع الزوائد:7/96 . وتعبير كلهم من الأمة يدل على أنهم ليسوا كل الأمة) .
غير أن عمر وكعب الأحبار وَسَّعَا بعد ذلك (الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب ) فجعلوهم كل المسلمين !
قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال قال كعب: يلومني أحبار بني اسرائيل أني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم ثم أدخلهم الجنة ! ثم تلا هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، حتى بلغ جنات عدن يدخلونها...
ص: 111
قال قال: فأدخلهم الله الجنة جميعاً ) .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..الآية؟ قال: نجوا كلهم . ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم ) .
وقال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج سعيد بن منصوروابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له). انتهى.
وزعم الخولاني وهو من تلامذة كعب أنه قرأ ذلك في كتب اليهود !
قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: ( وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله (كتب الله) أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة ، وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله ، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه).
وقد وافق عثمان بن عفان كعباً على تفسيره! قال السيوطي في تفسيره:5/252: (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد ، ألا وإن مقتصدنا ناج أهل حضرنا ، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا ).
ص: 112
انتهى .
وكذلك وافقت عائشة على هذا التعميم ! فقد روى الحاكم:2/426 ، عن عقبة بن صهبان الحراني قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ؟ فقالت عائشة: أما السبَّاق فمن مضى في حياة رسول الله فشهد له بالحياة والرزق . وأما المقتصد فمناتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا ، وكل في الجنة . صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . (ورواه في مجمع الزوائد:7 /96 . وقال عنه السيوطي في الدر المنثور: 5/251: وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة ... الخ ).
ومن الواضح أن عثمان وعائشة اعتمدا على كعب الأحبار وعمر ، أو على فهمهما للآيات ، حيث لم يذكرا رواية عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).
ولم أجد من خالف توسيع عمر وكعب بصراحة إلا الحسن البصري !
قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، إلى قوله: لغوب ، قال: دخلوها ورب الكعبة . وفي لفظ قال: كلهم في الجنة ، ألا ترى على أثره والذين كفروا لهم نار جهنم فهؤلاء أهل النار . فذكر ذلك للحسن فقال: أبت ذلك عليهم الواقعة
ص: 113
!
وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله: جنات عدن يدخلونها قال: دخلوها ورب الكعبة ، فأخبر الحسن بذلك فقال: أبت والله ذلك عليهم الواقعة) . انتهى .
يقصد الحسن البصري أن التقسيم الثلاثي للمسلمين الذي ورد في سورة الواقعة يردُّ تفسير كعب وعمر وهو قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُالْمَيْمَنَةِمَاأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ.وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَاأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . (سورة الواقعة: 7 - 12)
وكلام الحسن البصري يدل على أن توسيع عمر وكعب لورثة الكتاب كان برأيهما وليس عندهما حديث نبوي، وكلامه قوي لأن الخطاب عنده في الآية للمسلمين، ولوكان المقصودبالمصطفين الذين أورثهم الله الكتاب كل المسلمين لكانوا جميعاً من أهل الجنة ، ولما بقي معنى لتقسيم المسلمين في سورة الواقعة إلى سابقين وأصحاب يمين في الجنة ، وأصحاب شمال في النار.
الأسئلة
1 - كيف تفسرون الآية ؟ ومن هم هؤلاء الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب وحكم بأن أقسامهم الثلاثة من أهل الجنة ؟
2 - ما هو الدافع لعمر وكعب الأحبار لتوسيع الآية لجميع المسلمين؟
ص: 114
3 - هل تعتبرون ما رواه الحاكم:2/426، تأييداً لقول عمر: عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)يقول في قوله عز وجل: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال: السابق والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب ، والظالم لنفسه يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة .ثم قال الحاكم: وقد اختلفت الروايات عن الأعمش في إسناد هذا الحديث فروي عن الثوري، عن الأعمش ، عن أبي ثابت ، عن أبي الدرداء ، وقيل عن شعبة، عن الأعمش ، عن رجل من ثقيف، عن أبي الدرداء . وقيل عن الثوري أيضاً عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت ، عن أبي الدرداء وإذا كثرت الروايات في الحديث ظهر أن للحديث أصلاً ). انتهى .
4 - كيف يصح الإستدلال بمثل هذا الحديث عن النبي(علیهما السلام)، وهو لو صح فإنما يدل على أن ورثة الكتاب المصطفين كلهم في الجنة ، ولايدل على أن هؤلاء المصطفون هم كل الأمة ؟!
ص: 115
لا يخفی علی احد ان السيد علي القاضي احد اقطاب العرفاء كما وانه استاذ وشيخ من يدعي العرفان من بعده وكان من التابعين والمتمايلين الی عرفان ابن عربي والمتصوفة ولنا علی ذلك ادلة: منها ان آية الله الشيخ ذبيح الله القوشاني كان احد العلماء الزهاد بحيث لم يشك احدٌ في تقواه لمّا كان نزيلا للنجف الاشرف وكان من المشتاقين والمحبين للسيد علي القاضي وحينئذٍ كان استاذاً وشيخاً لسماحة آية الله البهجة (وقال بعض اِن هذين العالمين الفقهيين كانا من المتباحثين في الدرس معاً) .
والحكاية المنقولة من قول علي ابن القوشاني الذي كان استاذاً وشيخا للشيخ بهجة (او مباحثاً) فنقل ابن القوشاني عن ابيه انه كان له استاذاً يحبه كثيراً لكنه رأی منه عملاً وذنباً كبيراً مخالفاً للشرع وانه طلب من اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السلام) ان يشفع له باخراج محبته من قلبه.
ص: 116
واليك الحكاية التي نقلها ابن القوشاني حيث قال: ان يوماً توفي احد ارحام القاضي وصلی عليه القاضي صلاة الميت وحصلت للقاضي حالة قال فيها ... هذا عبدي ... نزل بي .... بمكان هذا عبدك نزل بك ... يعني انه غيّر ضمير الخطاب الی المتكلم قال كاتب الحكاية نعم قال القاضي في صلاته كماتقول الصوفية في حالاتهم الفرحة من قبيل هذه الكلمات كثيراً مثل منصور الحلاج وجلال الدين الرومي وابن عربي وغيره ..
وقال ايضاً ابن القوشاني انه جاء وفد من مدينة قم المقدسة وسمعوا هذه الحكاية من ابي وكان في نفس الوقت آية الله البهجة مقيماً في مشهد المشرفة لذا عرضوا الحكاية علی سماحته وقال بعد سماعها نعم صحيح ما تقولون وان ما عرض للقاضي هي حالة خاصة فتاذی من ذلك الشيخ القوشاني ولم يتحملها .
وان هذه الحكاية نقلها ايضاً الشيخ ابوالقاسم البلخي .
راجع الموقع التالي:
http://yaali-110.blogfa.com/post/37
ص: 117
الحلقة الاولی
الحمد لله رب العالمين وصلی الله علی محمد واله الطاهرين ولعنة الله علی اعدائهم اجمعين الی يوم الدين
كتب الاستاذ الفاضل الدكتور محمد جواد الطريحي اعزه الله تعالى مقدمة لكتاب المرحوم العلامة المظفر ( قدس سره ) احلام اليقظة , وعند قرائتي لها وجدت مواضع للنظر والتعليق .. وقد طلب مني فضيلة الاخ العلامة الشيخ عبد الامير الطريحي دام عزه ان اكتب ما عندي فاستجبت له سائلا المولى سبحانه ان يغمرنا جميعا بعفوه ورحمته مسمتيحا العذر من جناب الدكتور الجواد الطريحي ..
وساقف مع الاستاذ الدكتور في واحات
واسال الله تعالى التوفيق
ص: 118
الواحة الاولى
دعا الاسلام في اهم مصادره - القران الكريم والسنة الشريفة - الى التعقل ومدح العقل والذين يعقلون بالفاظ مختلفة وباساليب متنوعة ركزت دور العقل واهميته في المنظومة الفكرية الاسلامية , وهذا ما لا يحتاج الى الاستدلال فالقران بين ايدينا وكتب الحديث افرد بعضها كتابا للعقل كالكافي والمحاسن والبحار .ومن هنا لامجال للمناقشة في الدور الهام للعقل في الفكر الاسلامي , ولكن نجد ان هناك خلطا كبيرا بين العقل المشار اليه وبين ما يسمى بالعلوم العقلية .
العقل في ايسر معانيه هو القوة المفكرة التي تدرك وتعطي القيمة وتحدد الطريق .
العقل هو قوة مودعة في الانسان ترتبط في اسسها بالبديهيات التي هي راس مال الفكر وتنطلق منها الى سائر المعلومات التي ترتبط بحياة الانسان العلمية والعملية .
هذه القوة الفطرية الموهوبة من الله تعالى للانسان هي ما استثاره القران والسنة ودعاه الى التمييز بين الحق والباطل وخاطبه تعالى كما في الحديث الصحيح عن محمد بن مسلم : .... وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا " هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن احب ، أما إني إياك آمر ، وإياك أنهى وإياك اعاقب ، وإياك اثيب(1).
ص: 119
وهناك ما يسمى بعلم المعقول او الفلسفة التي قد يعبرون عنها بالحكمة الالهية وهذه محط اختلاف عند علماء الامامية وصل الى حد التكفير على ما ذكره الميرزا النوري ره في خاتمة المستدرك نقلا عن الروضات من قول بعضهم في شرح ملا صدرا لكتاب الكافي :
شروح الكافي كثيرة جليلة قدرا واول من شرحه بالكفر صدرا(1)ومن هنا يظهر ان تحميل الحث الاسلامي على التعقل والموقف الايجابي للشيعة من العقل على الفلسفة في غير محله وذلك :
اولا : لاختلاف المعنى المراد بكل منهما كما اوضحته ونزيده بيانا فنقول :
العقل في النصوص الشريفة هو قوة الادراك البديهي الواضح الذي يقود الانسان الى ما هو الحق علما وعملا .
اما العقل والمعقول عند القوم فهو علم له اسسه ومدارسه ومسائله التي يختلفون فيها الى حد الخروج عن الميزان العلمي السليم وبهذا تعددت مسالكهم ومدارسهم فالمشاؤون حاولوا الوصول الى النتائج بواسطة البرهان وفق الضوابط المقررة في علم المنطق الذي جعلوه الاساس لابحاثهم اما الاشراقيون فاعتمدوا تصفية النفس بواسطة الرياضات وانتهجوا منهجا اخر في الوصول الى العلم عماده الكشف وبين المسلكين بون شاسع وفضاء واسع .
ص: 120
اما لو اراد ما قد يعجب بعض الباحثين الحديث فيه من ان للاسلام فلسفة تميز بها عن الفلسفة اليونانية ..الخ كلامه ص 11من المقدمة فهو صحيح لكن بمعنى ان له منظومته الخاصة التي بينها الكتاب والسنة والعقل بالحدود التي ذكرتها مصادر الفكر الاسلامي ولا معنى لاخذ الاسلام من غير مصادره والتعويل على فلسفة مشائية او اشراقية او صدرائية او غير ذلك ..الاسلام له منظومته العلمية الملائمة للعقل والفطرة وليس في الاسلام قواعد عقلية بنحو ما هو مبحوث في كتب الفلسفة .
ثانيا : اعتراف جملة من الباحثين بالتقاطع بين الاسلام في بعض قطعياته مع الفلسفة في اهم مفكريها , ومنهم الشيخ محمد تقي الاملي حيث قال :" ( اقول ) هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذه الطريقة ولكن الانصاف انه عين انحصار المعاد في الروحاني لكن بعبارة اخفى فانه بعد فرض كون شيئية الشئ بصورته وان صورة ذات النفس هو نفسه وان المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشئ لا يحشر وان المحشور هو النفس غاية الامر اما مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياما صدوريا مجردا عن المادة ولوازمها الا المقدار كما في نفوس المتوسطين من اصحاب الشمال او اصحاب اليمين واما بدون ذلك ايضا كما في المقربين . ( ولعمري ) ان هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحية .
وانا اشهد الله وملائكته وانبياءه ورسله اني اعتقد في هذه الساعة وهي ساعة الثلاث من يوم الاحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368 في امر
ص: 121
المعاد الجسماني بما نطق به القران الكريم واعتقد به محمد صلى الله عليه واله والائمة المعصومون صلوات الله عليهم اجمعين وعليه اطبقت الامة الاسلامية و لا انكر من قدرة الله شيئا"(1) .
وهذا مورد للتمثيل وهناك الكثير غيره يجده المتتبع في كتب القوم .ثالثا : انتج الموقف التعقلي للشيعة علم اصول الفقه وهو علم قدم فيه اعلام الامامية اسمى النظريات العلمية والتحليل العقلي الدقيق للكثير مما يحتاجه الفقيه في عملية الاستنباط .
قد يقال ان هذا العلم تاثر كثيرا بالفلسفة فكانت من روافده المهمة كما ذكره بعض الاعلام .
ونقول : نعم هناك تاثر للاصول بالفلسفة ولكنه لا يصب باتجاه تطوير علم الاصول بل هو نكسة ينبغي بذل الجهد بكثير من الجراة لتخليص علم الاصول من الوافد الفلسفي الذي اربكه وابعده عن الغاية منه ..
والخلاصة :
ان النص الديني وما ورد عن الامام علي عليه السلام "وهو فلك الحقيقة وخزانة العقل" , لا يمت للفلسفة المدرسية بصلة بل يتقاطع معها في الكثير من مفرداتها .
الواحة الثانية
ص: 122
الفكر الاسلامي ليس نتاجا بشريا بل هو عطاء السماء لنا بلغه نبي ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى , ومن هنا فلا مجال لدعوى ان " لم تكن المبادرة العلوية بمعزل عن التفكير الفلسفي في تاريخ الانسانية في مخاضها العلمي " فالتاصيل الحضاري في الاسلام ليس بمعنى الامتداد التطوري للحضارات البشرية , بل ان هذه الدعوى ذات جذور(1)غريبة عن الاسلام ومعطيات حديثة(2)
شذت عن المسار الاسلامي العام في محاولة تصفية اسس الفكر الاسلامي وزعزعة قواعده .
الاسلام بكل ما جاء به يمثل نهضة فكرية كبرى تؤكد ارتباطها بالسماء وانها ليست نتاجا بشريا ومن هنا لامعنى لدعوى الارتباط الحضاري بين الفكر الاسلامي والحضارات السابقة .
ومن الضروري ان ننبه الى ان ما جاء في ص14 و15 من رصد تاريخي لمدارس فلسفية نشات في المنطقة لا يعني انتقال ذلك الفكر الى الاسلام وعرض الامام امير المؤمنين صلوات الله عليه " الدين موضوعا من موضوعات التفكير والتامل " لينتقل الى نتيجة " ومن هنا ابتدأ النظر والتاويل الفلسفي في الفكر الاسلامي "
ص: 123
بل ان التفكير الفلسفي نشأ في الاسلام بعد ذلك ومن قبل السلطة الجائرة الخاوية لمواجهة الفكر الاسلامي الاصيل المتمثل بآل البيت الاطهار صلوات الله عليهم .
اما ما كان فيه اهل العراق والكوفة على التحديد فهو نتاج تربية اسلامية وارتباطهم بآل البيت اما مباشرة عند ورودهم الى المدينة او مكة المكرمة او من خلال اصحابهم الذين سمحت لهم السلطة انذاك في الخروج عن المدينة كما في ولاية عمار بن ياسر رضوان الله عليه على الكوفة من قبل الثاني ,فالصوت المفكر الواعي جاء بواسطة ال البيت صلوات الله عليهم وولد في الكوفة نمطين من الناس :
الاول : هو الخط الواعي المتدبر الذي آمن بالاسلام حقا وهم قلة من مثل الأشتر وعبد الله بن جندب وغيرهم وهؤلاء بقوا مخلصين للخط العلوي الطاهر الى اخر نفس .
الثاني : المنافقون المصلحيون الذين علموا بان هذا التوجه لا يمتلك رؤية التفضيل وشراء الولاء واسكات الاصوات بالمال والمنصب .
هذا , واذا لاحظنا مدى الالتزام العلوي الذي لا يسمح له وهو علم التقوى ان ياخذ بذنب قبل وقوعه وان كان ذلك الذنب هو قتله صلوات الله عليه نجد ان من الواضح ان يجد الصوت المعارض مجالا واسعا للانطلاق لا لان القوم وراث حضارة فلسفية ولكن لسعة صدر الحاكم والتزامه بمبادئه الكبرى .
واخيرا نؤكد ان الاقوام التي خطب فيها علي صلوات الله عليه لم تكن بقايا الارث الحضاري للمنطقة بل هم اما عرب الجزيرة الوافدون للفتح او اخوانهم من
ص: 124
عرب العراق الذين كانوا متشتتين في الصحراء , اما المناذرة فلم تكن تشكل مركزا حضاريا علميا لتنطبع اثاره في الذهنية العامة لمن سكن الكوفة انذاك .
للبحث صلة
ان فرقة الشيخية انما تدعي التشيع كذباً وليست من الشيعة قط بل هي من اتباع الشيخ احمد الاحسائي من رجال القرن الثالث عشر الذي قال فيه ادوارد براون البريطاني في كتابه World`s Cross-word وترجم الی اللغة الفارسية معمای جهان بمعنی اسرار العالم والذي هو آخر كتبه في افشاء مؤامرات وخطط بريطانيا في العالم قائلاً فيه: ان الاحسائي اصالةً قسيسس بريطاني واسمه الاصلي Aidan Ahoski ايترن اهاسكي ثم غيره الی احمد الاحسائي وانه كان يحسن التكلم باللغة العربية والفارسية فصيحاً وانه ورد الاحساء وهي (ما بين الحجاز والبحرين) ووضع لنفسه نسبة الاحسائي كذباً التي صارت مدی مدة من الزمن مورداً للمتاقشة والتكذيب من اهالي البحرين والحجاز والاحساء وان الاباء الذين ذكرهم لنفسه ونسبه واجداده لم يكن لهم وجودٌ خارجي
اساس هذه الفرقة مبني علی مزج التعابير الفلسفية للسهروّردي و ملاصدرا باخبار آل محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وان فرق البابية والازلية متاثرةٌ كثيرا بمذهب الشيخية
ص: 125
وان البهائية والازلية تعتبران من نتايج الشيخية وان السيد كاظم الرشتي المتوفی (1259 هج) روسي الاصل ترازي وادعاؤه للسيادة والانتساب الی سادات رشت كذب (لانه كان يميل وجهه الی الاحمر ارو البياض كاهالي شمال ايران) وانه كان تلميذاً للاحسائي وسائرا علی مذهبه وفرقته وكان بعد الرشتي محمد كريم خان القاجار الكرماني مقاما .ان في اصطلاحات الشيخية يقال لشيخ احمد الاحسائي الشيخ الجليل ولان اسمه المستعار كان احمد كان يقال له الظهور السمائي لمحمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في هذه الدورة (لانه جاء في مرويات الشيعة ان اسم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في السموات احمد وفي الارضيين محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وايضاً كان يدعي الاحسائي ان روح الامام المهدي حالّة فيه ويتكلم بلسانه ويكتب بيديه وكان يدعي ان له معرفة بكل العلوم ! وقد كتب كتباً كثيرة في الفلسفة والفقة والتفسير وغيره باللغة العربية تبلغ تسعين مجلداً واكثر عبائر وكلمات كتبه ليست بصحيحة وانها مملوة بالاغلاط الفاحشة النحوية وتشعر ان صاحبها لم يكن بعربي اصالةً ولم يكن تلميذا منظماً .
ان سيد كاظم الرشتي( الروسي الاصل 1212-1259 هج) الذي كان تلميذاً لاحمد الاحسائي كان يعرف نفسه بانه السيد كاظم بن القاسم الحسيني الرشتي الجيلاني الحائري اي الكربلائي وكان يدعي ان اجداده من اشراف السادة الحسينيين الساكنين في المدينة وان جيلين منهما صاروا ايرانيين وايضاً كان انتسابه جعليا وافتراءً كاستاذه احمد الاحسائي وكذّبها علماء الانساب
ص: 126
وكان يقول ان جده السيد احمد هاجر من المدينة الی رشت لاجل مرض الطاعون ويقال للسيد الرشتي في اصطلاح الشيخية السيد النبيل لاجل مساعيه المشتركة بين روسية وبريطانيا لايجاد الاختلاف والنفاق بين الشيعة (خاورميانه).ذهب الرشتي في ايام شبابه الی مدينة يزد واتصل بمكتب الشيخ احمد الاحسائي ثم ذهب الی كربلاء و اقام فيها الی آخر عمره مشغولاً فيها بالتدريس والترويج لمذهب الشيخية وكتب مائة وخمسين كتاباً ورسالة و فيها كثير من الرموز والاغلاط وما لا يفهم وكان الرشتي مورداً لعناية وتوجه بعض العلماء السذج في كربلا وايضاً ترّب علی يديه بعض التلاميذ منهم محمد كريم خان الكرماني والسيد علي محمد الشيرازي المعروف بالباب .
كتب بعض ان نجيب پاشا الحاكم العثماني في زمن السيد الرشتي الذي اغار علی كربلا وقتل اهاليها دعی السيد الرشتي لكي يراه وبعد ما راه واحترمه ظاهراً دسّ سماً له في القهوة وقتله في ذي الحجة 1259 هج و دفنوه في جوار قبر الامام الحسين (علیه السلام) .
ان من اهم كتب السيد كاظم الرشتي كتاب شرح القصيدة الذي هو شرح علی قصيدة اللامية لپاشا عبد الباقي الافندي العمري الموصلي والي العراق في الدورة العثمانية وايضاً كتب الرشتي حول حديث النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انا مدينة العلم وعليٌ بابها شرحاً وتفسيراً وتأويلاً قائلاً فيه: ان للسماء اثنين وعشرين منطقة او محلة وان في محله اثنين وعشرين فيه مائة وستون زقاقاً وذكراسماءً
ص: 127
عجيةً وغريبةً لتلك الازقة التي لها تشابهاً كثيراً برسالة الغفران لابي العلاء المعري وكمدي الهي دانته. وكتب ايضاً ان في احدی زقاق هذه المدينة امرأتين تتساحقان فيعلم ان مراد الرشتي من هذا الكتاب هو الاستهزاء والاهانة للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمةالاطهار (علیهم السلام) لذا حينما قُرِأ هذا الشرح لپاشا الافندي المذكور انفاً قال ان الله يعلم ان الذي قاله الرشتي خارج من مقصودي و مخيّلتي الشعرية.
وطبع كتاب (شرح الحديث النبوي) في سنة 1270 هج في طهران.
وبرز و نشأ بعد الرشتي تلميذه محمد كريم خان القاجار (1225-1288 ه) ابن ابراهيم خان ظهير الدولة .
ان محمد كريم خان هو الذي اسس فرقة الشيخية الكرمانية وكان من معروفي زمانه والف فوق مأتين و تشعر كتبه بجهله وعدم معرفته . ان ابا محمد كريم خان ظهيرالدوله كان واليا علی خراسان وكرمان في مدة من السنين وكان من المريدن للشيخ احمد الاحسائي ويعتبر محمد كريم خان القاجار (1263-1324 ه) رئيساً لفرقة الشيخية في كرمان ويعدونه من اكابر علماءتلك الفرقة ونشاء بعده ابنه رحيم خان وادعی انه قائم مقام ابيه وكان له ايضاً فئة تحاميه وكان له مع اخويه محمد خان و زين العابدين خان الذين تصدا لقيادة الشيخية بعد ابيهما منازعة ورقابة .
ان محمد رحيم خان لم يكن قائلاً لابيه مرتبة سوی الفقاهة والتقوی وكان محمد رحيم خان مائلاً ومداريا مع كبراء كرمان لذا لم يكن مورداً لتوجه
ص: 128
الشيخية ثم نشأ بعد محمد كريم خان ابنه زين العابدين (1260-1276 هج) ثم بعده ابو القاسم خان الابراهيمي (1314-1390 هج) ثم من بعده عبد الرضا خان الذي اغتيل في اوائل الثورة الاسلامية في ايران وكان قتله سنة (1358 شمسية هج) ويقال لشيخيّة كرمان بناءً اعلی انتسابهم الیمؤسسهم محمد كريم خان كريمخانية ويقال لرئيس هذه الفرقة سركار آقا ثم نشأت من بعد محمد كريم خان فرق اخری للشيخية وهي الباقرية الذين هم اتباع محمد باقر الخندق آبادي الذي كان من وكلاء محمد كريم خان في همدان ثم ادعی الاستقلال لنفسه الی ان صار معروفا بميرزا محمد الهمداني وهو الذي سبب الحرب بين الشيخية والكبار في همدان وايضاً كان الميرزا محمد باقر من المؤلفين لكتب كثيرة وهي ايضاً مملوة من الاغلاط والاشتباهات كامثاله من كبار الشيخية و ايضاً هاجر هو مع الميرزا ابوتراب من مجتهدي الشيخية (من الطائفة النفسيّة الكرمانية) وعدة اخر وحصل علی مدافعين له في نائين واصفهان وجندق وبيابانك و همدان الی ان اسس فرقة الشيخية الباقرية في همدان.
ان شيخية آذربايجان هم اتباع ميرزا شفيع ثقة الاسلام التبريزي المتوفی (1301 هج) ويقال ايضاً لهولاء الشيخية (ثقة الاسلامية) ثم نشأ من بعد ميرزا شفيع ابنه الميرزا موسی وبعده الميرزا علي المعروف بثقة الاسلام الثاني او الشهيد الذي صلب في سنه 1330 هجرية قمرية بجريمة تاييد المشروطة بايدي الروس التزاري واتباعهم لذا لقب بالشهيد عندهم ثم نشأ بعده اخيه
ص: 129
الميرزا محمد والطائفة الاخری للشيخية هي طائفة الحجة الاسلامية (الذين يتبعون الميرزا محمد المامقاني) الذي كفّر السيد محمد الباب وحكم عليه بالقتل (وهؤلاء يتبعون المامقاني لاجل الاختلاف الرقابهالذي حصل في فرقهم في تبريز) وكان قائد الفرقة الحجة الاسلامية تلميذاً للرشتي
والفرقة الاخری من فرق الشيخية هی فرقة عميد الاسلامي التي تعد ايضاً مع اختلاف مشربها من الشيخية التبريزية والطائفة الاخری من الشيخية هي فرقة الاحقاقية الذين هم من اتباع الملا باقر الاُسكوئي وكان من فضلاء الشيخية في كربلاء ودرس عنده اولاد السيد كاظم الرشتي وادعی الاُسكوئي القيادة للشيخية بعد الرشتي لانه كتب كتاباً باسم احقاق الحق وابطال الباطل في رد محمد كريم خان الكرماني (رقيبه الشيخي) .
لذا سمي اولاد الاُسكوئي بالاحقاقي وهذه الطائفة عاشت غالباً في آذربايجان وكربلا والكويت و قائدهم الفعلي هو الشيخ رسول الاحقاقي واليك بعض عقائد هذه الفرقة:
ان امام الزمان له اتصال مع الله ولايمكن لغيره الاتصال مع الامام الا بواسطة.
اذن لابد من ربط وواسطة بيننا وبين الامام وتلك الواسطة هي الشيخ الذي يسمونه الركن الرابع الذي اول من قال به هو محمد كريم خان المذكور سابقاً وايضاً يقال للركن الرابع ولي الأمر واليك الركن الاول هو الله والركن الثاني هو النبي والركن الثالث هو الامام والركن الرابع هو الشيخ او ولي الأمر
ص: 130
اذن الغاية والنهاية هي حركتنا في سيرنا بفنائنا في شيخنا وغاية سير الشيخ بالفناء في الامام وغاية سير الامام بالفناء في الحق (وكلها هذهالاصطلاحات هي من المصطلحات الكفريّة للصوفية) وهذه الاركان الاربعه لازمة ايضاً لمايعتقدونه من عدم جسمانية المعاد كاعتقاد احمد الاحسائي ويقولون ان بعد انحلال الجسم العنصري _ يبقی جسماً لطيفاً يسمونه الهورقِليايي (القالب المثالي والجسم البرزخي الهوائي شكلاً) الذي هو واسطة للروح والبدن وهو الذي يرجع في القيامة لا الجسم الترابي لنا وهذا خلافُ القرآن واحد اسباب كفرهم عند العلماء.
ان احدی اقدامات المستعمرين بعد تأسيس مذهب البابية وايصال السيد محمد الباب للقيادة والرياسة هو ترويج وتعظيم امرأة بعنوان انها الاسوة لرفع الحجاب ورفع عفة النساء ولجر النساء الی الفساد وعدم الغيرة وترويج الابتذال والحرّية الكاملة في الفساد وهي المرأه المسماة بقرة العين التي بلغت وخطبت والقت العقايد والافكار الاستعمارية بين النساء والشابات المسلمات المحجوبات .
ان قرة العين تعرفت علی الوسائط المرتبطة بمحمد علي الباب وتقبلت عقايده و افكاره واشتاقت اليه شوقا كثيراً ولذلك تركت زوجها الاصلي واولادها الثلاثة وارتبطت مع محمد علي الباب وجماعته المنحرفة وبلّغت في
ص: 131
سفرها الی كربلا للبابية وتجرأت وتجاسرت علی الاسلام كثيراً في سفرتها الی كربلا .وعلی مبنی الخرافة والتصورات المجعولة كان ديدن البابية جعل كلمة آل الله والعترة النبويّة لاتباعهم وعلی هذا الدليل والمبنی جعلت قرة العين لنفسها لقباً وقالت انا مظهر فاطمة(علیها السلام) !
ان العقائد الكافرة والاعمال المخرّبة في تبليغ البابية التي صدرت من قرة العين هي التي اغضبت اهالي كربلا بالهجوم عليها في مسكنها لذا اضطر الحاكم العراقي لاجل هذه البليّة الی اصدار حكم بالقبض علی قرة العين ونفيها الی بغداد ومن اجل انها بعد النفي اقامت علی جرائمها وتبليغها لمحمد علي الباب اصدر الحاكم البغدادي حكماً بحبسها في بيتها وجعلها تحت حدود وقيود .
اول عمل صدر لرفع الحجاب والحضور في المجتمع متبرجاً من اتباع البابية كان بواسطة قرة العين ولذا اعترض جمع من اتباع محمد علي الباب علی هذه الوضعية وكتبوا رسالة الی السيد وسئلوه عن عمل قرة العين فاجابهم الباب بانهم متزلزلين لمخالفتهم قرة العين وان قرة العين هي امرأة طاهرة لذا انسحب كثير من المعترضيين من هذه العقائد الدخيلة علی الاسلام والتي اصبحت مذهبا لترويج الافكار الكافرة واراحوا انفسهم من هذه المصيدة الكبيرة .
ص: 132
عند ذاك ابتدأت العمل في بغداد لمرة اخری مع افكارها وعقائدها المسمومة التي دستها مع الاشياء التي حصلت عليها مطالعةً من المتون الاسلامية وجعلت تروج الشبهات وفي الناس وكان لها جاذبية خاصة فينطقها وخطابتها وكانت ايضاً شاعرة ولها قابلية في تحريك الاحساسيس مع ان العلماء واهل الفن ومنهم الدكتور السيد ابراهيم المهدوي في دائرة المعارف للعلم والمذهب قالوا فيها ان اشعارها مملوة بالاغلاط الفاحشة والنحوية والعروضية (اوزان الاشعار) واللغوية ووجد في منظومتها 3500 غلط وهذا ما يدلنا علی جمعها لهذه الاشعار وعدم تحصيلها نظما الا ان بعض الجهلة والمغرضين المعاصرين كبعض افراد عائلة الشهيدي الصالحي الذين يعدون من اتباع هذه المرأة قد غضوا النظر عن هذه المسئلة ولم يفشوها بل بلغوا لها بالتشيع كما جاء في مستدركات اعيان الشيعة بل وجعلوا الاكاذيب لصالح الشيخية والاحسائية والبابية ومن جانب آخر ان جمال قرة العين كان ايضاً عاملاً لتهييج الفساد ونياتها الخبيثة ومساعداً لها في نمو وتكثير مذهب البابية الاستعماري . فلاجل تداوم تخربيها في بغداد قبض عليها وابعدت الی ايران وبعد تبعيدها الی ايران دخلت هي وجماعتها الی كرمانشاه واخذت تبلغ بتمام همتها عن البابية المنحطة وقام في مقابلتها علماء الدين وواجهوها ومن جملة العلماء عبدالله مجتهد الذي اصطدم بها وارسل رسالة الی اقاربها لاطفاء فتنتها في كرمانشاه الی ان اخرجوها من كرمانشاه الی مدينة همدان وايضاً تابعت فتنتها وتبليغها في همدان ولأجل فتنتها ابعدت الی قزوين وايضاً جرّت الی
ص: 133
قزوين الفتن الی ان قام في مقابلتها العالم الكبير والفقيه سماحة آية الله ملا محمد تقي البرغاني المقلب بالشهيد الثالث ومن جهة كونه كان عمّاً لها ومزوجاً لها بابنه اخذ بالمحاجة والمناظرة معها وسعی في اخراجها من الضلالوالانحطاط وادخالها في الدين المبين لكنه لم يوفق لذلك فاخذ بالتبليغ عليها وعلی الشيخية والبابية ومسير هما ضد الاسلام وهدمه بادئاً من المنبر وغير ذلك ولان سماحة لشدة محاربته اياها وحاميها واياديها الاستعمارية فلذا حرّكت علی قتله لانّ سماحته اعلن (في مجلس علني في قزوين بحضور الاشراف والاعيان وبحضور الشيخ احمد الاحسائي واتباعه كملا عبد الوهاب القزويني الشيخي) بكفرهم ولذلك اصدرت قرة العين فتوی بقتل عمها الشيخ البرغاني القزويني (رضوان الله عليه) فهجم عليه خمسة اشخاص من عناصر الشيخية والبابية وقرة العين وكان مشتغلاً بالعبادة في المسجد فهجموا عليه بالسهام والخناجر واخذوا يضربون براسه وبطنه وجانبه الی ان صار جريحاً وضجيعاً في الفراش وارتحل بعد ثلاثة ايام شهيداً ولقب واشتهر بين العلماء والناس بالشهيد الثالث (رحمة الله عليه) فصدر حاكم الوقت ناصر الدين شاه القاجاري حكما علی اقباض قاتليه وحكماً علی ارصاد قرة العين في قزوين .
فكتبت قرة العين خفيةً رسالة الی طهران لميرزا حسين علي النوري (الذي صار قائداً للبهائية بعد ذلك في ايران) ولميرزا يحيی الازل (الذي صار قائداً للازلية في تركية) اللذين كانا من اتباع ومروجي عقائد وافكار محمد علي باب وطلبت منهما تخليص امرها ونجاتها .
ص: 134
ان وجود قرة العين بمجمع بدشت (علی بعد فرسخين شمال شرق شاهرود تقريباً) لاجل تفنيد عقائدها ضد الاسلام وقولها بنسخ الشريعة الاسلامية كان ضرورياً جدا لاسيما كان طرح نسخ الشريعة الاسلامية واساسه بواسطتهالذلك سعی رؤساء البابية بعواملهم النفوذية باخراج قرة العين من بيت حاكم قزوين والاتيان بها الی طهران ثم صارت مع رؤساء البابية الی جانب خراسان واجتمعوا في ناحية بدشت وضربوا فسطاطين في تلك المنطقة احدهما برياسة الملا محمد علي البارفروش ُ المقلب بقدوس (الذي ارتكب عملاً غير مشروع معها) والفسطاط الثاني بزعامة قرة العين والميرزا حسينعلي النوري (البهاء) فلان احدی اهداف مجتمع بدشت ان يطرح فيه دعاوی البابية وقرة العين بالخطة الخاصة التي عملتها سابقاً وتعملها فعلا بين الحاضرين في الفسطاط من اتباع البابية فكانت تظهر متبرجة وبلا حجاب لاجل امحاء الطهارة والعفاف والحجاب من النساء وردها للحجاب القرآني والديني الذي هو من احكام القطعية والضرورية للقرآن فكانت خطتها الملعونة رفع الحجاب بداية عن نساء البابية ثم الی كل النساء المسلمات الايرانيات والی اقصی البلاد بترويج الفساد والفحشاء في البلاد .
ان قرة العين لاجل اعلان بعض عقايد البابية كانكار الحجاب الاسلامي اخذت تصر علی افكارها مع رؤساء البابية وهما حسينعلي النوري والملا محمد علي قدوس صاحبا الافكار الكفرية .
ص: 135
فمن افكارها ان ماجاء به الاسلام في ظهوره يكون ملغی ومنسوخاً في زمن ظهور الباب ومن جهة ان القائم (اي محمد علي الباب) مادام لم يشرع الاحكام والتكاليف الجديدة و لم يدونها ويكملها تعد دورته دورة الفترة (اي الخالية من الاحكام الشرعية) اذن كل التكاليف ساقطة عن ارقاب الناسفكان الملعونين يمضيان افكارها فكانت لاجل نسخ ما تقوله وتعتقده تظهر متبرجة وبلاحجاب في اتباعها في مجتمع بدشت وتعلن بطلان الحجاب ونسخه .
ان قرة العين بعد حرب قلعة طبرسي مازندران بين البابية وجيوش الدولة في سنة (1265 ق) قبض عليها وحبست في طهران في بيت محمود خان كلانتر وحكمت بالكفر ايضاً علی لسان بعض علماء طهران منهم المرحوم الحاج ملا علي الكني (م1306 ق) بعد ايقاع مجلس مناظرة ومباحثة وبعد التعرض لقتل ناصر الدين القاجار بواسطة البابية في سنة (1268 ق) فصارت تلك الادلة دليلاً اصلياً علی اعدام وصلب قرة العين وهي في سن 36 من عمرها بامر من السلطان ناصر الدين القاجار والميرزا آقاخان النوري الصدر الاعظم لذا صلبت و طرح جسدها ببعرٍ في حديقة ايلخاني (المكان الفعلي للبنك الوطني في شارع فردوس).
قيل ان في سنة 1303 او اربع عند ما اسس مجتمع الضباط في محل البنك الوطني وجدت عظاماً وشهد عليها انها عظام قرة العين ثم دفنت تلك العظام في بيت احد البابية وقيل لمكان دفنها حظيرة القدس ثم ان هذا المكان بامر
ص: 136
من سماحة آية الله العظمی السيد حسين البروجردي (رضوان الله عليه) خرّب في سنة (م1340) هذه خلاصة تراث الشوم للشيخية وللشيخ احمد الاحسائي واتباعه اي البابية والركنية والبهائية والازلية لعنة الله عليهم اجمعين من الان الی قيام يوم الدين. المصادر: قصص العلماء للتنكابني فيضمن احوال الشهيد الثالث الطبعة الجديدة ص49-51-66 ميرزا محمد علي المدرس التبريزي – وريحانة الادب40/440و1/247، السيد محمد مهدي الاصفهاني ُ واحسن الوديعة1/30 الدكتور سيد ابراهيم المهدوي- لندن دائرة المعارف للعلم والمذهب في عناوين الشيخية والبابية والبهائية وقزوين و .. ، غلام حسين مصاحب ، دايرة المعارف فارس ج2 ص1534، مصطفی الدشتي، معارف ومعاريف ج6 ،ص 592 ، فرهنگ فرق اسلامي ص266 ، امام شناسي ج5،ص 177 ، عبدالحسين آيتي (آواره) ، كشف الجليل ، صفات متعدد ... ، وايضاً الكواكب الدرية باللغة العربية احمد فائق رشيد مطبعة القاهرة (1924-1/110و111)
ص: 137