«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
{بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة السادسة: العدد الثاني والعشرون1393هجري-ة شمسية1435 هجري-ة قمري-ة
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 2
كلمةالتحرير...5
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...7
ايات العقائد اية الله السيد جعفر سيدان...11
الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...29
موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...39
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...47
الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام حيدر الوكيل...61
وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...67
ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...85
بحث فقهي حول حرمة الموسيقی اية الله الاشكوري...91
الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي ...97
اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي...101
فتاوی الوهابيين المضحكة...112
هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني...117
ص: 3
ص: 4
لا طيرة في الاسلام
التطير و التشاؤم بالايام كما هو رائج بين العوام يخالف ما ورد صحيحاً عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه قال رفع عن امتي تسعة اشياء...والطيرة... حيث اشتمل علی رفع تسعة اشياء عن الامة منها الطيرة وقد دل هذا الحديث علی رفع الطيرة في الاسلام كما ورد عنه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ايضاً: لا طيرة في الاسلام , وورد ايضا ان كفارة الطيرة التوكل وعليه فما نجده بين العوام من التطير والتشاؤم باليوم الثالث عشر من شهر فروردين وغيره من الايام مخالف لما جاء به الاسلام وانه من سنن المجوس وقد رده الاسلام كمافي حديث ابن شهراشوب المازندراني في كتاب المناقب(ان المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر(علیه السلام) بالجلوس للتهنية في يوم النيروز وقبض ما يحمل إليه فقال(علیه السلام) اني قد فتشت الاخبار عن جدي رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فلم اجد لهذا العيد خبراً وانه سنة الفرس ومحاها الاسلام ومعاذالله ان نحيي ما محاه الاسلام)(1).
ص: 5
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاععن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 6
في تفسير قوله تعالى : {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا}(1) .
وقد ذكر في غاية المرام ثلاثة أحاديث من طريق العامة ، في تفسيره ،فقال :
الحديث الأول : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة ،قال :
أنبأني الشيخ الحافظ شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي إجازة ،قال : أنبأنا أحمد بن خلف ، حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله البيع ، حدثنا محمد بن المظفر ، حدثنا عبد الله بن محمد بن غزوان ، حدثنا علي بن جابر ، حدثنا محمد بن خالد الحافظ ابن عبد الله ، حدثنا محمد بن فضل ، حدثنا محمد بن سوقه ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أتاني ملك فقال يا محمد ، واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ قال : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (2).
ص: 7
الحديث الثاني : أبو نعيم المحدث الإصفهاني في حلية الأولياء ، في تفسير قوله تعالى : {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} ليلة أسرى به ،جمع الله بينه وبين الأنبياء ، قال : سلهم يا محمد على ماذا بعثتم ؟ قالوا : بعثنا على شهادة أنلا إله إلا الله والإقرار بنبوتك ، والولاية لعلي عليه السلام (1).
الحديث الثالث : أبو الحسن الفقيه ابن شاذان ، من طريق العامة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لما عرج بي إلى السماء انتهى بي المسير مع جبرائيل إلى السماء الرابعة ، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر ، فقال لي جبرائيل : يا محمد هذا البيت المعمور خلقه الله تعالى قبل خلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام قم يا محمد فصل إليه ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : جمع الله النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فصفهم جبرائيل عليه السلام ورائي صفا ، فصليت بهم ، فلما سلمت أتاني آت من عند ربي ، فقال لي : يا محمد ربك يقرؤك السلام ،ويقول لك : سل الرسل على ماذا أرسلتم من قبلي ؟ فقلت : معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي قبلي ، فقال الرسل : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو قوله تعالى : " وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا "(2).
وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، وقد رويت الرواية الأولى والثانية
ص: 8
عن ابن مسعود ، وابن عباس من طرقنا أيضا (1).
ومن جملة الروايات عن طريقنا : ما عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن سلمة بن الخطاب ، عن علي بن سبت ، عن العباس بن عامر ، عنأحمد بن درن العمشاني ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : " ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث الله نبيا قط إلا بها "(2).
وما عن محمد بن الحسن الصفار - في بصائر الدرجات - عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : " ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء عليهم السلام ولم يبعث الله نبيا إلا بنبوة محمد وولاية وصيه علي عليهما السلام "(3).
إذا اتضح لك تفسير الآية الكريمة بروايات الفريقين : فاعلم أنها تدل على اختصاص الإمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه الطاهرينسلام الله عليهم أجمعين .
توضيح ذلك : إن ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام التي بعث الله الأنبياء عليهم السلام عليها ، إن كانت بمعنى ولاية التصرف في الأمور - كما هو ظاهر - فقد ثبت أن خلافته عليه السلام عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم منصوصة في الكتاب المجيد وفي سائر الصحف السماوية
ص: 9
، والنص على خلافته وإمامته يوجب اختصاصها به عليه السلام إذ لا مجال مع النص للعدول إلى غيره باختيار الأمة ، وتقديمه عليه عليه السلام .
وإن كانت بمعنى المودة والمحبة ، فبعث الأنبياء عليهم السلام عليها وجعلها تلو ولاية سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته ، يدل علىأنها أقرب وسيلة يتوسل بها إلى الخالق تبارك وتعالى بعد التوحيد والإقرار برسالته ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدل على أنه عليه السلام أفضل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم حتى الأنبياء عليهم السلام ومن كان هذا شأنه لا يجوز أن يتقدم عليه من مضى برهة من زمانه في عبادة الأوثان بالضرورة ، فهل يجوز أن يتقدم من أشرك بالله مدة عمره على من تقدم شأنه ودرجته عند الله تعالى شأنه على جميع الأنبياء ، سوى خاتم النبيين صلى الله عليه وآله الطاهرين ؟ كلا ثم كلا ، حاشا ثم حاشا ، وما أرى مجوزه إلا مخالفا للحكم الفطري الضروري .
ص: 10
آية النور
الحلقة الاولی
{ الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كانها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور علی نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم}(1)
كثر الكلام حول اية النور وللقاضي سعيد القمي - والذي هو من الشخصيات الاسلامية المعروفة وكان عالما في اكثر العلوم الاسلامية(2)- كلام
ص: 11
مفصل حول تفسير الاية المباركة(1),كما
وان للغزالي تفسير حولها ايضا باسم مشكاة الانوار في توحيد الجبار(2)كما
وللشيخ هادي الطهراني(3)
رسالة صغيرة وقويةفي تفسير هذه الاية المباركة.تحقيق مفردات الاية ومعناها
كلمات هذه الاية واضحة{كمشكاة} المشكاة كوّة غير نافذة(4)
فهي محل وضع المصباح.
{مصباح} السراج الثاقب المضيء(5).
ص: 12
{زجاجة} كأس وظرف بلوريّ.
{كوكب دريّ}نجم ساطع ومشرق بالنور.
جاء في هذه الاية ان الله جل وعلا {نور السماوات والارض} فهي اما بمعنی ان الله عزوجل هادي السماوات والارض وذلك لان الله تعالی لا مثل له ولا ند,فقيل ان مثل نور الله جل وعلا مثل الكوّة التي يكون فيها السراج الذي وقوده زيت الزيتون والذي يستخرج من شجرة الزيتون وهذه الشجرة لاتكون في ناحية الشرق او الغرب حتی تحرم من نور الشمس صباحا وعصرابل هي واقعة في مكان بحيث تشرق عليها الشمس كاملا والزيتون الحاصل منها ممتاز وجيّد كما وان زيته شفاف وغير مشوب بشيء من الزوائد بحيث انه يكون مضيئا ولو لم يكن مشتعلا.
ومن جانب اخر يأخذ الكأس البلوريّ نور المصباح فيصبح مشرقا من كل جانب ومكان فيضيء الغرفة كاملا بلا نقصان.
وكذلك نور الله جل وعلا في قلوب اهل الايمان فان قلوبهم مشرقة بنور الهداية الالهية حيث لا ترديد لهم ولا ابهام ولا ظلمة في معرفتهم واعتقادهم بالله جل وعلا.
وما جاء في الاية {نور علی نور} اما بمعنی نور مضاعف والمراد شدة النور, واما بمعنی ظهور الانوار المتكثرة والمتنوعة الحاصلة من الزيت المصفی والشفاف والكأس البلوريّ والمصدر النورانيّ.
ص: 13
ثم قال {يهدي الله لنوره من يشاء} يعني كما جاء في المثل ان الله جل وعلا يهدي من يشاء من عباده وان كل من اهتدی فسوف يستضيء ويشرق قلبه بنور الهداية الالهية.
وفي نهاية الاية يقول تعالی{والله بكل شيء عليم} يعني ان الله عالم بكل شيء ولا ينحصر علمه بالكليات.
كيفية اطلاق النورعلی الله تعالیجاءفي الايةالمباركة{الله نور السماوات والارض}اطلاق النوروهو بمعناه الظاهر من الشمس والنجوم علی الله جل وعلا غير صحيح فالله تعالی منزه عن هذا النور المحسوس ولو كان في غاية اللطافة.
وعليه ففي المراد والمقصود من الاية المباركة اقوال :
1- لابد من تقديرمضاف
فقالوا: في الاية تقدير والمقدر هو كلمة:ذو بمعنی ان الله تعالی صاحب ومالك نور السماوات والارض كما يقال زيد كرم يعني ذو كرم والا فحمل الكرم علی زيد غير صحيح(1).
2- النور بمعنی المنوّر
ص: 14
وعلی هذا المعنی فلا حاجة الی التقدير وانما يكون التصرف في كلمة النور والمعنی هكذا يكون: ان الله تعالی منور السماوات والارض وذلك بواسطة الشمس والقمر والنجوم(1).
3- النور بمعنی المدبّر
النوربمعنی المدبّر كما يقالفلان نور القوم يعني رئيسهم يقوم بهدايتهم فيرشدهم الی الصواب ويمنعهم عن الباطل والضلال.وقد جاء هذا المعنی في بعض التفاسير(2)
والمصادر(3)
وعليه فيكون المعنی ان الله تعالی مدبر ومدير السماوات والارض.
1- النور بمعنی الموجد والمعطي للوجود
وعلی هذا المعنی فالله تعالی خالق وموجد السماوات والارض وذلك لان النور ظاهر في نفسه مظهر لغيره واساس الظهور هو التحقق والوجود.
فقد جاء في تفسير البيضاوي: فان النور ظاهر بذاته مظهر لغيره واصل الظهور هو الوجود كما ان اصل الخفاء هو العدم , والله سبحانه موجود بذاته موجد لما عداه...(4)
ص: 15
وعلی هذا المعنی وجود الله تعالی ذاتي ووجود غيره تعالی يكون به(1).
2- النور بمعنی الهداية والهادي
ورد في بعض الاحاديث ان المراد من النور في هذه الاية هو الهداية والاهداء.فروی الصدوق بسند صحيح عن عباس بن هلال عن الامام الرضا(علیه السلام) انه قال: حول قوله تعالی{الله نور السماوات والارض} هاد لاهل السماء وهاد لاهل الارض.
وفي رواية البرقي انه (علیه السلام) قال: هدی من في السماوات وهدی من في الارض(2).
مثل نور الله عز وجل
اقول: لو كان المقصود من النور هو الهادي كان لقوله تعالی {مثل نوره} معنی صحيحا وهو: ان مثل نور الله تعالی هو الهداية في قلب المؤمن حيث يتنور قلبه بذلك المصباح الواجد للخصوصيات المتقدمة وعليه فلا حاجة الی التأويل او التوجه الی بطن الاية المباركة.
ص: 16
اما لوكان النور بمعنی المدبر او الموجد فسوف لا يحصل معنی صحيحا لقوله تعالی{مثل نوره} بل لابد من التصرف فيها علی خلاف معنی التدبير والايجاد.
كلام السيد الطباطبائي
يقول السيد الطباطبائي في الميزان:النور معروف وهو الذي يظهر به الاجسام الكثيفة لابصارنا فالاشياء ظاهرة به وهو ظاهر مكشوف لنا بنفس ذاته فهو الظاهر بذاته المظهر لغيره من المحسوسات للبصر. هذا اول ما وضع عليه لفظ النور ثم عمم لكل ما ينكشف به شيء من المحسوسات علی نحو الاستعارة او الحقيقة الثانية فعدّكل من الحواس نورا او ذا نور يظهر به محسوساته كالسمع والشم والذوق واللمس. ثم عمم لغير المحسوسفعدّ العقل نورا يظهر به المعقولات كل ذلك بتحليل معنی النور المبصر الی الظاهر بذاته المظهر لغيره.
واذ كان وجود الشيء هو الذي يظهر به نفسه لغيره من الاشياء كان مصداقا تاما للنور ثم لما كانت الاشياء الممكنة الوجود انما هي موجودة بايجاد الله تعالی كان هو المصداق الاتم للنور...(1)
ثم ذكر ثلاثة معان للنور وهي:
1- اطلاقالنورعلی الذاتالالهيةالمقدسةبمعنی الوجود القائم بنفسه فالله تعالی نور يعني الوجود القائم بنفسه.
ص: 17
2- اطلاق النور علی سائر الموجودات بمعنی الوجود القائم بالغير وعلی هذا المعنی فكل الموجودات انما هي ظهرت من اشراقات الحق ومن نور الحق وقائمة به .
3- النوربالمعنی الخاص وهونورالهداية .ثم قال السيد الطباطبائي في خاتمة كلامه:
فقد تحصل ان المراد بالنور في قوله تعالی{ الله نور السماوات والارض} نوره تعالی من حيث يشرق منه النور العام الذي يستنير به كل شيء وهو مساو لوجود كل شيء وظهوره في نفسه ولغيره(1)
نقد كلام السيد الطباطبائي
في كلام السيد نقاط قابلة للنقد والتحقيق:
1- ان تفسير النور بالوجود تكلف واضح ولا استعمال له في اللغة بل النور هو تلك الحقيقة الظاهرة بنفسها المظهرة لغيرها. ولا يرتفع الاشكال حتی اذا عممنا النور للحواس والعقل.
2- قال:{الله نور السماوات والارض} يعني موجد السماوات والارض باشراق نور وجوده بهذا الدليل: وهو ان النور ظاهر في نفسه مظهر لغيره وكذلك الوجود وكل ما يحصل له الوجود فانه مثله فهو ظاهر لنفسه مظهر لغيره.
ص: 18
اقول: كون النور ظاهر في نفسه امر صحيح وواضح لكن كونه مظهر لغيره انما هو يظهر غيره لا انه يقع في معرض الرؤية ويستطيع الاخرون رؤيته.
3-فسر السيد النور في بداية حديثه بالافاضة وهي الايجاد ايجاد السماوات والارض ثم فسر النور في قوله تعالی{مثل نوره} بالهداية وهنا قطع بين صدر الاية وذيلها في حين ان ظاهر الاية يمنع من هذا التفصيل في معنی النور حيث ان النور في ذيل الاية هو اشارة الی نفس النور الوارد في بداية الاية.4- لو فسرنا النور بالوجود والوجود بالايجاد فسوف يصبح معنی الاية هكذا: الله موجِد السماوات والارضاقول: صحيح ان اثبات الشيء لا ينفي ما عداه , الا انه من الواضح ان الله خالق الكل وعلی فرض ان السماوات شاملة للعرش لكن تبقی الملائكة والعقول(حسب اعتقاد الفلاسفة) خارجة والحال انه ليس من المناسب اختصاص الايجاد والخالقية في السماوات والارض بخلاف ما اذا كان النور بالمعنی الوارد في الروايات يعني الهداية فان التناسب يبقی محفوظا.
تذكير وتتميم
اقول: لم يتضح لنا وجه اختصاص النوربالسماوات والارض ولم ندرك ذلك كما ولابد لنا من العدول عن ظاهر معنی الاية فعليه كان من المناسب تفسير صدر الاية وذيلها بما ورد في الاحاديث وهو ان الله تعالی هاد السماوات والارض او هادي اهل السماوات والارض ومثل نور هدايته في قلب المؤمن مثل المصباح الذي يكون في القنديل...
ص: 19
ونستطيع ان نضيف بعض العبارات الواردة في الادعية كتأييد للمطلب(1), كما ما في البحار نقلا عن من لا يحضره الفقيه بسند صحيح عن معروف بن خربوذ انه جاء في دعاء قنوت الوتر عن الامام الباقر او الصادق عليهما السلام:اللهم انت الله نور السماوات والارض وانت الله زين السماوات والارض وانت الله جمال السماوات والارض(2).
وهنا نور السماوات والارض بمعنی هدايتهما او معطي الهداية لهما وكذلك زينةوجمال السماوات والارض بمعنی اعطاء الزينة والجمال لهما.
وعلی هذا فمع انه لا مشاحة في الاصطلاح لايمكن تفسير النور بالوجود وبذلك ترتفع كل الاشكالات الواردة في الذهن.
نعم لو كان المعنی الوارد في الروايات مشكل عقلا ولا يمكن قبوله ففي هذه الصورة نقول ان الرواية غير صحيحة لكن الحديثفسر النور في الاية بالهاديولا اشكال فيه عقلا فلا مجال للعدول عنه الی المعاني الاخری وان كان باب التحقيق والبحث عن ذلك مفتوحا.
ص: 20
والحاصل ان تفسير النور بمعنی الوجود لا دليل عليه لا من اللغة ولا من العقل ولا النقل.
طبعا لو قلنا باصالة الوجود ووحدته كان معنی {الله نور السماوات والارض}الله وجود السماوات والارض صحيحا. لكن لا يخفی ان اصالة الوجود ووحدته محل اختلاف كثير.كلام ملاصدرا
فسّر ملا صدرا بعضا من ايات القران الكريم( قسما من سورة البقرة خصوصا اية الكرسي واية النور و..) وله كلام طويل حول اية النور وقد نقل في بداية بحثه الاقوال والوجوه المختلفة وبعدها انتخب ما هو حق وصحيح بنظره.
يقول ملا صدرا ان النور عند الاشراقيين واتباعهم حقيقة بسيطة ظاهرة في نفسها مظهرة لغيرها... وبذلك قال اكابر الصوفية مع تفاوت وهو ان للنور مراتب في الشدة والضعف(1).
ثم انه بملاحظة قراءة منسوبة لامير المؤمنين (علیه السلام)(2)يقول {الله نور السماوات والارض} يعني صاحب السماوات والارض(3).
ص: 21
اقول: والمناسب لهذا المبنی - والذي يتفق مع رأي اكثر العلماء والمفسرين- ان يكون معنی النور هو الهادي وحينئذ يكون تناسبه مع قوله تعالی{مثل نوره} محفوظا.
بهذا الترتيب فانه نقل وجوها الی ان قال:والحق ان حقيقة النور والوجود شيء واحد ووجود كل شيء هو ظهوره فعلی هذا يكون وجود الاجسام ايضا من مراتب النور(1).
في رأي ملا صدرا النور يساوي الوجود اذن{الله نور السماوات والارض} يعني ان الله وجود الوجودات او نور الانوار.
وهو يری - بملاحظة ان وجود كل شيء ظهورهوهذا الكلام له حقيقة واحدة وهو الوجود- ان اشد مراتب الوجود هو اللهتعالی وهو الوجود المطلق والمراتب الضعيفة للوجود هي سائر الموجودات(السماوات والارض والوجودات الخاصة والانوار المتعينة).
وعلی هذا يفسر {مثل نوره} بمثل نور وجود الله تعالی يسري في سائر الموجودات.
نظرية ابن عربي
ص: 22
لقدكان كلام ملاصدرا مذكورا في كلمات العرفاء ومن جملتهم ابن عربي (او عبد الرزاق الكاشاني المتوفی سنة 730هج ق احدكبارمفسري وشارحياثار ابن عربي) وقد فسر ابن عربي{مثل نوره} بالوجود المطلق الذي تأخذ منه الوجود الوجودات المتعينة والمقيدةوالذي يظهر في سائر الموجودات(1).
نقد نظري ملا صدرا وابن عربي
اقول: ان كون النور حقيقة ظاهرة في نفسها مظهرة لغيرها - وهو شامل للنور المحسوس والمعنوي والمجرد ونور المعرفة- فهو عبارة عن مفهوم جامع لمصاديق مختلفة.
الا ان كون النور بمعنی الوجود فهذا ما لا يستفاد من الاحاديث كما ولا يمكن اثباته لغويا وانما هو مجرد اصطلاح في الفلسفة والعرفان(2).
رأي سيد حيدر الاملي
السيد حيدر الاملي احد الوجوه المشهورة في الفلسفة والعرفان(3).
ص: 23
وله في التفسير المحيط(1)
تأويلات حول اية النور.
ففي رأيه: {الله نور السماوات والارض} يعني ان الله وجود السماوات والارض وكل ما بينهما وذلك لان النور بمعنی الوجود والظلمات بمعنی العدم وما بين السماوات والارض والتي يعبر عنها بالعالَم ليس هو الا الله ووجوده(وسائر الاشياء مظهر وجود الله تعالی) وكل ما هو موجود فهو الله تعالی.
فعلی هذا {مثل نوره} الذي هو الوجود مَثَل النور الحسي في المشكاة والمقصود من المشكاة هنا عالم الاجسام كما ان المراد من الزجاجة عالم الارواح ومن المصباح عالم العقول فاجتمعت في الاية عوالم الاجسام والارواح والعقول ثم ان معنی عالمي الاجسام والارواح واضحكما وان الفرق بين عالم النفوس والعقول هو ان فاعلية النفوس انما تكون بواسطة الابدان بخلاف العقول فلا تحتاج في فعلها الی الابدان.
ثم انه بعد ملاحظة ان الله تعالی في كل هذه المظاهر والمراتب فهو ظاهر بذاته ومظهر لكل الاشياء يعني ظاهر بذاته وكل شيء مظهر له وانما التفاوت
ص: 24
بينهما بالتعين والتشخص , والاطلاق فالحقيقة واحدة لكنها تظهر باشكال مختلفة ولها تشأن وتطور وكل هذه الاطوار والشؤون المختلفة بلحاظ تعينهاوتشخصها غير الاخری ويمكن صدقها عليها , وهده التعينات لاحقيقة لها بل هي مجرد اعتبارات(1).
يعني ان الله تعالی مع عدم لحاظ التعين كل الاشياء ومع لحاظ التعين ليس بشيء من الاشياء, وقد ذكر البعض ان احسن مثال لذلك الشمع حيث يمكن ان يجعل منه اشكالا مختلفة(كالشجرة ورجل الاسد واوراق الشجرو..) ومن الواضح ان كل تلك الاشكال ليست الا الشمع ومع لحاظ اشكالها فهي شجر واسدو...(2)
نقد كلام الاملي
هذهالتفاسير التي جاءت في كلام السيد حيدر الاملي وغيره لا اساس لها لا في الحديث ولا في اللغة بل هي من مختلقات الذهن وتبتني علی كون بعض المباني العرفانية من المسلّمات, ولذا فهي فاقدة لدليل صحيح.
هذا وقد نقل العلامة المجلسي في بحار الانوار(3)
رسالة من النعماني حول انواع الايات القرانية اجد من المناسب نقل قسما منها والشواهد والادلة الاخری تؤيد مضمون هذا الكلام.
ص: 25
اعلم يا اخي ان القران عظيم جدا وقد اخبر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ان القران مع اهل البيت(علیه السلام)وانهم ترجمانه ومفسروه والواجب ان يؤخذ تفسير القران منهم(علیه السلام) قال الله تعالی{فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون} وقد اوجب الله العظيم علی الناس العلم والعمل بالقران وليس لهم ان يبقوا علی جهالتهم ولا هم معذورون في ترك التعلم وكل ما نزل في الكتاب فهو عند اهل بيت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد امر الله تعالی بطاعتهم واوجب السؤال منهم وامقصود من الذكر في الاية رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال تعالی{قد انزل الله اليكم ذكراً*رسولاً يتلو عليكم ايات الله}(1)واهل الذكر هم اهل بيت الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).
وفي الصفحة الرابعة نقل حديثا عن الامام السادس(علیه السلام)وهو:
واعلموا- رحمكم الله- انه من لم يعرف كتاب الله -عزوجل- الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني واسباب التنزيل والمبهم من القران في الفاظه المنقظعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقديم والتأخير والمبين والعميق والظاهر والباطن والابتداء والانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنی منه والجاري فيه والصفة لما قبل مما يدل علی ما بعد والمؤكد منه والفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه واحكامه ومعنی حلاله وحرامهالذي هلك فيه الملحدون والموصول من الالفاظ والمحمول علی ما قبله وعلی ما بعده فليس بعالم بالقران ولا هو من اهله ومتی ما ادعی معرفة هذه
ص: 26
الاقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر علی الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير.(1)
باطن وتأويل اية النور
نحن نعلم ان القران له ظاهر وهذا الظاهر مع التحقيق والفحص في الادلة الوحيانية الاخری ومع عدم وجود القرائن القطعية والعقلية المخالفة له حجة.
ومضافا الی هذاالظاهر– مع ملاحظة اللغة وقواعد اللغة العربية – ان للقران اشارات ولطايف وانه مع التعقل والتعمق يمكن الوصول اليها
للبحث صلة
ص: 27
لقاء مع سماحة اية الله الحكيم في النجف الاشرف
التقت المجلة مع سماحة اية الله السيد محمد باقر الحكيم احد الشخصيات العلمية في النجف الاشرف واستاذ خارج الفقه والاصول في حوزتها المباركة وله دروس قيمة في علم الكلام ونقد الفلسفة كما وقد كتب نقداً علی المباني الفلسفية المطروحة في بداية الحكمة ونهاية الحكمة للسيد الطباطبائي .
وقد تفضل سماحته في هذا اللقاء بان قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه من المشهورات التي لا اساس لها وقال سماحته الصحيح ان يقال :
ص: 28
ان فاقد القدرة علی الشيء لايعطيه
لا ان فاقد الشيء لا يعطيه فقد نفقد الشيء في ذواتنا لكنا قادرين عليه فالله تعالی قادر علی خلق الاجسام وان لم تكن ذاته جسما...
العدد الخامس عشر
الخاتمة
اسئله حول التوحيد
1) ما هي نظرية الفيض الالهي؟
2) هل ان العالم مظهر وجودالله جل وعلا اوانه ظل الله تعالی؟
3) هل ان الله جل وعلا خلق الاشياء من كتم العدم؟
4) هل ان وجودالمخلوقات يمانع وجود الله عزوجل؟
ص: 29
5) لو تعددت حقيقة الوجود فهل من حدود بين الخالق والمخلوق؟1) هل ان ارادته تعالى من صفات الذات ام من صفات الافعال؟
2) هل ان فاعلية الله جل وعلا بالابداع ام بالتجلي؟
3) هل ان علم الله جل وعلا بالاشياء من باب انها عينه لانها معاليله قائمة بذاته جل وعلا ام لا؟
4) ما هو برهان الصديقين؟وما هو برهان القاهرية؟
5) ماهي الاغراض والدوافع السياسية في الامور العقائدية؟
1- اما نظرية الفيض الالهي: فهي عبارة عن ان هذا الوجود كالسيل من الماء من الازل والى الابد دائماً في حالة سيلان بلا انقطاع والموجودات كالاوعّية كل وعاء منها يأخذ من سيل الوجود بمقدار ظرفية وعائه لا ازيد فهذه النظرية دالة على ان كل ما في الوجود فهو ذاتيّ للشيء فالله جل وعلا حسب هذه النظرية يعطي الوجودفقط واما كونه بهذه الصفات والخصائص فهو امر لازم لذلك الشيء بعد جعله جعلاً بسيطاً وليست تلك اللوازم والصفات مجعولة من الله جل وعلا والحاصل من هذه النظرية هي الجبريّة ، فلِمَ صار هذا الشيء انساناً وذاك شجراً و لِمَ حصل هذا الشيئ في هذا الزمان دون ما قبل وما بعد و لِمَ صارت النار حارةً كل ذلك امر ذاتيّ حسب هذه النظرية وكيف كان فهذه النظرية قائمة على القول باصالة الوجود والسنخيّة بين العلة والمعلول وقد عرفتَ بطلان السنخية.
ص: 30
و كذلك بطلان القول باصالة الوجودونزيد توضيحا هنا فنقول: إن معنی اصالة الوجودهو: انه لاتحصّل للاشياء حقيقةً وانما الثابت في الخارجوجود محض فما نراه ونسميّه شجراً وحجراً وانساناً وسماءً وارضاً وملكاً و..كله وهم وخيال لان الذي متحصل في الخارج انما الوجود فقط والوجود شئ واحد لاتمايز ولاتفا وت فيه فالقول باصالة الوجود عين القول بوحدة الوجود و الموجود التي لاشك في بطلانها كما تقدم.
فان قلت:كما جاء في كتاب بداية المعارف الالهية(1) ان ماعدا الله جل وعلا مركب من حدين: ايجابي وسلبي (وهما وجوده مضافاً الى سلب الغير عنه)
قلت: هذا توهم واضح البطلان فالعدم ليس شيئاً حتى تتركب منه الماهيات في الخارج والاصل في هذا الكلام هم البراهميّون حيث قالوا:ان الانسان مركب من وجود وعدم بعد قولهم بان الله جل وعلا مساوٍ للوجود وكانوا يعتقدون ان الله حالّ في هذا العالم(2). وكيف كان فالقول باصالة الوجود امر ينكره العقلاء فمن البديهي عقلاً ان الحاصل في الخارج انما هو الشيئ بكل خصوصياته الشخصيّة وبذلك اعترف ملاهادي السبزواري مع كونه قائلاً باصالة الوجود وجعل القول بثبوت اصالة الوجود بدليل الذوق العرفاني يعني بالمكاشفات والالهامات النفسيّة (وهي لادليل على حجيتها حتى لمن حصلت
ص: 31
له كما هو معلوم) فقال ما حاصله تحت عنوان « غرر في اعتبارات الماهية » صحة سلب التحقق والتحصّل عن الماهية ليس بالنظر الدقيق البرهاني بل باعانة من الذوق العرفاني واما بعد التنزل فالتحقق لذي الواسطة «اي الماهية» هنا حقيقي وصحة السلب منتفية، وقال في حواشي ذلك «صحة سلب الوجود عن الكلي الطبيعي ضعيفة وثبوت الوجود له كاد ان يكون بالحقيقة فالكلي الطبيعي موجود بحكم العقل الفكري وهذا حقيقة عقلية مجاز عرفاني وبهذا يمكن التوفيق بين قولي المثبت والنافي»
هذا وقد عبر العلامة الحلي عن القول باصالة الوجود بانه مذهب سخيف.(1)
2- وهل ان العالم مظهر وجود الله جل وعلا او ظله تعالی عن ذلك ؟
اقول:اما التعبير بان العالم مظهر وجوده تعالى فاما ان يكون على سبيل الحقيقة واما ان يكون على سبيل المجاز فان كان على سبيل المجاز بمعنى ان المعلول يدل على العلة فلا اشكال فيه فان الدخان علامة على وجود النار ومظهَرُ لوجودها وان الاثر علامة على وجود المؤثر وهكذا فانه تعبير سائغ عرفاً ولغةً.
ص: 32
واما لو كان هذا التعبير على سبيل الحقيقة بمعنى ان الله سبحانه عزوجل ظهر بشكل انسان وسماء وارض وملك و و و..او ان العالم بالنسبة لله جل وعلا كالظل بالنسبة للشخص وأن الظل قائم بذي الظل وتابع له والوجود حقيقة لذي الظل فقط دون ظله فلابد من النظر في صحة هذين المعنيين وقد وقع التعبير بكل من المعنيين في كلام الفلاسفة فتارة قالوا ان العلة حقيقة والمعلول مجاز وانه لاعلة ولامعلول بل ان الله سبحانه عزوجل لما كان في حالة القبض كان واحداً وحينما يكون في حالة البسط يكون سماءً وارضاً و و و او يُعبّر عن ذلك بالفتق والرتق وان حالة الظهور على شكل انسان وشجر وبقر هي الفتق وخلافها هو الرتق وتارةً قالوا: بان العالم وجوده وجود تعلّقي و رابطي وقسموا الوجود الى المستقل والرابط فكما ان وجود النسبة بين طرفي القضية لا وجود له الا بطرفيه من الموضوع والمحمول فكذلك وجود المعلول انما هو قائمٌ بالعلة ولا وجود له حقيقة فهو كالظل للشخص.
اقول: اما المعنى الاول وهو انه تعالى تمظهر(1) وتجلّى حقيقةً بهذه المخلوقات فنقول: هل تمظهر بغير وجوده ام بوجوده؟ فان تمظهر بغير وجوده نسأل ونقول هل تمظهر بوجودٍ غير وجوده ام بالعدم؟
والاول «يعني ان تمظهر و تجلی بوجود غير وجوده» يستلزم وجود موجود غيرالله عزوجل وانه جل وعلا استمدّ منه وانه محتاج لغيره وبتعبير
ص: 33
الفلاسفة يلزم تعدد القدماء وخروج الواجب عن كونه واجباً غنيّاً عمن سواه وكل ذلك باطل.
والثاني « يعني ان تمظهر و تجلی بالعدم » فجوابه ان العدم ليس شيئاً حتى يتمظهر به مضافاً الى استحالة انقلاب العدم الى الوجود.وعلى كلا الفرضين يكون الله جل وعلا متغيراً ومحلاً للحوادث وهو باطل ايضا.
واما لو انه جل وعلا تمظهر و تجلی بوجوده لا بوجود غيره ولا بالعدم فمعناه ان كل ما في الوجود فهو وجوده ولازم ذلك ان جميع هذه الموجودات هي الله «جل وعلا » وحينئذٍ لا شيء غيره فليس في دار الوجود ديّار غيره على حد تعبير صاحب الاسفار(1) وهو معلوم البطلان كما تقدم بيانه.واما كون العالم ظله تعالی عن ذلك فقدتقدم الكلام عنه في بحث الوجود الرابط والمستقل.
3-هل ان الله سبحانه عزوجل خلق الاشياء من كتم العدم؟
اقول:اما على القول بنظريّة الفيض والاضافة الاشراقية فهذا العالم قطعة من ذاته «جل وعلا » لكن قد تقدم بطلان كون نسبة العالم اليه جل وعلا بالاشراق والفيض وبطلان كونه جل وعلا مساوياً للوجود ولايصدر منه الا الوجود وقد تقدم بداهة تكثر الموجودات مضافاً الى قيام الدليل القطعي على انه جل و
ص: 34
علا غير الاشياء وليس كمثله شيء كما سيأتي بيانه فالنتيجة الحاصلة من ذلك انه خلق الاشياء بعد أن لم تكن وبعبارة اخرى من كتم العدم فانه لا معنى لان يخلق ذاته ولا يمكن عقلاً ان يخلق غيره من ذاته لاستحالة التبدل والتغيّر عليه وقد تقدم آنفاً استحالة تمظهره حقيقةً بالاشياء او كون الاشياء ظلاً له والحاصل انه جل وعلا يخلق غيره كما هو مقتضی برهان القاهريّة القاضي بالفرق بين الخالق والمخلوق والاثر والمؤثر والقاهروا لمقهور والصانع وا لمصنوع فان من يقهر الاشياء بايجاد مشاعرها وجواهرها فانه فوقها حاكم عليها ولوكان مثلها لاصبح اثراً ولاحتاج الى من يحدُّله الحدود وقد ثبت بحكم العقل ان كل محدود اثر من الآثار ومحتاج الى الموثر وان المؤثر الحقيقي لاحد له فلا يتطرّق اليه التغيّر و الحد. فايجاد الخلق انما يكون مستنداً اليه جل وعلا لا بمعنى انه بدّل ذاته الى هذه الموجودات او انه استفاد من مادة في خلقها بل اوجدها بعدما كانت معدومةً كماتقدم برهان ذلك.
هذا والانسان قد أعطي من القدرة على ان يخلق الصور في ذهنه من العدم فهو قادر على خلق مئات بل آلاف الصور من دون ان يُشاهدها او يسمع بها بل يوجدها من تلقاء نفسه بما اعطاه الله جل وعلا من القدرة على ذلك فهل يجوز له ذلك ولايستطيع خالقه ان يفعل ذلك؟
وبذلك نطقت اخبار اهل البيت العصمة والطهارة فعن الصادق (علیه السلام) «لايكوّن الشيء لامن شيء الا الله ولاينقل الشيء من جوهريته الىجوهر اخر
ص: 35
الاّ الله ولاينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله» (1)وعن علي اميرالمؤمنين(علیه السلام) في خطبته «الحمدلله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذي لامن شيء كان ولامن شيء خلق ماكان، قدرة بَانَ بها من الاشياء وبانت الاشياء منه الىوكل صانع شيء فمن شيء صنع والله لامن شيء صنع ماخلق»(2) وغيرهما.
4- وهل ان الاشياء بوجودها تمانع وجوده تعالى الذي لا يخلو منه مكان لتحل مكانه جل وعلا؟ وانه هل زحزح الله جل وعلا عن وجوده لتحل مكانه المخلوقات؟
اقول: فقد تقدم البرهان العقلي القطعي على انه جل وعلا ليس كمثله شيء ولا ضد له ولا يتطرق إليه التحديد فكون المخلوقات تُزحزح من وجوده يعني انها ضده والضدان لايجتمعان واذا حصل احدهما يستحيل حصول الاخر في حين قد عرفت انه جل وعلا لاضد له لان الضد هو الممانع في الوجود والله جل وعلا لا ممانع له في وجوده حتى يكون ضداً له جل وعلا.
توضيح ذلك: ان الله جل وعلا بعد قيام البرهان على ان حقيقة الذات الالهية المقدسة مباينة لحقيقة وجود المخلوقات فانها قابلة للوجود والعدم بخلافه تعالی فلا اشتراك بينهما في الحقيقة ولا سنخية بينهما فلامثيل ولا ممانع له في وجوده جل وعلا فالاضداد في عالم المخلوقات والآثار لاربط لها
ص: 36
بعالم الخالقيّة فلا يمكن قياس عالم الاثارعلى عالم المؤثّر فقد قام البرهان على ان الاثر غير المؤثر وان الحادّ غير المحدود فالمؤثر الحقيقي لا يتطرق اليه الحد ولامقهورية في ذاته وبعد عدم وجود مقهوريّة في ذاته فهو غير الاثر الذي هو مقهور ومغلوب على امره ومحدود في ذاته ووجوده فالآثار فيما بينها يحصل التضاد اما بالنسبة الى مؤثرها فلاتضاد بينها وبينه لأنه ليس من سنخها فهو خالقها جميعاً وكلها تحت سلطانه و بذلك يظهر أن الله تعالی لايقاس بالمكان كما لا يقاس بالزمان فإنه جل وعلا فوق المكان و خالق و المكان و الزمان من صفات المخلوقات و من الاثار و هو تعالی فوقها و ليس من سنخها فليس من شأنه المكان حتی يمانعه الغير فيه.
للبحث صلة
ص: 37
ص: 38
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة التاسعة عشرة.
ص: 39
63- الخواجة نصير الدين الطوسي صاحب كتاب تجريد الاعتقاد والذي شرحه العلامة الحلي وهو كتاب قيم جدا تعرضا الماتن والشارح فيه لنقد المباني الفلسفية.
64- والفاضل المقداد صاحب كتاب شرح الباب الحادي عشر وهوشرح كتاب العلامة الحلي الذي رد فيه علی مباني الفلاسفة وله شرح علی كتاب الخواجة الطوسي وهو الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية،واليكم هذا المطلب من هذا الكتاب القيم(1)
فقال (يعني الخواجة نصير الدين الطوسي):
نقض قول الفلاسفة بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحدقال: نقض- قالت الفلاسفة: الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد(2).
و كلّ شبهة لهم على هذه الدعوى في غاية الركاكة. و كذلك قالوا: لا يصدر عن البارئ تعالى بلا واسطة إلّاعقل واحد(3)
ص: 40
أقول(والكلام هنا للشارح وهو الفاضل المقداد): النقض في اصطلاح المناظرين يقال على معنيين: إجماليّ و تفصيليّ.
فالإجماليّ هو تخلّف الحكم المدّعى ثبوته نفيا او إثباتا عن دليل المعلّل. و التفصيليّ هو منع مقدّمة من مقدّمات الدليل. و يقال مجازا على مطلق المنعالخالي عن السند. و يمكن حمل كلام المصنّف على كلّ واحد منها كما يجي ء.
إذا عرفت هذا فنقول: قالت الفلاسفة: البارئ تعالى واحد حقّا من جميع الجهات و الاعتبارات، و كلّ واحد حقّا لا يصدر عنه إلّا واحد فالباريء لا يصدر عنه إلّا واحد، و ذلك الواحد هو العقل، فالصادر عن البارئ بلا واسطة ليس إلّا العقل.
فهنا دعويان:
الأولى: أنّه واحد حقّا، و هذا تقدّم بيانه. و أنّ كلّ واحد حقّا لا يصدر عنه أكثر من واحد. و لهم على هذه الدعوى شبه، أشهرها و أمتنها هو أنّ الواحد حقّا لو صدر عنه أكثر من واحد لكان لكلّ مصدريّة تغاير مصدريّة الآخر، بدليل تصوّر إحداهما حال الغفلة عن الاخرى، و المصدريّتان ثبوتيّتان؛
ص: 41
(لأنّهما نقيضتان لللا مصدريّة العدميّ) و نقيض العدميّ ثبوتيّ. فالمصدريّتان إن دخلتا أو إحداهما في ماهيّة ذلك الواحد لزم التركيب فيه، و هو خلاف الفرض، و إن خرجتا أو إحداهما لزم التسلسل: لأنّ ذلك الخارج معلول أيضا، فننقل الكلام إليه و يلزم ما قلناه.
و الجواب بالنقض إجمالا بالصدور الواحد، فإنّه أمر ثبوتيّ يلزم من دخوله التركيب و من خروجه التسلسل. و تفصيلا بمنع لزوم التسلسل على تقدير الخروج، فإنّ المصدريّة من الامور الاعتباريّة التي لا وجود لها خارجا؛ لأنّها من قبيل الإضافات.و هي ليست بمتحقّقة خارجا عندنا و إلّا لزم التسلسل، فحينئذ نختار أنّ المصدريّة خارجة و لا يلزم التسلسل؛ لعدم احتياج ذلك الأمر الاعتباريّ إلى علّة.
الثانية: أنّ الصادر عنه أوّلا بلا واسطة هو العقل، و بيان هذه الدعوى موقوف على تصوّر أقسام الممكن.
قالوا: الموجود الممكن إمّا أن يفتقر إلى موضوع أولا. و المراد بالموضوع هو المحلّ المقوّم لما يحلّ فيه. فإن كان الأوّل فهو العرض، و إن كان الثاني فهو الجوهر. فإمّا أن يكون محلّا، أو حالّا، أو مركّبا منهما، أو ليس واحدا من الثلاثة. فإن كان محلّا فهو المادّة، و إن كان حالّا فهو الصورة، و إن كان مركّبا منهما فهو الجسم، و إن لم يكن واحدا من الثلاثة فهو المجرّد. فإن افتقر في كمالاته إلى البدن فهو النّفس و إن لم يفتقر فهو العقل.
ص: 42
إذا تقرّر هذا قالوا: لا يجوز أن يكون الصادر الأوّل عنه عرضا؛ لأنّ العرض مفتقر إلى الموضوع فهو يستدعي سبقيّته. فلو كان هو الأوّل لتقدّم على محلّه. و لا مادّة؛ و إلّا لكانت صالحة للتأثير، لكن المادّة لا تصلح؛ لأنّها قابلة و الفاعل لا يكون قابلا. و لا صورة؛ لأنّها مفتقرة في فاعليّتها إلى المادّة فلا تكون سابقة عليها. و لا جسما؛ لتركّبه، فيكون الصادر اثنين لا واحد. و لانفسا؛ لأنّها تتوقّف في فعلها على الآلة، فتستدعي سبقيّتها. فلم يبق إلّا العقل، و هو المطلوب. هذا تقرير ما قالوه(1) و قد عرفت ضعف مبناه.
ص: 43
قال: و العقل فيه كثرة، هي: الوجوب و الإمكان، و تعقّل الواجب و تعقّل ذاته؛ و لذلك صدر عنه عقل آخر، و نفس، و فلك مركّب من الهيولى و الصورة. و يلزمهم أنّ أيّ موجودين فرضا(1)
في العالم كان أحدهما علّة للآخر بواسطة أو بغيرها. و أيضا:(2) التكثّرات التي في العقل الأوّل إن كانت موجودة صادرة عن البارئ تعالى، لزم صدورها عن الواحد، و إن صدرت عن غيره لزم تعدّد الواجب، و إن لم تكن موجودة لم يكن تأثيرها في الموجودات معقولا.
أقول: هذا تتمّة كلامه فيما نقل عن الحكماء و ما يلزمهم من المحال.
و بيانه: أنّهم إنّما قالوا: «الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد» على تقدير الوحدة المحضة، و لم يمكن فرض كثرة في الفاعل. و أمّا إذا أمكن فرض كثرة فإنّه يجوز صدور الامور المتكثّرة حينئذ منه كما في العقل الأوّل؛ فإنّه واحد في
ص: 44
ذاته لكن عرض له امور بالنسبة إلى اعتبار ماهيّته عند وجوده، فله ماهيّة و وجود صادر عن المبدأ. فمن حيث نسبة وجوده إلى ذاته يعرض له الإمكان. و من حيث نسبته إلى مبدئه يعرض له الوجوب الغيريّ، و هو أيضا يعقل المبدأ و يعقل ذاته لتجرّده، فله ستّة أشياء: ماهيّة، و إمكان، و وجود، و وجوب، و تعقّل لذاته، و تعقّل لمبدئه. ثلاثة بالنسبة إلى ذاته هي: الهويّة والإمكان و التعقّل لذاته. و ثلاثة بالنسبة إلى المبدأ و هي: الوجود و الوجوب و تعقّل المبدأ.
فلمّا تكثّرت اعتباراته تكثّرت الموجودات؛ فباعتبار وجوده يصير مبدأ لعقل آخر، و باعتبار تعقّله للمبدإ و وجوبه يصير علّة لنفس، و من حيث إنّ له هويّة و إمكانا و تعقّلا لذاته يصير مبدأ لفلك. و يصدر من العقل الثاني على هذا الوجه عقل ثالث و فلك آخر و نفس له. و هكذا إلى العقل العاشر المسمّى ب «العقل الفعّال»، و هو المؤثّر في عالم الكون و الفساد، و صورة الجسميّة و النوعيّة، ثمّ المركّبات المعدنيّة و النباتيّة و الحيوانيّة.
قال المصنّف رحمه اللّه: «و يلزمهم أنّ أيّ موجودين فرضا في العالم أن يكون أحدهما علّة للآخر بواسطة أو بغيرها»؛ و ذلك لأنّه لا يجوز صدورهما معا عن علّةواحدة بل أحدهما، و الآخر إمّا أن يكون صادرا عن المعلول أو عن العلّة المفروضة بشرط المعلول؛ لاستحالة صدوره عنها باستقلالها، و إلّا لصدر عن الواحد اثنان و هو باطل.
ص: 45
و على التقديرين يلزم أن يكون أحدهما بالنسبة إلى الآخر إمّا علّة أو جزء علّة أو شرط علّة، فيلزم حينئذ من عدم أحدهما عدم الآخر ضرورة؛ إذ يلزم من عدم العلّة أو جزئها أو شرطها عدم المعلول و بالعكس، إذ عدم المعلول دليل على عدم علّته أو جزئها أو شرطها.
و أيضا: يلزمهم بطريق النقض الإجماليّ و تقريره أن نقول: إنّ دليلكم لو صحّ بجميع مقدّماته لكان عندنا ما يبطله. و هو أنّ التكثّرات المفروضة فيالعقل الأوّل إمّا أن تكون امورا وجوديّة في الخارج أو عدميّة فيه، فإن كان الأوّل فإمّا أن تكون صادرة عن الواجب الواحد حقّا أو عن غيره. و الأوّل مناقض لقولكم: «الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد».
و الثاني يلزم منه تعدّد الواجب. و إن كان الثاني لم يكن تأثيرها في الموجودات الخارجيّة معقولا و هو المطلوب.
و في الإلزام الأوّل نظر؛ فإنّ لهم أن يقولوا: إنّهما صادران عن علّة واحدة، لكن كلّ منهما باعتبار، كما قلناه في العقل الأوّل. و صدور العقل الثاني و النفس و الفلك كلّ واحد باعتبار. فلا يتمّ هذا الإلزام إلّا بإبطال صلاحيّة تلك الاعتبارات لمبدئيّة التأثير. نعم، الإلزام الثاني متّجه(1).
ص: 46
الحلقة التاسعة عشرة
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء.
فصل
حول حرمة الغناء
روى الصدوق في الفقيه قال: سأل رجل علي بن الحسين عليه السلام عن شراء جارية لها صوت فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة(1)
يعني
ص: 47
القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء فأما الغناء فمحظور. أقول: هذا التفسير يحتمل كونه من كلام الراوي أو الصدوق أو الإمام علي (علیه السلام) وفيه دلالة على تحقق الغناء في القرآن ونحوه وإنه محرم فيه وفي غيره. وقوله: التي ليست بغناء قيد للجواز في الأشياء المذكورة وهو وصف تخصيصي لا توضيحي فإن أكثر الصفات كذلك والتأسيس خير من التأكيد مع موافقة التصريحات السابقة وعلى كل حال فالاحتمال قائم ومع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال مع أن صدره لا دلالة فيه على أكثر من وصف الجارية بأن لها صوتا وهو أعم من الغناء والعام لا يستلزم الخاص بل يفهم منهالصوت الحسن أو العالي وآخره صريح في تحريم الغناء حيثما بل يفهم منه التحريم في الأشياء المذكورة بقرينة السياق وبهذا يظهر جواب ما يذكرونه في مقام الاحتجاج به كأمثاله من شبهاتهم الواهية والله أعلم.
فصل
وروی الكليني في آخر باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جاءني الشيطان فقال إنما ترائي بهذا أهلك والناس فقال: يا أبا محمد إقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك ورجع بالقرآن صوتك فإن الله يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا(1).
أقول: قد سألني عن هذا الحديث بعض الأصحاب فكتبت في جوابه رسالة
ص: 48
بحسب ما اقتضاه الحال وأنا أذكر منها هنا ما لا بد منه فأقول: الاستدلال بهذا الحديث على جواز قسم من الغناء كما ادعوه باطل من وجوه اثني عشر:
الأول: إنه ضعيف لمعارضته للقرآن في عدة آيات تقدم بعضها وبعض ما روي في تفسيرها في أهل الذكر الراسخين في العلم ولا يجوز تقييد ذلك الاطلاق بهذا الخبر لأنه لا يصلح لتقييد القرآن والخروج عن الأدلة السابقة لأنه غير صحيح السند ولا صريح الدلالة ولا سالم من المعارضة بما هو أقوى منه عموما وخصوصا فلا يتم الاحتجاج به على مذهب الأصوليين ولا الإخباريين. الثاني: إنه ضعيف أيضا بمعارضته للسنة المطهرة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في أحاديث كثيرة متواترة معنى كما أشرنا إليه سابقا فلا يجوز العدول عن الأحاديث الصحيحة المتواترة إلى الأحاديث الشاذة النادرة فكيف إلى حديث واحد؟!
الثالث: إنه ضعيف أيضا لضعف سنده فلا يعارض للأحاديث الصحيحة السند وهذا مستقيم على مذهب الأصوليين مطلقا وعلى مذهب الإخباريين عند التعارض كما هنا إذ من جملة المرجحات عدالة الراوي كما أمر به الأئمة عليهم السلام ولو كان القسمان محفوفين بالقرائن وكيف يعدل عن أحاديث الثقات إلى حديث واحد يرويه مثل علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه علماء الرجال وذكروا أنه أحد عمد الواقفة وأنه كذاب متهم ملعون وأنه لا يجوز أن تروى أحاديثه، وأنه أصل الوقف وأشد الخلق عداوة
ص: 49
للولي من بعد أبي إبراهيم عليه السلام وقد روى الكشي عن الثقات عن علي بن أبي حمزة قال قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: يا علي أنت وأصحابك أشباه الحمير(1)
وعن الحسن بن علي بن فضال أن علي بن أبي حمزة كذاب متهم. وروى أصحابنا أن أبا الحسن الرضا عليه السلام قال بعد موت ابن أبي حمزة: إنه أقعد في قبره فسئل عن الأئمة عليهم السلام فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إلي فسئل فوقف فضرب على رأسه ضربةامتلأ قبره نارا (2). قال محمد بن مسعود: سمعت علي بن فضال يقول: علي بن حمزة كذاب متهم ملعون وقد رويت عنه أحاديث كثيرة ورويت عنه تفسير القرآن من أوله إلى آخره وإني لا أستحل أن أروي عنه حديثا واحدا، وفي حديث آخر أنه كان سبب الوقف أنه مات أبو الحسن عليه السلام وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير وكان عند ابن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار (3)
فلما طلبها الرضا عليه السلام أنكر موت أبيه وابتدع مذهب الوقف وفي حديث هذا معناه. وفي خبر آخر أن ابن أبي حمزة وابن مهران وابن أبي سعيد أشد أهل الدنيا عداوة لله تعالى(4).
وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام في هؤلاء الثلاثة أنهم كذبوا رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام ولي بأبي أسوة
ص: 50
(1)وقالفي ابن أبي حمزة أما استبان لكم كذبه أليس هو الذي روى أن رأس المهدي يهدى إلى عيسى بن موسى وهو صاحب السفياني(2).
وقال: إن أبا الحسن يعود إلى ثمانية أشهر(3).
وعن يونس ابن عبد الرحمن قال دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال لي مات علي بنأبي حمزة قلت: نعم قال: دخل النار(4). وعنه عليه السلام قال: لما مات أبو الحسن عليه السلام جهد علي ابن أبي حمزة وأتباعه في إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره(5)
روى الكشي جميع ذلك وروى نحوه الشيخ في كتاب الغيبة والصدوق في كتاب كمال الدين وقد روي غير ذلك في ابن أبي حمزة وأمثاله من الذم والطعن، ولا ريب عند أهل الممارسة للرجال والحديث أن علي بن أبي حمزة هنا هو البطائني المذكور المذموم وهو قائد أبي بصير يحيى بن القاسم أو ابن أبي القاسم وهو وإن كان ثقة على قول النجاشي وحده إلا أنه واقفي مذموم قد ورد فيه وفي أمثاله من الذم ما يطول بذكره الكلام ومن تتبع حق التتبع علم أنه لا يروي الأحاديث المتشابهة والمؤلفة والمخالفة للحق والموافقة للتقية إلا أمثال هؤلاء الضعفاء وفاسدي المذهب وهذا هو سر فيما أشرنا إليه من طريقة
ص: 51
الأصوليين والإخباريين والسبب في بحثهم عن أحوال الرواة ولتحقيق البحث مقام آخر.
الرابع: إنه ضعيف أيضا لمخالفته لإجماع الشيعة والأئمة كما تقدم.
الخامس: إنه ضعيف أيضا لمخالفته للطايفة المحقة وموافقته للتقية فيجب حمله عليها والعمل بما يعارضه كما أمر به الأئمة عليهم السلام في أحاديث كثيرة بل هذا أقوى وجوه الترجيح لأن سبب اختلاف الأحاديث هو ضرورة التقية في أكثر مواضعه إن لم يكن كلها.السادس: إنه ضعيف أيضا لاحتماله للتأويل وعدم احتمال معارضه له لكثرة النصوص وكونها صريحة مشتملة على عبارات شتى وأنواع من التأكيد ووجود الاجماع وغيره مما لا مجال إلى تأويله ولا ريب في وجوب العمل بالنص الصحيح الصريح وتأويل ما يعارضه فكيف إذا تأيد بالوجوه السابقة والآتية وكان معارضة محتملا للتأويلات المتعددة ولا ريب أنه مع قيام الاحتمال لا يتم الاستدلال والاحتمال هنا راجح بل متعين مع أن المساوي كاف هناك.
السابع: إنه ضعيف لمخالفته للاحتياط وموافقة معارضه له والاحتياط من جملة المرجحات المذكورة في أحاديث كثيرة تضمنت الأمر به في هذه الصورة وغيرها.
الثامن: إنه ضعيف لمخالفته للأصل فإنه يقتضي عدم التخصيص والتقييد وإبقاء العموم والإطلاق على حاله إلى أن يثبت ما يزيله ولم يثبت لما مر. فإن
ص: 52
قلت: هذا الحديث موافق للأصل الدال على الإباحة ولم يتحقق ما يعارضه لإمكان حمل العام على الخاص. قلت: هذا ساقط وذلك أن الأصل على تقدير ثبوت حجيته قد تحقق النقل عنه وارتفاعه هنا قطعا بالأدلة العامة والخاصة كما عرفت وبعد ذلك نقول العام يجب إبقاءه على عمومه عملا بالأصل والدليل لا يمكن حمل العام هنا على الخاص لأنه لم يثبت أولا في نفسه بحيث يصلح لإثبات حكم شرعي ولا يقاوم معارضه ثانيا كما عرفت ولا تصريح فيه ثالثا لما مضى ويأتي إن شاء الله.التاسع: إنه ضعيف أيضا لمخالفته للقاعدة المعلومة من وجوب الحمل على الحقيقة وهذا يستلزم الصرف عنها واستعمال العام في الخصوص فيلزم إرادة المجاز من جميع أحاديث الغناء وأدلته بناء على ما هو الأصح من أن لفظ العام حقيقة في العموم مجاز في الخصوص وهذا المجاز لا قرينة له هذا مع قطع النظر عن معارضة الخاص.
العاشر: إنه ضعيف لمخالفته لضرورة المذهب فإن تحريم الغناء من ضروريات مذهب الإمامية كما عرفت وعرف كل موافق للإمامية أو مخالف لهم في ذلك.
الحادي عشر: إنه ضعيف لمخالفته للدليل الخاص الصريح في معارضته كما مر سابقا.
الثاني عشر: إنه ضعيف أيضا لمخالفته لمجموع ما تقدم من الأدلة والوجوه السالفة وبعضها كاف لمن لم يغلب عليه حب الدنيا والتقليد للسادات
ص: 53
والكبراء فكيف إذا اجتمع الجميع فظهر أن أكثر أدلة الأحكام الشرعية بل كلها دالة على تحريم الغناء وعلى تضعيف هذا الخبر إن حمل على ظاهره.
فصل فإن قلت: وجود هذا الحديث في الكافي دليل على صحته وثبوته كما هي طريقة الإخباريين فكيف يصح تضعيفه على قاعدتهم. قلت: قد أشرنا إلى جواب هذا سابقا ونقول هنا مجرد الثبوت عن المعصوم عليهم السلام لا يوجب العمل على طريقة المتقدمين لأنه قد يكون معارضا بما هو أقوى منه وقد يكون محتملا للتقية احتمالا راجحا كما هنا وهو يستلزم الضعف علىطريقة الإخباريين كما مر. فإن قلت: فلم أورده الكليني في الكافي ساكتا عليه. قلت: إيراده له لا قصور فيه لأنه أورد في هذا الباب قبل هذا الحديث ما هو صريح في تحريم الغناء في القرآن وفي معارضة ظاهر هذا الخبر وأورد في باب الغناء ما يزيل عن سامعه كل شك وشبهة وهذا الخبر آخره إلى آخر الباب وجعل العنوان ترتيل القرآن بالصوت الحسن وهو لا يستلزم كونه غناء وكذا الخبر المذكور ليس بصريح في إباحة قسم من الغناء كما ترى فعلم أنه فهم من أحاديث الباب ما صرح به في العنوان لا ظاهر الأخير وإنما أورده للاستدلال على مطلق تحسين الصوت لا على الترجيع على ظاهره وذكره على عادتهم من إيراد الأحاديث المخالفة لما عليه العمل والمحتاجة إلى التوجيه والتأويل في أواخر الأبواب والتعرض لتأويلها إن اقتضاه الحال ولعله ترك تأويله لظهوره وعدم صراحته في المخالفة وقرب تأويلاته لو كان صريحا ولهذا نظائر في الكافي وغيره.
ص: 54
فصل وإذ قد عرفت عموم تحريم الغناء في جميع صوره عدا ما استثني بدليل خاص كما هو مذكور في محله بل قد عرفت تحريمه في خصوص هذه الصورة وجب تأويل الحديث المسؤول عنه وتعين صرفه عن ظاهره لعدم إمكان العمل به من غير تأويل وذلك ممكن من وجوه اثني عشر:
الأول: الحمل على التقية لأنه موافق لمذهب كثير من العامة وقد تقدم ذلك وإنه أقوى أسباب الترجيح.
الثاني: أن يكون المراد بالترجيع مجرد رفع الصوت من غير أن يصل إلىحد الغناء لأن السؤال في صدر الحديث إنما هو عن رفع الصوت وإن الشيطان يوسوس للسائل إذا رفع صوته بالقرآن بأنه يريد به الريا فأمره عليه السلام بأن لا يلتفت إلى هذا الوسواس وأن يقرأ قراءة متوسطة ويرفع صوته بالقرآن فأجاز له التوسط ورفع الصوت، فإما أن يكون الواو في ورجع بمعنى أو كما ذكروه في مواضع وذكروا له شواهد أو يكون معنى الواو الجمع بين الأمرين في الحكم بالجواز هنا أي في ص 144
خصوص الصورة المذكورة في السؤال أو أمرا له بالأمرين في وقتين بأن يقرأ قراءة متوسطة مرة ويرفع صوته أخرى أو يكون رفع الصوت هنا بما لا يخرج عن حد التوسط بأن لا يبلغ العلو المفرط المنهي عنه بل يكون من جملة المراتب المتوسطة فيستقيم معنى الجمع الذي يدل عليه الواو وقد ورد استعمال الترجيع في رفع الصوت وفهم منه هذا المعنى بعض العلماء العارفين بالعربية كما يأتي إن شاء الله. الثالث: أن يكون المراد بالترجيع في الحديث
ص: 55
مجرد مد الصوت كما مر تقريره والفرق بين هذا وما قبله إذ لا ملازمة بينهما وقد استعمل لفظ الترجيع في معنى مد الصوت ورفعه كما ذكره صاحب كتاب قصص الأنبياء بعد ذكر أحاديث في قصة الأذان ما هذا لفظه قال أبو محمد سمعت الخليل بن أحمد يقول الترجيع في هذا الخبر هو الذي في الخبر الثاني حيث قال: ارجع فامدد من صوتك وهو أنه كان لا يرفع صوته فيه ويحتمل أن يكون إنما أمره بالرجوع ليكرره فيحفظه كما يعلم الملتقي للقرآن الآية فيكررها عليه ليحفظها (انتهى). وناقل هذا التفسيروالمنقول عنه كلاهما من أهل اللسان والفصاحة والمعرفة باللغة العربية على أن هذا وما قبله إذا لم يثبت كونهما معنيين حقيقين كانا من قسم المجاز وبابه واسع وهو غير موقوف على نقل وإن حصل به تأييد وتأكيد. الرابع: أن يكون قوله: ورجع بالقرآن صوتك استعارة تبعية ويكون المراد مجرد تحسين الصوت كما أن الترجيع يحصل منه التحسين كأنه قال وحسن بالقرآن صوتك تحسينا يشبه الترجيع وقوله: يرجع به ترجيعا أي يحسن به أي بالقرآن تحسينا كالترجيع على اعتبار مغايرة المشبه للمشبه به فيهما ولا ينافيه وصف الصوت بالحسن قبل ذكر الترجيع ثانيا لأن الحسن يحتمل التحسين فيزيد معروضه حسنا والضمير في به راجع إلى القرآن كما قلنا على هذا الوجه وما قبله لا إلى الصوت وإن أمكن على وجه، وحمل هذا اللفظ على الاستعارة المذكورة متجه كما ذكرنا وقرينتها امتناع حمله على ظاهره شرعا كما هو معلوم من مذهبهم فنزل الامتناع الشرعي منزلة الامتناع العقلي في قولهم نطقت الحال
ص: 56
بكذا.
الخامس: أن يكون المراد بالترجيع ترديد الكلمات وتكرار الآيات فإن ذلك يلزم منه ترجيع الصوت والرجوع إليه مرة بعد مرة وقد ورد الأمر بذلك في آيات الرحمة والعذاب وغيرها، وكونه خلاف الظاهر غير ضاير لضرورة الحمل على مثله عند تعذر الحمل على الظاهر وقد ذكر الفقهاء أنه يكره الترجيع في الأذان إلا للإشعار وفسروا الترجيع بتكرار التكبير والشهادتين وهو يقرب هذا الوجه وكذلك قول أهل اللغة إن رجع الكلام تكراره ومراجعةالخطاب معاودته وكذلك ما تقدم نقله عن صاحب كتاب قصص الأنبياء عليهم السلام.
السادس: أن يكون ذلك حثا على كثرة قراءة القرآن والاشتغال به في جميع الأوقات كما ورد الأمر به في أحاديث كثيرة إذ يلزم منه ترجيع الصوت كما مر فاستعمل اللفظ وأريد به ملزوم معناه وله نظاير وهذا قريب من الوجه الذي قبله وهما من وجوه المجاز لهذا اللفظ وربما يقرب هذا الوجه ما تضمنه السؤال من أن الشيطان يوسوس له بإرادة الريا ليمنعه من قراءة القرآن، فاقتضت الحكمة مجاهدة الشيطان وتحصيل ضد مقصوده لئلا يطمع في المكلف.
السابع: أن يكون المراد بترجيع الصوت قرائته على وجه الحزن كما ورد الأمر به صريحا في قولهم عليهم السلام أن القرآن نزل بالحزن فاقرأوه
ص: 57
بالحزن(1) ووجهه أن ترجيع الصوت في النوح لما كان يقتضي زيادة الحزن جاز أن يستعمل في مطلق الصوت الحزين ويكون استعارة تبعية كما مر ويخص بما لا يرجع الترجيع الحقيقي للأدلة على تحريم الغناء كما عرفت.
الثامن: أن يكون الترجيع استعارة أيضا لكن بمعنى التبيين من حيث إن الترجيع يستلزمه غالبا أو دائما فأطلق على التبيين الحاصل بدونه. وقد روي عن أبي عبد الله في قوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام بينه تبيينا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن اقرعوا بهقلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة(2) فهذا الحديث شاهد لصحة التأويل مع صحته بحسب العربية وقواعد البيان.
التاسع: أن يكون استعارة تبعية أيضا لكن بمعنى جعل الصوت بحيث يؤثر في القلب من حيث إن الترجيع يستلزم ذلك غالبا كما مر تقريره والحديث السابق شاهد له أيضا ولا ريب أنه يجب حمل الترجيع على بعض المعاني المأمور بها ولا يجوز حمله على المعنى المنهي عنها.
العاشر: أن يكون مخصوصا بالترجيع الذي لا يصل إلى حد الغناء أعني ما ليس بمطرب فلا يصدق عليه الغناء ولا ينافي ما ورد في تحريمه وهذا وإن كان قريبا لكن جماعة من الفقهاء عرفوا الغناء بأنه مد الصوت المشتمل على الترجيع وإن لم يطرب وذكر بعضهم أن التلازم حاصل بين الترجيع والطرب
ص: 58
وفيه نظر لكنه يوافق للاحتياط والحاصل أنه مع اجتماع الترجيع والطرب يتحقق الغناء إجماعا.
الحادي عشر: أن يكون المراد بالترجيع في الصوت ترديده من مخرج حرف إلى مخرج حرف آخر أي إخراج الحروف من مخارجها كما ينبغي من غير أن يكون النطق بواحد مشابها للنطق بآخره ويكون حاصل الترجيع بيان الحروف في النطق بيانا تاما فإنه يستلزم اللطف في رجوع الصوت من كيفيته إلى أخرى ومن مخرج حرف إلى آخر ولا يلزم تحقق الغناء ولا الترجيع المبحوث عنه وهذا قريب عند التحقق من الوجه الثامن وبينهما فرقما.
الثاني عشر: أن يكون المراد بالترجيع الصوت بالقرآن رده باشتغاله بالقرآن عن الشعر ونحوه من أقسام الغناء فيكون أمرا بالاشتغال عن غيره والرجوع عن غيره إليه لأن صاحب الصوت الحسن يستعمله غالبا في الغناء فأمره بالرجوع عنه إلى قراءة القرآن لا على وجه الغناء، فيرجع إلى معنى الرجوع وكذا قوله يرجع به ترجيعا ويكون الضمير للقرآن أي أن الله يحب الصوت الحسن الذي يرده صاحبه عن المحرمات فيرجع عنها إلى الاشتغال بالعبادات كقراءة القرآن على الوجه المباح، فهذا ما خطر بالبال في حل هذا الإشكال وإن نوزع في بعض هذه الوجوه بأنه بعيد فإن أكثرها قريب سديد وإن سلم منها محمل واحد صحيح كان كافيا وباب المجاز واسع وقرينته قد تكون عقلية وقد تكون لفظية وقد تكون حالية ولعلهم عليهم السلام مع استعمال بعض الألفاظ
ص: 59
في معانيها المجازية كانوا ينصبون للسامع قرينة يفهم من الصرف عن الحقيقة وإن لم تصل إلينا أو يعتمدون على قرب المعنى المقصود من فهمه ولو من سماع حديث آخر أو موافقته للغالب من عرفه أو علمه بمذهب الأئمة عليهم السلام فيه أو بسبب روايتهم لكثير من الأحاديث بالمعنى سقطت بعض الألفاظ التي كانت قراين المجاز أو غير ذلك والله أعلم. فصل وقد روي في حديث: تغنوا بالقرآن فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا (1). أقول: وهذا لا حجة فيه بل هو ضعيف لاجتماع جميع الوجوه السالفة في تضعيف حديث الترجيع لأن أصله من أحاديث العامة كل من نقله منهم أو من الخاصة أولهفلم يحمله أحد على ظاهره فذلك إجماع منهم على صرفه عن ظاهره لمخالفة المعهود المقرر من النهي عن الغناء بالقرآن وغيره ولأنه يدل بظاهره على وجوب الغناء فيه وقد أولوه بتزيين الصوت وتحسينه بحيث لا يصدق عليه الغناء كما مر وتارة بحمل التغني على معنى الاستغناء، فمعنى تغنوا بالقرآن استغنوا به كما ورد في حديث آخر من قرء القرآن فهو غني ولا غنى بعده وغير ذلك والله أعلم.
ص: 60
العدد الاخير
لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة
بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.
القسم الاول في مرويات الاسفار .
تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض
ص: 61
الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار ع والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون!! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة الجديدة من الاسفار .
تتمة الاحاديث التي ذكرها في الجزء التاسع
الحديث التاسع و الثلاثون : لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين(1).اثنا عشر رسالة للسيد الداماد ج 8 ص 92 وهي من خطبة الجمعة للداماد .
الحديث الاربعون : لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بني ادم لنظروا الى ملكوت السماء (2).
مرسل في عوالي اللئالي ج 4 ص 113 وقريب منه في مصنف ابن ابي شيبة ج 8 ص 446 .
الحديث الحادي والاربعون : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل(3) .
ص: 62
عامي مرسل , قال العجلوني في كشف الخفاء ج 2 ص 173 : " تذكره الصوفية كثيرا ، وهو في رسالة القشيري بلفظ لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ". وقد تقدم .
الحديث الثاني والاربعون : مابين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة(1) .
من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 568 ومعاني الاخبار ص 267 .
الحديث الثالث والاربعون : ما من شئ توعدونه الا وقد رايته في صلاتي هذه لقد جئ بالنار وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها الى أن قال : ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت فيمقامي , ولقد مددت يدي وأنا اريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا اليه ثم بدا لي أن لا أفعل(2) .
عامي رواه احمد في مسنده ج 3 ص 318 ومسلم في صحيحة ج 3 ص 32 .
الحديث الرابع والاربعون : مع كل شئ لا بمقارنة وغير كل شئ لا بمزايلة(3).
مرسل في نهج البلاغة ج ا ص 16 والاحتجاج ج1 ص297 , وقد تقدم .
الحديث الخامس والاربعون : من عرف نفسه فقد عرف ربه(4) .
ص: 63
تقدم الكلام فيه فراجع .
الحديث السادس والاربعون : نحن ابواب الله ونحن الصراط المستقيم(1) .
معاني الاخبار للصدوق ره ص 35 .
الحديث السابع والاربعون : ونحن على الاعراف نعرف انصارنا بسيماهم ونحن الاعراف الذي لا يعرف الله عز وجل الا بسبيل معرفتنا , فلا يدخل الجنة الا من عرفناه , ولا تدخل النار الا من , أنكرناه(2).
بصائر الدرجات للصفار ره ص 517 والكافي ج 1 ص 184 .الحديث الثامن والاربعون : يا علي اذا كان يوم القيامة اقعد انا وانت وجبرئيل على الصراط ولا يجوز على الصراط الا من كانت معه براءة بولايتك(3) .
معاني الاخبار ص 36 و اعتقادات الامامية للشيخ الصدوق ص 70 .
الحديث التاسع والاربعون : يا علي انا وانت ابوا هذه الامة(4) .
علل الشرائع ج 1 ص 127 وعيون اخبار الرضا ج 1 ص 91 وغيرهما .
الحديث الخمسون : يا قيس ان مع العز ذلا ومع الحياة موتا وان مع الدنيا اخرة وان لكل شئ رقيبا وعلى كل شئ حسيبا , وان لكل أجل كتابا , وانه لا
ص: 64
بد لك من قرين يدفن معك وتدفن معه , وهو حي وأنت ميت فان كان كريما فأكرمك , وان كان لئيما فأسلمك ,ثم لا يحشر الا معك ولا تحشر الا معه , ولا تسأل الا عنه فلا تجعله الا صالحا , فانه ان صلح فآنست به , وان فسد لا تستوحش الا منه , وهو فعلك (1).
في الخصال ص114 وامالي الصدوق ص 51 وغيرهما باختلاف يسير .
الخاتمة
لا يفوتني ان اسجل في خاتمة هذا البحث امورا :1- هناك مرحلة بعد هذه المرحلة تتمثل في بيان طبيعة توضيف النصوص التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره, ليرى القارئ الكريم مدى انسجام استدلاله مع الموازين العلمية والدينية او نأيه عنها , و لا يفي باثبات دعوى ملا صدرا انه اخذ النص الديني بنظر الاعتبار مجرد وجود تلك النصوص في كتابه بل لا بد من معرفة نحو الاستدلال بها .
وكيف يحصل الوثوق بفهمه للاخبار واعتماده عليها ونحن نجده يستشهد بقول الامام عليه السلام ( كذب الوقاتون ) في التوقيت للقيامة قائلا :" الفصل 16 في القيامتين الصغرى والكبرى , اما الصغرى فمعلومة من مات فقد قامت قيامته , واما الكبرى فمبهمة وقتها , ولها ميعاد عند الله ومن وقتها على التعيين فهو كاذب لقوله عليه السلام : " كذب الوقاتون " " .
ص: 65
والرواية وردت بطرق مختلفة كلها تنهى عن التوقيت لظهور الامام المهدي صلوات الله عليه , فاين هذا من استدلال الملا الشيرازي ؟!
2- استشهد ملا صدرا بالروايات في ( 109 ) موردا منها ( 71 ) موردا من اخبار الخاصة , كما استشهد المحشون بنيف واربعين حديثا من اخبارنا .
3- لم ار في ما كتب حول نقد هذه الفلسفة بحثا حول مناقشة النصوص التي اعتمدوها فهو بحث جديد في بابه لذا نامل من الاخوة الفات نظري الى ما فيه من قصور او تقصير والله الموفق للسداد نعم المولى ونعم النصير.
ص: 66
العدد السادس عشر
من أقوى ما استدلّ به القائلون بالقدم هو :إنّ المؤثر التامّ في العالم إمّا أن يكون أزليا أو حادثا .
فإن كان أزليّا ؛ لزم قدم العالم لأنّ عند وجود المؤثر التامّ يجب وجود الأثر معه لأنه لو تأخر عنه ثمّ وجد لم يخل إمّا أن يكون لتجدّد أمر أو لا ، والأوّل يستلزم كون ما فرضناه مؤثرا تامّا ليس بتامّ ، هذا خلف ، والثاني يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن لا لمرجّح لأن اختصاص وجود الأثر بالوقت الذي وجد فيه دون ما قبله وما بعده - مع حصول المؤثر التامّ - يكون ترجيحاً من غير مرجّح .
ص: 67
وإن كان المؤثر في العالم حادثاً نقلنا الكلام إلى علّة حدوثه ، ويلزم التسلسل والانتهاء إلى المؤثر القديم ، وهو محال لتخلّف الأثر عنه ، وهذا المحال إنما نشأ من فرض حدوث العالم .
وبعبارة أُخرى : إنّ كلّ ما يتوقف عليه الإيجاد إن كان أزلياً كان العالم أزلياً ، وإلاّ لكان حدوثه في وقتٍ دون آخر إن توقف على أمرٍ كان ما فرضناه أزلياً ليس بأزليّ ، وإن كان لا لأمرٍ ترجّح الممكن لا لمرجّح ، وإن كان حادثاً تسلسل .
أقول : وقد مرّ هذا الإشكال وجوابه ولكن لمّا كان من أعظم شبهاتهم وقد قرّروها تارة بالبيان السابق ، وأُخرى بهذا التقرير وكان بينهما فرق ما فلا بأس بذكره والجواب عنه هنا حتى ينحسم مادة الشبهة بالمرّة .والجواب عنها بوجوه :
الأوّل : إنّ المؤثر التام إنما يجب وجود أثره معه لو كان موجباً ، وأمّا إذا كان مختاراً فلا ، لأنّ المختار يرجّح أحد مقدوريه على الآخر بنفس كونه مختاراً ، فالعالم قبل وجوده كان ممكن الوجود وكذا بعد وجوده لكن المؤثّر المختار أراد إيجاده وقت وجوده دون ما قبله وما بعده .
والحاصل : إنا نختار الأوّل ، وقوله : يلزم إيجاد العالم في الأزل . . قلنا : لا نُسلّم ، فإن هذا في حق الموجب أمّا المختار فلا .
ص: 68
الثاني : إنّ علّة تخصيص إيجاد العالم بوقت دون آخر هو إرادته تعالى ، وبعبارة أُخرى : إنّ اللّه تعالى أراد ايجاد العالم وقت وجوده ، والإرادة فعل الفاعل المختار ولاتتوقّف على أيّ شيء سوى كون الفاعل قادراً مختاراً ، فالمخصّص والمرجّح لحدوث العالم هو مشيّته تعالى وإرادته التي تكون فعله وإعمال قدرته وإنفاذ سلطنته التامة .
ولا يخفى أنّ المرجحات أيّاً كانت بجميع أنحائها وأنواعها ، وإن كانت في نهاية التأكّد فهي واقعة في طول القدرة والمالكية . ولا تنفعل القدرة والمالكية بتلك المرجحات ، بل القدرة حاكمة عليها ونافذة في الفعل والترك على حدّ سواء بحسب التكوين قبل الفعل وبعده أيضاً .فملاك الترجيح في الأمور المترجّحة الوجوديّة وكذلك الفعل ونقيضه ينتهي إلى المالكية الذاتية في مرتبة ذات الفاعل .
وربّنا المالك الماجد القادر القدوس يفعل الأمور الراجحة الحسنة لحسنها فيُحمد عليها ولا يفعل الأمور المرجوحة لقبحها فيقدّس وينزّه عنها ويختار من المتساويين المترجّحين من جميع الجهات ، ما يختار بمشيته وإرادته وقدره وقضائه وحكمته ، وفي مرتبة فعله إحدهما ، قادر ومختار في إتيان بدله أيضاً .
ص: 69
الثالث : النقض بالحوادث اليوميّة إذ إنّ هذه الشبهة واردة فيها بشكلٍ أتمّ وأكمل مع أنّها حادثة قطعاً وقد مرّ البحث عنها فيما سبق .
الرابع :إنّ استحالة أزلية وجود العالم في الأزل مسلّمة ، ولهذا تخلّف وجوده عن وجود اللّه سبحانه وتعالى .
الخامس : إنّ القبليّة والبعديّة لا تعقل إلاّ مع وجود العالم ، فإذا كان العالم معدوماً استحال أن يقال : لم خصّص إيجاده بوقت دون وقت فتأمل في الأخيرين .
حدوث العالم لا ينافي جوده تعالى
إن قلت : وجود العالم جود ، فلو كان حادثاً لكان اللّه تعالى تاركاً للجود .وبعبارة أُخرى : إنه تعالى فيّاض وجواد وهو يقتضي قدم العالم وإلاّ يلزم انقطاع الفيض والجود .
قلت فيه أوّلاً : إذا ثبت أنّ وجود العالم في الأزل أمر محال فلا يحق لأحد أن يقول بأنّه تعالى تارك للجود .
ثانياً : لو كان مقصود القائل من كونه تعالى فيّاضاً وجواداً ، هو نفي النّقص من ذاته وصفاته الكماليّة كقدرته وعلمه فذلك أمر مسلّم ولا يلزم منه وجوب
ص: 70
إيجاد العالم أزلاً ، لأنّ الإيجاد متوقّف على إرادة اللّه تعالى المستندة إليها الأشياء ، وإنّه تعالى فاعل مختار إن شاء فعل وإن شاء ترك .
ولا يخفى أنّ إرادته تعالى لم تتعلّق أزلاً إلى إيجاد العالم في الأزل لأنها من صفات الفعل وهي حادثة كما ورد في الأخبار الكثيرة .
وإن كان مقصود القائل أنّه تعالى كامل بالذات وعلّة تامة لإيجاد العالم ، وتخلّف العلة عن المعلول أمر ممتنع ، فقد مرّ جواب ذلك وأثبتنا بطلان هذا المبنى من أساسه .
ثالثاً : إنّ الجود فعل ؛ ولا يلزم من ترك الفعل اختياراً نقص الذات .
رابعاً : إنّ المتبادر من لفظ « الجواد » هو أنّ الشخص الجواد هو من لايبخل عن الجود إذا وجد مقتضيه ، وإن لم يصدر الجود عنه بالفعل مطلقا ، والدليل على أنّ جواديته تعالى لا تتوقّف على الإعطاء والبذل مضافاً إلى المعنى المتبادر منه بعض الأخبار .
* كرواية الصدوق بسنده عن احمد بن سليمان قال : سأل رجل أبا الحسن عليه السلام - وهو في الطواف - فقال له : أخبرني عن الجواد .
فقال له : إنّ لكلامك وجهين : فإن كنت تسأل عن المخلوق ، فإن الجواد الذي يؤدّي ما افترض اللّه عزّوجلّ عليه ، والبخيل من بَخِلَ بما افترض اللّه
ص: 71
عليه ، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع ، لأنّه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له وإن منع منع ما ليس له(1) .
خامساً : إنّ المعنى الذي ذكروه - وهو استلزام وجود الخالق تعالى وجود العالم رشحاً وفيضاناً بالوجوب الأزلي - لا يكون كمالاً للخالق جلّ وعلا ، بللا يمكن نسبة نقصان أقبح منه إليه تعالى بل الكمال اللائق بمقام قدسه تعالى هو انفراده ووحدانيّته تعالى بالقدم والأزلية ، فالأزلية من الكمالات الذاتيّة للّه عزّ وجلّ كما ورد في الحديث : كان اللّه ولم يكن معه شيء .
دوافع التجاء الفلاسفة إلى تأويل الأحاديث
إنّ الذي دعاهم إلى التوجيهات والتأويلات الباطلة في معنى الحدوث والقدم ، والقول بالزمان الموهوم - الذي ذهب إليه بعض المتكلمين - والحدوث الدهري - الذي اختاره المحقق الداماد - والحدوث الطبعي - أي
ص: 72
الثابت بالحركة الجوهرية الذي اختاره صاحب الأسفار - والحدوث الاسمي - الذي اصطلح عليه واختاره السبزواري - هو أمران :
أولهما : توهّم لزوم انقطاع الفيض الأزلي عن الخالق جلّ وعلا .
ثانيهما : استحالة انفكاك العلة عن المعلول .
وقد مرّ الجواب عنهما وقلنا : إنّ الحقّ عدم لزوم المحذورين في الفاعل المختار الذي كانت فاعليته بالمشية والإرادة ، ويكون بذاته المتعالية منزّهاً عن الاتصاف بالزمان والمكان ، والقبل والبعد ، والتوليد والترشيح ، والتطوّر والصدور والإصدار ، والتجلّي والظهور . . وأمثال هذه الصّفات الّتي هي خاصّة بالمخلوقات المحدودة المقداريّة والمتجزيّة ، فلهذا لابد من الالتزامبالحدوث بالمعنى الذي قد مرّ وهو إيجاد العالم بعد أن لم يكن بعديّة حقيقية.
الخاتمة :
في جملة من المفاسد المترتّبة
على القول بقدم العالم
ص: 73
بعد ملاحظة ما ذكرناه من الأخبار عن الأئمة المعصومين عليهم السلام لا عذر لأحد في التشكيك في هذه المسألة المهمّة الّتي كانت من أعظم الأصول الدينية .
ولذا قال العلاّمة الحلي رحمه الله :
من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف ، لأن الفارق بين المسلم والكافر ذلك ، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع(1).
وعدّ الشيخ الكبير كاشف الغطاء من أقسام الكافر والمرتدّ القائل بقدم العالم وقدم المجردات (2)وكذا العلامة المجلسي وغيرهم ، وقد ذكرنا ذلك في المقصد الأوّل .كما أنّ الأخبار التي ذكرناها صريحة في أن اللّه سبحانه متفرّد ومتوحّد بالأزليّة ، ليس مقارناً لوجوده سبحانه شيء ، وكذلك لم يكن شيء في طوله معه أيضاً .
ثمّ إنّه تعالى أحدث واخترع الخلق ، وهذا الاختراع والإحداث لم يكن مسبوقاً بشيءٍ ليكون هذا الشيء مع اللّه سبحانه لأنّ ذلك خلف واضح .
ص: 74
واستشهد تعالى بهذا الإحداث والاختراع والابتداع على تفرّده وتوحّده في الأزلية ، وهذه الأفعال تدلّ وتشهد على إيجاد العالم على نحو الحدوث الحقيقيّ أي المسبوقيّة بالعدم الصّريح .
وهذه الأخبار أيضا تدلّ على بطلان قول القائل بأنّ صدور العالم عن اللّه سبحانه إنّما هو على نحو العلّيّة والمعلوليّة ، وأنّ علمه تعالى علّة لهذا النظام المحدود من دون فرق بين أوّله وآخره الذي لا منتهى له ، وأنّ هذا النظام الذي افترضوه صدر عن علمه تعالى من دون فرق بين أوّله وآخره . . أي كماأنّ أوّل النظام معلول لعلمه تعالى كذلك آخره أيضاً معلول له بلا فرق بينهما(1).
ص: 75
أقول : إنّ الالتزام بهذه المقالة يستلزم مفاسد كثيرة :منها : أن يكون العالم قديماً بقدمه تعالى ، وهو خلاف البرهان وضرورة الشرايع الإلهية .
ومنها : أن يكون اللّه تعالى موجباً في فعله ، لأنّ صدور الشيء عن العلم صدوراً ضرورياً وامتناع عدم الصدور امتناعاً ذاتياً بحسب الواقع ، هو نفس الالتزام بالإيجاب وكونه تعالى موجَباً وتسمية ذلك بالقدرة في الواقع - في عين إنكار القدرة - تسمية كاذبة ، وتلبيس للحقّ ، وإغفال لضعفاء المحصّلين فإنّ للّه الأمر من قبل ومن بعد .
ومنها : أن تكون الجنايات والخيانات القبيحة كلّها عين فعله تعالى ولا يكون لأحد فعل يسأل عنه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
ص: 76
ولتوضيح هذا المقال أكثر ممّا ذكرناه فراجع إلى مظانه .
وقال بعض الأعلام رحمه الله في هذا المقام :
والنزاع في ذلك يرجع عند التحليل إلى أنّ المؤثر في إيجاد العالم هل هو اقتداره واستطاعته ومالكيته تعالى للفعل في مرتبة فعليّته ونقيضه وأضداده ، أو هو علمه سبحانه بالنظام الواحد الأصلح فيكون هو السبب الوحيد في فيضان هذا النظام عنه بالإيجاب ، واستحال تخلّفه عنه في الأزل ، وعليه هذه الحوادث المتجدّدة - حسب النظر البدويّ - منطوية ومقدّرة في العلم الأزلي ومستندة إلى أسبق عللها فلابد أن يحدث كل منها في ظرفه وموقعه طبقالتقدير الأزلي وليست حادثة بمعناه الحقيقي ، ويستحيل تخلّف هذا عن العلم مع جميع أجزائه وحوادثه وشرائطه ، فإنّ كلّ ما هو معلوم في الأزل في جملة النظام الخير لابدّ أن يقع وما لم يكن معلوماً فيستحيل وقوعه فقد جفّ القلم بما كان وبما هو كائن إلى الأبد ، وقد فرغ من الأمر .
فعلى هذا يكون القول بحدوث العالم بمعناه الحقيقي ، ونفي الأزليّة بمعنى عدم تأثير الذات في الإيجاد ، التزاماً بالإمكان في ذاته تعالى على زعمهم ، ومن هنا يعلم أنّ عدم التزام القوم بالقدرة فيه تعالى بالمعنى الذي ذكرناه ، إنّما هو لأجل فرارهم عن لزوم الإمكان على زعمهم الفاسد .
ص: 77
وقد صرّحت محكمات الكتاب وقطعيّات السنن على حدوث العالم بمعناه الحقيقي . . أي نفي أزلية ما سواه تعالى وتوحّده سبحانه بالأزليّة لا الحدوث المصطلح عندهم .
وواضح عند أُولي الألباب أنّ نفي ما سواه في الأزل وتفرّده تعالى بالأزليّة ، ليس لأجل الإمكان والنقص في فاعليّة الفاعل والخالق سبحانه ، بل هو لأجل شدّة سلطانه وتمكّنه واستيلائه وعلوّه ، سبحانه من أنّ يتعالى عليه الفعل على رغمه إيجاباً .
ضرورة أنّ تأثير الفاعل في الفعل وصدور الفعل عنه إيجاباً ومتعالياً عليه ليس من كمال الفاعل ، والعلم بصدور الفعل مع إيجاب المشية عليه تعالىغير جابر لتلك النقيصة ، فكم من فرق بين صدور الفعل إيجاباً عليه - وإن كان عالماً به - وبين صدور الفعل عن سلطانه وتمكّنه واقتداره ، فالأول عجز وذلّة وهوان ، والثاني مجد وعزّة وجلال .
وعدم صدور الفعل أيضاً ليس مستندا اِلاّ إلى شدّة سلطانه ونفوذه وتمكّنه ، فوقوع الفعل وعدم وقوعه مستند إلى كمال حقيقيّ وهي القدرة التي هي عين الذات الأحديّة مثل العلم والحياة وهي المؤثّرة في الوقوع واللاّوقوع بحيث واحد بالحقيقة .
ص: 78
وصريح الكتاب ومذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام هو إنشاؤه تعالى الخلق وإبداؤه مقتدراً على ذلك ومتمكّناً منه ، ولا دليل للصدور الذي ذكروه من محكمات الكتاب وقطعيّات السنن وضرورة العقول القويمة . إنتهى كلامه.
أقول : تحصّل من الأدلّة الّتي أثبتنا بها حدوث العالم - بمعنى مسبوقيّة جميع ما سوى اللّه سبحانه بالعدم - سقوط ما استدل به الفلاسفة وأتباعهم وبطلان مبانيهم ومعتقداتهم في ما يلي :
1 - ما ذكروه في باب المبدء ؛من أنّه تعالى بنفس ذاته المتعالية ووجود الأزلي علة تامة لما سواه .2 - ما قرروه في باب العلم من أنه تعالى فاعل بالعناية ؛ بمعنى أنه يكفي في صدور الأشياء علمه تعالى بها ، كما أنّ من غريب إدّعاءاتهم قولهم بأنّ العلم له شأنيّة العلّيّة لإيجاد الأشياء .
3 - ما نصّوا عليه في باب القدرة والمشية والإرادة من أنها هي العلم لا غير .
4 - ما أثبتوه في باب الحدوث من أن الشيء الحادث المسبوق بالعدم لابد أن يكون مسبوقاً بمادّة أو مدّة .
ص: 79
5 - ما أسسوه في باب التوحيد من أن وجوده تعالى عين وجود خلقه ..(1) اذ لو كانت الموجودات عين الحق ، فلا معنى لمسبوقيتها بالعدم الحقيقي الصريح كما لا يخفى .
ص: 80
ص: 81
ص: 82
كما أنّ بطلان هذه الأمور الخمسة لا يقتصر على أدلة الحدوث ، بل مع قطع النظر عنها ، فإنّها بنفسها مخالفة للآيات والروايات الكثيرة الّتي قد ورد ذكرها في محلّها .
هذا وإنّ لهؤلاء شبهات واهية أُخرى يظهر جوابها للمتأمّلّ فيما أوردناه من المباحث السالفة ،
ص: 83
ولا نحسب - وأيم اللّه - إنّ ما أدرجناه هنا من بعض أدلة الحدوث ، مع صريح الآيات الكريمة والروايات الشريفة في المقام . . ذو مسكة يشكّ بعد ذاك في بطلان سفسطة هؤلاء وزيف دعاويهم ، إذ كيف يتأتّي للباحث أن يجتري على مخالفة الكتب السماويّة والأخبار المتواترة النبويّة ، والأحاديث المتظافرة المأثورة عن الأئمّة الهداة الّذين هم معادن الحكمة والوحي والإلهام وبعثهم اللّه لتكميل الأنام .
كما أنّ هذه الشبهة هي من الشبهات الّتي قد اعترف مبدعها بضعفها ، وقد صرّح الشيخ وأرسطو : بأنّ هذه المسألة جدليّة الطرفين - أي يمكن الجدل في إثباتها ونفيها - فهم يذعنون بأنّ ماذهبوا إليه ليس حقيقة واضحة .وأخيراً أقول لإخواني في الدّين : أرجو أن تنظروا إلى هذه المسألة ببصيرة قد طهّرها صاحبها من أدران التعصّب والأهواء ليمكنكم الوصول إلى حقائق أصول الدين ، ولتكونوا على نهج الأنبياء والأوصياء والصدّيقين ، ولينجوا الإنسان من هواه في طريق البحث والوصول إلى المقاصد الدينيّة ، والشؤون العقائديّة .
فعلينا أن نزن أفكارنا بميزان الشرع المبين ، ومقياس الدين المتين ، وما تحقّق صدوره عن الأئمة المعصومين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين لئلاّ نكون من الهالكين .
ص: 84
العدد الاخير
من مواقف كبار العلماء من ابن عربي
يذكر المحدث الكبير محمدبن الحسن الحر العاملي (قدس سره) في كتابه الإنثي عشرية في الباب الثاني وفي معرض إبطاله للتصوف وذمه:
« . . . مولانا الأجل الأكمل ملا أحمد الأربيلي (قدس سره) فإنه صنف كتاب حديقة الشيعة ونقل فيه أشياء كثيرة نقلنا بعضها وفضله أشهر من أن يذكر ومع ذلك تری هؤلاء الصوفية ينقصون من قدره ولايميلون إلی ذكره بل يسمونه الفقيه الأردبيلي علی وجه الاستهزاء به والاحتقار للفقهاء . وقدنقل عنه بعض ثقاة الأصحاب: إنه نقل من فرقهم إحدی وعشرين فرقة، وإنها ترجع إلی فرقتين حلولية واتحادية وهما الأصل، وذكر لكل فرقة منهم ما يطول ذكره من القبايح والمنكرات. وقد نقل عنه أيضاً إنه ذكر في جملة الطعون علی الصوفية: إنهم كالملاحدة، يأولون الآيات والأحاديث ويفسرونها بما يوافق رأيهم ومدعاهم، ويقولون بالجبر والتشبيه والتجسيم والصورة والرؤية، ويدعون علم الغيب ويسمونه«كشفاً» وإن المتقدمين من علماء الإمامية، أكثروا الذم والطعن عليهم والتصنيف في ذلك، ونقلوا أحاديث كثيرة في الرد
ص: 85
عليهم وتكفيرهم. وقال :إن ابن بابويه والشيخ المفيد وابن قولويه قائلون: إن هذه الطائفة الضالة المضلة من الغلاة وقال: إن الشيخ ابن عربي والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي، قائلون بوحده الوجود، وإن كل موجود فهو الله تعالی ، نعوذ بالله من هذه الاعتقادات؟!!(1)
ينقل العلامة المجلسي رحمة الله عليه في كتاب بحار الأنوار : «قال شيخ الاسلام شمس الدين الذهبي: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري يقول: وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت أبا الفتح القشيري يقول: سمعت الشيخ عز الدين عبد السلام يقول وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب، فقال: وكذاب أيضاً؟ قال نعم تذاكرنا يوما نكاح الجن فقال: الجن روح لطيف والانس جسم كثيف فكيف يجتمعان ؟ ثم غاب عنا مدة و جاء وفي رأسه شجة فقيل له في ذلك فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بينيوبينها شئ فشجني هذه الشجة قال الامام الذهبي بعد ذلك: وما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة»(2).
تقييم علماء أهل العامة لابن عربي:
قال الذهبي: ومن أمعن النظر في فصوص الحكم، أو أنعم التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر والأشباه، فهو أحد رجلين: أما من الاتحادية في الباطن ، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن
ص: 86
هذه النحلة من الكفار، نسأل الله العفو . . . إلی أن قال: فهو الله لأن يعيش المسلم جاهلا خلف البقر، لا يعرف من العلم شيئاً سوی سورة من القرآن، يصلي بها الصلوات ، يؤمن بالله واليوم الآخر- خير له بكثير من هذا العرفان...(1).
قال الحافظ ابن كثير أبو الفداء (ت774ه).
«كتابه المسمی بالفتوحات المكية في نحو عشرين مجلدا، فيها ما يعقل ومالا يعقل ، وما ينكر وما لا ينكر وما يعرف ومالا يعرف، وله كتابه المسمی بفصوص الحكم ، فيه أشياءكثيرة ظاهرها كفر صريح»(2)
.وقال القاضي سعد الدين الحارثي- الحنبلي- : (ما ذكر من كلام المنسوب إلی الكتاب المذكور- فصوص الحكم- يتضمن الكفر . . . . وكل هذه التمويهات ضلالة وزندقة)(3)
قال ابو حيان الأندلسي صاحب تفسير «البحر المحيط» في تفسير سورة المائدة:
«ومن بعض إعتقاد النصاری استنبط من أقر بالإسلام ظاهراً وانتمی الی الصوفية حلول الله في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم الی القول
ص: 87
بالإتحاد والوحدة كالحلاج والشعوذي وابن أحلی وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض وأتباع هؤلاء كابن سبعين»
ثم ذكر جماعة ثم قال:
«وإنما سردت هؤلاء نصحاً لدين الله- يعلم الله ذلك- وشفقة علی ضعفاء المسلمين وليحذروا من هؤلاء فإنهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث وقد أولع جهلة ممن ينتمي الی التصوف بتعظيم هؤلاء وإدعائهم أنهم صفوة الخلق!!!»(1)
محمد بن عرفة الورغمي التونسي إمام تونس وعالمها وخطيبها في عصره (ت803 ه) :سئل عن ابن عربي وعن شيء من كلامه، فقال: «إن من نسب إليه هذا الكلام لايشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته»(2).
وهذه اسماء عدد من كبار علماء العامة الذين كفَّروا ابن عربي:
ابن حجر وشيخه البلقيني
السخاوي
زين الدين العراقي
بدر الدين بن جماعة
وابن الجزري
ص: 88
الباسي
والبكري
وابن هشام
وعلاء الدين البخاري
والموصلي
والكتاني
وابن الخياط
والناشري
كما أن ذهب عدد من علماء الشريعة المحققين، إلی أن ابن عربي زنديق ضال فاسق، ومنهم:القاضي سعد الدين الحارثي
الشيخ محمد بن عرفة التونسي
العزبن عبدالسلام.
ص: 89
ص: 90
العدد السادس عشر
تتمة البحث السابق مما يمكن ان يستدل به علی الجواز الموسيقی وهي كلها روايات عامية ضعيفة السند مخالفة لمذهب اهل البيت(علیه السلام).
5- ما يمكن ان يستدلّ به علی جواز الموسيقی بذاتها بنحو مطلق:
- مارواه النعمان في دعائم الاسلام مرسلاً من ان النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مرّ بقوم من الزنج وهم يضربون بطبول لهم ويغنّون. فلما رأوه سكتوا، فقال: خذوا يابني ارفدة فيما كنتم فيه، ليعلم اليهود ان في ديننا فسحة(1) .
- وما رواه ابن ماجة عن انس بن مالك ان النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مرّ ببعض المدينة فاذا هم بجوار يضربن بدفّهنّ ويتغنّين ويقلن:
نحن جوار من بني النجّار*** يا حبّذا محمد من جار
فقال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الله يعلم اني لاحبكنّ(2) .
ص: 91
والرواية من ناحية السند ساقطة عندنا. وامّا من ناحية الدلالة: فتدلّ علی الجواز كسابقتها.
- وعن ابن عباس قال: مرّ النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ***علی حسّان بن ثابت
وهو في ظلّ فارع(1) وحوله اصحابه وجاريته سيرين تغنّيه بمزهرها:
هل عليّ ويحكا(2)*** ان لهوت من حرج
فضحك النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثم قال: لا حرج ان شاء الله(3) .
كما يمكن ان يستدلّ علی جواز الموسيقی في الجملة بما جاء في ربيع الابرار للزمخشري:
انه لمّا بلغ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثنية الوداع(4) استقبلته الجواري يضربن بالدفوف ويغنّين:
طلع البدر علينا*** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا*** ما دعا لله داع(5)
ص: 92
فلو ثبت هذا الحديث فيدلّ علی جواز الموسيقی في الجملة وذلك لتقرير ه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث لم ينكر عليهنّ ذلك.
1- في هذا الوجه نبيّن ان ما هو المحرّم من الموسيقی ما يصدّ عن ذكر الله تعالی ويجرّأ العبد علی معصيته سبحانه. ولبيان المقصود نتلوا عليك آيات من الكتاب الكريم:
- قال تعالی: ذرهم يأكلوا ويتمتّعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون(1).
- وقال تعالی: الهاكم التكاثر حتّی زرتم المقابر كلاّ سوف تعلمون(2) .
- وقال تعالی: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم(3).
- وقال تعالی: يا ايّها الذين امنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون (4).
ص: 93
- وقال تعالی: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله واقام الصلاة وايتاء الزكوة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والابصار(1) .
واذا نظرت الی هذه الآيات المباركات تری الادانة البالغة للذين يتغافلون عن الله سبحانه وعن الاخرة ويلهون بالدنيا وزخارفها من الاموال والاولاد وتلههم الآمال المغرية والاوهام الفارغة والاساطير الكاذبة والاحاديث المضلّة كما نری الاهتمام البالغ والاكيد في ان يكون الانسان ذاكراً لله سبحانه وتعالی ومطيعاً ومنقاداً له وممتثلاً لاحكامه جلّ وعلا.
ومن ناحية اخری فقد جاء في الحديث الشريف عن علي (علیه السلام) قال: كل ما ألهی عن ذكر الله فهو من الميسر(2) .
ومن ناحية ثالثة قد رأيتَ في روايات كثيرة من اطلاق كلمة اللهو والملاهي علی آلات الموسيقي- الدّف والطنبور والمزمار- بل جاء في حديث شرائع الدين عن جعفر بن محمد عليهما السلام والكبائر محرّمة وهي الشرك بالله ....... والملاهي التي تصدّ عن ذكر الله تبارك وتعالی مكروهة كالغناء وضرب الاوتار والاصرار علی صغائر الذنوب(3) .
بعد هذا فارجع البصر الی الآيات المباركات والی الروايات التي دلّت علی حرمة الموسيقی ولا سيّما ما جاء فيها عنوان اللهو والملاهي فتری ان حرمة
ص: 94
الموسيقی ليست الّا نتيجة ان هذه الآلات والادوات اصبحت وسيلة لابتعاد العبد عن الله تعالی وسبباً لجرأته علی المولی سبحانه وصدّاً عن ذكر الله جلّ وعلا، فاذا كان كذلك فلا فرق بين آلات الموسيقی وبين غيرها من التجارة والبيع والاولاد والاموال لما في كلها قابليّة صيرورتها صدّاً ومانعاً عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة كما صرّح بذلك الكتاب الكريم. ثم ارجع البصر كرّتين هل تری فيما ذكرناه فطوراً؟ هلمّ معي لكي نقرأ آية اخری من كتاب الله لكي نهتدي الی الرشد بنوره ونلقي الضوء علی المقصود اكثر فاكثر فقد قال تعالی: قل ان كان اباءكم وابناءكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احبّ اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّی يأتي الله بامره والله لا يهدي القوم الفاسقين(1)
فالنتيجة علی ضوء ما ذكرناه ان الموسيقی التي تكون موجبة لمعصية الله سبحانه وتعالی فهي محرّمة قطعاً لانها هي اللهو حقيقة ومن الملاهي التي تصدّ عن ذكر الله تعالی نظير ما قلناه في الغناء ومن المناسب ان نذكر في هذا المجال ما يؤيد موقفنا في مسئلة الغناء (وقد فاتنا في موضعه) وهو ما جاء في التفسير المنسوب الی الامام العسكري(علیه السلام) :
قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) .......... من تعاطی باباً من الشر والمعاصي في اوّل يوم من شعبان فقد تعلّق بغصن مناغصان شجرة الزقّوم فهو
ص: 95
مؤديه الی النار فمن وقع في عرض اخيه المؤمن وحمل الناس علی ذلك فقد تعلّق بغصن منه ومن تغنّی بغناء حرام يبعث فيه علی المعاصي فقد تعلّق بغصن منه، الحديث(1) ...
ص: 96
الحلقة العشرون
لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي أوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض جاسوسية واستعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهار انحرافات الشيخية حتی تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم اوكتب الغلاة. المجلة
المسأله الرابعة عشرة: «الأنبياء شيعة لعلي (علیه السلام) »
قال (الميرزا موسی الاحقاقي) : «فاطلاق الشيعة أولّا وحقيقة علی الأنبياء لأنهم خلقوا بلا واسطة من شعاع الحقيقة المحمدية، وإطلاقها علی المؤمنين من الرعية مجاز ، إذ اطلاقها عليهم بواسطة أنهم خلقوا من شعاع من خلقوا من شعاع نور الحقيقة، فهم حقيقة: شيعة الشيعة.
ص: 97
وتشهد لذلك الآية الشريفة: { وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ }(1) أن رجعنا الضمير إلی علي (علیه السلام) لا نوح، وهو الحق والصواب . . »، وقد استدل الميرزا ببعض الروايات الضعيفة، إلی أن قال : ومما يدل علی أن إبراهيم (علیه السلام) في جميع الأنبياء والمرسلين من شيعة أهل البيت ما روي عن الصادق (علیه السلام) أنه قال: « ليس إلا الله ورسوله ونحن وشيعتنا والباقي في النار» . بل يظهر من بعض الأخبار أنه لايجوز إطلاق لفظ الشيعة علی غير الأنبياء والرسل من دائرة الرعية. وبالجملة فالأخبار في النهي عن التسمي باسم الشيعة لغير دائرة الأنبياءالمعصومين، وغيرهم مشكوك فيه»(2) .
فالميرزا الاحقاقي، وكذلك الشيخ أحمد الاحسائي، والسيد كاظم الرشتي ومن تبعهم من الشيخية في اعتقاد (الميرزا) خارجون عن التشيع، لأن الأخبار المستفيضة عنده تنهی عن التسمّي باسم الشيعة لغير الأنبياء. وغيرهم مشكوك في دخولهم في دائرة الشيعة . فالشيعة في الحقيقة هم الأنبياء لأنهم خلقوا بلا واسطة من شعاع الحقيقة المحمدية المزعومة، وإطلاقها علی المؤمنين من الرعية مجاز. وقد عبّر (الميرزا) عن ذلك بقوله: «إنهم (أي الرعية) خلقوا من شعاع من خلقوا من شعاع نور الحقيقة» . فالأنبياء واسطة بين الحقيقة المحمدية وبين الرعية. فالميرزا جعل واسطتين في الخلق، ولم يكتف باالواسطة الواحدة. ففي بعض تعبيراته يجعل الحقيقة المحمدية هي آلة
ص: 98
وواسطة في الخلق والإيجاز، وهي العلة المادية والفاعلية والصورية والغائية لجميع الخلائق، نراه هنا جعل وسائط متعددة في الخلق والإيجاد، وهذا في غاية الخروج عن الحد، وهل يعقل أن يكون الأنبياء عليهم السلام شيعة وتابعين لعلي(علیه السلام) لولا قول (الميرزا) بوجود الأئمة بذواتهم قبل خلق الخلق حتی تصح المتابعة، قال الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية: «الشيعة الجماعة التابعة لرئيس لهم وصار بالعرف عبارة عن شيعة علي بن ابي طالب(علیه السلام) الذين كانوا معه علی أعدائه وبعده مع من قام مقامه من أبنائه»(1) .
وجاء في التفسير الآية:{ وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ }(2) أي وإن من شيعة نوح إبراهيم، يعنيأنه علی منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق»(3) ولكن الميرزا يذهب إلی خلاف ذلك لصريح القرآن بأن الخالق هو الله تعالی لا الحقيقة المحمدية. قال تعالی: { هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً }(4) . وقال تعالی: {وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَابّةٍ مَن مَاءٍ فَمِنْهُم مَن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ}(5) .ولم يقل أنهم خلقوا من شعاع الحقيقة المحمدية، بل قال من (ماء) . وقال تعالی :
ص: 99
{ وَاللّهُ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً }(1) . إلی كثير من الآيات التي توضح المراد، وأن الإنسان مخلوق من طين، وليس في الآيات إشارة إلی الحقيقة المحمدية (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، أو أن الله خلق الإنسان من شعاع الحقيقة المحمدية.والله تعالی ليس بعاجز علی أن يذكر ذلك في كتابه حتی يأتينا الشيخ أحمد الاحسائي ومن بعده تلامذته وأتباعه ليقولوا لنا هذا القول المشين من أن الأنبياء خلقوا بلا واسطة من شعاع الحقيقة المحمدية، وأما الرعية، فخلقوا من شعاع من خلقوا من شعاع الحقيقة المحمدية بهذه الوسائط، وكل ذلك فساده واضح لمخالفته للضرورة العقلية وما عليه جميع المسلمين بالإضافة لما ورد في كتاب الله سبحانه.
ص: 100
العدد السادس
تتمة البحث
حول عودة المسيح مع الإمام المهدي عليهما السلام
وبطلان مزاعم اليهود
1- ...
2- وفي رسالة (بولس الرسول) الأولى الى (تيموثاوس) في الإصحاح السادس عن ظهور المسيح عليه السلام ما نصه:
«أوصيك أمام الله أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم الى ظهور ربنا يسوع المسيح..».
هذا المسيح عليه السلام سيظهر بحكم كتب الإنجيل، فهل تبقى معه دولة اليهود شانئيه ومنكريه؟ وهل يكون ظهوره إلا مع صاحب الزمان الإمام المهدي عليه السلام الذي بشّرت به الأحاديث الإسلامية؟ ومع هذا التصريح كيف خُدع المسيحيون بدعاية اليهود؛ فحسبوا أنه ستقوم لهم دولة في فلسطين.
ص: 101
وكلمة (ربّنا) هنا؛ من التحريف الوارد في الإنجيل، أو سوء الترجمة.
1- وفي إنجيل (متى) في الإصحاح الخامس والعشرين ما نصه:
«ومتى جاء (إبن الإنسان) في مجده وجميع الملائكة القدّيسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب؛ فيميّز بعضهم من بعض، كما يُميّز الراعي الخراف من الجداء...».
ذكرفي هذا الإصحاح انقياد الشعوب كلها لابن الإنسان، وهل إبن الإنسان إلا صاحب الزمان الإمام المهدي عليه السلام الذي يأتي معه المسيح عليه السلام؟.
وقد يزعم بعض المسيحيين إن المراد من (إبن الإنسان) المسيح عليه السلام نفسه، ويردّهم؛ قولهم في المسيح عليه السلام إنه (إبن الله) فكيف يكون إبن الإنسان؟ ولو كان التعبير عن المسيح (إبن الله) من الأغلاط الواضحة... وهب أنا صدّقناهم في ذلك فهل الملائكة الذين يأتون مع إبن الإنسان هم شُذّاذ الأفاق من اليهود الذين اجتمعوا الآن في فلسطين؟ وهل الشعوب التي تنقاد لابن الإنسان هم أولئك اليهود الذين يمدّون يد السؤال والإستجداء الى الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم؛ يطلبون منهم المال والسلاح؟... كلا ليس ذلك إلا كما جاء في الأحاديث الإسلامية؛ من انقياد جميع الشعوب الى الإمام المهدي صاحب الزمان عليه السلام ومعه المسيح عليه السلام؛ فيحكم بالعدل وتستريح بظهوره جميع الأمم.
وفي هذا الإصحاح عبارات تصرّح بذلك، ولكن المسيحيين ليس لهم إلمام
ص: 102
كامل بكتب العهدين فخُدعوا بمكر اليهود ودعاياتهم الباطلة الضالة.
1- وفي رسالة (بولس الرسول) الثانية الى أهل (تسالونيكي) في الإصحاح الأول منها ما نصه:
«متى جاء ليتمجد في قدّيسيه، ويتعجب منه جميع المؤمنين...».
وهذه العبارة صريحة في أن المسيح عليه السلام لا يأتي وحده، وإنما يأتي مع قدّيسيه، ويعجب جميع المؤمنين. وليس ذلك إلا ما جاء في الآثار الإسلامية؛ من ظهور الإمام المهدي عليه السلام ورجال الغيب وجيوش المؤمنين. ومع صراحة هذه الجملة كيف تُسيطر الغباوة على بعض المسيحيين؛ فيسخّّرهم اليهود لتكوين دولة يهودية عدوّة للمسيح عليه السلام وجميع المؤمنين.
2- وفي (المزمور) التاسع من مزامير داود ما نصه:
«ثبت للقضاء كرسيه وهو يقضي للمسكونة بالعدل يدين الشعوب بالإستقامة...».
ترى في هذه الجملة ذكر دولة آخر الزمان؛ إنها تحكم بالعدل في جميع المسكونة ولجميع الشعوب بالإستقامة، وهذا عين ما جاء في الأحاديث الإسلامية من أن الإمام المهدي عليه السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً. فكيف اتخذ اليهود من هذه الجملة دعاية لدويلة قائمة بغيرها ضاقت أنفاسها في بقعة صغيرة من فلسطين؟ وسرعان ما تبيد إذا انتهت أغراض سياسة الغربيين أو الشرقيين في إقامتها. مع أن هذا الإصحاح نفسه
ص: 103
صرّح قبل ذكر دولة العدل أن الأشرار تبيد دولتهم الى الأبد، ومن هم الأشرار؟ أليسوا هم الذين أنكروا المسيح ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما؟.
وجاء في الإصحاح التاسع من كتاب (أشعياء) عن الدولة المنتظرة ما نصّه:
«لأن كل سلاح المتسلّح في الوغى، وكل رداء مدحرج في الدماء يكون للحريق مأكلاً للنار...رئيس السلام؛ لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته؛ لينبتها ويعضدها بالحق والبرّ من الآن الى الأبد،غيرة رب ّالجنود تصنع هذا...».
لقد حكمت هذه الجمل بأن سلاح الحرب سيضمحلّ عند ظهور هذه الدولة. وإن رئيسها رئيس السلام، وأنه يعضدها بالحق والبرّ الى الأبد. وليس هذا إلا ما جاء في أحاديث الإسلام عن وصف دولة الإمام المهدي عليه السلام التي تُباينها هذه الدويلة اليهودية الصغيرة التي أنشئت في فلسطين لأغراض سياسية وهي تطلب السلاح من هنا ومن هناك؛ لتُبيد من حولها، وتحكم بالجور والشرّ، وتقوم قيامة أفرادها ورئيسها إذا منع تصدير السلاح إليها، أهذا هو رئيس السلام الذي يعضد دولته بالحق والبرّ؟.
وأما ما جاء فيه من (كرسي داود ومملكته) فهو مبني على ما ذكرناه من أن كتب التوراة قد تُعبّر عن الأرض كلها بمملكة داود، ولو كان المراد فلسطين وحدها؛ لكان مخالفاً لما جاء من انقياد جميع الشعوب الى تلك الدولة. وما هي إلا دولة الإمام المهدي عليه السلام ومعه المسيح. وجميع كتب التوراة
ص: 104
مصرحة بمثل ما جاء في المزامير وكتاب أشعياء. فكيف خدع اليهود أنفسهم وانخدع لهم غيرهم بهذه الدويلة الشريرة المحصورة التي وضعها اليهود موضع؛ دولة العدل والحق التي تشمل الأرض كلها ويسعد بها جميع البشر؟.
ولئن لم يؤمن اليهود بما جاء في كتبهم فلا عجب إذ أن من صفاتهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وكلما جاءهم رسول بما لاتهوى أنفسهم استكبروا ففريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون.
وإنما العجب من بعض المسيحيين الذين صاروا أُلعوبة بأيدي اليهود؛ فأعانوهم على شرّهم؟. وقد جاء في كتب الإنجيل ما يمنع عن تصديق اليهود في مزاعمهم ومدّعياتهم عن دولة آخر الزمان.
قال في الإصحاح الثاني من رؤيا (يوحنّا) اللاهوتي ما نصه:
«وإنما الذي عندكم تمسكوا به الى أن أجيء، ومن يغلب ويحفظ أعمالي الى النهاية؛ فسأعطيه سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد كما تُكسر آنية من خزف. كما أخذت أنا أيضاً من عند أبي، وأعطيه كوكب الصبح... من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس...».
فقد ذكرت هذه الجمل مع غض النظر عن سوء الترجمة والتحريف؛ أن السلطان في آخر الزمان إنما يكون للذي يحفظ عهد المسيح ويستمع له، وليس هو إلا نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، وأوصياؤه، والإمامالمهدي صلوات الله عليهم أجمعين. لا اليهود الذين خانوا عهد المسيح عليه
ص: 105
السلام وصلبوه بزعمهم واتهموه وأمّه بما برأه وأمّه القرآن الكريم والإسلام منه.
ومملكة داود هي التي ورثها الإسلام؛ لأن مملكة داود ليست من الآجر والجص، إنما هي النبوّة التي خُتمت بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وستظهر دولتها وتبقى الى أبد الدهر كما قال تعالى في سورة الأنبياء:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء/105.
لا اليهود المفسدون الظالمون، وقد قال تعالى في سورة البقرة عن إبراهيم عليه السلام:
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/124.
وإن غاية البلاهة أن يصدق مسيحي يهودياً في دعواه عن دولة آخر الزمان إنها: (الصهيونية) وأشد بلاهة منهم - تبلغ حد الجنون - أن ينكر مسلم دولة الإمام المهدي عليه السلام مع هذه الآثار ومتواتر الأخبار.
1- وفي كتاب أشعياء في الإصحاح الثالث والثلاثين؛ مما يبطل مزاعم اليهود شيء كثير من أوصاف الإمام المهدي المنتظر عليه السلام التي جاءت في الاحاديث الإسلامية ما نصه:
«السالك بالحق، والمتكلم بالإستقامة، الراذل مكسب المظالم، النافض يده من قبض الرشوة، الذي يسد أذنيه عن سمع الدماء، ويغمض عينيه عن النظرالى الشرّ؛ هو في الأعالي يسكن، حصون الصخور ملجأه، يعطى خبزه ومياهه
ص: 106
مأمونة، الملك ببهائه تنظر عيناك...».
أترى هذه الصفات تنطبق على دويلة اليهود الصهيونية وليدة المكر السياسي؟؟.
كلا! ماهي إلا صفات نبي أو وصي نبي، فليذهب الصهيونيون أين شاءوا وليبثوا دعاياتهم كيف أرادوا، فالتوراة نفسها تكذبهم، وكذلك الإنجيل والقرآن الكريم.
وقد جاءت هذه الصفات في كتاب أشعياء عند ذكر الزلزال والبلبال في آخر الزمان. ولا شك أنا لو عثرنا على النسخة التي اكتشفت هذه الأيام من كتاب أشعياء ويرجع عهد كتابتها قبل المسيح بقرنين؛ لوجدناها أكثر صراحة في ذكر صفات الإمام المهدي عليه السلام، وتكذيب اليهود، وتفنيد مزاعمهم الباطلة، وإن كان في الموجود بين أيدينا كفاية.
1- وفي إنجيل متى في الإصحاح الخامس والعشرين ما نصه:
«لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها إبن الإنسان».
وهذا يشبه ما جاء في الأحاديث الإسلامية عن ظهور الإمام المهدي عليه السلام، واليوم الذي يظهر فيه، وأنه لا يعلمه إلا الله وقد شاع في تلك الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كذب الوقّاتون، وهم الذين يُحددون وقتاً وزمناً لظهور الإمام المهدي عليه السلام.فماذا يقول المسيحيون واليهود في هذه الجملة هل تنطبق على غير الإمام
ص: 107
المهدي عليه السلام..؟.
وفي كتب العهدين موارد كثيرة جداً تكذّب اليهود في مدعياتهم ولا تنطبق إلا على ظهور الإمام المهدي ومعه المسيح عليهما السلام، وأناس آخرون من الأبرار والصديقين. ونحن ننقلها هنا خالية من التعليق ونكل تدبرها والتعليق عليها الى فهم القاريء ونباهته وإنصافه.
1- وفي إنجيل (لوقا) في الإصحاح الحادي والعشرين ذكر علامات ظهور الإمام المهدي والمسيح عليهما السلام؛ بمثّل ما جاء في الأحاديث الإسلامية التي مرّ بعضها، قال:
«وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وعلى الأرض كرب أمم بحيرة، البحر والأمواج تضج، والناس يُغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة؛ لأن قوّات السماوات تتزعزع، وحينئذ يُبصرون؛ (إبن الإنسان) آتياً في سحابة بقوّة ومجد كثير، ومتى ابتدأت هذه تكون، فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم؛ لإن نجاتكم تقترب... متى رأيتم هذه الأشياء صائرة؛ فاعلموا أن ملكوت الله قريب... لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض، إسهروا إذاً وتضرّعوا في كل حين لكي تُحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون، وتقفوا قُدام (إبن الإنسان)».
2- وفي (رسالة بولس) الأولى الى أهل (تسالونيكي) في الإصحاح الرابع جاء ذكر (الرجعة) صريحاً بما نصه:«والأموات في المسيح سيقومون أولاً».
ص: 108
1- وفي الرسالة الثانية الى أهل (تسالونيكي) في الإصحاح الأول ذكر هلاك اليهود الى الأبد، وتكذيب مدّعياتهم في قيام دولة لهم؛ بما نصه في رجوع المسيح عليه السلام:
«معطياً نقمة للذين لايعرفون الله، والذين لايطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح، الذين سيُعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوّته».
2- وفي إنجيل متى في الإصحاح الرابع والعشرين؛ ذكر علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام التي مرّ ذكر بعضها في الأحاديث الإسلامية وكتب العهدين، قال ما نصه:
«لايُترك ها هنا حجر على حجر لاينقض ... فإن كثيرين سيأتون بإسمي قائلين أنا هو المسيح ويُضلون كثيرين».
ودعوة الأحمدية والقاديانية والبهائية والشيخية؛ مشمولة لهذا القول. وفي الأحاديث الإسلامية ورد أنه يظهر قبل الإمام المهدي عليه السلام سبعون كذّاباً.
الى أن قال:
«وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب... لأنه تقوم أمّة ومملكة على مملكة، وتكون مجاعات وأوبئة، وزلزال في أماكن... ويقوم أنبياء كذبة كثيرون، ويُضلون كثيرين... وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام. لأنهيكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم الى الآن ولن يكون... لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر الى المغارب؛ هكذا يكون أيضاً
ص: 109
مجيء (إبن الإنسان)... وحينئذ تظهر علامات (إبن الإنسان) في السماء، وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون (إبن الإنسان) آتياً على سحاب السماء بقوّة ومجد كثير».
لاشك إن السحاب حامل (إبن الإنسان): هو الإمام المهدي ومعه المسيح عليهما السلام؛ مجده كثير دونه مجد الطائرات مهما بلغت.
الى أن قال: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة؛ فلا يعلم بها أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده».
ولفظ أبي من التحريف أو سوء الترجمة؛ والمراد به الله جلّ اسمه وتعالى.
الى أن قال: «وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضاً مجيء إبن الإنسان».
إشارة الى طول عمر المسيح والإمام المهدي عليهما السلام.
الى أن قال: «كذلك يكون مجيء (إبن الإنسان) - الى أن قال -: لذلك كونوا انتم أيضاً مستعدّين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي (إبن الإنسان)... ولكن إن قال ذلك العبد الرديء في قلبه: سيدي يُبطئ قدومه... يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره، وفي ساعة لا يعرفها؛ فيقطعه ويجعل نصيبه مع المرائين؛ هناك يكون البكاء وصرير الأسنان..».
وما جاء في العبارة الأخيرة راجع الى منكري ظهور الإمام المهدي ومجيءالمسيح عليهما السلام؛ لأنهم استبطأوا قدومهما.
1- وفي رسالة(بولس الرسول) الأولى الى أهل( تسالونيكي) في
ص: 110
الاصحاح الثالث؛ ذكر مجيء المسيح مع قديسين. والقديسون هم الإمام المهدي عليه السلام ورجال الغيب معه، وإن كان في عبارته سوء ترجمة في التعبير عن المسيح بلفظ ( الربّ) على أسلوب (العهد الجديد) ونص عبارته:
«في مجيء ربنا يسوع مع جميع قديسه».
وكلمتنا الأخيرة التي نقولها عن كتب (العهدين) انها ابدت كثير الاهتمام، وأشارت في أكثر الأ مور، وألمحت في أهم المواضيع؛ الى ظهور الإمام المهدي عليه السلام، ولم تخف تلك على الباحث الفطن اللبيب العارف بما ترمز إليه في إشاراتها وتلميحاتها هذه الكتب، وإن مشت عليها كف التحريف والتغيير في بعضها، وسوء الترجمة وعدم فهم معانيها في بعضها الآخر.
ص: 111
افتى أحمد بن حنبل بأنّه إذا ادعى اثنان ولدا فإن لم يكن لأحدهما بينه، أو كان لكل منهما بينه تعارض الأخرى، فهنا يعرض على القافة فإن ألحقه القافة بأحدهما لحق به، وإن ألحقوه بالاثنين لحق بهما، فيرثانه جميعا ميراث أب واحد، ويرثهما ميراث ابن.(1)
وكذا لو ادّعاه أكثر من اثنين، فألحقه القافة بهم.(2)
قلت: بهذه الفتوى يكون له أبوان أو ثلاثه آباء أو أكثر، مع أن المقطوع به أنه ابن لواحد فقط، ثم إن مسأله الميراث الأمر فيها سهل، ولكن إلى من ينتسب هذا المولود، فإن الانتساب إلى أكثر من واحد لا يتأتى.
قال ابن حزم: لا يجوز أن يكون ولد واحد ابن رجلين، ولا ابن امرأتين.(3)
لبن البهيمة ينشر الحرمة ويوجب الأخوة
ص: 112
وأفتى محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح بأن لبن البهيمة ينشر الحرمة، فلو شرب اثنان أو أكثر من لبن شاة واحدة صاروا إخوة أو أخوات من الرضاعة.قال السرخسي في المبسوط: ولو أن صبيين شربا من لبن شاة أو بقرة لم تثبت به حرمة الرضاع، لأن الرضاع معتبر بالنسب، وكما لا يتحقق النسب بين آدمي وبين البهائم فكذلك لا تثبت حرمة الرضاع بشرب لبن البهائم.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري صاحب التاريخ رضي الله عنه يقول: تثبت الحرمة.
هذه المسأله كانت سبب إخراجه من بخارا، فإنه قدم بخارا في زمن أبى حفص الكبير رحمه الله، وجعل يفتي فنهاه أبو حفص رحمه الله، وقال: لست بأهل له.
فلم ينته، حتى سئل عن هذه المسأله فأفتى بالحرمة، فاجتمع الناس وأخرجوه(1).
إباحه الغناء
إباحه الغناء: فأباحه أكثر أهل الحجاز، واستدل من استباح الغناء بما روى عن النبي أنه مر بجاريه لحسان بن ثابت تغني فقال رسول الله: لا حرج، إن شاء اللّه. وروى الزهرى عن عروه عن عائشه قالت: كانت عندى جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول اللّه! فقال رسول
ص: 113
اللّه: دعهما فإنها أيام عيد. وقال عمر: الغناء زاد المسافر. وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل. ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه وهم في عصر الصحابه واجلة الفقهاء فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونه منه،كالذي حكى أن عبد الله بن جعفر كان منقطعا إليه ومكثرا منه، فبلغ ذلك معاويه فقال لعمرو بن العاص: قم بنا إليه، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه يغنين فأمرهن بالسكوت، فقال معاويه: يا عبد الله مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن يغنين، فطرب معاويه حتى حرك رجليه على السرير. فقال عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالا منك، فقال معاويه: إليك عنى يا عمرو فإن الكريم طروب(1).
السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعد معصية
وأفتى ابن تيميه أن إنشاء السفر لزياره النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير جائز، ويعد معصية. وقد وصف زيارته صلى الله عليه وآله وسلم بأنها غير واجبة باتفاق المسلمين، بل ولم يشرع السفر إليها، بل هو منهي عنه.(2)
اباحة لحم الضبع ووبره
السؤال: ما حكم أكل الضبع والوبر؟ الإجابة: الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
ص: 114
أجمعين، وبعد:
الضبع أكله جائز ولا بأس به لما روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار قال: "قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم،قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم"، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل فيه فدية إذا قتله المحرم فدل على أنه صيد، والضبع وإن كان له ناب إلا أنه لا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، فيكون مستثنى مما له ناب من السباع. وأما أكل الوبر فهذا أيضاً جائز ولا بأس به وأن الأصل في ذلك الحل ولأنه ليس له ناب يفترس به، والله أعلم. مفتي: الشيخ خالد بن علي المشيقح
اباحةالاستمناء للمرأة
ما قضية الأكرنبج و الاستدخال؟! ابن القيم الجوزية يخبركم قائلاً: (و إن كانت امراة لا زوج لها و اشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا يجوز لها اتخاذ الاكرنبج – و هو شيء يعمل من جلود علی صورة الذكر- فستدخله المرأة، أو ما أشبه ذلك من قثاء و قرع صغار ...) (1).
دوران الشمس حول الارض وثبات الارض
ص: 115
الادلة النقلية و الحسية علی جريان الشمس و سكون الارض و امكان الصعود الی الكواكب(1).تجسم الذات الالهية المقدسة
كتبت الهيأة العالية للافتاء السعودية: «من اعتقد أنّ اللّه في كلّ مكان فهو من الحلوليّة، ويردّ عليه بماتقدّم من الأدلّة على أنّ اللّه في جهة العلوّ، وأنّه مستو على عرشه، بائن من خلقه، فإن انقاد لما دلّ عليه الكتاب والسنّة والإجماع، وإلاّ فهو كافر مرتدّ عن الإسلام». حرمة السجود علی التربة
افتی صالح فوزان عضو هيئة الإفتاء السعودية: «السجود على التربة المسمّاة تربة الوليّ إن كان المقصود منه التبرّك بهذه التربة والتقرّب إلى الوليّ، فهذا شرك أكبر، وإن كان المقصود التقرّب إلى اللّه مع إعتقاد فضيلة هذه التربة و أنّ في السجود عليها فضيلة، كالفضيلة التي جعلها اللّه في الأرض المقدسّة في المسجد الحرام، والمسجد النبويّ، و المسجد الأقصى، فهذا إبتداع في الدين(2).
ص: 116
العدد الخامس عشر
الجواب عن الدهريّة
و محصّل الجواب عن الدهريّة، أوّلا: منع الصدفة و أنّها محال؛ و ثانيا: منع الشّهادة في الشاهدين، و أنّهم إنّما توهّموا منها الشهادة لما خفي عليهم وجه الحكمة فيهما، فزعموا أنّ لا حكمة فيها و لا غرض، فحسبوا أنّها بالاتّفاق و العرض. و امّا لو فرض لها حكمة و غرض، فلا مانع عن انتسابها الى المدبّر الحكيم، إذ لا يلزم منهما إذن نقض للغرض.
الآفات و المصائب و سلب النعمة يدل أيضا على المدبر الحكيم، لا على الاتفاق
و امّا تفصيل الجواب: فهو كما قلت: و الدفع أنّ كلّ ذي تطوّر تعرض عليه أطوار مختلفة: فطورا يحدث، و طورا يفنى، و طورا ينمو، و طورا يقف، و طورا ينكس، و طورا يشبّ، و طورا يشبّ؛ و هكذا يهدي بنفسه من اجل عروض هذه التطوّرات الّتي هي آية الحدوث إلى الفاعل و المدبّر. و الخرق
ص: 117
و الآفات أيضا في نفسهما فعل آخر قد طرى، دلّ على أنّ له مقدّرا، اذ لا يحدث الفعل بغير فاعل، و لا التدابير من طور الى طور بغير عامل، و لا يعقل تأثّر بلا مؤثّر، و لا تغيّر بلا مغيّر، و هذا واضح في العقل لا شبهة فيه، فلابصدفة حدوث عارض، و لا انتقاضة بغير ناقض، بل الشي ء الحادث يفتقر حدوثا و بقاء الى محدث و مبق، و في زواله و تغيّره الى مزيل و مغيّر.
اختفاء السبب لا يدلّ على عدم المسبب
و الاتّفاق الّذي قد يكون على خلاف العادة، حادث أيضا عن سبب و إن يكن قد يختفي السبب على الغبيّ الجاهل بالأسباب؛ فيحسب أنّه من غير سبب هب أنّه
بل كلّ ما في الكون ذو انتساق*** و إنّما الخرق بالاتّفاق
و الاتّفاق خارق الطبيعة*** لا خارق الشي ء إلى الصنيعة
لو أنّ دولابا تراه تتّثق*** بأنّه بنفسه لم يتّفق
فكيف بده العالم الكبير*** كان بلا عمد و لا تدبير؟
و أصل هذا المنكر العجاب*** الجهل بالحكمة و الأسباب
و إنّهم في هذه الدنيّة*** توقعوا معيشة هنيّة
من غير محنة و لا ابتلاء*** و لا عقوبة على اجتراء
و أن يعافوا دائما من كلّ شرّ*** و لا يصيبهم أذى و لا ضرر
ص: 118
و إذ رأوا خلاف ما هم أمّلوا*** تعلّلوا بأنّهم قد اهملوا
و لم تصل أحلامهم إلى الحكم*** فانكروا الربّ و تاهوا في الظلم
فآل أمرهم الى الرأي الأضلّ*** بأنّ الأشياء كلّها من الأزل
يمكن الاتّفاق من غير سبب، لكنّه إنّما يصحّ ان يصار إليه في الشي ء الّذي حدث احيانا و فيما اتّفق اختراق على خلاف العادة المستمرّة لا في الأشياء الّتي قامت على نظام و نسق واحد، يجري نظامها على الدوام و التوالي؛ كاللّيل و النّهار و الأفلاك، و كلّ ما يجري متّسقا بلا انفكاك، كالطبائع العنصريّة للعناصر، و الحركات و الآثار الكواكب و الصور النوعيّة النباتيّة و الحيوانيّة و الإنسانيّة.
بل عند التحقيق، كلّ ما في الكون ذو انتساق، لا يجري فيه الاتّفاق و لا تصدق عليه الصدفة. و إنّما الخرق للعادات يكون بالاتّفاق، و الاتّفاق لو صحّ و كان، فإنّما هو خارق الطبيعة و ناقضها، لا خارق الشي ء من العدم إلى الصنيعة، و كيف يمكن فرض الاتّفاق و هو وقوع الشي ء في بعض الأحيان لهذا العالم الكبير بما فيه؟ فيقال: إنّه بجميع ما فيه صار موجودا بنحو الاتّفاق و من غير سبب، و كيف يرضى عاقل من نفسه بأن يحكم عليه بأنّه اتّفاقيّ و لو أنّ دولابا تراه في مفازة، و هي تتحرّك و تعمل، تتّثق و تطمئنّ بأنّه بنفسه لم يتّفق، فكيف بدء العالم الكبير كان بالاتّفاق من نفسه بلا عمد و لا تدبير؟
ص: 119
منشأ حدوث قول الدهري بأن العالم حادث بالاتفاق و الصدفةو أصل هذا البدع المنكر العجاب و منشأ حدوثه عن اهل الارتياب امران:
الأوّل: الجهل بالحكمة و الأسباب.
و الثاني: إنّهم في هذه الدنيا الدنيّة، توقعوا معيشة هنيّة مرضيّة من غير محنة و لا ابتلاء، و لا عقوبة على الاجتراء منهم على المعاصي؛ و توقّعوا أن يعافوا دائما من كلّ شرّ، و لا يصيبهم ما داموا فيها أذى و لا ضرر؛ و إذ رأوا خلاف ما هم أمّلوا و توقّعوا، تعلّلوا لانكار الربّ و الخروج عن ربقة التكليف الّذي هو الاصل الاوّل في ذلك بأنّهم قد اهملوا و ليس لهم راع و لا مدبّر و لم تصل أحلامهم إلى الحكم المنظورة في هذا الخوارق و الآفات، فانكروا الربّ و تاهوا في الظلم، فعموا و صمّوا، فآل أمرهم الى الرأي الأضلّ؛ لأنه اصل كلّ ضلال و فوق كلّ ضلال، بأنّ الأشياء كلّها من الأزل.
حديث المفضّل
و قد اجاب الصادق (علیه السلام) عنهم بتفصيل بيّنت اجماله، و لكنّى اذكر لك كلامه (علیه السلام) بطوله. قال (علیه السلام):
كلام الصادق (علیه السلام) في ردّ الإهمال، و إثبات الصانع المدبر الحكيم
ص: 120
«يا مفضّل! إنّ الشّكاك جهلوا الاسباب و المعاني في الخلقة، و قصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب و الحكمة، فيما ذرء الباري- جلّ قدسه- و برء من صنوف خلقه في البرّ و البحر و السّهل و الوعر، فخرجوا بقصر علومهم الى الجحود، و بضعف بصائرهم الى التكذيب و العنود، حتّى انكروا خلق الأشياء، و ادّعوا أن كونها بإهمال، لا صنعة فينا و لا تقدير و لا حكمة من مدبّر و لا صانع، تعالى اللّه عمّا يصفون، و قاتلهم اللّه انّى يؤفكون!؟
فهم في ضلالهم و عماهم و تحيّرهم بمنزلة عميان، دخلوا دارا قد بنيت اتقن بناء و احسنه، و فرشت باحسن الفرش و افخره و اعدّ فيها ضروب الأطعمة و الأشربة و الملابس و المآرب الّتي يحتاج إليها و لا يستغنى عنها، و وضع كلّ شي ء من ذلك موضعه على صواب من التقدير و حكمة من التدبير، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا و شمالا، و يطوفون بيوتها ادبارا و اقبالا، محجوبة ابصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار و ما اعدّ فيها و ربّما عثر بعضهم بالشي ء الّذي قد وضع موضعه و اعدّ للحاجة إليه و هو جاهل بالمعنى فيه و لما اعدّ و لما ذا جعل كذلك فتذمّر(1) و تسخّط و ذمّ الدار و بانيها.
فهذه حال هذا الصنف في انكارهم ما انكروا من امر الخلقة و اثبات الصنعة، فإنّهم لما غربت اذهانهم عن معرفة الأسباب و العلل في الأشياء،
ص: 121
صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، و لا يفهمون ما هو عليه من اتقان خلقه و حسن صنعته و صواب تهيئته؛ و ربّما وقف بعضهم على الشي ء لجهل سببه و الأرب فيه، فيسرع الى ذمّه و وصفه بالإحالة و الخطاء؛ كالّذي اقدمت عليه المانيّة الكفرة، و جاهرت به الملحدة المارقة الفجرة و اشباههم من اهل الضلال المعلّلين انفسهم بالمحال ...»(1)
و قال (علیه السلام) أيضا في هذا الحديث:
«... و قد كان من القدماء طائفة انكروا العمد و التدبير في الاشياء و زعموا أنّ كونها بالعرض و الاتّفاق، و كان ممّا احتجّوا به هذه الآفات الّتي تلد على غير مجرى العرف و العادة؛ كالإنسان يولد ناقصا أو زائدا اصبعا، و يكون المولود مشوّها مبدل الخلق، فجعلوا هذا دليلا على أنّ كون الاشياء ليس بعمد و تقدير بل بالعرض، كيفما اتّفق ان يكون؟
و قد كان ارسطاطاليس ردّ عليهم، فقال: إنّ الّذي يكون بالعرض و الاتّفاق، إنّما هو شي ء يأتي في الفرط مرّة مرّة لاعراض تعرض الطبيعة فتزيلها عن سبيلها، و ليس بمنزلة الأمور الطبيعة الجارية على شكل واحد، جريا دائما متتابعا.
ص: 122
و انت يا مفضّل! ترى اصناف الحيوان يجرى اكثر ذلك على مثال و منهاج واحد؛ كالإنسان يولد و له يدان و رجلان و خمس اصابع، كما عليه جمهور من النّاس. فامّا ما يولد على خلاف ذلك فإنّه لعلّه تكون في الرحم، او في المادّة الّتي ينشأ منها الجنين؛ كما يعرف في الصناعات، حين يتعمّد الصانع الصواب
في صنعته فيعوق دون ذلك عائق في الأدات أو في الآلة الّتي يعمل فيها الشي ء؛ فقد يحدث مثل ذلك في اولاد الحيوان للأسباب الّتي وصفنا، فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوّها، و يسلم اكثرها فيأتي سويّا لا علّة فيه.
فكما أنّ الّذي يحدث في بعض الأعمال و الاعراض لعلّة فيه، لا يوجب عليها جميعا الإهمال و عدم الصانع، كذلك ما يحدث على بعض افعال الطبيعيّة لعائق يدخل عليها لا يوجب ان يكون جميعها بالعرض و الاتّفاق، فقول من قال في الاشياء:
إنّ كونها بالعرض و الاتّفاق من قبل أنّ شيئا منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطاء و خطل.
فان قالوا: و لم صار مثل هذا يحدث في الاشياء؟ قيل لهم:
ليعلم أنّه ليس كون الاشياء باضطرار من الطبيعة، و لا يمكن ان يكون سواه؛ كما قال قائلون، بل هو تقدير و عمد من خالق حكيم، اذ جعل الطبيعة تجري
ص: 123
اكثر ذلك على مجرى و منهاج معروف، و يزول احيانا عن ذلك لأعراض تعرض لها، فيستدلّ بذلك على أنّها مصرّفة مدبّرة، فقيرة الى ابداء الخالق و قدرته في بلوغ غاياتها و اتمام عملها. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.»(1)
بيان: قوله (علیه السلام): «و قد كان ارسطاطاليس ...»، ليس الغرض من الاستشهاد بقوله تبجيله و تفخيم شأنه، و لا ايجاب تبعيّته لكونه حجّة، بل المقصود محض اثبات أنّ الأمر بمكان من الوضوح حتّى ردّ عليهم من هو من اهل الفلسفة.
قوله (علیه السلام): «كما يعرف في الصناعات ...»، المقصود من التنظير، محض أنّه قد يقع فيها ما هو على خلاف تعمّد الصانع، لا التنظير من جميع الجهات حتّى من جهة وقوعه من غير التفات الصانع و اختياره.
و قال (علیه السلام) أيضا:
«اعجب يا مفضّل من قوم لا يقضون على صناعة الطبّ بالخطاء و هم يرون الطبيب يخطي، و يقضون على العالم بالإهمال و لا يرون شيئا منه مهملا؛ بل اعجب من اخلاق من ادّعى الحكمة حتّى جهلوا مواضعها في الخلق، فارسلوا ألسنتهم بذمّ الخالق جلّ و علا؛ بل العجب من المخذول الماني، حين ادّعى
ص: 124
علم الاسرار و عمى عن دلائل الحكمة في الخلق، حتّى نسبه الى الخطاء و نسب خالقه الى الجهل، تبارك الحكيم الكريم؛ و اعجب منهم جميعا المعطّلة الّذين راموا ان يدركوا بالحسّ ما لا يدرك بالعقل، فلمّا اعوزهم ذلك، خرجوا الى الجحود و التكذيب، فقالوا: و لم لا يدرك بالعقل؟ قيل: لأنّه فوق مرتبة العقل؛ كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته ...»(1)
و قال (علیه السلام) أيضا: تفكّر في النجوم
«فكّر يا مفضّل في! النّجوم و اختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها و لا تسير إلّا مجتمعة، و بعضها مطلقة تنتقل في البروج و تفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين، احدهما عام مع الفلك نحو المغرب، و الآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق، كالنّملة الّتي تدور على الرحى، فالرّحى تدور ذات اليمين، و النّملة تدور ذات الشّمال، و النّملة في تلك تتحرّك حركتين مختلفتين: إحداهما: بنفسها، فتتوجّه امامها، و الاخرى:
مستكرهة مع الرحى تجذبها الى خلفها، فاسأل الزاعمين أنّ النّجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد و لا صانع لها، ما منعها ان تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها مختلفة؟ فإنّ الإهمال معنى واحد، فكيف صار يأتي
ص: 125
بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير؟ ففي هذا بيان أنّ سير الفريقينعلى ما يسيران عليه بعمد و تدبير و حكمة و تقدير و ليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.
فان قال قائل: و لم صار بعض النجوم راتبا و بعضها منتقلا؟
قلنا: إنّها لو كانت راتبة، بطلت الدلالات الّتي يستدلّ بها من تنقّل المنتقلة، و سيرها في كلّ برج من البروج؛ كما قد يستدلّ على اشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشّمس و النّجوم في منازلها، و لو كانت كلّها منتقلة، لم يكن لمسيرها منازل تعرف و لا رسم يوقف عليه، لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقّلها في البروج الراتب، كما يستدلّ على سير السائر في الأرض بالمنازل الّتي يجتاز عليها و لو كان تنقّلها بحال واحدة، لاختلط نظامها و بطلت المآرب فيها.
و لساغ لقائل ان يقول: إنّ كينونتها على حال واحدة، توجب عليها الإهمال من الجهة الّتي وصفنا، ففي اختلاف سيرها و تصرّفها و ما في ذلك من المآرب و المصلحة، ابين دليل على العهد و التدبير فيها.»(1)
و قال (علیه السلام) أيضا:
تفكّر في الفلك و شمسه و قمره و نجومه ...
ص: 126
«فكّر في هذا الفلك بشمسه و قمره و نجومه و بروجه، تدور على العالم في هذا الدوران الدائم بهذا التقدير و الوزن لما في اختلاف اللّيل و النهار، و هذه الأزمان الاربعة المتوالية على الأرض، و ما عليها من اصناف الحيوان و النّبات من ضروب المصلحة، كالّذي بينت و شخصت لك آنفا، و هل يخفى على ذي لبّ أنّ هذا تقدير مقدّر و صواب و حكمة من مقدّر حكيم؟
فان قال قائل: إنّ هذا شي ء اتّفق ان يكون هكذا، فما يمنعه ان يقول مثل هذا في دولاب يراه يدور، و يسقى حديقة فيهاشجر و نبات، فيرى كلّ شي ء من آلة مقدّرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة و ما فيها، و بم كان يثبت هذا القول لو قاله؟ و ما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه، أ فينكر أن يقول في دولاب خشب مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض أنّه كان بلا صانع و مقدّر، و يقدر أن يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها اذهان البشر لصلاح جميع الارض و ما عليها أنّه شي ء اتّفق ان يكون بلا صنعة و لا تقدير؟ و لو اعتلّ هذا الفلك كما تعتلّ الآلات الّتي تتّخذ للصناعات و غيرها، ايّ شي ء كان عند النّاس من حيلة في اصلاحه؟»(1)
تفكّر في اختلاف الليل و النهار
ص: 127
و قال (علیه السلام) أيضا في اختلاف اللّيل و النّهار و اختلاف السّاعات:
«فكّر في دخول احدهما على الآخر بهذا التدريج و الترسل، فإنّك ترى احدهما ينقص شيئا بعد شي ء، و الآخر يزيد مثل ذلك حتّى ينتهى كلّ واحد منها منتهاه في الزيادة و النقصان، و لو كان دخول إحداهما على الاخرى مفاجاة، لأضرّ ذلك بالأبدان و أسقمها؛ كما أنّ احدكم لو خرج من حمّام حارّ الى موضع البرود، لضرّه ذلك، و اسقم بدنه فلم يجعل اللّه عزّوجلّ هذا الترسّل في الحرّ و البرد إلّا للسّلامة من ضرر المفاجاة؛ و لم جرى الأمر على ما فيه من السّلامة من ضرر المفاجاة لو لا التدبير في ذلك؟
فان زعم زاعم، أنّ هذا الترسّل في دخول الحرّ و البرد، إنّما يكون لإبطاء مسير الشمس في الارتفاع و الانحطاط، سئل عن العلّة في ابطاء مسير الشمس في ارتفاعها و انحطاطها، فان اعتلّ في الإبطاء ببعد ما بين المشرقين، سئل عن العلّة في ذلك، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه الى حيث رقى من هذا القول حتّى استقرّ على العمد و التدبير.»(1)
بيان حكمة المصائب و الآفات و ... في كلام الصادق (علیه السلام) للمفضّل
و قال (علیه السلام) أيضا:
ص: 128
«و انا اشرح لك الآفات الّتي اتّخذها اناس من الجهال ذريعة الى جحود الخالق و الخلق و العمد و التدبير، و ما انكرت المعطّلة و المانويّة من المكاره و المصائب، و ما انكروه من الموت و الفناء، و ما قاله اصحاب الطبائع، و من زعم أنّ كون الاشياء بالعرض و الاتّفاق ليتّسع ذلك القول في ردّهم، قاتلهم اللّه انّى يؤفكون!؟
اتّخذ اناس من الجهال، هذه الآفات في بعض الأزمان كمثل الوباء و اليرقان و البرد و الجراد، ذريعة الى جحود الخلق و التدبير و الخالق.
فيقال في جواب ذلك: إنّه ان لم يكن خالق و مدبّر فلم لا يكون ما هو اكثر من هذا و افظع؟ فمن ذلك ان يسقط السّماء على الارض و تهوى الأرض سفلا و تتخلّف الشّمس عن الطلوع اصلا، و يجف الانهار و العيون حتّى لا يوجد ماء للشّفة، و تركد الريح حتّى تخم (1) الأشياء و فسد و يفيض ماء البحر على الارض فيغرقها.
ثمّ هذه الآفات الّتي ذكرناها من الوباء و الجراد و ما اشبه ذلك ما بالها لا تدوم و تمتدّ حتّى يجتاح (2)
كلّ ما في العالم، بل تحدث في الأحايين ثمّ لا تلبث ان ترفع، أ فلا ترى أنّ العالم يصان و يحفظ من تلك الأحداث الجليلة
ص: 129
الّتي لو حدث عليه شي ء منها لكان فيه بواره و يلدغ احيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب النّاس و تقويمهم. ثمّ لا تدوم هذه الآفات، بل كشفت عنهم عند القنوط، فتكون وقوعها بهم موعظة و كشفها عنهم رحمة.
و قد انكرت المعطّلة ما انكرت المانيّة من المكاره و المصائب الّتي تصيب النّاس، فكلاهما يقولون: ان كان للعالم، خالق، رؤف، رحيم، فلم يحدث فيه هذه الأمور المكروهة.
و القائل بهذا القول، يذهب الى أنّه ينبغي ان يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كلّ كدر. و لو كان هكذا، كان الإنسان سيخرج من الاشر و العتوّ الى ما لا يصلح في دين و دنيا، كالّذي نرى كثيرا من المترفين و من نشاء في الجدة و الأمن يخرجون إليه، حتّى أنّ احدهم ينسى أنّه بشر، أو أنّه مربوب، أو أنّ ضررا يمسّه، أو أنّ مكروها ينزل به، أو أنّه يجب عليه ان يرحم ضعيفا، او يواسى فقيرا، و يرثى لمبتلى، او يتحنّن على ضعيف، او يتعطّف على مكروب، فاذا غصّته (1) المكاره و وجد مضضها، اتّعظ و ابصر كثيرا ممّا كان جهله و غفل عنه، و رجع الى كثير ممّا كان يجب عليه.
و المنكرون لهذه الأمور الموذية، بمنزلة الصبيان الّذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة، و يتسخّطون من المنع من الاطعمة الضارة، و يتكرّهون الأدب و
ص: 130
العمل، او يحبّون ان يتفرّغوا للّهو و البطالة، و ينالوا كلّ مطعم و مشرب، و لا يعرفون ما تؤدّي بهم البطالة، من سوء النّشو و العادة، و ما تعقّبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء و الأسقام و ما لهم في الأدب من الصلاح، و في الأدوية من المنفعة، و ان شاب ذلك بعض الكراهة.»
إلى ان قال (علیه السلام):
[حكمة الآفات و البلايا في الأقوال و الأنفس لأصناف الناس]
«... و قد يتعلّق هؤلاء بالآفات الّتي تصيب النّاس، فتعمّ البرّ و الفاجر، و يبتلى بها البرّ و يسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم و ما الحجة فيه؟
فيقال لهم: إنّ هذه الآفات و ان كانت تنال الصالح و الطالح جميعا، فإنّ اللّه جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما؛
امّا الصالحون: فإنّ الّذي يصيبهم من هذا بردّهم نعم ربّهم في سالف ايّامهم فيحدوهم ذلك على الشكر و الصبر؛و امّا الطالحون: فإنّ مثل هذا اذا نالهم، كسر شرتهم و ردعهم عن المعاصي و الفواحش، و كذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في ذلك؛
ص: 131
امّا الابرار: فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ و الصلاح و يزدادون فيه رغبة و بصيرة؛
اما الفجّار: فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم و تطوّله عليهم بالسلامة من غير استحقاق، فيحضّهم ذلك على الرأفة بالنّاس و الصفح عمّن اساء إليهم.
و لعلّ قائلا يقول: إنّ هذه الآفات الّتي تصيب النّاس في اموالهم، فما قولك فيما يبتلون به في ابدانهم، فيكون فيه تلفهم، كمثل الحرق و الغرق و السّيل و الخسف؟ فيقال لهم: إنّ اللّه جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين:
امّا الأبرار: فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها، و النجاة من مكارهها؛
و امّا الفجّار: فلما لهم من ذلك من تمحيص اوزارهم و حبسهم عن الازدياد منها.
و جملة القول: إنّ الخالق- تعالى ذكره- بحكمته و قدرته قد يصرّف هذه الأمور كلّها الى الخيرة و المنفعة، فكما أنّه اذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة، اخذ الصانع الرفيق و استعملها في ضروب من المنافع، فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات الّتي تنزل بالنّاس في ابدانهم و اموالهم، فيصيرها جميعا الى الخيرة و المنفعة.
ص: 132
فان قال: فلم يحدث على الناس؟ قيل له: لكيلا يركنوا الى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي، و يفتر الصالح عن الاجتهاد في البرّ؛ فانّ هذين الأمرين جميعا، يغلبان على النّاس في حال الخفض و الدعة، و هذه الحوادث الّتي تحدث عليهم تردعهم و تنبّههم على ما فيه رشدهم، فلوأخلوا منهما، لغلوا في الطغيان و المعصية، كما على النّاس في أوّل الزمان، حتّى وجب عليهم البوار بالطّوفان و تطهير الأرض منهم.
و ممّا يعتقده الجاحدون للعمد و التقدير، الموت و الفناء، فإنّهم يذهبون الى أنّه ينبغي ان يكون النّاس مخلّدين في هذه الدنيا، مبرّئين من الآفات، فينبغي إن يساق هذا الأمر الى غايته، فينظر ما محصوله: أ فرأيت لو كان كلّ من دخل العالم و يدخله، يبقون و لا يموت احد منهم، أ لم تكن الأرض تضيق بهم حتّى تعوزهم المساكن و المزارع و المعاش؟ فإنّهم و الموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن و المزارع، حتّى ينشبّ بينهم في ذلك الحروب و يسفك فيهم الدماء، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون و لا يموتون؟ و كان يغلب عليهم الحرص و الشّره و قساوة القلوب، فلو و ثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشي ء ينال، و لا افرج لأحد عن شي ء يسأله، و لا سلا عن شي ء ممّا يحدث عليه، ثمّ كانوا يملّون الحياة و كلّ شي ء من امور الدنيا، كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتّى يتمنّى الموت و الراحة من الدنيا.
ص: 133
فان قالوا: إنّه كان ينبغي ان ترفع عنهم المكاره و الأوصاب حتّى لا يتمنّوا الموت و لا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتوّ و الأشر الحامل على ما فيه فساد الدين و الدنيا.
فان قالوا: إنّه كان ينبغي أن لا يتوالدوا، كيلا تضيق عنهم المساكن و المعاش؟ قيل لهم: إذن، كان يحرم اكثر هذا الخلق دخول العالم و الاستمتاع بنعم اللّه و مواهبه في الدارين جميعا، إذا لم يدخل العالم إلّا قرن واحد لا يتوالدون و لا يتناسلون.
فان قالوا: كان ينبغي ان يخلق في ذلك القرن الواحد من النّاس مثل ما خلق، و يخلق الى انقضاء العالم، يقال لهم: رجع الأمر الى ما ذكرنا من ضيق المساكن و المعاش عنهم؛ ثمّ لو كانوا لا يتوالدون و لا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالاولاد و السّرور بهم، ففي هذا دليل على أنّ كلّ ما تذهب إليه الاوهام سوى ما جرى به التدبير خطاء و سفاه من الرأى و القول.»(1)
و قال (علیه السلام) أيضا:
«و لو كان الإنسان لا يصيبه الم و لا وجع، بم كان يرتدع عن الفواحش و يتواضع للّه و يتعطّف على النّاس؟ أ ما ترى الإنسان اذا عرض له وجع، خضع
ص: 134
و استكان، و رغب الى ربّه في العافية و بسط يديه بالصّدقة؟ و لو كان لا يألم من الضرب، بم كان السلطان يعاقب الذعّار(1) و يذلّ العصاة المردة؟ و بم كان الصبيان يتعلّمون العلوم و الصناعات؟ و بم كان العبيد يذلّون لأربابهم و يذعنون لطاعتهم؟ أ فليس هذا توبيخ لابن ابي العوجاء و ذويه الّذين جحد و التدبير و المانيّة الذين انكروا الألم و الوجع؟»(2)
و قال (علیه السلام) أيضا:
«فان قال قائل: فلم صارت هذه الارض تزلزل؟ قيل له إنّ الزلزلة و ما اشبهها موعظة و ترهيب يرهّب بها النّاس ليرعووا و لينزعوا عن المعاصي، و كذلك ما ينزل بهم من البلاء في ابدانهم و اموالهم يجرى في التدبير على ما فيه صلاحهم و استقامتهم و يدّخر لهم ان صلحوا من الصواب و العوض في الآخرة ما لا يعد له شي ء من امور الدنيا، و ربّما عجل له ذلك في الدنيا، اذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للخاصّة و العامّة.»(3)
و قال (علیه السلام) أيضا:
ص: 135
«فان قال قائل: او ليس يكون منه في بعض السنين، الضرر العظيم الكثير لشدّة ما يقع منه أو برد يكون فيه تحطّم الغلّات،
و بخورة يحدثها في الهواء فيولد كثيرة من الأمراض في الأبدان و الآفات في الغلات؟ قيل: بلى، قد يكون ذلك الفرط لما فيه صلاح الإنسان و كفّه عن ركوب المعاصى و التمادى فيها، فيكون فيما يصلح له من دينه ارجح ممّا عسى ان يزرى في ماله.»(1)
ص: 136