«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
{ بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}
من لايحضره الفقيه 4/405بحار الانوار 46/288
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة السادسة: العدد الحادي والعشرون1392هجري-ة شمسية1435هجري-ة قمري-ة
مدير المجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 1
كلمةالتحرير...3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...4
ميزان المعرفة اية الله السيد جعفر سيدان الخراساني...10
الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...18
الفائزون حجة الاسلام والمسلمين هاشم الكاظمي...35
موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...42
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...44
الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...49
وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...53
ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...60
بحث فقهي حول حرمة الموسيقی اية الله الاشكوري...65
الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...71
هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني...79
مواقف حاسمة للامام السجاد(علیه السلام) اية الله الجلالي...89
اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي...100
قول عمر وابن تيمية بفناءالنار ونقل أهلها إلى الجنة علي الكوراني...104
الولاية التكوينية اية الله السيد كاظم الحائري...108
مناظرة الامام الرضا(علیه السلام)على أرباب الملل و الأديان المتشتتة...114
ص: 2
لماذا هذا اللجاج؟بعد اتضاح الحق من الباطل وتبين الرشد من الغي ووضوح الرؤية الاسلامية من خلال الايات الكثيرة والروايات المتظافرة التي بلغت حد التواتر فلماذا هذا اللجاج والعناد؟خصوصا والمسألة لا يستهان بها لان الامر فيها يدور مدار الكفر والايمان والعقل حاكم فيها بوجوب تحصيل المؤمن ووجوب دفع الضرر ، فيا للعجب ويا للعجب لهذا الانسان كيف يصر علی غيه وضلالته؟
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "(1)
في غاية المرام ، بعد أن ذكر أن المراد من أهل الذكر أهل البيت عليهم السلام ،وأن فيه أحد وعشرون حديثا من طريقنا .(2)
قال : الحديث الأول : محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء ، عن عبد الله بن عجلان ، عن أبي جعفر (علیه السلام) فيقول الله عز وجل : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : الذكر أنا والأئمة عليهم السلام أهل الذكر ، وقوله عز وجل ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون )(3) قال أبو جعفر (علیه السلام) نحن قومه ونحن المسؤولون(4).
الحديث الثاني : عن ابن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد بن أورمة ، عن علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، قال قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " قال :الذكر
ص: 4
محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ونحن المسؤولون ، قال : قلت قوله : وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " قال : إيانا عنى ، ونحن أهل الذكر ،ونحن المسؤولون(1).
الحديث الثالث : ابن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الوشاء قال : قال سألت الرضا (علیه السلام) فقلت له : جعلت فداك" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فقال : نحن أهل الذكر ، ونحن المسؤولون ، قلت: أنتم المسؤولون ، ونحن السائلون ؟ قال نعم ، قلت : حقا علينا أن نسألكم ؟ قال : نعم ، قلت : حقا عليكم أن تجيبونا ؟ قال : لا ، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا ، وإن شئنا لم نفعل ، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى :" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب(2) " (3)وسرد الروايات إلى أن قال :
الثاني عشر : ابن بابويه ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب ، وجعفر بن محمد بن مسرور - رضي الله عنه - قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن الريان بن الصلت ، قال : حضرالرضا (علیه السلام) مجلس المأمون بمرو ، وقد اجتمع إليه في مجلسه من علماءأهل العراق وخراسان ، وذكر الحديث في الفرق بين الآل والأمة ، والحديث المذكور بطوله في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ، وتقدم عن قريب(4)، وذكرالحديث إلى أن
ص: 5
قال فيه الرضا (علیه السلام) : نحن أهل الذكر الذين قال الله تعالى في كتابه : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فاسألوا إن كنتم لا تعلمون ،فقالت العلماء : إنما عنى بذلك اليهود والنصارى ، فقال أبو الحسن (علیه السلام) :سبحان الله ، وهل يجوز ذلك ؟ إذن يدعوننا إلى دينهم ، ويقولون هو أفضل من دين الإسلام ، فقال المأمون : هل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوا ؟
فقال : نعم ، الذكر رسول الله ، ونحن أهله ، وذلك بين في كتاب الله حيث يقول في سورة الطلاق " فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات "(1)
فالذكر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ونحن أهله(2)
هذه جملة من الروايات من طريقنا .وأما من طريق العامة فقد ذكر في غاية المرام ثلاثة أحاديث ، منها ،قال :
الحديث الأول : الثعلبي في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " قال : قال جابر : لما نزلت هذه الآية ، قال علي (علیه السلام) :نحن أهل الذكر(3).
الحديث الثاني : في تفسير يوسف القطان ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن السدي ، قال : كنت عند عمر بن الخطاب إذ أقبل عليه كعب بن الأشرف ،
ص: 6
ومالك بن الصيف ، وحي بن أخطب ، فقالوا : إن في كتاب الله : وجنة عرضها السماوات والأرض(1)
إذا كانت سعة جنة واحدة كسبع سماوات وسبع أرضين ، فالجنان كلها يوم القيامة أين تكون ؟ فقال عمر : لا أعلم ، فبينما هم كذلك إذ دخل علي (علیه السلام) فقال : أفي شئ كنتم ، فألقى اليهودي المسألة عليه ، فقال لهم : خبروني أن النهار إذا أقبل الليل أين يكون ؟ قالوا له : في علم الله تعالى ، فقال علي (علیه السلام) : كذلك الجنان ، تكون في علم الله ، فجاء علي (علیه السلام) إلى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأخبره بذلك فنزل " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2).
الحديث الثالث : ما رواه الحافظ محمد مؤمن الشيرازي في المستخرج من تفاسير الاثني عشر ، في تفسير قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " يعني أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، والله ما سمى المؤمن مؤمنا إلا كرامة لعلي بن أبي طالب (علیه السلام)(3)
أقول : قد أطلق الذكر على الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، كقوله تعالى في سورة الطلاق،(4)وعلى القرآن كقوله تعالى : " وأنزلنا إليك الذكرلتبين للناس(5)
ص: 7
والمعنى واحد وإنما الاختلاف في المصداق ، فإن كلا منهماممحض لذكره تعالى شأنه ، وأهل البيت عليهم السلام أهل لهما معا ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني : فلأنهم الذين قرنهم الرسول بكتاب الله ، وخلّفهما في أمته وأمر بالتمسك بهما ، وقال : " ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فهم أهل القرآن العالمون به ، الذين لا يفارقون القرآن ، ولا يفارقهم ، فتفسير الذكر في أكثر الروايات بالرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لا ينافي مع تفسيره في بعضها بالقرآن ، لرجوع التفسيرين إلى معنى واحد.
وبما بيناه تبين أن تفسير أهل الذكر بمطلق العلماء - كما قد يتوهم - في غير محله .وأما تفسيره بعلماء اليهود والنصارى ، كما توهموه فبطلانه في غاية الوضوح والظهور ، إذ لو أريد من الذكر مطلق الكتب السماوية لم يشملهم أهل الذكر لأن إضافة الأهل إلى الذكر إنما تصح مع العلم به ، والموافقة والمتابعة له . وأما مع العلم به والمخالفة له ، فلا يصدق على العالم به كذلك أهل الذكر قطعا ، وعلماء اليهود والنصارى خالفوا الذكر ، وإلا أسلموا ، بل لو شملهم أهل الذكر لم يشملهم الأمر بالسؤال ، ضرورة أن الأمر بالسؤال إنما هو بالنسبة إلى المأمونين منهم ، وعلماء اليهود والنصارى خالفوا الذكر ، فكيف يأمر الله عز وجل بالسؤال عنهم ؟
إذا اتضح لك ذلك فاعلم أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافةوالإمامة بهم ، دون غيرهم من الأمة ، لأن التعبير عنهم بأهل الذكر ، وأمره تعالى شأنه سائر الأمة بسؤال ما لا يعلمون عنهم ، يدل على أنهم الهداة الذين
ص: 8
نصبهم وجعلهم مرجعا للأمة في أخذ العلم واقتباسه منهم ، ومن هذا شأنه يكون خليفة للرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وإماما للأمة لا محالة ، لأن الخلافة عن الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في شأن رسالته المستتبعة لافتراض الطاعة ، ووجوب البيعة معه إنما هو بقيام هداية الأمة به ، ودلالتهم إلى الحق ، وإرشادهم إلى الصواب ،وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور اليقين ، ومن لم يجعله الله تعالى كذلك لا يعقل أن يكون خليفة عن رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وإماما لأمته ، وأوضح منه استحالة تقديمه على الهادي الذي نصبه الله تعالى هاديا لأمته ، ومرجعا لأخذ العلم منه ، والحكم بافتراض طاعته على الذي أمره الله تعالى بالرجوع إليه ، والاهتداء به .
فإن قلت : الآية الكريمة إنما تدل على استحقاقهم الخلافة والإمامة ،لا اختصاصها بهم ، لجواز أن يكون المقدمون على علي أمير المؤمنين(علیه السلام) متصفين بصفات أهل الذكر ، فيستحقونها أيضا .
قلت : عدم اتصافهم بصفات أهل الذكر واضح بيّن لرجوعهم في كثير من المسائل التي عجزوا عن حلها إلى مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام) ، كماهومذكور في كتب الفريقين ،(1) فهم مندرجون تحت المأمورين بالسؤال عن أهل الذكر، فكيف يستحقون الخلافة ، فضلا عن استحقاقهم التقدم ؟
ص: 9
العدد الثاني
آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني احد الشخصيات العلمية في مشهد المقدسة وقد تصدی في محاضراته ومواقفه وما طبع له من كتب متعددة مواجهة المد الفلسفي الذي بلغ ذروته في الآونة الاخيرة وعقائد الفلاسفة الباطلة فرد القول بوحدة الوجود بكل وجوهها وفند القواعد الفلسفية الاخری معتمدا في ذلك علی العقل والوحي - مدير المجلة .
المعاد الجسمي والروحي:
من المسائل الّتي يتضح فيها التناقض بين ما جاءت به الشريعة - القرآن والأحاديث - و بين ما يقوله الفلاسفة والعرفاء مسألة المعاد، و حول تحقيق هذه المسألة نبتدأ بمراجعة القرآن والاحاديث المعتبرة بالتدقيق فيما يستفاد منهما قبل اشباع الذهن والقلب بغير مدرسة الوحي ثم نشرح نظرية الفيلسوفالشهير ملا صدرا الّتي اصبحت طريقته الفلسفية والعرفانية في القرون الأخير محوراً للفلسفة والعرفان.
و حينذاك سوف نقف على مغايرة نظريته لما هو المستفاد من الآيات الشريفة والأحاديث المعتبرة و سوف نلاحظ من خلال البحث بعض تأويلات هذا الفيلسوف الشهير.
ص: 10
في تحقيقنا للآيات والأحاديث حول جسمانية المعاد سوف نشاهد بالدلالات الصريحة والقطعية انّ عالم القيامة و نشأتها يكون بالابدان المكونة من هذه العناصر الترابية (والّتي هي نفس اجزاء الإنسان في دار الدنيا) و الارواح و انّ الإنسان يحشر ببدنه و روحه لا انّ عالم القيامة ارواح بلا اجساد أو ارواح مع صور جسمانية حصلت بإنشاء النفس لها ليس لها إلّا المقدار و لا أثر للعناصر المادية فيها.
الآيات القرانية الكريمة:
الآيات القرآنية كثيرة جداً نذّكر بأربع منها:
1 - {وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِىَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُّحْيِى الْعِظامَ وَ هِىَ رَمِيْمٌ}(1)
في هذه الآية الشريفة نجد التصريح الالهي بإحيائه و إنشائه نفس العظام البالية الّتي أصبحت رميماً و بيّن لنا قدرته على خلق تلك العظام الّتي لم تكن ثم أوجدها.2 - {اَيَحْسَبُ الاِنْسانُ اَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظامَهُ}
و في هذه الآية الشريفة يأتي الجواب لتصورات ذلك الإنسان المنكر للقيامة بإنكاره لاعادة و جمع العظام إلى تركيبها السابق بعد تلاشيها و إنعدامها بالتوبيخ على هذه التصورات و قد جاء الاعلان عن جمع هذه العظام بعد تفرقها من خلال التوبيخ والاستنكار الّتي ابدته الآية المباركة لهذه الافكار والتصورات.
ص: 11
3 - {وَ اَنْظُرْ اِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمَاً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ اَعْلَمُ اَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيْرٌ}(1)
و في هذه الآية الشريفة يتجسم لنا المعاد والاحياء بعد تلاشي حمار عُزير لمدة مائة سنة و ذلك بانبات اللحم على العظام والآية تعلن بكلّ صراحة عن كيفية المعاد والعلاقة بين الروح والاجزاء الدنيوية للإنسان.
4 -{وَ اَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى الْقُبُورِ} فمن الواضح انّه ليست الارواح في القبور و انّما هذه الأبدان المتلاشية هي الّتي في القبور ثم تحيى.
الاحاديث الشريفة:
الروايات المعتبرة حول المعاد كالآيات كثيرة جداً و نذكر بعضاً منها:
1 - في الإحتجاج: عن الصادق (علیه السلام) أنّه سئل عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال(علیه السلام) : بل يحشرون في أكفانهم، قال:أنّى لهم بالأكفان. و قد بليت؟! قال (علیه السلام) :إنّ الّذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم
2 - عن الصادق (علیه السلام) قال: إذا أراد اللَّه أن يبعث الخلق أمطر السماء أربعين صباحاً فاجتمعت الأوصال و نبتت اللحوم(2).
عن الصادق (علیه السلام) قال: أتى جبرئيل رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فأخذه و فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوّت بصاحبه فقال: قم بإذن اللَّه، فخرج منه رجل أبيض الرأس واللّحية يمسح التراب عن وجهه و هو يقول: الحمدللَّه واللَّه
ص: 12
اكبر، فقال جبرئيل: عد بإذن اللَّه، ثم انتهى به إلى قبر آخر، فقال: قم بإذن اللَّه فخرج منه رجل مسودّ الوجه و هو يقول: يا حسرتاه يا ثبوراه، ثم قال له جبرئيل: عد إلى ما كنت بإذن اللَّه، فقال: يا محمّد هكذا يحشرون يوم القيامة، والمؤمنون يقولون هذا القول، و هؤلاء يقولون ماترى(1).
من مجموع هذه الآيات والروايات والّتي هي نماذج لقسم من الآيات والروايات نفهم و بشكل واضح انّ نشأة القيامة هي عبارة عن حشر الناس بابدانهم العنصرية المادية الدنيوية بالاضافة إلى ارواحهم.
نظرية ملا صدرا حول المعاد الجسماني
لا يخفى على أحد انّ ملا صدرا فيلسوف معروف و قد صرح هذاالفيلسوف في مواضع كثيرة من كتبه انّ المُعاد في المَعاد في القيامة هو هذا البدن بعينه الّا انه صرح كراراً انّ المراد من عينيّة هذا البدن ليس المراد الجسم العنصري المادي بل المراد صورة البدن بلا مادة يعني البدن القائم بالنفس والمُنشأ بواسطة النفس والّذي يكون من ملكاتها و هذا النوع من المعاد مختص للمتوسطين من الناس و أمّا الكاملون من الناس فقيامتهم بالروح فقط بلا بدن حتى مثل هذا البدن الآنف الذكر.
و الآن نورد قسماً من عباراته حيث يقول:
1 - »فكل جوهر نفساني مفارق يلزم شبحاً مثالياً ينشأ منه بحسب ملكاته و اخلاقه و هيئاته النفسانية بلا مدخلية الاستعدادات و حركات المواد كما في
ص: 13
هذا العالم شيئاً فشيئاً« إلى أن قال: »فإن قلت: النصوص القرآنية دالة على أنّ البدن الأخروي لكل انسان هو بعينه هذا البدن الدنياوي له قلنا: نعم و لكن من حيث الصورة لا من حيث المادة و تمام كلّ شي ء بصورته لا بمادته(1)
و أنزل من هذه المرتبة من الإعتقاد في باب المعاد و حشر الاجساد إعتقاد علماء الكلام، كالإمام الرازي و نظرائه بناء على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات أجزاء ماديّة لأعضاء اصلية باقية عندهم« إلى أن قال: »و لا يخفى على ذي بصيرة انّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطورالمخلوق من التراب والماء والطين و انّ الموت والبعث ابتداء حركة الوجود إلى اللَّه أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني(2)
فمن الواضح مما نقلناه عنه من هذه الكلمات مما يغاير ما نطق به القرآن الكريم والأحاديث المعتبرة.
نعم يصرح ملاصدرا بجسم و جسمانية هذا البدن المثالي كثيراً الّا انّه صرح ايضاً بأنّ المقصود من هذا البدن ليس البدن والجسم العنصري المادي.
ص: 14
رد نظرية ملاصدرا على لسان ثلاث شخصيات:
و نختم هذا المقال بنقل كلمات ثلاث شخصيات في العلم والتقوى و هم المرحوم آية اللَّه ميرزا احمد الآشتياني ؛ و آية اللَّه الحاج الشيخ محمد تقي الآملي ؛ والمرحوم آية اللَّه السيد احمد الخوانساري ؛ الّذي قد شرح الموضوع بشكل جيد و بيّن مخالفة نظرية ملاصدرا لما هو المستفاد من الشرع - الكتاب والسنة -
1 - يقول المرحوم الميرزا احمد الآشتياني ؛ بعد إثبات اصل المعاد:الثاني انّه بعد ما ثبت بحكم العقل والنقل لزوم المعاد و يوم الجزاء وقع البحث فى انّ ما ينتقل إليه الارواح في القيامة الكبرى و يوم الحساب هل هو عين الأبدان الدنيوية البالية العنصرية بشمل شتاتها و جمع جهاتها بأمره تبارك و تعالى كما يقتضيه الإعتبار حيث انّ النفس خالفت أو أطاعت و أنقادت لمّا كانت بتلك الجوارح فحسن المجازات و كمال المكافات بأن يكون المجازى عين من أطاع أو عصى أم لا، بل تنتقل إلى صورة مجّردة تعليمية ذات إمتداد نظير القوالب المثالية والصور المرآتية؟
الى أن قال: ما وقع التصريح به في القرآن الكريم هو الأوّل، كما في جواب سؤال ابراهيم (علیه السلام)حيث قال: {ربّ ارني كيف تحيي الموتى قال اَولم... حكيم} و قوله تعالى في جواب{ايحسب الانسان ان لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوى بنانه} و قوله عزّ شأنه في جواب سؤال {من يحيى العظام و هى رميم قل يحييها الّذي انشأها اوّل مرّة و هو بكل خلق عليم} و غير ذلك من
ص: 15
الآيات. الى أن قال : و لكن جماعة من أهل الحكمة المتعارفة ذهبوا لشبهة عرضت لهم إلى الثاني ولابد لنا من حلّها و دفعها بعون اللَّه تعالى.(1)
ثم انّه ذكر خلاصة من مسلك ملاصدرا و انتقده بقوله:
فإنكار المعاد الجسماني و عود الأرواح إلى الأجسام الّذي يساعده العقل السليم يخالف نصّ القرآن بل جميع الأديان و إنكار لما هو ضروري الإسلام،أعاذنا اللَّه تعالى من زلّات الأوهام و تسويلات الشيطان.(2)
و يقول المرحوم آية اللَّه السيد احمد الخوانساري :
ثم إنّ البدن المحشور في يوم النشور البدن العنصري كما هو صريح الآيات والأخبار، و قد يقال: إنّ المحشور ليس البدن العنصري، بل البدن المثالي المنشأ بإنشاء النفس بإذن اللَّه تعالى والمختلف باختلاف الملكات الحاصلة في الدنيا.« ثم استرسل في ذكر الشبهات والجواب عنها فقال: «و في المقام شبهات تدعوا إلى القول المذكور»(3)
و قد أجاب عن تلك الشبهات بعد بيانها ثم ذكر الآيات والروايات المثبتة للمعاد بالمعنى الّذي ذكرنا.
3 - و يقول المرحوم آية اللَّه الميرزا محمد تقي الآملي ؛ الفقيه الفيلسوف في تعليقته على شرح المنظومة - درر الفوائد - بعد توضيح مختار المصنف
ص: 16
والتعليق عليه: هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذه الطريقة و لكنّ الإنصاف إنّه عين إنحصار المعاد بالروحاني لكن بعبارة اخفى فإنّه بعد فرض كون شيئية الشي ء بصورته و إنّ صورة ذات النفس هو نفسه و إنّ المادّة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشي ء لا يحشر، و انّ المحشور هو النفس غاية الأمر اما مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياماً صدورياً مجرداً عن المادّة و لوازمها إلّاالمقدار كما في نفوس المتوسطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين و أمّا بدون ذلك أيضاً كما في المقرّبين (ولعمري) أنّ هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحيّة و أنا اُشهد اللَّه و ملائكته و انبيائه و رسله انّى اعتقد في هذه الساعة و هي ساعة الثلاث من يوم الأحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة1368 في أمر المعاد الجسماني بما نطق به القرآن الكريم و اعتقد به محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الائمة المعصومين صلوات اللَّه عليهم أجمعين و عليه أطبقت الامّة الإسلامية..(1)
و في هذه المقالات الثلاثة قد عرفت ردّ هؤلاء الاعلام على نظرية ملاصدرا و أثبتوا المعاد الجسماني بالمعنى الّذي يقوله عموم الفقهاء والمحدثين.هذا آخر دعوانا أن الحمدللَّه ربّ العالمين
ص: 17
العدد الرابع عشرمناقشات وملاحظات
حول القسم الرابع من المسائل الفلسفية
عوالم الصعود والنزول
قسّم الفلاسفة عوالم الصعود و النزول الی أربعة أقسام:
1- عالَم الدنيا أو الناسوت 2- عالَم المثال أو الملكوت 3- عالم الملائكة أو الجبروت 4- عالم الألوهية أو اللاهوت.
فعالم الدنيا و الماديات بحركتها ترجع الی التجرد و صاعدة الی الله عزّ و جل. و هناك سير نزولي من الله عزو جل الی الماديات؛ يمر بالعقول و المُثل، لكن بعد بطلان فكرة العقول و المثل، و بطلان أن المادّة عين الحركة، و بطلان الوجود الربطي و الظلي، و قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد. و بعد عدم الدليل علی هذه العوالم؛ يظهر لك جلياً بطلان القول بعوالم الصعود و النزول من عالم المثل الكلية، و العقول يعني عالَمَي الملكوت و الجبروت، و
ص: 18
تأويل الملائكة بذلك توهم فاسد: فالملائكة ما هم إلا مخلوقات محدودة و جزئية، و لا ربط لهم بما يدّعيه الفلاسفة من عالمي الجبروت و الملكوت.
ففي الخطبة الأولی من النهج: «ثم فتق ما بين السماوات العلي؛ فملأهن أطواراً من ملائكته منهم سجود لا يركعون، و ركوع لا ينتصبونالیو منهم الثابتة في الأرضين السفلی أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، و الخارجة من الأقطار أركانهم، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم».المعاد الجسماني:
والثابت من طريق الوحي بعد عالم الدنيا؛ عالم البرزخ و عالم القيامة، و رجوع الإنسان في المحشر بروحه و جسمه.
و لما كانت تلك العوالم غير خاضعة للإستدلال العقلي و التجربي، انحصر الأمر فيها بما أخبر به الصادق الأمين و آله الأطهرين، و الآيات و الروايات الواردة في المعاد الجسماني صريحة قطعية الدلالة و كثيرة جداً، فهنا لك مئات الآيات و الروايات في المعاد و تفاصيله. و إنكارها إنكار صريح للقرآن و الإسلام.
هذا و لا يوجد فيها أي تناقض و لا اختلاف فليس هنالك ما يدل علی أن المعاد روحي و مثالي؛ حتی يقال بالتعارض بينها.
انكار المعاد بلغة حكمة الاجتماع
وادعی السيد الطباطبائي ان حكمة الاجتماع تقتضي ان تبقی الحقيقة مستورة علی العامة من عدم وجود للمعاد الجسماني فلا جنة ولانار بل ما هي
ص: 19
الا صور ادراكية كما صرح بذلك في كتاب الشيعة في الاسلام(1)
وذكر ان القران يلوح بهذا المعنی الباطني فقال: « أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة علی فهم المعنی الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية علی مستوی أرفع من العامّة. و القرآن الكريم يلوّح خلال تعابيره البسيطةأحياناً بالمعنی الباطني تلويحاً الی أن يقولو سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرهايعني الطبيعة، و الإنسان أحدها وتفقد أنّيتهايعني تحققها و استقلالها كلّياً»(2).
و مراده من الآيات التي تدلّ علی المعاد مجرداً عن المادّة و تُلوَح بالمعنی الباطني هي:
1- «إنَّ الی ربِّكَ الرُجعَی»
2- «ألا الی اللهِ تَصيرُ الأُمور»
3- «و الأمرُ يومَئذٍ لله»
4- «يا أيتُها النَفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجِعي الی رَبِّكِ راضِيةً مَرضِيةً فادخُلي في عِبَادي و ادخُلي جَنَّتي»
اقول ما استدل به الطباطبائي من أن قوله تعالی: {إنَّ الی ربِّك الرُجعی}وغيرها من الايات مما يدل علی المعاد الروحي و المثالي؛ مضحك للغاية، و لا نريد نقضه و نقض قول من قال: «و اعلم أن الجنّة و غرفاتها
ص: 20
و مساكنها و أشجارها و أنهارها و الأبدان التي فيها كلها صور إدراكية، وجودها عين مدركيتها و محسوسيتها»(1). فإنه لا يحتاج الی النقض، فما قيمته في مقابل كلام الله عزّوجل و أنبيائه و رسله و الأئمة صلوات الله عليهم. إلا أن الذي يثير العجب؛ اغترار المغترّين به و اعتباره حكماً عقلياً!.أقول الحكم العقلي: إما بديهي أو برهاني، فأي حكم عقلي يحكم بذلك، أم أي برهان يدل علی ذلك؟. و جدير بالذكر أن ما رتّبوه من مقدمات فاسدة؛ كالسنخية بين العلّة و المعلول، و غيرها، لا تدل حتی علی المعاد الروحي و المثالي.
الجواب علی دعوی الطباطبائي:
واما ما ادعاه الطباطبائي من ان الايات الكثيرة جدا الدالة بالدلالة الصريحة والقطعية علی المعاد الجسماني لا حقيقة من ورائها وانها مجرد خداع اقتضته حكمة الاجتماع فهدم لكل الموازين العلمية ونسبة الكذب والخداع الی الله العظيم وتكذيب له جل وعلا حيث يقول: ان ما توعدون لواقع ،ويقول:ومن اصدق من الله قيلا ،وفي اية اخری ومن اصدق من الله حديثاويقول:ان الله اشتری من المؤمنين انفسهم بان لهم الجنة..وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفی بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي
ص: 21
بايعتم..وتاويل ذلك كله مقطوع البطلان وخلاف الوجدان ومخالف للضرورة من الدين واجماع جميع الشرايع الالهية.
ثم العجب مما قالوه من خمودالنار للعاصين! راجع شبهتهم في كتاب (حقّ اليقين في معرفة أصول الدين) للسيد الجليل عبدالله شُبَّر، و هو كتاب قيم جدير بالمطالعة و الدراسة، فقد ذكر بعض شبهاتهم و أجاب عنها(1).الدليل العقلي علی امكان المعاد
ثم ان الدليل الدال علی امكان المعاد عقلا ثابت وذلك لقيام البرهان العقلي المتقدم من ان الله جل وعز خلق ما خلق من كتم العدم قال تعالی :كما بدانا اول خلق نعيده.
الدليل العقلي علی ثبوت المعاد
ويضم هذا الدليل الی قاعده اللطف الدالة علی تنزه الله من الظلم والقبيح فلا يمكن ان تنتهي الحياة بلا اخرة لانه يلزم من ذلك ان يخرج من هذه الدنيا الملايين من البشر مظلومين ومحرومين وهذا مناف لعدالة الحكيم نعم انكر هذا الحكم العقلي الفلاسفة كما مر في اصول المعرفة.
ايات المعاد:
وكما تقدم ان الآيات حول المعاد الجسماني كثيرة جدا نذكر قسما منها :
1- قال تعالی: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ* أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} (2)
ص: 22
يقول اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة: هل يتخيل الانسان أن لا نجمع عظامه بل نحن قادرون على ذلك حتّى ان خطوط منتهى اصابع الانسان يعني البنان فانّا قادرون على ارجاعه كما كان أولا والشاهد على المعاد الجسماني من هذه الآيات قوله تعالى: ذيل الآيات الشريفة {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}يفصح عن القدرة الالهية ولا تخفى دلالتها في ردّ القائلين بأن اعادة اجزاء الانسان من موارد اعادة المعدوم وانه محال عقلي اذن لا تتعلق به القدرة وقد اجابت الآية المباركة على هذه الدعوى.{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ومن المعلوم ان الجمع متفرع على التفرق ولا يصح التعبير بالجمع إلاّ اذا كان هنالك تفرق حاصل فمن الواضح ان كلمة «نجمع» تصدق على البدن الترابي المتفرق ولا تصدق على الصورة المثالية لأنّها ليست بشي ء حتّى تكون متفرقة ثمّ تجمع وذلك لأنّ ملا صدرا يعتقد انّ الصورة المثالية من صنع النفس ومما اوجدتها النفس ابتداء ولذا فان عقيدته ليست مطابقة للآية فحسب بل مخالفة لصريحها.
2-وقال تعالی: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} (1)
ص: 23
صراحة هذه الآية الشريفة حول المعاد الجسماني لا تقبل الانكار وذلك لانّ اللَّه سبحانه وتعالى يقول وبكلام واضح وبيّن انّ هذه العظام المتلاشية والّتي قد اصبحت رميما سوف نجمعها مرة أخرى ونعطيها الحياة.
ومن الواضح بالبداهة ان جمع الاجزاء المتفرقة امر ممكن ولا استحالة فيه عقلا هذا ومن جانب اخر فاللَّه جلّ وعلا عالم بجميع الاجزاء وقادر على جمعها اذن فلا مانع من ذلك اصلا.3-وقال تعالی: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامَكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ}(1)
وهذه الآية ايضا تصور لنا كيفية حشر الاجسام المتلاشية وهي من جملة الآيات الّتي تنص على المعاد الجسماني وقد كتب المفسرون انّ حضرة عُزَير(2) مرّ على قرية قد مات جميع اهلهاوتفرقت ابدانهم فطلب من اللَّه سبحانه وتعالى ان يريه كيفية حشر تلك الاجساد البالية فاستجاب اللَّه جلّ وعلا له فأماته مائة عام ثم احياه اللَّه عزّ وجلّ وقد اصبح حماره في تلك المدة ترابا إلّا انّ الطعام الّذي كان معه بقي سالما حتّى يعلم عُزير انّ اللَّه على كلّ
ص: 24
شي ء قدير ثمّ احيا اللَّه بقدرته عزّ وجل حمار عزير امام عينيه وأراه كيفية جمع الأجزاء المتفرقة لذلك الحمار وقد اعطاها الحياة وفي الحقيقة انّ عُزير قد رأى بعينيه كيفية حشر الاموات وقد علم انّ اللَّه سبحانه وتعالى سوف يحشر الاموات يوم القيامة بهذه الطريقة بأن يجمع الابدان البالية ويعطيها الحياة،، وهذه احدى الموارد الّتي يأتي القرآن بشاهد محسوس وواقعي للمعاد الجسماني ولو أراد القرآن تصوير المعاد الجسماني فهل هنالك تصوير احسن من هذا التصوير؟4-وقال تعالی{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَّكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1)
وفي هذه الآية نجد أيضا تصوير وتجسيم المحشر وكيفية الحشر، فقد قام نبيّ اللَّه ابراهيم(علیه السلام) بأمر من اللَّه جلّ وعلا بأخذ أربعة طيور وقطّعهن ثمّ قسّمها إلى اربعة اقسام وجعل كلّ قسم منها على قمة جبل ثمّ دعاهنّ بأمر اللَّه جل وعلا وحينذاك رجعت الاجزاء المتفرقة والمخلوطة مع بعضها إلى ما كانت عليه وعادت الطيور الاربعة إلى الحياة.
وبهذا الشكل علّم اللَّه سبحانه وتعالى ابراهيم(علیه السلام)كيفية جمع اجزاء الإنسان المتفرقة من خلال تقطيع الطيور ودعوتهن، أَو ليست هذه الآية صريحة في المعاد الجسماني؟
ص: 25
5-وقال تعالی: {ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} (1)
انّ السبب الاصلي في انكار المنكرين للمعاد الجسماني هو عدم ايمانهم برجوع هذا البدن البالي وهذه العظام المتلاشية مرة اخرى للحياة وقد نقل القرآن الكريم هذا الاشكال عن المنكرين والطريف في الامر ان نفس هذا الاشكال يطرح اليوم ممن يدعي الايمان بالمعاد لكن بصورة علمية وفنيةولا يخفى ان جواب القرآن الكريم للاستبعادات المطروحة على نحوين وذلك لأنّ منشأ الاشكال اما أن تكون شبهة تطرح بشكل علمي وعقلي وحينئذ يكون جواب القرآن بالشكل العلمي واما أن يكون السبب في الاشكال هو العناد واللاابالية وعدم التقيد بالقيم وحينئذ يكون الجواب من القرآن شديدا مثل الآيات من سورة القيامة: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ}
فهنا نجد القرآن يجيب بقوة وشدة مع التهديد بالعقوبة امّا ما في آية {ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} فلان الشبهة قد طرحت بشكل علمي لهذا فالقرآن يجيب عليها بالاسلوب العلمي ويقول: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (2)وحاصل
جواب القرآن لمثل هذا: انّ اللَّه سبحانه وتعالى له
ص: 26
القدرة على ذلك وانه عالم بجميع تلك الاجزاء المتفرقة ولا يخفى عليه شي ء وبعبارة اخرى انّ اللَّه سبحانه وتعالى عالم بكل ما يحصل في الدنيا من فعل وانفعالات ولذا فلا توجد اي مشكلة أو مانع من أن يجمع اللَّه جل وعلا اجزاء الانسان المتفرقة فلو لم يكن اللَّه عزّ وجلّ قادرا أو لم يكن عالما بأجزاء الانسان المتفرقة أو ان الاعادة كانت محالة بالاستحالة الذاتية لقلنا نحن أيضابأن المعاد الجسماني محال وحيث انّ اللَّه جل وعلا قادر وعالم وانّ الاعادة ممكنة اذن فلا محذور عقلي أن يكون المعاد بهذا البدن المادي والعنصري
6-وقال تعالی:{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (1)
تتكلم هذه الآيات المباركةعن مراحل خلقة الانسان و عن رجوع الروح إلى البدن مرة ثانية ومن الطبيعي لعود الروح الى البدن من اعادة بناء البدن بعد ما تلاشى حتّى تتعلق به الروح وعليه فيكون مفاد الآية {أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} هو اعادة بناء جسم الانسان من جديد وتعلق الروح به ايضا من جديد وهذه الآية لا تتناسب مع قول من يقول (ان الروح لوحدها تحشر) ابدا، ولا قول من يقول (ان الروح تحشر على صورة مثالية) وذلك لأنّ الآية تتكلم عن احياء الموتى والصورة المثالية (وهي نظرية ملاصدرا والّتي تنوجد وتصطنع بواسطة الروح) ليست بالموتى حتّى تحيى.
ص: 27
7-وقال تعالی:{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}(1)
يتكلم اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية عن رجوع الانسان، هذا الانسان الترابي فاللَّه يستطيع خلق هذا الانسان المخلوق من ماء واحيائه مرة ثانية.8-وقال تعالی: {و قالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً* أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً} (2)
9-وقال تعالی :{أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}(3)
ومن البديهي انّ الّذي في القبر هو بدن الانسان.
10-وقال تعالی:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} (4)
ودلالة هذه الآيات المتقدمة على المعاد الجسماني والعنصري المادي في غاية الوضوح فكلّ من راجع القرآن سوف يعترف كاملا بأنّ القرآن جاء بالمعاد البدني العنصري المادي وذلك فانّ الّذي يخرج يوم القيامة من بطن الارض هي هذه الابدان البالية .
ص: 28
دفع ما يتوهم من تعابير «خلق جديد، امثالكم»
لقد جاء في الآيات الآتية التعبير بمثل: «خلق جديد، وامثالكم» قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}.(1)وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}.(2)
وقال تعالى: {عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (3)
وقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} (4)
لقد توهم البعض من هذه التعابير الواردة في هذه الآيات المتقدمة «خلق جديد» و «نبدل امثالكم» و «مثلهم» على أنّ الحاصل يوم القيامة بالنسبة للانسان هي الخلقة الجديدة وهي مثل الخلقة الدنيوية صورة فقط ويرون ان هذه التعابير مؤيدة لما يراه ملاصدرا من كون النفس هي الّتي تصنع البدن المثالي لها والّذي يكون شبيها للبدن الدنيوي صورةً. إلاّ انّ هذا التوهم لا اساس له اصلا وباطل بالمرة وذلك لأن المقصود من الخلق الجديد هو خلق الانسان مرة ثانية بعد ما تلاشى وتفرقت اجزاؤه بحيث يكون معدوما وهذه
ص: 29
الاجزاء معلومة عنداللَّه جلّ وعلا ويجمع اللَّه سبحانه جميع اجزاء بدن الانسان واصوله مرة اخرى ويعطي للانسان شكله وحياته. قال الامام الصادق(علیه السلام)ارأيت لو أخذت لبنة فكسرتها وصيرتها ترابا ثم ضربتها في القالب أهي الّتي كانت؟ انما هي ذلك وحدث تغير اخر والاصل واحد.(1)
فقد شبه الامام (علیه السلام)اعادة الانسان مرة اخرى باللبنة الّتي انكسرت وتفتتت ثم جمعت مرة اخرى فاللبنة والّتي جمعت مرة اخرى واعيدت فهي من حيث المادة عين الاولى وأمّا من حيث الهيئة فهي غير الاولى لأنّ الأولى انعدمت والصورة الحاصلة جديدة إلّا انّه مع ذلك ليس معنى كونها جديدة أنها غير الاولى فقد مثل الامام (علیه السلام)انعدام بدن الانسان وتلاشيه باللبنة المتفتتة والّتي صنعت من جديد كذلك بدن الانسان فانه بهذا الاعتبار حيث يصنع مجددا جديد، ومن هذا البيان يعلم انّ التعابير المتقدمة في الآيات المذكورة الاخر لاتنافي الآيات الصريحة في أن المحشور هو هذا البدن الترابي مثل آية {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ}(2)
والآية الكريمة {مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}(3) أو سؤال حضرة عُزير حيث قال: كيف يحيي اللَّه هذه الابدان المتلاشية وقد أراه اللَّه سبحانه أمام
ص: 30
عينيه كيف انّه احيى حماره ومثلها قصّة حضرة ابراهيم(علیه السلام)وفي آية7 من سورة سبأ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}(1)
حيث استهزء الكفار بظهور هذه الشخصية الّتي تقول برجوع الابدان المستحيلة ترابا والّتي قد تفرقت اجزاؤها مرة ثانية، وتعبر الآية بالخلق الجديد مع ملاحظة جملة (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) بمعنى تجديد الخلقة مرة ثانية وقد أثبت القرآن ما انكره هؤلاء من رجوع الابدان المتلاشية واحيائها مرة أخرى وفي الآيات رقم 78 الى81 من سورة يس: ابتدء القرآن بذكر عظمة القدرة الالهية لإجل أن لا يتعجب احد من احياء هذه الابدان المتلاشية فاللَّه سبحانه وتعالى الّذي خلق السماء والارض لا يعجزه خلق الانسان مرة أخرى ولذا فالتعبير الوارد في الآيات بمثل «خلق جديد» و «مثل» لا يكون دليلا اصلا على تباين الخلقة الجديدة مع الخلقة الأوّلية، بل المراد من الخلقة الجديدة هو تجديد خلقة الانسان مرة ثانية والمراد من «المثل» المثلية في الهيئة وإلّا فالمادة هي نفس المادة الاولية كما في مثال اللبنة المتقدم حيث ان مادة اللبنة الاولى والجديدة واحدة كذلك خلقة الانسان الثانية فمادتها عين المادة السابقة.
الروايات حول المعاد الجسماني
1- عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبداللَّه(علیه السلام):
ص: 31
قال اذا أراد اللَّه أن يبعث أمطر السماء على الارض اربعين صباحا فاجتمعت الاوصال ونبتت اللحوم وقال أتى جبرئيل رسول اللَّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فأخذه فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى القبر فصوّت بصاحبه فقال قم بأذن اللَّه فخرج منه رجل ابيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول الحمد للَّه واللَّه اكبر فقال جبرئيل عُد بأذن اللَّه ثم انتهى به الى قبر اخر فقال قم بأذن اللَّه، فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرئيل عُد الى ما كنت بأذن اللَّه فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة والمؤمنون يقولون هذا القول وهؤلاء يقولون ما ترى.(1)
هل هنالك تصوير يمكن أن يكون للمعاد الجسماني أوضح من هذا؟ فكما ترون انّ هذا الحديث الشريف قد بيّن المعاد الجسماني بأجمل وأوضح ما يكون وقد اوضحت جملة«هكذا يحشرون يوم القيامة» طريقة حشر البشر بشكل سافر، وهذه الرواية بمثابة من الوضوح والصراحة حول مسألة المعاد الجسماني والبدني بحيث لا يمكن لأحد تأويلها وتوجيهها وفي الحقيقة كيف يمكن القول بالمعاد الروحاني أو المعاد مع البدن المثالي في حين انّ جبرئيل عملا احيا شخصين بأذن اللَّه جلّ وعلا من الاموات الّذين قد تلاشتواضمحلت ابدانهم وقال بعدها هكذا يعني كهذين الشخصين يحشرون يعني
ص: 32
الناس يوم القيامة يعني ان هذا البدن المضمحل والمتلاشي سوف يحيى مرة أخرى.
2- عن الامام السجاد(علیه السلام)حيث قال:«فتنبت اجساد الخلائق كما ينبت البقل»(1).
3- عن هشام بن الحكم «قال الزنديق للصادق(علیه السلام)انّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والاعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو صار ترابا بني به مع الطين حائط، قال(علیه السلام) : انّ الّذي أنشأه من غير شي ء وصوّرة على غير مثل كان سبق اليه قادر على أن يعيده كما بدأه. قال: اوضح لي ذلك. قال: انّ الروح مقيمة في مكانها روح المحسنين في ضياء وفسحة وروح المسيئ في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من اجوافها فما اكلته ومزقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ويعلم عدد الاشياء و وزنها وانّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطرت الارض فتربوا الارض ثم تمخضوا السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب والزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كلّ
ص: 33
قالب فينتقل بأذن اللَّه تعالى الى حيث الروح فتعود الصور بأذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها فاذا قد استوى لاينكر من نفسه شيئا»(1)
4- «قال أميرالمؤمنين (علیه السلام) وأخرج من فيها فجددهم بعد اخلاقهم وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسائلتهم عن خفايا الاعمال»(2)
5- قال اميرالمؤمنين (علیه السلام) قد شخصوا من مستقر الاجداث وصاروا الى مصائر الغايات لكل دار اهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها(3)
والحاصل انّ المستفاد من الآيات والروايات هو المعاد الجسماني وانّ المحشور هو هذا البدن العنصري الترابي وانّ هذه المسألة من قطعيات المذهب ومن ضروريات الدين.
ص: 34
العدد الرابع
النبي الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):
يا علي مثلك في امتي مثل عيسی بن مريم افترق قومه ثلاث فرق،فرقة مؤمنون وهم الحواريون وفرقة عادوه وهم اليهود وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن دين الله وهم النصاری وان امتي ستفترق فيك ثلاث فرق ،فرقة اتبعوك واحبوك وهم المؤمنون وفرقة عادوك وهم الناكثون والمارقون والقاسطون وفرقة غلو فيك وهم الظالمون ياعلي انت واتباعك في الجنة وعدوك والغالي في النار(1)الشيعة
ص: 35
(وأصل الشيعة الفرقة من الناس. وشايعه شياعاً وشيعة: تابعه. ويقال: شايعه كما يقال والاه من الولي. والشيعة : اتباع الرجل وانصاره)لسان العرب كلمة(شيع).
من هم شيعة علي (علیه السلام)
ليس كل من ادعی حب علي(علیه السلام) او تولاه قولا ولم يقتد به سلام الله عليه ويتبع اوامره في اداء الفروض وينتهي عن نواهيه فيتورع عن المحارم ، هو من شيعة اميرالمؤمنين(علیه السلام)، انما شيعته من تابعه واقتدی به والسائرون علی خطاه المؤمنون الورعون، ففي الحديث: «طال ما اتكأوا علی الارائك وقالوا نحن شيعة علي». (ويعلق في مجمع البحرين المحدث الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي علی هذا الحديث فيقول: ولعل هذا الحديث وغيره مما يقتضي بظاهره نفي الاسم عمن ليس فيهم اوصاف مخصوصة زيادة علی المذكور المتعارف..) وعن الامام الصادق(علیه السلام): «لاتنال ولايتنا الا بالورع»(1).
فمن لايتورع عن محارم الله لايحق له ان يدعي انه يوالي علياً(علیه السلام)، كذلك لايصدق الحب له(علیه السلام) الا ممن يقتدي به ويطيعه(ان المحب لمن احب مطيع) والّا من المؤمن، كما في الحديث الشريف: «لايحبه الا مؤمن...». «انت ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي».
مودة اهل البيت صلوات الله عليهم
ص: 36
لامراء في وجوب المحبة لاهل البيت ومولاتهم(علیه السلام) وقد اجمع المسلمون علی ذلك قال تعالی: «قل لا اسألكم عليه اجراً الا المودة في القربی».
عن الامام الصادق(علیه السلام) قال: «ان الله تبارك وتعالی اوجب عليكم حبنا ومولاتنا وفرض عليكم طاعتنا ألا فمن كان منا فليقتد بنا، وان من شأننا الورع والاجتهاد، واداء الامانة الی البر الفاجر، وصلة الرحم واقراء الضيف (اكرامه) والعفو عن المسيء. ومن لم يقتد بنا فليس منا. وقال: لا تسفّهوا فان ائمتكم ليسوا بسفهاء»(1).
فما هي هذه المحبة والمودة؟ وهل يكتفی بها وتغني عن الطاعات والواجبات الدينية وترك المعاصي؟
(ان المراد بهذه المودة انما هي المودة الرسالية التي هي في الحقيقة مودة ومحبة لاصل الرسالة، وليست مودة مرتبطة برباط عاطفي او عشائري خاص، ان هذه المودة التي تأمر السماء بها تمثل حباً وتعلقاً باصل الرسالة وامتداد حقيقياً للمودة الالهية، وهؤلاء (ائمة اهل البيت(علیه السلام))يمثلون الثقلالالهي في الارض، والمرموز التي تجسد القمة في الكمال ومن خلالهم سوف تتصل الارض بالسماء ... الاجر علی الرسالة لابد وان يكون مرتبطاً بالرسالة وليس قضية نفسية او عاطفية ..)(2)
ص: 37
الشيعة كما وصفهم الائمة الاطهار عليهم السلام
في الكافي عن الامام الباقر(علیه السلام) قال لجابر: «ياجابر! ايكفي من انتحل التشيع ان يقول بجبنا اهل البيت! فوالله ماشيعتنا الا من اتقی الله ، وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والتعهد للجيران من الفقراء واهل المسكنة والغارمين والايتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس الا من خير، فكانوا امناء عشائرهم» فقال جابر: ياابن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لست اعرف احدا بهذه الصفة ! فقال(علیه السلام):
«ياجابر! لاتذهبن بك المذاهب،حسب الرجل ان يقول احب علياً واتولاه! فلو قال اني احب رسول الله فرسول الله خير من علي ثم لايعمل بعمله ولايتبع سنته مانفعه حبه اياه شيئاً. فاتقوا الله واعملوا لما عندالله، ليس بين الله وبين احد قرابة، احب العباد الی الله واكرمهم عليه اتقاهم له واعملهم بطاعته. والله ما يتقرب الی الله الا بالطاعة، مامعنا براءة من النار، ولا علی الله لاحدمن حجة ،من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، ولاتنال الا بالورع والعمل».
عن اميرالمؤمنين(علیه السلام) قال: «ان ولي محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من اطاع الله وان بعدت لحمته، وان عدو محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من عصی الله وان قربت قرابته».
عن ابي جعفر(علیه السلام) قال لخيثمة: « يا خيثمة! ابلغ من تری من موالينا السلام، واوصهم بتقوی الله العظيم، وان يعود غنيهم علی فقيرهم، وقويهم علی ضعيفهم، وان يشهد حيهم جنازة ميتهم، وان يتلاقوا في بيوتهم فان لقيا
ص: 38
بعضهم بعضاً حياة لامرنا، رحم الله عبداً احيی امرنا . يا خيثمة! ابلغ موالينا: ان لا يغني عنهم من الله شيئاً الا بعمل، وانهم لاينالوا ولايتنا الا بالورع، وان اشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه الی غيره».
وعنه(علیه السلام) قال: «شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في احياء امرنا، الذين اذا غضبوا لم يظلموا، وان رضو لم يسرفوا ، بركة علی من جاوروا، سلم لمن خالطوا».
وعنه (علیه السلام) قال: «انما شيعة علي؛ الحلماء العلماء، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية علی وجوههم».
وعنه(علیه السلام) قال: « ايكتفي من انتحل التشيع ان يقول بحبنا اهل البيت! والله ما شيعتنا الا من اتقی الله».وعنه(علیه السلام) قال : « ايكتفي من انتحل التشيع ان يقول بحبنا اهل البيت! والله ما شيعتنا الا من اتقی الله».
وعنه(علیه السلام) قال: «شيعتنا اهل الهدی والتقی واهل الخير واهل الايمان واهل الفتح والظفر».
وعنه(علیه السلام)قال: «ان شيعة علي كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، اهل رأفة وعلم وحلم يعرفون بالرهبانية فاعينوا علی ما انتم عليه بالورع والاجتهاد».
ص: 39
عن الامام الصادق(علیه السلام) قال: « ان كنتم تريدون ان تكونوا معنا يوم القيامة لايعلن بعضكم بعضا، فاتقوا الله واطيعوا، فان الله يقول: (يوم ندعو كل اناس بامامكم»(1).
وعنه(علیه السلام) قال: «خرجت انا وابي ذات يوم فاذا هو باناس من اصحابنا بين المنبر والمقام، فسلم عليهم ثم قال: اما والله اني لاحب ريحكم وارواحكم، فاعينوني علی ذلك بورع واجتهاد، من ائتم بعبد فليعمل بعمله..»(2).
وعنه(علیه السلام) ايضاً قال: «شيعتنا الذين اذا خلوا ذكروا الله كثيراً»(3).هذه صفات شيعة اميرالمؤمنين(علیه السلام) ومواليه كما جاء علی لسان الائمة المعصومين(علیه السلام) ومن لايجد فيه هذه الصفات او اكثرها ومن اهمها تقوی الله تعالی والورع عن محارمه فليجتهد من الآن في اكتسابها، والا فلا يدّعي التشيع والموالاة للنبي والائمة الاطهار عليهم افضل الصلاة والسلام.
علي (علیه السلام) وشيعته هم الفائزون
ان علياً (علیه السلام) وشيعته مغفور لهم يوم القيامة وهم الفائزون ويدخلون الجنة راضين مرضيين.
عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال لعلي(علیه السلام) : تأتي يوم القيامة انت وشيعتك راضين مرضيين»(4).
ص: 40
وعنه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من حديث له مع الامام علي(علیه السلام): «.. وان شيعتك علی منابر من نور، رواء مرويين، مبيضة وجوههم حولي، اشفع لهم فيكونون غداً في الجنة جيراني..»(1).
عن جابر بن عبدالله الانصاري(رض) قال: كنا عند النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فاقبل علي (علیه السلام) فقال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) :«قد اتاكم اخي» ثم التفت الی الكعبة فمسها بيده ثم قال: « والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة..»(2).
عن الامام علي(علیه السلام) رفعه: « لاتستخفوا بشيعة علي، فان الرجل منهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر..»(3).
عن فاطمة(علیه السلام) قالت: « ان ابي نظر الی علي وقال: هذا وشيعته في الجنة»(4).عن محمد بن الحنفية (رض) عن ابيه علي (علیه السلام) قال: « اني لنائم اذ دخل رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فنظر اليّ وحركني برجله وقال: قم يفدی بك ابي وامي، فان جبرائيل اتاني فقال لي: بشّر هذا بان الله تعالی جعل الائمة من صلبه، وان الله تعالی ليغفر له ولذريته ولشيعته»(5)والحمد لله في البدء والختام
ص: 41
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الثامنة عشرة.
61- العلّامة الاميني صاحب الغدير حيث يقول حول الشهرستاني : ان اعتقاداته الباطلة ناشئة من ابتعاده عن نور الشريعة ومن اشتغاله بظلمات الفلسفة(1).
ص: 42
62-المرجع الكبير السيّد ابو الحسن الاصفهاني رحمه الله كان يعتقد ان المال الموقوف تحت عنوان العلماء يجب اعطاؤه لعلماء الشريعة ولا يجوّز اعطاءه لعلماء الفلسفة(1).
وكان رحمه الله قد منع طلاب العلوم الدينية في النجف الاشرف من دراسة الفلسفة .
ص: 43
الحلقة الثامنة عشرة
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاءفصل
(في احاديث حرمة الغناء وآلات اللهو)
قد أشرنا إلى كثرة ما روي عنهم عليهم السلام من الأحاديث في تحريم الغناء ولا تحضرني كتب الحديث لا نقل ما فيها فتعين ما فيها ذكر بعضها تيمنا وتبركا وقد تقدم جملة منها ولنقتصر منها هنا على اثني عشر حديثا:
الأول: ما رواه الكليني بإسناده الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال بيت الغناء لا تؤمن به الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك(1).
الثاني: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال: الغناء مما وعد الله عليه النار وتلا هذه الآية (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)(2)الآية.
الثالث: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال: سماع اللهو والغناء ينبت النفاق في
ص: 44
القلب كما ينبت الماء البقل(1).
الرابع: ما رواه أيضا عنه عليه السلام أن رجلا قال له إني أدخل كنيفا ولي جيران عندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعا مني لهن فقال لا تفعل فقال الرجل والله ما آتيهن وإنما هو سماع أسمعه بأذني فقال لله أنت أما سمعت الله يقول: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنهمسؤولا) فقال: بلى والله لكأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله من عربي ولا أعجمي ولا جرم إني لا أعود إن شاء الله وإني لأستغفر الله فقال له: قم فاغتسل وسل ما بدا لك فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك استغفر الله وسله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا القبيح والقبيح دعه لأهله فإن لكل أهلا (2)
ورواه الصدوق والشيخ. أقول: دلالة هذا الحديث الشريف على تحريم الغناء والنهي عنه وتعظيم أمره المقتضي لكونه من الكبائر والأمر بالتوبة منه والغسل والصلاة ظاهرة مع غاية التأكيد والمبالغة ومع ذلك قد استدل به بعض الصوفية على اختصاص التحريم بما كان مع مصاحبة الضرب بالعود لا مجردا والجواب ظاهر واضح فإن عدم دلالته على مطلق التحريم أو التحريم مطلقا لا يشعر بالجواز مع الانفكاك عن الضرب بالعود بل هو أعم منه على أنه غير صريح في سماع السايل لصوت العود بل يدل على سماعه صوتهن بالغناء كما يدل عليه قوله استماعا مني لهن ولا دلالة له على الاختصاص
ص: 45
المذكور بوجه من وجوه الدلالات كما لا يخفى وإنما اتفق السؤال عن الأمرين فلا بد من الجواب بالتحريم والنهي كما ورد على أن في ذلك اعترافا منهم بتحقق الغناء في غير الصورة المذكورة وهم يمنعونه تارة ويعترفون به أخرى وهو خبط كما ترى على أنه لم يتضمن لا مصاحبه ضرب العود فيبقى ما كان معه غيره من آلات اللهو وهم لا يقولون به فأين التخصيص. وكونه منحمل المطلق عن المقيد لا يخفى فساده وبطلانه ولولا ذكرهم لهذا لما حسن التعرض له إذ ليس فيه شبهة تستحق جوابا ولا ينبغي الزيادة على التعجب منهم في التعلق بمثله.
الخامس: ما رواه أيضا عن أبي أيوب الخزاز قال: نزلنا بالمدينة فآتينا أبا عبد الله عليه السلام فقال أين نزلتم؟ قلنا: على فلان صاحب القيان(1) فقال لنا كونوا كراما فلم ندر ما أراد فلما رجعنا إليه سألناه فقال: أما سمعتم الله يقول (وإذا مروا باللغو مروا كراما)(2).
السادس: ما رواه عنه عليه السلام قال: من أنعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها ومن أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها(3).
السابع: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله وهو
ص: 46
مما قال الله (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله)(1).
الثامن: ما رواه أيضا عنه عليه السلام أنه سئل عن الغناء وأنا حاضر فقال: لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن أهلها(2) .التاسع: ما رواه عن أبي الحسن عليه السلام قال: من نزه نفسه عن الغناء فإن في الجنة شجرة يأمر الله الرياح أن تحركها فيسمع لها صوت لم يسمع صوت مثله ومن لم يتنزه عنها لم يسمعه(3).
العاشر: ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا قال له مررت بفلان فاحتبسني فدخلت داره ونظرت إلى جواريه فقال لي ذاك مجلس لا ينظر الله إلى أهله أمنت الله على أهلك ومالك(4).
أقول: هذا صريح في التحريم والتهديد والوعيد والحكم باستحقاق النقمة على سماع الغناء ولا يظن أن ذلك بسبب النظر إلى الجواري فإن المالك قد أذن له فيه فصار مباحا مع أن المالك هنا أدخل في الوعيد فلم يبق إلا صرفه إلى الغناء إذ لا إشعار له بغيره أصلا وهذا مما لا شك في ولذلك أورده الكليني وغيره في باب الغناء.
الحادي عشر: ما رواه عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أصغى إلى ناطق فقد
ص: 47
عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان(1).
الثاني عشر: ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغناءيوجب النفاق ويعقب الفقر(2).
أقول: وقد تقدم ما يدل على ذلك ويأتي ما يدل عليه إن شاء الله تعالى.
ص: 48
العددالثاني عشر لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة
بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفار او المحشون عليه.
القسم الاول في مرويات الاسفار
تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار ع والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة الجديدة من الاسفار .
ص: 49
تتمة الاحاديث التي ذكرها في الجزء التاسعالحديث الثلاثون : صلى يوما الصلاة ثم رقى المنبر فاشار بيده قبلة المسجد فقال قد رايت ... . اقول: لم اجده في المصادر المتاحة .
الحديث الحادي والثلاثون : فزت ورب الكعبة(1).
مرسل في خصائص الائمة ص 63 , والمسترشد للطبري الشيعي ص 4 , ومناقب ابن شهراشوب ج1 ص 385 وطرائف ابن طاووس ص 519 وغيرها والكلمة في مصادرنا للامام امير المؤمنين صلوات الله عليه لما طعنه اللعين ابن ملجم , وفي كتب العامة قالها حرام بن ملحان يوم بئر معونة راجع البخاري ج 5 ص 43 وغيرها .
الحديث الثاني والثلاثون : قبر المؤمن روضة من رياض الجنة وقبر المنافق حفرة من حفر النيران(2).
لم اجده بهذا اللفظ لكن وجد بالفاظ اخرى بنفس المضمون في :الفقيه ج1 ص 171 والاختصاص للمفيد ره ص 361 والامالي للطوسي ره ص 28 وغيرها .
ص: 50
منها : ويقال عند النظر إلى القبر : " اللهم اجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النيران- من لايحضره الفقيه - الشيخ الصدوق ج 1 ص 171 .و إنما أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة - الاختصاص- الشيخ المفيد ص 360 .
قال أمير المؤمنين ( (علیه السلام) ) : ألا إن القبور روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران - مشكاة الأنوار- علي الطبرسي ص 525
الحديث الثالث و الثلاثون : قلب المؤمن عرش الله(1).
عامي موضوع صرح بذلك العجلوني في كشف الخفاء ج 2 ص100 , وقد تقدم .
الحديث الرابع و الثلاثون : قول الله عز وجل صراط الذين انعمت عليهم يعني محمدا وذريته(2) .
معاني الاخبار للصدوق ره ص36 .
الحديث الخامس و الثلاثون : كذب الوقاتون(3).
الامامة والتبصرة من الحيرة لعلي بن بابويه ره ص 95 و الكافي ج 1 ص 368 وغيرهما .
ص: 51
الحديث السادس و الثلاثون : كما تعيشون تموتون وكما تنامون تبعثون(1) .لم اجده في المصادر المتاحة نعم روى في العوالي مرسلا قريب منه ونصه : وقال ( (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ) : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ، وكما تبعثون تحشرون " .
الحديث السابع و الثلاثون : لا اية اكبر مني(2)
.
في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 96 : "عن ابى جعفر(علیه السلام) قال قلت جعلت فداك ان الشيعة يسئلونك عن تفسير هذه الاية عم يتسائلون عن النباء العظيم
قال فقال ذلك إلى ان شئت اخبرتهم وان شئت لم اخبرهم قال فقال لكنى اخبرك بتفسيرها قال فقلت عم يتسائلون قال فقال هي في امير المؤمنين (علیه السلام) قال كان امير المؤمنين يقول ما لله آية اكبر منى ولا لله من نبأ عظيم اعظم منى ولقد عرضت ولايتي على الامم الماضية فابت ان تقبلها قال قلت له قل هو نباء عظيم انتم عنه معرضون قال هو والله امير المؤمنين (علیه السلام)" . ورواه القمي ره في التفسير ج1 ص309 وغيرها .
الحديث الثامن و الثلاثون : لا يركبن رجل بحرا الا غازيا او معتمرا فان تحت البحر نارا او تحتالنار بحرا (3).
السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 334 وج 6 ص 18 .
ص: 52
العدد الخامس عشر
تتمة البحث
إن قلت : مقتضی قاعدة : إنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد ، هو امتناع صدور شيء واحد مركّب عن الذات البسيطة فضلاً عن صدور أشياء كثيرة في رتبة واحدة .
قلت : هذه القاعدة - لو سلمت - إنما تجري عقلاً فيما إذا كان الفاعل منفرداً عن معنى الفاعلية الحقيقية ، بل كان أثره على نحو الفيضان والترشح منه كما ذكرناه آنفاً .
ص: 53
ولكن حيث إنّ فاعليّته تعالى ليست على نحو الفيضان والتنزّل بل هي على نحو الإبداع لا من شيء فلا يمتنع منه إيجاد المركّب أو الأشياء الكثيرة كائنةً ما كانت في رتبة واحدة(1).
ص: 54
فإنّ الفطرة والعقل كما أشرنا يحكمان بأنّ الموجود القادر على إبداع الحقائق والأشياء لا من شيء أشرف وأكمل من الموجود الّذي تكون فاعليّته وقادريّته بفيّاضيّته من ذاته(1) .
وهذا النحو من الفاعلية هو من كمالاته وخصائص ذاته تعالى شأنه وليس كمثله شيء ، والّذين ذهبوا إلى خلاف ذلك ما قدروا اللّه حقّ قدره .
ص: 55
وأيضاً ظهر ممّا قلناه أنّ عدم جريان قاعدة الواحد في مورد ذاته تعالى وخروجه سبحانه عنها يكون من باب الخروج الموضوعي والتخصّص ، لا الخروج الحكمي والتخصيص في حكم عقلي ، فلا مجال لتوهم هذا الإشكال أيضاً في هذا الباب كما لا يخفى(323) .
ثم إني ألفيت ما أشرت له في كلام المرجع الديني السيد الخوئي رحمه الله - في مباحث أصول الفقه - حيث قال في ردّه على مقالة بعض الفلاسفة :
من البديهي أنّ وجوب وجوده تعالى لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج ، وذلك لأنّ الضرورة ترتكز على أن يكون إسناد الفعل إليه تعالى كإسناد المعلول إلى العلّة التامّة لا إسناد الفعل إلى الفاعل المختار .
فلنا دعويان :الأُولى : إنّ إسناد الفعل إليه ليس كإسناد المعلول إلى العلة التامة .
الثانية : إنّ إسناده إليه كإسناد الفعل إلى الفاعل المختار .
أمّا الدعوى الأُولى فهي خاطئة عقلاً ونقلاً .أمّا الأوّل : فلأنّ القول بذلك يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة والسلطنة عنه تعالى فإنّ مردّ هذا القول إلى أنّ الموجودات بكافّة مراتبها الطولية والعرضية موجودة في وجوده
ص: 56
تعالى بنحو أعلى وأتمّ وتتولّد منه على سلسلتها الطولية تولّد المعلولعن علّته التامة ، فإنّ المعلول من مراتب وجود العلة النازلة وليس شيئاً أجنبيا عنه .
مثلاً : الحرارة من مراتب وجودالنار وتتولد منها وليست أجنبيّة عنها . . وهكذا ، وعلى هذا الضوء فمعنى علية ذاته تعالى للأشياء ضرورة تولدها منها وتعاصرها معها ، كضرورة تولد الحرارة منالنار وتعاصرها معها ، ويستحيل انفكاكها عنها ، غاية الأمر أنّالنار علة طبيعية غير شاعرة
ومن الواضح أنّ الشعور والالتفات لا يوجبان تفاوتاً في واقع العلية وحقيقتها الموضوعية ، فإذا كانت الأشياء متولدةً من وجوده تعالى بنحو الحتم والوجوب ، وتكون من مراتب وجوده تعالى النازلة بحيث يمتنع انفكاكها عنه، فإذن ما هو معنى قدرته تعالى وسلطنته التامة ؟
على أنّ لازم هذا القول انتفاء وجوده تعالى بانتفاء شيء من هذه الأشياء في سلسلته الطولية لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علة التامة .
وأمّا الثاني : فقد تقدّم ما يدلّ من الكتاب والسنة على أنّ صدور الفعل منه تعالى بإرادته ومشيته .
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكر من الضابط للفعل الاختياري - وهو أن يكون صدوره من الفاعل عن علم وشعور ، وحيث إنه تعالى عالم بالنظام الأصلح
ص: 57
فالصادر منه فعل اختياري - لا يرجع إلى محصل ، بداهة أنّ علم العلة بالمعلول وشعورها به لا يوجب تفاوتاً في واقع العلية وتأثيرها .
فإنّ العلة سواء أكانت شاعرة أم كانت غير شاعرة فتأثيرها في معلولها بنحو الحتم والوجوب ، ومجرد الشعور والعلم بذلك لا يوجب التغيير في تأثيرها والأمر بيدها ، وإلاّ لزم الخلف .
فما قيل : من أنّ الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار هو أنّ الأوّل غير شاعر وملتفت إلى فعله دون الثاني ، فلأجل ذلك قالوا : إنّ ما صدر من الأوّل غير اختياري وما صدر من الثاني اختياري ؛ لا واقع موضوعي له أصلاً ، لما عرفت من أنّ مجرّد العلم والالتفات لا يوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض أنّ نسبة الفعل إلى كليهما على حدّ نسبة المعلول إلى العلة التامة .
وأمّا الدعوى الثانية ، فقد ظهر وجهها مما عرفت من أنّ إسناد الفعل إليه تعالى إسناد إلى الفاعل المختار ، وقد تقدّم أنّ صدوره بإعمال القدرة والسلطنة ، وبطبيعة الحال أنّ سلطنة الفاعل مهما تمّت وكملت زاد استقلاله واستغناؤه عن الغير ، وحيث إنّ سلطنة الباري عزّوجلّ تامّة من كافّة الجهات والحيثيات ولا يتصوّر فيها النقص أبداً ، فهو سلطان مطلق وفاعل ما يشاء ، وهذا بخلاف سلطنة العبد ؛ حيث إنها ناقصة بالذات فيستمدّها في كل آن من الغير ، فهو من هذه الناحية مضطرّ فلا اختيار ولا سلطنة له وإن كان له اختيار وسلطنة من ناحية أُخرى ، وهي ناحية إعمال قدرته وسلطنته ، وأمّا سلطنته
ص: 58
العدد السابع عشر
ابن عربي وغلوه في الحديث عن نفسه
طعنه برسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)
154- وقال: «ورد في الحديث الصحيح: عن النبي صلی الله عليه وسلم، أنه قال لبلال: يا بلال سبقتني إلی الجنة، فما وطئت منها موضعاً إلا سمعت خشخشة أمامي.
فقال: يا رسول الله، ما أحدثت قط، إلا توضأت، ولاتوضأت إلا صليت ركعتين..
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: بهما(1).
محاولة الطعن بعلي (علیه السلام):
155- ثم في موضع آخر في كتابه الفتوحات المكية وفي سياق كلامه لنفسه يصل إلی علي أمير المؤمنين (علیه السلام)، فيحاول أن يدس في كلامه ما ينقص من قدره(علیه السلام)، ويثير حوله أكثر من شبهة وسؤال، وذلك حين يشير إلی
ص: 60
قضية مكذوبة تتحدث عن تسبيح الحصی في كف النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وعمر، وعثمان ، وسكوته في كف علي..فيقول لنفسه:
«يا نفس هذا علي رضي الله عنه، علی تمكنه فيما تدعينه من المقام والحال، قد علم المقام، وعمله، وأحكمه، ووفی الحقائق حقها علی أتم الوجوه».....
«انظري يا نفس إلی تمكنه في المعارف، وتبرزه في صدور المواقف، وضربه بيده إلی صدره، فيقول: إن ها هنا لعلوماً جمة، لو وجدت لها حملة».....
«فلم يعلق بقلبه كون، ولم يحجبه ذلك كله عن تحققه في المشاهدة، بل ذلك تمكين علی تمكين»..
ثم ناشد نفسه، فقال لها: «هل صاحبت هذا الحال استصحاب هذا الإمام؟!»....
«ومن مثل علي، وهذا مقامه؟!، ومن يعادله وهذا كلامه؟!، لو لم ينبه لغفلتنا عن شرف منزلته إلا بسكوت الحصی في كفه، لكان ذلك تنبيهاً لكل قلب نبيه!!»(1).
ابن عربي يصطنع الأحاديث وينسبها للرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)
يصطنع الأدعية وينسبها للرسول في المنام!!
156- يقول في دعائه في الباب الأخير من «الفتوحات» :
ص: 61
«اللهم اسمعنا خيراً، وأطلعنا خيراً! ورزقنا الله العافية، وأدامها لنا، وجمع الله قلوبنا علی التقوی، ووفقنا لما يحب ويرضی! {رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
ثم يقول:
«.. هذا الدعاء سمعته من رسول الله صلی الله عليه[وآله]وسلم في المنام، يدعو به بعد فراغ القارئ عليه من كتاب« صحيح البخاري»، وذلك سنة تسع وتسعين وخمس مائة، بمكة، بين باب الحزَّورة وباب أجياد، يقرؤه الرجل الصالح محمد بن خالد الصدفي التلمساني، وهو الذي كان يقرأ علينا كتاب «الإحياء» لأبي حامد الغزالي»(1) .
يعتبر أن ما يرويه البخاري ثابت، ويعتبر رواة السند بما فيهم أبوهريرة وأضرابه، ثقاة:
157- كما أنه يعتبر أن ما يرويه البخاري ثابت، ويعتبر رواة السند بما فيهم أبو هريرة وأضرابه، ثقاة(2).
تعليق مع أن كذب أبي هريرة أضحی وأشهر من نار علی علم، فراجع كتاب«شيخ المضيرة أبو هريرة» لمؤلفه العالم الأزهري «الشيخ محمود أبو ريه».
ص: 62
مصدر التشريع في عقيدة ابن عربي
«الأحكام» هي مصدر إبن عربي في «الأحكام»!
158_ وقال: «وسألت رسول الله صلی الله عليه[وآله] وسلم في تلك الرؤيا عن المطلقة بالثلاث في لفظ واحد، وهو أن يقول لها: أنت طالق ثلاثاً؟
فقال لي صلی الله عليه[وآله] وسلم: «هي ثلاث كما قال:[ف] لاتحلُّ له [من بعد] حتی تنكح زوجاً غيره».
فكنت أقول له: يا رسول الله ! فإن قوماً من أهل العلم يجعلون ذلك طلقة واحدة؟
فقال صلی الله عليه[وآله] وسلم :أولئك حكموا بما وصل إليهم، وأصابوا .
ففهمت من هذا تقرير حكم كل مجتهد ، وأن كل مجتهد مصيب، فكنت أقول له : يا رسول الله ، فما أريد في هذه المسألة إلا ما تحكم به أنت إذا استفتيت، وما لو وقع منك ما كنت تصنع؟
فقال: هي ثلاث كما قال: لا تحل له حتی تنكح زوجاً غيره .
فرأيت شخصاً قد قام من آخر الناس، ورفع صوته وقال بسوء أدب، يخاطب صلی الله عليه[وآله] وسلم، يقول له:
يا هذا بهذا اللفظ لا نحكِّمك بإمضاء الثلاث ، ولا بتصويبك حكم أولئك الذين ردوها إلی واحدة!
فاحمر وجه صلی الله عليه[وآله] وسلم غضباً علی ذلك المتكلم، ورفع صوته يصيح:
ص: 63
هي ثلاث كما قال[تعالی]: { فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } ، تستحلون الفروج؟!
فما زال صلی الله عليه [وآله] وسلم يصيح بهذه الكلمات حتی أسمع من كان في الطواف من الناس، وذلك المتكلم يذوب ويضمحل حتی ما بقي منه علی الأرض شيء .
فكنت أسأل عنه: من هو هذا الذي أغضب صلی الله عليه [وآله] وسلم؟
فيقال لي: هو إبليس لعنه الله . فاستيقظت . . »(1).
ص: 64
العدد الخامس عشر
تتمة البحث السابق حول حرمة اللهو
2- ما يمكن ان يستدلّ به علی جواز الموسيقی في الاعياد والافراح.
الف- ما رواه الشيخ الحر في الوسائل عن علي بن جعفر عن اخيه (علیه السلام) قال سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحی والفرح قال لا بأس به مالم يعص به (1).
والرواية تامة سنداً كما نقّحناه في كتاب الغناء(2).
وامّا من ناحية الدلالة فالاستدلال بها للمقام متوقّف علی امرين:
الامر الاوّل: ما ذكرناه اخيراً من شمول الغناء للموسيقی ويؤيّده الخبر الآتي.
الامر الثاني: ان يكون الصحيح كما قوّيناه في كتاب الغناء(3) هو ما لم يعص به لا ما جاء في بعض النسخ ما لم يزمّر به والاّ تكون الرواية اجنبية عن المقام بل تدلّ علی عكس المطلوب.
ص: 65
فاذا تمّ الاستدلال بهذه الرواية في اثبات جواز الموسيقی في الاعياد والافراح فحينئذٍ يمكن الغاء الخصوصية عن هذه الايّام بعد ملاحظة ما جاء من الآداب العبادية في الاعياد الاسلامية فاحتمال الترخيص فيها ابعد من غيرها من سائر الايام فاذا كان يجوز فيها الموسيقی فيجوز في سائر الايّام وامّا حمل الشيخ الحر قدّس سرّه الرواية علی ما اذا اتّفق معه العرس, فقد قلنا بانه لا عبرة به واجبنا عنه في كتاب الغناء فراجع(1).
ب- ما جاء في سنن ابن ماجة عن عائشة قالت: دخل عليّ ابوبكر وعندي جاريتان من جواري الانصار تغنّييان بما تقاولت به الانصار يوم بعاث- قالت وليستا بمغنّيتين- فقال ابوبكر أَبمزمور الشيطان في بيت النبي صلِی الله عليه وآله وذلك في يوم عيد الفطر فقال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يا أبابكر ان لكل قوم عيداً وهذا عيدنا(2).
والرواية ساقطة سنداً. وامّا من ناحية الدلالة: فان الظاهر من قوله أبمزمور الشيطان اي المزمار وهو الآلة التي يزمّر بها وهو من آلات الموسيقی.
وقيل هو يطلق علی الغناء وعلی الدف وعلی قصبة يزمربها.فعلی ما استظهرناه يكون هذا الخبر دليلاً علی ان الغناء يطلق علی الموسيقی
ص: 66
بالمصطلح الخاص (والمقصود من قولها وليستا بمغنّيتين اي ليس التغنّي من دأبهما وعادتهما).3- يمكن ان يستدلّ علی جواز الموسيقی في الجملة بما دلّ علی تعدّي من كسر آلات الموسيقی.
نحو ما في قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر عن ابيه قال اُتي عليّ عليه السلام برجل كسر طنبور رجل فقال تعدّی(1).
والاستدلال بهذه الرواية متوقّف علی تمامية البيان التالي:
ان عدّ الرجل الذي كسر الطنبور متعديّاً كاشف عن اعتبار المالية للطنبور مما يأتي منه الفساد محضاً لان مالية كل شيء لدی العرف علی اساس الحيثيّة التي ينتفع بها العقلاء فمثلاً اعتبار مالية الطنبور عند العقلاء ليس من ناحيه انه يمكن ان يستخدم حطباً ووقوداً لانه يُعَدّ ذلك اتلافاً واسرافاً للمال بل باعتبار انه آلة من آلات الموسيقی.
وبعبارة اخری ان عدم الغاء الشارع ماليّة الطنبور بما هو طنبور دليل علی ان للطنبور بما هو طنبور منافع محللّة في الجملة وان يستخدم كثيراً ما في ما هو محرّم.
ولكن الجواب عن ذلك. اولاً: ان الرواية ساقطة سنداً.
وثانياً: علی ما قيل ان الحديث، مذكور في قرب الاسناد طبعة النجف الاشرف ص87 وفيه مكان تعدّی بُعداً.
ص: 67
وثالثاً – هذه الرواية معارضة مع مارواه الكليني عن ابي عبد الله عليه السلام ان اميرالمومنين عليه السلام رفع اليه رجل قتل خنزيراً فضمّنهورفع اليه رجل كسر بربطاً فأبطله(1)
وفي دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عن علي عليهم السلام انه قال من تعدّی علی شيء مما لايحلّ كسبه فأتلفه فلا شيء عليه فيه ورفع اليه رجل كسر بربطاً فابطله(2).
وفيه ايضاً عن ابي جعفر عليه السلام انه قال من كسر بربطاً او لعبة من اللعب او بعض الملاهي او خرق زقّ مسكر او خمر فقد احسن ولاغرم عليه(3).
4- الاستدلال علی جواز الموسيقی بما دّل علی جواز بيع الخشب ممن يتّخذه برابط.
الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة قال كتبت الی ابي عبدالله عليه السلام أساله عن رجل له خشب فباعه
ص: 68
ممن يتّخذه(1) برابط فقال لابأس به وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلباناً قال لا(2)والرواية تامة سنداً. وامّا من ناحية الدلالة فيقال: انه لولا وجود منافع محللّة للبرابط لما صّح بيع الخشب ممن يتّخذه برابط وهذا هو نكتة الفرق بين من يتّخذ الخشب برابط ومن يتّخذه صلباناً وصنماً لانه لا يفترض في الصلبان والصنم منافع محللّة.
ولايقال انه يمكن ان تستخدم البرابط في غير الموسيقی فمثلاً يجعل حطباً ووقوداً.
لانه يقال: اولاًكما ذكرنا في ماسبق ان منافع كل شيء بحسبه وباعتبار الغاية التي من اجلها تصرف الطاقة والعمل لايجادها ويبذل المال بازائها فان الغاية المطلوبة من صناعة البربط هي ان تكون آلة من آلات الموسيقی بحيث تكون قابلة لان تستخدم في مجالها بنحو المطلوب. ولو ان احداً اشتری البرابط ليجعلها وقود مجمرته ووسيلة لتدفئته يكون مذموماً عند العقلاء ويُعدّ سفيهاً.
ص: 69
وثانياً: لو ان قابليّة صيرورة البربط حطباً تعدّ من المنافع المحلّلة عند العرف او الشرع فهذه القابليّة مستودعة في الصلبان ايضاً فلماذا هذا التفصيل (جواز بيع الخشب ممن يتّخذه برابط وعدم جوازه ممن يتّخذه صلباناً).ولكن يمكن المناقشة في هذا البيان بان جواز الخشب ممن يتخّذه برابط لايستلزم افتراض وجود منافع محللّة لها- لان البايع انما يقصد بيع الخشب ولايقصد من بيعه صناعة البرابط-
وقد روی الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة قال كتبت الی ابي عبدالله عليه السلام أساله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابّته ممن يحمل فيها او عليها الخمر والخنازير قال لاباس(1).
(واحتمال كون هذه الرواية قطعة اخری من الرواية السابقة التي هي مورد كلامنا موجود).
ولعلّ الفرق بين البرابط والصلبان والاصنام كامن في ان الصلبان والاصنام مما تمسّ بالعقائد والعبادات واحتمال الفرق بينها وبين سائر المحظورات الشرعيّة التي لا مساس لها بالعبادة والمسائل الاعتقادية موجود. ولذا جاء في رواية اخری عن عمرو بن حريث قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن التوت أيبيعه يصنع به الصليب والصنم قال لا(2).
ص: 70
ان مسئلة بيع المباح ممن يستخدمه في الحرام محل كلام بين الاصحاب منهم من منعه بنحو مطلق ومنهم في صورة الاشتراط ومنهم من احتاط في مقام الفتوی ومنهم من استظهر الجواز في ما اذا يعلم بان المشتريسوف يستخدمه في الحرام بل منهم من ذهب الی صحة المعاملة حتی في صورة الاشتراط وذلك لان الشرط الفاسد لايفسد العقد.
للبحث صلة
الحلقة التاسعة عشرة
لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسّين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض استعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهارانحرافات الشيخية حتی
ص: 71
تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة. المجلة
المسألة الثالثة عشرة
خلق العالم من شعاع انوار الائمة
ومن معتقدات الشيخية قولهم: « أن الله عزوجل خلق المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم أجمعين ولا يضرنا خلاف الشيخ المفيد عليه الرحمة،إذ هو خلاف صريح الأخبار المستفيضة وضرورة مذهبنا الآن(1).
ثم خلق من شعاع نور أجسامهم حقائق الأنبياء، ونسبة حقائق الأنبياء إلی أجسامهم كنسبة نور الشمس إليها.. ثم خلق من شعاع نور الأنبياء حقائق الشيعة بالمعنی الأعم.. إلی أن قال: ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطر منه مائة وأربعة وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين، الخبر . ثم خلق من شعاع نور الشيعة المؤمنين من الجن . . .إلی أن قال: وهذا هو المراد مما ذهب إليه الشيخ الأوحد: من كون المعصومين الأربعة عشر عللّا مادية لمؤمني تمام الطبقات، لأنهم خلقوا من شعاع نور أجسامهم, وكفارها أيضاً لأنهم خلقوا من عكس شعاعهم . . »(2)
.
ص: 72
هذا ما يعتقده أتباع الشيخ أحمد الاحسائي، من أن المعصومين الأربعة عشر(علیهم السلام) هم العلة المادية لجميع المخلوقات، فجميع ما في العالم مخلوق من شعاع نور أجسامهم، فالأنبياء ومؤمنو الإنس والجن، وكذلك مؤمنو الحيوانات والنباتات والجمادات ما هي إلا رشحات وقطرات ذلك النور، فكل قطرة فهي روح نبي أو رسول، ومن تلك الأرواح التي تنفست خلق الله الأولياء والشهداء والصالحين، فالبشر(وهم الإنس) باعتقاد فرقة الشيخية، خلقوا من شعاع نور أجسام الأئمة (علیهم السلام) إلی آخرمايعتقدونه. وهذه مخالفة صريحة لكتاب الله سبحانه. قال تعالی: { وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبّكَ قَدِيراً}(1).
ولم يقل (وهو الذي خلق من شعاع نور أجسامهم(علیهم السلام) ولا من شعاع نور الشيعة)، بل قال:{ وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً . .}. وقال تعالی:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }(2) . وهذا خطاب لجميع البشر من أن الله خلقهم من تراب، وليس من نور شعاع أجسام الأئمة(علیهم السلام). وقال تعالی:{ إِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ} (3). ولم يقل: إني خالق بشراً من شعاع الأنبياء أو الأئمة. وقال تعالی علی لسان إبليس: { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}(4)
. فأين قول ميرزا موسی: «ثم خلق من
ص: 73
شعاع نور الشيعة المؤمنين من الجن». والله يقول: { وَالْجَانّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نّارِ السّمُومِ }(1)،
{ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }(2)،{ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ }(3).
وقال تعالی:{ خَلَقَالْإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ }(4).
أراد كل إنسان بما فيهم الأنبياء والأئمة(علیهم السلام) . وقال تعالی: { خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ* وَخَلَقَ الْجَانّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ}(5)
. وقال تعالی:{ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}(6)
. ولم يقل من نور محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) . وقال تعالی: { الّذِي أَحْسَنَ كُلّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}(7) ، فالطين هو أصل الإنسان لا مايقوله أتباع الاحسائي . وقال تعالی: { إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(8) . وقال تعالی: { وَاللّهُ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ . .}(9) . وقال
ص: 74
تعالی: { هُوَ الّذِي خَلَقَكُم مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نُطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً . .}(1)
. وقال تعالی: { فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَم مّنْ خَلَقْنَا إِنّا خَلَقْنَاهُم مِن طِينٍ لاّزِبٍ}(2)
. وقال تعالی: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ* ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِيقَرَارٍ مّكِينٍ* ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(3) .
وهذه هي الأدوار التي يمر بها الإنسان في خلقه . فأين إذن ما يقوله(موسی الأسكوئي) من أن الله خلق من شعاع نور أجسادهم (علیهم السلام) جميع الخلق بما فيهم الجن والإنس . فالله يقول: إن الإنسان خلق من طين بما فيهم الأنبياء والأئمة(علیهم السلام) ، وفرقة الشيخية وعلی رأسهم (مشايخهم) ، يقولون: من شعاع نورهم (علیهم السلام) ، فبأي القولين نأخذ، وأيهما نترك؟؟
والله سبحانه يقول: { إِنّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(4) وقال تعالی: { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ }(5) . كل هذه الآيات المصرحة والناصة علی أن أصل الإنسان ومنهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من طين. وقد خالف الشيخية هذه النصوص القرآنية .
ص: 75
هذا وما كان ينبغي من (موسی الاسكوئي) الاعتراض علی( الشيخ المفيد) ، في قوله: «ولا يضرنا خلاف الشيخ المفيد عليه الرحمة، إذ هو خلاف صريح الأخبار المستفيضة وضرورة مذهبنا . . ». فأي أخبار اعتمد عليها (موسی الاسكوئي) في إثبات مدعاه؟ مع أن صريح القرآن ينفي هذه الدعوی ، ومتیأصبحت ضرورة المذهب مخالفة النصوص القرآنية؟ اللهم إلا علی مذهب فرقة الشيخية، وكيف جاز لموسی الاسكوئي أن يحكم بهذا الحكم المخالف لما عليه جميع المسلمين ويدعي مع ذلك أنه من ضرورة مذهبنا؟ وهل خالف الشيخ المفيد قدس سره هذه الأخبار المستفيضة وضرورة مذهب الشيعة التي تخرجه عن المذهب؟ فإن الشيخ المفيد أعلی مقاماً وأكثر اطلاعاً علی أخبار أهل البيت(علیهم السلام) من غيره، وأعظم من أن يرمی بهذه الفرية التي لايقول بها أحد من علماء الشيعة . فالذي خالف ضرورة المذهب، بل ضرورة الدين غيره، ولولا التزامنا بآداب العلماء ، لوضعنا النقاط علی الحروف وبينا المخالف من المتابع لأهل البيت(علیهم السلام) .
وأما اعتماد موسی الاسكوئي علی روايات(رجب البرسي) وأمثاله من المتهمين بالغلو، واعتبارها من الأخبار المستفيضة، ومن أجلها حكم علی الشيخ المفيد بمخالفته لصريح هذه الأخبار، فهي روايات ساقطة عن الاعتبار، لاتهام(رجب البرسي) بالخلط والخبط والارتفاع. وإليك مثالًا واحداً لذلك:
ص: 76
قال الحافظ (رجب البرسي) في تفسير قوله تعالی من كتابه(مشارق أنوار اليقين) : { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ}(1) . «يعني عن ذكر علي، وفي هذه لفتات كثيرة، (الأول) : أن الرب هنا المولی وعلي هو المولی، ومعناه من يعرض عنذكر مولاه»(2)
هذا هو حال (رجب البرسي)، فهل يبقی بعد ذلك وثوق برواياته التي يرويها في كتابه(مشارق أنوار اليقين) التي اعتمد عليها أتباع الشيخ الاحسائي.
وإليك أخي المؤمن ما نقله (موسی الاسكوئي) عن رجب البرسي هذه الرواية العجيبة والغريبة في آن واحد، قال: «ويدل عليه خبر البرسي في مشارق الأنوار، قال: روي عن الحسن بن علي (علیه السلام) أن أميرالمؤمنين(علیه السلام) قال للحسن والحسين عليهما السلام: إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا عليَّ التراب وانظرا ما يكون، فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما أمرا به، ونظرا وإذا الضريح مغطی بثوب من سندس، فكشف الحسن (علیه السلام) مما يلي وجه أميرالمؤمنين(علیه السلام)، فوجد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وآدم وإبراهيم يتحدثون مع أمير المؤمنين(علیه السلام) .
ص: 77
وكشف الحسين مما يلي رجليه، فوجد الزهراء وحواء ومريم وآسية عليهن السلام ينحن علی أمير المؤمنين (علیه السلام) ويندبنه انتهی»(1)
. ثم عقّب الميرزا (موسی) بعد ذلك بما صرح به شيخه الأوحد في قوله: «ويصرح بما ذكرنا في أماكن عديدة من مصنفاته وكتبه الشيخ الأوحد الاحسائي(..) نذكربعض تصريحاته وبياناته كنساً لغبار أوهام الضعفاء . . إلی قوله: «فاعلم أنهم أنوار لا كثافة في أجسامهم بوجه بحيث لا تدركها الأبصار بل أكثر البصائر وهي حينئذ في رتبة لطافة العرش . . »(2)
.
فإذا كان المعصومون (علیهم السلام) لا تدركهم الأبصار بل وأكثر البصائر، فهل حواء ومريم وآسيه عليهن السلام كذلك لا تدركهم الأبصار وهن في رتبة لطافة العرش، ليكنّ عند رجلي أمير المؤمنين(علیه السلام) يندبنه وينحن عليه (علیه السلام) ، أم هومن زخرف القول وسخافته؟ وهل هناك مخلوق ممكن لا تدركه الأبصار؟ مع أن هذا الوصف مختص بالواجب القديم لا الممكن الحادث. قال تعالی: { لَاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ }(3) .
فاعتماد (الشيخ الاحسائي) ومن تبعه علی مثل هذه الروايات التي لا يقرها العقل ويخالفها كتاب الله تعالی، دليل علی بطلان وفساد تصريحات (الاحسائي) وبياناته ليكنس بهذه التصريحات الباطلة غبار أوهام الضعفاء.
ص: 78
العدد الرابع عشر
وَإن تُرد زِيادَةً بَديعةً***فِي دَفعِهِ فَاسئَلهُ مَا الطّبيعَةُ
وَاحِدٌ أم هِیَ قَد تَعَدَّدت***نوعِيَّةٌ في ذَينِ أم تَفَرَدَّت
ص: 79
والحاصل: إنّ هذا امر ظاهر في العقول أنّ كل شيء فرض صانعاً للاشياء، ومدبّراً لها، لابّد ان يفرض له علم وقدرة وحكمة لما فيها من آثار ذلك، فلا يكون مؤثرها فاقداً لها.
وَإن تُرد زِيادَةً علی هذا التحرير، بَديعةً في التقرير فِي دَفعِهِ بجميع الفروض والتّصاوير، فَاسئَلهُ : مَا الطّبيعَةُالتّي تفرضها؟ أهِیَ طبيعة وَاحِدٌ أم هِیَ قَد تَعَدَّدت؟ ثم هي طبيعة نوعِيَّةٌ في ذَينِ القسمين، أم تَفَرَدَّت فهي فردية فيهما؟ يعني، أنّها علی فرض وحدتها واحدة نوعيّة، فيكون نوع واحدسارياً في جميع الأشياء ، او واحدة فرديّة شخصيّة، بان تفرض الطبيعة شخصاً واحداً جزئيّاً مؤثّراً في الكلّ، وعلی فرض تعدّدها ايضاً، إمّا ان تفرض انواعاً متعدّدة علی عدد الماهيّات المتبائنة، فتكون لكلّ ماهيّة طبيعة نوعيّة تخصّ بها، او تغرض طبائع متعدّدة شخصيّة علی عدد الاشخاص، فتكون لكلّ شخص طبيعة خاصّة تؤثر فيه.
فَإن يَكُن وَاحِدَةً شَخصِيّةً***كَامِلَةً قَديمَةً ذَاتِيَّةً
فَذي هُوَ اللهُ بِغَيرِ مين***وَإن تَكُن فَاقِدَةَ الوَصفَين
اَو وَاحِداً فَهي إذن سَخيفَة***في وَصفِهَا وَذَاتُهَا ضَعِيفَةٌ
إذ فَاقِدُ الكَمَالِ غَيرُ مُعطٍ***وَذُو الحُدُوثِ نَفسُهُ
وَ إن تَكن طَبيعَةً نَوعِيّةً***سَارِيَةً فِي الكُلِّ خارِجيّةً
فَان نَفی فِي الجَامِعِ الوُجُودِ***بَينَ المَهِيّاتِ سِوَی الوُجُود
ص: 80
فَذُاكَ وَحدَةُ الوُجُودِ ***طَبيعَةً نَوعِيَّةً فَعُمِّيَت
فَإن يَكُن وَاحِدَةً شَخصِيّةً ، ولا محالة تكون منفصلة عن الأشياء ، خارجة عنها؛ اذ لايعقل كونها داخلة فيها مع التجزّي فتخرج عن كونها واحدة شخصية؛ وحينئذٍ فلا يخلو إمّا ان تكون كَامِلَةً في العلم والقدرة ، قَديمَةً في الوجود، ذَاتِيَّةً فيه وفي كمالها، ولازم ذلك كونها بسيطة ايضاً، اذ التّركيب ينافي القدم ، كما سياتي؛ او لم تكن كذلك ، بل هي فاقدة في الجهات.فان كان الأوّل، فَذي هُوَ اللهُ بِغَيرِ مين ، اذ لا نعني به الّا الواحد الشخصي البسيط الكامل القديم بالذات؛ وَإن تَكُن فَاقِدَةَ الوَصفَين ، اي الكمال والقدم الذّاتي، اَوفقدت وَاحِداً منهما،فَهي إذن ،سَخيفَة في وَصفِهَا لنقصها، وَذَاتُهَا ايضاً ،ضَعِيفَةٌ،عاجزة، فليس لها شأنية الصنعة والربوبيّة،إذ فَاقِدُ الكَمَالِ غَيرُ مُعطٍ وَذُو الحُدُوثِ نَفسُهُ مُستَعطِی،يستعطي الوجود لنفسه من غيره، وَ إن تَكن الطبيعة الواحدة المفروضة، طَبيعَةً نَوعِيّةً ، سَارِيَةً فِي الكُلِّ، ولا محالة تكون خارِجيّةً، عينيّة؛ اذ لو كانت اعتباريّة كالطبيعة المفهوميّة لا تؤثّر شيئاً في العين وحينئذٍ فَان نَفیهذا القائل فِي الجَامِعِ الوُجُودِيّ ، بَينَ المَهِيّاتِ كلّ شيء سِوَی الوُجُود، فَذُاكَ الجامع المفروض بعينه «وَحدَةُ الوُجُودِ» عند القائل بها، ولكن سُمِّيت طَبيعَةً نَوعِيَّةً عند هذا القائل؛ فَعُمِّيَت حقيقتها وليس معه الكلام، سوی الكلام في وحدة
ص: 81
الوجود وسيأتي ابطالها -ان شاءالله-مفصّلاً ،الّا إنّي اذكر هُنا ما يستلزم هذا الفرض من الفساد في المقام.
ثُمَّ عَلَيهِ اَو عَلی مَافَرَضَهُ***فَإن يَكُن عَينُ الَّذِي قَد
اتَّحَدَ العِلَّةُ وَالمَعلُولُ***وَاستَحدَثَ الفَاعِلُ والمَفعُولُ
وَكَيفَ قَد تَكَثَّرَ البَسيطُ***اَم كَيفَ الأضدادُ بِهِ تُحِيطُ
وَإن يكن جُزءً عَلَی التّمام***فَفِيهِ ما فيهِ مِن الكَلَامِ
إذ بِوُجُودِ كُلِّهِ استَناداَ***لَو كَانَ عِلَّةً لَهُ لَدَارا
وَإن تَجزّی فَالبسيط انتَشَرا***وَصَارَ حادِثاً لِمَا تَغيَّرَا
وَإن يكُن مَعهُ بِلَا تَقَوُّمٍ***وَمَعَ فَنَاءِ الشيءِ لَم يَنعَدِم
فَقَد تَجَزَّی مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ***أو آلَ أمرُهُ اِلی التَّعَدُّدِ
وَالحُكمُ فِيهِ عَينُ مَا لَوِ***فِي النُّوعِ والشَّخصِ وَإذ زَادَ
فَقَد تَعَدَّدَ القَديمُ الذَّاتِي***لَو فُرِضَت كَامِلَةً بِالذَّاتِ
وان كان لايقول بوحدة الوجود، بل يفرض الطبيعة النوعيّة العينيّة غير الوجود، فهو ايضاً مثله في الفساد ويرد عليه ما يرد عليه من الأيراد ؛ ولذلك قلت:ثُمَّ عَلَيهِ؛ اي علی فرض كون الطبيعة، هي الوجود، اَو عَلی مَا فَرَضَهُ ايّ شيء كان غير الوجود، فلا يخلو من احد امور ثلاثة:
امّا ان تكون الطبيعة، عين كُلّ فرد فرد من الأشياء ، او جزئها،او معها من غير عينيّة ولا جزئيّة.
ص: 82
وقد اشرت الي الأوّل بقولي: فَإن يَكُن المفروض عَينُ الَّذِي قَد عَرَضَهُ؛ اي كان العارض والمعروض واحداً، بحيث لم يكن الفرد الّا نفس الطبيعة المفروضة من الوجود او غيره،اتَّحَدَ العِلَّةُ وَالمَعلُولُ،وَاستَحدَثَ الفَاعِلُ والمَفعُولُ؛ اذ المفعول حادث بلافرض، والمفروض أنّه نفس الطبيعة الفاعلة، فهي ايضاً حادثة، والحادث لا يكون صانعاً؛ لأنّه يحتاج الی صانع آخر. وَكَيفَ قَد تَكَثَّرَ البَسيطُ الواحد، فصار عيناً لافراد كثيرة متباينة وغير متباينة؟ فيكون شيء واحد بتمامه عين زيد وعين عمرو وعين الأنسان وعين البقروعين الحجر وهكذا، وهذا ممّا لايعقل. اَم كَيفَ الأضدادُ من الصفات بِهِ تُحِيطُ؟ فإنّه يلزم ان يكون شيئاً واحداً متّصفاً بالأضداد في آن واحد: فيكون قاعداً وقائماً ويقظاناً ونائماً وهكذا. ولعلّه الی هذا اشار بعض المحقّقين حيث قال: «والحقّ أنّ وجود الطبيعي بمعنی وجود اشخاصه.» ، ان اراد بقوله بمعنی أنّه لامعنی لوجود الطبيعي بنفسه، بل المعنيّ بوجوده وجود اشخاصه، وايضاً كيف يؤثّر الشيء الواحد آثاراً مختلفة، متضّادة؛ كما في الجمادات والنّباتات والحيوان والانسان؟
اما الثاني: وهو ان تكون الطبيعة جزأً من الأشياء ؛ فإما ان تكون بتمامها جزءً من كلّ شيء او تكون جزءً لها بنحو التّجزي والتقسيط، فيكون لكلّ شيء قسط منها، وكلاهما باطلان؛ كما قلت:
وَإن يكن المفروض جُزءً من الأشياء عَلَی التّمام، فَفِيهِ ايضاً ما فيهِ؛اي ما في ذلك الفرض مِن الكَلَامِ، فيرد عليه ما يرد عليه، اذ لا فرق في لزوم ما ذكر
ص: 83
بين كونه تمام الأشياء او جزءً منها لوحدة المناط. ولمّا كان في الأيراد الأوّل خفاء تعرضت له بالخصوص،إذ جزء بِوُجُودِ كُلِّهِ استَناد الوجود لنفسه، لبداهة أنّه لا وجود للجزء الّا بوجود الكلّ وحينئذٍ لَو كَانَ الجزء عِلَّةً لَهُ، لَدَارا وهو ظاهر، وَإن فرض أنّ ذلك المفروضتَجزّیوكان في كلّ شيء قسط منه، فَالبسيط إذن انتَشَرا وتفصّم والبسيط لاانفصام له، وَصَارَ ايضاً حادِثاً علی فرض قدمه، لِمَا تَغيَّرَ بسبب التجزّي.وامّا الثالث: وهو ان تكون الطبيعة مع كلّ شيء ، ولكن لا بالممازجة لا تماماً ولا جزءاً، بل كانت موجودة بالإستقلال، قائمة بذاتها، باقية بنفسها ،غير حادثة بحدوث الأشياء، ولا فانية بفنائها، غير أنّها معها تؤثر في كلّ شيء اثرها. فالی بطلانه اشرت بقولي: وَإن يكُنالمفروض مَعهُ بِلَا تَقَوُّمٍ من دون ان يكون مقوّماً له، لابنحو العينيّة ولا بنحو الجزئيّة، وَأنّه ايضاً مَعَ فَنَاءِ الشيءِ لَم يَنعَدِم، فلا يخلو إمّا ان يفرض مع كلّ شيء جزءاً منه، فَقَد تَجَزَّی حينئذٍ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ قطعاً أو آلَ أمرُهُ اِلی التَّعَدُّدِ، فيخرج عن فرض الوحدة الی فرض التّعدد.
بيان ذلك: أنّه لا يمكن فرضه مع الكلّ وبقاؤه علی بساطته ونوعيّته ، اذ المفروض كونه طبيعة نوعية، ولا يمكن فرض النوعيّة الّا بأن يفرض له افراد، ولا يصحّ فرض الأفراد الّا بنحو من الاتّحاد من العينيّة او الجزئية، فإذا فرض خارجاً عن الشيء غير مقوّم له، لم يبق له افراد واقعيّة، كلّ فرد مع شيء من الأشياء ، امّا التجزية والتقسيط، او يفرض له افراد واقعيّة، كلّ فرد مع شيء من
ص: 84
الأشياء ، غير متّحد معه ولا مقوّم له؛ لأنّ النّوع بما هو نوع، لاتحقّق له مالم يكن فرداً؛ كما أنّه لايكون نوعاً ما لم يفرض له فرد. وحينئذٍ، فإذا فرض له افراد متحقّقة، كا ن المؤثر في الإشياء تلك الأفراد ، لا النّوع؛ اذ ليس النوع له تحقّق خاصّ، فيخرج الفرض عن كون المؤثر شيئاً واحداً، اذ الأفراد متعدّدة، فيدخل في فرض التّعدد.وَالحُكمُ فِيهِ من حيث الأيراد، عَينُ مَا لَوِ اتَّحَدَ فِي النُّوعِ والشَّخصِ؛ غاية الأمر، أن النّوع هناك واحد وهنا انواع، والشّخص هناك واحد هنا اشخاص، فيجري ما في النّوع الواحد من الكلام في الانواع المتعدّدة ايضاً، وكذلك في الشّخص، وَإذ زَادَ العَدَدُ هنا لفرض التّعدد، فَقَد تَعَدَّدَ القَديمُ الذَّاتِي إمّا شخصاً ، ان فرض اشخاصاً، او نوعاً، ان فرض انواعاً. وذلك لَو فُرِضَت الأنواع او الأشخاصكَامِلَةًو بِالذَّاتِ، كما هو المفروض، والّا فالكلّ حادث، والحادث ليس بصانع. والكلام في ابطال تعدّد القديم، في باب التوحيد.
ثُمَّ الطَبيعةُ لَديهِم نَاقِصَةٌ***مَحدُودَةٌ فِي فِعلهَا مُخصَصَةٌ
لِأًنَّها كَانَت هِیَ المَدَارُ***فِيمَا بَدَا فِي فِعلِهَا استِمرَارُ
مِن ذاك فِي خَوارِقِ ***اُلجِئَ كَالدَّهري إلی الأِهمَال
فَقَالَ إنَّهَا بِالإِتِّفَاقِ***وَصُدفَةٌ أدَّت اِلی اختراقِ
وَذَا عُدُولٌ اِن يَكُن دَرِيّاً***صَارَ الطبيعيُّ إذَن دَهريّاً
ص: 85
لَو تَمَّ مِثلُ هَذَا الأِتّفاقِ***لَتَمَّ الاِهمَالُ عَلَی الأطلاقِ
«الطبيعة» مع الغضّ عمّا فيها، غير مغنية فيما يتّفق علی خلاف العادة
ثُمَّ الطَبيعةُ لَديهِم؛ اي لدی القائلين بفاعليّتها، نَاقِصَةٌ، غير وافية بتمام الحادثات، مَحدُودَةٌ فِي فِعلهَا، مُخصَصَةٌ بالأمور الجارية علی العادات؛ لِأًنَّها؛ اي الطبيعة، إنّماكَانَت هِیَ المَدَارُ عندهم فِيمَا بَدَا فِي فِعلِهَا،استِمرَارُ وعادة.ومِن اجلذاك، فِي خَوارِقِ الأَفعَال،ِ اُلجِئَ الطبيعيكَالدَّهري إلی اعتقاد الأِهمَالِ، فَقَالَ: إِنَّهَا، اي الأفعال الخارقة للطبيعة بِالإِتِّفَاقِ، وأنّها صُدفَةٌ أدَّت اِلی اختراقِ الطبيعة، وَذَا عُدُولٌ من الطبيعي عن قوله بالطبيعة اِن يَكُن دَرِيّاً، مشعراً به وقد صَارَ الطبيعيُّ إذَن دَهريّاً. والّذي يرد عليه بالخصوص أنّه لَو تَمَّ مِثلُ هَذَا الأِتّفاقِ و الصُدفة، لَتَمَّ الاِهمَالُ عَلَی الأطلاقِ، فلا وجه لتخصيصه ببعض، والقول بالطبيعة في بعض؛ وان لم يتمّ لمحالّية وقوع الشيء من غير سبب، فلا يتمّ في بعض ايضاً.
والحاصل: انّه لو صحّ الاتّفاق، لصحّ موجبة كليّة، كما تقول الدهريّة؛ ولو لم يصحّ فلا يصحّ موجبة جزئية ايضاً، اذ الممتنع لا يصير ممكناً ولو جزئيّاً.
تقرير مذهب«الدّهري» القائل بالأهمال المطلق.
وأن الأشياء كلّها بالعرض والأتفاق، وأنّها ازليّة، وذكر حجّتهم وابطالها
ص: 86
الكلام هنا مع القائل بالأهمال وازليّة الأشياء، سُمّي دهريّاً ام غير دهري. وإنّما خصّصت الدهري بالذّكر، لظهور هذا المقالة منه؛ كما قال تعالی حاكياً عنهم: {وَمَا يُهلِكُنَا إلّا الدَّهرُ...}(1) .
وَحُجَّةُ القائِلِ بِالأِهمَالِ***آفاتُنَا وَ خَارِقُ الأَفعالِ
قَالُوا: بِأَنَّ كُلِّ شئ بِالعَرَضِ***وَالأِتِّفَاقِ لَا بِعَمدٍ وَغَرض
لَو كَانَ رَبٌّ لَم يُصِِب حَرَيمهُ***بآفَةٍ تَسلُبُهُ نَعِيمَهُ
أَو لَم يُصِب بِالبَرِّ وَالأطفَالِ***مِن ألَمٍ وَالمَوتِ والآجَالِ
لَو كَانَ رَبُّ يَصنَعُ الصَنَيعَةَ***لَم تَنقُضِ الخَوارِقُ الطَبيعَةَ
وكيف كان، وَحُجَّةُ القائِلِ بِالأِهمَالِ امران:
احدهما: آفاتُنَاالّتی تصيبنا عامّة او خاصّة؛
وَ الثاني:خَارِقُ الأَفعالِ، وهي الحوادث الكونيّة الّتي علی خلاف العادة، او العوارض الّتي تعرض الأشياء علی خلاف الطبيعة؛ كالعوارض الشخصيِة الّتي تعرض افراد الأنسان والحيوان وغيرهما ممّا يمكن ان تفرض له طبيعة نوعيّة(2).
ص: 87
وهؤلاء قَالُوا: بِأَنَّ كُلِّ شئ بِالعَرَضِ وَالأِتِّفَاقِ، لَا بِعَمدٍ من عامل وَغَرض من مدبّر، حتّی يكون مفتقراً إلی صانع ومدبّر؛ وقالوا في توجيه الدّليل الأوّل: بأنّه لَو كَانَ رَبٌّ، مدبّر، حكيم، وهذا المخلوق ملكه وحريمه، لَم يُصِِب حَرَيمهُ بآفَةٍ تَسلُبُهُ نَعِيمَهًُ، بل المالك المدبّر الحكيم، يحمي دائماً حريم ملكه عن الآفات، ولايرضی ابداً بزواله او فساده، أَو لااقلّ من أنّه لَميُصِبآفاته بِالبِرِّ والصالح وَالأطفَالِ، الّذين لاذنب لهم ولا حراك، فكان عليه ان لا يصيبهم مِن ألَمٍ ولا يذيقهم من المَوتِ ولا يصطلمهم بطوارق الآجَالِ. فهذه الآفات العامّة والخاصّة، تكشف عن أنّه لا مدّبر لها، بل هي امور عرضيِة اتّفاقيّة، فاذا لم تكن لها مدبّر لها، لم يكن لمن تصيبه هذه الآفات ايضاً مدبّر والّا لمنعه عنها.
وقالوا في تقرير الدليل الثاني: أنّه لَو كَانَ في الواقع رَبُّ يَصنَعُ الصَنَيعَةَ لَم تَنقُضِ الخَوارِقُ الحادثة الطَبيعَةَ المصنوعة المعتادة، بل كانت مستمرّة علی حالة واحدة، لم ينقضها ناقض، لأنّها مصنوع ربّها. فحيث أنّ الخارق، ناقض للطبيعة، لم يكن من فعلها؛ لأنها لا تنقض نفسها، ولانّ الطبيعة الواحدة لا تؤثر اثرين، ولا هو من فعل صانعها، لانّ الصّانع ايضاً لا ينقض ما صنعه. فان كانت لاطبيعة مصنوعة له، لم يكن نقضها منه، فليس الّا العرض والاتفاق، فاذا كان النّاقض بالعرض والاتّفاق، كان المنقوض ايضاً كذلك. هذا تفصيل مقالتهم،
ص: 88
وحاصلها: أنّهم ذهبوا الی أنّ بناء الموجودات علی الصُدفة والاتّفاق واستشهدوا له بما ذكر.
ومحصّل الجواب عن الدّهريّة، اوّلاً: منع الصُدفة وأنّها محال؛ وثانياً: منع الشّهادة في الشاهدين، وأنّهم إنّما توهّموا منها الشهادة لما خفي عليهم وجه الحكمة فيهما، فزعموا أنّ لاحكمة فيها ولاغرض، فحسبوا أنّها بالاتّفاق والعرض. وامّا لو فرض لها حكمة وغرض، فلا مانع عن انتسابها الی المدبّر الحكيم، إذ لا يلزم منهما إذن نقض للغرض.
ص: 89
العدد السابع
الخاتمة
نتائج البحث
وبعد هذا التجوال الذي قمنا به خلال مصادر حياة الإمام زين العابدين (علیه السلام)، وأعماله وأفكاره، وأدعيته وأحاديثه، تمكّنا من جمع شتات المؤشّرات إلى الأبعاد السياسيّة في حياة الإمام(علیه السلام).
وبعد فرزنا لها في فصول الكتاب علمنا:
أنّ الإمام زين العابدين (علیه السلام) قد قام بأعمال سياسية كبيرة في سبيل الأهداف الكبيرة التي من أجلها شرّع الدين.
ص: 90
وإذا لاحظنا صعوبة المهمة التي قام بها في الظروف الحرجة والخطيرة التي عايشها، وعلى طول المدّة حتّى وفاته (علیه السلام)، عرفنا عظمة تلك الجهود التي بذلها في خصوص هذا المجال وحده.
وهو (علیه السلام) - وإن لم يمدّ يداً إلى السلاح الحديديّ - إلاّ أن-ّه التزم النضال بكلّ الأسلحة الأخرى التي لا تقلّ أهميّة وخطورة عن السلاح الحديدي.فشَهَرَ سلاحَ اللسان بالخطب والمواعظ، وسلاحَ العلم بالتثقيف والإرشاد، وسلاحَ الأخلاق بالتربية والتوجيه، وسلاحَ الاقتصاد بالإعانات والإنفاق، وسلاحَ العدالة بالإعتاق، وسلاحَ الحضارة بالعرفان.
حتّى وقف سدّاً منيعاً في وجه أخطر عمليّة تحريف تهدف إبادة الإسلام من جذوره، في الحكم الأمويّ الجاهليّ.
وبقيت الخطوط الاُخرى لسياسة الإمام (علیه السلام)غير معلنة ولا واضحة، أو غير مشروحة، حتّى عصرنا الحاضر، فلذلك وقع كثير من كتّاب العصر في وَهْم فظيع، تجاه الموقف السياسي للإمام (علیه السلام) حتّى نُسبت إليه تهمة الانعزال عن السياسة، بل ممالأة الظالمين، مما لا يقبله أيّ شريف فضلاً عمّن يعتقد في زين العابدين (علیه السلام)أن-ّه إمام منصوب من قبل الله تعالى، ليلي أمور المؤمنين !
إنّ الإمام (علیه السلام) كان مسؤولاً -- ومن خلال منصبه الإلهي - عن كلّ ما يجري في العالم الإسلاميّ، وقد أنجز الإمام (علیه السلام) بتدابير دقيقة ما يلزم من دور
ص: 91
قياديّ، وبكل سريّة وذكاء، فشنّ على الطغاة الحاكمين، وأمثالهم من الطامعين، حرباً شعواء، لكنها باردة صامتةً بيضاء في البداية، أصبحت معلنة صبغتها دماء طاهرة من شيعته في النهاية.ولم ينقض القرنُ الأوّل، إلاّ أخذت آثار سياسية الإمام زين العابدين (علیه السلام) تبدو على الساحة، بشكل أشعة تنتشر من أفق مظلم طال مائة عام من الانحراف والظلم والتعديّ على الإسلام بمصادره:
القرآن الذي منع تفسيرُه وتأويله من المصادر الموثوقة.
والحديث الذي منع تدوينهُ ونشُره، واُحرق كثير منه.
ورجاله الذين نفوا، واُخرجوا من ديارهم، أو قتّلوا تقتيلاً.
ومكارمه وأخلاقه وفقهه وتراثه الذي طالته أيدي التزوير والدسّ والتحريف.
فشوّهت سمعته،وسُوّد وجه تاريخه.
لكن الإمام السجاد بمواقفه العظيمة ضمن خطط حكيمة، تمكّن من الوقوف امام كل هذه التحدّيات الرهيبة، تلك المواقف التي قدم لها حياته الكريمة.
ص: 92
ولم تنقض فترة على وفاة الإمام (علیه السلام) حتّى بدأ العدّ التنازليّ للحكم الجاهلي، وبدأ الحكّام الأمويون بالتراجع عن كثير من ملتزماتهم، وتعنّتهم، ولم تطل دولتهم بعيداً، إلاّ انمحت آثارها حتّى من عاصمتهم دمشق الشام.وأما أهداف الإمام السجاد (علیه السلام) فقد تولاّها بعده ابنه الإمام الباقر محمّد بن عليّ ابن الحسين (علیه السلام) ، ثم من بعده الإمام الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) ، فاستفادا من وهن الأمويين في تلك الفترة، وتمكَّنا من تثبيت دعائم الإسلام والفكر الإماميّ بأفضل ما بإمكانهما.
فكوّنا أكبر جامعة علميّة إسلاميّة، تربّى فيها آلاف من العلماء المبلّغين للإسلام بعد استيعاب معارفه، على أيدي الإمامين العظيمين.
وقد تمكّن الإمامان من رفع الغشاوة عن كثير من الحقائق المطموسة تحت أَكداس من غبار التهم والتشويه والتحريف في شؤون الإسلام، عامَّةً، وفي ما يرتبط بحقّ أهل بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في الإمامة والحكم، خاصةً.
وعندما نرى تصدّي الحكّام - من أمويّين وعباسيّين - للإمامَيْن الباقر والصادق (علیهم السلام) ومَنْ كان على خطّهما، نجد أنّ ما قاما به يعدّ فتحاً عظيماً في المعيار السياسيّ، وإنجازاً في قاموس الحركات الاجتماعية، خاصة في تلك العصور المظلمة.
ص: 93
لقد قام الإمامان الباقر والصادق(علیهم السلام) بتهيئة الكوادر الكفوءة، وتعميق الثقافة الإسلاميّة في المجتمع الإسلامي، وتسليح الأمّة بالعلم، وتثبيت قواعد العقيدة والإيمان، لتكوين جيش عقائديّ منيع، لصدّ التيّارات الإلحاديةالمبثوثة بين الأمّة، والقضاء على الطلائع الملحدة المبعوثة من قبل الحكّام مثل علماء البلاط ووعّاظ السلاطين.
وبكل ذلك تمّيزت الآيولوجيّة الاسلامية المتكاملة، وعلى مذهب الشيعة، المأخوذة من ينابيع الحقّ والصدق، أئمة أهل البيت:، والمعتمدة على أصفى المصادر الحقّة: القرآن الكريم، والسنة الصحيحة الموثوقة، والمتّخذة من العقل الراجح مناراً لتمييز الحقّ، على أساس من التقوى والورع والاجتهاد، والإيمان.
فكان هذا العمل تحدّياً معلناً ضدّ الحكومات الفاسدة التي كانت تروّج للتيارات العقائدية الملحدة، والخارجة عن إطار العقائد الإسلامية، وتدعو إلى حياة التفسّخ، والترف، واللهو، والفساد.(1)
ص: 94
كما استفاد ابنه العظيم زيد الشهيد (علیه السلام) (1)من الأرضيّة التي مهّدها الإمام زين العابدين (علیه السلام) للثورة، فكان عمله دعماً لموقفالإمامين (علیهم السلام) في تنفيذ خطط الإمام -- زين العابدين (علیه السلام) واستثمار جهوده، والاستمرار بأهدافه .
إنّ تلك التدابير، التي اتّبعها الإمام السجّاد وابناه الإمام الباقر وزيد الشهيد، وحفيده الإمام الصادق:، وشيعتهم المجاهدون على خطّهم، وتلك المواقف الجريئة التي اتخذوها من الحكّام الظالمين والحكومات الفاسدة، من أجل العقيدة، لا ولن تصدر ممن يركن إلى الدعة والراحة، أو أذهلته المصائب والفجائع.
بل، إنّ ما قاموا به يعدّ في العرف السياسي، أهمّ من حمل السلاح في مثل تلك المرحلة بالذات.
وأما مجموع ما انتجته تلك الجهود والتدابير، فهو أكبر مما تؤثّره البسالة والبطولة في ميادين الحروب.
وهو عمل لا يقوم به إلاّ أصحاب الرسالات من العلماء بالله الذين يفوق مدادهم فضلاً وأثراً من دماء الشهداء.
ص: 95
وإن مَنْ يعرف أوّليات النضال السياسيّ، وبديهيّات التحرّك الاجتماعيّ، وخصوصاً عند المعارضة، ليدرك أنّ سيرة الإمام زين العابدين (علیه السلام) السياسيّة التي عرضناها في فصول هذا الكتاب، هي مشاعل تنير الدربللسائرين على طريق الجهاد الشائك، ممن يلتقي مع الإمام (علیه السلام) في تخليد الأهداف الإلهيّة السامية.
وأيّ مناضل يعرض عن كلّ هذه الجهود، ولا يعدّها « جهاداً سياسيّاً » ؟!
والغريب، أنّ أصحاب دعوى النضال والحركة، في هذا العصر - وفيهم من اتّهم الإمام بالانعزال السياسيّ - يتبجّحون باسم النضال والمعارضة السياسية، لمجرد إصدار بيان، أو إعلان رفض، ولو من بُعد أميال عن مواقع الخطر، ومواقف المواجهة !
ثمّ هم لا يعتبرون تلك التصريحات الخطيرة، وتلك المواجهات والمواقف الحاسمة، التي قام بها الإمام (علیه السلام)، نضالاً سياسياً ؟!
وهم، يقيمون الدنيا، لو وقعت خدشة في إصبع لهم، ويعتزّون بقطرة دم تراق منهم !
بينما لا يحسبون لذلك الجرح الذي اُثخن به الإمام (علیه السلام) في كربلاء، وذلك النزيف من الدم والدمع الذي أريق منه على أثر وجوده في الساحة، قيمةً وأثراً ؟!
ص: 96
مع أن الآلام التي تحمّلها الإمام (علیه السلام) في جهاده، ومن خلال جهوده العظيمة، والأخطار التي اقتحمها في سبيل إنجاح مخططه، أكثر ألماً، وأعمق أثراً، من جرح ظاهر يلتئم، وقرح يندمل !
لكن الإمام السجّاد زين العابدين (علیه السلام) ظهر على الساحة ببطولة وشجاعة تختصّ به كإمام للأمّة، فتحمَّل آلام الجهاد وجروحه، وصبر على آلام الجهود المضنية التي بذلها.
وانفرد في الساحة في تلك الفترة الحالكة، كألمع قائد إلهيّ في مواجهة أحلك الظروف وأصعبها، وأكثر الهجمات ضراوةً، وأكثر الحكومات حقداً وبعداً عن الإسلام، وباسم الخلافة الإسلاميّة.
وخرج من ساحة النضال بأعمق الخطط وأدقّها، وبأبهر النتائج وأخلدها.
وأما نحن - الشيعة في الوقت الحاضر -:
فإنَّا نواجه - اليوم - حملة شرسة من أعداء المذهب، مدعومة بحملة ضارية من أعداء الإسلام.
ويشبه وضع التشيّع في هذا العصر - في كثير من الجهات - ما كان عليه في القرن الأول، إذ يعايش أجواء سياسية ونفسية متماثلةً.
ص: 97
فاليأس والقنوط يعمَّان الجميع، حتّى العاملين في حقل الحركات الإسلامية، والمنضوين تحت ألوية الأحزاب والمنظمات والمجالس والمكاتب.
والارتداد، المتمّثل بابتعاد عامة الناس عن خطّ الإمامة والولاية، وفي ظروف
غيبة الإمام (علیه السلام)، التي معها تزداد الحَيْرة وتتأكّد الشبهة.
وتعدُّد الاتجهاهات والآراء والأهواء، التي اقتطعت أشلاء الاُمّة، وفرَّقتها أيدي سبأ.
والحكومات الجائرة، بما تمتلك من أجهزة القمع، وأساليب الفتك والهتك، والسجن والقتل، وبأحدث أساليب التعذيب، خصوصاً تلك الحاملة لسيوف التكفير ومشانق الاتهام بالرِّدة، وبدعوى شعارات إسلامية مزيَّفة.
والاختراق الثقافيّ الهدَّام، لصفوف الاُمَّة الإسلامية وعقولها، وبوسائل الإعلام الحديثة، المقروءة والمسموعة والمرئيّة، وباستخدام الأثير والأشعة والأقمار الصناعية !
والغزو الفكري المخلخل للوجود الدينيّ من الداخل، بالأفكار والشبهات المضلّلة، والحملات الكاذبة، الطائشة ضدّ المقدّسات الإسلاميّة، التي تروّجها الدول الاستعمارية الحاقدة، ويزمِّر لها الحكّام العملاء في البلدان الإسلامية.
ص: 98
والتصرّفات العشوائية المشبوهة التي يقوم بها الضالُّون من رجال الدين، والبلاطيُّون من وعّاظ السلاطين، والمتزلّفون إلى المناصب والأموال والفخفخة والعيش الرغيد في القصور، والمتطفّلون على الموائد وفي السهرات، والمُتّكِؤون على أرائك الحكم وأسرّة الإدارة، والراكنون إلى الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي، وحكموا الناس بالجور.
وأصحاب الدعاوى الزائفة بالاجتهاد والمرجعيّة، مع فقدان أوليات المعارف اللازمة، والفراغ من الالتزام الصحيح باُصول العقيدة، والانتماء المذهبي، وإنّما بالركون إلى الحزبيّة الضيّقة، وبدعوى الانطلاق لمسايرة الجيل المتطلّع وادّعاء مصادمة الواقع بالفتاوي التي لا أساس لها في الفقه ومصادره، وبالأفكار المخالفة لضرورات الدين والمذهب، باسم التجديد، والتوعية، والتوحيد، والتأليف ! وغير ذلك من العناوين العصريّة الغارّة لأفكار الشباب ! وبالأموال التي توزّع بأرقام كبيرة، من مصادر مجهولة ! أو معلومة !!
إنّ كلّ هذه الحقائق الجارية في عصرنا، تمثّل - بالضبط - الفصول التي عاصرها الإمام زين العابدين (علیه السلام) لكن بشكلها العصري.
لكنّ الحقّ الناصعَ وهو « الإسلام » المتأصِّل في قلوب المؤمنين، يتجلّى أكثر ممّا مضى بفضل الثقافة الواسعة حول المعارف الإسلاميّة، وظهور حقائق القرآن والسنّة، وفضل أهل البيت:، ذلك الذي لم يَعُد اليوم مكتوماً ولا ممنوعاً.
ص: 99
وأساليب عمل الإمام السجّاد (علیه السلام) وجهاده وتعاليمه السياسيّة والاجتماعيّة ماثلة أمام مَنْ يطلب الحقّ !
فعلى كلِّ مَن يُريد النضال والحركة في سبيل الله، أنْ يقتديَ بإمامه، ويجعل عمله مشعلاً يهتدي بنور إرشاده، ويسير على منهجه في النضال والتحرُّك السياسيّ والاجتماعيّ، فيكون على بصيرة من أمر دينه، ويصل إلى أفضل النتائج المتوخّاة في أمر دنياه.والله المس-تعان والْحَمْدُ لله رَبَّ الْعَالَمِينَ وصلى الله على رسوله المصطفى الأمين وآله الطاهرين
ص: 100
عودة المسيح مع الإمام المهدي عليهما السلام
وبطلان مزاعم اليهود
تواترت ألأحاديث عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في أن المسيح (علیه السلام) يعود الى الأرض مع الإمام المهدي. وورد في كتب التوراة والانجيل عودة المسيح مع القدّيسين والصلحاء، وارتفاع الظلم بعودته.
وقد أساءت الصهيونية التصرف فيما ورد في ذلك؛ فزعمت أن المراد مما جاء في كتب العهدين قيام دولة يهودية كبري، حتى أقام الصهيونيون دعايات كبرى موهوا بها على من لم يسمح له وقته وعمله بمزاولة كتب (العهدين) ومراجعتها، فأقنعتهم باطلا بأن كتب العهدين بشرت بعودة دولة اليهود، وهذا أمر كائن لا محالة وحملتهم على السعي في إيجاد تلك الدولة ومعاونتهم؛ مع أن كتب العهدين صرّحت بأن دولة اليهود لا تعود وإن الدولة المعنية بما ورد في كتب العهدين هي دولة تشمل العالم باسره، وإنها هي الدولة التي ذكرت في آيات القرآن الكريم، وأحاديث خاتم النبيين محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). وقد انخدع لدعايات اليهود الباطلة الأمراء والملوك والرؤساء
ص: 101
والقواد في أوربا وأميركا، واستفاد الصهيونيون منهم أكبر فائدة بإقامة دولة يهودية في فلسطين.
وعندما احتل الجيش البريطاني بقيادة (اللورد اللنبي) المدينة المقدسة منالحكم التركي في 9 كان--ون الأول 1917 أصدر بلفور وزير خارجية بريطانيا حينئذ بيانا؛ً يُعرف بتصريح (بلفور) فَهِم اليهود منه إمكان تحقيق آمالهم العظيمة بالعودة الى فلسطين.
وتصريحه هذا مبني على انخداعة باليهود، لأن كتب العهدين كلها تصرح بأن الدولة المعنية بكتب العهدين عند عودة المسيح (علیه السلام)؛ هي دولة أهل العالم كلهم، وهي دولة عدل وقسط تُبيد الظلم والجور، وهي الدولة المعينة بما ورد في الكتب والآثار الإسلامية، لا دولة مليون من الصهيونيين اليهود الذين أقاموا أمرهم على المكر والخداع والجور والقسوة والجفاء والظلم والشر والتدمير والتخريب والحيل والكيد والباطل.
ونحن لا يهمنا شيء إلا بيان الحق، وإن كنا لا نرضى بخداع من خدع، وبانخداع من انخدع. ولبيان الحق نذكر جملاً من كتب العهدين ليتبين منها المقصود من جميع ما ذُكر في كتب العهدين؛ هو عين ما ذُكر في الآثار الإسلامية من ظهور دولة يملأ الله بها ألأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً؛ بظهور الإمام المهدي (علیه السلام)، وعودة المسيح (علیه السلام) ومَن معهما من عباد الله الصالحين؛ عسى أن لا ينخدع بدعايات الصهيونيين من ليس له إلمام بكتب العهدين.
ص: 102
واليك نبذاً من ذلك مضافاً إلى ما ذكر:
1) في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر ما نصه:
«وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي ايضاً... ».1) في إنجيل لوقا الإصحاح الأول عن وصف المسيح (علیه السلام) ما نصه:
«ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب الى الأبد...».
وهذه الجملة من إنجيل لوقا تفسر تلك الجملة التي ذكرت في إنجيل يوحنا ويعلم منها إن المسيح (علیه السلام) يأتي ويملك على بيت يعقوب الى الأبد، فحينئذ أين تكون مملكة اليهود الذين كفروا بالمسيح (علیه السلام) ولم يؤمنوا به؟ وهل هذه الا مملكة المسيح مع الإمام المهدي عليهم السلام والمسلمين الذين آمنوا به؟ فانظر الى تمويه اليهود وخداعهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه.
2) في رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل ( تسالونيكي) في الإصحاح الأول ما نصه:
«عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته في نار لهيب معطياً نقمةً للذين لا يعرفون الله، والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح، الذين سيُعاَقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته، متى جاء ليتمجد في قدّيسيه ويتعجب منه في جميع المؤمنين...».
ويرى القاريء في هذه العبارات تحريفاً بيّناً أو خطأ في الترجمة لاستعمال مثل كلمة (الرب) واطلاقها على المسيح، ومع غض النظر عن ذلك تراها
ص: 103
صريحة في أن المسيح (علیه السلام) يعود مع المؤمنين به، وهم المسلمون والمسيحيون لينتقم من الذين لم يؤمنوا به وبإنجيله وهم اليهود،فاين تبقي مع ذلك دولة اليهود؟ وهل هذه الجملة إلا نص فيما ذكر في الأحاديث الإسلامية من أن المسيح يأتي مع الإمام المهدي (علیه السلام) والمؤمنين؛ ليطهروا الأرض من دنس الأشرار اليهود وغيرهم، فكيف انخدع المسيحيون بدعاية الصهيونيين؟.
1) وفي الرسالة الى العبرانيين في الإصحاح التاسع عن ظهور المسيح(علیه السلام) ما نصه:
«سيظهر ثانية بلا خطيئة للخلاص للذين ينتظرونه».
وفي الإصحاح العاشر منها أيضاً ما نصه:
«لأنه بعد قليل جداً سيأتي الآتي ولا يبطئ».
وهذا صريح في أن المسيح (علیه السلام) سيظهر، وإنما يظهر للذين ينتظرونه ويقيم لهم دولة العدل، والذين ينتظرونه هم المسلمون والمسيحيون المخلصون، لا اليهود الذين ينكرونه، ولا المتهودون من المسلمين والمسيحيين الذين ينكرون ظهوره وظهور الإمام المهدي (علیه السلام)، فلا يقيم لهم دولة بل يبيدهم ويهلكهم.
ص: 104
من بديهيات عقائد الإسلام الخلود في الآخرة لأهل الجنة وأهل النار ، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة: 39)
قال الصدوق +في الإعتقادات ص53: (اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة ، لا موتٌ فيها ولا هرم ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا زوال ولا زمانة ولا هم ولا غم ولا حاجة ولا فقر . وأنها دار الغنى ودار السعادة ، ودار المقامة ودار الكرامة ، لا يمس أهلها نصب ولا يمسهم فيها لغوب ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون . وأنها دارٌ أهلها جيران الله تعالى وأولياؤه وأحباؤه وأهل كرامته ...
واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان ، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك ) .
وقال في ص81: (اعتقادنا في قتلة الأنبياء وقتلة الأئمة المعصومين(علیهم السلام)، أنهم كفار مشركون مخلدون في أسفل درك منالنار . ومن اعتقد بهم غير ما ذكرناه ، فليس عندنا من دين الله في شي ) .
ص: 105
وفي البحار:8/361 عن عيون أخبار الرضا (علیه السلام): (فيما كتب للمأمون من محض الإسلام: إن الله لا يدخلالنار مؤمناً وقد وعده الجنة، ولايخرج منالنار كافراً وقد أوعدهالنار والخلود فيها ، ومذنبو أهل التوحيد يدخلونالنار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم .
وفي تفسير الإمام العسكري (علیه السلام)ص578: (قال الله تعالى: وما هم بخارجين من النار ) كان عذابهم سرمداً دائماً ، وكانت ذنوبهم كفراً ، لاتلحقهم شفاعة نبي ولا وصي ، ولا خيِّر من خيار شيعتهم) .
وقال الطوسي في تفسير التبيان:2/524: (الخلود في اللغة هو طول المكث ، ولذلك يقال: خلده في السجن وخلد الكتاب في الديوان . وقيل للأثافي: خوالد مادامت في موضعها ، فإذا زالت لاتسمى خوالد .والفرق بين الخلود والدوام: أن الخلود يقتضي (في) كقولك خلد في الحبس ، ولايقتضي ذلك الدوام ، ولذلك جاز وصفه تعالى بالدوام دون الخلود .
إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة... ومعنى خلودهم فيها استحقاقهم لها دائماً مع ما توجبه من أليم العقاب ، فأما من ليس بكافر من فساق أهل الصلاة ، فلا يتوجه إليه الوعيد بالخلود ).
عقيدة السنيين
روت مصادر السنيين تشويشات من تأثير رأي عمر ، لكنها روت ما يوافق القرآن شبيهاً بما في مصادرنا كما في البخاري:7/203، من حديث طويل: (عن أنس قال قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو
ص: 106
استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا... فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم منالناروأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما بقي فيالنار إلا من حبسه القرآن . وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود).
وقد فسرت مصادرهم عبارة(إلا من حبسه القرآن)بالتأبيد،كما في البخاري:8/183و:5/147: ( إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود... إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خالدين فيها ) .
وفي هذه العقيدة الأساسية تدخَّل عمر بن الخطاب أيضاً ، فقال إن أهلالنار ليسوا مخلدين فيها ، فالنار تفنى وينقل أهلها إلى الجنة !!
وقد وافقه على ذلك ابن تيمية ! وعلله تلميذه ابن القيم بأنالنار كالسجن لابد أن تخرب بمرور الوقت ، فلا يبقى لأهلها مكان إلا الجنة !
قال السيوطي في الدر المنثور:3/350: (وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر قال: لو لبث أهلالنار فيالنار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه . انتهى !! وعالج: صحراء رملية ذارية بين نجد والبحرين .
وقد تحمس لرأي عمر ابن قيم الجوزية في رسالته حادي الأرواح ، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا في تفسير المنار:8/68 ، حيث أورد في كتابه رسالة ابن قيم كلها ، وهي نحو خمسين صفحة ، ومدح ابن القيم وغلا فيه لأنه مفكر إسلامي نابغة استطاع أن يحل المشكلة ويثبت رأي الخليفة بخمسة وعشرين دليلاً ، رصف كلامها رصف الخطيب المكثر !
ص: 107
وتدور رسالة ابن قيم المدرسة الجوزية على محور واحد هو أنالنار تفنىكما يخرب السجن ، فلا يبقى محل لأهلها إلا أن ينقلوا إلى الجنة !!
لكن الشوكاني تشجع وألف رسالة في الرد على عمر وابن تيمية ، قال في مقدمة فتح القدير:1/9: (للشوكاني مؤلفات ، منها كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.... وكشف الأستار في إبطال القول بفناء النار ). انتهى .
وقد أخذ عمر عقيدته هذه من اليهود ولم يأخذ بتكذيب القرآن لهم ، ففي سيرة ابن هشام:2/380: (قال ابن إسحاق: وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)المدينة واليهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يعذب الله الناس فيالنار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً فيالنار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب !!
فأنزل الله في ذلك من قولهم: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَاالنار إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُالنار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(سورة البقرة:80 - 81) أي خلداً أبداً. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة:82) أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً ولا انقطاع له) .
ص: 108
الأسئلة
1 - هل توافقون على رأي عمر بفناءالنار وانتهاء العقاب في الآخرة؟2 - بماذا تفسرون تبني عمر لهذه العقيدة اليهودية مع تكذيب القرآن لها؟!
بحث سماحة اية الله السيد كاظم الحائري الولاية التكوينية للائمة الطاهرين(علیهم السلام) حيث قال بعد مقدمة للبحث:
ندخل في مسألة الولاية التكوينية، قلنا إن هذا المصطلح متأخر، ولذا نتساءل عن معناه والمقصود منه بالنسبة للائمة (علیهم السلام)؟ وما هو دور الائمة (علیهم السلام)على أساس القول بولايتهم التكوينية؟ وما هو دورهم (علیه السلام) ضمن هذه الاسس الفلسفية والقرآنية التي أشرنا إليها وعرضناها في بداية البحث؟ فان كان المقصود بالولاية التكوينية خرق نواميس الطبيعية، فانّ الامام(علیه السلام) يخرق احياناً نواميس الطبيعة ويأتي بما يسمى بالمعجزة فيشق القمر، أو يجعل الحصى تسبّح ويمنعالنار عن الإحراق وما الى ذلك من الامور التي هي خرق لقوانين الطبيعة، فإن سمي هذا بالولاية التكوينية، فهو معقول ومقبول وثابت في الكتاب والسنّة المتواترة، فلاشك ولاريب أنّ الائمة(علیهم السلام) أظهروا من
ص: 109
المعجز ما لايحصى، والمعجز هو خرق قانون الطبيعية، إلاّ أن هذا ليس شيئاً جديداً حتى يطلق عليه مصطلح جديد باسم «الولاية التكوينية» وليس هو إلا تطبيقاًلاحد القانونين اللذين أشرنا اليهما،(1) فلو آمنا بمبدأ العليّة وبأن هذا المبدأ لايتخلف لاستحالة انفكاك المعلول عن العلّة- فعندئذ يكون خرق قوانين الطبيعة بمعنى أن الله تعالى هدى رسوله والأئمة المعصومين (علیهم السلام) الى علل غائبة عنا، فهم يعرفونها ونحن لانعرفها، فيتدخل الامام وفق العلل الغائبة عنّا.
وعلى سبيل المثال انّالنار تحرق لكن هناك علّة تمنعالنار عن الاحراق، وتلك العلّة يعرفها الامام فيوجد ذالك المانع فلاتحرق النار، ونسمي هذا حسب ظاهر الامر خرق قانون الطبيعة او خرق نواميس الطبيعة، هذا تفسير الاعجاز وفق مبدأ العلية، فانّ الاعجاز يثبت دون بطلان مبدأ العلية، أي ان مبدأ العلية وهو استحالة انفكاك العلّة عن المعلول- ثابت الا انّ الامام في نفس الوقت ياتي بالمعجز، فاتيانه بالمعجز لايعني شلّ العلّة عن العلّية، وانما يعني انه اتى بعلّة هي غائبة عنّا يعرفها ولانعرفها، هذا هو تفسير المعجز بناءً على هذا المسلك.
امّا على المسلك الآخر المؤمن بمبدأ الارادة وقدرة الله تبارك وتعالى واننا لسنا بحاجة الى مبدأ العلية الى صف مبدأ الارادة وقدرة الله، فالامر اوضح، اذ
ص: 110
انّ الامام او النبي عندما يريد ان ياتي بالمعجز يطلب من الله تبارك وتعالى ان يتدخل بارادته وبقدرته البالغة، فيتدخل فيكون المعجز خلافاًلمقتضى الطبيعة التي نألفها، وعلى ايّة حال فالمعجز معترف به من اوّل الامر، سواءً سميناه بالولاية التكوينية او لم نسمه بالولاية التكوينية،
اما لو اراد القائلون بالولاية التكوينية ان المعصوم (علیه السلام) يتمكن دائماً ان يفعل ما يريد، اي لايعجز عن اي شيء فهذا خلاف صريح القرآن، فالقرآن الكريم يقول: «وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الارض ينبوعاً * او تكون لك جنة من نخيلٍ وعنبٍ فتفجّر الانهار خلالها تفجيراً * او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً او تاتي بالله والملائكة قبيلاً * او يكون لك بيت من زخرف او ترقى في السّماء ولن نؤمن لرقيّّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقراه قل سبحان ربّي هل كنت الاّ بشرا رسولاً»(1) اي انّ هذه الامور خارجة عن قدرتي فلو أن الله أراد أن أفعل فعلت وحينما لايريد لم أفعل ولا أستطيع أن أفعل. وإذا تجاوزنا هذين التفسيرين ولاأظنهما مقصودين لأصحاب الرأي القائل بالولاية التكوينية، فقد يكون المراد بالولاية التكوينية أن الله عزّوجلّ فوض العالم وما يجري فيه الى الامام(علیه السلام) فالامام هو الذي يسيّر الاحداث فان كان هذا هو مقصود القائل بالولاية التكوينية، فعندئذ نقول: إنّ هذا ينقسم الى قسمين أو يحتمل فيه احتمالان، أمّا أن يفترض أصحاب هذا الرأي أنّ الامام يسيّر الاحداث وفق عللها الغائبة عنّا والتي عرّفها له الله تبارك وتعالى، فالامام وفق العلل يسيّر الاحداث، وأما أن
ص: 111
يفترض - ما يشبه مقولة المفوّضة انّ الله تبارك وتعالى كأنما فوض الامور إليهم، وبدلاً عن ارادة الله «إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون»(1) تحلّارادة الأئمة(علیهم السلام) ويقع ما يريدون فهم الذين يريدون الحياة لمن يحيا ويريدون الموت لمن يموت وهكذا، وبالارادة مباشرة يفعل الإمام ما يريد.
فإن فرض الاوّل وهو أنّ الله تبارك وتعالى أرشد الائمة(علیهم السلام) الى علل الحوادث والاحداث فيتصرفون في العالم وفق تحريك العلل فهذا كلام في الوقت الذي لم أجد دليلاً عليه لا في كتاب ولا في سنّة، لايوجد دليل مخالف ومعارض له في الكتاب والسنّة، ولاتوجد لدينا ضرورة دينية تمنع عن القول بذلك.
أما لو قصدوا المعنى الثاني وهو أنّ الله فوض إليهم الامور فكما انّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يريد وما شاء وبارادته يسير العالم كذلك نفترض الامام(علیه السلام) وكانه يحلّ محلّ الله تبارك وتعالى، وباذنه سبحانه ومشيئته، فهذا في روحه يرجع الى التفويض أو الى شق من شقوق التفويض الذي ننكره كما ننكر الجبر ونقول: لاجبر ولاتفويض.
إنّ التفويض له معنيان وشقاق، فتارة يفترض أن الله تعالى فوض العالم الى عباده وهو كأنما ترك العالم، وعباده يفعلون ما يريدون، واخرى يفترض: انّ الله تبارك وتعالى فوض العالم الى قسم من عباده فقط وهم المعصومون عليه السلام وهذا التفويض بشقيه يخالف ظاهر الايات المباركات التي تسند
ص: 112
الامور -دائماً ومباشرة- الى الله تعالى كما في الايات التي أشرنا إليهامنها قوله تعالى: (ألا له الخلق والامر)(1)، وقوله تعالى (انّ الله هو الرزّاق)(2)، وقوله تعالى: (الله يتوفّى الانفس حين موتها)(3)، وقوله تعالى: (لن يصيبنا الاّ ما كتب الله لنا)(4)، وما شابه ذلك.
كما أنّ هناك آيات اخرى تقبل الحمل على نفس المعنى الذي ندّعيه من قبيل قوله تعالى بالنسبة للمسيح(علیه السلام): (واذ تخلق من الطين كهيئة الطّير باذني فتنفخ فيه فتكون طيراً بأذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني واذ تخرج الموتى بإذني)(5) فالمقطع (إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) هو من القسم الذي ذكرناه من أن فعل البشر ينسبه الى الله بالمعنى الذي شرحناه، فقد خلق من الطين كهيئة الطير -وكل إنسان يستطيع أن يخلق من الطين كهيئة الطير- وهو فعل البشر ومع ذلك فانّ الله تعالى يقول:(باذني)، كل ما قام به عيسى عليه السلام هو بإذن الله، من ابراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وغير ذلك، كما أنّ الآية الاخرى تتحدّث عن لسان عيسى عليه السلام: (أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة
ص: 113
الطّير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى باذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم)(1).إن كلمة بإذني أو كلمة بإذن الله في هذه الآيات المباركات هي على منوال الآية الاخرى التي تقول: (وما كان لنفس أن تموت الاّ باذن الله)(2).
الذي يعني أنّ الموت من قبل الله تعالى، فهو الذي يميت النفس وهو الذي يميت الإنسان، (وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله)، وكذلك في الآيات الماضية حينما يقول: (وابرئ الأكمه والأبرص) و(واحيي الموتى بإذن الله) أي أنّ الله تعالى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، وما على عيسى(علیه السلام) إلاّ أن يطلب من الله تبارك وتعالى أن يبرئ ويحيي، وعندها يبرئ ويحيي سبحانه وتعالى.(3)
ص: 114
الحلقة الثانية
... فَانْقَطَعَ الْهِرْبِذُ مَكَانَهُ فَقَالَ الرِّضَا ع يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ وَ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ فَقَامَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ وَ كَانَ وَاحِداً مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ يَا عَالِمَ النَّاسِ لَوْ لَا أَنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى مَسْأَلَتِكَ لَمْ أَقْدِمْ عَلَيْكَ بِالْمَسَائِلِ فَلَقَدْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ وَ الْبَصْرَةَ وَ الشَّامَ وَ الْجَزِيرَةَ وَ لَقِيتُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَلَمْ أَقَعْ عَلَى أَحَدٍ يُثْبِتُ لِي وَاحِداً لَيْسَ غَيْرَهُ قَائِماً بِوَحْدَانِيَّتِهِ (2) أَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ قَالَ الرِّضَا ع إِنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ فَأَنْتَ هُوَ
ص: 115
قَالَ أَنَا هُوَ قَالَ سَلْ يَا عِمْرَانُ وَ عَلَيْكَ بِالنَّصَفَةِ وَ إِيَّاكَ وَ الْخَطَلَ (1) وَ الْجَوْرَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا أُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُثْبِتَ لِي شَيْئاً أَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا أَجُوزُهُ قَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَازْدَحَمَ النَّاسُ وَ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ عِمْرَانُ الصَّابِئُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَائِنِ الْأَوَّلِ وَ عَمَّا خَلَقَ قَالَ سَأَلْتَ فَافْهَمْ أَمَّا الْوَاحِدُ فَلَمْ يَزَلْوَاحِداً كَائِناً لَا شَيْ ءَ مَعَهُ بِلَا حُدُودٍ وَ لَا أَعْرَاضٍ وَ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدعاً مُخْتَلِفاً بِأَعْرَاضٍ وَ حُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا فِي شَيْ ءٍ أَقَامَهُ(2) وَ لَا فِي شَيْ ءٍ حَدَّهُ وَ لَا عَلَى شَيْ ءٍ حَذَاهُ وَ مَثَّلَهُ لَهُ فَجَعَلَ الْخَلْقَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ صَفْوَةً وَ غَيْرَ صَفْوَةٍ وَ اخْتِلَافاً وَ ائْتِلَافاً وَ أَلْوَاناً وَ ذَوْقاً وَ طَعْماً لَا لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَ لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا بِهِ وَ لَا رَأَى لِنَفْسِهِ فِيمَا خَلَقَ زِيَادَةً وَ لَا نُقْصَاناً تَعْقِلُ هَذَا يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي قَالَ وَ اعْلَمْ يَا عِمْرَانُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَاجَتِهِ وَ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُقَ أَضْعَافَ مَا خَلَقَ لِأَنَّ الْأَعْوَانَ كُلَّمَا كَثُرُوا كَانَ صَاحِبُهُمْ أَقْوَى وَ الْحَاجَةُ يَا عِمْرَانُ لَا
ص: 116
يَسَعُهَا(1) لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ مِنَ الْخَلْقِ شَيْئاً إِلَّا حَدَثَتْ فِيهِ حَاجَةٌأُخْرَى وَ لِذَلِكَ أَقُولُ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِحَاجَةٍ وَ لَكِنْ نَقَلَ بِالْخَلْقِ الْحَوَائِجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ
ص: 117
فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِلَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى مَنْ فَضَّلَ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَذَلَّ فَلِهَذَا خَلَقَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي هَلْ كَانَ الْكَائِنُ معلوما فِي نَفْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ (1)
ص: 118
قَالَ الرِّضَا ع إِنَّمَا يَكُونُ الْمَعْلَمَةُ بِالشَّيْ ءِ لِنَفْيِ خِلَافِهِ وَ لِيَكُونَ الشَّيْ ءُ نَفْسُهُ بِمَا نُفِيَ عَنْهُ مَوْجُوداً وَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْ ءٌ يُخَالِفُهُ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إِلَى نَفْيِ ذَلِكَ الشَّيْ ءِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَحْدِيدِ مَا عَلِمَ مِنْهَا أَ فَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي فَأَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْ ءٍ عَلِمَ مَا عَلِمَ أَ بِضَمِيرٍ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ (1) قَالَ الرِّضَا ع أَ رَأَيْتَ
ص: 119
إِذَا عَلِمَ بِضَمِيرٍ هَلْ تَجِدُ بُدّاًمِنْ أَنْ تَجْعَلَ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ حَدّاً تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ قَالَ عِمْرَانُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا ع فَمَا ذَلِكَ الضَّمِيرُ فَانْقَطَعَ عِمْرَانُ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ الرِّضَا ع لَا بَأْسَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنِ الضَّمِيرِ نَفْسِهِ تَعْرِفُهُ بِضَمِيرٍ آخَرَ فَقُلْتَ نَعَمْ (1) أَفْسَدْتَ عَلَيْكَ قَوْلَكَ وَ دَعْوَاكَ يَا عِمْرَانُ أَ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ يُوصَفُ بِضَمِيرٍ وَ لَيْسَ يُقَالُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلٍ وَ عَمَلٍ وَ صُنْعٍ وَ لَيْسَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مَذَاهِبُ وَ تَجْرِبَةٌ كَمَذَاهِبِ الْمَخْلُوقِينَ وَ تَجْرِبَتِهِمْ (2) فَاعْقِلْ ذَلِكَ وَ ابْنِ عَلَيْهِ مَا عَلِمْتَصَوَاباً (3) قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ حُدُودِ خَلْقِهِ كَيْفَ هِيَ وَ مَا مَعَانِيهَا وَ عَلَى كَمْ نَوْعٍ تَكُونُ قَالَ قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمْ إِنَّ حُدُودَ خَلْقِهِ عَلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ(4) مَلْمُوسٍ وَ مَوْزُونٍ وَ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَ مَا لَا
ص: 120
ذَوْقَ لَهُ (1) وَ هُوَ الرُّوحُ وَ مِنْهَا مَنْظُورٌ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَ لَا لَمْسٌ وَ لَا حِسٌّ وَ لَا لَوْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ وَ التَّقْدِيرُ وَ الْأَعْرَاضُ وَ الصُّوَرُ وَ الطُّولُ وَ الْعَرْضُ وَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَ الْحَرَكَاتُ الَّتِيتَصْنَعُ الْأَشْيَاءَ وَ تَعْمَلُهَا (2) وَ تُغَيِّرُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ تَزِيدُهَا وَ تَنُقُصُهَا فَأَمَّا الْأَعْمَالُ وَ الْحَرَكَاتُ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ لِأَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الشَّيْ ءِ انْطَلَقَ بِالْحَرَكَةِ وَ بَقِيَ الْأَثَرُ وَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ الَّذِي يَذْهَبُ وَ يَبْقَى أَثَرُهُ قَالَ لَهُ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْخَالِقِ إِذَا كَانَ وَاحِداً لَا شَيْ ءَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْ ءَ مَعَهُ أَ لَيْسَ قَدْ تَغَيَّرَ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ قَالَ لَهُ الرِّضَا ع لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزَّ وَ جَلَّ بِخَلْقِ الْخَلْقِ (3) وَ لَكِنَّ الْخَلْقَ يَتَغَيَّرُ بِتَغْيِيرِهِ قَالَ عِمْرَانُ فَبِأَيِّ شَيْ ءٍ عَرَفْنَاهُ قَالَ بِغَيْرِهِ قَالَ فَأَيُّ شَيْ ءٍ غَيْرُهُ قَالَ الرِّضَا ع
ص: 121
مَشِيَّتُهُ وَ اسْمُهُ وَ صِفَتُهُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ كُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ (1) قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي فَأَيُّ شَيْ ءٍ هُوَ قَالَ هُوَ نُورٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَادٍ لِخَلْقِهِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَكَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ تَوْحِيدِي إِيَّاهُ(2) قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَيْسَقَدْ كَانَ سَاكِتاً قَبْلَ الْخَلْقِ لَا يَنْطِقُ ثُمَّ نَطَقَ قَالَ الرِّضَا ع لَا يَكُونُ السُّكُوتُ(3) إِلَّا عَنْ نُطْقٍ قَبْلَهُ وَ الْمَثَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلسِّرَا هُوَ سَاكِتٌ لَا
ص: 122
يَنْطِقُ وَ لَايُقَالُ إِنَّ السِّرَاجَ لَيُضِي ءُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ بِنَا(1) لِأَنَّ الضَّوْءَ مِنَ السِّرَاجِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ وَ لَا كَوْنٍ وَ إِنَّمَا هُوَ لَيْسَ شَيْ ءٌ غَيْرَهُ فَلَمَّا اسْتَضَاءَ لَنَا قُلْنَا قَدْ أَضَاءَ لَنَا حَتَّى اسْتَضَأْنَا بِهِ فَبِهَذَا تَسْتَبْصِرُ أَمْرَكَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي فَإِنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدِي أَنَّ الْكَائِنَ قَدْ تَغَيَّرَ فِي فِعْلِهِ عَنْ حَالِهِ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ قَالَ الرِّضَا ع أَحَلْتَ يَا عِمْرَانُ فِي قَوْلِكَ إِنَّ الْكَائِنَ يَتَغَيَّرُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَتَّى يُصِيبَ
ص: 123
الذَّاتَ مِنْهُ مَا يُغَيِّرُهُ يَا عِمْرَانُ هَلْ تَجِدُ النَّارَ(1) يُغَيِّرُهَا تَغَيُّرُ نَفْسِهَا أَوْ هَلْ تَجِدُ الْحَرَارَةَتُحْرِقُ نَفْسَهَا أَوْ هَلْ رَأَيْتَ بَصِيراً قَطُّ رَأَى بَصَرَهُ (2) قَالَ عِمْرَانُ لَمْ أَرَ هَذَا أَ لَا تُخْبِرُنِي يَا سَيِّدِي أَ هُوَ فِي الْخَلْقِ أَمِ الْخَلْقُ فِيهِ قَالَ الرِّضَا ع جَلَّ يَا عِمْرَانُ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ فِي الْخَلْقِ وَ لَا الْخَلْقُ فِيهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَ سَأُعَلِّمُكَ مَا تَعْرِفُهُ بِهِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمِرْآةِ أَنْتَ فِيهَا أَمْ هِيَ فِيكَ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ فَبِأَيِّ شَيْ ءٍ اسْتَدْلَلْتَ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ قَالَ عِمْرَانُ بِضَوْءٍ بَيْنِي وَ بَيْنَهَا قَالَ الرِّضَا ع هَلْ تَرَى مِنْ ذَلِكَ الضَّوْءِ فِي الْمِرْآةِ أَكْثَرَ مِمَّا
ص: 124
تَرَاهُ فِي عَيْنِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ الرِّضَا ع فَأَرِنَاهُ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ ع فَلَا أَرَى النُّورَ إِلَّا وَ قَدْ دَلَّكَ وَ دَلَّ الْمِرْآةُ عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَ لِهَذَا أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا لَا يَجِدُ الْجَاهِلُ فِيهَا مَقَالًا وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ الصَّلَاةُ قَدْ حَضَرَتْ فَقَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي لَا تَقْطَعْ عَلَيَّ مَسْأَلَتِي فَقَدْ رَقَّ قَلْبِي قَالَ الرِّضَا ع نُصَلِّي وَ نَعُودُ فَنَهَضَ وَ نَهَضَ الْمَأْمُونُ فَصَلَّى الرِّضَا ع دَاخِلًا وَ صَلَّى النَّاسُ خَارِجاً خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ خَرَجَا فَعَادَ الرِّضَا ع إِلَى مَجْلِسِهِ وَ دَعَا بِعِمْرَانَ فَقَالَ سَلْ يَا عِمْرَانُ قَالَ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ اللَّهِعَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوَحَّدُ بِحَقِيقَةٍ(1) أَوْ يُوَحَّدُ بِوَصْفٍ قَالَ الرِّضَا ع إِنَّ اللَّهَ الْمُبْدِئُ الْوَاحِدُ الْكَائِنُ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَاحِداً لَا شَيْ ءَ مَعَهُ فَرْداً لَا ثَانِيَ مَعَهُ لَا معلوما(2) وَ لَا مَجْهُولًا وَ لَا مُحْكَماً وَ لَا مُتَشَابِهاً وَ لَا مَذْكُوراً وَ لَا مَنْسِيّاً
ص: 125
وَ لَا شَيْئاً يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا مِنْ وَقْتٍ كَانَ وَ لَا إِلَى وَقْتٍ يَكُونُ وَ لَا بِشَيْ ءٍ قَامَ وَ لَا إِلَى شَيْ ء يَقُومُ وَ لَا إِلَى شَيْ ءٍ اسْتَنَدَ وَ لَا فِي شَيْ ءٍ اسْتَكَنَّ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ إِذْ لَا شَيْ ءَ غَيْرُهُ وَ مَا أُوقِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُلِ (1) فَهِيَ صِفَاتٌ مُحْدَثَةٌ وَ تَرْجَمَةٌ يَفْهَمُ بِهَا مَنْ فَهِمَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَ الْمَشِيَّةَ وَ الْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَ أَسْمَاؤُهَا ثَلَاثَةٌ وَ كَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وَ إِرَادَتِهِ وَ مَشِيَّتِهِ الْحُرُوفَ الَّتِيجَعَلَهَا أَصْلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ وَ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ مُدْرَكٍ وَ فَاصِلًا لِكُلِّ مُشْكِلٍ وَ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ تَفْرِيقُ كُلِّ شَيْ ءٍ مِنِ اسْمِ حَقٍّ وَ بَاطِلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ أَوْ مَعْنًى أَوْ غَيْرِ مَعْنًى وَ عَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ(2) فِي إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا يَتَنَاهَى وَ لَا وُجُودَ لَهَا لِأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ
ص: 126
بِالْإِبْدَاعِ وَ النُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَوَّلُ فِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْحُرُوفُ هِيَ الْمَفْعُولُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَ هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي عَلَيْهَا الْكَلَامُ وَ الْعِبَارَاتُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَّمَهَا خَلْقَهُ وَ هِيَ ثَلَاثَةٌ وَ ثَلَاثُونَ حَرْفاً فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ السُّرْيَانِيَّةِ وَ الْعِبْرَانِيَّةِ وَ مِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٍ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ الْعَجَمِ لِأَقَالِيمِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَ هِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَالْحَرْفَ (1) مِنَ اللُّغَاتِ فَصَارَتِ الْحُرُوفُ ثَلَاثَةً وَ ثَلَاثِينَ حَرْفاً فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ(2) فَحُجَجٌ لَا يَجُوزُ ذِكْرُهَا أَكْثَرَ مِمَّا
ص: 127
ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ جَعَلَ الْحُرُوفَبَعْدَ إِحْصَائِهَا وَ إِحْكَامِ عِدَّتِهَا فِعْلًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ كُنْ فَيَكُونُ وَ كُنْ مِنْهُ صُنْعٌ وَ مَا يَكُونُ بِهِ الْمَصْنُوعُ فَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِبْدَاعُ لَا وَزْنَ لَهُ وَ لَا حَرَكَةَ وَ لَا سَمْعَ وَ لَا لَوْنَ وَ لَا حِسَّ وَ الْخَلْقُ الثَّانِي الْحُرُوفُ لَا وَزْنَ لَهَا وَ لَا لَوْنَ وَ هِيَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهَا وَ الْخَلْقُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقٍ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ (1) وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَابِقٌ لِلْإِبْدَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ شَيْ ءٌ وَ لَا كَانَ مَعَهُ شَيْ ءٌ وَ الْإِبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ وَ الْحُرُوفُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهَا قَالَ الْمَأْمُونُ
ص: 128
وَ كَيْفَ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهَا قَالَ الرِّضَا ع لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى أَبَداً فَإِذَا أَلَّفَ مِنْهَا أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يُؤَلِّفْهَا لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَمْ يَكُ إِلَّا لِمَعْنًى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئاً قَالَ عِمْرَانُ فَكَيْفَ لَنَا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا ع أَمَّا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِكَ وَ بَيَانُهُ (1) أَنَّكَ تَذْكُرُ الْحُرُوفَ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا غَيْرَ نَفْسِهَا ذَكَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ أ ب ت ث ج ح خ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا فَإِذَا أَلَّفْتَهَا وَجَمَعْتَ مِنْهَا أَحْرُفاً وَ جَعَلْتَهَا اسْماً وَ صِفَةً لِمَعْنَى مَا طَلَبْتَ وَ وَجْهِ مَا عَنَيْتَ كَانَتْ دَلِيلَةً عَلَى مَعَانِيهَا دَاعِيَةً إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا أَ فَهِمْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ الرِّضَا ع وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَكُونُ صِفَةٌ لِغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَ لَا اسْمٌ لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَا حَدٌّ لِغَيْرِ مَحْدُودٍ وَ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ(2) كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَ الْوُجُودِ وَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ التَّرْبِيعُ وَ التَّثْلِيثُ وَ التَّسْدِيسُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفَاتِ وَ الْأَسْمَاءِ وَ لَا تُدْرَكُ بِالتَّحْدِيدِ بِالطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ الْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ وَ اللَّوْنِ وَ الْوَزْنِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ
ص: 129
لَيْسَ يَحُلُّ بِاللَّهِ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ شَيْ ءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ(1) أَنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِالَّتِي ذَكَرْنَا وَ لَكِنْ يُدَلُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ يُدْرَكُ بِأَسْمَائِهِ وَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِخَلْقِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ الطَّالِبُ الْمُرْتَادُ إِلَى رُؤْيَةِ عَيْنٍ وَ لَا اسْتِمَاعِ أُذُنٍ وَ لَا لَمْسِ كَفٍّ وَ لَا إِحَاطَةٍ بِقَلْبٍ فَلَوْ كَانَتْ صِفَاتُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَ أَسْمَاؤُهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَ الْمَعْلَمَةُ مِنَ الْخَلْقِ لَا تُدْرِكُهُ لِمَعْنَاهُ(2) كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ لِأَسْمَائِهِ وَ صِفَاتِهِ دُونَ مَعْنَاهُ فَلَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ
ص: 130
كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْبُودُ الْمُوَحَّدُ (1) غَيْرَ اللَّهِ لِأَنَّ صِفَاتِهِ وَ أَسْمَاءَهُ غَيْرُهُ أَ فَهِمْتَ قَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي زِدْنِيقَالَ الرِّضَا ع إِيَّاكَ وَ قَوْلَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْعَمَى وَ الضَّلَالِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ مَوْجُودٌ فِي الْآخِرَةِ لِلْحِسَابِ وَ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ (2) وَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الدُّنْيَا لِلطَّاعَةِ وَ الرَّجَاءِ وَ لَوْ كَانَ فِي الْوُجُودِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَقْصٌ وَ اهْتِضَامٌ لَمْ يُوجَدْ فِي الْآخِرَةِ أَبَداً وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ تَاهُوا وَ عَمُوا وَ صَمُّوا عَنِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا يَعْنِي أَعْمَى عَنِ الْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ وَ قَدْ عَلِمَ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَا هُنَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا هَاهُنَا مَنْ أَخَذَ عِلْمَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَ طَلَبَ وُجُودَهُ وَ إِدْرَاكَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَزْدَدْ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا بُعْداً لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ عِلْمَ ذَلِكَ خَاصَّةً عِنْدَ
ص: 131
قَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ يَعْلَمُونَ وَ يَفْهَمُونَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ أَ خَلْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَلْقٍ قَالَ لَهُ الرِّضَا ع بَلْ خَلْقٌ سَاكِنٌ(1) لَا يُدْرَكُ بِالسُّكُونِ وَ إِنَّمَا صَارَ خَلْقاً لِأَنَّهُشَيْ ءٌ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ الَّذِي أَحْدَثَهُ فَصَارَ خَلْقاً لَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَلْقُهُ لَا ثَالِثَ بَيْنَهُمَا وَ لَا ثَالِثَ غَيْرُهُمَا فَمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ خَلْقَهُ وَ قَدْ يَكُونُ الْخَلْقُ سَاكِناً وَ مُتَحَرِّكاً وَ مُخْتَلِفاً وَ مُؤْتَلِفاً وَ معلوما وَ مُتَشَابِهاً وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَدَتْكَ الْحَوَاسُّ فَهُوَ مَعْنًى مُدْرَكٌ لِلْحَوَاسِّ وَ كُلُّ حَاسَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا فِي إِدْرَاكِهَا وَ الْفَهْمُ مِنَ الْقَلْبِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِيدٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ كَانَ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَيْنِ اثْنَيْنِ(2) التَّقْدِيرَ وَ الْمُقَدَّرَ وَ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ
ص: 132
مِنْهُمَا لَوْنٌوَ لَا وَزْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا يُدْرَكُ بِالْآخَرِ وَ جَعَلَهُمَا مُدْرَكَيْنِ بِنَفْسِهِمَا وَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً فَرْداً قَائِماً بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَ إِثْبَاتِ وُجُودِهِ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَرْدٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ مَعَهُ يُقِيمُهُ وَ لَا يَعْضُدُهُ وَ لَا يَكُنُّهُ(1) وَ الْخَلْقُ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ إِنَّمَا
ص: 133
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَاهُوا وَ تَحَيَّرُوا وَ طَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ فَازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً وَ لَوْ وَصَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ وَصَفُوا الْمَخْلُوقِينَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ وَ الْيَقِينِ وَ لَمَا اخْتَلَفُوا فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَيَّرُوا فِيهِ ارْتَبَكُوا فِيهِ (1) وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَشْهَدُ أَنَّهُ كَمَا وَصَفْتَ وَ لَكِنْ بَقِيَتْ لِي مَسْأَلَةٌ قَالَ سَلْ عَمَّا أَرَدْتَ قَالَ أَسْأَلُكَ عَنِ الْحَكِيمِ فِي أَيِّ شَيْ ءٍ هُوَ وَ هَلْ يُحِيطُ بِهِ شَيْ ءٌ وَ هَلْ يَتَحَوَّلُ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَى شَيْ ءٍ أَوْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى شَيْ ءٍ قَالَالرِّضَا ع أُخْبِرُكَ يَا عِمْرَانُ فَاعْقِلْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَغْمَضِ مَا يَرِدُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ فِي مَسَائِلِهِمْ وَ لَيْسَ يَفْهَمُهُ الْمُتَفَاوِتُ عَقْلُهُ الْعَازِبُ حِلْمُهُ (2) وَ لَا يَعْجِزُ عَنْ فَهِمِهِ أُولُو الْعَقْلِ الْمُنْصِفُونَ أَمَّا أَوَّلُ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ مِنْهُ لَجَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَا خَلَقَ لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً لِحَاجَةٍ وَ لَمْ يَزَلْ ثَابِتاً لَا فِي شَيْ ءٍ وَ لَا عَلَى شَيْ ءٍ إِلَّا أَنَّ الْخَلْقَ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ وَ يَخْرُجُ مِنْهُ وَ اللَّهُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ بِقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَ لَيْسَ يَدْخُلُ فِي شَيْ ءٍ وَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَ لَا يَئُودُهُ حِفْظُهُ وَ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِمْسَاكِهِ وَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ كَيْفَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ رُسُلِهِ وَ أَهْلِ سِرِّهِ وَ الْمُسْتَحْفَظِينَ لِأَمْرِهِ وَ خُزَّانِهِ الْقَائِمِينَ بِشَرِيعَتِهِ وَ إِنَّمَا أَمْرُهُ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِذَا شَاءَ شَيْئاً
ص: 134
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِمَشِيَّتِهِ وَ إِرَادَتِهِ وَ لَيْسَ شَيْ ءٌ مِنْ خَلْقِهِ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْ ءٍ وَ لَا شَيْ ءٌ أَبْعَدَ مِنْهُ مِنْ شَيْ ءٍ أَ فَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي قَدْ فَهِمْتُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى مَا وَصَفْتَهُ وَ وَحَّدْتَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَ أَسْلَمَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ فَلَمَّا نَظَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ إِلَى كَلَامِ عِمْرَانَ الصَّابِئِ وَ كَانَ جَدِلًا لَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ حُجَّتِهِ أَحَدٌ قَطُّ لَمْ يَدْنُ مِنَ الرِّضَا ع أَحَدٌ مِنْهُمْ وَ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْ ءٍ وَ أَمْسَيْنَا فَنَهَضَ الْمَأْمُونُ وَ الرِّضَا ع فَدَخَلَا وَ انْصَرَفَ النَّاسُ وَ كُنْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إِذْ بَعَثَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَ مَا رَأَيْتَ مَاجَاءَ بِهِ صَدِيقُكَ لَا وَ اللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى ع خَاضَ فِي شَيْ ءٍ مِنْ هَذَا قَطُّ وَ لَا عَرَفْنَاهُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْمَدِينَةِ أَوْ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ قُلْتُ قَدْ كَانَ الْحَاجُّ يَأْتُونَهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَلَالِهِمْ وَ حَرَامِهِمْ فَيُجِيبُهُمْ وَ رُبَّمَا كَلَّمَ مَنْ يَأْتِيهِ يُحَاجُّهُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْسُدَهُ هَذَا الرَّجُلُ فَيَسُمَّهُ أَوْ يَفْعَلَ بِهِ بَلِيَّةً فَأَشِرْ عَلَيْهِ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قُلْتُ إِذاً لَا يَقْبَلُ مِنِّي وَ مَا أَرَادَ الرَّجُلُ إِلَّا امْتِحَانَهُ لِيَعْلَمَ هَلْ عِنْدَهُ شَيْ ءٌ مِنْ عُلُومِ آبَائِهِ ع فَقَالَ لِي قُلْ لَهُ إِنَّ عَمَّكَ قَدْ كَرِهَ هَذَا الْبَابَ وَ أَحَبَّ أَنْ تُمْسِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِخِصَالٍ شَتَّى فَلَمَّا انْقَلَبْتُ إِلَى مَنْزِلِ الرِّضَا ع أَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ حَفِظَ اللَّهُ عَمِّي مَا أَعْرَفَنِي بِهِ لِمَ كَرِهَ ذَلِكَ يَا غُلَامُ صِرْ إِلَى عِمْرَانَ الصَّابِئِ فَأْتِنِي بِهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَ هُوَ عِنْدَ بَعْضِ إِخْوَانِنَا مِنَ الشِّيعَةِ قَالَ فَلَا بَأْسَ قَرِّبُوا إِلَيْهِ دَابَّةً
ص: 135
فَصِرْتُ إِلَى عِمْرَانَ فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَرَحَّبَ بِهِ وَ دَعَا بِكِسْوَةٍ فَخَلَعَهَا عَلَيْهِ وَ حَمَلَهُ وَ دَعَا بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَوَصَلَهُ بِهَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَكَيْتَ فِعْلَ جَدِّكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ هَكَذَا يَجِبُ (1) ثُمَّ دَعَا ع بِالْعَشَاءِ فَأَجْلَسَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَ أَجْلَسَ عِمْرَانَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا قَالَ لِعِمْرَانَ انْصَرِفْ مُصَاحِباً وَ بَكِّرْ عَلَيْنَا نُطْعِمْكَ طَعَامَ الْمَدِينَةِ فَكَانَ عِمْرَانُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَقَالاتِ فَيُبْطِلُ أَمْرَهُمْ حَتَّى اجْتَنَبُوهُ وَ وَصَلَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ أَعْطَاهُ الْفَضْلُ مَالًا وَ حَمَلَهُ وَ وَلَّاهُ الرِّضَا ع صَدَقَاتِ بَلْخٍ فَأَصَابَالرَّغَائِبَ (2). وروی الإحتجاج مُرْسَلًا مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْمَطَالِبِ الْغَامِضَةِ (3).
قال العلامة المجلسي ره :هذا الخبر من متشابهات الأخبار التي لا يعلم تأويلها إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و لا يلزمنا فيها سوى التسليم و إنما ذكرنا فيها ما ذكرنا على سبيل الاحتمال على قدر ما يصل إليه فهمي الناقص مع أن في تلك الأخبار الطويلة المشتملة على المعاني المعضلة كثيرا ما يقع التحريف و الإسقاط من الرواة و الله يعلم و حججه صلوات الله عليهم حقائق كلامهم.
ص: 136