«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر (علیه السلام):
{بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة السادسة: العدد العشرون1392 هجري-ة شمسية1435 هجري-ة قمرية
مدير المجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت
ص: 1
كلمةالتحرير...3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...5
ميزان المعرفة اية الله السيد جعفر سيدان الخراساني...15
الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...29
الفائزون حجة الاسلام والمسلمين هاشم الكاظمي...35
موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...41
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...44
وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...52
الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...60
هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني...64
ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...69
الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...74
بحث فقهي حول حرمة الموسيقی اية الله الاشكوري...78
مواقف حاسمة للامام السجاد(علیه السلام) اية الله الجلالي...84
اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي...101
مناظرة الامام الرضاعلیه السلام على أرباب الملل و الأديان المتشتتة... 107
ما رأي الوهابيةفي توسيعات بولس وعمر ، الشيخ علي الكوراني...124
الشيعة الامامية وعقيدة التفويض آية الله السبحاني...128
ص: 2
اسئلة ترتبط بمصير الانسان
كانت هنالك اسئلة طرحناها للقاریء الكريم وطلبنا منه الاجابة الدقيقة والمستدلة عليها.
وهي ما هو موقع الفلسفة من العلوم العقلية والابحاث الاصولية والكلامية؟ فهل الفلسفة علم عقلي يرافق علم الكلام ويعضده في الاستدلال علی العقيدة الحقة ام يقابله في الهدف والنتيجة ؟ وهل ان الفلسفة تمهّد للانسان ارضية الاستنباط كما هو الحال في علم الاصول وتعرّفه كيفية الاستدلال ؟وهل انها تشرح لنا مضامين الكتاب والسنة ؟ام انها تختص بالاستدلال علی الديانةاليونانية والاعتقادات الاغريقية؟وهل اهمل الدين واهله العلوم العقلية؟ام كان جانب المجانبة عن العلوم العقلية من قبل الفلسفة واهلها؟
ويصر البعض علی ان لاصطلاح الفلسفة معان متعددة...
اقول: ان الفلسفة لها معنی واحد ولايؤثر انقسامها الی الاشراقي والمشائي في ماهيتها كما وانه هنالك انصراف تاريخي وعالمي الی النظريات الموروثة من اليونان وهذا الانسباق الذهني لم يتغير ولم يتبدل بل هو باق بحاله الی يومنا هذا فهذه الحوزات العلمية وهذه الجامعات الحكومية لا تدرس من الفلسفة الا ما ذكرنا ، فلماذا المغالطة ولصالح من؟
ص: 3
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 4
في تفسير قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1).
في غاية المرام : الحادي والعشرون ، الثعلبي ، قال : أخبرني أبو عبد الله ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يوسف بن مالك ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد ، حدثنا الحرث بن عبد الله الحارثي ، حدثنا قيس بن الربيع ،عن الأعمش، عن عباية بن ربعي ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " قسم الله الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى : " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين "(2) فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى : " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون السابقون "(3) فأنا من السابقين ، ومن خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني من خيرها قبيلة ، ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى : " إنما
ص: 5
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "(1)
قال : الثاني والعشرون ، الحميدي ، قال : الرابع والستون : من المتفق عليه من الصحيحين ، عن البخاري ، ومسلم ، من مسند عائشة ، عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله،ثم جاء الحسين فأدخله معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وليس لمصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، في مسند من الصحيحين غيرهذا(2).
قال : الثالث والعشرون ، ومن الجمع بين الصحاح الستة ، من موطأ مالك بن أنس الأصبحي ، وصحيح مسلم البخاري ، وسنن أبي داود السجستاني ، وصحيح الترمذي ، والنسخة الكبيرة من صحيح النسائي ، من جمع الشيخ أبي الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي ، من صحيح أبي داود السجستاني ، وهو كتاب السنن في تفسير قوله تعالى :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ، عن عائشة قالت : " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء
ص: 6
علي فأدخله ، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " .
قال : وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أن هذه الآية نزلت في بيتها :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " قالت : وأنا جالسة عند الباب ، فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ فقال إنك إلى خير ، إنك من أزواج رسول الله ، قالت : وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فجللهم بكساء ، وقال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجسوطهرهم تطهيرا "(1).
قال : الرابع والعشرون ، في سنن أبي داود ، وموطأ مالك ، عن أنس : إن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] كان يأتي بباب فاطمة عليها السلام إذا خرج إلى صلاة الفجر ، حين نزلت هذه الآية ، قريبا من ستة أشهر ، يقول : الصلاة يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "(2).
ثم سرد الروايات إلى أن قال : الحادي والثلاثون ، ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، وهو من أعيان علماء المعتزلة ، قال : قد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عترته من هي ، لما قال : أنا تارك فيكم الثقلين ، فقال :
ص: 7
وعترتي أهل بيتي ،وبين في مقام آخر من أهل بيته حين طرح عليهم الكساء ، وقال حين نزل" إنما يريد الله " اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس .
ثم قال ابن أبي الحديد : فإن قلت : فمن العترة التي عناها أمير المؤمنين بهذا الكلام ؟ قلت : نفسه وولديه ، والأصل في الحقيقة نفسه لأن ولديه تابعان له ، ونسبتهما إليه مع وجوده نسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المضيئة ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك بقوله : وأبوكما خير منكما . قوله : وهم أزمة الحق جمع زمام كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا ،وذاهبا معهم حيثما ذهبوا ، كما أن الناقة طوع زمامها ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على صدق هذه القضية بقوله : وأدر الحق معه حيث دار قوله : والسنة الصدق من الألفاظ الشريفة القرآنية ، قال الله تعالى : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين "(1)
كما كان لا يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق والصواب ، كأنهم ألسنة الصدق ، لا يصدر عنها قول كاذب أصلا ، بل هي كالمطبوعة على الصدق ، قوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن تحت سرعظيم وذاك أنه أمر المكلفين بأن يجرى العترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها والطاعة لأوامرها مجرى القرآن .
ثم قال ابن أبي الحديد : فإن قلت : فهذا القول منهم مشعر بأن العترة معصومة فما قول أصحابكم في ذلك ؟ قلت : نص أبو محمد بن متويه رحمه الله في كتاب الكفاية على : " أن عليا عليه السلام معصوم ، وإن لم يكن
ص: 8
واجب العصمة ، ولا العصمة شرط في الإمامة ، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته والقطع على باطنه ومغيبه ، وإن ذلك أمر اختص هو عليه السلام به دون غيره من سائر الناس ، والفرق ظاهر بين قولنا : زيد معصوم ، وبين قولنا: زيد واجب العصمة لأنه إمام ، ومن شرط الإمام أن يكون معصوما ، فالاعتبار الأول مذهبنا ، والاعتبار الثاني مذهب الإمامية " انتهى (1).
أقول : لا شبهة في نزول آية التطهير في شأن الخمسة الطيبة صلوات اللهعليهم وقد اتفق عليه المسلمون ، وتواترت فيه روايات الفريقين ، والشأن
إنما هو في بيان معنى الآية الكريمة ، ووجه دلالتها على عصمة أهل البيت عليهم السلام ، واختصاص الإمامة بهم ، دون غيرهم من الأمة .
توضيح الكلام فيه : يتوقف على تقديم مقدمة تحتوي أمورا أربعة :
الأول : أن الإرادة على قسمين تكوينية وتشريعية ، والأول لا يتخلف عن المراد " إذا أراد الله شيئا أن يقول له كن فيكون " والثاني لا يستلزم وقوع المراد في الخارج ، لرجوعه إلى أمره تعالى شأنه عباده بالطاعة ، ونهيهم عن المعصية ، ومن المعلوم أن مجرد الأمر والنهي لا يستلزم تحقق الامتثال
بالضرورة ، وإلا لأجبروا على الطاعة وترك المعصية .
والثاني : أن الرجس مطلق ما يعد قذارة ، فالمعصية مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة رجس ، بل الأخلاق الذميمة ولو لم تترتب عليه ، بل مطلق متابعة الهوى ولو في المباحات ، بل مطلق ما يرجع إلى الشيطان وله مدخل فيه .
ص: 9
والثالث : أن النكرة وما في حكمها إذا وقعت في سياق النفي أو ما في معناه تعم جميع الأفراد ، كما هو ظاهر واشتهر بينهم .
والرابع : أن إذهاب الرجس والتطهير على قسمين : الأول إذهابه بعد ثبوته بسبب الاتيان بما يزيله ، كتطهير الأعيان المتنجسة بالماء ، وتطهير المذنب نفسه من رجس الذنوب بالتوبة والإنابة ، والثاني إذهابه عن المحل بدفعه عنه ، بسبب قوة ملكوتية قدسية ، دافعة عنه ، مانعة عن عروضه على المحل ، والتعبير بإذهاب الرجس والتطهير حينئذ مثل قولك للحفار : ضيق فم الركية ،ونظير قول النحاة : المبتدأ هو المجرد عن العوامل اللفظية ، وهو تعبيرشائع في العرف ، فيما إذا كان المحل في حد نفسه صالحا لعروضه عليه ، وإنما حصل الدفع بسبب خارج عن ذاته . وإذا اتضحت لك هذه الأمور .
فاعلم أنه لا يجوز أن يراد من الإرادة في الآية الكريمة الإرادة التشريعية ، لأن الله تعالى خلق الجن والإنس للطاعة والعبادة ، ويسرهم لذلك ، وأمرهم به ، قال الله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فلا وجه لاختصاص أهل البيت عليهم السلام به ، وحصر المراد في طاعتهم ، فتعين أن يكون المراد هي الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد .
ثم إن الرجس الذي هو مفرد معرف باللام ، وإن كان لا يفيد العموم في حد نفسه ، إلا أنه يفيده باعتبار وقوعه مفعولا ليذهب ، لأن الاذهاب رفعا أو دفعا في معنى سلب الرجس ونفيه ، ولا يصدق سلبه إطلاقا إلا بانتفاء كل فرد منه ، وأوضح منه في إفادة العموم قوله عز من قائل : " ويطهركم تطهيرا " ضرورة
ص: 10
عدم حصول التطهير برفع بعض الأقذار دون بعض ، وإنما يتحقق التطهير برفع جميع الأقذار ، ودفعه عن المحل .
فتبين بما بيناه غاية التبين دلالة الآية الكريمة على عصمة أهل البيت عليهم السلام ، وتنزههم عن كل رجس وقذر ، ذنبا كان أو غيره.
فإن قلت : الآية الكريمة إنما تدل على عصمتهم حين نزولها ، لا قبله ، لأن الله تعالى أخبر عن إرادته في الحال ، وعبر بصيغة المضارع التي هي للحال أو للاستقبال ، فلا تدل على عصمتهم من حين تولدهم ، كما تدعيه الإمامية -رضوان الله عليهم - خصوصا مع التعبير بالتطهير ، وإذهاب الرجس المتوقف على ثبوته في المحل .
قلت : إن تأليف الكلام المجيد سابق على تنزيله على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فلو دل الكلام على الحال فإنما يدل على حال التأليف ، لا حال التنزيل ، والتأليف سابق على ولادتهم عليهم السلام كما يظهر من الأخبار ، مع أن دلالة المضارع على الحال في مثل المقام ممنوعة .
توضيح الكلام فيه : إن الفعل لا يتقوم باقترانه بإحدى الأزمنة وضعا ،كما اشتهر بين المتأخرين من أهل العربية ، وإنما يتقوم بالإنباء عن حركة المسمى، كما أفاده مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، والفرق بين أنواعه إنما هو باختلاف أنحاء الإسناد ، فصيغة الماضي إنما وضعت لإفادة تحقيق المبدأ من الذات ، كما أن صيغة المضارع لإفادة اتصاف الذات بالمبدأ وصيغة الأمرلإفادة البعث على اتصاف الذات بالمبدأ ، كما يشهد به الاطراد في موارد
ص: 11
الاستعمالات ، واستفادة الزمان الماضي من الفعل الماضي ، والحال والاستقبال من المضارع ، حيث استفيد منها ، إنما هي بالانصراف ،لا بالوضع، كما أوضحنا الكلام فيه في محله ، ولا انصراف للمضارع في مثل المقام إلى الحال أو الاستقبال ، فإنه إذا استعمل في مقام المدح أو الذم أو الشكر ونحوه، إنما يفيد الاستمرار في الاتصاف ، ألا ترى أن قوله عز من قائل : " اللهيستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون "(1) ليس ناظرا إلى أنه يستهزئ بهم في الحال أو الاستقبال ، ولم يستهزئ بهم في الماضي ، وإنما يفيد أنه تعالى يتصف بالاستهزاء بهم ، لأجل نفاقهم واستهزائهم برسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا الحال في المقام ، فإنه تعالى شأنه في مقام تنزيه أهل بيت النبوة عن الرجس ، فقوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " ناظر إلى أنه عز وجل إنما يتصف بإرادة تنزيه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجس ، ويستمر في هذا الاتصاف ، ولا نظر للكلام إلى أنه يتصف بها في الحال ، ولم يتصف بها قبل ، بل تبيين ضمير المخاطب بقوله تعالى :" أهل البيت " تنبيه على أنه تعالى شأنه إنما يريد إذهاب الرجس عنهم من جهة أنهم أهل بيت النبوة ، وهذه الخصوصية ثابتة لهم في الماضي والحال والاستقبال ، فلا مجال حينئذ للتفكيك بين الأزمنة ، وتعتق الإرادة بالتنزيه في الحال ، دون الماضي.
ومما بيناه تبيين أن إذهاب الرجس والتطهير في المقام إنما هو على وجه
ص: 12
الدفع ، لا الرفع ، فاندفع بحمد الله تعالى ما توهمه الخصم .
هذا كله من حيث استفادتهم من الآية الكريمة بمقتضى القواعد اللفظية ، مع قطع النظر عن الروايات المفسرة والشاهدة لها ، وأما مع ملاحظتها فالأمر أوضح وأظهر ، فإن قوله عليه السلام في الرواية الأولى : فجعلني من خيرهابيتا واستشهاده صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " يدل على أن أهل بيته كانوا من أفضل السابقين ،واصطفاهم الله تعالى ، واختارهم على بريته ، وطهرهم من الرجس ،وعصمهم من الزلل حين خلقهم ، كما تدل عليه الروايات المروية من الطريقين ، الدالة على أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه : هي أسماء الخمسة الطيبة عليهم السلام ،(1)
وأنه لولاهم ما خلق الله آدم ومن دونه،(2)
إذ لا يعقل ثبوت هذه المنزلة لهم مع عدم ثبوت العصمة لهم من أول الأمر ، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فإنه تنبيه منه صلى الله عليه وآله وسلم على أن الابقاء على الموهبة بعد الهبة نعمة أخرى يحتاج إلى الدعاء وطلبه منه تعالى شأنه .
وإذا تبين لك عصمة أهل البيت عليهم السلام بنص الآية الكريمة والروايات المتواترة من الجانبين ، تبين لك اختصاص الإمامة بهم ، إذ لم تثبت العصمة
ص: 13
لغيرهم من الأمة ولم يدعها أحد منهم ، والإمامة تدور مدار العصمة ، لأنها عبارة عن الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ، وما هذا شأنه لا يجوز أن يتقلده غير معصوم من الرجس والزلل .
ولو قيل بعدم اعتبار العصمة في تقلد الإمامة في حد نفسه كما يقوله العامة ،فاختصاصهم عليهم السلام بها ثابت أيضا ، إذ لا يعقل أن يكون من يتطرق إليه الرجس والزلل مرجعا وملاذا وإماما مفترض الطاعة لمن عصمه الله من
الرجس والزلل وطهره تطهيرا ، والقول بجوازه مخالفة لضرورة حكم العقل ، ولا يجوز أن يقال المعصوم حينئذ إمام لنفسه ، ولا يكون مأموما ،ولا إماما للأمة لعدم التزام الخصم به ، وبطلانه في حد نفسه ، ضرورة أن الشخص لا يخلو من أن يكون مطاعا أو مطيعا ، وخلوه عنهما مستلزم للفساد .
ص: 14
العدد الاولآية الله السيد جعفر سيدان الخراساني احد الشخصيات العلمية في مشهد المقدسة وقد تصدی في محاضراته ومواقفه وما طبع له من كتب متعددة مواجهة المد الفلسفي الذي بلغ ذروته في الآونة الاخيرة وعقائد الفلاسفة الباطلة فرد القول بوحدة الوجود بكل وجوهها وفند القواعد الفلسفية الاخری معتمدا في ذلك علی العقل والوحي - مدير المجلة .
المقدمة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد للَّه والصلوة والسلام على محمد و آله الاطهار
من أهم المواضيع الدينيّة التعرف على الطريق الصحيح للوصول إلى المعارف الدينيّة فانه من المعلوم انّ اعتقادات الإنسان تابعة لما يتبناه الإنسان من افكار و ما يملكه من نظام و مبادى ء فكرية و في النهاية انّ إعتقادات الإنسان هي السبب في سعادته و شقاوته و ضلالته.
و قد وجه بعض الاعزاء سؤالاً حول ميزان المعرفة في المسائل العقائدية و كانت هذه المقالة جواباً لهذا السؤال طبعت من قبل في مجلة كيهان الثقافية (كيهان فرهنگى) باللغة الفارسية.
ص: 15
نأمل من خلال هذه المقالة أن قد طوينا شوطاً من المسير للوصول إلى الاعتقاد الصحيح.
مقدمة كيهان الثقافية
كيهان الثقافية تسعى دائماً لإيجاد الاجواء المناسبة لطرح الافكار والآراءوالنظريات المختلفة والمتنوعة من قبل اصحاب الفكر و مفكري البلاد و تريد أن توجد الاجواء المطلوبة للرشد والتعالي الثقافي والارضية المناسبة لحل المشاكل الثقافية و ما يرتبط من حوادث و مسائل في مجتمعنا المتطور، و في النهاية: تريد أن تساهم في حل المشاكل الثقافية من خلال طرحها للبحوث المفيدة والبنّاءه.
و على هذا الأساس فهي تترقب البحوث الجديدة والإبتكارية في جميع المجالات، صحيح اننا حول هذا الأمر و إن لاقينا الامَرّين الاّ اننا على اعتقاد راسخ من الاستفادة من تجارب الآخرين.
و مرةً أخرى ندعوا اصحاب الفكر والرأي المشاركة في مثل هذه البحوث الفكرية للسعي في بث بذور الفكر والمعرفة في البلاد و نطلب منهم مساعدة المجلة في هذا المهم، والمقالة المطروحة هي حول التفكيك والفصل بين مدرسة الوحي والمدرسة الفلسفية تحت عنوان: ميزان المعرفة نقدمها للقراء الكرام.
كيهان الثقافية رقم 10 السنة الثانية، شهر دى 1364
ص: 16
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
لا يخفى أهمية الفكر الصحيح والمعرفة الصحيحة و انها من اهمّ ما يمتاز بها الإنسان و هنا نلقي نظرةً - و بإختصار - حول ميزان المعرفة عند المدارس الفكرية البشرية ثم نقارن بينها و بين الرؤية الصحيحة للمعرفة.و نبدأ في الحديث من نقطة مقبولة لدى كافة المدارس الفكرية المختلفة و هي انّ التعقل والإدراك العقلي حجة و سند في الجملة الّا انّ المفكرين والمحققين في حقائق الوجود والكون قد إختلفت نظراتهم و مذاهبهم في تحصيل المعرفة الصحيحة حول موازين المعرفة.
مذهب الماديين:
ميزان الوصول الى الواقع والحقيقة عند هؤلاء الماديين ينحصر بكسب المعلومات عن طريق الحس والتجربة و يرفضون كلّ المعارف الّتي لا تقوم على أساس الحس والتجربة.
و في جواب هؤلاء نقول:
صحيح انّ للحواس اهميةً بالغة للوصول إلى كثير من الحقائق حتى قيل »من فقد حساً فقدْ فَقَدَ علماً« إلّا انّ الأدلة الكثيرة دالة على بطلان هذا المذهب نذكر بعضاً منها.
الف: انّ من الأمور البديهية والقطعية خطأ الحواس والكل يعترفون بأنّ الحواس تخطأ و على هذا الأساس فلابد للحسّ من ميزان يُستطاع بذلك الميزان من إكتشاف خطأ الحواس فلا يمكن أن تكون الحواس هي الكل
ص: 17
بالكل في ميزان المعرفة.
ب: انّ القواعد والقوانين العامة والكلية في العلوم المختلفة كالحساب والهندسة والطبيعيات و سائر العلوم مقبولة و مما يؤمن بها كافة العقلاء و لايختلف فيها اثنان مع انها كلية و لم تخضع جزئياتها للحسّ والتجربة بل و لا ربط لها بالحواس.
مذهب الصوفية:
في اعتقاد هؤلاء انّ ميزان المعرفة والوسيلة الّتي يتم بها الوصول إلى الواقع هو الكشف والشهود و يقولون:
(ان قدم اهل الاستدلال من خشب) والمراد انّ طريقة أهل الاستدلال العقلي صعبة لا تمكن صاحبها من الوصول إلى الحقيقة والواقع فهم لا ينكرون ان للتعقل قيمة في كثير من المسائل العادية بل يعتقدون ان قسماً من حقائق الوجود المهمة لا يمكن فهمها الاّ بالكشف والشهود و لذا فهم يعتبرون انّ أهل الاستدلال العقلي عاجزون و راجلون و يقولون انّ الطريق للوصول إلى الحقائق المهمة هو: »طور وراء طور العقل.
و هذا المذهب ايضاً باطل و غير صحيح و إن كان يمكن الوصول إلى الحقيقة في بعض الأحيان من خلال المكاشفة والمشاهدة الاّ انه لا يمكن جعل ذلك ميزاناً للمعرفة و ذلك:
اولاً: انّ كثيراً من المكاشفات بعضها يناقض البعض الآخر و ليست لها نتيجة واحدة بل هي متفاوتة من شخص إلى آخر و من مكاشفة إلى أخرى و على
ص: 18
هذا الأساس لا يمكن أن تكون ميزاناً لتشخيص الصحيح من الغلط والحق من الباطل بل هي محتاجة الى ميزان يشخص حق المكاشفة من باطلها.ثانياً: من المحتمل أن تكون المكاشفة الّتي شاهدها الإنسان نتيجة للأعمال الرياضية الروحية الّتي يقوم بها صاحب المكاشفة و لا ربط لها بالواقع و هذا الاحتمال وارد و قويّ كما نشاهد بعض الاثار تحصل نتيجة لاستعمال بعض الأدوية و لا تكون تلك الاثار إنعكاساً عن الواقع و بياناً له(1)
ص: 19
مذهب الفلاسفة:حول الطريقة الفلسفية العقل وحده هو الميزان في معرفة الحقائق و كلّ شي ء خارج عن الاستدلال العقلي لا اعتبار به و لا يمكن قبوله حسب مذهب هؤلاء فهو كالمذاهب السابقة ليس الميزان فيه الشرع و ما جاء به الوحي نفياً و لا إثباتاً و بعبارة ثانية انّ الفيلسوف يعتمد البرهان و الاستدلال و لا تهمّهُ النتيجة انها موافقة للشرع أم مخالفة له و بالنسبة إلى الفلاسفة الاسلاميين سوف نتعرض و باختصار للحديث عنهم.
من جملة الاشكالات الواردة على الطريقة الفلسفية هو ما يقال من مقبولية العقل (بالمعنى الوسيع للعقل يعني بما يشمل غير البديهيات والبرهانيات من الادراكات الاعتبارية و الاستحسانية والذوقية - المترجم) لكل ما يدركه و يصل اليه، في حين اننا نجد - كما يعترف بذلك كثير من العقلاء و بشهادة اختلاف الفلاسفة في الاصول والمباني الاساسية للتعقل والتفكير الى حدّ التناقض والتضاد في أكثر المسائل المهمة كما هو واضح بمراجعة أي واحد من الكتب الفلسفية - ان العقل لا طريق له إلى كلّ المسائل والحقائق والواضح من الأمور لدى العقل محدود و كثير من المسائل المهمة لا وضوح فيها عقلاً.
و ايضاً كثير من المسائل غير الخارجة عن حدود العقل مكتنفة بالدقة العقلية بمعنى انّ وصول العقل اليها دقيق بحيث كان كشفها و ادراكها نادراً لكبار الناس، والحاصل انّ دائرة الاستفادة من العقل محدودة (في حدود
ص: 20
البديهيات والبرهانيات لا غير - المترجم) و لا يمكن الاستفادة منه فيجميع مجالات المعرفة اذاً لا يمكن جعله هو الميزان الاول والاخير.
فاختلاف و تضارب مباني و نظريات شيخ الاشراق و شيخ الفلاسفة ابن سينا و ملا صدرا و باقي الفلاسفة في اكثر المسائل المهمة في الفلسفة كالإرادة والقدم والحدوث و فاعلية الذات المقدسة الالهية والحركة في الجوهر و اتحاد العاقل والمعقول و اصالة الوجود و التشكيك في الوجود و وحدة الوجود و مسألة الروح و كيفية الحشر والمعاد و غيرها من المسائل الفلسفية ادل دليل على أنّ المذهب الفلسفي خَطِرٌ لا امان فيه و لا نريد بذلك عدم حجيّة العقل فانّ حجية العقل ثابتة و مما لا كلام فيها و انما نريد أن نقول انّ دائرة العقل محدودة و لا يمكن مع هذه المحدودية الكشف عن كلّ المباحث والمسائل بشكل قطعي و بكامل الاطمئنان.
و على هذا الاساس فالاسلوب الصحيح للوصول إلى حقائق الوجود والكون هو الاعتماد على العقل في دائرة المستقلات العقلية والّتي يتفق فيها عموم العقلاء و بعد الايمان باللَّه جل و علا و رسالة خاتم الأنبياء و ما جاء به الوحي بعد ثبوت ذلك بدليل هذا العقل الفطري فقد انفتح باب اخر صحيح لتحصيل الحقائق يوجب الاطمئنان واليقين و هو: التدبر والتعقل في ما جاء به الوحي، فما يتضح من ما جاء به الوحي بعد صحة الدليل سنداً و دلالة هو الحقّ والحقيقة والاّ ينتخب الانسان هذا الطريق فاحتمال وقوعه في خطر الاشتباهات العظيمة قوي جداً.
ص: 21
و بما ذكرنا صرح المرحوم الشيخ الأنصاري ؛ في بحث القطع من كتاب الرسائل بعد منعه المؤكد عن الاعتماد و الإتكال على البراهين العقلية والأقيسة المختلفة في إستنباط الاحكام حيث قال:
(و أوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق بأصول الدين فانه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد و قد أشير إلى ذلك عند النهي عن الخوض في مسألة القضاء والقدر)
و أجد من اللازم في هذا القسم من البحث ان اذكّر بأمور ثلاثة:
1 - لو قيل انّ اختلاف الفلاسفة في المسائل المختلفة لا يكون دليلاً على عدم صحة الطريقة الفلسفية و عدم كونها موجبة للإطمئنان نظير إختلاف الفقهاء حيث لا يكون دليلاً على عدم صحة الفقة والفقاهة فكذلك ما في المقام.
والجواب: انّ قياس طريقة الفلاسفة مع طريقة الفقهاء قياس مع الفارق و ذلك للأسباب التالية:
اوّلاً: انّ الفلاسفة يدعون القطع بالواقع والوصول إلى الحقيقة و لكن مع ملاحظة اختلافهم الشديد فيما بينهم و ملاحظة ما تقدم لا يمكن أن يحصل القطع(1)
من كلامهم بخلاف الفقهاء فانهم لا يدعون القطع و لا يضر اختلافهم
ص: 22
بمدعاهم فانهم يقولون انما يحصل لنا الاطمينان من خلال الاستنباط بلا نفي لإحتمال مخالفة إستنباطهم للواقع.
ثانياً: انّ الفقهاء يعملون على اساس التكليف الشرعي و من المعلوم قطعاً و يقيناً هو وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة و أخبار العترة الطاهرة والتمسك بالثقلين و إذا ما حصل الاشتباه في الاستنباط لهم فهم معذورون و ذلك لأنهم لا طريق لهم الّا ذلك، بخلاف الفلاسفة فانهم يدعون الوصول إلى الواقع و حيث انّ عملهم يرتبط بالمسائل العقائدية والمعارف الالهية لابد و أن يكون اسلوبهم و طريقهم في ذلك يقينياً و اذا ما حصل الإحتمال و لو واحد بالالف من أنّ هذا الطريق لا يوصل إلى الواقع فيلزم عليهم عقلاً أن يعرضوا عنه و لابد لهم من أن يلتزموا بالواقع على ما هو عليه من الإجمال والإبهام بل اللازم قبول ما جاء به الوحي بعد الاعتقاد به.
2 - نقل عن المرحوم الشيخ الأنصاري اعلى اللَّه مقامه الشريف انه قال:
(يلزم الابتعاد عن الاستدلالات العقلية في اصول الدين).
في حين انّ الفقهاء يقولون: (لا يجوز التقليد في اصول الدين).
فكيف يمكن التوفيق بين هذين الكلامين.و نقول في الجواب: انّ هذين المقالين لا تنافي بينهما - مضافاً إلى أنّ
ص: 23
الإجتهاد في بعض الموارد يكون على أساس الأدلة النقلية كالمعاد و الإمامة - لانه ليس المقصود من عدم الاستدلالات العقلية في اصول الدين هو نفي المستقلات العقلية من الاستدلال و ذلك لوضوح حجية المستقلات العقلية و قطعيتها و على هذا فلزوم الإجتهاد في أصول الدين يكون على معنيين:
الف: اصول الدين على اساس المستقلات العقلية والعقل الفطري مثل مسألة التوحيد والنبوة.
ب: اصول الدين على اساس الأدلة المعتبرة من الوحي مثل مسألتي المعاد والإمامة.
و على أي حال فلا يجوز تقليد الاخرين في اصول الدين بل لابد من فهم المطالب بشكل واضح والوصول إليها بواسطة العقل الفطري و لو من خلال الإستعانة بتذكير الاخرين هذا فيما يرتبط بمسائل التوحيد والنبوة.
أو أن يتفهم المطالب في سائر المسائل من خلال الكتاب والسنة.
3 - انّ ما قيل من انّ الفلاسفة لا يهمهم مطابقة ما يصلون إليه لما جاء به الوحي والأدلة الشرعية لا نفياً و لا إثباتاً إنّما هو بالنسبة إلى الفلاسفة غير الاسلاميين أو أنّ المراد انّ الطريقة الفلسفية بالمعنى الخاص للكلمة - في نفسها كذلك كما قال الفيلسوف الشهير الحاج ملا هادي السبزواري في شرحمنظومته(1)
حول هذه العبارة:
ضرورة القضية الفعلية لوازم الاول والماهية
ص: 24
(قولنا المتصدين لمعرفة الحقائق و هم أربع فرق لانهم اما أن يصلوا إليها بمجرد الفكر أو بمجرد تصفية النفس بالتخلية والتحلية أو بالجمع بينهما فالجامعون هم الإشراقيون والمصفّون هم الصوفية والمقصرون على الفكر إما يواظبون موافقة اوضاع ملة الأديان و هم المتكلمون أو يبحثون على الإطلاق و هم المشاؤون والفكر مشي العقل إذ الفكر حركة من المطالب إلى المبادي و من المبادي إلى المطالب).
و لكنّ الفلاسفة الاسلاميين قد صرحوا كراراً انّ الفلسفة الّتي على خلاف الشرع والشريعة مرفوضة و إنّهم متعبدون بما تقتضيه الموازين الشرعية.
و تقول انّ هنالك جمعاً من الفلاسفة الاسلاميين الّذين لهم باع طويل و اطلاع كامل في الاصول والمباني الفلسفية يستفيدون من الفلسفة فقط في خصوص المسائل الّتي لا ترتبط بالإسلام أو الّتي توافق الدين و أمّا المسائل الّتي لا تتطابق مع الدين والشريعة و مخالفة للموازين والأدلة الشرعية كاملاً فانّهم يتعبدون و يعتقدون بما جاء به الوحي.
و في الحقيقة هؤلاء العلماء مظهر العالم الرباني والفقيه في الدين.
و هنالك جمع اخر من الفلاسفة الإسلاميين مع تقيدهم بالإسلام الّا إنّهمعملاً يتابعون في البحوث العلمية الافكار والأراء للشخصيات والنوابغ البشرية و يعتمدون عليهم في مختلف المسائل و إذا ما كانت افكارهم مخالفة للشريعة يسعون لتوجيه الشريعة و تأويلها بالشكل الّذي يحصل التوافق والإنطباق بينهما كما ستأتي بعض الشواهد على ذلك.
ص: 25
مذهب العرفاء والإشراقيين:
العرفاء والاشراقيون مع اختلافهم يشتركون في جهة واحدة و هي: الجمع بين العقل والكشف و يعطون لكلّ واحد منهما قيمة الى حد ما، لا بمعنى انه لابد من الجمع بين العقل والكشف في الكشف عن الحقائق في كلّ الموارد بل بمعنى انّه يصح عندهم انتخاب أي من الطريقين.
و لا يخفى ممّا تقدم بطلان هذا المذهب ايضاً و ترد عليه الإيرادات والإشكالات الواردة على المذهب الثاني والثالث ايضاً.
و هؤلاء يؤلون و يوجهون الآيات والروايات اكثر من الفلاسفة و يتمسكون بالمتشابه من الآيات والروايات لاجل إثبات آرائهم و نظرياتهم.
مذهب الوحي و مدرسته:
من خلال ما تقدم من مباحث نحصل على هذه النتيجة انّ الميزان في الكشف عن الحقائق هو العقل الفطري و حسب الإصطلاح العقل حجة قطعية في حدود المستقلات العقلية و حينئذ عن طريق هذا العقل الفطري يصل الإنسان إلى طريق الوحي و مدرسته و يعتقد باللَّه جل و علا و رسالته فيالحياة و حينئذ سيكون الميزان هو مذهب الوحي و عليه فلابد من التدبر فيه والاستفادة منه نظير من يحمل شمعة يستضي ء بنورها للبحث عن اللئالي والجواهر النفيسة في ما بين الأحجار والأشواك في صحراء مظلمة و إذا به قد واجه منبعاً عظيم النور فمن الواضح والبديهي انه لابد و أن يستفيد منه احسن ما يكون.
ص: 26
و لا يخفى انّ من يعتمد و يستفيد من منبع الوحي سوف لا يواجه مطالب مخالفةً للعقل الفطري، و إذا وقع الإختلاف بين ما يستفاد من القرآن والحديث و بين استدلالات الفلاسفة و غيرهم )والّتي يناقض بعضها الاخر( فمن البديهي تَقَدُمُ ما يستفاد من مدرسة الوحي و لا يمكن توجيهه و لا تأويله على ما يقوله الفلاسفة و غيرهم و ذلك لإحتمال الخطأ في استدلال كلّ واحد منهم بل من المحتمل خطأ مجموع استدلالاتهم الّتي تسمّى بالعقلية(1)
و قد أرشدنا القرآن إلى هذه الحقيقة و هي التعقل والتفكير والتمسك بالكتاب والعترة يعني مدرسة الوحي، و بذلك نطقت الأحاديث الشريفة ايضاً سنشير إلى بعض منهما، و لا يخفى على القاري ء الكريم انّ هذهالشواهد الّتي سنذكرها انما هي بعد الإيمان بالوحي بواسطة الدليل العقلي:
1 - (اَ وَ لَمْ يَتَفَكّرُوا فِى اَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمواتِ وَ الاَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما اِلّا بِالْحَقِّ وَ اَجَلٍَ مُّسَمَّىً وَ اِنَّ كَثِيْرَاً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُوْنَ)(2)(وَ ما اتكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوْهُ وَ ما نَهكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا)(3)
عن أبي عبداللَّه علیه السلامقال: »حجة اللَّه على العباد النبيّ والحجة فيما بين العباد و
ص: 27
بين اللَّه العقل)(1)
(يا هشام ما بعث اللَّه انبيائه و رسله إلى عباده الّا ليعقلوا عن اللَّه)(2)
(من اخذ دينه من كتاب اللَّه و سنة نبيّه صلوات اللَّه عليه و آله زالت الجبال قبل أن يزول و من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال)(3)
بعد هذه الوجيرة في بيان الميزان الصحيح للوصول إلى الحقائق نقارن بعض النتائج المستفادة من المنهج الصحيح و هو التعقل والتدبر في مدرسة الوحي مع ما تقوله المذاهب البشرية في ذلك. للبحث صلة
ص: 28
العدد الثالث عشر
مناقشات وملاحظات
حول بعض مسائل القسم الثالث من المباحث الفلسفية
بطلان التفويض
ولا يخفی ان رؤية الاسلام حول هذه القاعدة المزعومة واضحة حيث يقول تعالی: في سورة الاعراف الا له الخلق و الامر~ و يقول تعالی في سورة الرعد ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار...(1)~ وان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً انما هوكن فيكون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نكتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا(علیه السلام) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال(علیه السلام) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول
ص: 29
الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون(1))
فان قوله(علیه السلام) (ان الله خالق كل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي واسطة في البين لخالقيته تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة (علیهم السلام) لم يكن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد(رحمه الله) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً (والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته (علیهم السلام) الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم اميرالمؤمنين(علیه السلام) بالقتل والتحريق بالنار وقضت الائمة(علیهم السلام) عليهم بالاكفار والخروج عن الاسلام) : والمفوضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا بهمن سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة وخلقهم ونفي القدم عنهم واضافة الخلق والرزق مع ذلك اليهم ودعواهم ان الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة وانه فوّض اليهم خلق العالم بمافيه وجميع الافعال(2)
ثانياً: و إما قولهم إنه تعالی بسيط و ذو جهة واحدة و إنه لو صدر منه معلولات متعددة لزم تقرر جهات متعددة في ذاته ففيه:
ص: 30
1- إنه تعالی فوق الجهوية لا أنه محدود بجهة واحدة و المقصود من أنه تعالی لاجهات فيه و أنه بسيط: يعني لا تركب و لاتكثر في ذاته بل ذاته واحدة كاملة غنية عمن سواها لا انها محدودة بجهة واحدة مضافاً الی ان تحديد الذات الغنية الكاملة يستلزم التناقض و لامعنی له غيرذلك.
2– التكثر الواقع و الذي لابد له من علة إن كان من الله جل و علا فهو ينافي قاعدتكم بإن الواحد... و إن كان من غيره لم يكن الله تعالی علة لكل المخلوقات و كانت هنالك علل غيره و هو واضح البطلان.
3- يلزم من قولكم هذا ايضاً محدودية الذات المقدسة الإلهية.
ثالثاً: و أما ما يقال في توجيه صدور الكثرة من غيره تعالی من إن العقول لكونها معلولة فهي تعقل ذاتها و تعقل علتها فصح صدور معلولات متعددة منها.
أقول: يلزم من ذلك كله أمور:الأول: عدم صلاحية الذات المحدودة بجهة واحدة (حسب اعتقادهم) لأن تكون علة لكل المخلوقات هذا مع بطلان فكرة العقول و تعدد العلل.
الثاني:كفاية معقولية الذات و الغير في صلاحية المعقولية لصدور معلولين من الذات امرٌ باطل مضافاً الی عدم ثبوت كون المعقولية كافية في إعطاء قدرة الخلق و الايجاد بذاتها من دون استنادها الی علتها.
ص: 31
الثالث: و أخيراً لم لا تقولون ذلك بالنسبة الی الذات الإلهية المقدسة؟! فهو يعلم ذاته و يعلم معلولاته و علمه عين ذاته فهو أولی بصدور معاليل متعددة منه؛ لأنه فوق الجهات المعلولية التي جعلتموها صالحة لأن تكون علة للتكثر.
رابعاً: و أما ما ذكره السيد الطباطبائي و الأستاذ مصباح من أن العلة المفيضة هي المعطية لوجود المعلول و إنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.
أقول: و لازم ذلك أن يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالی فجسمانية العالم و ماديته و ما اشتمل عليه كل ذلك في ذاته تعالی لأنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.
فإن قلت: نعم كل ذلك في ذاته تعالی إلا أنه من نوع عالم الألوهية و بنحو أتم و أرقی.
قلت: كيف يكون المجرد علی تجرده (بمعنی عدم محدوديته ولا يتطرق اليه التحديد و فوق المادة) عين الوجود المادي و هو محدود؟ و هل هذا إلا الجمع بين النقيضين؟. فإما أن نحافظ علی تجرد المجرد و عدم محدوديتهُ؛ فهو إذاً غير الماديات فانخرمت قاعدة (فاقد الشيء لايعطيه) و إما أن نقول انهتعالی عينها و نحافظ علی هذه القاعدة و هو خلاف البرهان العقلي و القطعي في أنه تعالی لا يتطرق اليه التحديد و لاشبيه له.
بطلان ما يتوهم من قاعدة فاقد الشئ ...
أقول: و قد توهم في فهم القاعدة فلم يفهموا معناها و المراد منها. و ذلك فإن معناها: أن من لاقدرة له علی الخلق و الإيجاد لايستطيع أن يخلق و
ص: 32
يُوجِد. ففي الحقيقة هذه القاعدة تعبير آخر عن قاعدة الوجود من العدم مستحيل أو احتياج الممكن الی العلة فالمراد: أن الوجود يستحيل استناده الی العدم بل هو مستند الی العلة و إن الممكن لاوجود له في نفسه و إنما يعطی له الوجود بواسطة علته أما كيف يعطي له الوجود و إن وجوده قطعة من وجود علته فهذا ما لا تتكفل القاعدة ببيانه و أجنبي عن القاعدة (يعني قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه) فإن العلة كما يعقل أن تعطي الوجود لمعلولها من ذاتها كذلك يعقل و يمكن أن تعطي الوجود لمعلولها بما تملكه من قدرةكما تقدم ذلك في بحث العلة والمعلول . و الذي يتكفل بيان صحة الأول أو الثاني هو البراهين الاخری و هي دالة علی أنه تعالی لا يتطرق اليه التحديد و إنه قاهر غير مقهور و إن الأثر غير المؤثر لان ذاته تعالی ليست من سنخ ذات الاثار القابلة للوجود والعدم بخلافه تعالی حيث لا تكون ذاته مجعولة ولا قابلةللوجود والعدم فانه لو كان له مانع لاصبح اثرا ولخرج عن كونه موءثرافتعين صحة الثاني لاستحالة الأول.
و النتيجة:إن الكامل الغني القادر المختار؛ يخلق ما يشاء كيف يشاء من دون حاجة الی عقول طولية أم عرضية أم مُثل أم نفوس كلية التي ما هي إلا عبارة عن الآلهة التي كانت تعتقد بها الأمم السالفة و التي تُرجمت الی العقول في عهد الفلسفة اليونانية، و بعدها تُرجمت الی الأقانيم الثلاثة في عهد المسيحية. و التي قد جاء القرآن بالردّ عليها: {و لا تَقولوا ثلاثةٌ انتهوا خَيراً لَكُم إنَّما اللهُ إلهُ واحدٌ
ص: 33
سبحانهُ أن يكونَ لهُ ولدٌ لهُ ما في السَماواتِ و ما في الأرضِ و كفی باللهِ وكيلا. لن يستنكفَ المسيحُ أن يكونَ عَبَداً للهِ و لا الملائكةُ المُقرَّبونَ و من يستنكفُ عن عبادتِهِ و يستكبِرُ فسيحشُرُهُم إليهِ جميعاً}(1).
و يقول تعالی {لقد كَفَرَ الذين قالوا إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ و ما مِن إله إلا إله واحد سبحانهُ أن يكونَ لهُ ولدٌ له ما في السمواتِ و ما في الأرضِ و كفی باللهِ وكيلا}(2) . و في آية اخری يقول عزّوجل: {و إذ قالَ اللهُ يا عيسی بن مريمَ أ أنتَ قلتَ للناسِ اتَّخذوني و أمّي إلهَينِ من دون اللهِ قالَ سُبحانَك ما كانَ لي أن أقولَ ما ليسَ لي بحقٍّ إن كنتُ قُلتُهُ فقد علمتهُ تعلمُ ما في نفسي و لا أعلمُ ما نفسكِ إنَّكَ أنتَ علامُ الغُيوب}(3).
و الآيات صريحة في الردّ علی فكرة العقول و المُثل، وعلی كون عيسی (علیه السلام) الرابط الوجودي بين الذات المقدّسة الإلهية و العالم المادّي تعالی الله عن ذلك .
و هذه هي الرؤية الاسلامية فعن مولانا امير المؤمنين(علیه السلام) في اول خطبة من نهج البلاغة « فطر الخلائق بقدرته» و في خطبة 182 «خلق الخلائق بقدرته».و عن الامام الرضا (علیه السلام): « الحمد لله فاطر الاشياء إنشاءً و مبتدعها ابتداءاً بقدرته و حكمته لامن شيئ فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداء»(4)
و عن امير المؤمنين(علیه السلام): «... و كل صانع شيئ فمن شيئ صنع و الله لا من شيئ صنع ما خلق»(5)
ص: 34
العدد الثالث
النبي الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):
(يا علي مثلك في امتي مثل عيسی بن مريم افترق قومه ثلاث فرق،فرقة مؤمنون وهم الحواريون وفرقة عادوه وهم اليهود وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن دين الله وهم النصاری وان امتي ستفترق فيك ثلاث فرق ،فرقة اتبعوك واحبوك وهم المؤمنون وفرقة عادوك وهم الناكثون والمارقون والقاسطون وفرقة غلو فيك وهم الظالمون ياعلي انت واتباعك في الجنة وعدوك والغالي في النار)(1)
الغلاة شر خلق الله69- عنهم(علیه السلام) قالوا:« كونوا لنا زيناً ولاتكونوا علينا شيناً، فانه ليس بين الله وبين احد من خلقه قرابة ، ألا من أئتم بامام فليعمل بعمله؛ مامعنا براءة من النار، وليس لنا علی الله حجة، فاحذروا المعصية لنا والمغالاة فينا، فان شر خلق الله يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله.
ص: 35
والله ان الغلاة شر من اليهود والنصاری والمجوس والذين اشركوا. والينا يرجع الغالي فلا نقبله، لان الغالي اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصوم فلا يقدر علی ترك عادته. وبنايلحق المقصِّر فنقبله، لان المقصر اذ عرف عمل».
شفاعة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لاتنال الغالي
103- قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «رجلان من امتي لاتنالهما شفاعتي؛ امام ظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه».
اميرالمؤمنين (علیه السلام) بريء من الغلاة
46- عن الامام علي(علیه السلام) قال: «اللهم اني بريء من الغلاة كبراءة عيسی بن مريم من النصاری،اللهم اخذلهم ابدا ولاتنصر منهم احدا».
لاهم منا ولانحن منهم
85- عن علي بن الحسين(علیه السلام) قال: «ان اليهود احبوا عزيراً حتی قالوا فيه ماقالوا، فلا عزير منهم ولا هم من عزير. وان النصاری احبوا عيسی حتی قالوا فيه ماقالوا .. فلاعيسی منهم ولا هم من عيسی. وإنّا علی سنة منذلك، ان قوماً من شيعتنا سيحبونا حتی يقولوا ما قالت اليهود في عزير وماقالت النصاری في عيسی بن مريم، فلا هم منا ولا نحن منهم».
ص: 36
صنفان لا نصيب لهما في الاسلام
34- عن الامام الصادق(علیه السلام) قال: «ادنی ما يخرج به الرجل من الايمان ان يجلس الی غال فيستمع الی حديثه ويصدقه علی قوله. ان ابي حدثني عن ابيه عن جده عليهم السلام ان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: صنفان من امتي لا نصيب لهما في الاسلام الغلاة والقدريّة».
ابرأوا من الغلاة فلاتجالسوهم
26- عن الحسين بن خالد الصيرفيّ قال: قال ابوالحسن الرضا(علیه السلام): « من قال بالتناسخ فهو كافر، ثم قال لعن الله الغلاة الا كانوا يهوداً، الا كانوا نصاری، الا كانوا مجوساً، الا كانوا قدريّة، الا كانوا مرجئة، الا كانوا حرورية، ثم قال (علیه السلام): لا تقاعدوهم ولا تصادقوهم وابرأوا منهم بريء الله منهم».
91- عن المفضّل قال: قال ابو عبدالله(علیه السلام): وذكر اصحاب ابي الخطاب والغلاة فقال لي : « يا مفضّل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم».احذروا علی شبابكم من الغلاة
45- عن الامام الصادق(علیه السلام) قال: «احذروا علی شبابكم من الغلاة لايفسدوهم، فان الغلاة شر خلق الله يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله. والله ان الغلاة لشر من اليهود والنصاری والمجوس والذين اشركوا. ثم قال(علیه السلام) : الينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله» فقيل له:
ص: 37
وكيف ذلك؟ قال: «لان الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج فلا يقدر علی ترك عادته والرجوع الی طاعة الله عزوجل ابدا، وان المقصّر اذا عرف عمل واطاع».
الامام الرضا (علیه السلام) يتعبد الله بالبراءة من الغلاة
كان من دعائه(علیه السلام): «اللهم اني ابرأ اليك من الحول والقوة فلا حول ولاقوة الابك . اللهم اني ابرأ اليك من الذين قالوا فينا مالم نقله في انفسنا. اللهم لك الخلق والامر واياك نعبد واياك نستعين. اللهم انت خالقنا وخالق آبائنا الاولين وآبائنا الآخرين. اللهم لا تليق الربوبية الا لك ولاتصلح الالوهية الا لك، فالعن النصاری الذي صغّروا عظمتك، والعن المضاهين لقولهم من بريّتك. اللهم إنّا عبيدك وابناء عبيدك لا نملك لانفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولانشورا. اللهم انّا لم ندعهم الی ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفرلنا ما يزعمون، رب لا تذر علی الارض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجراً كفارا».
النمرقة الوسطیفي الحديث : «كونوا النمرقة الوسطی يرجع اليكم الغالي ويلحق بكم التالي»(1).
وفي آخر« نحن النمرقة الوسطی بنا يحلق التالي والينا يرجع الغالي»(2).
ص: 38
عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفرعلیه السلام قال: قال لي: «ياابا حمزة! لا تضع علياً دون ما وضعه الله، ولاترفع علياً فوق ما رفعه الله، كفی بعلي ان يقاتل اهل الكرة وان يزوج اهل الجنة»(1).
عن اميرالمؤمنين(علیه السلام) قال: «قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): ياعلي ان فيك مثلا من عيسی بن مريم، احبه قوم وافرطوا في حبه فهلكوا، وابغضه قوم وافرطوا في بغضه فهلكوا ، واقتصد قوم فيه فنجوا»(2).
وعنه(علیه السلام) من كلام له مع الخوارج: «سيهلك فيّ صنفان؛ محب مفرط يذهب به الحب الی غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به الحب الی غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض الی غير الحق، وخير الناس فيّ النمط الاوسط»(3).
وعنه(علیه السلام) قال: «يهلك فيّ رجلان محب مفرط، وباهت مفتر»(4)وعنه (علیه السلام)قال: «يهلك فيّ محب غال ومبغض قال»(5).
وعنه(علیه السلام)قال: «يهلك فيّ رجلان محب مفرط يفرطني بما ليس لي، ومبغض يحمله شناني علی ان يبهتني»(6).
ص: 39
عن اميرالمؤمنين(علیه السلام): « يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي : محب مفرط ومبغض مفرط، وإنّا لبراء الی الله تعالی ممن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسی بن مريم من النصاری»(1) .
من هم النمرقة الوسطی؟
لاشك انهم شيعة علي (علیه السلام) وموالوه، فلننظر من شيعة علي(علیه السلام) وما هي صفاتهم حتی نتصف بها لنكون من الفائزين كما قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في علي(علیه السلام): «ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة».(2)
ص: 40
إن كثيراً من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة التاسعة عشرة.
60- السيّد محمّد كاظم اليزدي قدس سره
قال في العروة الوثقى : القائلون بوحدة الوجود من الصوفيّة إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد(1) .أقول : وقد تبعه في هذه الفتوى جمع كثير من الفقهاء والأعلام في حواشيهم على العروة الوثقى وأمضوا ما ذكره السيد رحمه الله وقبلوه ولم يعلّقوا عليه ما يخالفه.
ص: 41
منهم : السيد علي البهبهاني قدس سره (1).
ومنهم : السيد محمد هادي الميلاني رحمه الله(2) .
ومنهم : الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء(3) .
ومنهم : السيد إبراهيم الحسيني الاصطهباناتي الشهير بميرزا آقا الشيرازي قدس سره(4) .
ومنهم : السيد محمود الحسيني الشاهرودي قدس سره(5) .
ومنهم : الشيخ عبداللّه الغروي المامقاني قدس سره (6).
ومنهم : السيد محمد الحجّة الكوه كمري قدس سره(7) .
ومنهم : الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي قدس سره(8) .ومنهم : السيّد أبوالقاسم الخوئي رحمه الله (9).(1116)
ص: 42
ومنهم : السيّد أبوالحسن الموسوي الإصبهاني قدس سره(1) .
ومنهم : السيّد الحاج آقا حسين الطباطبائي القمّي قدس سره(2) .
ومنهم : الحاج السيّد يونس الأردبيلي الموسوي رحمه الله (3).
ومنهم : الشيخ علي بن المرحوم صاحب الجواهر رحمه الله(4) .
ومنهم: الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي قدس سره (5).
وغيرهم من المحشّين على العروة الوثقى من الأعلام المعاصرين منهم : السيّد أحمد الخوانساري والسيّد محمد رضا الكلبايكاني والسيّد شهاب الدين المرعشي النجفي والسيّد أبو الحسن الرفيعي رحمهم الله ، و . .
ص: 43
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
الحلقة السابعة عشرة
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء
فصل
هذا الحديث الشريف
رواه الكليني في الكافي والطبرسي في مجمع البيان والشيخ بهاء الدين في الكشكول وغيرهم ووجوده في هذه الكتب المعتمدة وأمثالها من جملة من القرائن الدالة على صحته وسنده في الكافي علي بن محمد عن إبراهيم الأحمر عن عبد الله بن حماد عن عبد الله سنان وعلي بن محمد هنا هو ابن عبد الله بن أذينة الثقة الذي هو من جملة رجال العدة التي يروي عنها محمد بن يعقوب وقد وقع التصريح بكونه ابن عبد الله في كتاب العلم وكتاب الطهارة وغيرهما ويحتمل كونه علي بن محمد المعروف بعلان الكليني الثقة الجليل وعلى تقدير كونه غيرهما وأن يعد فكونه من مشايخ الكليني وكثرةروايته عنه مع وصف أحاديثه بالصحة كما يفهم من أول الكتاب دليل على
ص: 44
اعتماده. وإبراهيم الأحمر الظاهر أنه ابن إسحاق وهو وإن ضعفه بعضهم لكن ذكروا أن كتبه قريبة من السداد بل وثقه الشيخ بحسب الظاهر وفي اتحاد الموثق والمضعف نظر فإن كان هنا هو الثقة فلا كلام وإن كان المضعف فإما أن تكون الرواية من كتابه وكتبه قريبة من السداد كما عرفت بل معلومة السداد هنا لموافقتها ما مضى ويأتي من النصوص أو من طريق الإجازة فأمرها سهل إذ كانت الكتب متواترة النسبة يروونها عن ثقة وغيره تبركا باتصال السلسلة بأصحاب العصمة عليهم السلام. ومن القرائن على ذلك تتبع طريقة المتقدمين فإن الكليني وغيره كثيرا ما يروون في أوايل الأسانيد عن غير ثقة ولا يتصور منهم النقل من كتب غير الثقات وغير الموافق لكتبهم، فعلم أن الضعف في مثل هذه المواضع واقع في طريق الإجازة. وعبد الله بن حماد قال النجاشي: إنه من شيوخ أصحابنا وهذا مدح جليل له مع أن النجاشي ثبت معتمد يرجع إلى قوله يرجح قوله على قول أكثر العلماء الرجال إن لم يكن كلهم لزيادة معرفته بأحوال الرجال وكثرة تحقيقه وتثبته، ولا ينافيه قول ابن الغضائري نعرفه تارة وننكره أخرى ويجوز أن يخرج شاهدا لأن قول النجاشي أثبت لما عرفت مع أن ابن الغضائري وهو أحمد بن الحسين لم يوثقه علماء الرجال مضافا إلى ما علم من كثرة طعنه على الثقات فظهور عدم صحته، وتوهم بعض علمائنا أنه إذا أطلق يراد به الحسين غلط، لما في خطبة الفهرست ولروايته عن أبيه أحيانا والحسين بن عبد الله لا تعرف لأبيه روايةومع ذلك فكلامه غير صريح في الطعن كما ذكروه في الدراية وتقديم
ص: 45
الجرح على التعديل مطلقا غير مسلم وعلى تقدير ثبوته يحتاج إلى تحقق الحرج. وعبد الله بن سنان ثقة جليل لا يطعن عليه في شيء قال فيه الصادق عليه السلام: أما إنه لا يزيد على السن إلا خيرا هكذا ذكره علماؤنا في الرجال وذكروا أن كتبه رواها عنه جماعات من أصحابنا لعظمه في الطايفة وثقته وجلالته وإن ممن روى كتبه ابن أبي عمير الذي أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه فهذه جملة من القراين المستفادة من سند هذا الحديث مع رواية أجلاء علمائنا له في كتب متعددة معتمدة والله أعلم. فصل قد كتب بعض مشايخنا المعاصرين أيدهم الله على هذا الحديث رسالة تشتمل على تحقيق وتدقيق يتعين تلخيص المهم منه هنا قال أيده الله: هذا الحديث يدل على أن الغناء يحصل بترجيع القرآن على النحو المتعارف الآن ويدل على تفسير الغناء بالترجيع المطرب والطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور كما ذكره أهل اللغة وفيه من الذم والزجر على أبلغ وجه وأكمله ما لا يخفى على من عقله، وهل سمعت أن أحدا يقرأ القرآن لاعبا بالمثاني والعود والطنبور ونحوها حتى يخص الغناء بمثل ذلك ويسهل طريق سماع ما صار متعارفا بعدما ظهر أنه غناء لصدق الغناء عليه وهل لذلك وجه غير إجابة الشيطان واعتياد ذلك حتى خف قبحه كما هو شأن كل ما يعتاده الناس. قال جالينوس: رؤساء الشياطين ثلاثة شوائب الطبيعة، ووساوس العامة، ونواميس العادة (انتهى). وقد سرى ذلك من صوفية المخالفين وملاحدتهم ميلا إلىطريقتهم وكراهة لما ورد في طرقنا من النهي عنه وقد خص المحرم منهم كالغزالي
ص: 46
وأضرابه بما يقع في مجالس الشرب والفسق مقلدة من أحسن الظن به مع استلزامه إساءة الظن بالأئمة وعلماء الشيعة فالغناء إن كان هو الترجيع الذي ذكره علماؤنا فهو صادق على مثل ذلك وإن كان راجعا إلى العرف كما قيل أيضا فإنه يستفاد كون هذا غناء من العرف في بلاد العرب. وقد ذكر الصوفية في أسباب الجذبة التي تحصل للمريد ملازمة سماع الغناء وهو اعتراف بأن ما يفعلونه ويسمعونه غناء ومن خص المحرم منه بما تقدم يعترف بصدق الغناء على غير ما خصه ولا كلام في ذلك مع الصوفي المخالف بل مع من هو على ظاهر هذا المذهب ولا مفر له من القول بتحريم الغناء حيثما صدق عدا ما استثني لإطلاق دليله أو عمومه فإن قبلت بالعرف فقد اعترفوا به وإن رجعت إلى الترجيع فكونه كذلك بديهي. وقد استثنى أهل شرعنا من الغناء الحداء للإبل بدليل خاص وليت شعري كونه من الغناء عرفا وما يدعي أنه ليس منه هل هو إلا من باب حبك الشيء يعمي ويصم وفهم المعنى المحرم من لفظ الإلحان في هذا الحديث ناش من ضيق العطن عن معرفة مواقع الألفاظ ومقامات استعمالها لتأليف طبيعة أهل الغناء بكون مثل النغمة والإلحان ينصرف إلى المعنى المتعارف بينهم وإلا فالإلحان والنغمات والأصوات معانيها متقاربة تصدق مع الغناء وغيره والكلام في لحن يصدق عليه الغناء أو لا يصدق. ومما ينبه على ذلك التعبير بألحان العرب ولحون أهل الفسوق وتحريم الغناء مما لا خلاف فيه بين الإمامية وهو ثابت بالكتابوالسنة فمن دفع ذلك فهو مكابر وقول علمائنا: بعد تعريفه بمد الصوت المشتمل على
ص: 47
الترجيع المطرب أو يسمى في العرف غناء وإن لم يطرب سواء كان في قرآن أو أذان أو غيرهما يمكن أن يكون مستندهم في تحققه في القرآن هذا الحديث وما في معناه. ويمكن أن يكون العرف أو الترجيع أو الجميع ودلالة التعريفين على تحريمه في القرآن وغيره ظاهرة وأما الحديث فدلالته على تحريمه في القرآن يستلزم الدلالة على تحريمه في غيره بل يدل على تحريمه فيه وفي غيره لمن تدبر. فإن قلت: قوله عليه السلام اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها الخ يدل على أن ما ليس من ألحانهم وأصواتهم يكون من ألحان أهل الفسوق والكباير ويمكن وجود الواسطة ولا دليل على تحريمها وهي كما يتحقق في القرآن يتحقق في غيره كما هو مصطلح الصوفية في أنشادهم إذا رقصوا أو صفقوا وبغير ذلك. وأيضا فما تضمنه من التشبيه بترجيع الغناء لا يدل على كونه غناء بل ربما دل على كونه ليس بغناء لأن المشبه غير المشبه به وذلك قوله عليه السلام يرجعونه القرآن ترجيع الغناء وغاية ما يدل على أن هذا الترجيع المشابه لترجيعه غير جايز في القرآن فلو وقع المشابه لترجيع الغناء في غير القرآن لا يحرم بغير دليل والحديث لا يدل عليه إنما يدل على تحريم النهي عن قرائته بلحون أهل الفسوق وأهل الكبائر والصوفية ليسوا منهم بل هم أهل الله بل عينه ففعلهم خارج عن ذلك.
قلت: هذه شبهة ضعيفة نشأت من غير خبير بمواقع الكلام العربي وعارف بتركيبه وتحقيقه أن الإضافة في ترجيع الغناء بيانية لأن الترجيع على الوجهالمخصوص هو الغناء وهو أيضا اللحن المخصوص ومد الصوت المطرب
ص: 48
وحاصله ترجيع القرآن ترجيعا هو الغناء لا ترجيعا يشابه ترجيع الغناء، وفايدة البيان في الإضافة ظهور الغناء في غير القرآن وشهرته على إنا لو اعتبرنا التشبيه كان معناه ترجيعا مثل ترجيع الغناء المتعارف بين أكثر الناس وكونه غناء ولا يقتضي التشبيه بل إلحاق هذا الفرد الذي ربما يشتبه كونه غناء بالمعنى المتعارف وذلك لتحقق الترجيع فيهما وهذا وإن كان غير محتاج إليه إلا أنه يصلح وجها. وفي ذكر أهل الفسوق مع الإتيان بلفظ أهل فيه وكذا في الكبائر وتركه في قوله: ترجيع الغناء من غير ذكر الأهل تنبيه على أن الإضافة بيانية وفهم هذا يدرك بالذوق السليم والاطلاع على مواقع الكلام ودقايقه. وإذا ظهر لك ما ذكرته وتدبرته ظهر لك إن الواسطة غير معقولة وبهذا يندفع أيضا فرض واسطة بين ألحان العرب ولحون أهل الفسوق وأهل الكبائر بل في دلالة وإشارة إلى أن هذه الواسطة هم أهل الفسوق باعتبار ذكر الأهل مكررا وتوسط أهل الفسوق بين أهل الكباير وما تقدمه على أن من الغناء عند الإمامية ما يتحقق في غير ما خصه الغزالي ومتابعوه فمتابعته خروج عما دل عليه العرف وتعريف الغناء عندنا. ولنا: إن ننفي الواسطة بوجه آخر وهو أنها لا تخلو إما أن يصدق عليها تعريف الغناء أو لا، لا سبيل إلى الثاني لاعترافهم بأن مثله غناء كما تقدم من تصريحهم بأن الغناء من أسباب الجذبة ولما مر من العرف واللغة والأصل عدم النقل. وقوله عليه السلام لا يجوز تراقيهم: جمع ترقوه وهي معلومة والمعنى والله أعلم أنهم لاشتغالهم بالترجيع والطرب لايتعدى التراقي فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم ليتدبروا معانيه ويتأملوا أوامره
ص: 49
ونواهيه ويتعظوا بمواعظه بل يكونون مشتغلين بإخراج الحروف وتزيينها والترجيع بحيث لا يسعهم مع ذلك ملاحظة ما هو مقصود بالذات من التلاوة ومن كان كذلك فقلبه مقلوب لا يصلح وعاء لذلك ونحوه كما أن الإناء إذا كان مقلوبا لا يصلح أن يحفظ فيه شيء وكذلك من يعجبه أمرهم وطريقتهم فإن أمره يكون مقصورا على الطرب واللذة الحاصلين من السماع ونحوه وربما دل على تناول من يعجبه شأنهم وإن لم يتفق له سماع بل بمجرد كون ذلك يعجبه. ويحتمل كون قوله: قلوبهم مقلوبة دعاء عليهم بقلب قلوبهم مقلوبة بحيث لا تصير قائلة لكونها وعالما تعيه القلوب الغير المقلوبة فيكون إنشاء والأول وهو معنى الإخبار كأنه أنسب والثاني أبلغ والله أعلم. فصل العجب من توقف من توقف الآن في تعريف الغناء فيدعى أنه يعتقد تحريمه ولا يعرف معناه ولا يقبل تفسير علماء اللغة ولا الفقهاء ولا عرف العرب ولا الحديث المتضمن لتفسيره بالترجيع المذكور سابقا مع أنه لا فرق بين الغناء والزنا واللواط والسرقة ونحوها مما يجب الرجوع فيه إلى علماء لغة العرب لأنهم أعرف بتفسيرها من الجهال بالعربية وباعتبار تعلقها بالفقه وكونها من مسائله يجب الرجوع فيها إلى الفقهاء فإنهم أعرف بتفسيرها من جهال العرب والعجم مع أن الفقهاء من علماء العربية أيضا والقسمان لا يشكون في معنى الغناء المذكور سابقا ولا يحتاجون إلى تفسيره لشدة وضوحه وظهوره وهذا وجه خلو بعض كتب اللغة عن تفسيره وفي أكثرها قد صرحوا بالتفسيرالمذكور. وفي القاموس: الغناء ككسا من الصوت ما طرب به وغناه الشعر وبه
ص: 50
تغنيه تغني به وفيه أيضا الطرب محركة الفرح والحزن وضد خفة تلحقك تسرك أو تحزنك والتطريب الاطراب والتغني (انتهى). وهؤلاء لما تمكنت الشبهة من قلوبهم لا يقبلون شيئا من ذلك بل يريد كل أمر منهم أن يؤتي صحفا منشرة مع أنهم يقبلون قول أمثالهم من غير دليل في أمور عظيمة لا يمكن وصفها وأعجب من ذلك أن منهم من طلب مني أحاديث متعددة في تفسير الغناء يشتمل كل منهما على مقدمتين صغرى وكبرى على ترتيب الإشكال المنطقية وهل هذا إلا تعنت وهل يوجد في جميع أحكام الشرع مثل ذلك وأكثرها أو أقلها أو الضروري منها كوجوب الصلاة وتحريم الزنا وليت شعري كيف ثبت الدين في أول الأمر عند المسلمين وما رأينا ولا سمعنا أن النبي والأئمة عليهم السلام احتجوا على الناس بهذه الإشكال بعينها بل احتجاجهم عليهم السلام مأثور على غير هذا الوجه فبعض المقدمات منكور وبعضها محذوف للعلم به ومثل هذا الحكم هل يحتاج إلى أكثر من وروده عن المعصومين عليهم السلام ومعرفة تفسيره من العرب وعلماء العربية على أن ترتيب المقدمات المأخوذة من الحديث على ترتيب الإشكال المنطقية في غاية السهولة والله أعلم.
ص: 51
عند الإماميّة
العدد الرابع عشر
كان الكلام حول وجوه فساد القول بالعليّة(الموجبة لا المختارة) و المعلوليّة بين الخالق والمخلوق واليك:
تتمة البحث
الثاني:
إن كانت فاعليته تعالى للأشياء بنحو العلية والترشح فلابدّ أن تكون هناك سنخيّة بينه تعالى وبين خلقه - وهو المعلول - لأن من الواجب أن يكون بين العلة الفائضة ومعلولها - الذي يكون رشحاً من ذاتها - سنخية ذاتية ، ولا يخفى أنّ الدليل العقلي والنقلي من الآيات المتظافرة والروايات المتواترة وردت في نفي السنخية بينه تعالى وبين خلقه ، بل لا يكون معرفة التوحيد الحقيقي إلاّ بمعنى معرفة تنزّه وجوده تعالى وتعاليه عن خلقه وتباينهما ، والشرك أيضاً لا
ص: 52
يكون إلاّ بمعنى الاعتقاد بالتشابه بين الخالق والمخلوق ، ولا يكون التوحيد الحقيقي بمعنى الوحدة العددية(1) .
ص: 53
ص: 54
ص: 55
الثالث :
إنّ العليّة التوليدية تقتضي الإيجاب وليس اللّه تعالى موجباً في فعله .
وبعبارة أُخرى : هذا الدليل يتمّ لو كان المؤثر موجباً وأمّا إذا كان مختاراً فلا .
ولا يخفى أنّ فاعليّته تعالى للأشياء إنّما هي بالإرادة والمشيّة لا بالذات، وإلاّ يلزم أن يكون اللّه تعالى موجباً في فعله ، لأنّ تخلف ما بالذات عن الذات محال ، وتخلف المعلول عن العلة الموجبة محال ، وهذا ينافي اختياره اللّه سبحانه وتعالى لأنّه عزّ وجلّ يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء باتفاق العقل والشرع .
الرابع : إن كانت فاعليّته تعالى للأشياء بنحو العلية والترشح لزم تعدد القدماء وقدم الممكنات ؛ لأن الانفكاك بين العلة والمعلول محال ، كما مرّ .
ص: 56
وقد أثبتنا بالدلائل الواضحة الصريحة حدوث العالم بالمعنى الصحيح ، وقلنا : إنّ الحدوث لا يجامع القدم ، والاعتقاد بتعدد القدماء شرك ، واختراع معنى الحدوث الذاتي ليس إلاّ للتمويه على أهل التوحيد .
الخامس : إن كانت فاعليّته تعالى بنحو العلية والترشح لزم انتفاء وجوده تعالى بانتفاء شيء من هذه الأشياء في سلسلته الطوليّة ، لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علته التامّة(1).
وهذا مخالف لما ثبت في الدين والمذهب من أنّ سلطنته تعالى تامّة ولا يتصور فيها نقص ، وأنه فاعل ما يشاء كيف شاء وهو متى شاء إيجاد شيء أو إعدامه أوجده أو أعدمه بلا توقف على أيّة مقدمة خارجية .
السادس : إنّه يستلزم الاعتقاد بقاعدة : الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد ؛ لأنه لو صدرت عن العلة الواحدة - وهي التي ليست لها في ذاتها إلاّ جهة واحدة -
ص: 57
معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة واحدة ، لزمه تقرّر جهات كثيرة في ذاتها ، وهي ذات جهة واحدة ، وهذا محال ، وإنّ ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير فإن في ذاته جهة كثرة .
وهذا الاعتقاد فاسد من أصله وباطل بوجوه - وليس هنا محل بحثها - ويكفيك ما أجاب به العلاّمة الحلي رحمه الله حيث قال : بعد تسليم أصوله ، إنه إنما يلزم لو كان المؤثر موجباً ، وأمّا إذا كان مختاراً فلا ، فإن المختار تتعدد آثاره وأفعاله(1) .
أقول : إنّ ما ذكرناه آنفاً في الردّ على العلية والمعلولية يأتي هنا أيضاً من إنه يستلزم أن تكون فاعليته تعالى للأشياء بالذات لا بالإرادة ، ويلزم السنخية بينهما ، وأن يكون موجباً في فعله ، وأن يتعدد القديم ، مضافاً إلى أنه مخالف لما ثبت عقلاً وشرعا في أصول التوحيد من أنه لا مؤثر في إيجاد الموجودات إلاّ اللّه تعالى .
فاعليّة اللّه تعالى بالقدرة و المشيّة
إنّ فاعليّته تعالى وخالقيته ليست بالعناية ولا بالرضا ولا بالتجلّي ولا . . بل إنّ اللّه تعالى فاعل بالقدرة والمشية .
وبعبارة أُخرى : إنّه تعالى فاعل بالمشيّة عن قدرة وعلم .
ص: 58
والمراد من قدرته تعالى هو كون ذاته تعالى مختاراً فعّالاً لما يشاء وتاركاً لما يكره سواء كان من شيء أو لا من شيء وسواء كان شيئاً واحداً أو أشياء كثيرة ولو في رتبة واحدة ،(1) فكان تعالى بذاته قادراً حقيقة على إبداع كل شيء فليست فاعليته كفاعليّة سائر الأشياء إذ ليس كمثله شيء .
وهذا النحو من الفاعليّة والقدرة إنما يكون من الكمال بالضرورة ، فلو لم تكن ذاته المقدّسة كذلك لزم نقصه - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - كما تشهد الفطرة السليمة الأولية على معرفته تعالى كذلك .
دعوی إمتناع صدور شيء واحد مركّب عن الذات البسيطة
إن قلت : مقتضی قاعدة : إنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد ، هو امتناع صدور شيء واحد مركّب عن الذات البسيطة فضلاً عن صدور أشياء كثيرة في رتبة واحدة .
قلت : هذه القاعدة - لو سلمت - إنما تجري عقلاً فيما إذا كان الفاعل منفرداً عن معنى الفاعلية الحقيقية ، بل كان أثره على نحو الفيضان والترشح منه كما ذكرناه آنفاً .
ص: 59
العدد الحادي عشر
( لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة)
بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.
القسم الاول في مرويات الاسفار
تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون وراءها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار ع والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة الجديدة من الاسفار .
ص: 60
تتمة الاحاديث التي ذكرها في الجزء التاسع
الحديث التاسع عشر : انه لا يصيب احدا من اهل التوحيد الم في النار اذا دخلوا وانما يصيبهم الله الالام عند الخروج منها فتكون تلك الآلام جزاءا بما كسبت ايديهم , وما الله بظلام للعبيد (1).
مرسل في اعتقادات المفيد ص 77 .
الحديث العشرون : اتعرفون ما هذه الهدة قالوا : الله ورسوله اعلم قال : حجر القي من اعلى جهنم منذ سبعين سنة(2).
عامي , مرسل في التحفة السنية ص 17 والتخويف من النار لابن رجب الحنبلي ص 29
الحديث الحادي والعشرون : اخلص يكفيك القليل من العمل(3) .
عامي مرسل في الجامع الصغير ج 1 ص 49 وغيره وصرح المازندراني بانه عامي في شرحه على اصول الكافي ج 8 ص 393 .
الحديث الثاني والعشرون : ارض الجنة الكرسي وسقفها عرش الرحمن .(4)
لم اجده بهذا النص في المصادر المتوفرة .
ص: 61
لكن روى في البحار ج 57 ص 256 , في مسائل عبد الله بن سلام شطر هذا الخبر ففيه :" قال : فأخبرني عن أرض الجنة ما هي ؟ قال : يا ابن سلام ،أرضها من ذهب ، و ترابها المسك والعنبر ، ورضراضها الدر والياقوت ، وسقفها عرش الرحمن " . وروي هذا الشطر في كتب المخالفين ايضا انظر فيض القدير للمناوي ج 4 ص141 . ولم اجد النصف الاول في المصادر المتوفرة . وقد تقدم .
الحديث الثالث والعشرون : انا سيد ولد ادم ولا فخر .(1)
الامالي للصدوق ص 254 والاختصاص للمفيد ص 33 وغيرها وروي ايضا في كتب العامة كسنن ابن ماجة ج2 ص 1440 .
وروي بزيادة في الاخرة بعد كلمة ادم في كتبنا وكتب العامة ايضا .
الحديث الرابع والعشرون : انا مدينة العلم وعلي بابها .
عيون اخبار الرضا ع للصدوق ره ج 1 ص 72 والخصال ص 574 وغيرها ورواه العامة في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 126 و 127 والطبراني ج 9 ص 114.
الحديث الخامس والعشرون : اوتيت جوامع الكلم .(2)
ص: 62
مرسل في عوالي اللئالي لابن ابي جمهور ج 4 ص 120 ورواه العامة في مسند احمد ج 2 ص 250 وغيره من كتبهم . وقريب منه في الفقيه ج1 ص 241 والخصال ص 292 وغيرها , وقد تقدم .
الحديث السادس والعشرون : بعثت لاتمم مكارم الاخلاق .(1)البحار ج 16 ص 210 والسنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 192 وغيرها .
الحديث السابع والعشرون : رايته وقد طبق الخافقين .(2)
مرسل في الرواشح السماوية ص 207 والبحار ج56 ص 215 .
الحديث الثامن والعشرون : سبقت رحمتي غضبي .
الكافي ج 1 ص 443 وصحيح البخاري ج 8 ج 216 .
الحديث التاسع والعشرون : شر اليهود يهود يهود بسنان وشر النصارى نصارى نجران وشر ماء على وجه الارض ماء برهوت , وهو واد بحضر موت ترد عليه هام الكفار وصداهم (3).
في الكافي ج 3 ص 246 : " عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : شر اليهود يهود بيسان وشر النصارى نصارى نجران وخير ماء على وجه الارض ماء زمزم وشر ماء على وجه الارض ماء برهوت و هو واد بحضرموت يرد عليه هام الكفار وصداهم".
ص: 63
العدد الثالث عشر
آية الله الشيخ جواد الخراساني قدس سره
حجة الطبيعي واضرابه في جهة الاثبات
وَلِلطَبِيعيّ َومَن ضَاهَاهُ***بَيِّنَةٌ اُخری عَلی دَعوَاهُ
وَهِیَ الأفاعيلُ الّتي قَرَّرنا***لِلصَّانِعِ الّذي بِهِ أقرَرنَا
إذ هِیَ تَقضي بِلُزُومِ صانِعٍ ***فِي عَقلِ كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُبدِعٍ
والأصلُ وَاحِدُ والأختلاف فِي***تَوجِيهِهِ كُلِّ علی مَا يَصطَفي
وَالدَّفعُ ظاهِرٌ فَإنَّ المُستَنَد***لَا يُثبِتُ الّذي ادّعاهُ وَاعتَمَدَ
إذِ الأفاعِيلُ الّتي مُكَوَّنَةٌ ***مُحكَمَةٌ مُتقَنَةٌ مُحَسّنَةٌ
وَهيَ تُنادي أنَّ مَن أنشَرَهَا***مُدَبِّرٌ حَكِيمٌ إذ دَبَّرَهَا
لَيسَ يَجُوزُ مِثلُهَا أن تَصدُرا***عَن غَيرِ مَن كَانَ عَلِيماً قَادِراً
وَإن يَكُن لِلدَّهرِ وَالطَّبِيعَةِ***ذَا الوَصفُ كانَ شأنُهُ الصنيعَةَ
ص: 64
وَلِلطَبِيعيّ َومَن ضَاهَاهُ ،ممّن يقول بشيء يؤثّر في الموجودات ، بَيِّنَةٌ اُخری عَلی دَعوَاهُ ؛ وَهِیَ بعينها الأفاعيلُ الّتي قَرَّرنا لِلصَّانِعِ الّذي بِهِ أقرَرنَا
وانكره، إذ هِیَ ؛ اي الافاعيل، تَقضي بِلُزُومِ صانِعٍ لها فِي عَقلِ كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُبدِعٍ ؛ فإنّ وجود الافاعيل، دالّ علی وجود فاعل لها عقلاً.وهذه الدلالة العقلية، لاتختصّ بعقل دون عقل. والأصلُ (وهو الدّليل) وَاحِدُ ومشترك بين المؤمن والطبيعي، وهو وجود الأفاعيل والأختلاف بينهما انّما هو فِي تَوجِيهِهِ وتطبيقه كلّ منهما كُلُّ علی ما يَصطَفي ويذهب اليه ف«المومن» يقول :إنّ الفاعل الّذي يدّل عليه الأفاعيل، هو الله؛ و«الطبيعي» يقول: هي الطبيعة.
وَالدَّفعُ ظاهِرٌ فَإنَّ المُستَنَد،وهو وجود الأفاعيل،لَا يُثبِتُ الّذي ادّعاه ُالطبيعي وَاعتَمَدَعليه؛ اعني الطبيعة، بل يثبت خلافه اذا عُرض علی العقل القاضي في المقام، إذِ الأفاعِيلُ الّتي مُكَوَّنَةٌ،موجودة، مُحكَمَةٌ البناء، مُتقَنَةٌ الصنع، مُحَسّنَةٌ الصّور؛ وَهيَ تُنادي بلسان حالها: أنَّ مَن أنشَرَهَا من العدم الی صفح الوجود، مُدَبِّرٌ،حَكِيمٌ،إذ دَبَّرَهَا وقدّرها، كذلك بهذا الأتقان والحكمة. واذا نظر اليها العقل، يقتضي بصرافتها أنّه لَيسَ يَجُوزُ مِثلُهَا أن تَصدُرا عَن غَيرِ مَن كَانَ عَلِيماً قَادِراً. وحينئذٍ، فنردّ الطبيعي والدّهري ان رجع في قوله بالدهر الی اثبات شيء كالطبيعي، فنقول لكلّ منهما:
ص: 65
وَإن يَكُن لِلدَّهرِ وَالطَّبِيعَةِ، او ايّ شيء فرضتم ثابتاً ذَا الوَصفُ، من العلم والقدرة والحكمة،كانَ شأنُهُ الصنيعَةَ لا محالة ولا ننازعه.
وَذَا هُوَ اللهُ الّذي نَقُولُ***سَمّاهُ بِاسم ذِكرُهُ مَخمُولُ
وَإن رَآهُ فَاقِدَ الكَمَالِ فَلَيسَ صَانِعاً بِلَا إشكَالٍوَذَا هُوَ اللهُ الّذي نَقُولُ به،لأنّا لا نشخّصه بشخصية مخصوصة، ولا كيفيّة خاصّة؛ بل نقول: إنّ صانع العالم، هو الّذي متصّف بالكمال، عالم، قادر، حكيم، خبير، وسمّيناه ب«الله». فالاختلاف بيننا وبينه في محض التّسمية؛ لأنّه وافقنا في الوصف وخالفنا في الاسم، والفرق، إنّا سمّيناه باسم مشهور، وهو سَمّاهُ بِاسم ذِكرُهُ مَخمُولُ وَإنكان الدّهري او الطبيعيرَآهُ؛ اي الّذي اثبته فَاقِدَ الكَمَالِ، لا علم له ولا قدرة، فَلَيسَعند العقل صَانِعاً بِلَا إشكَالٍ، بل الصانع إذن ،لوكان شيئاً وموجوداً، يحتاج الی صانع ومدبّر.
قال الصادقعلیه السلام في حديث المفضّل:
«فكّر يا مفضّل! في اعضاء البدن، اجمع وتدبير كلّ منها للأرَبَ: فاليدان للعلاج، والرّجلان للسّعي، والعينان للأهتداء، والفم للأغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتّخليص، والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لاقامة النّسل، وكذلك جميع الأعضاء اذا تأمّلتها واعملت فكرك فيها ونظرت، وجدت كلّ شيء منها وقد قدّر لشيء علی صواب وحكمة.
قال المفضّل: فقلت: يا مولاي! إنّ قوماً يزعمون أنّها من فعل الطبيعة؟ فقالعلیه السلام: سلهم عن هذه الطبيعة، اي شيء له علمٌ وقدرة علی مثل هذه
ص: 66
الأفعال، ام ليست كذلك؟ فإن اوجبوا لها العلم والقدرة؛ فما يمنعهم من اثبات الخالق، فإنّ هذه الصّفة صفته، وان زعمو أنّها تفعل هذه الأفعال لغير علم ولا عمد، وكان في افعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة، علم أنّ هذافعل الخالق الحكيم، و أنّ الّذی سمّوه طبيعة، هو سنّته في خلقه الجارية علی ما اجراها.»(1)
وقال علیه السلام ايضاً في هذا الحديث:
«فامّا اصحاب الطبايع، فقالوا: إنّ الطبيعة لا تفعل شيئاً لغير معنی ولا (2)عما فيه تمام الشيء في طبيعته، وزعموا أنّ الحكمة تشهد بذلك؛ فقيل لهم: فمن اعطی الطبيعة هذه الحكمة والوقوف علی حدود ، بلا مجاوزة لها، وهذا الحكمة والوقوف علی حدود الاشياء، بلا مجاوزة لها، وهذا قد يعجز عنه العقول بعد طول التجارب؟ فان اوجبوا: للطبيعة الحكمة والقدرة، علی مثل هذه الافعال، فقد اقرّوا بما انكروا، لأنّ هذه هي صفات الخالق؛ وان انكروا ان يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق، يهتف بأنّ الفعل للخالق الحكيم.»(3)
وقال علیه السلام ايضاً في الأهليلجة جواباً عن ان تكون الاشياء صانعة لانفسها:
«وان رجعت الی أنّ الاهليلجة صنعت نفسها ودبّرت خلقها، فما زدت أن اقررت بما انكرت ووصفت صانعاً مدبّراً اصبت صفته، ولكنّك لم تعرف، فسمّيته بغير اسمه؛ قال: وكيف ذلك؟ قلت: لأنّك اقررت بوجود حكيم،
ص: 67
لطيف، مدبّر، فلمّا سألتك من هو؟ قلت : الاهليلجة، قد اقررت باللهسبحانه، ولكنّك سمّيته بغير اسمه؛ ولو عقلت وفكّرت، لعلمت أنّ الاهليلجة، انقص قوّة من ان تخلق نفسها واضعف حيلة من ان تدبّر خلقها....»(1)
وهذا الّذي افادهعلیه السلام علی فرض المماشاة،والّا فقد اورد عليه ثانياً بما تقدم:
«أنّ الأهليلجة هل خلقت نفسها قبل أن لم تكن او بعد ان كانت». وفي «الأحتجاج» فی اسئلة الزنديق عن ابي عبداللهعلیه السلام، قال: فمن قال بالطبائع؟ قالعلیه السلام: من لم يملك البقاء ولاصرف الحوادث وغيّرته الأيّام والليالي لا يردّ الهرم و لايدفع الأجل ما يصنع به.»(2)
ص: 68
العدد السادس عشر
ابن عربي والاسرائيليات
ابن عربي المولع باسرائيليات السبتي
147- ثم يذكر: إن أحمد السبتي، ابن أميرالمؤمنين هارون الرشيد علی حد تعبيره كان يصوم ستة أيام، ويشتغل بالعبادة فيها، فإذا كان يوم السبت احترف فيما يأكله بقية الأسبوع.
فقال له: «لم خصصت يوم السبت بعمل الحرفة، فقال: لأن الله سبحانه ابتدأ خلقنا يوم الأحد، وانتهی الفراغ منه في يوم الجمعة، فجعلت تلك الأيام لي عبادة الله تعالی، لا اشتغل فيها بما فيه حظ لنفسي، فاحترفت في طلب ما أتقوت به في تلك الأيام.
هكذا كل جمعة، فإنه سبحانه نظر إلی ما خلق في يوم السبت، فاستلقی ، وضع إحدی رجليه علی الأخری، وقال: أنا الملك، لظهور الملك، ولهذا أسمي يوم السبت، والسبت هو الراحة.
ص: 69
ولهذا أخبر الله تعالی: أنه ما مسه من لغوب فيما خلقه .. واللغوب هو الإعياء، فهي راحة لا عن إعياء، كما هي في حقنا..
فتعجبت من فطنته، وقصده، فسألته: من كان قطب الزمان في وقتك؟فقال: أنا. ثم ودعني وانصرف»(1).
أنه يعتبر أحمد السبتي من أصحاب المقامات وتعجب من فطنته!! .. لروايته الإسرائيليات الباطلة.. ودفاعه المبطن بل الصريح عن عطلة يوم السبت اليهودية.
لم يتسنّ لنا تصديق اليهود أو تكذيبهم!!
148- ويقول: « قالت اليهود: بل ذلك يوم السبت، فان الله فرغ من الخلق يوم العروبة، واستراح يوم السبت، واستلقی علی ظهره، ووضع إحدی رجليه علی الأخری، وقال: أنا الملك..
قال الله تعالی في مقابلة هذا الكلام: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ}...
وتزعم اليهود: أن هذا مما نزل في التوراة، فلا نصدقهم في ذلك، ولا نكذبهم..»(2)
رغم أنه نقل آية تدينهم!!ورغم معارضة كلامه لصريح القرآن وصريح العقل.
ص: 70
محاولات للإزدراء بشخصية الرسول الأكرم صلی الله عليه وآله وخليفته الشرعي
النبي صلی الله عليه وآله يسهو!!149- ويقول:« وأما النصيحة لرسول الله صلی الله عليه (وآله) وسلم ، ففي زمانه إذا رأی منه الصاحب أمراً قد قرر خلافه والإنسان صاحب غفلات فينبه الصاحب رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم حتی يری: هل فعله بالقصد، فيكون حكماً مشروعاً، أو فعله عن نسيان فيرجع عنه.
فهذا من النصح لرسول الله صلی الله عليه (وآله) وسلم، مثل سهوه في الصلاة، فالواجب عليه في الرباعية أن يصليها أربعاً، فسلم علی اثنتين . فهذه نصيحة لرسول الله صلی الله عليه (وآله) وسلم، فرجع وأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو. وكان ما قد روي في ذلك وأمثال هذا..
ولهذا أمر الله وعزجل نبيه صلی الله عليه (وآله) وسلم بمشاورة أصحابه فيما لم يوح إليه فيه، فإذا شاورهم تعين عليهم أن ينصحوه فيما شاورهم فيه علی قدر علمهم، وما يقتضيه نظرهم في ذلك أنه مصلحة ، فينصحونه في ذلك، كنزوله يوم بدر علی غير ماء ، فنصحوه، وأمروه أن يكون الماء في حيزه صلی الله عليه (وآله) وسلم ففعل.
ونصحه عمربن الخطاب رضي الله عنه في قتل أساری بدر حين أشار بذلك..»(1)
ص: 71
تعليق:وذلك علی الرغم من أن الله تعالی يقول {وَشَاوِرهُم فِی الأَمرِ فَإذَا عَزَمتَ فَتَوَكَل} فارجع العزم والامر للرسول صلی الله عليه وآله... ثم إن الإستشارةكانت تطييباً لنفوسهم وقلوبهم وسنّا لهذه السنة من بعده، فليس فيهاولا له أبداً علی أنه كان يخطيء أو يسهو كيف وقد قال فيه تعالی{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَی إِن هُوَ إِلَّا وَحیُ يُوحَی} وعلی الرغم من انه يدعي «العصمة» و«الحفظ» للأولياء وينفيها عن سيد الأنبياء
تهديد الله النبي!!
150- ثم يقول: « وأما ما رويناه مما أوحی الله به اليه: «لئن لم تنته لأمحون اسمك من ديوان النبوة» ، أي أرفع عنك طريق الخبز، وأعطيك الأمور علی التجلي، والتجلي لايكون إلا بما أنت عليه من الاستعداد ، الذي به يقع الإدراك الذوقي، فتعلم أنك ما أدركت إلا بحسب استعدادك...»(1).
الأولياء لهم شيطان مارد حتی النبي صلی الله عليه وآله:
151- ويقول: «فيأتي (الشيطان المارد) إلی الولي، فما يلقي إليه إلا فعل الطاعات ، وينوعه فيها، ويخرجه من طاعة إلی طاعة أعلی، فلا يری الولي أثراً لهوی نفس، فيبادر إلی فعلها ، ويقنع الشيطان المارد منه بهذا الأخذ عنه علی جهالة، فلو كان الولي علی بينة من ربه في ذلك لكان أولی...
ص: 72
فالشيطان لايقدر أن يقدح في علم التجلي الإلهي بوجه من الوجوه، ولذلك قال رسول الله صلی الله عليه (وآله) وسلم في حق شيطانه، أعنی قرينه الموكل: إن الله أعانع عليه فأسلم، أي انقاد إليه فلا يأمره إلا بخير..»(1).اُبَي يحفظ القرآن لكن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ينساه:
152- ويقول: «وقد سأل النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم عن أبيّ حين ارتج عليه، يقول له: لِم لَم تفتح علي، لأن أبياً كان حافظاً للقرآن الخ..»(2).
النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يتدافع مع عائشة لأجل الطعام
153- يقول ابن عربي محاولاً الطعن بشخصية الرسول الأكرم: «دعا بعض أصحاب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم إلی طعام. فقال له النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وسلم: أنا وهذه؟ وأشار إلی عائشة.
فقال الرجل: لا.
فأبی أن يجيب دعوته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وسلم، إلی أن أنعم له فيها أن تأتي معه.
فأقبلا يتدافعان إلی منزل ذلك الرجل: النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم، وعائشة الخ..»(3)
وما أقبح تصويره لشخصية رسول الله (؟!) أن يتدافع في الطريق إلی منزل شخص غريب مع عائشة!!
ص: 73
وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة
الحلقة الثامنة عشرة
لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقة التشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسّين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض استعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهارانحرافات الشيخيةحتی تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة.(المجلة)
المسألة الثانية عشرة
الائمة(علیهم السلام)عند الشيخية لهم حقيقتان كلية وجزئية
ص: 74
ومن أغرب عقائد فرقة الشيخية المخالفة للضرورة العقلية وما عليه جميع الملّيين من المسلمين وغير المسلمين، أن الأئمة(علیهم السلام) لهم حقيقتان، حقيقة كلية، وحقيقة جزئية، فالحقيقة الكلية هي التي ملأت فضاء العالم وذلك بوجودهم عليهم السلام الكلي وحقيقة جزئية وهي شبح وعرض لذلكالنبي أو الإمام ، فالنبي الكلي ببدنه الكلي ملأ فضاء الدنيا، والذي كان يمشي في أسواق مكة ويأكل ويشرب ليس هو النبي صلی الله عليه وآله بل هو عرض وشبح ذلك النبي . وهذا من أسخف ما رأيناه من عقائدهم الفاسدة.
قال موسی الاسكوئي الاحقاقي: «إن الظاهر من الكلام المنقول أن بدن المعصوم من الإمام عليه السلام والأنبياء(علیهم السلام) كلي لا شخصي جزئي، يعني أن الإمام أو النبي الذي كان يمشي في أسواق مكة والمدينة والكوفة وغيرها، ويصعد المنابر ويخطب ويأكل ويشرب وينام ويجاهد في سبيل الله ويبلغ أحكامه ، ليس النبي أو الإمام الحقيقي، بل إنما هو عرض وشبح ذلك النبي أو الإمام الكلي الذي ملأ فضاء العالم بكليته»(1).
فالميرزا موسی وتابعوه يعتقدون بأن بدن المعصوم كلي لا شخصي جزئي وهذا من أسخف ما قذفت به عقائدهم الفاسدة،وهذا الاعتقاد مخالف للضرورة العقلية، لأن البدن جسم، والجسم ماكان له طول وعرض وعمق، فلابد وأن يكون شخصاً جزئياً متحققاً في الخارج، وأما الأمور الكلية، فلا وجود لها إلا في الذهن، فالميرزا موسی هنا خالف الضرورة العقلية في
ص: 75
اعتقاده بأن أجسام المعصومين كلية حتی تملأ فضاء العالم. كما أنه يعتقد بأن الإمام أو النبي صلی الله عليه وآله الذي كان يأكل ويشرب ليس هو الإمام الحقيقي، بل هو عرض وشبح ذلك النبي أو الإمام الكلي، وهذا الاعتقاد فساده واضح لأن الأعراض لا وجود لها إلا بوجود معروضها، كالقيامالعارض علی زيد، والبياض العارض علی الجسم، ولما كان معروض هذه الأعراض كلية، فاللازم من ذلك أن يكون الإمام أو النبي الذي يأكل ويشرب أيضاً كلياً تبعاً لمعروضه، وبالتالي يلزمه عدم وجود إمام أو نبي في الخارج، لأن الكلي كما قلنا لا وجود لا إلا في الذهن، فتنتفي الرسالات، لأنها لا وجود لها إلا الوجود الذهني. هذا أولاً. وثانياً: لو لم يكن النبي صلی الله عليه وآله أو الإمام(علیه السلام) الذي يأكل ويشرب ويجاهد في سبيل الله سبحانه، هو الإمام الحقيقي، بل عرضه وشبحه، فعلام إذن يقيم (الميرزا) المآتم الحسينية وتبذل من أجلها الأموال الطائلة وتذرف الدموع وتضرب الرؤوس بالحديد إذا لم يكن المقتول في كربلاء هو الإمام الحسين(علیه السلام) ، بل المقتول عرضه وشبحه الذي لا وجود له ، لأن العرض لا وجود له كما قلنا إلا بوجود معروضه، وهذا المعتقد فساده وبطلانه من أوضح الواضحات.
فالميرزا موسی في تعليقه علی كلام الشيخ الأوحد الاحسائي:«يعني لما عرفت أن النبي صلی الله عليه وآله حاضر في كل مكان، يعني: أن الله ملأ فضاء السماء والأرض بوجودهم الشريف.. وهم (علیهم السلام) ببدنهم ظاهرون وحاضرون وموجودون في كل مكان، إذ بدنهم كلي كالجسم الذي هو في
ص: 76
جميع عالم الأجسام وليس محل لم يكن فيه جسم. فكذلك هم(علیهم السلام) موجودون في كل مكان من السماوات والأرضين ، وبمقتضی عرضهم كانوا في ذلك الموضع المعين»(1).
فالميرزا موسی يعتقد كما يعتقد شيخه الاحسائي، أن النبي صلی الله عليه وآله أو الإمام (علیه السلام) له حقيقتان، حقيقة كلية، بها ملأ هذا الوجود، فهو صلی الله عليه وآله ببدنه الكلي حاضر وموجود في كل مكان من السماوات والأرضين،وكذلك الأئمة (علیهم السلام)موجودون وحاضرون وظاهرون في كل مكان.وأما أعراضهم وأشباحهم فموجودة في الموضع المعين، وهذا الاعتقاد أقرب إلی الخيال والسفسطة، وفساده ظاهر لمن له أدنی تعقل، إذ العرض وجوده بوجود معروضه. مع مخالفة ذلك لما هو الثابت من دين المسلمين والملّيين والملحدين من أن النبي صلی الله عليه وآله وكذلك الأئمة(علیهم السلام) ليس لهم إلا حقيقة واحدة، وهي أنهم من البشر كما مر.
ولا يصح القول: بأن هذه الألفاظ والعباير لا يفهمها إلا الأوحدي من أهل العلم والمتضلع في عقائد الشيخ الأوحد، كما هي عادتهم، فإنه يقال: إذا كان كما يقولون، فلماذا ألفت وطبعت وأعيد طبعها ونشرها بين العام والخاص، وتبذل من أجلها الآلاف من الدنانير، ومع ذلك لايفهم معناها إلا كل أوحدي من أهل العلم والعرفان. مع أنها عبارات عربية يفهمها كل من له معرفة باللغة؟! ومن هنا يظهر فساد هذا المعتقد.
ص: 77
العدد الرابع عشر
تتمة البحث السابق حول حرمة اللهو
ب: ما رواه الراوندي في نوادره باسناده عن موسی بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فرق بين النكاح والسفاح ضرب الدّف(1).والظاهر سقوط الرواية من ناحية السند.
ص: 78
ج:مارواه الطوسي في اماليه عن جماعة عن ابي المفضّل عن الفضل بن محمد بن المسيّب عن هارون بن عمرو المجاشعي عن محمد بن جعفر بن محمد عن عيسی بن يزيد عن ضيفي بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن هبّار قال حدّثني ابي عن ابيه عن جدّه علي بن هبّار قال:
اجتاز النبي صلّی الله عليه وآله بدار علي بن هبّار فسمع صوت دفّ فقال ما هذا قالوا علي بن هبّار عرس باهله فقال: حسن هذا النكاح لا السفاح ثم قال صلّی الله عليه وآله اسندوا النكاح واعلنوه بينكم واضربوا عليه بالدّف فجرت السنة في النكاح بذلك(1) .
ولكن اخرج الطبراني من طريق ابي معشر عن يحيی بن عبد الملك بن هبّار بن الاسود عن ابيه عن جدّه:
ان رسول الله صلّی الله عليه وآله مرّ بدار هبّار بن الاسود فسمع صوت غناء فقال ما هذا فقيل تزويج فجعل يقول صلّی الله عليه وآله هذا النكاح لا السفاح «يردّده»(2).
ص: 79
فعلی هذا النقل تكون الرواية اجنبيّة عن المقام لانها وردت في الغناء وهو غير الموسيقی بالمصطلح الخاص وان كان قد يستعمل في ما هو اعم من الغناء فيشمل الموسيقی فعلی كل تكون الرواية مجملة والقدر المتيقن منها هوجواز التغنّي في زفّ العرائس نعم هناك بيان لشمول الغناء للموسيقی سوف يأتي انشاء الله.
ولكن الطبراني في المعجم روی عن عبد الله بن هبار عن ابيه عن جده أنّه قال: زوّج هبّار ابنته فضرب في عرسها بالكبر والغربال فسمع ذلك رسول الله فقال ما هذا قالوا زفّ هبّار ابنته فضرب في عرسها بالكبر والغربال فقال رسول الله صلی الله عليه وآله اشيدوا النكاح هذا نكاح لا سفاح(1).
د- ما رواه المتّقي في كنز العمّال عن عامر بن سعد قال دخلت علی قرظة بن كعب وثابت بن يزيد وابي مسعود الانصاري واذا عندهم جوار واشياء فقلت تفعلون هذا وانتم اصحاب محمّد فقالوا ان كنت تسمع والّا فامض. فانّ رسول الله صلّی الله عليه وآله رخصّ لنا في اللهو عند العرس وفي البكاء عند الموت(2).
ه- ما في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال: لما كانت الليلة التي بنی فيها علي(علیه السلام) بفاطمة، سمع رسول الله صلّی الله عليه وآله ضرب الدفّ فقال: ما هذا؟ قالت امّ سلمة: يا رسول الله هذه اسماء بنت
ص: 80
عميس تضرب بالدّف أردت فيه فرح فاطمة سلام الله عليها لئلا تری انه لمّا ماتت أمّها لم تجد من يقوم لها، فرفع رسول الله يده الی السماء ثم قال: اللهم ادخل علی أسماء ابنة عميس السرور كما افرحت ابنتي، ثم دعابها، فقال: يا اسماء، ما تقولون اذا نقرتم بالدّف؟ فقالت: ماندري ما نقول ، يا رسول الله في ذلك وانما اردت فرحها، قال: فلا تقولوا هجراً(1).
و- وما عن دعائم الاسلام ايضاً عن النبي صلّی الله عليه وآله انه مرّ ببني زريق فسمع عزفاً فقال: ما هذا؟فقالوا: يا رسول الله: نكح فلان، فقال: كمل دينه، هذا النكاح لا السفاح. ولايكون نكاح فيّ السّر حتی يری دخان او يسمع حسّ دفّ، قال: الفرق ما بين النكاح والسفاح ضرب الدّف(2).
ز- ما رواه ابن ماجة عن عائشة عن النبي صلّلی الله عليه وآله قال: اعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال(3)
ح- مارواه ابن ماجة عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلّی الله عليه وآله فصل بين الحلال والحرام الدّف والصوت في النكاح(4)
ط- ماجاء من الروايات من الفريقين علی جواز الغناء في زفّ العرائس.
نحو ما رواه الكليني عن عدّه من اصحابنا عن احمد عن الحسين عن النضر بن سويد عن يحيی الحلبي عن ايّوب بن الحر عن ابي بصير قال قال ابو
ص: 81
عبدالله عليه السلام اجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال(1).ويمكن الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات باحد اسلوبين:
الاسلوب الاوّل: ان يدّعی شمول لفظ الغناء للموسيقی توضيح ذلك انه صحيح ان الغناء هو صوت الانسان الذي له حسن ذاتي وله شأنية الاطراب لتناسبه ولكن يطلق احياناً علی الصوت الذي يخرج من آلات الموسيقی ويكون علی اساس التناسب الايقاعي والاوزان الشعريّة. فيشمل لفظ الغناء النغمة الموزونة الصادرة من الانسان.
ولكن يرد علی هذا الوجه ان استعماله في المعنی الاعم ان كان من دون وجود قرينة فهذا يعني الاشتراك اللفظي ففي الالفاظ المشتركة من دون وجود قرينة معيّنة يصبح اللفظ مجملاً ونتيجة الاجمال في صالح المعنی الاخص لانه هو القدر المتيقن.
الاسلوب الثاني: ان الغناء غالباً بسبب العادة ووجود المناسبة لا ينفكّ عن اقترانه بالموسيقی بالمصطلح الخاص ولا سيّما في زفّ العرائس.
وبعبارة اخری ان التغنّي في العرائس لا يتحقق في الخارج الاّمع وجود منضمّات له بحيث لولا تلك المنضمّات يعدّ التغنّي ناقصاً ولم يكن موجباً لايجاد الفرح المطلوب في زفّ العرائس ومن تلك المنضمّات الموسيقی
ص: 82
ضرب الدفّ- والتصفيق. ووجود هذه الملازمة الخارجية في الارتكازات العرفيّة يعطي للفظ الغناء والمغنيّة شمولاً بحيث يشمل الموسيقی.
وهناك وجه اخر وهو دعوی وحدة المناط في كلا الموردين وذلك لان الاعراس مشتملة علی اللهو واللعب وانما الشارع رخّص اللهو الغنائي فيخصوص زفّ العرائس بل نفس النكاح من اللهو ولذا جاء في الحديث كل لهو المؤمن باطل الّا في ثلاث.......وملاعبته-الرجل-إمرأته الحديث(1).
وفي كنز العمّال عن ابي ايّوب عن رسول الله صلی الله عليه وآله ما من شيء تحضره الملائكة من اللهو الّا ثلاثة: الرجل مع أمراته،الحديث(2).
فلا فرق بين الغناء وبين اللهو الحاصل بآلات الموسيقی كالدّف والطنبور والمزمار( وتمامية هذا الوجه متوقّف علی تنقيح المناط القطعي).
ص: 83
العدد السادس
ثالثاً: موقفه من الحركات المسلّحة
كان الإمام زين العابدين عليه السلام خطو نحو أهدافه بحذر تام، ووعي كامل، لا يُثيرُ انتباه الحكّام والولاة المغرورين، كي لا يقضوا على حركته وهي في المهد.
فهم ،بانهماكهم في ترفهم واغترارهم بقدراتهم، كانوا بعيدين عن الأجواء التي يصنعها الإمام عليه السلام فكانوا يعدّون مواقفه شخصيّة خاصة وفرديّة، بل يستوحون منها الانصراف عن التصدّي لأيّ نشاط سياسيّ.
ص: 84
فلذلك لم يُظهر الإمام انتماءاً إلى أيّة حركة معارضة للدولة، ولم يسمح لها أن تتصل بالإمام، سواء الحركات المتحبّبة إليه، كحركة التوّابين وحركة المختار، أو الحركات المحايدة كحركة أهل الحرَّة، أم المعادية له كحركة ابن الزبير في مكّة والعراق !لكن الآثار تشير إلى أن الإمام عليه السلام لم يكن في معزل عن تلك الحركات، سلباً أو إيجاباً، حسب قربها أو بعدها عن الأهداف الأساسية التي كان الإمام وراء تحقيقها وتثبيتها.
فهو من جهة كان يركّز على خططه العميقة والواسعة، بالشكل الذي يغرّر بالحكّام الأمويين بصحّة تصورّاتهم عن شغله وشخصه، حتّى أعلنوا عنه أن-ّه « الخير ».
ولعلّ رجال الدولة كانوا في رغبة شديدة في الاحتفاظ بهذا التصوّر، حتّى لا يتورّطوا مع آل أبي طالب بأكثر ممّا سبق، وليتفرّغوا لغير الإمام زين العابدين عليه السلام ممّن أعلن الثورة والمعارضة لهم كابن الزبير، فلذا نشروا هذا المعنى في عملية تحريف، ليدفعوا مجموعة من الناس للمشي بسيرة الإمام عليه السلام.
ص: 85
وقد وقف كتّاب من مؤرخي عصرنا الحاضر على هذه الآثار، فأعلنوا: « أنّ الإمام عليه السلام تبنّى مسلكاً، يرفض فيه كلّ تحرك مناهض للسلطة، ويبتعد عن كلّ نشاط معاد لها(1) .مع أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان يهدف من خلال مواقفه - حتّى العبادية والعلمية والشخصية منها - إلى تثبيت مخططاته السياسية كما عرفنا في الفصول السابقة.
وكان مع ذلك يتعامل مع الحركات السياسية الأخرى بشكل مدروس ومدبّر، حسب المواقع والظروف:
فبالنسبة إلى حركة الحرّة:
وجدنا الإمام عليه السلام قد أحرز أنها حركةً لم تنبع عن مبدأ يتّفق وضرورات الموقف الإسلاميّ الصحيح، فلا القائمون بها كانوا من العارفين بحقّ الإمام عليه السلام ولا خططهم المعلنة كانت أساسية، ولا أهدافهم كانت واضحة أو مدروسة، وأهم ما كانت عليه خطورةَ الموقع الذي اختاروه
ص: 86
للتحرّك، وهو « المدينة » فقد عرّضوها للجيش الشامي الملحد، ليدنّس كرامتها ويستهين بمقدّساتها.
وقد عرفنا أن الإمام عليه السلام اتخذ موقف المنجي للمدينة المنكوبة ولأهلها الذين استباح حرماتهم الجيشُ الأمويّ.
ولم تكن حركة الحرّة تتبع أمر الإمام عليه السلام ولا قيادته بل ولا إشرافه، بل كان الإمام عليه السلام يومها في فترة لملمة قواه وتهيئة وضعه، والتأهّب لخطته المستقبلية.كما سبق حديث عن ذلك كلّه في الفصل الأول(1)
وأما فتنة ابن الزبير:
فمع أن ابن الزبير لم يكن بأولى من ابن مروان، في الحكم والسيطرة، وأن طموحاته المشبوهة كانت مرفوضة لدى أهل الحقّ، وخاصّة للعلويين وعلى رأسهم الإمام زين العابدين عليه السلام
ص: 87
ومع ما كان عليه من الحقد والعداء لآل عليّ عليه السلام (1)ذلك الذي بدأه في حياته بدفع أبيه في أتون حرب الجمل، وقد حمّله الإمام الصادق عليه السلام ذلك الوزر في كلمته الشهيرة: « ما زال الزُبير منّا أهل البيت حتّى أدرك فرخه فنهاه عن رأيه(2).
وبدأ في عهد سطوته العداء لآل محمد: بصورة مكشوفة لمّا هدّد مجموعة منهم بالإحراق عليهم في شعب أبي طالب بمكة(3)وبلغ به حقده أنْ منع الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: « إنّ له « أهيل سوء » يشمخون باُنوفهم » حسب تعبيره الوقح (4)
وكان - بحكم معرفته بموقعيّة الإمام السجاد عليه السلام- يضع العيون على الإمام يراقبون تصرّفاته (5)
ص: 88
وقد قتل أخوه مصعب الشيعة بالعراق، حتّى النساء(1)
فلذلك كان الإمام يظهر التخوّف من فتنته (2)
ولعلّ من أوضح مبرّرات الإمام في تخوّفه من فتنة ابن الزبير أن-ّه اتّخذ مكّة موقعاً لحركته، مما يؤدِّي عند اندحاره إلى أن يعتدي الأمويون على هذه البلدة المقدَّسة الآمنة، وعلى حرمة البيت الحرام والكعبة الشريفة ؟
وقد حصل ذلك فعلاً.مع أنَّ علم الإمام عليه السلام بفشل حركته لضعفه وقلّة أنصاره بالنسبة إلى جيوش الدولة الجرّارة، كان من أسباب امتناع الإمام ومعه كل العلويين من الاعتراف بحركة ابن الزبير.
وهو كان يؤكّد على أخذ البيعة منهم لكسب الشرعية أولاً، ولجرّهم معه إلى هاوية الفناء والدمار في ما لو اندحر، وقد كان متوقّعاً ذلك، فيقضي على آل محمد: فيكون قد وصل إلى أمنيته القديمة.
ص: 89
إن الإمام عليه السلام بإظهاره التخوّف من فتنة ابن الزبير، كان قد أحبط كلّ أهداف ابن الزبير وأمانيه الخبيثة تلك.
كما أنّ في هذا التصرّف تهدئةً لِوَغَرِ صدور الأمويين ضدّ آل محمّد: وشيعتهم، تمهيداً لتثبيت العقيدة وترسيخ قواعدها.
وبهذا حدّد الإمام عليه السلام موقفه من الحركات البعيدة عن خطّ الإمامة، والتي لم تنتهج اتّباع الإسلام المحمّدي الخالص الذي يحمله أئمة أهل البيت.
فهو لم يظهر تجاهها ما يستفيده الأمويون، كما لم يؤيِّدها بحيث تكون ذريعة للأمويين على محاسبة الإمام عليه السلام.
ولا قام بما يعتبر وسيلة يتشبَّث بها أولئك المتحرّكون غير الأصيلين في الفكر والعقيدة، والمشبوهون في الأهداف والمنطلقات.فاتّخذ الإمام من هذه الحركات موقف الحزم والحيطة، فهي وإن لم تكن على المعلوم من الحقّ إلاّ أنها كانت معارضة للمعلوم من الباطل الحاكم، ومؤديّة إلى تضعيفه وزعزعته، وتحديد سطوته.
والإمام عليه السلام لا يهدف إلى مجرّد إحداث البلبلة، وتعويض فاسد بفاسد، أو نقل السلطة من ابن مروان، إلى ابن الزبير، أو ابن الأشعث، أو
ص: 90
غيرهم من المتصدّين للحكم بالباطل، فتركهم الإمام عليه السلام يشتغل بعضهم ببعض حتّى ينكشف للأمة زيف دعواهم الإمامة والخلافة، ويظهر للأمة أنهم - جميعاً - لا يطلبون إلاّ الحكم والسلطة، دون صلاح الإسلام وإصلاح ما فسد من أمور المسلمين.
وأمّا موقفه من الحركات الاُخرى:
فهي بفرض انّها قامت بشعارات حقّة.
كحركة التوّابين في عين الوردة، وشعارهم « يالثارات الحسين (1)وهم الذين تحالفوا على بذل نفوسهم وأموالهم في الطلب بثأر الحسين عليه السلام ومقاتلة قتلته وإقرار الحقّ مقرّه في رجل من آل بيت نبيّهم صلوات الله عليه وسلامه(2)وكحركة المختار الذي كتب إلى الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام يريده على أن يُبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالاً كثيراً(3) وتتَّبع قتلة الحسين عليه السلام فقتلهم (4)
ص: 91
ولكنّ الإمام عليه السلام كان حكيماً في تعامله مع المتحرّكين أولئك، فلم يعلنْ عن ارتباطه المباشر بهم، وكذلك لم يعلن عن رفض حركتهم كما واجه ابن الزبير، بل أصدر بياناً عاماً، يصلح لتبرير الحركات الصالحة، من دون أن يترك آثاراً سيئة على الإمام عليه السلام: فقال لعمّه محمد بن الحنفية: « يا عمّ، لو أنّ عبداً تعصّب لنا أهلَ البيت، لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولَّيتك هذا الأمر، فاصنع ما شئت(1)
إن تولية الإمام عليه السلام لعمّه في القيام بأمور الحركات الثوريّة تلك كان هو الطريق الأصلح، حيث أن محمّد بن الحنفيّة لم يكن متّهما من قبل الدولة بالمعارضة، ولم يُعْرَف منه ما يشير إلى التصدي للإمامة لنفسه، بينما الإمام عليه السلام كانت الدولة تتوجّس منه خيفةً باعتباره صاحب الدم في كربلاء، والمؤهّل للإمامة، لعلمه وتقواه وشرفه، ولم يخفَ على عيون الدولة أنّ جمعاً من الشيعة يعتقدون الإمامة له.
ص: 92
وبذلك كان الإمام عليه السلام قد حافظ على وجوده من أذى الأمويين واستمرّ على رسم خططه والتأكيد على منهجه لإحياء الدين وتهيئة الأرضيّة للحكم العادل.
وهو مع ذلك لم يقطع الدعم عن تلك الحركات التي انتهجت الثأر لأهل البيت.
فلمّا أرسل المختار برؤوس قتلة الإمام الحسين عليه السلام إلى الإمام السجّاد عليه السلام خرّ الإمام ساجداً، ودعا له، وجزّاه خيراً (1)
وقام أهل البيت كافّة بإظهار الفرح، وترك الحداد والحزن، ممّا يدلّ على تعاطفهم - عملياً، وعلنيّاً - مع المختار وحركته.
ولو نظرنا إلى هذا العمل، نجده لا يُثير من الأمويين كثيراً من الشكوك تجاه الإمام، إذ من الطبيعي أن يفرح الموتور بقتل ظالمه، ويدعو لمن قتله وانتقم منه وثأر لدماء الشهداء !
خصوصاً، إذا اقترن مع رفض الإمام عليه السلام لقبول هدايا المختار المادّية(2)
ص: 93
فإنّ ذلك يدلّ بوضوح على أن الإمام عليه السلام لا يريد التورّط سياسيّاً مع حركة بعيدة عنه جغرافيّاً، ولم تلتق مع أهدافه البعيدة المدى حضارياً وتاريخيّاً ولا تعدو أن تكون فوزاً أو بُروزاً مقطعيّاً فقط.
وأمّا ما ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام من أحاديث في ذمّ المختار أو لعنه:فالذي يوجّهه أنّ الحكّام الظلمة - عامّةً - وبني أمية - خاصّة - استعملوا أساليب التزوير والاتّهامات الباطلة ضدّ معارضيهم بغرض إسقاط المعارضة في نظر العامة ، وقد استهدفوا شخص المختار وأصحابه بأشكال من الاتهامات التي تعبُر على أذهان العوام، مثل السحر والشعوذة، كما اتّهموه بدعوى النبوّة، والاُلوهية، وما أشبه ذلك من الخرافات، سعياً في إبطال مفعول حركته، وإبعاد الناس عنه، والتشويش على نداءاته وشعاراته بالطلب بثارات الحسين عليه السلام وتأسّفه على قتله، وإعلانه عن هويَّة القاتلين، وحمايته لبني هاشم من الأذى ولقد تواترت أخبار البلاطيّين، واتّهامهم إيّاه على طريقة « إكذب ثم اكذب ثم اكذب حتّى يصدّقك الناس » وقد ملئت الصحف والكتب والأخبار بتلك الأكاذيب، حتّى صدّقها الناس فعلاً !!
وإذا كان المختار بتلك المنزلة التي أبداها الحكّام والنقلة والرواة والمؤرّخون، وكان من أخبارهم الموحشة عنه ماملأ مسامع الناس وأفكارهم:
ص: 94
أنّه ساحر، كذّاب على الله ورسوله، مدّع للنبوّة، وما إلى ذلك من الترّهات والأكاذيب.إذا كان المختار عند العامة بهذه المنزلة، فهل يجوز للإمام عليه السلام أن يدافع - علناً - عن حركته ؟! أو أنْ يسكت إذا سُئِلَ عنه ؟!
إنّ إظهار التعاطف معه، ولو بأدنى شكل، كانت الدولة تستغلّه لضرب الإمام عليه السلام وتشويه سمعته عند العامة العمياء.
فلا نستبعد أن يكون الإمام عليه السلام قد أصدر ضدّ ما يعرفه الناس عن المختار، ما يبرّىء ساحة الإمام عليه السلام من الموافقة عليه، أو السكوت عنه، ففي الخبر: قام الإمام عليه السلام على باب الكعبة ! يلعن المختار !
فقال له رجل: يا أباالحسين، لِمَ تسبُّه ؟ وإنّما ذُبِحَ فيكم ؟! قال الإمام عليه السلام: إن-ّه كان كذّاباً، يكذب على الله ورسوله(1)
فلو صحَّ هذا الخبر، فإنّ وقوف الإمام عليه السلام على باب الكعبة، وإعلانه بهذا الشكل عن ذمّ المختار ولعنه، لا يخلو من قصد - أكثر من مجرّد اللعن -
ص: 95
حيث أنّ في ذلك دلالة واضحة على إرادة مجرّد الإعلان بذلك وتبيينه للناس.
وفي قول المعترض: « ذُبِحَ فيكم » الهدف السياسيّ من تلطيخ سمعة أهل البيت:وتوريطهم بما لطّخوا به سمعة المختار.إذ لا يصدر مثل هذا الاعتراض، وهذا الإعلان، عن شخص غير مغرض في مثل ذلك الموقف.
ثمّ إنّ ما ورد من أمثال هذه الأحاديث، المشتملة على ذمّ المختار من قبل أهل البيت: ورواتهم، إنّما رواها رجال الدولة وكتّابهم ومؤرّخو البلاط، مما يدّل على أن المستفيد الوحيد من ترويجها هم أولئك الذين يرتزقون من الارتباط بالدولة.
هذا لو صحّت تلك الأحاديث والنقول ، وإلاّ، فهل يشكّ أحد من دارسي التاريخ في أنّ المختار تحرّك بشعار الأخذ بثارات الحسين عليه السلام وقد وصفه زوجتاه - بعد قتله - بأنّه « رجل يقول ربّي الله، كان صائم نهاره، قائم
ص: 96
ليله، قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهله وشيعته، فأمكنه الله منهم حتّى شفى النفوس (1)
وقتل معه سبعة آلاف رجل كلّهم طالبون بدم الحسين (2)
أليس ما قام به المختار من أخذ الثار، مكرمةً تدعو إلى السكوت عنه، على الأقلّ ؟!ولقد ذكّر الإمام الباقر عليه السلام بمثل هذا في حديثه عن المختار لمّا دخل عليه أبوالحكم ابن المختار، فتناول يد الإمام ليقبّلها فمنعه، ثم قال له: اصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا، والقول - والله - قولك !... ولا تأمرني بشيء إلاّ قبلتُه.
فقال الإمام: سبحانَ الله ! أخبرني أبي - والله - أنّ مهر اُمّي كان ممّا بَعَثَ به المختار.
أوَلم يبْنِ دورنا، وقَتَلَ قتلتنا، وطلب بدمائنا، فرحمه الله.
ص: 97
وأخبرني - والله - أبي: أن-ّه كان ليسمر عند فاطمة بنت عليّ يمهّدها الفراش ويُثْني لها الوسائد، ومنها أصاب الحديث.
رحم اللهُ أباك، رحم اللهُ أباك، ما أصاب لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه(1)
وعلى حدّ قول ابن عباس - لما طُلِبَ منه سبّ المختار -: ذاك رجل قَتَلَ قتلتنا، وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا، وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة(2)
إنّ خروج الإمام زين العابدين عليه السلام من أزمة الحركات المعارضة للدولة، على اختلاف مواقفها تجاهَ الإمام، من مُوالية، ومُحايدة، ومُعادية،وبالشكل الذي لا يترك أثراً سلبيّاً عليه، ولا يحمّله مسؤوليّة، ولا تستفيد الأطراف المتنازعة من موقعه كإمام، وككبير أهل البيت عليه السلام، ولا تتضرّر أهدافه وخططه التي رسمها لإحياء الدين.
إنّ الخروج من مثل هذا المأزق، وبهذه الصورة، عملٌ جبّار لابدّ أن يُعدّ من أخطر مواقف الإمام السياسيّة، ويستحقّ دراسة معمّقة لمعرفة أسسه، وأبعاده.
ص: 98
وبعد:إنّ ما بذله الإمام السجّاد عليه السلام من جهود وجهاد في سبيل الله، وما قام به من فرض الإمامة وواجب الولاية تجاه الدين والأمة، مع اقتران المهمّة بظروف صعبة وحرجة للغاية، حيث ملئت الأجواء بالرعب والردّة والانحراف عن القيم والموازين والأعراف، سواء الدينيّة، ام الأخلاقية، بل حتّى الإنسانية !إنّ ما بذله الإمام عليه السلام في سبيل القيام بالمهمة تمَّ بأفضل ما يُتصوّر، فقد رسم لمخططاته خطّة عمل ناجحة بحيث مهّد الأرضية لتجديد معالم التشيع، ممثلاً لكلّ ما للاسلام من مجد وعدل وعلم وحكمة، لَهُوَ عمل عظيم، يدعو إلى الإعجاب والفخر والتمجيد، ويجعل من الإمام عليه السلام في طليعة القوّاد السياسيّين الخالدين.
ولقد حقّ له عليه السلام أن يكلّل تلك الحياة العظيمة بالطمأنينة التي ملأت وجوده الشريف عندما حُضِرَ، فأغمض عينيه حين الوفاة، وفتحهما ليقول كلمته الأخيرة، فيقرأ : الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض، نتبوّأ منالجنة حيث نَشاء، فنعم أجر العاملين(1) ثم قبض من ساعته (2)فسَلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.
ص: 99
وكما كانت نَتائج الثورة الحسينيّة في كربلاء تتبلور في انتصار الإسلام باستمرار شعائره وعدم تمكّن الأعداء من القضاء عليها، بالرغم من استشهاد الصفوة من خيرة المسلمين وعلى رأسهم الإمام أبوعبدالله الحسين السبط الشهيد عليه السلام وأهل بيته وشيعته، فإنّ الظلمة لم يتمكنّوا من محو الإسلام، بل بقيَ مستمرّاً، ممثّلاً في أذانه وصلاته وكعبته وسائر أصوله وضروريّاته.
وقد أعلن الإمام السجّاد عليه السلام عن هذه الحقيقة، وأبرزَ هذه النتيجة في ما أجاب به إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله، حين قدم علي بن الحسين عليه السلام وقد قتل الحسين صلوات الله عليه استقبله إبراهيم وقال: يا عليّ بن الحسين، مَنْ غَلَبَ ؟ وهو مغطٍّ رأسَه وهو في المحمل - فقال له علي بن الحسين: إذا أردت انْ تعلم مَنْ غَلَبَ، ودخل وقتُ الصلاة، فأذِّن ثُمّ أقم (1)فإنّ الإمام عليه السلام جعل استمرار الشعائر التي تُذكر فيها شهادةُ التوحيد والرسالة عَلَناً وعلى رؤوس الأشهاد دليلاً على انتصار الحسين عليه السلام وغلبته، وهذا من أعظم العِبَر لمن اعتبر !
فكذلك تبلورت نتائج مخططات الإمام السجّاد عليه السلام في إحياء التشيع من جديد، والتمهيد لقيام أولاده الأئمة: بالحركات التجديدية المتتالية.
ص: 100
العدد الرابع
كتاب حجي
وهو كبقية الكتب اشتمل على ذكر بعض حوادث آخر الزمان وما يجري في أيام الإمام المهدي صاحب الزمان عليه السلام، ومما جاء فيه في الإصحاح الثاني:
«قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل أزلزل السماوات والأرض والبحر اليابسة، وأزلزل كل الأمم ويأ تي مشتهى كل الأمم؛ فاملأ هذا البيت مجداً - الى أن قال -: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول قال؛ رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام - الى ان يقول -: إني أزلزل السماوات و الأرض وأقلب كرسي الممالك وأبيد ممالك الأمم...».ولا شك أن ( مشتهى كل الأمم) بعد هذا العذاب الشامل هو الإمام المهدي عليه السلام الذي تدين له جميع الأمم، لا ( دويلة إسرائيل) التي بُنيت على ما ينفر منه جميع الأمم؛ من المكر، والغدر، والقسوة، والظلم، وتشريد الأطفال والنساء والشيوخ، وإبادة كل من استطاعوا إبادته، واهلاك كل من قدروا على
ص: 101
إهلاكه، وتلك الدويلة الهزيلة قائمة بغيرها من الأمم، فهي تشتهي معاونتهم ومدهم بالمال والسلاح، لا أن الأمم تشتهيها و تدين لها.
كتاب زكريا
قد أخبر هذا الكتاب بما أخبرت به كتب أنبياء التوراة من حوادث آخر الزمان، ومما جاء فيه قوله في الإصحاح الخامس:
«فعدت ورفعت عيني و نظرت واذا بدرج طائر، فقال لي: ماذا ترى. فقلت: إني أرى درجاً طائراً طوله عشرون ذراعا وعرضه عشر أذرع. فقال لي: هذه اللعنة الخارجة على وجه كل الأرض..».
الى آخر ما جاء في هذا الإصحاح، فهل تراه يخبر عن الطائرات في هذا الزمان وما وراءها من الشرّ وما تحمله من أدوات التدمير والهلاك. وقد جاء في هذا الإصحاح نفسه قوله:
«ورفعت عيني ونظرت وإذا بامرأتين خرجتا والريح في أجنحتهما ولهما أجنحة كأجنحة اللقلق..».
وأخبر في الإصحاح الثالث عشر بما جاء في أخبار النبي وأهل بيته صلواتالله وسلامه عليهم، في علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام من أن ثلثي أهل الأرض يهلكون ويبقى الثلث الآخر؛ فيعذب، ويخلص أناس يريدون وجه الله، وما اخبرت به الأحاديث من ظهور صاحب الزمان الإمام المهدي عليه السلام وأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، قال في
ص: 102
الإصحاح الثالث عشر ما لفظه:
«ويكون في كل الأرض؛ يقول الرب: إن ثلثين منها يقطعان و يموتان، والثلث يبقى فيها، وأدخل الثلث النار وأمحصهم كمحص الفضة، وامتحنهم امتحان الذهب... هو يدعو باسمي وأنا أجيبه... أقول هو شعبي، وهو يقول: الرب الهي..».
وقد جاء مثل هذا في حديث الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، كما ورد في كتاب (إكمال الدين) عن أبى بصير ومحمد بن مسلم أنه قال:
«لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس - قلت: إذا ذهب ثلثا الناس فما يبقى؟ قال:- أما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي؟».
والحديث الثاني ذكره النعماني وهو من رجال أوئل القرن الرابع الهجري في (غيبته) عن الإمام الصادق عليه السلام إنه قال:
«والله لتُكسّرن تكسّر الفخار، وإن الفخار ليتكسّرن ولا يعود كما كان، ووالله لتغربلن، ووالله لتُميزن، ووالله لتمحصن حتى لا يبقى منكم إلا الأقل، وصفر كفه..».والذي ينظر في كتاب زكريا؛ يراه مبشراً بالمسيح عليه السلام وبخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبحادث الخراب والتدمير والبوار والهلاك قبل ظهور الإمام المهدي عليه السلام، وبأيام الإمام عليه السلام، والرخاء ورغد العيش فيه.
ص: 103
واليهود لا يُريدون أن يفهموا ذلك، فهم يؤولون ذلك الكتاب تأويلاً بعيداً بأهوائهم بُغية إنكار المسيح والنبي محمد والإمام المهدي صلوات الله عليهم جميعاً. ومهما تجشموا من التأويل؛ فإن عبارات كتاب زكريا لا يمكن حملها على ما أولوه به، ولا يمكن انطباقه إلا على ما جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، فليذهب اليهود حيث شاءوا فإن كتاب زكريا عين ما جاء في كتب الإسلام. وعبثاً يزعم اليهود أنهم يؤمنون بالتوراة مع أنهم منكرون لها ولما جاء فيها من بشارات بالمسيح وخاتم النبيين والإمام المهدي عليهم أفضل الصلاة والسلام.
كتاب ملاخي
هذا الكتاب بشّر وأنذر كما بشّرت وأنذرت كتب الأنبياء قبله. جاء في الإصحاح الرابع منه ما لفظه:
«فهو ذا يأتي اليوم المتّقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشرّ يكونون قشّاً ويحرقهم اليوم الآتي قال ربّ الجنود فلا يبقى لهم أصلاً ولا فرعاً... ولكم أيها المتّقون إسمي تشرق شمس البر، والشفاء في أجنحتها، فتخرجون وتنشأون كعجول الصيرة، وتدوسون الأشرار لأنهم يكونون رماداًتحت بطون أقدامكم، يوم أفعل قال ربّ الجنود... ها أنا ذا أرسل لكم (إيليا النبي) قبل مجيء يوم الربّ، اليوم العظيم والمخوف...».
ترى في هذا الإصحاح إنذاراً بنزول العذاب، وبشارة للمتقين بالنعيم، وإرسال (إيليا) ومن هو إيليا؟ وما عسى أن يقول اليهود في هذا أو يؤولوه؟
ص: 104
هل المتقون غير من سينعم بالإمام المهدي والمسيح عليهما السلام؟ وهل إيليا؛ إلا النبي الذي يكون خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم؟ كما جاء في الإصحاح السادس عشر من انجيل يوحنا وما بعده، وذُكر باسم (باركلتوس) باليونانية وترجم (فارقليطا) أو (المعزّي) أو (المسلي) وهو النبي الذي بشر به المسيح عليه السلام أنه يأتي بعده، وأنه يمجد المسيح ويبرؤه وأمّه الطاهرة من تهمة اليهود.
وترجمت لفظة (باركلتوس) الى العربية بلفظة (أحمد) وهما متحدان بالمعني، وهي ترجمة القرآن الكريم إذ قال تعالى في سورة الصف:
﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل اني رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾.
وقد أمر المسيح عليه السلام في ذلك الإصحاح من إنجيل يوحنا؛ باتّباعه والإستماع لقوله.
ومن العجب أن يدّعي اليهود أنهم يؤمنون بالتوراة؛ ولا يتدبرون ما جاء فيكتبها من أمثال هذه البشارات الصريحة وهي أهم ما جاء في كتب التوراة!.
وهنا يسري العجب! الى المسيحيين كيف لم يتدبّروا ما جاء في الإصحاحات المشار إليها من إنجيل يوحنا؟ وهل يتفق الإيمان بالإنجيل والتوراة مع إنكار خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنكار الإمام
ص: 105
المهدي عليه السلام؛ مع أن علامات ظهوره التي ذُكرت في كتب التوراة، وصرحت بأن المتقين في زمانه يُصيبهم أكبر نصيب من الخير والبركة؟.
ومع أن كتاب أعمال الرسل من (العهد الجديد) صرّح في الإصحاح الأول؛ بعودة المسيح عليه السلام بما هذا نصّه:
«إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً الى السماء..».
ومثل ذلك جاء في أحاديث خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطرق مختلفة؛ منها ورد في كتاب (عقد الدرر) في خبر عن حذيفة رضوان الله عليه: «فإذا كان يوم الجمعة من صلاة الغداة وقد أقيمت الصلاة؛ فيلتفت المهدي عليه السلام فإذا هو بعيسى بن مريم عليه السلام قد نزل من السماء في ثوبين، كأنما يقطر من شعر رأسه الماء، فيقول الإمام عليه السلام: تقدّم فصل بالناس، فيقول له: إنما أقيمت الصلاة لك...» قال حذيفة: فيصلي عيسى بن مريم خلفه.
ص: 106
في مجلس المأمون
الحلقة الاولی
قال العلامة المجلسي ره(1) : ورد في عيون أخبار الرضا عليه السلام (2)
للشيخ الصدوق ره قال:حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْقُمِّيُّ ثُمَّ الْإِيلَاقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيُّ الْكَجِّيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيَّ ثُمَّ الْهَاشِمِيَّ يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا ع عَلَى الْمَأْمُونِ أَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ أَنْ يَجْمَعَ لَهُأَصْحَابَ الْمَقَالاتِ مِثْلَ الْجَاثَلِيقِ وَ رَأْسِ الْجَالُوتِ وَ رُؤَسَاءِ الصَّابِئِينَ (3) وَ
ص: 107
الْهِرْبِذِ الْأَكْبَرِ(1)
وَ أَصْحَابِ ذُرْهَشْتَ (2)
وَ نِسْطَاسَ الرُّومِيِّ وَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِيَسْمَعَ كَلَامَهُ وَ كَلَامَهُمْ فَجَمَعَهُمُ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ثُمَّ أَعْلَمَ الْمَأْمُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ فَقَالَ الْمَأْمُونُ أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ فَفَعَلَ فَرَحَّبَ بِهِمُ الْمَأْمُونُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنِّي إِنَّمَا جَمَعْتُكُمْ لِخَيْرٍ وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تُنَاظِرُوا ابْنَ عَمِّي هَذَا الْمَدَنِيَ (3) الْقَادِمَ عَلَيَّ فَإِذَاكَانَ بُكْرَةً فَاغْدُوا عَلَيَّ وَ لَا يَتَخَلَّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالُوا السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مُبْكِرُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ فَبَيْنَا نَحْنُ فِي حَدِيثٍ لَنَا عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا يَاسِرٌ وَ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ أَبِي الْحَسَنِ
ص: 108
الرِّضَا ع فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ فِدَاكَ أَخُوكَ إِنَّهُ اجْتَمَعَ إِلَيَّ أَصْحَابُ الْمَقَالاتِ وَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ وَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ فَرَأْيُكَ فِي الْبُكُورِ عَلَيْنَا إِنْ أَحْبَبْتَ كَلَامَهُمْ وَ إِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ فَلَا تَتَجَشَّمْ وَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَصِيرَ إِلَيْكَ خَفَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع أَبْلِغْهُ السَّلَامَ وَ قُلْ لَهُ قَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ وَ أَنَا صَائِرٌ إِلَيْكَ بُكْرَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ فَلَمَّا مَضَى يَاسِرٌ الْتَفَتَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَنْتَ عِرَاقِيٌّ وَ رِقَّةُ الْعِرَاقِيِّ غَيْرُ غَلِيظَةٍ (1)فَمَا
عِنْدَكَ فِي جَمْعِ ابْنِ عَمِّكَ عَلَيْنَا أَهْلَ الشِّرْكِ وَ أَصْحَابَ الْمَقَالاتِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يُرِيدُ الِامْتِحَانَ وَ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ مَا عِنْدَكَ وَ لَقَدْ بَنَى عَلَى أَسَاسٍ غَيْرِ وَثِيقِ الْبُنْيَانِ وَ بِئْسَ وَ اللَّهِ مَا بَنَى فَقَالَ لِي وَ مَا بِنَاؤُهُ فِي هَذَا الْبَابِ قُلْتُ إِنَّ أَصْحَابَ الْكَلَامِ وَ الْبِدَعِ خِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَالِمَ لَا يُنْكِرُ غَيْرَ الْمُنْكَرِ وَ أَصْحَابُ الْمَقَالاتِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَ أَهْلُ الشِّرْكِ أَصْحَابُ إِنْكَارٍ وَ مُبَاهَتَةٍ (2)
إِنِ احْتَجَجْتَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالُوا صَحِّحْ وَحْدَانِيَّتَهُ وَ إِنْ قُلْتَ إِنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ قَالُوا أَثْبِتْ رِسَالَتَهُ ثُمَّ يُبَاهِتُونَ الرَّجُلَ
ص: 109
وَ هُوَ يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ بِحُجَّتِهِ وَ يُغَالِطُونَهُ حَتَّى يَتْرُكَ قَوْلَهُ فَاحْذَرْهُمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَتَبَسَّمَ ع ثُمَّ قَالَ يَا نَوْفَلِيُّ أَ فَتَخَافُ أَنْ يَقْطَعُونِي عَلَيَّ حُجَّتِي (1) قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا خِفْتُ عَلَيْكَ قَطُّ وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُظْفِرَكَ اللَّهُ بِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لِي يَا نَوْفَلِيُّ أَ تُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ مَتَى يَنْدَمُ الْمَأْمُونُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِذَا سَمِعَ احْتِجَاجِي عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ وَ عَلَى الصَّابِئِينَ بِعِبْرَانِيَّتِهِمْ وَ عَلَى الْهَرَابِذَةِ بِفَارِسِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَهْلِ الرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ وَ عَلَى أَصْحَابِ الْمَقَالاتِ بِلُغَاتِهِمْ فَإِذَا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ وَ دَحَضَتْ حُجَّتُهُ وَ تَرَكَ مَقَالَتَهُ وَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِي عَلِمَ الْمَأْمُونُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي هُوَ بِسَبِيلِهِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لَهُ (2)فَعِنْدَ
ذَلِكَ تَكُونُ النَّدَامَةُ مِنْهُ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَانَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ ابْنُ عَمِّكَ يَنْتَظِرُكَ وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فَمَارَأْيُكَ فِي إِتْيَانِهِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع تَقَدَّمْنِي فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَى نَاحِيَتِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ ع وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَ شَرِبَ شَرْبَةَ سَوِيقٍ وَ سَقَانَا مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ وَ خَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى الْمَأْمُونِ فَإِذَا الْمَجْلِسُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي جَمَاعَةِ الطَّالِبِيِّينَ وَ الْهَاشِمِيِّينَ
ص: 110
وَ الْقُوَّادُ حُضُورٌ فَلَمَّا دَخَلَ الرِّضَا ع قَامَ الْمَأْمُونُ وَ قَامَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَ جَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ فَمَا زَالُوا وُقُوفاً وَ الرِّضَا ع جَالِسٌ مَعَ الْمَأْمُونِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ (1)
فَجَلَسُوا فَلَمْ يَزَلِ الْمَأْمُونُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ سَاعَةً ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْجَاثَلِيقِ فَقَالَ يَا جَاثَلِيقُ هَذَا ابْنُ عَمِّي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ نَبِيِّنَا وَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَأُحِبُّ أَنْ تُكَلِّمَهُ وَ تُحَاجَّهُ وَ تُنْصِفَهُ فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ أُحَاجُّ رَجُلًا يَحْتَجُّ عَلَيَّ بِكِتَابٍ أَنَا مُنْكِرُهُ وَ نَبِيٍّ لَا أُومِنُ بِهِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع يَا نَصْرَانِيُّ فَإِنِ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ بِإِنْجِيلِكَ أَ تُقِرُّ بِهِ قَالَ الْجَاثَلِيقُ وَ هَلْ أَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَا نَطَقَ بِهِ الْإِنْجِيلُ نَعَمْ وَ اللَّهِ أُقِرُّ بِهِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِي فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع- سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ وَ افْهَمِ الْجَوَابَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ مَا تَقُولُ فِي نُبُوَّةِ عِيسَى وَ كِتَابِهِ هَلْ تُنْكِرُ مِنْهُمَا شَيْئاً قَالَ الرِّضَا ع أَنَا مُقِرٌّ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَ كِتَابِهِ وَ مَا بَشَّرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَ أَقَرَّتْ بِهِ الْحَوَارِيُّونَ (2)وَ
كَافِرٌ بِنُبُوَّةِ كُلِّ عِيسَى لَمْ يُقِرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ بِكِتَابِهِ وَ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ أُمَّتَهُ قَالَ الْجَاثَلِيقُ أَ لَيْسَ إِنَّمَا تُقْطَعُ الْأَحْكَامُبِشَاهِدَيْ عَدْلٍ قَالَ بَلَى قَالَ فَأَقِمْ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ لَا تُنْكِرُهُ النَّصْرَانِيَّةُ وَ سَلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا قَالَ الرِّضَا ع الْآنَ جِئْتَ بِالنَّصَفَةِ يَا نَصْرَانِيُّ أَ لَا تَقْبَلُ مِنِّي الْعَدْلَ الْمُقَدَّمَ عِنْدَ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ مَنْ هَذَا
ص: 111
الْعَدْلُ سَمِّهِ لِي قَالَ مَا تَقُولُ فِي يُوحَنَّا الدَّيْلَمِيِّ قَالَ بَخْ بَخْ ذَكَرْتَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى الْمَسِيحِ قَالَ ع فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ هَلْ نَطَقَ الْإِنْجِيلُ أَنَّ يُوحَنَّا قَالَ إِنَّ الْمَسِيحَ أَخْبَرَنِي بِدِينِ مُحَمَّدٍ الْعَرَبِيِّ وَ بَشَّرَنِي بِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ فَبَشَّرْتُ بِهِ الْحَوَارِيِّينَ فَآمَنُوا بِهِ قَالَ الْجَاثَلِيقُ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ يُوحَنَّا عَنِ الْمَسِيحِ وَ بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ وَ بِأَهْلِ بَيْتِهِ وَ وَصِيِّهِ وَ لَمْ يُلَخِّصْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ وَ لَمْ يُسَمِّ لَنَا الْقَوْمَ فَنَعْرِفَهُمْ قَالَ الرِّضَا ع فَإِنْ جِئْنَاكَ بِمَنْ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ فَتَلَا عَلَيْكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ أَ تُؤْمِنُ بِهِ قَالَ شَدِيداً (1) قَالَ الرِّضَا ع لِنِسْطَاسَ الرُّومِيِّ كَيْفَ حِفْظُكَ لِلسِّفْرِ الثَّالِثِ مِنَ الْإِنْجِيلِ قَالَ مَا أَحْفَظَنِي لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالَ أَ لَسْتَ تَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ قَالَ بَلَى لَعَمْرِي قَالَ فَخُذْ عَلَى السِّفْرِ الثَّالِثِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ فَاشْهَدُوا لِي وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُهُ فَلَا تَشْهَدُوا لِي ثُمَّ قَرَأَ ع السِّفْرَ الثَّالِثَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ذِكْرَ النَّبِيِّ ص وَقَفَ ثُمَّ قَالَ يَا نَصْرَانِيُّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْمَسِيحِ وَ أُمِّهِ أَ تَعْلَمُ أَنِّي عَالِمٌ بِالْإِنْجِيلِ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَلَا عَلَيْنَا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ ثُمَّقَالَ مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ هَذَا قَوْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَإِنْ كَذَّبْتَ مَا يَنْطِقُ بِهِ الْإِنْجِيلُ فَقَدْ كَذَّبْتَ مُوسَى وَ عِيسَى ع وَ مَتَى أَنْكَرْتَ هَذَا الذِّكْرَ وَجَبَ عَلَيْكَ الْقَتْلُ لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ وَ بِنَبِيِّكَ وَ بِكِتَابِكَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ لَا أُنْكِرُ مَا قَدْ بَانَ لِي فِي الْإِنْجِيلِ وَ إِنِّي لَمُقِرٌّ بِهِ
ص: 112
قَالَ الرِّضَا ع اشْهَدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ ثُمَّ قَالَ يَا جَاثَلِيقُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ (1)أَخْبِرْنِي
عَنْ حَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كَمْ كَانَ عِدَّتُهُمْ وَ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِنْجِيلِ كَمْ كَانُوا قَالَ الرِّضَا ع عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ أَمَّا الْحَوَارِيُّونَ فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَ كَانَ أَفْضَلُهُمْ وَ أَعْلَمُهُمْ أَلُوقَا وَ أَمَّا عُلَمَاءُ النَّصَارَى فَكَانُوا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ يُوحَنَّا الْأَكْبَرُ بِأَجٍ (2)
وَ يُوحَنَّا بِقِرْقِيسَا (3)وَيُوحَنَّا الدَّيْلَمِيُّ بِزجار (4)
وَ عِنْدَهُ كَانَ ذِكْرُ النَّبِيِّ ص وَ ذِكْرُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أُمَّتِهِ وَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ أُمَّةَ عِيسَى وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا نَصْرَانِيُّ وَ اللَّهِ إِنَّا لَنُؤْمِنُ بِعِيسَى الَّذِي آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ص وَ مَا نَنْقِمُ عَلَى عِيسَاكُمْ شَيْئاً إِلَّا ضَعْفَهُ وَقِلَّةَ صِيَامِهِ وَ صَلَاتِهِ قَالَ الْجَاثَلِيقُ أَفْسَدْتَ وَ اللَّهِ عِلْمَكَ (5)
وَ ضَعَّفْتَ أَمْرَكَ وَ مَا كُنْتُ ظَنَنْتُ إِلَّا أَنَّكَ أَعْلَمُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ الرِّضَا ع وَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ مِنْ قَوْلِكِ إِنَّ عِيسَى كَانَ ضَعِيفاً
ص: 113
قَلِيلَ الصِّيَامِ قَلِيلَ الصَّلَاةِ وَ مَا أَفْطَرَ عِيسَى يَوْماً قَطُّ وَ لَا نَامَ بِلَيْلٍ قَطُّ وَ مَا زَالَ صَائِمَ الدَّهْرِ قَائِمَ اللَّيْلِ قَالَ الرِّضَا ع فَلِمَنْ كَانَ يَصُومُ وَ يُصَلِّي قَالَ فَخَرِسَ الْجَاثَلِيقُ وَ انْقَطَعَ قَالَ الرِّضَا ع يَا نَصْرَانِيُّ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ سَلْ فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمُهَا أَجَبْتُكَ قَالَ الرِّضَا ع مَا أَنْكَرْتَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ الْجَاثَلِيقُ أَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ أَحْيَا الْمَوْتَى (1) وَ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ فَهُوَ رَبٌّ مُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُعْبَدَ قَالَ الرِّضَا ع فَإِنَّ الْيَسَعَ قَدْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى مَشَى عَلَى الْمَاءِ وَ أَحْيَا الْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ فَلَمْ تَتَّخِذْهُ أُمَّتُهُ رَبّاً وَ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَقَدْ صَنَعَ حِزْقِيلُ النَّبِيُّ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَحْيَا خَمْسَةً وَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ بِسِتِّينَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ أَ تَجِدُ هَؤُلَاءِ فِي شَبَابئِ بَنِي إِسْرَائِيلَ (2)فِي التَّوْرَاةِاخْتَارَهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ غَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إِلَى بَابِلَ فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا كَافِرٌ مِنْكُمْ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ قَدْ سَمِعْنَا بِهِ وَ عَرَفْنَاهُ قَالَ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ يَا يَهُودِيُّ خُذْ عَلَى هَذَا
ص: 114
السِّفْرِ مِنَ التَّوْرَاةِ فَتَلَا ع عَلَيْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ آيَاتٍ فَأَقْبَلَ الْيَهُودِيُّ يَتَرَجَّحُ (1)
لِقِرَاءَتِهِ وَ يَتَعَجَّبُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ فَقَالَ يَا نَصْرَانِيُّ أَ فَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَبْلَ عِيسَى أَمْ عِيسَى كَانَ قَبْلَهُمْ قَالَ بَلْ كَانُوا قَبْلَهُ قَالَ الرِّضَا ع لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ مَوْتَاهُمْ فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى الْجَبَّانَةِ فَنَادِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ يَا فُلَانُ وَ يَا فُلَانُ وَ يَا فُلَانُ يَقُولُ لَكُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قُومُوا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَامُوا يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ تَسْأَلُهُمْ عَنْ أُمُورِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّداً ص قَدْ بُعِثَ نَبِيّاً وَ قَالُوا وَدِدْنَا أَنَّا أَدْرَكْنَاهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وَ لَقَدْ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ الْمَجَانِينَ وَ كَلَّمَهُ الْبَهَائِمُ وَ الطَّيْرُ وَ الْجِنُّ وَ الشَّيَاطِينُ وَ لَمْ نَتَّخِذْهُ رَبّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ نُنْكِرْ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَضْلَهُمْ فَمَتَى اتَّخَذْتُمْ عِيسَى رَبّاً جَازَ لَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْيَسَعَ وَ الْحِزْقِيلَ (2)
لِأَنَّهُمَا قَدْ صَنَعَا مِثْلَ مَا صَنَعَعِيسَى مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَ غَيْرِهِ وَ إِنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَرَبُوا مِنْ بِلَادِهِمْ مِنَ الطَّاعُونِ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَمَدَ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً فَلَمْ يَزَالُوا فِيهَا حَتَّى نَخِرَتْ عِظَامُهُمْ وَ صَارُوا رَمِيماً فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي
ص: 115
إِسْرَائِيلَ فَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَ مِنْ كَثْرَةِ الْعِظَامِ الْبَالِيَةِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ أَ تُحِبُّ أَنْ أُحْيِيَهُمْ لَكَ فَتُنْذِرَهُمْ قَالَ نَعَمْ يَا رَبِّ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ أَنْ نَادِهِمْ فَقَالَ أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَامُوا أَحْيَاءً أَجْمَعُونَ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ خَلِيل الرَّحْمَنِ حِينَ أَخَذَ الطَّيْرَ (1) فَقَطَعَهُنَّ قِطَعاً ثُمَّ وَضَعَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ نَادَاهُنَّ فَأَقْبَلْنَ سَعْياً إِلَيْهِ ثُمَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ أَصْحَابُهُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ صَارُوا مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ فَقَالُوا لَهُ إِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَأَرِنَاهُ كَمَا رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَهُمْ إِنِّي لَمْ أَرَهُ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَاحْتَرَقُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَ بَقِيَ مُوسَى وَحِيداً فَقَالَ يَا رَبِّ إِنِّي اخْتَرْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجِئْتُ بِهِمْ وَ أَرْجِعُ وَحْدِي فَكَيْفَ يُصَدِّقُنِي قَوْمِي بِمَا أُخْبِرُهُمْ بِهِ فَ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ وَ كُلُّ شَيْ ءٍ ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذَا لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ وَ الْفُرْقَانَ قَدْ نَطَقَتْ بِهِ فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَحْيَا الْمَوْتَى وَ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ الْمَجَانِينَيُتَّخَذُ رَبّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاتَّخِذْ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ أَرْبَاباً مَا تَقُولُ يَا يَهُودِيُ (2) قَالَ الْجَاثَلِيقُ الْقَوْلُ قَوْلُكَ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ الْتَفَتَ ع إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالَ يَا يَهُودِيُّ أَقْبِلْ عَلَيَّ أَسْأَلْكَ بِالْعَشْرِ الْآيَاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ
ص: 116
عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوباً نَبَأَ مُحَمَّدٍ وَ أُمَّتِهِ إِذَا جَاءَتِ الْأُمَّةُ الْأَخِيرَةُ أَتْبَاعُ رَاكِبِ الْبَعِيرِ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ جِدّاً جِدّاً تَسْبِيحاً جَدِيداً فِي الْكَنَائِسِ الْجَدَدِ فَلْيَفْزَعْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِمْ وَ إِلَى مَلِكِهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفاً يَنْتَقِمُونَ بِهَا مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَ هَكَذَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ نَعَمْ إِنَّا لَنَجِدُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لِلْجَاثَلِيقِ يَا نَصْرَانِيُّ كَيْفَ عِلْمُكَ بِكِتَابِ شَعْيَا قَالَ أَعْرِفُهُ حَرْفاً حَرْفاً قَالَ لَهُمَا أَ تَعْرِفَانِ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ صُورَةَ رَاكِبِ الْحِمَارِ لَابِساً جَلَابِيبَ النُّورِ وَ رَأَيْتُ رَاكِبَ الْبَعِيرِ ضَوْؤُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الْقَمَرِ فَقَالا قَدْ قَالَ ذَلِكَ شَعْيَا قَالَ الرِّضَا ع يَا نَصْرَانِيُّ هَلْ تَعْرِفُ فِي الْإِنْجِيلِ قَوْلَ عِيسَى إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَ رَبِّي (1) وَ الْبَارِقْلِيطَا جَاءَ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ كَمَا شَهِدْتُ لَهُ وَ هُو الَّذِي يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْ ءٍ وَ هُوَ الَّذِي يُبْدِي فَضَائِحَ الْأُمَمِ وَ هُوَ الَّذِي يَكْسِرُ عَمُودَ الْكُفْرِ فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ مَا ذَكَرْتَ شَيْئاً فِي الْإِنْجِيلِ إِلَّا وَ نَحْنُ مُقِرُّونَ بِهِ قَالَ أَ تَجِدُ هَذَا فِي الْإِنْجِيلِ ثَابِتاً يَا جَاثَلِيقُ قَالَ نَعَمْ قَالَ الرِّضَا ع يَا جَاثَلِيقُ أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِنْجِيلِالْأَوَّلِ حِينَ افْتَقَدْتُمُوهُ عِنْدَ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَ مَنْ وَضَعَ لَكُمْ هَذَا الْإِنْجِيلَ قَالَ لَهُ مَا افْتَقَدْنَا الْإِنْجِيلَ إِلَّا يَوْماً وَاحِداً حَتَّى وَجَدْنَاهُ غَضّاً طَرِيّاً فَأَخْرَجَهُ إِلَيْنَا يُوحَنَّا وَ مَتَّى فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع مَا أَقَلَّ مَعْرِفَتَكَ بِسِرِّ الْإِنْجِيلِ وَ عُلَمَائِهِ (2) فَإِنْ كَانَ هَذَا
ص: 117
كَمَا تَزْعُمُ فَلِمَ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ وَ إِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْإِنْجِيلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمُ الْيَوْمَ فَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَهْدِ الْأَوَّلِ لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ وَ لَكِنِّي مُفِيدُكَ عِلْمَ ذَلِكَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا افْتُقِدَ الْإِنْجِيلُ الْأَوَّلُ اجْتَمَعَتِ النَّصَارَى إِلَى عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُمْ قُتِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَ افْتَقَدْنَا الْإِنْجِيلَ وَ أَنْتُمُ الْعُلَمَاءُ فَمَا عِنْدَكُمْ فَقَالَ لَهُمْ ألوقا وَ مرقابوس إِنَّ الْإِنْجِيلَ فِي صُدُورِنَا وَ نَحْنُ نُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ سِفْراً سِفْراً فِي كُلِّ أَحَدٍ فَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِ وَ لَا تُخْلُوا الْكَنَائِسَ فَإِنَّا سَنَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ أَحَدٍ سِفْراً سِفْراً حَتَّى نَجْمَعَهُ كُلَّهُ فَقَعَدَ ألوقا وَ مرقابوس وَ يُوحَنَّا وَ مَتَّى فَوَضَعُوا لَكُمْ هَذَا الْإِنْجِيلَ بَعْدَ مَا افْتَقَدْتُمُ الْإِنْجِيلَ الْأَوَّلَ وَ إِنَّمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ تَلَامِيذَ التَّلَامِيذِ الْأَوَّلِينَ أَ عَلِمْتَ ذَلِكَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ أَمَّا هَذَا فَلَمْ أَعْلَمْهُ (1)
وَ قَدْ عَلِمْتُهُ الْآنَ وَ قَدْ بَانَ لِي مِنْ فَضْلِ عِلْمِكَ بِالْإِنْجِيلِ وَ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ مِمَّا عَلِمْتُهُ شَهِدَ قَلْبِي أَنَّهَا حَقٌّ فَاسْتَزَدْتُ كَثِيراً مِنَ الْفَهْمِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع فَكَيْفَ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ عِنْدَكَ قَالَ جَائِزَةٌ هَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ الْإِنْجِيلِ وَ كُلُّ مَا شَهِدُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ فَقَالَ الرِّضَا ع لِلْمَأْمُونِ وَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ اشْهَدُوا عَلَيْهِ قَالُوا قَدْ شَهِدْنَا ثُمَّ قَالَ لِلْجَاثَلِيقِ بِحَقِّ الِابْنِ وَ أُمِّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مَتَّى قَالَ إِنَّالْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يَهُودَا بْنِ حضرون (2) وَ قَالَ مرقابوس فِي نِسْبَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ أَحَلَّهَا فِي الْجَسَدِ الْآدَمِيِّ فَصَارَتْ إِنْسَاناً وَ قَالَ ألوقا إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ كَانَا إِنْسَانَيْنِ مِنْ لَحْمٍ وَ دَمٍ فَدَخَلَ فِيهِمَا
ص: 118
رُوحُ الْقُدُسِ ثُمَّ إِنَّكَ تَقُولُ مِنْ شَهَادَةِ عِيسَى عَلَى نَفْسِهِ حَقّاً أَقُولُ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ إِنَّهُ لَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا مَنْ نَزَلَ مِنْهَا إِلَّا رَاكِبَ الْبَعِيرِ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَ يَنْزِلُ فَمَا تَقُولُ فِي هَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْجَاثَلِيقُ هَذَا قَوْلُ عِيسَى لَا نُنْكِرُهُ قَالَ الرِّضَا ع فَمَا تَقُولُ فِي شَهَادَةِ ألوقا وَ مرقابوس وَ مَتَّى عَلَى عِيسَى وَ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ قَالَ الْجَاثَلِيقُ كَذَبُوا عَلَى عِيسَى قَالَ الرِّضَا ع يَا قَوْمِ أَ لَيْسَ قَدْ زَكَّاهُمْ وَ شَهِدَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ الْإِنْجِيلِ وَ قَوْلَهُمْ حَقٌّ فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ يَا عَالِمَ الْمُسْلِمِينَ (1)
أُحِبُّ أَنْ تُعْفِيَنِي مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ قَالَ الرِّضَا ع فَإِنَّا قَدْ فَعَلْنَا سَلْ يَا نَصْرَانِيُّ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ الْجَاثَلِيقُ لِيَسْأَلْكَ غَيْرِي فَلَا وَ حَقِّ الْمَسِيحِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ فَالْتَفَتَ الرِّضَا ع إِلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ تَسْأَلُنِي أَوْ أَسْأَلُكَ فَقَالَ بَلْ أَسْأَلُكَ وَ لَسْتُ أَقْبَلُ مِنْكَ حُجَّةً إِلَّا مِنَ التَّوْرَاةِ أَوْ مِنَ الْإِنْجِيلِ أَوْ مِنْ زَبُورِ دَاوُدَ أَوْ بِمَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى (2) قَالَ الرِّضَا ع لَا تَقْبَلُ مِنِّي حُجَّةً إِلَّا بِمَا تَنْطِقُ بِهِ التَّوْرَاةُ عَلَىلِسَانِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَ الْإِنْجِيلُ عَلَى لِسَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ الزَّبُورُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ مِنْ أَيْنَ تُثْبِتُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ قَالَ الرِّضَا ع شَهِدَ بِنُبُوَّتِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَ دَاوُدُ خَلِيفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ ثَبِّتْ قَوْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ قَالَ الرِّضَا ع هَلْ تَعْلَمُ يَا يَهُودِيُّ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَوْصَى
ص: 119
بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ نَبِيٌّ مِنْ إِخْوَانِكُمْ فَبِهِ فَصَدِّقُوا وَ مِنْهُ فَاسْمَعُوا فَهَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِخْوَةً غَيْرَ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ قَرَابَةَ إِسْرَائِيلَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَ النَّسَبَ الَّذِي بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ هَذَا قَوْلُ مُوسَى لَا نَدْفَعُهُ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ مُحَمَّدٍ قَالَ لَا قَالَ الرِّضَا ع أَ فَلَيْسَ قَدْ صَحَّ هَذَا عِنْدَكُمْ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُصَحِّحَهُ لِي مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع هَلْ تُنْكِرُ أَنَّ التَّوْرَاةَ تَقُولُ لَكُمْ قَدْ جَاءَ النُّورُ مِنْ جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَ أَضَاءَ لَنَا مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ وَ اسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ أَعْرِفُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَ مَا أَعْرِفُ تَفْسِيرَهَا قَالَ الرِّضَا ع أَنَا أُخْبِرُكَ بِهِ أَمَّا قَوْلُهُ جَاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ فَذَلِكَ وَحْيُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَ أَمَّا قَوْلُهُ وَ أَضَاءَ النَّاسُ (1)مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ فَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ هُوَ عَلَيْهِ وَ أَمَّا قَوْلُهُ وَ اسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ فَذَلِكَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا يَوْمٌ وَ قَالَ شَعْيَا النَّبِيُّ فِيمَا تَقُولُ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ فِي التَّوْرَاةِ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ أَضَاءَ لَهُمَاالْأَرْضُ أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَ الْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ فَمَنْ رَاكِبُ الْحِمَارِ وَ مَنْ رَاكِبُ الْجَمَلِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لَا أَعْرِفُهُمَا فَخَبِّرْنِي بِهِمَا قَالَ ع أَمَّا رَاكِبُ الْحِمَارِ فَعِيسَى وَ أَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ فَمُحَمَّدٌ أَ تُنْكِرُ هَذَا مِنَ التَّوْرَاةِ قَالَ لَا مَا أُنْكِرُهُ ثُمَّ قَالَ الرِّضَا ع هَلْ تَعْرِفُ حيقوقَ النَّبِيَّ قَالَ نَعَمْ إِنِّي بِهِ لَعَارِفٌ قَالَ ع فَإِنَّهُ قَالَ وَ كِتَابُكُمْ يَنْطِقُ بِهِ
ص: 120
جَاءَ اللَّهُ بِالْبَيَانِ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ وَ امْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْ تَسْبِيحِ أَحْمَدَ وَ أُمَّتُهُ يَحْمِلُ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ(1)
كَمَا يَحْمِلُ فِي الْبَرِّ يَأْتِينَا بِكِتَابٍ جَدِيدٍ بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ أَ تَعْرِفُ هَذَا وَ تُؤْمِنُ بِهِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ قَدْ قَالَ ذَلِكَ حيقوقُ النَّبِيُّ وَ لَا نُنْكِرُ قَوْلَهُ قَالَ الرِّضَا ع فَقَدْ قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ وَ أَنْتَ تَقْرَؤُهُ اللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ فَهَلْ تَعْرِفُ نَبِيّاً أَقَامَ السُّنَّةَ بَعْدَ الْفَتْرَةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ هَذَا قَوْلُ دَاوُدَ نَعْرِفُهُ وَ لَا نُنْكِرُهُ وَ لَكِنْ عَنَى بِذَلِكَ عِيسَى وَ أَيَّامُهُ هِيَ الْفَتْرَةُ قَالَ لَهُ الرِّضَا ع جَهِلْتَ أَنَّ عِيسَى لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ(2) وَ كَانَ مُوَافِقاً لِسُنَّةِ التَّوْرَاةِ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبٌ أَنَّ ابْنَ الْبَرَّةِ ذَاهِبٌ وَ الْبَارِقْلِيطَا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ يُخَفِّفُ الْآصَارَ وَ يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْ ءٍ وَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ أَنَا جِئْتُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَ هُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ أَ تُؤْمِنُ بِهَذَا فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ نَعَمْ لَاأُنْكِرُهُ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ أَسْأَلُكَ عَنْ نَبِيِّكَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ سَلْ قَالَ ع مَا الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ مُوسَى ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ قَالَ الْيَهُودِيُّ إِنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ قَالَ لَهُ مِثْلَ مَا ذَا قَالَ مِثْلَ فَلْقِ الْبَحْرِ وَ قَلْبِهِ الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى وَ ضَرْبِهِ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ الْعُيُونُ وَ إِخْرَاجِهِ يَدَهُ بَيْضَاءَ لِلنَّاظِرِينَ وَ عَلَامَاتٍ لَا يَقْدِرُ
ص: 121
الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهَا قَالَ لَهُ الرِّضَا ع صَدَقْتَ فِي أَنَّهُ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ إِنَّهُ جَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ أَ فَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ جَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقُهُ قَالَ لَا لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ لِمَكَانِهِ مِنْ رَبِّهِ وَ قُرْبِهِ مِنْهُ وَ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مَنِ ادَّعَاهَا حَتَّى يَأْتِيَ مِنَ الْأَعْلَامِ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ قَالَ الرِّضَا ع فَكَيْفَ أَقْرَرْتُمْ بِالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُوسَى وَ لَمْ يَفْلِقُوا الْبَحْرَ وَ لَمْ يَفْجُرُوا مِنَ الْحَجَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْناً وَ لَمْ يُخْرِجُوا بِأَيْدِيهِمْ مِثْلَ إِخْرَاجِ مُوسَى يَدَهُ بَيْضَاءَ وَ لَمْ يَقْلِبُوا الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ قَدْ خَبَّرْتُكَ أَنَّهُ مَتَى مَا جَاءُوا عَلَى نُبُوَّتِهِمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَ لَوْ جَاءُوا بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ مُوسَى أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ قَالَ قَالَ الرِّضَا ع يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ قَدْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ يُقَالُ إِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَ لَمْ نَشْهَدْهُ قَالَ الرِّضَا ع أَ رَأَيْتَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ شَاهَدْتَهُ أَ لَيْسَ إِنَّمَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ مُوسَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَذَلِكَ أَيْضاً أَتَتْكُمُ الْأَخْبَارُالْمُتَوَاتِرَةُ بِمَا فَعَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَكَيْفَ صَدَّقْتُمْ بِمُوسَى وَ لَمْ تُصَدِّقُوا بِعِيسَى فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ الرِّضَا ع وَ كَذَلِكَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ ص وَ مَا جَاءَ بِهِ وَ أَمْرُ كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتِيماً فَقِيراً رَاعِياً أَجِيراً لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَاباً وَ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلَى مُعَلِّمٍ (1)ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي فِيهِ
ص: 122
قِصَصُ
الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْبَارُهُمْ حَرْفاً حَرْفاً وَ أَخْبَارُ مَنْ مَضَى وَ مَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بْأَسْرَارِهِمْ وَ مَا يَعْمَلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَ جَاءَ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى قَالَ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خَبَرُ عِيسَى وَ لَا خَبَرُ مُحَمَّدٍ وَ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقِرَّ لَهُمَا بِمَا لَمْ يَصِحَّ قَالَ الرِّضَا ع فَالشَّاهِدُ الَّذِي شَهِدَ لِعِيسَى وَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا شَاهِدُ زُورٍ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً ثُمَّ دَعَا بِالْهِرْبِذِ الْأَكْبَرِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا ع أَخْبِرْنِي عَنْ زَرْدَهُشْتَ (1)الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مَا حُجَّتُكَ عَلَى نُبُوَّتِهِ قَالَ إِنَّهُ أَتَى بِمَا لَمْ يَأْتِنَا بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَ لَمْ نَشْهَدْهُ وَ لَكِنَّ الْأَخْبَارَ مِنْ أَسْلَافِنَا وَرَدَتْ عَلَيْنَا بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَنَا مَا لَمْ يُحِلَّهُ غَيْرُهُ فَاتَّبَعْنَاهُ قَالَ أَ فَلَيْسَ إِنَّمَا أَتَتْكُمُ الْأَخْبَارُ فَاتَّبَعْتُمُوهُ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ أَتَتْهُمُ الْأَخْبَارُ بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّونَ وَ أَتَى بِهِ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَمَا عُذْرُكُمْ فِي تَرْكِ الْإِقْرَارِ لَهُمْ إِذْ كُنْتُمْ إِنَّمَا أَقْرَرْتُمْ بِزَرْدْهُشْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِأَنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ فَانْقَطَعَ الْهِرْبِذُ مَكَانَهُ...
ص: 123
إلى حد إلغاء العقوبة والمسؤولية عن الناس؟!
العلامة الشيخ علي الكوراني
من المعروف أن بولس الذي نَصَّر النصارى قد اخترع عقيدة الفداء التي تقول إن الله تعالى أرسل ابنه المسيح(علیه السلام)لكي يقتل ويصلب فيفدي بنفسه البشر، ويتحمل خطاياهم! وأن الشرط الوحيد لشمول الإنسان بشفاعة المسيح هو الإيمان بأنه ابن الله تعالى !
ففي العهد القديم والجديد:3/386: (يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لاتخطئوا وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الأب ، يسوع المسيح البار ، وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً) !
وفي كتاب مقارنة بين الأديان للدكتور الشلبي:2/245: (فادعى شاؤول (بولس) أن السيد المسيح بعد نهايته على الأرض ظهر له وصاح فيه وهو فى طريقه إلى دمشق: لماذا تضطهدني! فخاف شاؤول وصرخ: من أنت يا سيد؟قال: أنا يسوع الذي تضطهده ! قال شاؤول: ماذا تريد أن أفعل؟ قال يسوع: قم وكرز بالمسيحية !ويقول لوقا في ختام هذه القصة جملة ذات بال غيرت وجه التاريخ هي: وللوقت جعل يكرز فى المجامع بالمسيح أنه ابن الله)
ص: 124
(أعمال9: 3-30) .
أما عمر فقد وسع شفاعة نبينا’وعفو الله تعالى حتى شملت كل الناس المطيع منهم والعاصي ! المسلم والمنافق والكافر !
ففي الدر المنثور:6/285: (وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة ؟! فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن أن الله يقول: (ما سلككم في سقر إلى قوله اليقين) قال كعب: فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط ويطعم مسكيناً قط ومن لم يؤمن ببعث قط ، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير! ) انتهى .
ومعناه شمول الشفاعة حتى للكافر الذي لايؤمن بيوم الدين !
وفي مجمع الزوائد:1/16: (عن عمر أن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أمره أن يؤذن في الناس أنه: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً دخل الجنة ، فقال عمر: يا رسول الله إذاً يتكلوا فقال: دعهم . رواه أبو يعلى والبزار إلا أن عمر قال يا رسول الله إذاً يتكلوا ! قال دعهم يتكلوا ).
وفي مجمع الزوائد:1/23: (عن عقبة بن عامر قال: جئت في اثني عشر راكباً حتى حللنا برسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فقال أصحابي: من يرعى إبلنا وننطلقفنقتبس من رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فإذا راح اقتبسناه ما سمعنا من رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ؟ فقلت: أنا ، ثم قلت في نفسي: لعلي مغبون ، يسمع أصحابي ما لا أسمع من نبي الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، فحضرت يوماً فسمعت رجلاً قال: قال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ : من
ص: 125
توضأ وضوء كاملاً ثم قام إلى صلاة كان من خطيئته كيوم ولدته أمه ، فتعجبت من ذلك، فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشد عجباً! فقلت: أردد عليَّ جعلني الله فداءك ، فقال عمر بن الخطاب: إن نبي الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ قال: من مات لايشرك بالله شيئاً فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ، ولها ثمانية أبواب !
فخرج علينا رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فجلست مستقبله فصرف وجهه عني ، فقمت فاستقبلته ففعل ذلك ثلاث مرات ، فلما كانت الرابعة قلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لم تصرف وجهك عني؟! فأقبل عليَّ فقال: أواحدٌ أحب إليك أم اثنا عشر ؟ مرتين أو ثلاثاً ! فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي) !
وفي مجمع الزوائد:1/22: (عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: جئت ورسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ قاعد في أناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب وأدركت آخر الحديث ورسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يقول: من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار ! فقلت بيدي هكذا يحرك بيده إن هذا حديث جيد ، فقال عمر بن الخطاب: لما فاتك من صدر الحديث أجود وأجود ! قلت يا ابن الخطاب فهات ، فقال عمر بن الخطاب: حدثنا رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أنه من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) !!وفي مجمع الزوائد:1/32و49: (عن عمر بن الخطاب أنه سمع النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يقول: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر ، قيل له أدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت . رواه أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وقد وثق)
ص: 126
. انتهى.
ومعنى هذه الأحاديث عن عمر: أن مجرد شهادة لا إله إلا الله تكفي لدخول الجنة ، ولو بدون الإيمان بأحد من الأنبياء(علیهم السلام)، وبدون عمل صالح !!
الأسئلة
1 - هل تقبلون هذه الأحاديث عن عمر ، ويوجد مثلها عن غير عمر ؟
2 - هل يكون عمر هو المقصود بقول النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ الذي رواه معاذ بن جبل قال قال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ : مابعث الله نبياً قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته . ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً ). (مجمع الزوائد:7 /203 )
3 - إذا لم يكن عمر مؤسس مذهب المرجئة وإمامهم ، فمن هو مؤسسها؟
4 - ما رأيكم فيما رواه البخاري:8/139: (عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ! قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى . انتهى.
( ورواه الحاكم:1/55 بلفظ آخر وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).
فالذين عصوا الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ من أمته مستثنوْن ولايدخلون الجنة ، فكيف
ص: 127
يدخلها من شهد بالتوحيد فقط ولم يشهد بغيره ؟!
ماذا يراد من التفويض؟
اتّفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له، والتفويض يتصور في أمرين:
1. تفويض اللَّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء، ويسمّى بالتفويض التكويني.
2. تفويض الشؤون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع، والمغفرة والشفاعة ممّا يعد من شؤونه سبحانه، ويسمّى بالتفويض التشريعي.
* أمّا القسم الأوّل
فلا شك أنّه موجب للشرك، فلو اعتقد أحد بأنّ اللَّه فوض أُمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والإماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحيعباده، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه، إذ لا يعني من التفويض، إلّا كونهم مستقلين في أفعالهم، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما
يريدون.
وبالجملة: فتفويض التدبير إلى العباد قسم من استقلال العبد في فعله وعمله عمّن سواه، سواء أكان ذاك الاستقلال في الأفعال الراجعة إلى نفسه كمشيه وتكلّمه، أم في الأفعال
ص: 128
الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه، غير أنّه لما كان زعم الاستقلال في أفعال الإنسان العادية بحثاً فلسفياً بحتاً لم يتوجه إليه مشركو الجاهلية، لذلك خصوا البحث بالاعتقاد باستقلالهم في تدبير العالم.
وإن أصبح الأوّل أيضاً مثار بحث ونقاش في العهود الإسلامية الأُولى، بحيث قسّم الباحثين إلى جبري وتفويضي.
والخلاصة: أنّ الأمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن اللَّه سبحانه، أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته، وليس التفويض أمراً ثالثاً، بل هو داخل في القسم الأوّل.
وأمّا الاعتقاد بأنّ القدّيسين من الملائكة والجن، أو النبي والولي مدبّرون للعالم بإذنه ومشيئته، وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلين فيما يفعلون، أو مفوّضين فيما يصدرون فلا يكون ذاك موجباً للشرك، بل أمره دائر- حينئذ- بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع كما في الملائكة، أو غلطاً مخالفاً للواقع كما في النبي والولي، فإنّ الأنبياء والأولياء غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب، بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النظم، ومعلوم أنّه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل، وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس، وقد مرّ أنّ عمرو بن لحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الأصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له:
ص: 129
هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا(1). وقد كان ثمة فريق من الحكماء يعتقدون بأنّ لكل نوع من الأنواع «رب نوع» فوض إليه تدبير نوعه، وسلمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن اللَّه ومن فعله تعالى، كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة والكواكب- سياراتها وثوابتها- إنّما كانوا يعبدونها، لأنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوّض إليها- كما في زعمهم- وإنّ اللَّه عزل عن مقام التدبير عزلًا تامّاً، فهي مالكة التدبير دون اللَّه، وبيدها هي دونه ناصية التصرّف، ولهذا كان يعتبر أيُّ خضوع يجسد هذا الإحساس عبادة، وسيوافيك عقائد العرب الجاهليين حول معبوداتهم.
* القسم الثاني من التفويض
إذا اعتقدنا بأنّ اللَّه سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شؤونه كالتقنين والتشريع، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع اللَّه، وجعلناه نداً له سبحانه، كما يقول القرآن الكريم:«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ»(2). ولا ريب أنّ الموجود لا يقدر أن يكون نداً للَّه سبحانه، إلّا إذا كان قائماً بفعل أو شأن من أفعال اللَّه وشؤونه سبحانه «مستقلًا» لا ما إذا قام به بإذن اللَّه وأمره، إذ لا يكون عند ذاك نداً للَّه، بل يكون عبداً مطيعاً له، مؤتمراً بأمره، منفذاً لمشيئته تعالى، هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنّ اللَّه فوّض حق التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْوَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ»(3). وانّ اللَّه فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة باللَّه إلى أصنامهم ومعبوداتهم، وأنّ هذه الأصنام والمعبودات مستقلّة في التصرّف في هذه الشؤون ولأجل ذلك كانوا يعبدونها، لأجل أنّها شفعاؤهم عند اللَّه،
ص: 130
وبأيديها أمر الشفاعة كما يقول سبحانه: «وَيعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ»(1). ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلّا بإذن اللَّه، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن اللَّه لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين، أيُّ مبرر، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الأصنام، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم، لا أنَّها خالقة لهم أو مدبّرة للكون، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى اللَّه، إذ قالوا:«مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى»(2).
* الشيعة الإمامية وعقيدة التفويض
لقد شدد علماء الشيعة الإمامية- اقتداءً بأئمتهم- النكير على كل من يقول بالتفويض، وعدّوا قائله مشركاً وخارجاً عن ربقة الموحّدين المسلمين.
فها هو العلّامة المجلسي قد عقد- في موسوعته المسمّاة ب «بحار الأنوار»- باباً خاصاً أسماه «باب نفي الغلو في النبي والأئمّة وبيان معاني التفويض» سرد فيه مجموعة كبيرة من أحاديث أهل البيت عليهم السلام التي استنكروا فيها قول من يعتقد بالتفويض في شأنهم، أو في شأن أحد من عباد اللَّه، كما سرد بعض أقوال علماء الشيعة كالصدوق والمفيد رحمهما اللَّه.وإليك بعض الأحاديث أوّلًا:
1. في عيون أخبار الرضا، قال الراوي: سألت الرضا (الإمام علي بن موسى) عليه السلام عن التفويض؟ فقال:
ص: 131
«الغلاة كفّار، والمفوّضة مشركون، من جالسهم، أو واكلهم، أو شاربهم، أو واصلهم، أو زوّجهم، أو تزوّج منهم، أو أمنهم، أو ائتمنهم على شي ء، أو صدّق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة، خرج من ولاية اللَّه عزّ وجل وولاية الرسول، وولايتنا أهل البيت»(1).
2. في عيون أخبار الرضا، قال الإمام عليه السلام:
«من زعم أنّ اللَّه فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالتفويض مشرك».
وهناك أحاديث أُخرى صريحة وقاطعة ذكرها، ونقلها المجلسي في البحار، فمن شاء التوسع فليراجع الجزء 25 من الصفحة 261 إلى الصفحة 350.
ثم إنّ العلّامة المجلسي ذكر ما قاله عالمان كبيران من قدامى علماء الإمامية وأعلامهم حول التفويض، وها نحن نذكر ما قالاه- هنا-:
قال الشيخ الصدوق- رحمه اللَّه- في كتابه: الاعتقادات:
اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفار باللَّه- جل جلاله- وانّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس، والقدرية والحرورية، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة، وانّه ما صغَّر اللَّه جلّ جلاله تصغيرهم شي ء، وقال اللّه تعالى: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»(2).
وقال عزّ وجل:
ص: 132
«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»(1). ثم أضاف الشيخ الصدوق قائلًا: «وكان الرضا (علي بن موسى) عليه السلام يقول في دعائه: «اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوّة، فلا حول ولا قوّة إلّا بك. اللّهم إنّي أبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق. اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللّهم لك الخلق ومنك الأمر وإيّاك نعبد وإياك نستعين اللّهمّ أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين اللّهم لا تليق الربوبية إلّا بك، ولا تصلح الإلهية إلّا لك، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك، والعن المضاهئين لقولهم من بريتك، اللّهمّ انّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنَّ إلينا الخلق وعلينا [أو إلينا] الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى، اللّهم انّا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون ولا تدع منهم على الأرض دياراً، إنّك إن تذرهم يضلُّوا عبادك ولا يلدوا إلّا فاجراً كفارا».
وروي عن زرارة إنّه قال: قلت للصادق [جعفر بن محمد] عليه السلام: إنّ رجلًا يقول بالتفويض، قال: «وما التفويض؟» قلت:
يقول: إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً صلوات اللَّه عليهما ففوّض [ثم فوض] الأمرإليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا!! فقال عليه السلام: «كذب عدو اللَّه، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد: «أَمْ جَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاءَخَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَي ءٍ وَهُوَ الواحِدُ القهار»(2). يقول زرارة: فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بكل شي ء فكأنّه أُلقم حجراً(3).
ص: 133
وقال الشيخ المفيد- رحمه اللَّه- في كتابه «تصحيح الاعتقاد» في شرح كلام الصدوق المتقدم: الغلو في اللغة هو تجاوز الحد والخروج عن القصد، قال اللَّه تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»(1)، فمنع عن تجاوز الحد في المسيح وحذر من الخروج من القصد في القول، وجعل ما ادّعته النصارى غلواً لتعدّيه الحق على ما بيّنّاه، والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين [علياً] والأئمّة من ذريته إلى الإلهية والنبوة ووصفوهم بالفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا من القصد، وهم ضلّال كفّار، حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمّة عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام.
والمفوّضة صنف من الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة: اعترافهم بحدوث الأئمّة، وخلقهم، ونفي القدم عنهم، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم ودعواهم أنّ اللَّه تعالى تفرّد بخلقهم خاصة، وانّه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال».
ثم قال الشيخ المفيد رحمه اللَّه: ويكفي في علامة الغلو نفي القائل به عن الأئمّة: سمات الحدوث، وحكمه لهم بالإلهية والقدم، إذ قالوا بما يقتضي ذلك من خلق أعيان الأجسام واختراع الجواهر(2). ثم إنّ المجلسي- رحمه اللَّه- نفسه قال في شرح معاني التفويض ما نصه: وأمّا التفويض فيطلق على معان بعضها منفي وبعضها مثبت:
فالأوّل: التفويض في الخلق والرزق والتربية، والإماتة والإحياء، فإنّ قوماً قالوا: إنّ اللَّه تعالى خلقهم [أي الأئمّة] وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون.
وهذا الكلام يحتمل وجهين:
ص: 134
أحدهما: أن يقال: أنّهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم، وهم الفاعلون حقيقة، وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية، ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.
وثانيهما: انّ اللَّه يفعل ذلك [الخلق والرزق إلى آخره] مقارناً لإرادتهم كشق القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات، فإنّ جميع ذلك إنّما يحصل بقدرته تعالى مقارناً لإرادتهم لظهور [أي لأجل إثبات وإظهار] صدقهم، فلا يأبى العقل عن أن يكون اللَّه خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم ثمّ خلق كلّ شي ء مقارناً لإرادتهم ومشيئتهم.
ثم قال: وهذا الوجه وإن كان العقل لا يعارضه كفاحاً، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به في ما عدا المعجزات ظاهراً، بل صراحة، مع أنّ القول به قول بما لا يعلم، إذ لم يرو ذلك في الأخبار المعتبرة في ما نعلم(1). ثم قال في معرض تفسيره لقول اللَّه «قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْ ءٍ»(2): يدل هذا على عدم جواز نسبة الخلق إلى الأنبياء والأئمّة، وكذا قوله: «هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْ ءٍ»(3)
فإنّه يدل على عدم جواز نسبة الخلق، والرزق والإماتة والإحياء إلى غيره سبحانه وإنّه شرك.
ص: 135
ثم قال ودلالة تلك الآيات على نفي الغلو والتفويض بالمعاني المذكورةظاهرة، والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصى، إذ جميع آيات الخلق ودلائل التوحيد و الآيات الواردة في كفر النصارى وبطلان مذهبهم دالة عليهم (أي على المفوضة)(1).(2)
ص: 136