مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 19

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

الامام الباقر (علیه السلام):{بليّة الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}

من لايحضره الفقيه 4/405

بحار الانوار 46/288

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة السادسة: العدد التاسع عشر1392 هجري-ة شمسية1435 هجري-ة قمري-ة

مدير المجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت

ص: 1

الفهرس

كلمةالتحرير...3

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...4

المعاد اية الله السيد جعفر سيدان الخراساني...11

اقوالهم في شفاعات عمر المخترعة العلامة الشيخ علي الكوراني...21

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...33

موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...42

الفائزون حجة الاسلام والمسلمين هاشم الكاظمي...47

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...58

وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...65

الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...77

دعوة الاسلام الی السلام...82

اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي...86

هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني...91

ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...96

بحث فقهي حول حرمة الموسيقی اية الله الاشكوري...98

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...107

مواقف حاسمة للامام السجاد(علیه السلام) اية الله الجلالي...112

من الروايات المكذوبة رواية سوادة بن قيس...120

الحسن البصري في التراث الشيعي عبدالله محمدي أمجد...127

ص: 2

كلمة التحرير

اللّه اكبر

الله اكبر من ان يوصف الله اكبر من ان يتوهم وسبحان الله وتنزيها له من كل شريك ومثيل ومسانخ وسبحان الله من ان يكون له ولد وو...ومع كل هذه التأكيدات في النصوص الدينية التي يجب ذكرها والتعبد بها ليل نهار،كيف يجرأ من يدعي الاسلام ويدعي الايمان بالقران والعترة المطهرة ان يتفوه خلاف ذلك مما تقشعر منه الجلود وتشمئز منه النفس فسبحان الله عما يصفون وتعالی عما يقولون .

اليس جرأةً علی الله الاحد***قول ملا صدرا وابن عرب

والله اكبر في العبادات والمعاملات والاعتقادات والسياسيات وفي كل مجالات الحياة وعليه فدين الله هو محور حياة المؤمن لا غير من مطامع الحياة وزخارفها ، وهنالك البعض يقدم رضا المخلوق علی رضا الخالق وهو يدعي الاعتقاد بلا حول ولا قوة الا بالله .

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس

العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاععن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 3

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني(رحمه الله)

في تفسير قوله تعالى :{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} (1)

في غاية المرام : الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص ، عن محمد بن الحسن بن أحمد - يعني ابن الوليد - عن أحمد بن إدريس ، عن محمد بن أحمد ، عن محمد بن إسماعيل العلوي ، قال : حدثني محمد بن الزبرقان الدامغاني الشيخ ، قال : قال أبو الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) ، قال : اجتمعت الأمة برها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلى المباهلة ، لم يكن في الكساء إلا النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام ، فقال الله تبارك وتعالى:{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكمونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} فكان تأويل أبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة ، وأنفسنا علي بن أبي طالب سلام الله عليهم.(2)

وقد روى العامة بأسانيد صحيحة أن معاوية بن أبي سفيان ، قال لسعد : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ، فقال : لما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فلن أسبه ، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم.

ص: 4


1- آل عمران : 61
2- الاختصاص : 56 . غاية المرام : 304

سمعت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول حين خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي (علیه السلام) : يا رسول الله ، خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ؟ " .

وسمعته يقول يوم خيبر : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليا ،فأتي به أرمد العين ، فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ففتح الله على يده .

ولما نزلت هذه الآية : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ) دعا رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياوفاطمةوحسنا وحسينا ، وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي .(1)

أقول : انحصار أصحاب الكساء في الخمسة الطيبة سلام الله عليهم مما اجتمعت عليه الأمة ، ولم يختلف فيه أحد منهم ، كما نبه عليه مولانا الكاظم (علیه السلام) ، وتواترت فيه روايات الفريقين ،(2) ولا ينافي ذلك التعبير بصيغة الجمع في كل من الفقرات ، مع عدم تعدد النساء والأنفس ، لأن التعبير عن الواحد بصيغة الجمع في مقام التعظيم شائع ، مع أن التعبير بصيغة الجمع في المقام إنما هو لتبيين أن كلا من المتباهلين ينبغي أن يدعو خواص أهل بيته من هذه الأصناف الثلاثة في مقام المباهلة ، سواء تعدد أفراد كل صنف أم لا فإحضاره (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من البنين سيدي شباب أهل الجنة : الحسن والحسين عليهما

ص: 5


1- غاية المرام ص 302 نقلا عن الفصول المهمة عن صحيح مسلم وسنن الترمذي .
2- راجع غاية المرام ص 257 - 300

السلام ، ومن النساء الصديقة الطاهرة عليها السلام ، ومن الأنفس مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) ، يكشف عن أنهم أخص أهل بيته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ولم يكن فيهم من يدانيهم في الفضل ، حتى يدعوه معهم ، فالآية الكريمة دلت على أن الذين اختارهم الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للمباهلة مع النصارى بأمر الله عز وجل ، وجعلهم تحت الكساء كانوا أحب الخلق وأقربهم إلى الله تعالى ، وإلى الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، كما أنها دلت على أن مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) من بينهمأخص وأقرب ، حيث نزله تعالى شأنه منزلة نفس النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، إذ لا مجال لدخوله (علیه السلام) في غير أنفسنا .(1)

ولا ينافي ذلك تأخيره في الذكر عن " أبناءنا ونساءنا " لأن الترقي إنما هو من الخاص إلى الأخص ، ومن العالي إلى الأعلى ، مع أنه لو قدم لتوهم كونه تأكيدا للضمير ، فيفوت المقصود حينئذ .

وكيف كان ، فقد اتضح لك أن الآية الكريمة تدل على أن منزلة مولانا أمير

ص: 6


1- كما أنه لا مجال لتأويل أنفسنا بغير مولانا أمير المؤمنين ، إذ الذين دعاهم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للمباهلة باتفاق الأمة لم يكونوا إلا مولانا أمير المؤمنين ، وفاطمة الزهراء ، والحسن ، والحسين عليهم السلام وتأويله بنفس الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لا يجوز من وجوه : الأول : أنه يلزم أن لا يكون حينئذ ذكر عن مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) مع دخوله (علیه السلام) في المدعوين للمباهلة باتفاق الأمة . والثاني : أنه يلزم اتحاد الداعي والمدعو ، وبطلانه واضح . والثالث : أنه يلزم زيادة قوله تعالى :{وأنفسنا وأنفسكم} وعدم الحاجة إليه ، لدخوله في قوله تعالى {قل تعالوا ندع} . منه ( قدس سره )

المؤمنين من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) منزلة نفسه منه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ويدل على ذلك أيضا ما رواه العامة والخاصة من أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال لبني وليعة : لتنتهين يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي ، يقتل مقاتليكم ، ويسبي ذراريكم ، وإنما عنى عليا(علیه السلام) .

في غاية المرام : قال ابن أبي الحديد : الخبر المشهور عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه قال لبني وليعة : لتنتهين يا بني وليعة ، أو لأبعثن إليكم رجلا عديل نفسي ، يقتل مقاتليكم ، ويسبي ذراريكم ، قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا ، فأخذ علي (علیه السلام) .(1)

ويدل عليه أيضا ما رواه في غاية المرام ، عن موفق بن أحمد بإسناده ،عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : ما من نبيّ إلا وله نظير في أمته ، وعليّ نظيري.(2)

وعن أحمد بن حنبل في مسنده ، قال : أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي ، يرفعه إلى سعد بن حذيفة ، عن أبيه حذيفة بن اليمان ، قال : آخى رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بين المهاجرين والأنصار ، وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، فقال : هذا أخي ، قال حذيفة : فرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، ورسول رب العالمين ،الذي

ص: 7


1- غاية المرام ص 455 . ولعل الصحيح : فأخذ بيد عليّ (علیه السلام) .
2- غاية المرام ص 455 . مناقب الخوارزمي ص 85

ليس له شبه ونظير . وعلي (علیه السلام) أخوه.(1)وإذا اتضح لك أن منزلته من الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) منزلة نفسه منه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اتضح لك اختصاص الخلافة والإمامة به ، ضرورة أن خلافة شخص عن شخص آخر عبارة عن تنزيله منزلته ، وقيامه مقامه ، وصيرورته بمنزلة نفسه ، ولا حقيقة للخلافة إلا ذلك.

فبعد ثبوت هذه المنزلة لمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) من رسول الله بنص الآية الكريمة ، لا يعقل(2) سلب الخلافة عنه ، ويكون السلب في حكم المناقضة بل عينها ، ويكون التصريح بالخلافة تأكيدا وإرشادا إلى ثبوت هذه المنزلة.

وأيضا خلافة شخص عن الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من جهة رسالته وولايته المستتبعة لافتراض طاعته على الناس ، ووجوب البيعة معه فرع اتصافه بصفات الأصل الموجبة لاستحقاقه الخلافة ، وصيرورته أهلا لها ، بحيث لا يكون جعلها له للشئ في غير محله ، والاتصاف بصفات الأصل له مراتب متدرجة ، ودرجات متصاعدة ، وأقوى المراتب وأكمل الدرجات،بحيث لا يتصور فوقها مرتبة،

ص: 8


1- غاية المرام ص 455 .
2- إذ تنزيله منزلة نفسه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إطلاقا لا يجتمع مع عدم خلافته (علیه السلام) عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لأنها من أحد وجوه التنزيل ، بل أظهرها وأجلاها ، بحيث لو نزل منزلة الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لا في مقام الولاية والإمامة التي هي عمدة شؤونه لا يصح التعبير عنه (علیه السلام) بأنه نفس الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قطعا منه قدس سره.

هو درجة بلوغه مرتبة يصح معها أن يقال إنه نفس الأصل على وجه الاطلاق ، من دون تقييد بصفة خاصة ، فمن له هذه المنزلة يستحق الخلافة عن الأصل قطعا ، ولا يعقل العدول عنه إلى من لم يكن كذلك ، مع وجوده بالضرورة .وأيضا بعد ما تبين لك أن الآية الكريمة تدل على أن أصحاب الكساءأقرب الخلق ، وأحبهم إلى الله تعالى ، تبين لك أنه لا يعقل صرف الخلافة عنهم إلى غيرهم ، ضرورة استحالة أن يكون الأبعد مولى للأقرب ، فتبين أن الآية الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة بمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) وجوه متعددة ، والفرق بين الوجوه ظاهر للمتأمل .

فإن قلت : دلالة قوله عز من قائل : ( وأنفسنا ) على خلافته وإمامته (علیه السلام) مسلمة ، ولكن لا دلالة له على اختصاص الإمامة به (علیه السلام) إذلا ينافي ذلك مع تنزيل شخص آخر بمنزلة نفسه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أيضا، فلا مانع من ثبوت الخلافة للخلفاء الثلاثة حينئذ .

قلت : ثبوت الخلافة له (علیه السلام) بنص الآية الكريمة مانع عن ثبوت الخلافة لغيره بالبيعة واتفاق أهل الحل والعقد من الناس ، إذ لا مجال للبيعة والاتفاق مع وجود النص بالضرورة ، واتفاق الأمة وخلافة الخلفاء الثلاثة عند القائلين بها ، لا تكون بالنص ، بل خلافة الأول بالبيعة ، وخلافة الثاني بنصبه الأول ،وخلافة الثالث بحكم الشورى التي جعلها الثاني بزعمهم .وأيضا لو كانت منزلتهم من الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) منزلة نفسه منه (صَلَّىاَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لأدخلهم تحت الكساء للمباهلة ، لأن الله تعالى أمر نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بدعوة من كان كذلك للمباهلة ، فعدم

ص: 9

دعوته إياهم للمباهلة كاشف عن عدم ثبوت هذه المنزلة لهم .

ص: 10

المعاد آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني

العدد الاخير

آية الله السيد جعفر سيدان الخراساني احد الشخصيات العلمية في مشهد المقدسة وقد تصدی في محاضراته ومواقفه وما طبع له من كتب متعددة مواجهة المد الفلسفي الذي بلغ ذروته في الآونة الاخيرة وعقائد الفلاسفة الباطلة فرد القول بوحدة الوجود بكل وجوهها وفند القواعد الفلسفية الاخری معتمدا في ذلك علی العقل والوحي - مدير المجلة .

مباني ملاصدرا الاحدى عشر

لقد عُلم من خلال البحوث الماضية مخالفة نظريات ملاصدرا حول المعاد لما نطق به الشرع المقدس وانها نظريات باطلة ومردودة.

طبعا نظريات ملاصدرا تبتني على احد عشر اصلا كلها محل شك وترديد واختلاف فكثير من علماء المعقول والمنقول اشكلوا عليها وانتقدوا تلك المباني التي تبناها ملاصدرا حتى ان ابن سينا نسب الجهل لمن يقول ببعض تلك الاصول والمباني.

وعناوين هذه الاصول كالتالي:

1- القول باصالة الوجود وان الوجود في كل شي ء هو الاصل في الموجودية والماهية تبع له.2- ان تشخص كل شي ء وما يتميز به هو عين وجوده الخاص.

ص: 11

3- ان طبيعة الوجود قابلة للشدة والضعف بنفس ذاتها البسيطة التي لا تركيب فيها.

4- الحركة الجوهرية للوجود فالوجود يقبل الحركة الاشتدادية والجوهر في وجوده الجوهري يقبل الاستحالة الذاتية.

5- ان هوية الشي ء بالصورة لا بالمادة فكل شي ء بصورته هو هو لا بمادته فالسرير سرير بصورة لا بمادته.

6- الوحدة الشخصية لكل وجود ليست على نسق واحد وان كان وحدتها بالوجود.

7- هوية البدن وتشخصه انما يكون بنفس البدن لا بمادته وجسده.

8- القوة الخيالية مجردة عن عالم الطبيعة واقعة في عالم جوهري متوسط بين العالمين (عالم المادة وعالم المجردات).

9- ان الصور الخيالية والادراكية ليست حالة في النفس وانما هي قائمة بالنفس قيام الفعل بالفاعل.

10- ان الصور المقدارية والاشكال والهيئات الجرمية كما تحصل من الفاعل بمشاركة المادة القابلة كذلك قد تحصل من الجهات الفاعلية من غير مشاركة المادة القابلة.11- ان عوالم الموجودات مع كثرتها التي لا تحصى منحصرة في ثلاثة عوالم وهي كتالي:

الف: عالم الصور الطبيعية الكائنة الفاسدة.

ص: 12

ب: عالم الصور الادراكية الحسية المجردة عن المادة.

ج :عالم الصور العقلية والمثل الالهية.

وحسب الترتيب المذكور فان عالم الصور الطبيعية من ادنى العوالم ويكون عالم الصور الادراكية متوسطا بين العالم الادنى والعالم الاعلى والذي هو عالم الصور العقلية.

وهذه المباني والاصول لملاصدرا ذكرها في كتاب الاسفار في موارد مختلفة مع شرط مبسوط الاّ انه ذكرها باختصار في باب المعاد الجسماني فقال:

(الباب الحادي عشر في المعاد الجسماني وما يرتبط به من احوال الاخرة ومقاماتها وفيه فصول فصل في ذكر اصول يحتاج اليها في اثبات هذا المقصد...)(1).اقول: تحقيق ونقد هذه المباني الاحدى عشر يحتاج الى بحث مستقل لكنا هاهنا نختصر الكلام في ثلاثة مطالب حول هذه الاصول والمباني.

المطلب الاول: اكثر هذه الاصول الاحدى عشر مما اختلف فيها العلماء بشدة وبعضها قوبلت بالرد صراحة مثلا نفس مسألة اصالة الوجود فهي من المسائل الّتي وقع الخلاف فيها وبكامل القوة والشدة فكثير من العلماء قالوا باصالة الماهية أو مثلا مسألة الحركة الجوهرية من المسائل الخلافية وبشدة

ص: 13


1- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة، الباب الحادي عشر، الفصل الاوّل، .161/9

وقد ردها ابن سينا ونسب القائل بها الى الحماقة فعلى هذا فهذه المباني والاصول خلافية حتى عند أهل المعقول فلا يمكن اعتبارها اصولا مسلمة ومن الواضح والبديهي لا يمكن الوصول الى القطع واليقين بالاتكاء على امر وأصل خلافي.

المطلب الثاني: انه مع فرض صحة المباني والاصول لا يثبت ايضا كون نظريات ملاصدرا المطروحة كاشفة عن حقيقة المعاد بل غاية ما تدل عليه هو ان تصويره للمعاد بالنظريات التي طرحها ممكن وليس محالا وحيث ان باقي الوجوه في المعاد محتملة وان مسائل المعاد من الامور الغيبية ولابد فيه من الادلة النقلية فلا حتمية في نظرياته حتى يجعل منها اعتقادا.

والشاهد على ذلك (يعني عدم كون نظريات ملاصدرا حتمية ولازمة) ان ملاصدرا كان بصدد الجمع بين الاديان الدالة على المعاد الجسماني وبين الآيات التي بنظره دالة على المعاد الروحاني حيث قال ان الآيات الدالة علىالمعاد الروحاني ترتبط بمجموعة من الناس والآيات الدالة على المعاد الجسماني ترتبط بأناس آخرين، وأقول: مع غض النظر عن كون هذا الجمع بين الادلة جمعا تبرعيا وبلا دليل عليه: من هنا يعلم ان نظرياته المطروحة حول المعاد ليست بالنظريات التي لا تقبل النقاش والاشكال، فلوكانت هذه النظريات مبتنية على الاصول العقلية المسلمة فلابد من صدقها وصحتها في كل مكان وان لا تقبل التخصيص في حين نجد انه يصرح بأن المعاد

ص: 14

الروحاني خاصا لطبقة معينة من الناس ولا يعم الجميع فمن هنا نعلم ان تلك الاصول لا قطع ولا يقين من ورائها بالنسبة لمسائل المعاد.

يرى ملاصدرا ان الآيات التي من قبيل قوله تعالى {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}(1)

دالة على المعاد الروحاني بهذا البيان وهو ان المراد من الفرد هو التجرد، والحال ان المراد من الفرد معلوم و واضح يعنى: يحضر الناس يوم القيامة فردا فردا عند اللَّه جل وعلا، وكذلك يدعي ان قوله تعالى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(2)دالة على المعاد الروحاني ويقول ان الآيات التي من قبيل قوله تعالى:

{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}(3)

{يوم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ}(4){أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ}(5)

{قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}(6)

دالة على المعاد الجسماني.

ص: 15


1- مريم / 95
2- الاعراف/29
3- القمر/ .48
4- التوبة/35
5- القيامة/ 3
6- يس/79 - 78

المطلب الثالث: على فرض صحة ما ادعاه من الاصول والمباني وأنها تعطي تلك النتيجة التي يدعيها، لكن هذه المباني ليست اصولا ضرورية بحيث تنفي ماعداها فلو فرضنا ان هذه الاصول تثبت بعض المطالب لكنها لا تثبت كون المعاد الجسماني محالا ولا تنكر وجود الصراط وتطاير الكتب والميزان التي ورد ذكرها في الآيات والروايات.

ان المستفاد من الآيات والروايات والذي يفهمه الكل وما فهمه الاخرون مثل ابن سينا هو كون المعاد بهذا الجسم العنصري.

وكلام ملاصدرا من عدم كون المعاد بهذا الجسم العنصري مخالف لما استفاده عامة العلماء من الآيات والروايات.

نظرية ملاصدرا حول المعاد الجسماني(اعلم انّ هذه المسئلة بما فيها من احوال القبر والبعث والحشر والنشر والحساب والكتاب والميزان ومواقف العرض والصراط والجنة وطبقاتها وابوابها والنار وابوابها ودركاتها هي ركن عظيم في الايمان واصل كبير في الحكمة والعرفان وهي من اغمض العلوم وألطفها وأشرفها مرتبة وارفعها منزلة واسناها قدرا واعلاها شأنا وادقها سبيلا وأخفاها دليلا إلاّ على ذي بصيرة ثاقبة... لكنهم قصرت افكارهم عن درك منازل المعاد ومواقف الاشهاد لانهم لم يقتبسوا انوار الحكمة من مشكاة نبوة هذا النبيّ الخاتم عليه وعلى آله

ص: 16

الصلاة الكبرى والتقديس الاشرف الاتم الاوفى حتى ان رئيسهم اعترف بالعجز عن اثبات ضرب من المعاد بالدليل العقلي)(1).

يقول ملاصدرا: ان ما ابديناه من نظر حول مسألة المعاد الجسماني رأي مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد لم يصل اليه مشاهير الفضلاء من المتقدمين والمتأخرين واكثر الفلاسفة مع اهتمامهم الشديد حتى ان ابن سينا لم يتمكن من حل مسألة المعاد الجسماني ولذا اعترف بالعجز عن ذلك.

يقول ملاصدرا في مستمر كلامه: ان العلة في ان هؤلاء لم يصلوا الى حقيقة المطلب لانهم لم يقتبسوا الحكمة من انوار الوحي وقال في موضع اخر: انهم لم يفهموا تلك الاصول والمباني التي ذكرناها ولذا لم يتمكنوا منحل مسألة المعاد. ويوضح ملاصدرا مختلف العقائد والمذاهب حول المعاد الجسماني ويعتبر الاعتقاد بكون المعاد بهذا الجسم العنصري من العقائد السخيفة والعامية والبعيدة عن المباني العقلية ثم يعتبر قول من يرى ان من وراء هذا الجسم العنصري جسما لطيفا مستترا وهو الذي سوف يحشر اقرب الى الحق شيئا ما من غيره، ويقول ايضا: ان هذه الفرق التي لم تتمكن من حل مسألة المعاد بالادلة العقلية لانها لم تتعرف على اصولنا الاحدى عشر، ثم تهجم بعبارات شديدة على العلماء الذين يعتقدون ان المعاد يكون بالجسم العنصري، وفي نهاية الامر ذكر مختاره بأن المحشور يوم القيامة هي الروح

ص: 17


1- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة، الباب العاشر، الفصل الحادي عشر، .155/9

والروح تنشأ لنفسها بدنا مثاليا يشبه البدن الدنيوي بالصورة فقط بلا مادة ولا جرم فان ذلك العالم خال من المادة، وحول الكمّلين فيحشرون بلا هذا البدن الصوري والمثالي وذلك لانهم مندكون في الذات الالهية ولا يحتاجون الى هذا البدن المثالي.

وفي كل موضع ذكر ملاصدرا المعاد الجسماني كان مقصوده من ذلك: البدن الصوري المثالي الذي يوجد بانشاء النفس والذي يشبه البدن بالصورة فقط بلا مادة فيه وسمّاه بالجسم والبدن وبهذا الاعتبار هو قائل بالمعاد الجسماني لا انه قائل بهذا الجسم والبدن الدنيوي.

واما ما قاله (ملاصدرا) حول ابن سينا من انه لم يستطع حل مسألة المعاد بالادلة العقلية حيث قال في عبارته المتقدمة (حتى ان رئيسهم اعترف بالعجز عن اثبات ضرب من المعاد بالدليل العقلي) ولذا فانه متعبد بظواهر الشرع،فليس بصحيح لان ابن سينا كان واقفا على تلك المسائل العقلية ولم يكن يرتضيها بل كانت عنده مخدوشة ومن جهة اخرى فان ما استفاده ابن سينا من الادلة النقلية هو المعاد مع البدن الدنيوي وكان بامكانه توجيه تلك الادلة إلّا انه لم يفعل ذلك.

واما دعوى ان مد نظر الشرع الشريف هو المعاد مع البدن المثالي فهذه الدعوى بلا شاهد ولا دليل، وتوجيه ظواهر الادلة (لو لم تكن مخالفة للعقل البيّن) غلط وموجب للفساد في الدين والشريعة وتكون عاقبته أن يفسر كلّ انسان مسائل الدين بما يحلوله ويشتهيه حسب سليقته.

ص: 18

لقد قال ملاصدرا اكثر من مرة: الموت لفلسفة تخالف الشرع وقال ايضا في عبارته السابقة »لكنهم - اي الفلاسفة - قصرت افكارهم... لانهم لم يقتبسوا انوار الحكمة من مشكاة نبوة هذا النبيّ الخاتم...« وكل هذه المطالب مما يقوله جميع العلماء وعلينا أن نرى ان ملاصدرا هل اقتبس فكرةالمعاد الروحاني بالبدن المثالي من الدين؟ وهل ان هذه الفكرة الفلسفية مخالفة للشريعة؟

فالذي يستفاد من الادلة ليس إلاّ المعاد مع البدن الدنيوي لا غير ولا يمكن أن يدعى ان ملا صدرا انه قد استخرج المعاد الروحاني مع البدن المثالي من بطون الآيات والروايات وذلك لانه لا يمكن أن يتنافى باطن القرآن مع ظاهر الادلة مثلا قوله تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ) ظاهر بل نص علىان نفس هذه العظام سوف تجمع ويشكل منها بدن الانسان واذا قيل ان بطن هذه الآية هو ان النفس توجد وتنشأ صورة مثالية لها هي التي يحشر بها الانسان نقول: ان هذا مناف لظاهر بل نص القرآن الكريم ولا يمكن ان يتنافى المعنى الباطني للدليل مع المعنى الظاهر أو الصريح لنفس ذلك الدليل فلا يمكن أن يكون ظاهر الدليل هو حشر الارواح مع البدن الدنيوي والترابي وباطن الدليل هو عدم هذا البدن الترابي والدنيوي فهذان المعنيان لا يجتمعان بل لا يمكن اجتماعهما (لانهما متناقضان) ومن جهة اخرى لا يمكن القول بوجود مراحل للمعاد الجسماني فاما أن يكون المعاد جسمانيا مع البدن الدنيوي واما أن لا يكون مع البدن الدنيوي ولانه لا يوجد ايّ محذور عقلي

ص: 19

في المعاد مع البدن الدنيوي كما انه لا دليل على توجيه وتأويل الادلة على ثبوت المعاد بالبدن الدنيوي فلابد من القول بالمعاد الجسماني مع البدن الدنيوي الترابي العنصري وآخر كلامنا أن الحمد للَّه رب العالمين.

ص: 20

اقوالهم في شفاعات عمر المخترعة العلامة الشيخ علي الكوراني

ما هو موقفك إذا قال لك شخص: اليوم مات فلان المجرم الظالم القاتل ، فتعال لندخله الجنة ! فقلت له كيف؟! فقال: نقف في طريق جنازته ونقول عندما يمرون بها: رحمه الله كان عبداً صالحاً ، فيقبل الله شهادتنا ويصير المجرم من أهل الجنة !!

أو قال لك: اليوم مات فلان المؤمن الزاهد العابد فتعال لندخله النار فنقف في طريق جنازته ونقول عندما تمر: لعنه الله كان رجلاً سيئاً ، فيقبل الله شهادتنا ويصير المؤمن من أهل النار !!لاشك أنك تضحك على عقله وتقول له: إنك تهزأ وتهرطق وتسخر بالله تعالى فتتصور أنه مثلك يهزأ ويلعب ، كما وصف اليهود معبودهم !

لكن منطق اليهود هذا وسخريتهم بأنفسهم وربهم ، تبناه عمر بن الخطاب وروته صحاحهم مع الأسف !

قال البخاري في صحيحه:2/100: (عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيراً فقال عمر : وجبت . ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خيراً ، فقال عمر: وجبت . ثم مر بالثالثة فأثنى على صاحبها شراً ، فقال: وجبت . فقال أبو الأسود فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):

ص: 21

أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ، فقلنا وثلاثة قال: وثلاثة. فقلنا واثنان قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد) !

ورواه البخاري أيضاً في:3/149 والنسائي :4/51 وفيه: ( فقلت وما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال: قلت كما قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أيما مسلم شهد له أربعة قالوا خيراً أدخله الله الجنة . قلنا: أو ثلاثة ؟ قال: أو ثلاثة. قلنا: أو اثنان ؟ قال: أو اثنان) !! (ورواه الترمذي :2/261 . ورواه أحمد:1 /21 و22 و27 و30 و45 و46 ، والبيهقي في سننه: 10/124 ).

وإليكم هذه الرواية التي تدل على أن هذه العقيدة من أخبار الآحاد وأن أصلها وأساسها من عمر الذي تفرد بها من بين الصحابة !قال أحمد في مسنده:1/54: (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عمر بن الوليد الشني عن عبد الله بن بريدة قال: جلس عمر مجلساً كان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يجلسه ، فمر عليه الجنائز ، قال فمروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال: وجبت. ثم مروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال: وجبت . ثم مروا بجنازة فقالوا خيراً فقال: وجبت . ثم مروا بجنازة فقالوا هذا كان أكذب الناس ، فقال: إن أكذب الناس أكذبهم على الله ، ثم الذين يلونهم من كذب على روحه في جسده ، قال قالوا: أرأيت إذا شهد أربعة ؟ قال: وجبت . قالوا: أو ثلاثة ؟ قال: وثلاثة ، قال وجبت . قالوا: واثنين ؟ قال: وجبت ، ولأن أكون قلت واحد أحب إلي من حمر النعم . قال فقيل لعمر: هذا شئ تقوله برأيك أم شئ سمعته من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟ قال: لا ، بل سمعته من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) . انتهى .

فالمجلس هو ذلك المجلس الرسمي الذي كان يجلسه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

ص: 22

لوداع الجنائز، وقد تعجب الصحابة الحاضرون من قول عمر لأن ذلك ينقض عدالة قوانين العقاب والثواب الإلهية ، ولم يسمعوا شبيهه من النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)! وقد تجرأ بعضهم أن يسأل عمر رغم عنفه وسطوته ، فأكد لهم أنه سمع ذلك من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) !!

الأسئلة

1 - ما رأيكم في هذه الفرية العمرية على الله تعالى التي تلغي قانون العقاب والثواب ، وتجعلهما تابعين للمصادفة ، شبيهاً بلعب القمار ؟!

2 - هل تبنون عقيدتكم على خبر الواحد كخبر عمر المذكور وتخصصون به عمومات القرآن وإطلاقاته ، كما فعلتم في خبر أبي بكر: ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث) ، فجعلتم به عترة الأنبياء(علیهم السلام)مُسْتَثْنَوْنَ من قانون الإرث !!

3 - ما هو السبب في تبني عمر لهذه المقولة ونسبته إياها الى النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟

4- هل رأيتم روايات انعدام الحكمة في إرادة الله تعالى وأفعاله وتبعيتها للمصادفة ، إلا في ثقافة اليهود وفي رواياتكم ؟!

ص: 23

المس--ألة: 54

ما قولكم في ادعاء عمر وكعب الأحبار أن كل المسلمين في الجنة ؟!

قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (سورة فاطر: 32) وقد ورد في تفسيرها عن أهل البيت(علیهم السلام)أن المقصود بها عترة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)من أبناء فاطمة(علیهم السلام)، وأن السابقين بالخيرات منهم الأئمة المعصومون ، والمقتصد من يعرف حق الإمام ، والظالم لنفسه من لم يعرف حق الإمام ، وأنهم جميعاً صالحون حتى الظالم لنفسه ما دام ليس ظالماً لغيره .

فوراثة الكتاب في هؤلاء الصالحين ، دون الفاسقين الذين هم قسم رابع غير هذه الثلاثة. وهذا هو المعنى الوحيد المعقول للآية.

روى في الإحتجاج:2/301: ( عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله(علیه السلام)عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ؟ قال: أي شئ تقول ؟ قلت: إني أقول إنها خاصة لولد فاطمة . فقال(علیه السلام): أما من سلَّ سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة وغيرهم فليس بداخل في الآية ، قلت: من يدخل فيها ؟ قال: الظالم لنفسه الذي لايدعو الناس إلى ضلال ولا هدى ، والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق الإمام ، والسابق بالخيرات هو الإمام).

وقال المجلسي (قدس سره)في البحار:23/218: (روى السيد ابنطاووس في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن العباس بن مروان قال: حدثنا علي

ص: 24

بن عبد الله بن أسد ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عثمان بن سعيد ، عن إسحاق بن يزيد الفراء ، عن غالب الهمداني ، عن أبي إسحاق السبيعي قال: خرجت حاجاً فلقيت محمد بن علي فسألته عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ..الآية؟ فقال: ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق؟ يعني أهل الكوفة ، قال قلت: يقولون إنها لهم . قال: فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنة ؟! قلت: فما تقول أنت جعلت فداك ؟ فقال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق ، أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا أهل البيت، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل ، وأما الظالم لنفسه ففيه ما جاء في التائبين وهو مغفور له . يا أبا إسحاق بنا يفك الله عيوبكم ، وبنا يحل الله رباق الذل من أعناقكم ، وبنا يغفر الله ذنوبكم ، وبنا يفتح الله وبنا يختم لا بكم ، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف، ونحن سفينتكم كسفينة نوح ، ونحن باب حطتكم كباب حطة بني إسرائيل) .

وقال ابن شعبة الحراني في تحف العقول ص425: ( لما حضر علي بن موسى(علیه السلام) مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان . فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.. الآية ؟ فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلها . فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن ؟فقال الرضا(علیه السلام): لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة . فقال المأمون: وكيف عنى العترة دون الأمة ؟

ص: 25

فقال الرضا لنفسه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير . ثم جعلهم كلهم في الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم .

ثم قال الرضا(علیه السلام): هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وهم الذين قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، يا أيها الناس لاتعلموهم فإنهم أعلم منكم .

قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل ؟

فقال الرضا(علیه السلام): هم الآل .فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثر عنه أنه قال: أمتي آلي، وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض(!!) الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته !فقال الرضا(علیه السلام): أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد ؟

قالوا: نعم . قال(علیه السلام): فتحرم على الأمة ؟ قالوا: لا .

قال(علیه السلام): هذا فرق بين الآل وبين الأمة ، ويحكم أين يذهب بكم ،أصرفتم عن الذكر صفحاً ، أم أنتم قوم مسرفون ، أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم !

قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن ؟

قال(علیه السلام): من قول الله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ

ص: 26

وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). (سورة الحديد: 26) فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين. أما علمتم أن نوحاً سأل ربه فقال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) (سورة هود: 45) وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله ، فقال له ربه تبارك وتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاتَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (سورة هود: 46) فقال المأمون: فهل فضل الله العترة على سائر الناس؟ فقال الرضا(علیه السلام): إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابهُ .

قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله ؟

قال الرضا(علیه السلام): في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. (سورة آل عمران:23-34) وقال الله في موضع آخر: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.(سورة النساء:54)ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(سورة النساء: 59) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحسدواعليهما بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين ، والملك هاهنا الطاعة لهم . قالت العلماء: هل فسر الله تعالى الإصطفاء في الكتاب ؟

فقال الرضا(علیه السلام): فسر الإصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر

ص: 27

موضعاً . فأول ذلك قول الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين .(سورة الشعراء: 214) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة . والآية الثانية في الإصطفاء قول الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (سورة الأحزاب: 33) وهذا الفضل الذي لايجحده معاند ، لأنه فضل بين .

والآية الثالثة، حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الإبتهال فقال: قل يامحمد: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). (سورة آل عمران:61) فأبرز النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياً والحسن والحسين وفاطمة(علیهم السلام)فقرن أنفسهم بنفسه...إلى آخر الرواية ).انتهى.

وهذا المعنى هو المقصود بقول النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)الذي رواه عمر: (سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له) لأنه يستحيل أن يكون مقصوده(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كل ظالم من أمته ، وقد نصالقرآن والسنة على دخولهم بعضهم النار .

قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج العقيلي وابن هلال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له ، وقرأ عمر: فمنهم ظالم لنفسه.. الآية ). انتهى. ( وروى السيوطي نحوه عن أنس ، ورواه في كنز العمال:2/10و485 عن عمر وأضاف لمصادره: الديلمي في الفردوس

ص: 28

والبيهقي في البعث والنشور ).

ويؤيده مارواه السيوطي:5/251، عن الطبراني والبيهقي في البعث ، عن أسامة بن زيد: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): كلهم من هذه الأمة ، وكلهم في الجنة). انتهى . (ونحوه في كنز العمال:2/ 486 ، ومجمع الزوائد:7/96 . وتعبير كلهم من الأمة يدل على أنهم ليسوا كل الأمة) .

غير أن عمر وكعب الأحبار وَسَّعَا بعد ذلك (الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب ) فجعلوهم كل المسلمين !

قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال قال كعب: يلومني أحبار بني اسرائيل أني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم ثم أدخلهم الجنة ! ثم تلا هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، حتى بلغ جنات عدن يدخلونها... قال قال: فأدخلهم اللهالجنة جميعاً ) .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..الآية؟ قال: نجوا كلهم . ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم ) .

وقال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له). انتهى.

وزعم الخولاني وهو من تلامذة كعب أنه قرأ ذلك في كتب اليهود !

قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: ( وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله (كتب الله) أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة ، وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله ، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه).

وقد وافق عثمان بن عفان كعباً على تفسيره! قال السيوطي في تفسيره:5/252: (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه نزع

ص: 29

بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد ، ألا وإن مقتصدنا ناج أهل حضرنا ، ألاوإن ظالمنا أهل بدونا ). انتهى .

وكذلك وافقت عائشة على هذا التعميم ! فقد روى الحاكم:2/426 ، عن عقبة بن صهبان الحراني قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ؟ فقالت عائشة: أما السبَّاق فمن مضى في حياة رسول الله فشهد له بالحياة والرزق . وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك

ص: 30

ومن اتبعنا ، وكل في الجنة . صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) . (ورواه في مجمع الزوائد:7 /96 . وقال عنه السيوطي في الدر المنثور: 5/251: وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة ... الخ ).

ومن الواضح أن عثمان وعائشة اعتمدا على كعب الأحبار وعمر ، أو على فهمهما للآيات ، حيث لم يذكرا رواية عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

ولم أجد من خالف توسيع عمر وكعب بصراحة إلا الحسن البصري !

قال السيوطي في الدر المنثور:5/252: (وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، إلى قوله: لغوب ، قال: دخلوها ورب الكعبة . وفي لفظ قال: كلهم في الجنة ، ألا ترى على أثره والذين كفروا لهم نار جهنم فهؤلاء أهل النار . فذكر ذلك للحسن فقال: أبت ذلك عليهم الواقعة!وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله: جنات عدن يدخلونها قال: دخلوها ورب الكعبة ، فأخبر الحسن بذلك فقال: أبت والله ذلك عليهم الواقعة) . انتهى .

يقصد الحسن البصري أن التقسيم الثلاثي للمسلمين الذي ورد في سورة الواقعة يردُّ تفسير كعب وعمر وهو قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِمَاأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ.وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَاأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . (سورة الواقعة: 7 - 12)

وكلام الحسن البصري يدل على أن توسيع عمر وكعب لورثة الكتاب كان

ص: 31

برأيهما وليس عندهما حديث نبوي، وكلامه قوي لأن الخطاب عنده في الآية للمسلمين، ولوكان المقصودبالمصطفين الذين أورثهم الله الكتاب كل المسلمين لكانوا جميعاً من أهل الجنة ، ولما بقي معنى لتقسيم المسلمين في سورة الواقعة إلى سابقين وأصحاب يمين في الجنة ، وأصحاب شمال في النار.

الأسئلة

1 - كيف تفسرون الآية ؟ ومن هم هؤلاء الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب وحكم بأن أقسامهم الثلاثة من أهل الجنة ؟

2 - ما هو الدافع لعمر وكعب الأحبار لتوسيع الآية لجميع المسلمين؟

3 - هل تعتبرون ما رواه الحاكم:2/426، تأييداً لقول عمر: عن أبي الدرداءقال: سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)يقول في قوله عز وجل: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، قال: السابق والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب ، والظالم لنفسه يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة .

ثم قال الحاكم: وقد اختلفت الروايات عن الأعمش في إسناد هذا الحديث فروي عن الثوري، عن الأعمش ، عن أبي ثابت ، عن أبي الدرداء ، وقيل عن شعبة، عن الأعمش ، عن رجل من ثقيف، عن أبي الدرداء . وقيل عن الثوري أيضاً عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت ، عن أبي الدرداء وإذا كثرت الروايات في الحديث ظهر أن للحديث أصلاً ). انتهى .

4 - كيف يصح الإستدلال بمثل هذا الحديث عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وهو لو صح

ص: 32

فإنما يدل على أن ورثة الكتاب المصطفين كلهم في الجنة ، ولايدل على أن هؤلاء المصطفون هم كل الأمة ؟!

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد الثاني عشرمناقشات وملاحظات

حول بعض مسائل القسم الثالث من المباحث الفلسفية

العقول و المُثُل

ادّعت الفلسفة اليونانية؛ وجود عقول تكون رابطة بين الذات الإلهية المقدّسة، و العالم المادّي. و قد وقع الخلاف بين أرسطو و إفلاطون، فادّعی أرسطو: أن هذه العقول طولية، و يری إفلاطون أنها عرضية.

ص: 33

و المراد من العقول(1) هو المجردات الكلّية، بمعنی انبساط وسعة وجودها. و لتخريج فكرة العقول؛ ادّعت الفلسفة اليونانية استحالة صدور أكثر من معلول واحد من الله سبحانه و تعالی.

يقول السيد الطباطبائي: « لما كان الواجب تعالی واحداً بسيطاً من جميع الجهات؛ امتنع أن يصدر منه الكثير، سواء كان الصادر مجرداً كالعقول العرضية، أم مادياً كالأنواع المادية. لأن الواحد لا يصدر منه إلا واحد. فأول صادر منه تعالی؛ عقل واحد يحاكي بوجوده الظلي وجود الواجب تعالی في وحدته، و لما كان معنی أوليته هو تقدّمه في الوجود علی غيره منالموجودات الممكنة؛ و هو العلية، كان علّة متوسطة بينه و بين سائر الصوادر منه، فهو الواسطة في صدور مادونه... لأن صدور الكثير من حيث هو كثير من الواحد من حيث هو واحد ممتنع. ثم إن العقل الأول و إن كان واحداً في وجوده بسيطاً في صدوره؛ لكنه لمكان إمكانه تلزمه ماهية اعتبارية غير أصلية؛ لأن موضوع الإمكان هي الماهية، و من وجه آخر هو يعقل ذاته و يعقل الواجب تعالی، فتعددت فيه الجهة و يمكن أن يكون لذلك مصدراً لأكثر من معلول واحد، لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلا بدّ من

ص: 34


1- - مرّ عليك في المقدمة حول تاريخ الفلسفة؛ أن فكرة العقول جاءت لإشباع الرغبة الشعبية التي تؤمن بتعدد الآلهة، و التفسير الذي أعطي للعقول في الفلسفة أيضاً يتناسب مع فكرة الآلهة.

صدور عقل ثان و ثالث و هكذا حتی تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال. فتبين أن هناك عقولاً طولية كثيرة، و إن لم يكن لنا طريق الی إحصاء عددها»(1).

و استدلالهم علی فكرة العقول و المثل؛ يعتمد هذه المقدّمات:

أولاً: إنه تعالی بسيط و ذو جهة واحدة، و لا يشتمل علی تعدد في الجهة.

ثانياً: إن الواحد من حيث هو واحد؛ يمتنع أن يصدر منه الكثير من حيث هو كثير.

ثالثاً: إن العقل الأول؛ لما كانت له جهتان، جهة الی ذاته وهو انه معلول، و جهة الی علّته صح أن يصدر منه اثنان؛ عقل و نفس كلّية (فلك) كما يقولون.رابعاً: إن عالم المثال؛ يشتمل علی جهات كثيرة، و عليه فيحتاج في صدوره الی عقول تفي بجهات عالم المثال الذي هو علّة لعالم المادّة و الطبيعة.

بطلان قاعدة الواحد لا يصدر منه الا واحد :

و تعتمد هذه المقدمات علی قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد، فلا بدّ من التعرّض لدليل القاعدة أيضاً.

يقول السيد الطباطبائي في إثبات القاعدة: « و ذلك أن من الواجب أن يكون بين العلّة و معلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منها و غير الآخر، و إلا جاز كون كل شيء علّة لكل شيء، و كل شيء معلولاً لكل شيء. ففي العلّة جهة مسانخة لمعلولها هي المخصصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلّة الواحدة

ص: 35


1- - بداية الحكمة:172.

و هي التي ليست لها في ذاتها إلا جهة واحدة معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة الی جهة واحدة بوجه من الوجوه؛ لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها، و هي ذات جهة واحدة و هذا محال» (1).

و الجواب:

أولاً: لا يوجد دليل عقلي بديهي أو برهاني علی صحّة هذه القاعدة (الواحد لا يصدر منه إلا واحد). و يكفينا عدم الدليل في بطلانها، و ما ذُكر من الإستدلال عليها فإنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدّعی، فقالوا: «لا يمكن أن يصدر الكثير بما هو كثير من الواحد بما هو واحد» و هو كماتری عين محتوی الواحد لا يصدر منه إلا واحد. و تارة يستدل لها بدليل إلزامي، و مع ذلك فهو باطل من جهات:

الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و قد أبطلناها.

الثانية: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة، و إنما هنا لك علّة واحدة و هي الذات المقدّسة الإلهية، و ما سواها فإنما يستمدّ الوجود منها، و لا يملك من أمره شيئاً؛ ما لم تهب له الذات المقدّسة من وجود و قدرة. و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يكون كل شيء علّة لكل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق كل شيء حتی يصدر منها كل شيء، و إنما الواقع إله واحد، و قدرة واحدة، و ما سواها إنما يستمدّ الوجود منه تعالی. فهي إذاً ساقطة من الحساب،ويبقی الله وحده لا شريك له وهو جل وعلا

ص: 36


1- - بداية الحكمة: 83.

بحكم ما تقدم من البراهين العقلية قادر علی كل شئ يعني قادر علی ان يخلق ويبدع من كتم العدم كل شئ مما لم يكن له وجود بانواعه واضداده و...

الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية، و بعد ثبوت الكثرة في الواقع ،وهم يعترفون بثبوت الكثرة في الخارج، و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة(و إن هذه الكثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة وسعة في الوجود إلا إليه تعالوهم يعترفون بذلك لكن بتوسط العقول)إذاً نعلم علم اليقين أن هذه الكثرة صادرة منه تعالی لامن غيره؛ لأن غيره لا يملك من أمره شيئاً ما لم يملّكه باريه. فسقط ما كانوا يخرصون، تعالی الله عما يصفون، إنما هو إله واحد لا شريك له.

فكيف يملّكون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة، و هم لا يملكون إلا ما وهبهم و ملّكهم الله جلّ و علا؟.

و العقل ينادي إن الوجود من العدم مستحيل.

و أخيراً: فما عليه المحقق خواجه نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده من بطلان قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد؛ هو الحق الذي لا محيص عنه.

تذنيب حول قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا واحد.

الذي يظهر من تاريخ الفلسفة و اعتقادات الملل؛ إن الأصل في هذه القاعدة هو تبرير القول بإلهين، يعني: إلهي الخير و الشر و إنه يستحيل صدور الضد من الاله الذي هو محض الخير و المراد من الضّد هو الشّر. و اصطلاح الضد هنا بالمعنی الاعم من النقيض و الضد المنطقي فهو شامل لهما.

ص: 37

و أجاب عن هذه الشبهة السيد الكبير عبد الله شبر قدس سره: «بأنه اللازم من ذلك ان يكون لكل ضد إله مستقل وإنه يلزم تعدد الآلهة بتعدد الأضداد؛ كالبياض و السواد، و الحرارة و البرودة(1)...».و اجاب عن هذه القاعده بعض المحققين: بأن الفلاسفة هم أنفسهم لايلتزمون بالقاعدة فإن مقتضی القاعدة أن لايصدر إلا شيء واحد في حين إنهم يقولون إن الصادر الأول من الله سبحانه و تعالی مشتمل علی جهتين. فإن كانت الجهة الثانية صادرة من الله جل و علا فيلزم تعدد الجهة في ذاته و هم لايقولون بذلك و إلا لم تكن صادرة عنه فيلزم صدورها من العدم و الوجود من العدم محال.

و قد اجاب عن ذلك بعض الفلاسفة: بأن هاتين الجهتين انتزاعيتان. فأجابه ذلك المحقق بان الأمر الإنتزاعي معدوم؛ فيلزم صدور الموجود من المعدوم، حيث أنهم قائلون بصدور عقل و فلك من الصادر الأول و لازمه ماقاله ذلك المحقق.

هذا و لا باس بتوضيح مفردات هذه القاعدة حسب مااصطلحوا عليه:

فنقول: المراد من الواحد هو البسيط (كما صرح بذلك الطباطبائي في نهاية الحكمة) و هو عندهم مفهوم مشكك يطلق علی ما لا يتركب من مادة و صورة خارجيتين، فيشمل حينئذ الأعراض و العقول (حسب اعتقادهم) بل و

ص: 38


1- حق اليقين ج/1ص18 النقل بالمعنی

نفس المادة و الصورة.(1)و قد يطلق البسيط علی ما لايتصور له أجزاء بالفعل ولا بالقوة، حتی لو كان ذلك بتبع الموضوع، فينحصر بالمجردات (من الذات الالهية وغيرها حسب اعتقادهم ) و قد يطلق علی ما ليس له اجزاء عقلية، ولايتصور له اي تركيب حتی في الماهية و الوجود ، فيختص هذا المعنی بالله جل جلاله.

ثم ذكر استاذ الفلسفة مصباح :«انه لو كان المراد بالبسيط المعنی الاخير،اختصت القاعدة بالله تعالی،والا فلو عمّمنا القاعدة لغيره،كان المراد بالبسيط،هو الحيثية الواحدة التي يصدر عنها المعلول،ولو كانت مقترنة بحيثيات اخری(2) »

وذكر الاستاذ مصباح:«بان لهذه القاعدة ارتباطا وثيقا بقاعدة التسانخ بين العلة والمعلول. فقد استدل السيد الطباطبايي علی هذه القاعدة بالتسانخ، وقد اوضح ذلك الاستاذ مصباح فقال:«السنخية بين العلةوالمعلول، قد تلاحظ بين العلةالمفيضة ومعلولها، وقد تلاحظ بين سائراقسام العلةالحقيقية و المعدة والمعلول المنسوب اليها. اما الاول:فهو أمر قريب من البداهة إن لم يكن بديهيا،فان العلة المفيضة هي المعطية لوجودالمعلول، ومن الواضح استحالة إعطاء الشي ء لما هو فاقد له،ورجوع ذلك الی التناقض ،الی أن قال:وأما

ص: 39


1- تعليقة علی نهاية الحكمة 242
2- تعليقة علی نهاية الحكمة 242

السنخية بين الفاعل الطبيعي ومعلوله، وبين الشرط والمشروط، وبين المعدات والمستعدات فليس مما يستقل به العقل،بل يحتاج الی التجربة»(1).

أقول: أما مااستدل به الأوائل من أن الشيء لا يكون علة لضده.فجوابه: إن ذلك لا ينطبق علی الله جل و علا لأنه تعالی لا ضد له بمعنی الممانع كما ثبت بالبرهان. فهو واحد لايتثنی ولا حد له(بل هو فوق الحد لان التناهي و عدمه من صفات الموجودات المادية) و لامثيل و لاشبيه و عليه فجميع الأضداد الصادرة منه ليست ضداً له فالضدان أمران وجوديان لايجتمعان . والله تعالی بعد عدم إمكان التعدد فيه يستحيل أن يكون له ممانعاً في وجوده فالأضداد في عالم المخلوقات لا ربط لها بعالم الخالقية فلايمكن قياس عالم الآثار علی عالم المؤثر فقد قام البرهان أن الأثر غير المؤثر و أن الحاد غير المحدود فالمؤثر هنا لا يتطرق اليه التحديد و لامقهورية في ذاته و بعد عدم وجود مقهورية في ذاته فهو غير الأثر الذي هو مقهور و مغلوب علی أمره و محدود في ذاته و وجوده فان وجوده مجعول قابل للعدم فلا سنخية بين الاثار وبين ذات الله تعالی حيث لا تكون مجعولة ولاقابلة للوجود والعدم فالآثار فيما بينها متضادة لانها من سنخ واحد أما بالنسبة الی مؤثرها فلا تضاد بينها و بينه لانه تعالی ليس من سنخها بل هي كلها تحت سلطانه يوجدها ويعدمها.

هذا مضافاً الی انه:

ص: 40


1- تعليقة علی نهاية الحكمة 243

أولاً: لايوجد دليل عقلي بديهي او برهاني علی صحة هذه القاعدة (الواحد لايصدر منه الا واحد). ويكفينا عدم الدليل في بطلانها، وما ذكر منالاستدلال عليها فأنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدعی، فقالوا: « لا يمكن أن يصدر الكثير بما هو كثير من الواحد بما هو واحد» و هو كما تری عين محتوی الواحد لا يصدر منه الاواحد.و تارة يستدل لها بالدليل الاتي الإلزامي، و مع ذلك فهو باطل من جهات:

الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و قد أبطلناها.

الثانيه: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة و إنما هنالك علة واحدة و هي الذات المقدسة الالهية و ما سواها فإنما يستمد الوجود منها و لا يملك من أمره شيئاً مالم تهب له الذات المقدسة من وجود و قدرة(1).

و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يكون كل شيء علة لكل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق كل شيء حتی يصدر منها كل شيء و إنما الواقع إله واحد و قدرة واحدة و ما سواها إنما يستمد القدرة منه تعالی. فهي إذن ساقطة من الحساب.

الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية و بعد ثبوت الكثرة في الواقع (و هم يعترفون بثبوت الكثرة في الخارج و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة) و إن هذه الكثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة وسعة في الوجود إلا إليه تعالی (و هم

ص: 41


1- هذا الجواب في مقام عالم الاثبات

يعترفون بذلك لكن بتوسط العقول) إذن نعلم علم اليقين أن هذه الكثرة صادرة منه تعالی لا من غيره لأن غيره لايملك من أمره شيئاً مالم يملّكه باريه. فسقط ما كانوا يخرصون تعالی الله عما يصفون إنما هو إله واحد لا شريك له.

فكيف يملّكون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة و هم لايملكون إلا ما وهبهم و ملكهم الله جل و علا؟ و العقل ينادي إن الوجود من العدم (يعني بلا علة) مستحيل.

موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام من الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الثامنة عشرة.

59- زرارة بن اعين : احد المجاهدين الابطال وهو غني عن التعريف وقد نقل ابوعمرو الكشي صاحب كتاب الرجال عن الفضل بن عبد الملك، قال:

ص: 42

سمعت أبا عبد اللّه (علیه السلام) يقول: أحب الناس إلي أحياء وأمواتا أربعة: بريد بن معاوية العجلي، و زرارة، و محمد بن مسلم، و الاحول و هم أحب الناس إليّ أحياء و أمواتا، ونقل ايضا عن ابراهيم بن عبد الحميد وغيره، قالوا: قال أبو عبد اللّه (علیه السلام): رحم اللّه زرارة بن أعين، لو لا زرارة بن أعين، لو لا زرارة و نظراؤه لاندرست أحاديث أبي (علیه السلام)(1).

وحول دفاعه عن العقيدة والمبدأ ينقل لنا الشيخ الصدوق جملة من احاديثه في كتابه التوحيد: وانه تعالی مباين لجميع مخلوقاته وانه تعالی غيرها لا انه عينها وها هو ينقل عَنْ زُرَارَةَ انه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقُهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ ءٍ مَا خَلَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ ءٍ} تَبَارَكَ الَّذِي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ء}(2)وينقل

عَنْه ايضا انه قَالَ سَمِعْتُ أَبِا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ

ص: 43


1- الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي - اختيار معرفة الرجال (مع تعليقات مير داماد الأسترآبادي) ؛ ج 1 ؛ ص347ص348، مؤسسة آل البيت عليهم السلام - قم، الطبعة اول، 1363 ش.
2- ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد (للصدوق)، 1مجلد، جامعة المدرسين - ايران ؛ قم، الطبعة الاولی، 1398ق. ج1 ص 46

جَلَّ{ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً} قَالَ هُوَ تَوْحِيدُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.(1)

ويروي الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُوصَفُ قَالَ- وَ قَالَ زُرَارَةُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُوصَفُ وَ كَيْفَ يُوصَفُ وَ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ{ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} فَلَا يُوصَفُ بِقُدْرَةٍ إِلَّا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ(2).

وحول ان الله جل وعلا ليس له روح وانها مخلوقة حادثة يروي لنا هو والْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَيْسَ لَهُ جَوْفٌ وَ إِنَّمَا الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ نَصْرٌ وَ تَأْيِيدٌ وَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الرُّسُلِ وَ الْمُؤْمِنِينَ (3).

وقال الصدوق حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ} السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ أَمِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ

ص: 44


1- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص127
2- التوحيد (للصدوق)، ص: 128
3- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص171

فَقَالَ بَلِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشَ وَ كُلَّ شَيْ ءٍ فِي الْكُرْسِيِّ(1).

وقال ايضا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ} السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَسِعْنَ الْكُرْسِيَّ أَمِ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَقَالَ إِنَّ كُلَّ شَيْ ءٍ فِي الْكُرْسِيِ (2).

وقال ايضا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها} قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ.(3)

ونقل عن أَبِيه رَحِمَهُ اللَّهُ فقَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها} قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ قُلْتُ وَ

ص: 45


1- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص327
2- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص328
3- التوحيد (للصدوق)، ص: 331

خَاطَبُوهُ قَالَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُمْ (1).

وكذلك عن أَبِيه رَحِمَهُ اللَّهُ فقَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ{ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}(2) وَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وَ قَالَ فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ زُرَارَةُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ{ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} الْآيَةَ قَالَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وَ أَرَاهُمْ صُنْعَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِقُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ{ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(3)

ص: 46


1- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص329
2- الحجّ: 31.
3- التوحيد (للصدوق) ؛ ؛ ص330

الفائزون حجة الاسلام والمسلمين هاشم الكاظمي

العدد الثاني

النبي الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):

(يا علي مثلك في امتي مثل عيسی بن مريم افترق قومه ثلاث فرق،فرقة مؤمنون وهم الحواريون وفرقة عادوه وهم اليهود وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن دين الله وهم النصاری وان امتي ستفترق فيك ثلاث فرق ،فرقة اتبعوك واحبوك وهم المؤمنون وفرقة عادوك وهم الناكثون والمارقون والقاسطون وفرقة غلو فيك وهم الظالمون ياعلي انت واتباعك في الجنة وعدوك والغالي في النار)(1)

ص: 47


1- ينابيع المودةص109

الغلاة

الغلوّ:(قوله تعالی(لا تغلوا في دينكم) اي لاتجاوزوا الحد..يقال غلا في الدين من باب قعد:تصلب وتشددوتجاوز الحد والمقدار..فالغالي من يقول في اهل البيت عليهم السلام ما لا يقولون في انفسهم)(1)

تحذير المعصومين عليهم السلام من الغلو والغلاة

لقد حذروا صلوات الله عليهم من الغلاة والغلو بما لا مزيد عليه وذموهما اشد الذم وامروا بالبراءة من الغلاة والابتعاد عنهم وعدم مجالستهم ووصفوهم بالفسق والشرك والكفر وبانهم شر خلق الله ولاتنالهم شفاعة النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).في احاديث فاقت حدالتواتر ، ونحن نذكّر ببعض تلك الاحاديث الشريفة ليتبينوا للمسلمين فيجتنبوهم والغلو، وحتی لا تنطلي عليهم مكائد الغلاة.

وقبل ايراد تلك الاحاديث ننقل تعليقاً للحر العاملي رحمة الله عن كتابه اثبات الهداة من الباب الخامس والثلاثين(2)

في ابطال الغلو والرد علی الغلاة، قال رحمه الله:

(اقول : الآيات في ذلك كثيرة جداً كقوله تعالی: «لاتغلوا في دينكم ولاتقولوا علی الله غير الحق» والآيات الدالة علی كفر من اشرك بالله واتخذ

ص: 48


1- مجمع البحرين كلمة :غلا
2- ج 3 ص744

غيره الهاً، والدالة علی ذم اليهود والنصاری علی الغلو في عزيز وعيسیوغير ذلك...) وجاء فيه(1):(

اقول: وقد تواترت الاخبار بل تجاوزت حد التواتر بان اميرالمؤمنين والحسين (علیهم السلام) قتلا بالسيف، وان النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسائر الائمة قتلوا بالسم، وانهم كانوا تعتريهم الامراض والاسقام والخوف والحزن والفرح والسرور والجوع والشبع والرضا والغضب وغير ذلك مما ينافي قول الغلاة. ولم نستقص ِتلك الروايات لان مضمون الباب غير مقصود بالذات، وانما ذكرناه لوجهين (احدهما) ان من اطّلع علی المعجزات يخشی عليه ان يميل الی قول الغلاة، لانه انما دعاهم الی الغلو الاطّلاع علی بعض المعجزات، فينبغي ذكر شيء مما يدفع تلك المفسدة . (وثانيهما) ان النصوص عليهم وردت لمنع الناس من الافراط في ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك من متممات النصوص).

الاحاديث في ابطال الغلو والرد علی الغلاة

ان جميع ماسنورده من احاديث تحت هذا العنوان عن كتاب(اثبات الهداة) الباب الخامس والثلاثون مع حذف السند، وسنشير الی رقم الحديث حسبما ورد في الكتاب المذكور ليسهل الرجوع اليه لمن اراد معرفة سند الحديث.

في نفي الربوبية عنهم عليهم السلام

عن ابي عبدالله(علیه السلام) قال: «اتی قوم اميرالمؤمنين(علیه السلام) فقالوا: السلام عليك ياربنا، فاستتابهم فلم يتوبوا فحفرلهم حفيرة1- واوقد فيها ناراً وحفر

ص: 49


1- ج3ص745

حفيرة اخری الی جانبها وافضی ما بينهما، فلما لم يتوبوا القاهم في الحفيرة واوقد في الحفيرة الاخری حتی ماتوا».

9- عن سدير قال: قلت لابي عبدالله (علیه السلام): ان قوماً يزعمون انكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآنا: (وهو الذي في السماء اله وفي الارض اله) فقال: «ياسدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء بريء، وبرئ الله منهم، ماهؤلاء علی ديني ولادين آبائي ولايجمعني الله وايآهم يوم القيامة الا هو ساخط عليهم». قال: قلت وعندنا قوم يزعمون انكم رسل، يتلون علينا بذلك قرآنا: «ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً اني بما تعملون عليم) فقال: «ياسدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء بريء بريء الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء علی ديني ولا علی دين آبائي، والله لايجمعني الله واياهم يوم القيامة الا وهو ساخط عليهم) قال قلت فما انتم؟ قال (نحن خزان علم الله ، ونحن تراجمة وحي الله ، نحن الحجة البالغة علی من دون السماء وفوق الارض».

واورد عدة احاديث بهذا المعنی.

في نفي النبوة عنهم عليهم السلام

12- عن ابي عبدالله (علیه السلام) في حديث؛ ان رجلا قال لعلي(علیه السلام): متی كان ربك؟ فقال له: «ثكلتك امك ومتی لم يكن حتی يقال متی كان؟» الی ان قال فقال يااميرالمؤمنين افنبي انت؟ فقال له: «ويلك انما انا عبد من عبيد محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ».

ص: 50

5- عن ابي عبدالله (علیه السلام) قال:«انما الوقوف علينا في الحلال والحرام فاما النبوة فلا».

واورد ايضا بهذا المعنی عدة احاديث.

في نفي علم الغيب عنهم عليهم السلام

( وانما علمهم بتعليم الله تعالی اياهم )

17- سأل رجل من اهل فارس ابا الحسن(علیه السلام) فقال له :اتعلمون الغيب؟ قال: «يبسط لنا العلم فنعلم، ويقبض عنا فلا نعلم».

78- عن ابي المغيرة قال: كنت انا ويحيی بن عبدالله بن الحسن عند ابي الحسن(علیه السلام) فقال له يحيی : جعلت فداك انهم يزعمون انك تعلم الغيب؟ فقال: «سبحان الله!! ضع يدك علی رأسي فوالله ما بقيت شعرة فيه وفي جسدي الا قامت، ثم قال: والله ماهي الا وراثة عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)» .

66- ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه رداً علی الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كتب اليه علی يد محمدبن علي بن هلال الكرخي: «يامحمد بن علي! تعالی الله عزوجل عما يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل لايعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت اسماؤه: (قل لايعلم من في السماوات والارض الغيب الا الله) وانا وجميع آبائي الاولين آدم ونوح وابراهيم وموسی وعيسی وغيرهم من النبيين ومن الآخرين محمد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمْ)وعلي بن ابي طالب والحسن والحسين وغيرهم من الأئمة صلوات الله عليهم الی مبلغ

ص: 51

ايامي ومنتهی عصري عبيداً لله عزوجل ، يقول الله: (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا«الآيات»). يامحمد بن علي! قد آذانا جهلاء الشعية وحمقاؤهم ، ومن دينه جناح البعوضة ارجح منه، فاشهد الله الذي لا اله الا هو وكفی به شهيدا، ورسوله محمداً صلی الله عليه وآله وسلم وملائكته وانبياءه، واولياءه عليهم السلام، واشهدك واشهد كل من سمع كتابي هذا اني بريء الی الله والی رسوله ممن يقول انا نعلم الغيب او نشارك الله في ملكه، او يحلنا محلاً سوی المحل الذي رضيه لنا وخلقنا له، اويتعدی بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي. واشهدكم ان كل من نبرأ منه فان الله يبرأ منه وملائكته ورسله واولياءه.

وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب امانة في عنقك وعنق من سمعه الا يكتمه من احد من موالّي وشيعتي حتی يظهر علی هذا التوقيع الكل من الموالي، لعل الله عزوجل يتلافاهم فيرجعون الی دين الله الحق، وينتهون عما لا يعلمون منتهی امره ولايبلغ منتهاه، فكل من فهم كتابي ولم يرجع الی ما قد امرته ونهيته فقد حلّت عليه اللعنة من الله، وممن ذكرت من عباده الصالحين».

نسبة العصيان اليهم اهون من الغلو فيهم عليهم السلام

31- عن علقمة عن الصادق(علیه السلام) في حديث قال: «ياعلقمة ! ما اعجب اقاويل الناس في علي(علیه السلام) !! كم بين من يقول انه ربمعبود وبين من يقول

ص: 52

انه عبد عاص لله؟ ولقد كان قول من ينسبه الی العصيان اهون عليه من قول من ينسبه الی الربوبية».

ما شاءالله كان ومالم يشأ لم يكن

79- عن الحسن العسكري(علیه السلام) قال: «كان رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قاعداً ذات يوم هو وعلي (علیه السلام) اذ سمع قائلاً يقول: ماشاء الله وشاء محمد، وسمع آخر يقول: ماشاءالله وشاء علي ، فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): لاتقرنوا محمداً وعلياً بالله عزوجل ، ولكن قولوا ماشاءالله ثم شاء محمد ما شاء الله ثم شاء علي، ان مشيئة الله هي القاهرة التي لاتساوی ولاتكافی ولاتدانی..».

الغلاة صغّروا عظمة الله تعالی

22- عن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا(علیه السلام) في حديث قال: «انما وضع الاخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة الله تعالی، فمن احبهم فقد ابغضنا ومن ابغضهم فقد احبنا، ومن والاهم فقد عادانا ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا ومن برّهم فقد جفانا، ومن اكرمهم فقد اهاننا ومن اهانهم فقد اكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا ومن ردهم فقد قبلنا، ومن احسن اليهم فقد اساء الينا ومن اساء اليهم فقد احسن الينا، ومن صدّقهم فقدكذّبنا ومن كذّبهم فقد صدّقنا ،ومن اعطاهم فقد حرمنا ومن حرمهم فقد اعطانا. ياابن خالد!من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم ولياً ولانصيرا».

ص: 53

لا نقدر علی ضر ولا نفع

78- قال ابو عبدالله (علیه السلام) يوماً لاصحابه: «لعن الله المغيرة بن سعيد، ولعن يهودية كان يختلف اليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق، ان المغيرة كذب علی ابي(علیه السلام) فسلبه الله الايمان. وان قوماً كذبوا عليّ مالهم اذاقهم الله حرالحديد!؟ فوالله ما نحن الا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، لا نقدر علی ضر ولا نفع ان رحمنا فبرحمته وان عذبنا فبذنوبنا والله ما لنا علی الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وانّا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون. مالهم لعنهم الله فلقد آذوا الله وآذوا رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في قبره واميرالمؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمدبن علي عليهم السلام، وهاانا ذا بين اظهركم لحم رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وجلد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ابيت علی فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون وافزع، ينامون علی فرشهم وانا خائف ساهر وجل اتقلقل بين الجبال والبراري.

ابرأ الی الله مما قال فيّ الاجدع البّراد عبد بني اسد ابوالخطاب لعنه الله؛ والله لو ابتلوا بنا وامرناهم بذلك لكان الواجب ان لايقبلوه، فكيف وهم يروني خائفاً وجلا؟ استعدي الله عليهم واتبرأ الی الله منهم ، اشهدكم اني امرؤولدني رسول الله، ان اطعته رحمتي وان عصيته عذّبني عذاباً شديداً او اشد عذابه».

لا اقدر علی شيء

ص: 54

99- عن ابي عبدالله (علیه السلام) في حديث في الرد علی اصحاب ابي الخطاب قال: «والله لو اقررت بما قال فيِ اهل الكوفة لأخذتني الارض، وما انا الا عبد مملوك لا اقدر علی نفع ولاضر».

لا والله

97- عن ابي بصير قال قلت لابي عبدالله (علیه السلام) : انهم يقولون ، قال : «وما يقولون؟» قلت : يقولون تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب. فقال:« سبحان الله! سبحان الله! والله ما يعلم هذا الا الله».

102- عن ابي عبدالله(علیه السلام) انه قيل له: ان فلاناً يقول» انكم تقدّرون ارزاق العباد؟ فقال: « ما يقدّر رزقنا الا الله، ولقد احتجت الی طعام لعيالي فضاق صدري، وابلغت بي الفكرة في ذلك حتی احرزت قوتهم فعندها طابت نفسي».

المفوضة اعداء الله41- عن زرارة قال: قلت للصادق (علیه السلام) ان رجلا من ولد عبدالله بن سبأ يقول بالتفويض، قال: «وما التفويض؟» قلت يقولون: ان الله عزوجل خلق محمداً وعلياً ثم فوض الامر اليهما فخلقا ورزقا واحييا واماتا، فقال(علیه السلام): « كذب عدو الله اذا رجعت اليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد: ( ام

ص: 55

جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار)». فانصرفت الی الرجل فاخبرته بما قال الصادق(علیه السلام) فكأنما القمته حجراً، وقال كأنما خرس.

الويل لمن كذب عليهم عليهم السلام

83- عن ابي عبدالله(علیه السلام) قال: «لعن الله عبد الله بن سبأ انه ادعی الربوبية في اميرالمؤمنين وكان اميرالمؤمنين عبداً لله طائعا، الويل لمن كذب علينا، وان قوماً يقولون فينا مالا نقوله في انفسنا ، نبرأ الی الله منهم، نبرأ الی الله منهم».

84- عن علي بن الحسين(علیه السلام) قال: « لعن الله من كذب علينا. اني ذكرت عبدالله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعی امراً عظيماً، ما له لعنه الله؟! كان عليُّ والله عبداً صالحاً اخا رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مانال الكرامة من الله الا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله الكرامة من الله الا بطاعته».

الغلاة من مخالفينا23- عن ابراهيم بن ابي محمود عن الامام الرضا (علیه السلام) في حديث قال: «ياابن ابي محمود ان مخالفينا وضعوا اخباراً في فضائلنا وجعلوها علی ثلاثة اقسام؛ احدها الغلو، وثانيها التقصير في امرنا، وثالثا التصريح بمثالب اعدائنا؛ فاذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم الی القول بربوبيتنا، واذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، واذا سمعوا مثالب اعدائنا ثلبونا باسمائنا، وقد قال الله تعالی: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير

ص: 56

علم) .. ياابن ابي محمود، اذا اخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقنا ، فانه من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه».

29- عن عبد بن الفضل هاشمي عن الامام الصادق(علیه السلام) في حديث طويل في ذكر قتل الحسين وشؤم يوم عاشوراء قال: «ياابن عم! وان ذلك اقل ضرراً علی الاسلام واهله مما وصفه قوم انتحلوا مودتنا وزعموا انهم يدينون بموالاتنا ويقولون بامامتنا، زعموا ان الحسين(علیه السلام) لم يقتل وانه شبه علی الناس امره كعيسی بن مريم، فلا لائمة اذن علی بني امية ولا عتب علی زعمهم ، ياابن عم! من زعم ان الحسين لم يقتل فقد كذّب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وكذّب من بعده من الائمة (علیهم السلام) في اخبارهم بقتله، ومن كذّبهم فهو كافر ودمه مباح لكل من سمع ذلك منه».

قال الفضل: فقلت له: ياابن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)! فما تقول في قوم من شيعتك يقولون به ؟فقال(علیه السلام): «ماهؤلاء من شيعتيواني بريء منهم» الی ان قال: ثم قال(علیه السلام): « لعن الله الغلاة والمفوضة فانهم صغّروا عظمة الله وكفروا به واشركوا وأضلوا فراراً من اقامة الفرائض واداء الحقوق».

الغلاة فساق مشركون كفار

93- عن مرازم قال: قال ابو عبدالله(علیه السلام): «قل للغالية توبوا الی الله فانكم فساق كفار مشركون».

28- عن ابي هاشم الجعفري قال: سألت اباالحسن الرضا(علیه السلام) عن الغلاة والمفوضة؟ فقال: « الغلاة كفار والمفوضة مشركون، من جالسهم او

ص: 57

خالطهم اوواكلهم او شاربهم او واصلهم او زوجهم او تزوج منهم او ائتمنهم علی امانة او صدّق حديثهم او اعانهم بشطر كلمة، خرج من ولاية الله عزوجل وولاية رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وولايتنا اهل البيت».

رسالة الاثنی عشرية الحر العالمي

في الرد علی الصوفية(و العرفاء)

الحلقة السادسة عشر

هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء

الباب العاشر

في تحريم ما يستحلونه ويعدونه عبادة

من الغناء على وجه العموم والخصوص صورة كونه في القرآن والذكر ونحوها ويدل على ذلك وجوه اثنا عشر.

الأول: عدم ظهور دليل شرعي على الجواز مع وجود الدليل على التحريم عموما وخصوصا.

الثاني: إنه تشريع وابتداع كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

ص: 58

الثالث: قضاء الضرورة من مذهب الإمامية بتحريم الغناء بحيث لا يحتمل التشكيك وقد صار تحريمه شعارا لهم كما أن إباحته من شعار أعدائهم.

الرابع: الاجماع من الشيعة على ذلك فقد صرحوا بالتحريم في كتبهم ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها فمنهم: من صرح في كتاب التجارة ومنهم: من صرح في كتاب الشهادات وبعضهم في الموضعين وأكثرهم صرحوا بعموم التحريم لما كان في قرآن أو أذان أو شعر أو غير ذلك عدا ما استثني في محله بدليل خاص ولا يظهر منهم مخالف في ذلك أصلا وقد صرحوا أيضا بنقل الاجماع وكل منصف يعلم تحققه هنا ويعلم دخول المعصوم بل المعصومين عليهم السلام فيه بالنصوص المتواترة.

الخامس: أن القول بالجواز هنا عموما أو خصوصا إنما هو من مذهب المخالفين لأهل البيت عليهم السلام وهو ظاهر مما مر وغيره وذلك من أقوى الدلائل على بطلانه كما أمر الأئمة عليهم السلام بترك ما يوافق العامة والأخذبما يخالفهم في مقام اختلاف الحديث وغيره. وفي عيون الأخبار أن رجلا سأل الرضا (علیه السلام) عن المسألة تحضر ولا يوجد من الشيعة من تسأل عنها فقال إذا كان ذلك فأت قاضي البلد فسله عنها فما أفتاك به من من شيء فخذ بخلافه فإن الحق في خلافه.(1)

وفي حديث آخر والله ما هم على شيء مما أنتم عليه ولا أنتم على شيء

ص: 59


1- عيون الأخبار ج 1 ص 214

مما هم عليه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء.(1)

ولا يخفى: أن ذلك إن لم يكن كليا فهو أكثري غالب في المسائل النظرية وأما هنا فالأمر واضح وهذا مؤيد للنص والأدلة.

السادس: إن فعل الغناء وسماعه من قاعدة أعداء الله ورسوله وطريقتهم المستمرة فلا يجوز مشاكلتهم وسلوك مسالكهم لما يأتي إن شاء الله فقد روي أنه سنة أعدى أعداء الله إبليس وقابيل وهما أصل كل شر وظلم وكفر. روى الكليني: وغيره عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لما مات آدم شمت إبليس وقابيل فاجتمعا في الأرض فجعلا المعازف والملاهي شماته بأدم (علیه السلام)(2)

فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك.

السابع: إنه من علامات النفاق والزندقة وذلك ظاهر لمن اتصف وعرففاعليه وتاركيه ومحرميه ومحلليه قديما وحديثا. وقد روى الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال الغناء عشر النفاق(3).

وعنه (علیه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل(4).

وعن الخراساني (علیه السلام) أنه قيل له: إن العباسي زعم أنك ترخص له في الغناء

ص: 60


1- الوسائل ج 3 كتاب القضاء باب وجوه جمع الأحاديث ح 35 ص 382
2- الكافي: ج 6 ص 431
3- في المصدر: عش النفاق
4- نسخة المصدر: الزرع مكان البقل

فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء فقلت له إن رجلا أتى أبا جعفر (علیه السلام) فسأله عن الغناء فقال له يا فلان إذا ميز الله بين الحق فأين يكون الغناء فقال مع الباطل فقال قد حكمت (1)

ورواه الكشي بسند صحيح عن أبي الحسن (علیه السلام). وروى ابن بابويه في الخصال عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: الغناء ينبت (يورث - خ م) النفاق ويورث الفقر (2).

وفي عيون الأخبار عن الرضا (علیه السلام) أنه سئلا عن السماع فقال لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيز الباطل واللهو أما سمعت الله يقول وإذا مروا باللغو مروا كراما.(3)أقول: في هذا دلالة على منافاة السماع للإيمان إذ وصف عباد الرحمن المؤمنين بتركه وفي معناه غيره وفيه وفي الذي قبله دلالة على دخول الغناء في قسم الباطل واللهو واللغو فجميع ما ورد في ذلك يتناوله وهو أكثر من أن يحصى.

الثامن: الآيات الشريفة القرآنية الدالة على تحريم الغناء التي فسرها بذلك أهل الذكر الراسخون في العلم أصحاب العصمة عليهم السلام فمنها: قوله تعالى {والذين لا يشهدون الزور}(4) روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبد الله

ص: 61


1- الكافي: ج 6 ص 434
2- نسخة المطبوع هكذا: الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر، راجع ص 25 ط النجف.
3- أخرجه في الوسائل ج 12 ص 229
4- الفرقان: 72

(علیه السلام) أن المراد به الغناء (1).

ومنها: قوله تعالى{ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين}(2) والمراد بلهو الحديث الغناء كما رواه الكليني عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: الغناء مما وعد الله عليه النار(3)

وتلا هذه الآية على وجه الاستدلال ورواه الصدوق أيضا وروى أحاديث متعددة في تفسير هذه الآية أن المراد بها الغناء (4).ومنها: قوله تعالى{واجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}(5)

روى الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) أن قول الزور الغناء(6) وذلك في أحاديث متعددة. ومنها: قوله تعالى{إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} روى بعض أصحابنا أنه الغناء ومنها آيات أخر يأتي بعضها إن شاء الله تعالى.

التاسع: ما روي من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو من النهي عنه وعدم الرخصة فيه وهو كثير. فمنه: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن الغناء وقيل: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله

ص: 62


1- الكافي: ج 6 ص 433
2- لقمان: 6
3- الكافي: ج 6 ص 431
4- معاني الأخبار ص 332
5- الحج: 30
6- الكافي: ج 6 ص 431

رخص في أن يقال جئناكم حيونا حيونا نحيكم فقال: كذبوا أن الله يقول{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون}(1)

ثم قال: ويل لفلان مما يصف رجل لم يحضر المجلس(2).

وعنه (علیه السلام) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله أنهاكم عن الزفن والمزمار وعن الكوبات والكبرات.

العاشر: ما روي عن الأئمة المعصومين عليهم السلام من النهي عنه وتحريمه والمبالغة في ذمه والترهيب منه والتنفير عنه وعده من جملة الكبائر وذلك وارد في أحاديث كثيرة تجاوزت حد التواتر المعنوي اعتبرتها فيجميع كتب الحديث التي كانت مجتمعة عندي لسبب من الأسباب فوجدتها تقارب ثلثمأة حديث وقد تقدم بعضها ويأتي نبذة منها بحسب ما يحضرني الآن من ذلك والعذر عدم وجود الكتب المشار إليها الآن.

الحادي عشر: ما روي من تحريم بيع المغنية وثمنها وتعليمها وشرائها واستماع صوتها مع أن فيها منافع مهمة محللة. فمن ذلك ما رواه الكليني وغيره عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن بيع الجواري المغنيات فقال: شراؤهن وبيعهن حرام وتعليمهن كفر واستماعهن نفاق (3). وعن الرضا (علیه السلام) أنه سئل

ص: 63


1- الأنبياء: 16 - 18
2- الكافي: ج 6 ص 433
3- الكافي: ج 5 ص 120

عن شراء المغنية فقال قد يكون للرجل جارية تلهية وما ثمنها إلا ثمن كلب وثمن الكلب سحت والسحت في النار(1).وبإسناده عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها (2).

وعن إبراهيم بن أبي البلاد إن إسحاق بن عمرو أوصى بجوار له مغنيات أن يبعن ويحمل ثمنهن إلى أبي الحسن (علیه السلام) قال: فبعت الجواري بثلثمائة ألف درهم وحملت الثمن إليه فقال: لا حاجة لي فيه إن هذا سحت وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت (3).

وروى الشيخ في كتاب الغيبة والصدوق في كتاب كمال الدين وغيرهما بأسانيدهمالصحيحة في توقيع صاحب الزمان (علیه السلام) إلى العمري في جواب مسائله قال (علیه السلام) وأما ما وصلنا به فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر وثمن المغنية حرام(4).

الثاني عشر: إن هؤلاء الصوفية منهم من يظهر الاقرار بتحريم الغناء ويدعي أنه لا يعرف معناه ومنهم: من يدعي اختصاص التحريم بغير القرآن أو بغير مجالس الشرب والملاهي تقليدا للغزالي وأضرابه من العامة فأما القسم الأول فيأتي الكلام معهم وأما الثاني فيرد عليهم ويبطل قولهم عموم الأدلة السابقة وخصوص حديث عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله اقرؤا

ص: 64


1- الكافي: ج 5 ص 120
2- الكافي: ج 5 ص 120
3- الكافي: ج 5 ص 120
4- الإكمال ج 2 ص 485 الغيبة: ص 177

القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسوق والكبائر(1) فإنه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم(2).

وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام و المسلمين السيد قاسم علي احمد

عند الإماميّة

يالعدد الثالث عشر

كان الكلام حول الأدلّة النقليّة في تنزيه الباري من الزمان واليك:

تتمة البحث

ولقد أجاد السيد الخوئي رحمه الله في مباحثه الأصولية حيث قال :

إنّ ارتباط المعلول بالعلّة الطبيعيّة يفترق عن ارتباط المعلول بالعلّة الفاعليّة في نقطة ويشترك معه في نقطة أُخرى:

ص: 65


1- اللحن: هو التطريب وتحسينه وترجيع الصوت: ترديد في الحلق.
2- الكافي: ج 2 ص 614

أمّا نقطة الافتراق فهي:

أنّ المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلّة وينبثق من صميم كيانها ووجودها ، ومن هنا قلنا إنّ تأثير العلّة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب .

وأمّا المعلول في الفواعل الإرادية فلا يرتبط بذات الفاعل والعلّة ولا ينبثق من صميم وجودها ، ومن هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسألة التناسب ، نعم يرتبط المعلول فيها بمشية الفاعل وإعمال قدرته ارتباطاً ذاتيا ، يعني يستحيل انفكاكه عنها حدوثاً وبقاءا ، ومتى تحقّقت المشيّة تحقق الفعل، ومتى انعدمت انعدم .

وعلى ذلك فمردّ ارتباط الأشياء الكونيّة بالمبدأ الأزلي وتعلّقها به ذاتاً إلى ارتباط تلك الأشياء بمشيّته وإعمال قدرته ، وإنّها خاضعة لها خضوعاًذاتياً، وتتعلق بها حدوثاً وبقاءا ، فمتى تحقّقت المشيّة الإلهية بإيجاد شيء وجد ، ومتى انعدمت انعدم ، فلا يعقل بقاؤه مع انعدامها ، ولا تتعلق بالذات الأزلية ولا تنبثق من صميم كيانها ووجودها كما عليه الفلاسفة . . (1).

ص: 66


1- محاضرات في أصول الفقه 2/92 ، وراجع أيضاً : 40.

إيضاح :

إن قلت : لابد من الالتزام بقدم العالم زماناً لقاعدة العليّة والمعلوليّة ؛ لأنّ القول بالحدوث الزماني - بمعنى المسبوقية بالعدم الصريح - للعالم يستلزم انفكاك العلّة عن المعلول ، وهو محال .

قلت : إنّ العليّة والمعلولية بين حقيقة وجود الخالق والمخلوق مقالة فاسدة من أصلها ، فكيف بالتفريع عليهما ، فإن باب الخالقية والمخلوقية ليس من باب العلية والمعلولية الطبيعية التطورية ، والفرق بينهما من وجوه :

وجوه فساد القول بالعليّة و المعلوليّة بين الخالق والمخلوق

الأوّل :إنّ باب العلية والمعلولية يتمّ فيما إذا كان إعطاء المعطي من ذاته ، وأمّا بالنسبة إلى المبدء المتعال الذي إعطاؤه حقائق الأشياء كان بالإبداع لا من شيء فلا .

ص: 67

وبعبارة أُخرى : موضوع الأوّل ما إذا كانت الفاعلية بالرشح والفيضان بالمعنى الحقيقي عن ذات العلة ، أمّا الحقّ تعالى فهو منزّه من تولّد شيء منه ، بل فاعليّته بالمشيّة والإبداع لا من شيء فلا مجرى للقاعدة المذكورة عليه(1).

ص: 68


1- أقول : أمّا أنّ فاعليته لا تكون من رشح ٍوإشراق ٍمن نفسه ، فلأنه الولادة منه الملازمة للتغيّر بفعله . *كما ورد عن الإمام الصادق ، عن أبيه الامام الباقر ، عن أبيه ، عن سيد الشهداء عليهم السلام ، في تفسير قوله تعالى : « لم يلد » قال : « لم يخرج منه شيء كثيف كالولد ، وسائر الأشياء الكثيفة التى تخرج من المخلوقين ، ولا شيء لطيف كالنفس ، ولا يتشعب منه البدوات كالسنة والنوم . . . تعالى أن يخرج منه شيء ، وأن يتولد منه شيء كثيف أو لطيف . . . مبدع الأشياء وخالقها ومنشى ء الأشياء بقدرته » . (التوحيد : 91 حديث 5) *وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام : « سبحان اللّه الذي ليس كمثله شي ، ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به علم ، لم يلد لأن الولد يشبه أباه ، ولم يولد فيشبه من كان قبله ، ولم يكن له من خلقه كفوا أحد ، تعالى عن صفة من سواه علوّا كبيرا » . ( بحار الأنوار 3/304 حديث 42 ) ، ولايخفى أنّ الصدور هو الولادة ، لا غير . *وعن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال لابن قرّة النصراني : « ما تقول في المسيح » ؟ قال: يا سيدي ! إنه من اللّه ، فقال : « وما تريد بقولك : من ؟ ! ومن على أربعة أوجه لا خامس لها ، أتريد بقولك : من ، كالبعض من الكل ، فيكون مبعّضا ؟ أو كالخلّ من الخمر ، فيكون على سبيل الاستحالة ؟ أو كالولد من الوالد فيكون على سبيل المناكحة ؟ أو كالصنعة من الصانع فيكون على سبيل المخلوق من الخالق ؟ . . أو عندك وجه آخر ؟ ! فتعرفناه . . » ، فانقطع . (المناقب 4/351 ، بحار الإنوار 10/349 حديث 7) *وعن الإمام أبي الحسن عليه السلام : « . . ان كل صانع شي فمن شي صنع ، واللّه الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شي » . ( بحار الأنوار 4/304 حديث 2 ) *وعن يونس بن عبد الرحمن ، أنه قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام ، سألته عن آدم هل كان فيه من جوهرية الرّب شي ؟ ! فكتب إلىّ جواب كتابى : « ليس صاحب هذه المسئلة على شي من السنة ، زنديق . » . ( بحار الأنوار 3/292 حديث 12 ) *وعن يونس بن بهمن قال : قال لي يونس اكتب إلى أبي الحسن عليه السلام ، فاسأله عن آدم هل فيه من جوهرية الله شيء ، قال : فكتبت إليه ، فأجاب : « هذه المسألة مسألة رجل على غير السنة » فقلت ليونس ، فقال : لا يسمع ذا أصحابنا ، فيبرءون منك ، قال : قلت ليونس : يتبرءون مني أو منك ؟ ! » .( بحار الأنوار 3/292 حديث 11 ) وأمّا أنّ فاعليته لا تكون من تطوّر وتشؤّن في نفسه ، فلأنه عين التغيّر في الذات المنزّه عنه الذات الازلي . *كما صرّح به أبو الحسن الرضا عليه السلام بقوله : « لا يتغيّر اللّه بانغيار المخلوق كما لا يتحدد بتحديد المحدود » . ( بحار الأنوار 4/229 حديث 3 ) لكونمرجع التطوّر إلى التغيّر ولا أقلّ من كونه من الانقسام الوهمي الذي أشار اليه أمير المؤمنين عليه السلام في معنى الواحد ، حيث قال : « . . لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم » . ( بحار الأنوار 3/207 حديث 1 ) وأشارإليه أبو الحسن الرضا عليه السلام بقوله : « . . ويوحّد ولا يبعّض . . » . ( بحار الأنوار 3/297 حديث 23 ) *وعن أبي جعفر عليه السلام : « إنّ اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه . . » . (التوحيد : 105 حديث4 ، 5 ) . . ولا يخفى أنّ هذه الطائفة من الأخبار كثيرة ، وهي وردت لإبطال ما يمكن أن يتوهم من أنّ معنى خلقه تعالى الخلق هو تنزّله تعالى وتطوّره بأطوار خلقه . ثم إنّ الأخبار المتواترة والآيات المتظافرة تدلاّن على بطلان القول بصدور الأشياء عن ذاته تعالى أو تجلّيه تعالى في ذوات الأشياء . كقوله عليه السلام : « . . إنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته . فإن قالوا : فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟ قيل لهم : إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو أن يوقنوا به ، ويقفوا عند أمره ونهيه ، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته ، كما أنّ الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير ، أبيض هو أم أسمر ، وإنما يكلفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره . أ لا ترى أنّ رجلا لو أتى باب الملك فقال : اعرض علي نفسك حتى أتقصي معرفتك وإلا لم أسمع لك ، كان قد أحل نفسه العقوبة ، فكذا القائل : إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرض لسخطه . فإن قالوا : أو ليس قد نصفه ، فنقول : هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ قيل لهم : كل هذه صفات إقرار وليست صفات إحاطة ، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه ، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته ، كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها ، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه ، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له ؛ لأن الأمثال كلها تقصر عنه ، ولكنها تقود العقل إلى معرفته . . الى أن قال : . . لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مباينا لكل شيء متعاليا عن كل شيء سبحانه وتعالى . فإن قالوا : كيف يعقل أن يكون مباينا لكل شيء متعاليا ؟ قيل لهم : الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو الأربعة أوجه : فأولها: أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود ؟ والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره ؟ والثالث : أن يعرف كيف هو وما صفته ؟ والرابع: أن يعلم لما ذا هو ولأية علة ؟ فليسمن هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود فقط ، فإذا قلنا كيف ؟ وما هو ؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به . . » (بحار الانوار 3/147) *وقوله عليه السلام : « . . اعلم يا عبد الله ! إنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب إقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنا به كلّ من عند ربنا ، و قد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، و سمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا . . » . بيان: الاقتحام : الهجوم ، و الدخول مغالبة . و السدد : جمع السدة ، و هي الباب المغلق . (التوحيد : 55 ، بحار الأنوار 3/257 - 258 و 4/277) *وقوله عليه السلام : « الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده ، و حجب العقول عن أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه و الشكل ، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته و لم يتبعض بتجزية العدد . . » . (بحار الأنوار 4/221 حديث1 ) وقوله عليه السلام : « . . البعيد عن حدس القلوب . . » ( بحار الأنوار 4/294 ) وقوله عليه السلام : « . . فهو بالموضع الذي لا يتناهى ، وبالمكان الذي لم يقع عليه الناعتون ، لا بإشارة ، ولا عبارة ، هيهات ، هيهات . . » . ( بحار الأنوار 4/160 ) وقوله عليه السلام : « . . وفات لعلوّه على الأشياء مواقع رجم المتوهّمين . .».(بحار الأنوار 4/275) وقوله عليه السلام : « . . سبحان من لا يعلم كيف هو إلاّ هو . . » . ( بحار الأنوار 3/301 ) وقوله عليه السلام : « . . لا يقال له ما هو ؟ لأنّه خلق الماهية . . » . ( بحار الأنوار 3/297 ) وقوله عليه السلام : « . . كالغامض لا يدركه أحد . . » . ( بحار الأنوار 3/149 ) وقوله عليه السلام : « . . من نظر في اللّه كيف هو هلك . . » . ( بحار الأنوار 3/264) وقوله عليه السلام : « كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم . . » . ( بحار الأنوار 69/293 ) وقوله عليه السلام : « . . محرّم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده . . » . ( بحار الأنوار 4/222 ) وقوله عليه السلام : « . . كلّ معروف بنفسه مصنوع . . » . ( بحار الأنوار 4/228 ) وقوله عليه السلام : « . . ليس بإله من عرف بنفسه . . » . ( بحار الأنوار 4/253 ) وقوله عليه السلام : « . . ما تصوّر فهو بخلافه . . » . ( بحار الأنوار 4/253 ) وقوله عليه السلام : « . . ما تصوّر في الأوهام فهو بخلافه . . » . ( بحار الأنوار 4/301 ) وقوله عليه السلام : « . . ما توهّمتم من شيء فتوهّموا اللّه غيره . . » . ( بحار الأنوار 4/40 ) وقوله عليه السلام : « . . كيف أصف ربّي بالكيف والكيف مخلوق ، واللّه لا يوصف بخلقه . . » . ( بحار الأنوار 3/295 ) وقوله عليه السلام : « . . كلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود . . » . ( بحار الأنوار 4/293 ) وقوله عليه السلام : « . . ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الأفهام عن تستغرقه، وعن الأذهان عن تمتثله ، قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم . . . قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه ، وتحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته . . » . ( بحار الأنوار 4/222 ) وقوله عليه السلام : « . . وقد ضلّت في إدراك كنهه هواجس الأحلام ؛ لأنه أجلّ من أن تحدّه ألباب البشر بالتفكير . . » . ( بحار الأنوار 4/275 ) وقوله عليه السلام : « . . ردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته . . » . ( بحار الأنوار 4/317 ) وقوله عليه السلام : « . . ارتفع عن أن تحوى كنه عظمته فهّاهة رويّات المتفكّرين . . » . ( بحار الأنوار 4/275 ) وقوله عليه السلام : « . . ليس علم الإنسان بأنه موجود موجب له أن يعلم ما هو ؟ وكيف هو ؟ . . » . ( بحار الأنوار 3/148 ) وقوله عليه السلام : « تكلّموا في خلق اللّه ، ولا تتكلّموا في اللّه ؛ فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّرا » . وفي حديث آخر : « تكلّموا في كلّ شيء ، ولا تتكلّموا في ذات اللّه . » . ( الكافي 1/92 ) وقوله عليه السلام : « إيّاكم والتفكّر في اللّه ؛ فإنّ التفكّر في اللّه لا يزيد إلاّتيها . » .( التوحيد : 457 ) وقوله عليه السلام : « إذا انتهى الكلام إلى اللّه عزّ وجلّ فأمسكوا . » . ( التوحيد : 456 ) وقوله عليه السلام : « . . فإن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرئيل وجنود الملائكة المقرّبين مرجحنين متولهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين ، وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات . . » . ( بحار الأنوار 4/314 ) وقوله عليه السلام : « . . الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ ولا ببعض ، بل وصفته بأفعاله ، ودلّت عليه بآياته . . » . ( بحار الأنوار 4/265 ) وقوله عليه السلام : « . . لأنّه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه ، وحاولت الفكر المبرّات من خطر الوسواس علم ذاته ، وتولّهت القلوب إليه لتحوي منه مكيّفا في صفاته ، وغمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم الهيّته ردعت خاسئة تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلّصة إليه سبحانه ، رجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف منه كنه معرفته . . » . ( بحار الأنوار 4/275 ) وقوله عليه السلام : « . . لا يخطر ببال أولي الرّويّات خاطرة من تقرير جلال عزّته ، لبعده أن يكون في قوى المحدودين . . » . ( بحار الأنوار 4/275 ) .. وغيرها من الأخبار الكثيرة القطعيّة الدالة على النهي عن الخوض والتّعمّق والتّكلّم والتّفكّر في ذاته سبحانه ، وأنّ البحث عنها موضوع ، بل قد ورد النهي عن المجالسة مع الخائضين ، لأجل أنّ الذات المقدّسة عندهم عليهم السلام ممتنع الإدراك بالذات . اقول : وتدل على بطلانها أيضا الأخبار المتواترة القطعيّة الدالة على التباين الكلي وعدم السّنخيّة بينه تعالى وبين خلقه ، كما سنوافيك بها قريبا . ومع هذه التصريحات عن الأئمة المعصومين عليهم السلام في امتناع حقيقة الذات المقدّسة عن الإدراك ، لا وجه لما ذهب إليه الفلاسفة والعرفاء من القول بوحدة الوجود و . . الى القول بالصدور والرشح والفيضان ، أو القول بالتطوّر والتشوءّن فيه تعالى - لأنّه - مضافا إلى لزوم السنخيّة بينه سبحانه وبين خلقه - يستلزم الإدراك والإكتناه بذاته تعالى كما لا يخفى . وأيضا لا وجه لما ذكره بعض المعاصرين في تفسيره - بعد نقله الروايات الناهية عن التفكّر في اللّه - بقوله : النهي إرشاديّ متعلّق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقليّة العميقة . . !! ( الميزان 19/53 )

ص: 69

ص: 70

ص: 71

ص: 72

ص: 73

ص: 74

ص: 75

ص: 76

الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حيدر الوكيل

العددالعاشر( لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة)

بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.

القسم الاول في مرويات الاسفار .

ص: 77

تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار ع والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلدة من الاسفار .

الاحاديث التي ذكرها في الجزء التاسع

الحديث الاول : البحر نار في نار .(1)عامي مرسل في تفسير القرطبي ج 18 ص 311 وقريب منه في السنن الكبرى ج 4 ص 334 وغيرها .

الحديث الثاني : البحر هو جهنم .(2)

عامي رواه احمد في مسنده ج 4 ص 223 والحاكم في المستدرك ج 4 ص 596 وغيرها.

ص: 78


1- - الأسفار ج9 ص 288 متن .
2- - الأسفار ج9 ص 287 متن .

الحديث الثالث : الجنة معلقة بقرون الشمس يبشر في كل عام مرة وأرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون من ثمر الجنة .(1)

مجمع الزوائد ج 2

ص 329 وهو منسوب الى كلام عبد الله بن عمر .

الحديث الرابع : الحمد لله ملء الميزان .(2)

الكافي ج 2 ص 547 , كتاب الدعاء للطبراني ص 492وغيره .

الحديث الخامس : القبر اما روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران(3) . جاء في اخبارنا مثل هذا المضمون بصيغة الدعاء اللهم اجعل...ولا تجعل فانظر من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 171 وغيره .

الحديث السادس : الموت تحفة المؤمن .عامي مرسل في الدعوات للقطب الراوندي ص 235 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 320 وغيره .

الحديث السابع : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا(4).

مرسل في عوالي اللئالي ج 4 ص 73 والبحار ج 4 ص43 وغيرها وذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ص 200 .

الحديث الثامن : ان الجنة قيعان وان غراسها سبحان الله(5).

ص: 79


1- - الأسفار ج9 ص286 متن .
2- - الأسفار ج9 ص 272 متن .
3- - الاسفار ج 9 ص 285 متن .
4- - الاسفار ج 9 ص 153 متن .
5- - الاسفار ج 9 ص 257 متن .

مرسل في عوالي اللئالي ج 4 ص 8 , الدر المنثور ج 4 ص 153 .

الحديث التاسع : انا نتحدث عن ارواح المؤمنين انها في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتاوي الى قناديل تحت العرش فقال ( (علیه السلام) ) : لا , اذن ما في حواصل طير , قلت فاين هي ؟ قال : في روضة كهيئة الاجساد في الجنة(1).

الكافي ج3 ص 245 وغيره .

الحديث العاشر : ان اكرم خلق الله ابو القاسم ص(2).

امالي الصدوق ص 491 وكتاب سليم بن قيس ص 253 وغيرها .الحديث الحادي عشر : ان طوبى شجرة اصلها في دار علي ابن ابي طالب ع وليس مؤمن الا وفي داره غصن من اغصانها(3).

الخصال ص 558 وفي اخبار اخرى ان اصلها في دار الرسول الاعظم ص وهي في الخصال ص 483 الكافي ج 2 ص 239 .

الحديث الثاني عشر : ان في الجنة سوقا يباع فيه الصور(4).

مرسل في البحار ج 8 ص 148 ومسند احمد ج 1 ص 156 وغيرها من كتب العامة .

الحديث الثالث عشر : ان في جبل اروند عينا من عيون الجنة(5).

ص: 80


1- - الاسفار ج 9 ص 285 متن .
2- - الاسفار ج 9 ص 285 متن .
3- - الاسفار ج 9 ص 335 متن .
4- - الاسفار ج 9 ص 131 متن .
5- - الاسفار ج 9 ص 284 متن .

مرسل في اثنا عشر رسالة للداماد ج 6 ص 42 والبحار ج 57 ص 122 .

الحديث الرابع عشر : ان لله جنة خلقها في المغرب وماء فراتكم هذه يخرج منها , واليها يخرج ارواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء وصباح فتسقط على اثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف , فاذا طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء في ما بين الارض والسماء تطير ذاهبة وجائية وتعهد حفرها اذا طلعت الشمس , وان لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها ارواح الكفار , ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم , فاذا طلع الفجر هاجت الى واد في اليمن يقال له برهوت اشد حرا من نيران الدنياكانوا فيها يتلاقون ويتعارفون واذا كان المساء عادوا الى النار فهم كذلك الى يوم القيامة (1). الكافي ج 3 ص 247 وغيره .

الحديث الخامس عشر : ان ناركم هذه من نار جهنم غسلت بسبعين ماء(2) .

قريب منه في مسند زيد بن علي ص 416 , تذكرة الموضوعات ص 225 .

ص: 81


1- - الاسفار ج 9 ص 285 متن .
2- - الاسفار ج 9 ص 41 متن .

الحديث السادس عشر : ان هذه النار غسلت بسبعين ماء ثم انزلت(1).

مسند زيد بن علي ص 416 , تذكرة الموضوعات ص 225.

الحديث السابع عشر : انه سئل عن معنى الصراط المستقيم قال : هو امير المؤمنين (علیه السلام)(2).

قريب منه في بصائر الدرجات ص 98 والكافي ج 1 ص 417 .

الحديث الثامن عشر : انه سال يهوديا اين موضع النار في كتابكم ؟ قال في البحر , قال (علیه السلام) ما اراه الا صادقا (3). لم اجده في المصادر المتاحة وقريب منه في الحديثين الاول والثاني من الجزء التاسع فراجع .

دعوة الإسلام الى السلام

الاستاذ ابوجعفر الكاظمي

الاسلام جاء لتهذيب عقول البشر وأبدانهم واجتماعهم: فضرب قبّته على عمادين؛ الإيمان، والعمل الصالح. وكثر ذكر الإيمان والعمل الصالح في القرآن الكريم. ودعوته قامت على السلم، فدعا اليه وقال في سورة البقرة: “ياأيُّها الَّذِينَ آمَنوا ادْخُلوا في السِّلْمِ كافَّةً..”(4).

ص: 82


1- - الاسفار ج 9 ص 65 متن .
2- - الاسفار ج 9 ص 280 متن .
3- - الاسفار ج 9 ص 287 متن .
4- آية 208

ومع ذلك جعل للمظلوم والمعتدى عليه حقاً في الدفاع؛ عن نفسه ودعوته وارشاده. فأوجب الجهاد دفاعاً عن الدعوة الإصلاحيّة: الدين والنفس والمال، وأمر بالكفِّ عن القتال إن رغب المهاجم في السلم، فقال في سورة الأنفال: “وإنْ جَنَحوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا..”(1).

وحصر شرعيّة القتال في صدِّ المقاتلين فقال في سورة البقرة: “وَقَاتِلوا في سَبيلِ اللهِ الذينَ يُقاتَلونَكُمْ ولاتَعْتَدوا إنَّ اللهَ لايُحِبُّ المُعْتَدينَ”(2).

وأوجب البرّ والقسط لمن لم يُحارب المسلمين، فقال في سورة الممتحنة: “لايَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الذينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجوكُم مِنْ ديارِكُم أنْ تَبَروهُم وتُقْسِطوا إلَيهِم إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ”(3).وأوجب حفظ من دخل في ذمّة الإسلام من الكافرين، ولم يُمانع المسلمين عن الدعوة الى الأسلام: في نفسه وماله وعرضه ودينه وبيعته وكنيسته.

وحرّم حرب الإستئصال؛ بالقاء السم في المياه، أو بالنار.

وحفظ من لم يحمل السلاح من الكافرين؛ كالشيوخ والأطفال والنساء؛ بأن جعلهم مِلكاً للمسلمين، لكي يُحافظوا عليهم محافظة المالك لملكه. وأباح الزواج بالأسيرات؛ فبينا المرأة أسيرة في الصباح إذا هي أعز الأزواج وأمكنهن في المساء.

ص: 83


1- آية61
2- آية 190
3- آية 8

وأوجب فوق ذلك؛ حفظ الأسير والرأفة به وتقديمه على النفس، ومدح من فعل ذلك، فقال في سورة الدهر: “ويُطْعِمونَ الطِّعَامَ على حُبِّهِ مِسْكينَاً ويَتيمَاً وأَسيرَاً”(1).

ومع ذلك فهو لم يُشرع القتال إلا لتهذيب العقول، والوحدة العالميّة، وجعْل البشر كلهم أمّة واحدة، فقال في سورة البقرة: “وَقاتِلوهُمْ حَتَّى لاتَكونَ فِتْنَةٌ ويَكونَ الدِّينُ لِلهِ..(2)”. ومثل ذلك في سورة الأنفال(3)وأمر بإعداد أنواع القوى إرهاباً لمن أراد الفساد؛ كي لايجرؤ على فتح أبواب القتال، فقال في سورة الأنفال: “وأَعِدّوا لَهُم مااستَطَعْتُم مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدوَّ اللهِ وعَدوَّكُمْ..(4)”.

ومن درَس الأحكام الشرعيّة عَلِم أن الإسلام: إصلاح وسلام ومحبّة ورأفة ورحمة، إذ أن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يُرْسَل إلا رحمة للعالمين، كما جاء في سورة الأنبياء .

ولذلك شُرّع الجهاد؛ لصدّ عادية من يُريد الفساد. ولو لم يُشرّع ذلك لما أمكن تربية البشر، وبث الدعوة الى الإصلاح، إذ أن سَلْب حق المظلوم في الدفاع موجب لجرأة الظالم والمفسد.

ص: 84


1- آية 8
2- آية 193
3- آية 39
4- آية 60

ومن راعى أحكام الجهاد ومايتبعه مما سيُذكر في الفصول الآتية؛ علم أنها أحكام نزل بها الروح الأمين على قلب الرسول الكريم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من رب العالمين. وفيها الدلالة على التوحيد، وصدق الرسالة.

وتجد في هذا الباب: أحكام الأراضي واستثمارها وجعلها بين الناس عامّة لايملكها أحد، مما لم يسبق في شريعة ولا قانون، ولاتصلح الأرض إلا بها.

في إعداد القوى

يجب على الكفاية تهيئة جميع وسائل الدفاع، وكل مايلزم لصدّ عادية الظالمين والمفسدين والغاشمين الذين يتحكّمون على الناس بغير رضاً منهم، ويغصبون حقوقهم، ويتصرفون في أموالهم ونفوسهم بغير حقّ. ولا يُستثنىشي ء من ذلك؛ سواء القوى الكيمياويّة والفيزياوية - خاصّة الميكانيكيّة - والعلميّة بجميع أقسام العلوم .

وإذا أُوجد شي ء من القوى والعلوم عند الملحدين، وخصوم الاسلام المعادين، ولم يوجد أعلى منها وأكثر وأشد لدى المسلمين: بحيث يكفي للوقوف أمام ما لدى غيرهم والتفوق عليه، فكل المسلمين معاقبون.

والحرب بالنار والجراثيم والسُم والغازات الخانقة وغيرها مما يحصل بها حرب الإستئصال؛ غير جائزة في دين الإسلام. ولكن يجب تهيئتها وحصول المسلمين عليها؛ لأن منع المفسدين عن استعمالها متوقف على ذلك.

ص: 85

اخبار اخر الزمان في كتب الانبياء السابقين ابو جعفر الكاظمي

العدد الثالث

كتاب هوشع

قال في الإصحاح الرابع منه، ما نصه:

«إن للربّ محاكمة مع سكان الأرض لأنه؛ لا أمانة، ولا إحسان، ولا معرفة الله في الأرض، لعن وكذب وقتل وفسق يعتنقون، ودماء تلحق دماء... لذلك؛ تنوح الأرض ويذبل كل من يسكن فيها مع حيوان البريّة، وطيور السماء، وأسماك البحر أيضاً تنتزع..».

ص: 86

كتاب يوئيل

لم يخل هذا الكتاب على اختصاره من الإشارة الى حوادث آخر الزمان وإن كانت اشاراته أقل من الإشارات الواردة في سائر كتب أنبياء التوراة، فمنها ما جاء في الإصحاح الثاني:

«ليرتعد جميع سكان الأرض لأن يوم الرب قادم لأنه قريب».

و مثل ذلك جاء في هذا الإصحاح وما قبله وما يليه.

كتاب عاموس

إن هذا الكتاب اشتمل على إشارات كسابقه، منها ما جاء في الإصحاح الثامن ونص عبارته هي:«اليس من أجل هذا ترتعد الأرض وينوح كل ساكن فيها وتطفو كلها كنهر، وتفيض و تنضب كنيل مصر، ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب إني أغيب الشمس في الظهر وأقتم الأرض في يوم نور...».

وقد جاء في كتب أنبياء التوراة ذكر ظلمة الشمس في يوم نزول العذاب كثيراً، وكذلك ورد في أخبار أهل البيت عليهم السلام؛ ركود الشمس في يوم نزول العذاب قبل ظهور الإمام المهدي (علیه السلام). فمن ذلك ما رواه الشيخ المفيد في الحديث السادس والعشرين بعد ذكر أمور كثيرة في أحوال آخر الزمان، وعلامات ظهور الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه قال:

ص: 87

«وركود الشمس من عند الزوال الى أوسط أوقات العصر...»(1).

كتاب عوبديا

وفي هذا الكتاب وردت اشارات في آخر الزمان منها قوله:

«فإنه قريب يوم الرب على كل الأمم، كما فعلت يُفعل بك، عملك يرتد على رأسك، لأنه كما شربتم على جبل قدسي؛ يشرب جميع الأمم دائماً يشربون ويجرعون ويكونون كأنهم لم يكونوا».

كتاب ميخاوفي هذا الكتاب تصريح وتلويح في علامات ظهور الإمام المهدي (علیه السلام) وأحوال فتن آخر الزمان منها ما جاء في الإصحاح الأول ونص عبارته:

«إسمعوا أيها الشعوب جميعكم، إصغي أيتها الارض...».

ومنها في الإصحاح السابع:

«قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس جميعهم يكمنون للدماء يصطادون بعضهم بعضاً بشبكة، اليدان الى الشهر مجتهدتان، الرئيس طالب والقاضي بالهدية، والكبير متكلم بهوى نفسه فيعكشونها، أحسنهم مثل العوسج، وأعدلهم من سياج الشوك يوم مراقبيك عقابك قد جاء... الآن يكون ارتباكهم... لا تأتمنوا صاحباً، لا تثقوا بصديق، إحفظ

ص: 88


1- الارشاد في ذكر علامات الظهور

أبواب فمك عن المضطجعة في حضنك لأن الإبن مستهين بالأب، والبنت قائمة على أمها، والكنّّة على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته...».

ثم بشر بعد ذلك بأيام الغفران ونزول الرحمة ورفع الغضب والسخط من الله تعالى، وغير ذلك من السعادة في الدنيا، وهذه أيام الإمام المهدي (علیه السلام) الموعودة. وقد كان في كلام أمير المؤمنين على (علیه السلام) في أحوال آخر الزمان ما يشبه هذا الكلام بتفاوت يسير، فراجع.كتاب ناحوم هذا الكتاب مثل سابقيه في ذكر أحوال آخر الزمان؛ من نزول العذاب الشديد على جميع أهل الأرض ويعقبه فرج شامل عام لجميعهم، قال في الإصحاح الأول:

«الربّ منتقم من مبغضيه - الى أن قال -: الجبال ترجف منه، والتلال تذوب، والأرض ترفع من وجهه، والعالم وكل الساكنين فيه».

ثم بشّر بعد ذلك بنزول الرحمة.

كتاب حبقوق

وهذا الكتاب لم يغفل التعرض لذكر حوادث وأخبار فتن آخر الزمان وما يعقب تلك الكوارث الهائلة؛ من فرج شامل، وحكم عادل. فقد جاء في الإصحاح الثاني منه ما نصه:

ص: 89

«أليس من قبل رب الجنود أن الشعوب يتعبون للنار، والأمم الباطلة يعيون...».

وفي الإصحاح الثالث ما نصه:

«نظر فرجف الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم» الى أن قال: «هل على الأنهار حمي يا رب؟ هل على الأنهار غضبك أو على الأنهار سخطك...».كتاب صفنيا

وقد ذكر هذا الكتاب حوادث آخر الزمان بمثل ما جاءت في أخبار أهل البيت عليهم السلام، قال في ألإصحاح الأول ما نصه:

«نزعاً أنزع أيها الإنسان والحيوان؛ أنزع طيور السماء، و سمك البحر، والمعاثر مع الأشرار، وأقطع الإنسان عن وجه الارض يقول الرب» الى ان قال: «ذلك اليوم؛ يوم سخط، يوم ضيق وشدة، يوم خراب ودمار، يوم ظلام وقتام، يوم سحاب وضباب، يوم بوق وهتاف على المدن المحصنة، وعلى الشرف الرفيعة، وأضايق الناس فيمشون كالعُمي؛ لانهم أخطأوا الى الرب، فيفسخ دمهم كالتراب، ولحمهم كالجلة، لا فضتهم ولا ذهبهم يستطيع انقاذهم في يوم غضب الرب، بل بنار غيرته تؤكل الأرض كلها؛ لأنه يصنع فناء باغتاً لكل سكان الارض».

وفي الإصحاح الثاني والثالث؛ ذكر خراب مدن كثيرة، وسعادة بعدها لمن

ص: 90

آمن بالرب وهم؛ إلا البقية الباقية من الناس الذين يأتون على عهد الإمام المهدي والمسيح عليهما السلام.

هداية الامة إلی معارف الائمة آية الله الخراساني

العدد الثالث عشر

آية الله الشيخ جواد الخراساني قدس سره

تتمة ما ورد عنهم(علیه السلام)من الاخبار الكثيرة في انه تعالی ليس بمحسوس وقد نقلنا واحدا منها في العدد السابق واليك تتمة البحث- المجلة

و قال الصادق(علیه السلام) في انكار الادراك للحواس ، في محاجته مع الديصاني و استدلاله(علیه السلام) له بالبيضة ، بعد قوله:«اخبرت فاوجزت، و قلت فاحسنت و قد علمت انا لا نقبل الا ما ادركناه بابصارنا ، او سمعناه بآذاننا ، او لمسناه باكفّنا ، او شممناه بمناخرنا، او ذقناه بافواهنا، او تصوّر في القلوب بياناً و استنبطته

ص: 91

الروايات ايقاناً ، فقال(علیه السلام): ذكرت الحواس الخمس ، و هي لا تنفع شيئاً بغير دليل ؛ كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.»(1)

و قال الصادق(علیه السلام) في معاني ما ذكر تفصيلاً في الا هليلجة،...ثم قال:

اخبرني بم تحتجّ في معرفة ربّك الّذي تصف قدرته و ربوبيّته ؟ و انما يعرف القلب الاشياءكلها بالدلالات الخمس التي و صفت لك. قلت : بالعقل الذي في قلبي ، و الدليل الذي احتج به في معرفته.قال : فأنی يكون ما تقول و انت تعرف ان القلب لا يعرف شيئاً بغير الحواس؟ فهل عاينت ربك ببصر ، او سمعت صوته باذن ، او شممته بنسيم، او ذقته بفم، او مسسته بيد، فادّی ذلك المعرفة الی قلبك؟

قلت: أرأيت اذا انكرت الله وجحدته لانك زعمت انك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الاشياء، و اقررت انا به، فلا بد ان قد يكون احدنا صادقاً و الاخر كاذباً؟ قال : لا، قلت : ارايت ان كان القول قولك ، فهل يخاف علي شيء مما اخوفك به في عقاب الله؟ قال: لا. قلت : ارايت ان كان كما اقول و الحق في يدي ، الست قد اخذت فيما كنت احاذر من عقاب الخالق بالثقة و انك قد وقعت بجحودك و انكارك في الهلكة؟ قال : بلی.

قلت : فاينا اولی بالحزم و اقرب من النجاة ؟ قال : انت الا انك علی ادعاء و شبهة و انا علی يقين و ثقة. لاني لا اری حواس الخمس ادركته و ما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود!

ص: 92


1- . البحار 3: 39/13.

قلت: انه لما عجزت حواسك عن ادراك الله انكرته ، و انا لما عجزت حواسي عن ادراك الله تعالی صدقت به قال: و كيف ذلك؟ قلت : لان كل شيء جری فيه اثر تركيب لجسم ، او وقع عليه بصر للون، فما ادركته الابصار و نالته الحواس فهو غير الله سبحانه لانه لا يشبه الخلق و لا يشبهه الخلق، و ان هذا الخلق ينتقل بتغيير و زوال و كل شيء اشبه التغيير و الزوال فهو مثله ؛ و ليس المخلوق كالخالق و لا المحدث كالمحدث.قال : ان هذا لقول و لكني منكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه الی قلبي!(1)

فلما اخذ اللجاج اخذ (علیه السلام) في الاحتجاج عليه بما يلزمه علی الاقرار، بانه قد يعلم الشيء الغايب عن حواسه يصدقه و هو لم يحسسه فاصر علی الانكار و لم يعط من نفسه الاقرار و هو طويل نذكر ملخصه فبلغ من لجاجه انه (علیه السلام) قال له: «هل تشهد بأنّ هذه الأهليلجة مشتملة علی نواة وانت لم تحسّها؟ قال: لا، لعلّه لم يكن شيء! قال (علیه السلام): هل تشهد بأنّ تحت القشر لحم؟ قال: لا، لعله لم يكن لحم! قال (علیه السلام): هل تشهد بأنّ امثال هذه الأهليلجة موجودة في البلدان؟ قال: لا ، لعلّه لم يكن غيرها شيء ! قال (علیه السلام): فهل تشهد أنّ لهذه الأهليلجة شجرة؟» فاضطرّ بالأعتراف بعد الاعتساف.»(2)

وقد ذكرت في طريق الأفحام قوله (علیه السلام) له: «هل احطت بالجهات كلّها».

ص: 93


1- .البحار 3: 153/1.
2- المصدر3: 156/1.

وقد قال (علیه السلام) ايضاً في جملة ما احتجّ عليه: «امّا إذ ابيت الّا الجهالة وزعمت أنّ الأشياء لا يدرك الّا بالحواسّ ، فإنّي اخبرك أنّه ليس للحواسّ دلالة علی الأشياء ولا فيها معرفة الّا بالقلب، فإنّه دليلها ومعرفّها الأشياء الّتي تدّعي أنّ القلب لايعرفها الّا بها.»(1).ثمّ استدلّ (علیه السلام) له تارة بهداية القلب وارشاده بعد ذهاب الحواسّ، واُخری بارشاده قبل اراءة الحواسّ؛ كطلب المولود اللّبن، والبكاء اذا جاع، والضحك اذا شبع، والتقاط فراخ الطير الحبّ، وسباغها اللحم، وامساك فراخ الطير البرّ عن الماء مخافة الغرق دون طير الماء، وامثال ذلك فلم يقنع؛ الی ان قال(علیه السلام) : «سأنبّئك من قبل نفسك خاصّة ما يستبين لك، أنّ الحواسّ، لا تعرف شيئاً الّا بالقلب». ثمّ بين له(علیه السلام) ثلاثة اشياء:

الاول:الرؤيا،فقال(علیه السلام):«هل رأيت في منامك أنّك تدخل بلاداً رايتها ومالم ترها؟ وهل رأيت الاموات ممّن كنت تعرفهم فتكلّمت معهم وعرفتهم وأكلت معهم؟ فايّ حواسّ دلّتك علی ذلك مع أنّها بمنزلة الميّت؟

قال: إنّه كما تقول، وربما رأيت الشيء في منامي، ثمّ لا امسي حتّی اراه في يقظتي ، فقال(علیه السلام): ايّ حواسّك دلّتك عليه؟ قال: هذا شيء لايدخله الحواسّ؛ ثمّ قال: الّذي رايته في منامي ليس الّا السّراب،فقال(علیه السلام): كيف جعلته كالسّراب، مع أنّك تجد فيها الفرح والحزن وتجد آثارها.»

ص: 94


1- المصدر3: 159/1.

الثّاني: الأحتلام ، فقال (علیه السلام): «هل احتملت قطّ حتّی قضيت في امرئة تعرفها ام لم تعرفها نهمتك واخذت منها لذّتك مثل ما تجد في يقظتك ، وخرج منك المني، مثل ما يخرج منك في اليقظة؟ قال: بلی، قال(علیه السلام): وفي ذلك كسر لحجّتك في السّراب، قال: مايری المحتلم في منامهالّا ما كانت حواسّه دلّت عليه في اليقظة، فقال(علیه السلام): ما زدت علی ان قوّيت مقالتي إنّ القلب يعقل الأشياء بعد ذهاب الحواسّ.»

الثالث: الفكر والتّدبير ،فقال(علیه السلام): «اخبرني، هل تحدث نفسك بتجارة او صناعة او بناء او تقدير شيء، ثمّ تأمر به اذا احكمت تقديره في ظنّك ؟ قال: نعم، قال(علیه السلام): فهل شركت قلبك في ذلك الفكر شيئاً من حواسّك؟ قال: لا، قال(علیه السلام): افلا تعلم أنّ الذّي اخبرك به قلبك حقّ؟ قال: اليقين هو ، فزدني ما يذهب الشكّ عنّي ويزيل الشبهة من قلبي.»(1)

ص: 95


1- البحار61: 60/45.

ابن عربي عارف ام ملحد؟الاستاذ علاء فيصل

العدد الخامس عشر

معارضته الصريحة للنصوص القرآنية والدينية

ويناقض (اليوم أكملت لكم دينكم) وضرورة الدين فيقول بالتشريع بعد الرسول

143- وبعد أن يذكر انقطاع نبوة التشريع ، يقول: «إلا أن الله لطف بعباده وأبقی لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام ، وأبقی لهم الوراثة في التشريع، فقال: العلماء ورثة الأنبياء ، وما ثم ميراث في ذلك إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه . .

ص: 96

فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع ، فمن حيث هو ولي وعارف. ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتم وأكمل من حيث هو رسول ، أو ذو تشريع وشرع.فإذا سمعت أحداً من أهل الله يقول ، أو ينقل إليك عنه أنه قال :الولاية أعلی من النبوة ، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه(1).

144- إلی أن يقول: «إن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة ، أو نهي عن أفعال مخصوصة ، ومحلها هذه الدار ،فهي منقطعة .

والولاية ليست كذلك ، إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي ، كما انقطعت الرسالة من حيث هي ، وإذا انقطعت من حيث هي لم يبق لها اسم .

والولي اسم باق لله تعالی ، فهو لعبيده تخلقاً وتحققاً ، وتعلقاً ، فقوله للعزير: لئن لم تنته عن السؤال عن ماهية الله لأمحون اسمك من ديوان النبوة ، فيأتيك الأمر علی الكشف بالتجلي . . »(2).

145- إلی أن قال: «إذ النبوة والرسالة خصوص رتبة في الولاية، علی بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب الخ . . »(3).

ابن عربي يدعي بأن خاتم الأولياء، ليس هو المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف!!

ص: 97


1- - فصوص الحكم ص135
2- - شرح فصوص الحكم- ص838
3- - فصوص الحكم ص136

146- ويقول : «استحق أن يكون لولايته الخاصة ختم يواطیء اسمه اسمه صلی الله عليه (وآله) وسلم، ويجوز خلفه ، وما هو بالمهدي المسمی ،المعروف بالمنتظر ، فإن ذلك من سلالته وعترته ،والختم ليس من سلالته الحسية، ولكنه من سلالة أعراقه وأخلاقه صلی الله عليه (وآله) وسلم» . . .(1)

بحث فقهي حول حرمة الموسيقی آية الله السيد علي الاشكوري

العدد الثالث عشر

تتمة البحث السابق حول حرمة اللهو

وسادساً: اننا بصدد اثبات حكم اللهو في نفسه من دون مزاحمته مع ما هو الأهم، اي اللهو الذي لا يوجب الصّد عن ذكر الله تعالی واحكامه ولا يجرّأ العبد علی معصيته سبحانه ولايكون موجباً لتعطيل حكم من احكام الله تبارك وتعالی .

وما يمكن ان يستدلّ به علی حرمة اللهو في الدائرة الثانية:

ص: 98


1- - الفتوحات المكية ج2ص50

1- ما رواه الكليني عن محمد بن يحيی عن عمران بن موسی عن الحسن بن ظريف عن عبد الله بن المغيرة رفعه قال: رسول الله صلّی الله عليه وآله (فيحديث) كل لهو المؤمن باطل الّا في ثلاث في تأديبه الفرس ورميه عن قوسه وملاعبته امرأته فانهنّ حق(1).

فيقال ان الرواية دلّت علی حرمة مطلق اللهو الّا في ثلاث.

فيمكن الجواب: اولاً بان الرواية ساقطة سنداً كما هو واضح.

وثانياً بان الباطل اعم من الحرمة بل يطلق علی ما لا يترتّب عليه الاجر والاثر الاخروي ولذا جاء في الحديث الشريف: ليس شيء تحضره الملائكة الّا الرهان وملاعبة الرجل اهله(2).

وثالثاً: لايمكن الالتزام بمضمون الحديث لاننا نری ان كثيراً من التصرفات والاعمال التي هي من مصاديق الباطل، يرتكبها المتشرّعة من دون تحرّج بل ان اباحتها تعدّ من الضروريات كاللعب بالسبحة ونحوها.

ورابعاً: وقد جاء في الحديث: عن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السلام)­ قال: قال رسول الله صلّی الله عليه وآله .... نعم اللهو المغزل للمرأةالصالحة(3).

ص: 99


1- الوسائل ج13 ص347 ح5
2- الوسائل ج13 ص347 ح4
3- الوسائل ج12 ص174 ح2

(اللهم الّا ان يقال ان تلك الرواية انّما حدّدت ما يصلح من اللهو للرجال وهذه ذكرت ما يصلح من اللهو للنساء فلا تهافت بين الروايتين) ويؤيد ذلكما عن ابن عباس عن رسول الله قال: (خير لهو المؤمن السباحة وخير لهو المرأة المغزل)(1).

2- ما جاء في كنز العمّال عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلّی الله عليه وآله قال: كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب الّا ان يكون اربعة ملاعبة الرجل امرأته وتأديب الرجل فرسه ومشي الرجل بين الغرضين وتعليم الرجل السباحة(2).

والرواية ساقطة سنداً. وامّا من ناحية الدلالة فالاستدلال بها متوقّف علی اثبات حرمة اللهو واللعب مسبقاً، هذا اولاً وثانياً انه يأتي ما ذكرناه من الاشكال في الرواية السابقة.

3- عن ابي الدرداء عن رسول الله صلّی الله عليه وآله قال اللهو في ثلاث تأديب فرسك ورميك بقوسك وملاعبتك اهلك(3).

ص: 100


1- كنز العمّال ج15ص211ح40611
2- كنز العمّال ج15ص211ح40612
3- كنز العمّال ج15ص211ح40613

والرواية ساقطة سنداً. واما من ناحية الدلالة فلا تدلّ علی حرمة اللهو في غير الموارد الثلاث كما هو واضح.4- ما رواه الشيخ الطوسي باسناده عن محمد بن علي ابن محبوب عن الحسن بن عباس بن عامر عن ابان بن عثمان عن زرارة عن ابي جعفر (علیه السلام) قال سألته عمن يخرج عن اهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصّر من صلاته ام لا يقصّر؟ قال: انما خرج في لهو لا يقصّر، الحديث(1).

والرواية تامة سنداً. وامّا من ناحية الدلالة فيقال بما اننا لانعرف وجهاً لاتمام الصلاة الّا كون السفر معصية للصيد اللهوي.

ولكن يمكن ان يقال في الجواب: لا ملازمة بين وجوب الاتمام في السفر وبين كونه معصية لانه اعم من ذلك، هذا اولاً.

.ثانياً: ان احتمال ارتكاب المعاصي في امثال هذه الاسفار كشرب الخمر والمقامرة والغناء المحرّم موجود جداً (اي يكون سفر الصيد اللهوي ظرفاً لارتكاب المعاصي والمحرّمات) ولا سيّما ان المفروض في مورد السؤال انه سافر بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين، فهو من عادة الفسّاق والجبابرة والملوك واصحاب الترف.

ص: 101


1- الوسائل ج5ص511ح1

وبعبارة اخری: هذا اللهو من المستوی الذي يصدّ عن ذكر الله تعالی ويجرّأ العبد علی معصيته سبحانه وهو ممّا لاكلام في منعه وحظره.5- ما رواه الحسن بن محمد الطوسي في مجالسه عن ابيه عن ابن الصلت عن ابن عقدة عن علي بن محمد بن علي الحلبي عن جعفر بن محمد بن عيسی عن عبدالله بن علي عن علي بن موسی عن آبائه عليهم السلام عن علي (علیه السلام) قال كل ما الهی عن ذكر الله فهو من الميسر(1).

وبعد وضوح ان الميسر من المحرّمات لقوله تعالی: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير. الآية(2)

،وقوله تعالی انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوا لعلّكم تفلحون(3).

وقوله تعالی: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل انتم منتهون(4).

ولكن يمكن ان يقال: اولاً: ان الرواية انما دلّت علی حرمة اللهو الذي يصدّ عن ذكر الله تعالی فهذا ممّا لا نقاش فيه وانما الكلام في حرمة مطلق اللهو

ص: 102


1- الوسائل ج12ص235ح15
2- سورة البقرة آية219
3- سورة المائدة آية90
4- سورة المائدة آية91

وثانياً ان المناسبات تقتضي ان يكون المقصود من الحديث الشريف هو كل ما الهی عن ذكر الله من الالعاب والمقامرات فهو من الميسر فحينئذٍ تكون الرواية اخّص من المدعی.

وثالثاً: ان الرواية ساقطة سنداً.

وامّا الدائرة الثالثة وهي اللهو بمعنی مايشغل الانسان من هویً وطرب فما يمكن ان يستدلّ به علی حرمته هو ما ذكرنا من الروايات التي ذكرت اللهو والملاهي، كقوله (علیه السلام) والكبائر محرّمة وهي الشرك بالله..... والملاهي التي تصّد عن ذكر الله تبارك وتعالی كالغناء وضرب الاوتار، الحديث(1). وقوله (علیه السلام) استماع اللهو والغناء ينبت النفاق(2)، وغيرهما من الروايات فراجع.

ولكن يمكن الجواب عن ذلك انه لاشك في حرمة اللهو الذي يصّد عن ذكر الله ويجرّأ العبد علی معصيته سبحانه كما ذكرنا غير مرّة سواء تمثّل في الغناء او في ضرب الاوتار او اللعب بالسبحة والحجارة بل حتی لو تحقّق في ملاعبة الرجل مع امرأته وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه بل هو ممنوع حتی لو تمثّل في البيع والتجارة وسائر الاعمال الجدّية في الحياة الاجتماعية والفردية وامّا اذا لم يؤدّ الی هذا المستوی فلا دليل علی حرمته الّا ان يدّل الدليلعلی

ص: 103


1- الخصال ج12ص235ح1
2- الوسائل ج12ص235ح1

حرمة مصاديق معيّنة كضرب الاوتار والغناء وبعض الالعاب كالشطرنج والنرد.

اللهمّ الّا ان يقال ان حرمة الغناء وضرب الاوتار لامن اجل انهما من مصاديق اللهو الذي يكون عن طرب وهویً بل من اجل انطباق عنوان انهما من الملاهي التي تصدّ عن ذكر الله تبارك وتعالی كما اشارت اليه بعض الاحاديث . فتدبّر.

وقال الشيخ الاعظم الانصاري في المكاسب: والاخبار الظاهرة في حرمة اللهو كثيرة جداً....... ولكن الاشكال في معنی اللهو فانه ان اريد به مطلق اللعب كما يظهر من الصحاح والقاموس فالظاهر ان القول بحرمته شاذّ مخالف للمشهور والسيرة فان اللعب وهي الحركة لا لغرض عقلائي ولاخلاف ظاهراً في عدم حرمته علی الاطلاق نعم لو خصّ اللهو بما يكون من بطر وفسّر بشدة الفرح كان الاقوی تحريمه ويدخل في ذلك الرقص والتصفيق والضرب بالطشت بدل الدف وكلمّا يفيد فائدة آلات اللهو، ولو جعل مطلق الحركات التي لا يتعلّق بها غرض عقلائي مع انبعاثها عن القوی الشهوية ففي حرمته تردّد(1).

ص: 104


1- المكاسب ص54

وعلی كل فاننا كما قال صاحب المصباح(1) لا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره من تقوية حرمة الفرح الشديد.

وقال السيد البروجردي قدّس سرّه علی ما جاء في تقرير بحثه الذي كتبه... (وحرمة بعض اقسام اللهو وان كانت قطعيّة ولكن لايمكن الالتزام بحرمة جميع اقسامه اذ المحرّم من اللهو هو ما اوجب خروج الانسان من حالته الطبيعيّة بحيث يوجد له حالة سكر لايبقی معها للعقل حكومة وسلطنة كالالحان الموسيقيّة التي تخرج من استمعها من الموازين العقليّة وتجعله مسلوب الاختيار في حركاته وسكناته فيتحرّك ويترنّم علی طبق نغماتها وان كان من اعقل الناس وأمتنهم، وبالجملة المحرّم منه ما يوجب خروج الانسان من المتانة والوقار قهراً ويوجد له سكراً روحياً تزول معه حكومة العقل بالكليّة...)(2).

وقد ظهر لك مما سبق ان الميزان في حرمة اللهو هو ما يصدّ عن ذكر الله تبارك وتعالی وما يخلّ بامر معاد العباد ومعاشهم.

هذا تمام الكلام في بيان معنی اللهو وتحديد موقف الشريعة تجاهه.

مايمكن ان يستدلّ به علی الجواز

ص: 105


1- مصباح الفقاهة ج1ص423
2- البدر الزاهر في صلوة الجمعة والمسافر ص234

وامّا ما يمكن ان يستدلّ به علی جواز الموسيقی: ففي هذا المقام لسنا بصدد ذكر ما يمكن ان يعارض الادلّة السابقة لما رايت من ان المسئلة كانت واضحة المنع ومهما نحصل علی دليل لا يقاوم ما ذكرناه من الروايات الكثيرة المتظافرة بل المتواترة (حيث كانت بمجموعها تشكّل التواتر الاجمالي علی الحرمة والمنع) بل نحن هنا بصدد الفحص عن وجود دليل مخصّص لتلك الروايات او ما يفسّر لنا المراد من المنع ويبيّن لنا نكتة الحظر وبالاحری نفحص عمّا يشخّص لنا موضوع الحكم الذي تعلّقت به الحرمة لانه مع اختلاف الموضوع وتبدّله لا يمكن اسراء الحكم من موضوع الی موضوع آخر. وفيما يلي نستعرض ما يمكن ان يذكر بهذا الصدد:

1- ما يمكن ان يستدلّ به علی جواز الموسيقی في زفّ العرائس:

الف: ما في عوالي اللئالي عن رسول الله صلّی الله عليه وآله انه نهی عن الضرب بالدّف والرقص وعن اللعب كلّه وعن حضوره ومن الاستماع اليه ولم يجز ضرب الدّف الّا في الاملاك والدخول بشرط ان يكون في البكر ولا يدخل الرجال عليهنّ(1).

والرواية ساقطة سنداً. وامّا من ناحية الدلالة: فهي اخص من المدّعی لانها تخصّص الجواز بالعرائس بل بخصوص زفّ البكر وللنساء خاصة دون

ص: 106


1- مستدرك الوسائل ج16ص218ح14

الرجال لقوله صلّی الله عليه وآله بشرط ان يكون في البكر ولايدخل الرجال عليهنّ.

ب: ما رواه الراوندي في نوادره باسناده عن موسی بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فرق بين النكاح والسفاح ضرب الدّف(1).

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني

ص: 107


1- ولكن الظاهر من نوادر الراوندي طبعة النجف الاشرف ص40 ان الرواية لعليّ (علیه السلام) وفيما يلي نص الرواية مع رواية اخری مذكورة في ذيلها: قال علي (علیه السلام) فرق بين النكاح والسفاح ضرب الدّف. قال علي (علیه السلام) قالت الانصار يارسول الله ماذا نقول اذا زففنا؟ فقال رسول الله صلّی الله عليه وآله قولوا: اتيناكم اتيناكم فحيّونا نحييكم لولا الذهبة الحمراء ما حلّت فتاتنا بواديكم. والظاهر ان الراوندي يروي تمام ما ورد في نوادره من الاحاديث بالاسناد التالي: فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسيني الرواندي عن عبد الواحد بن اسماعيل بن احمد الروياني عن محمد بن محمد الحسن التيمي البكر الحاجي عن سهل بن احمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الاشعث الكوفي عن موسی بن اسماعيل بن موسی عن ابيه اسماعيل بن موسی عن موسی بن جعفر (علیه السلام) عن ابيه جعفر بن محمد (علیه السلام) عن آبائه عليهم السلام عن علي (علیه السلام) .

وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة

الحلقة السابعة عشر

لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الامة الاسلامية وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسّين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض استعمارية ولذا ارتأت المجلة اظهارانحرافات الشيخية حتی تحذر الامة افكارهم وكما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة(المجلة)

المسألة الحادية عشرة:«النبي والأئمة خلق فوق بني آدم»

من جملة عقائد فرقة الشيخية ومن تابعهم المخالفة لما عليه المسلمون،كون النبي وعترته خلقاً فوق بني آدم، قال الاحسائي في شرحه للزيارة في جملة ما قال:«فإنهم إنما يدخلون في النوع ظاهراً،وإلا ففي الحقيقة هم خلق آخرفوق بني آدم»(1).

وقال إن الحقيقة المحمدية قد ملأت الوجود المطلق الذي ليس وراءه إمكان، وإنما وراءه وجوب، فالحادث الممكن غير الحقيقة المحمدية»(2).وقال :«ولهم صورة حسنة لا يكون في الإمكان مايدانيها ولو

ص: 108


1- شرح الزيارة - الاحسائي ج4 ص81
2- نفس المصدر ج3 ص281

ظهروا للناس ببعضها لما رآهم أحد من الخلق إلا مات علیالفور»(1)،وقال«اعلم

أن أجسادهم وأجسامهم في غاية اللطافة،بحيث لاتدركها الأبصار بل ولاالبصائر، وإنما ظهروا للناس بما لبسوا من الصورة البشرية»(2)وقال:«فأول

ما خلق محمد ثم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم الأئمة الثمانية عليهم السلام،ثم فاطمة عليها السلام»(3).

وقال محمد باقر الاسكوئي:«إن حقيقة الأربعة عشر غير حقيقة الأنبياء وفوقها وأعلی رتبة منها. .وحقيقة الأنبياء غير حقيقة الإنسان. .»(4).

قال عبدالرسول الإحقاقي:«إن الحقيقة الطاهرة للرسول الاعظم هي أسمی من طينة البشر،بل لا مجال للمقارنة إنه كان موجوداً لاهوتياً تردی برداء البشرية»(5). وقال :«. . وهكذا نجد أن الحقيقة المحمدية النورية للرسول الأعظم تختلف عن الطينة البشرية»(6).وقال:«في

حين خلقت الذات المحمدية

ص: 109


1- نفس المصدر ج1ص324
2- نفس المصدر ص127
3- نفس المصدر ص187
4- الاسكوئي: الرسالة التطهرية ص70 و71
5- الاحقاقي:الولاية - بيروت الطبعة الاولی ج1 ص194
6- نفس المصدر ص189

بإجماع المسلمين والتواتر بين جميع الفرق من نور الله جل جلاله،وكان موجوداً قبل آدم»(1).أقول: وهذه العقيدة مخالفة للضرورة من الدين وما ورد في الفرقان العظيم والسنة الصحيحة، من أن النبي لا يختلف عن البشر،فهو من صلب آدم ومن الطينة التي خلق الله سبحانه منها آدم،وهذه المقالة عجيبة غريبة مناقضة للكتاب و السنة،فأما الكتاب المجيد فقد قال فيه سبحانه: قل انّما انا بشر مثلكم.(2)فإنها

نص بيّن علی كونه ليس نوعاً غير البشر. وقال سبحانه:لقد جاءكم رسول من أنفسكم(3)،

أي من جنسكم من البشر. وقال سبحانه: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإئن متّ فهم الخالدون.(4)

وظاهرهايستفاد منه كونه من البشر.وقال سبحانه: قل سبحان ربي هل كنت الّا بشرًا رّسولًا(5).

وأما السنة فكثيرة وهي بعباير مختلفة،منها خبر الخيرة الذي فيه،ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم. ومنها ما دل علی كونه سيد ولد آدم.

ص: 110


1- نفس المصدر ص188
2- الكهف اية 110
3- التوبة اية 128
4- الانبياء اية34
5- الاسراء اية 93

ومنها ما دل علی كونه سيد البشر إلی غيرها من الروايات الناصة علی كونه من جنس البشر(1).قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالی: إنّما أنا بشر مثلكم القصر الأول قصره في البشرية المماثلة لبشرية الناس لا يزيد عليهم شيء ولا يدعيه لنفسه قبال ما كانوا يزعمون أنه إذا ادعی النبوة فقد ادعی كينونة إلهية(2).

وقال الطبرسي:«ثم قال لنبيه قل يا محمد لهؤلاءالكفار،«إنما أنا بشر مثلكم» من ولد آدم لحم و دم»(3).

وقال محمد جواد مغنية:لقد ثبت عن رسول الله أنه قال :أنا سيد ولد آدم،فهل لمسلم أن يظن أو يحتمل أن الرسول أراد نوعاًخاصاً من البشر لا كل البشر(4).

وقال الشيخ المفيد:«اتفقت الإمامية علی إن أنبياءالله عزوجل ورسله من البشر»(5).

إلی كثير من الآيات والروايات الصحيحة التي تنص علی أن النبي، واهل بيته من البشر من دون زيادة، ولكن الله سبحانه فضلهم وشرّفهم علی سائر مخلوقاته. وبالجملة فقد خالف الشيخية الآيات القرآنية والسنة الصحيحة

ص: 111


1- بوار الغالين ص126 و127
2- الميزان ج13 ص110
3- مجمع البيان ج9ص7
4- التفسير الكاشف المجلد الاول ص243
5- اوائل المقالات ص52

وما عليه علماء الشيعة،وبهذا يظهر بطلان زعمهم علی وجود الإجماع وتواتر الأخبار.وأما ما ذكروه من الترتيب في وجوداتهم فهو غير ماأثبتته الضرورة وغير ما قرره العيان، فكون الصديقة متأخرة في الخلق عن جميع الأئمة مما لايقبله العقل ويكذبه الوجدان وبهذا خالفت فرقة الشيخية الضرورة الوجدانية.

ص: 112

مَوَاقِف حَاسِمَة للإمَامِ السجاد(علیه السلام) اية الله الجلالي

العدد الخامس

موقفه من أعوان الظلمة

ومنها: الرسالة التي وجّهها الإمام(علیه السلام) إليه:

ويبدو أنّ الزهريَ لم يأبه بكلّ النصائح والتوجيهات السابقة، فتوغّل في دوّامة الحكم الغاشم، والتحق بالبلاط الشاميّ، فلم يتركه الإمام (علیه السلام)، بل أرسل إليه رسالة دامغة، يصرّح فيها بكل أغراضه، ويكشف له، ولأمثاله، أخطار الاتصال بالأجهزة الظالمة.

وقد رواها العامة والخاصة، ونصّ الغزّالي على أنها كتبت إلى الزهري « لما خالط السلطان(1).

ورواها من أعلامنا ابن شعبة، ونعتمد نسخته هنا (2)قال:

ص: 113


1- إحياء علوم الدين (2: 143) وانظر المحجة البيضاء في إحياء الاحياء 3: 260
2- تحف العقول (ص 274) والمحجة البيضاء 3: 260

كتابه (علیه السلام) إلى محمّد بن مسلم الزُهْريّ، يعظه:

كفانا الله، وإيّاك، من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحتَ بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نِعمُ الله بما أصحّ من بدنك، وأطال منعمرك، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه، وفقّهك من دينه، وعرّفك من سنّة نبيِّه محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فرضي لك - في كلّ نعمة أنعم بها عليك، وفي كلّ حُجّة احتجّ بها عليك - الفرض بما قضى، فما قضى إلاّ ابتلى شكرك في ذلك، وأبدى فيه فضله عليك، فقال:{لئن شكرتم لأزيدنّكم، ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد}(1)

فانظر: أيَّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله ! فسألك عن نعمه عليك: كيف رعيتها ؟ وعن حججه عليك: كيف قضيتها ؟

ولا تحسبنّ الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير !

هيهات ! هيهات ! ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال:لِتبِيّنُنَّه للناس ولاتكتمونه (2)

ص: 114


1- إبراهيم « 14 » الآية 7
2- آل عمران « 3 » الآية « 187

واعلم أنّ أدنى ما كتمتَ، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت !فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً، مع الخونة، وأن تُسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنك أخذت ماليس لك ممَّن أعطاك، ودنوت ممّن لم يردَّ على أحد حقّاً، ولم تردَّ باطلاً حين أدناك، وأحببتَ مَنْ حادَّ الله !

أوليس بدعائهم إيّاك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم،

وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّما إلى ضلالتهم.

داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يُدخلون بك الشكَّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم.

فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم.

فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك في كَنَف ما خربّوا عليك ؟

فانظر لنفسك، فإنّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.

وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً ؟

ص: 115

فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: فَخَلَف من بعدهم خَلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيُغفر لنا(1)

إنّك لست في دار مقام، أنت في دار قد آذنتْ برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه ؟

طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس مَن يموت وتبقى ذنوبه من بعده.

إحذر فقد نُبّئتَ، وبادر فقد اُجّلتَ.

إنّك تعامل مَن لا يجهل، وإنّ الذي يحفظ عليك لا يغفل.

تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداوِ دينك فقد دخله سقم شديد.

ولا تحسب أني أردتُ توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكنّي أردتُ أن ينعش الله ما فات من رأيك، ويردّ إليك ما عزُب من دينك، وذكرت قول الله تعالى في كتابه: وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين(2)

ص: 116


1- الأعراف « 7 » الآية 169
2- الذاريات « 51 » الآية 55

أغفلتَ ذكر مَن مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيتَ بعدهم كقَرن أعضب.

انظر: هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به ؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ؟ أم هل

تراهم ذكرت خيراً أهملوه ؟ وعلمت شيئاً جهلوه ؟

بل: حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامّة، وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم في ما لديك ذهابُ علمائهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحبّ الرئاسة، وطلب الدنيا منك ومنهم.

أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة ؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟

قد ابتليتهم، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم ممّا رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغتَ، أو يدركوا به مثل الذي أدركتَ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدّر قدره.

فالله لنا ولك، وهو المستعان.

أمّا بعد:

ص: 117

فأعرض عن كلّ ما أنت فيه حتّى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم، لاصقةً بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا، ولا يفتنون بها.

رغبوا، فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا.

فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ، مع كبر سنّك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنّه ؟ الجاهل في علمه ؟ المأفون في رأيه ؟ المدخول في عقله ؟

إنّا لله وإنّا اليه راجعون.

على من المعوّل ؟ وعند مَن المستعتب ؟

نشكو إلى الله بثّنا، وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك !

فانظر:

كيف شكرك لمن غذَاك بنعمه صغيراً وكبيراً ؟

وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً ؟

وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً ؟

ص: 118

وكيف قربك أو بعدك ممّن أمرك أن تكون منه قريباً ذليلاً ؟

مالك لا تنتبه من نعستك ؟ وتستقيل من عثرتك ؟ فتقول: والله ما قمتُ لله مقاماً واحداً أحييتُ به له ديناً ! أو أَمَتُّ له فيه باطلاً ؟

فهذا شكرك من استحملك ؟!

ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه: (أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيّاً(1).

استحملك كتابه، واستودعك علمه، فأضعتهما !

فنحمد الله الذي عافانا ممّا ابتلاك به !والسلام(2) .

إنّ هذه الرسالة تدلّ على سياسة الإمام (علیه السلام) من جهتين:

فأولاً: محتواها يدلّ على انّ الإمام كان يراقب الأوضاع بدقّة فائقة، فهو يضع النقاط على مواضعها من الحروف، ولا تشذّ عنه صغار الأمور فضلاً عن

ص: 119


1- مريم « 19 » الآية 59
2- روى الرسالة في تحف العقول (274 - 277) ورواها الحائري في: بلاغة علي بن الحسين (علیه السلام) ص 122 - 126 ورواها المقرم في: الإمام زين العابدين (ص 4 - 159) ولاحظ إحياء علوم الدين للغزالي 2: 143.

كبارها ؟ ومثل هذا لا يصدر إلاّ ممّن لم ينعزل عن الحياة الاجتماعية، ولم يزهد في السياسة.

وثانياً: إنّ إرسال مثل هذه الرسالة إلى الزهري، وهو من أعيان علماء البلاط، لابدّ أن لا تخفى عن أعين الحكّام، أو على الأقل يحتمل أن يرفعها الزهري إلى أسياده من الحكّام ! وفي هذا من الخطورة على الإمام الذي أرسل الرسالة ما هو واضح وبيّن، وقد وصفهم فيها بالظلم والفساد، ونهى، وحذّر، وحاول صرف الزهري عن اصطحابهم.

فالسياسة تطفح من جُمَل هذه الرسالة.

لكنّ الإمام (علیه السلام) - في هذه المرحلة - لا يأبه بكل الاحتمالات، والأخطار المتوقّعة، بل يصارح أعوان الظلمة بكلّ ما يجب إعلانه من الحقّ، كما صارح الظالمين أنفسهم بالمواجهة، والاستفزاز.

وقد وقفنا على شيء من مواجهة الإمام (علیه السلام) للمتظاهرين بالزهد والصلاح ممن كان يميل باطناً إلى الدنيا، ويحبّ الرئاسة والوجاهة، وأوضح مصاديق ذلك: هم عُلماء البلاط ووعّاظ السلاطين الذين ارتبطوا بالولاة والحكّام، ليستمتعوا باللذات من خلال الحضور معهم، والتطفّل على موائدهم.

ص: 120

من الروايات المكذوبة رواية سوادة بن قيس

الواردة حول رحلة خاتم الانبياء والرسل محمدالمصطفى(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد واله الطيبين والطاهرين

وبعد: فقد روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه الامالي1 بسند ينتهي الى خالد الحذاء عن ابي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي عن ابن عباس انه قال: لما مرض رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد جاء فيها انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). قال لاصحابه أي رجل منكم له مظلمة قِبَلَ محمّد الّا قام فليقتص منه فالقصاص في دارالدنيا احب الی من القصاص في دارالآخرة على رؤوس الملائكة والانبياء فقام اليه رجل من اقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له - الى- فرفعت القضيب وانت تريد الراحلة فأصاب بطني ولاادري عمداً او خطاءً فقال معاذالله ان اكون تعمدتُ ثم قال يا بلال قم الى من-زل فاطمة(علیهما السلام) فأتني بالقضيب المشوق - الى - فقال تعال فاقتص مني حتى ترضى الى فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). يا سوادة بن قيس اتعفو ام تقتص؟ فقال بل اعفو يا رسول الله فقال(صَلَّى اَللَّهُعَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبييك محمّد ثم قام رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فدخل بيت

ص: 121

ام سلمة وهو يقول رب سلّم امة محمد من النار ويسّر عليهم الحساب فقالت ام سلمة يا رسول الله مالي اراك مغموماً متغيّر اللون فقال نعيت الى نفسي هذه الساعة فسلام لك في الدنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمّد ابداً فقالت ام سلمة وا حزناه حزناً -الى- فن-زل ملك الموت فقال السلام عليك يا رسول الله قال وعليك السلام يا ملك الموت لي اليك حاجة قال وما حاجتك يا نبي الله قال حاجتي ان(1) لا تقبض روحي حتى يجيئني جبرائيل فيسلم عليّ واسلم عليه - الى ان قال- فلما كشف الثوب عن وجه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نظر يعني رسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الى جبرائيل فقال له:«عندالشّدائد تخذلني» فقال: «يا محمّد انك ميت وانهم ميتون كل نفس ذائقة الموت» اقول: والرواية طويلة هذا قسم منها وقد اشتملت فيما لم انقله على «انه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اتكأ على عاتقي علي(علیه السلام) واسامة ثم قال فانطلقا بي الى فاطمة(علیهما السلام) فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها(علیهما السلام)» وهي صريحة ان وفاته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كانت في حجر فاطمة سيدة نساء العالمين(علیهما السلام) وظاهرة في كون ذلك في بيتها(علیهما السلام).اقول: الرواية ضعيفة للغاية بل شواهدالكذب عليها واضحه واشكالاتها كالتالي:

اولاً: انها عامية فابو قلابة

عبدالله بن زيد الجرمي عامي ذكره ابن قتيبة وهو قد رواها عن ابن عباس.

ص: 122


1- - الامالي ص 505 الی 507 2- كما عن المفيد والطبري راجع منتهی الامال ج 1 ص 212

ثانياً: معارضته بما دل على ان الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد فاضت روحه الشريفة في حجر امير المؤمنين علي ابن ابي طالب(علیه السلام)2 وفي من-زل الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومعارضته بما رواه ابن عباس من ان الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان محاطاً من قبل المنافقين ابي بكر وعمر وغير هما- بعد ان اخرجهم من المدينة وامَّرّ عليهم

اسامة بن زيد وتخلفوا عن جيش اسامه لعلمهم بمرض رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثم لعنهم الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقوله الا لعنة الله على من تخلف عن جيش اسامه وانه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) خرج محموماً يمنع ابابكر من التقدم لصلاة الجماعة(1) وانه امرهم بان يأتوا بدواة وقلم ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده ابداً وان عمر منع من ذلك وسبّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر لحظات عمره الشريف بالهذيان والهجران وكثر اللغط في بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بمحضر من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في تلك اللحظات «لحظات مرض الموت» وحينذاك اخرجهمالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من بيته وكان ذاك اليوم يوم الخميس وقد وصفه ابن عباس بقوله : الرزيه كل الرزيه ويوم الخميس وما يوم الخميس فعن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: «لمّا حُضِر رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): هلُمّ أكتب لكم كتابا لاتضلُّوا بعده فقال عمر: انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللَّه فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرِّبوا يكتب لكم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كتابا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغْو والإختلاف عند النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال

ص: 123


1- سنن الدارمي ج1ص320

رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) «قوموا». قال عبيداللَّه: فكان ابن عباس يقول انّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.»(1) وعلى أي حال فالايام الاخيرةمن حياة الرسول الاعظم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كانت حرباَ مع المنافقين كما هو منقول في كتب العامة والخاصة ولم تكن الامور طبيعية كما نقلت هذه الرواية.

ثالثاً: انّ الرواية دالة على ان النبي يفعل الظلم ولابد من ان يكون ذلك عن عمد والاّ لايسمىّ ظلماً ففيها : «أي رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة الاّ قام فليقتص منه فالقصاص» اقول: كون النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يمارس الظلم ويظلم منافياً لعصمته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الثابتة بالادلة الاربعة.

ص: 124


1- - صحيح البخاري، كتاب المرضى والطب، باب 357قول المريض قوموا عنّي، 225/7وكتاب العلم، باب 82كتابة العلم 120/1وصحيح مسلم،كتاب الوصية، باب ترك الوصيّة، ح21 3/ 1259و الرواية في اتهام النبی(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالهذيان والهجران موجودة في المصادر المهمة لاهل السنة تنقل مرة انّه: «قال عمر: ان النبى غلبه الوجع» وهذه كناية عن الهذيان وتنقل اخرى صراحة: «فقالوا: إنّ رسول اللَّه يهجر».راجع: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، ح 10112/120و كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف، 774/9وكتاب المرضى والطب، باب قول المريض قوموا عني، 7/225 وصحيح مسلم، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصية لمن ليس له شي ء يوصي فيه، 3/1259

ورابعاً: تناقضها ففيها: « فرفعت القضيب وانت تريد الراحلة فأصاب بطني» وظاهر ذلك ان سوادة معتقد لوقوع ذلك خطأً ثم قال بعدها «و لا ادري عمداً او خطأ» اقول: فكيف درى اولاً انه يريد الراحلة وانه اصاب بطنه عفواً وهل ذلك الاّ يناقض قوله « لا ادري عمداً او خطأً » ولا شك في تناقضه الواضح.

وخامساً : قال له الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) معاذالله ان اكون تعمدت فاذاً الواقعة خطأيّة فالرسول لاينطق عن الهوى ان هو الّا وحي يوحى وعليه فلا قصاص في الجناية الخطأيّة فاثباتها للقصاص مخالف لاجماع الفقهاء كما هو واضح فاي فقيه افتی بالقصاص في الجنايات الخطأيّة ؟فتسقط الرواية مضافاً الى انها منافية لعصمة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الخطأ والسهو الثابتة بالادلة القاطعة(1)

وسادساً: ان صريح الرواية انها كانت في اليوم الذي توفي فيه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهو يوم الاثنين ولم ينقل ذلك احد منّا بل ولا العامة على ما أظن- بل المنقول عن المفيد والطبرسي غيره.

ص: 125


1- راجع كتاب حق اليقين للمرحوم السيد عبدالله شبر ج 1 ص93 من منشورات الاعلمي

وسابعاً : اشتمالها على بعض المنكرات من قول الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لجبرائيل(1) «عندالشدائد تخذلني » وجوابه له مع انها اشتملت انه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اراد السلام معه وتوديعه ولذلك طلب من ملك الموت امهاله وهل هذا الاّ تناقض.

وثامناً: ان سوادة بن قيس لاوجود له لا في رجال الخاصة ولا في رجال العامة مع تصدي العامة لجمعهم كما في كتاب الاستيعاب في اسماء الاصحاب للحافظ ابن عمر يوسف المتوفى عام 463 ، نعم ذكر صاحب اسد الغابة الجزري ان سوادبن عمرو النجاري كان يصيب من الخلوق فتلقاه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مرتين او ثلاثاً فنهاه وانه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لقيه ذات يوم ومعه جريدة فطعن بها في بطنه فخدشه فقال « يارسول الله أقصني او اقدني» وكذلك روى الجزري ايضاً والطبري صاحب التاريخ ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عدّل الصفوف يوم بدر وفي يده قدح يعدّل به القوم فمرَّ بسواد بن غزيّه وهو مستنتل من الصف فطعنه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالقدح في بطنه وقال استو يا سواد فقال اوجعتني »(2) وهما روايتان عاميتان ولا ربط لهما بوفاة الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومشتملتان على ان ذلك الفعل من الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من باب النهي عن المنكر حسب الرواية الاولى بناء على ان التطيب بالخلوق حرام كما نقل عن بعض العامة قال ابن الاثير: «وهو طيب

ص: 126


1- 150 قاموس الرجال للمحقق التستري طبع دار النشر الاسلامي ج5/ص329 عن اسدالغابة ص 374 ج 2
2- قاموس الرجال ج 5 ص 329 نقل عن اسدالغابة ص375ج2 وتاريخ الطبري ج2/ص446

يتخذ من الزعفران ويغلب عليه الحمرة والصفرة وانما نهي عنه لانه من طيب النساء.(1) وقيادة للجيش حسب الرواية الثانية وانه كان عمداً على علم من الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وانهما كانا مقصرين وكيف كان فمع ضعفهما لاربط لهما بتلك الرواية والحاصل ان الرواية مخالفة لاصول الاسلام وانها من المفتعلات ولعل المنافقين افتعلوها تغطية لفعلهم الشنيع مع رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ايام وفاته .واخيرا نذكر خطباءنا وكتابنا بالتحرز عن نقل مثل هذه الروايات الضعيفة والمنافية لشخصية الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعليهم بالتثبت في نقل الروايات بان لاينقلوا ما يخالف القرآن والعقل.

ص: 127


1- المصدر السابق

الحسن البصري في التراث الشيعي عبدالله محمدي أمجد

العدد الثالث

...وغير خفيّ بأن ما مرّ في الصفحات السابقة قد يعكس بعض الرؤی والاتجاهات الفكرية لدی الحسن (كالإمامه) فلا نعيدها ثانية وإنما نأتي علی ذكرمواضيع أخری تتعلق بالموضوع.

الف)الحسن و الاعتزال:من الأمور التي رافقت حياة الحسن الكلامية اعتزال عمرو بن عبيد من حلقة أصحابه،يقول الشريف المرتضی رحمه الله :وواصل هو أول من أظهر المنزلة بين المنزلتين لأن الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة علی أقوال كانت الخوارج تسميهم بالكفر والشرك والمرجئةتسميهم بالإيمان وكان الحسن وأصحابه يسمونهم بالنفاق فأظهر واصل القول بأنهم فساق غير مؤمنين ولا كفار ولا منافقين وكان عمرو بن عبيد من أصحاب الحسن وتلاميذه فجمع بينه وبين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين فلما ووقفوا علی الاجتماع ذكر أن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلی حلقة الحسن وفيها عمرو بن عبيد جالس فلما نظر إلی واصل وكان في عنقه ...(ذكر احتجاجه عليه بأن صاحب الكبيرة فاسق ليس

ص: 128

إلا)فقال عمرو بن عبيد ما بيني وبين الحق عداوة والقول قولك فليشهد عليّ من حضر اني تارك المذهب الذي كنت أذهب إليه من نفاق صاحب الكبيرة من أهل الصلاة قائل بقول أبي حذيفة في ذلك واني قد اعتزلت مذهب الحسن...(1)»وقريب من هذا المعنی كلام الشيخ المفيد رحمه الله في أوائل المقالات(2)،وقال الشريف في نفس الكتاب:«وقيل ان قتادة بعد موت الحسن البصري كان جلس مجلسه وكان هو وعمرو بن عبيد جميعا رئيسين متقدمين في أصحاب الحسن(3)».أقول إن المستفاد من كون الحسن له أصحاب وأنه من كبارهم قتادة وعمروممن لا يعترفون بالزعامة الدينية لأهل البيت عليهم السلام (وإنكار الإمام الصادق (علیه السلام) علی قتادةفي تفسير القرآن وكذلك احتجاج هشام بن الحكم علی عمرو في الإمامة معروف تجده في كتب الأصحاب)يدل بوضوح علی عدم انتماء الحسن إلی أهل البيت عليهم السلام بل يجعله في تيارمنكريهم ومخالفيهم.

ب)التظاهر بالعدل:للشريف المرتضی كلمة توحي بالتشكيك في كون الحسن معتقدا بالعدل،يقول بالحرف الواحد:«وأحد ممن تظاهر من المتقدمين بالقول بالعدل، الحسن بن أبي الحسن البصري...(4)»كما أن الشيخ

ص: 129


1- 24)الموسوي،الشريف المرتضی،الأمالي،ج 1 ص 165 -167 .
2- 25)المفيد،محمد بن محمد بن النعمان،مصنفات الشيخ المفيد،ج 4 (أوائل المقالات)ص 37 .
3- 26)الموسوي ،الشريف المرتضی،الأمالي،ج 1 ص 167 .
4- 27)الموسوي،الشريف المرتضی،الأمالي،ج 1 ص 152 .

الصدوق رحمه الله وغيره رووا أنه«كان ابن أبي العوجاء تلميذ الحسن ثم انحرف فقيل:تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟فقال:إن صاحبي كان مخلّطا كان يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه(1)».أقول إن الحسن لم يحسب يوما من متكلمي الشيعة ولم ينقل عنه ما يلتقي بعقائدهم كالعصمة والأمر بين الأمرين و ...

فقيه البصرة

مما مرّ عرفنا أن الحسن البصري برز في أكثر من علم،فهو راوٍ للحديث مفسر متكلم وفقيه يرجع إليه أهل البصرة قاطبة،وقد مرت علينا كلمة الإمام الباقر (علیه السلام) في الرد علی الحسن إفتائه الناس من دون أن يرجع إلی من هو أعلم منه وأولي بالأمر ونحن في دراستنا هذه لأبعاد شخصية الحسنارتأينا أن نعقد عنوانا نلمح فيه إلی فقه الحسن، ذلك أن هناك علاقة وثيقةجداًبين فقه المرء والمذهب الذي ينتمي إليه وهذا أمر لا يحتاج إلی بيان، ومن حسن الحظ فإن آراء الحسن تناقلتها أمهات المصادر الفقهية من الشيعة والسنة مما لا يدع للشك مجال في انتسابها إليه،وعندئذ يتيسر لنا بكل وضوح أن نضم فقه الحسن الموثوق بصدوره عنه إلی ما أسلفنا من شتی البحوث المتعلقة بمختلف أبعاد شخصيته لنخرج بنتيجة موضوعية ودقيقة تبتني علی أسس علمية بشأن الحسن والمدرسةالتي ينتمي إليها.

ص: 130


1- 28)الصدوق،محمد بن علي بن الحسين،ترتيب الأمالي،ج 1 ص 230 ،المجلس 90 الحديث 4 .

من فقه الحسن:إن الكتب الفقهية قد حفلت بحجم معتدّ به من فتاوی الحسن فنأخذ منه قدر ما يهمنا متفرقا علی الأبواب الفقهية ليتمكن الباحث من المقارنه بين هذه الآراء وبين ما يدور عليه عمل الإمامية.وقد عمدنا إلی النقل من المصادر الشيعية أكثر من غيرها التزاما بما توخيناه حتی الآن.و إليك من فتاوی الحسن البصري:

الطهارة:

يجوز في الوضوء مسح الرجلين أو غسلهما (1)

لا ينجس الماء القليل إلا إذا تغير أحد أوصافه(2)-كان الحسن لا يستنجي بالماء للغائط(3)-النفساء لاتغسل ولا يصلي عليها الصلاة(4)-أكثر النفاس خمسون يوما(5)

-شعورالميت نجسة لكن تطهربالغسل(6).

ص: 131


1- 29)الموسوي،الشريف المرتضی،الانتصار،مؤسسة النشر الإسلامي،1415 للهجره،ص 105 .
2- المصدر السابق،ج 1 ص 189 . 31
3- 32)الحلي،الحسن بن يوسف،تذكره الفقهاء،تحقيق . نشر:مؤسسة آل البيت،قم ،الطبعة الأولی،1414 للهجرة،ج 1 ص 132 .
4- 33)الطوسي،محمد بن الحسن،الخلاف،ج 1 ص 714 .
5- 34)الموسوي،الشريف المرتضی،الانتصار،ص 129 .
6- 35)الطوسي،الخلاف،ص 66 .

الصلاة:

إنما تجب القرائة في الركعة الأولی من الصلاة(1)-يستحب رفع اليدين عند ثلاث تكبيرات ولا يرفعهما في غيرها:تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع ورفع الرأس من الركوع(2)-

المصلي يرد السلام من غير أن تعتبر المماثلة بين السلام وجوابه(3)-

إذا مر بين يدي المصلي كلب أو امرأه أو حمار قطعالصلاة(4)- المسافر إن دخل بلداً فوضع رحله أتمّ(5)-تجوز

صلاة الجمعة من غير خطبة(6).

الصوم:إن صام الإمام صام الناس معه وإن افطر أفطروا وإن شاهد الهلال بنفسه(7)-

القيء من دون اختيار يوجب القضاء(عقب العلامة الحلي بعد هذا القول:و هو خارق للإجماع)(8).

ص: 132


1- 37)المرتضی،الانتصار،ص 142 .
2- 38)الطوسي،الخلاف،ص 319 .
3- 40)المصدر السابق،ص 388 .
4- 41)المصدر السابق،ص 437 .
5- 42)المصدر السابق،ص 574 .
6- 43)المصدر السابق،ص 614 .وقال الشهيد الأول في شروط صلاة الجمعة:السابع:الخطبتان و فيه مسائل،الأولی:أجمع الأصحاب علی أن الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة و عليه العامة إلا الحسن البصري فإنه نفی اشتراطهما.(ذكری الشيعه ج 4 ص 134)
7- 44)المصدر السابق،ج 2 ص 204 .
8- 45)الحلي،تذكره الفقهاء،ج 6 ص 76 .

متفرقات:المتعة جائزة(1)-التقية جائزة إلی يوم القيامة(2)-يجب علی الصبية والأمة الخمار إذا تزوجت واتخذها لنفسه(3)

وهو مخالف إجماع علماءالإسلام-المبارزة مكروهة(4)(قال العلامة الحلي:والمبارزة مشروعة وغير مكروهة عند عامة العلماء)-المرتد يقتل بغير استتابة(5)-إذا أقر بحد ثم رجع عنه لا يسقط الحد(6)-تقطع

اليد في نصف دينار فصاعدا(7)-لا

يجوز الصيد بالكلب وغيره من جوارح الطيور كالصقر والبازي إلا الكلب الأسود(8).

كان هذا مختار من فتاوی الحسن وقد تضمنت بعض فتاواه ما يوافق فقهنا مثل قوله بجواز المتعة والمخالف له وآثرنا عدم الإطالة بكثرة التعليقات لأن المقصود إنما هو التدليل علی أن للحسن فتاوی لا تلتقي بفقه أهل البيت عليهم السلام بوجه ولم يعتبر الحسن يوماً ما، من فقهاء الإمامية. و لذلك إنما

ص: 133


1- 46)المفيد،محمد بن محمد بن النعمان،خلاصه الإيجاز،تحقيق:علي أكبر زماني نژاد،دار المفيد للطباعة،بيروت،الطبعة الثانية،1414 للهجرة،ص 21 .
2- 47)السرخسي،المبسوط،دار المعرفة للطباعة و النشر،بيروت،ج 24،ص 45 .
3- 48)الحلي،تذكرة الفقهاء،
4- 49)المصدر السابق،ج 9 ص 79 .
5- 50)الطوسي،الخلاف،ج 5 ص 353 .
6- 51)المصدر السابق،ج 5 ص 379 .
7- 52)المصدر السابق،ج 5 ص 411 .
8- 53)المصدر السابق،ج 6 ص 5 .

ذُكرت آرائه في كتب الأصحاب عند التعرض لآراء سائر المذاهب ككتاب الخلاف للشيخ الطوسي رحمه الله والانتصار للشريف المرتضی رحمه الله وليس مطلقا.

النتيجة:

إن ملاحظة مجموع ما تقدم من دراسة للحسن البصري وشخصيته في المصادر التاريخية والرجالية والكلامية والفقهية والتأمل في أقواله ومتابعة مواقفه ممن عاصره من أئمة أهل البيت عليهم السلام ومخالفيهم لا يعطي مايدل علی كونه من شيعة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم المخلصين، بل كان له أصحاب وأتباع وكانت له آرائه الخاصة به سواء في الفقه أو الكلام أو التفسير و...وقد تلتقي نظرياته مع مدرسة أهل البيت وقد تتعارض. وعلی كل حال فلم يدرج اسمه يوماً في قائمة علمائنا مفسراً أو متكلماً أو فقيهاً أو... بل إضافة إلی ذلك كله، بين أيدينا روايات تذمه وتقدح فيه، لا يمكن إهمالها والتغاضي عنها وإذا كان كذلك فالقول بأنه من العرفاء والزهاد الذين أخذوا واستقوا من المعصومين عليهم السلام لا يصمد أمام النقد ولا يساعد عليه الدليل.جعلنا الله وإياكم من أهل السداد وصلی الله علی سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين.

ص: 134

الوهابية طلوع قرن الشيطان من نجد كما جاء في صحيح البخاري

(روی ابن عمر عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنافي شامنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هنالك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) صحيح البخاري(1).

يقول صاحب عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري:(وبنجد يطلع قرن الشيطان اي : امته وحزبه)(2).

ص: 135


1- صحيح البخاري(الجامع الصغيرالمختصر) محمد بن اسماعيل البخاري ج/ 1ص351ح/990 ط/3دار النشر:دار ابن كثير، اليمامة بيروت.
2- عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري ج/7ص59 تأليف بدر الدين محمود العيني دار احياء التراث العربي بيروت.

(وروی ابوسعيد الخدري عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه قال:يخرج ناس من قبل المشرق ويقرؤون القرآن لايتجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لايعودون فيه حتی يعود السهم الی فوقه قيل ما سيماهم قال :سيماهم التحليق او قال التسبيد)صحيح البخاري(1).

يقول زيني دحلان مفتي مكة المكرمة(ففي قوله سيماهم التحليق تصريح بهذه الطائفة لانهم كانوا يأمرون كل من اتبعهم ان يحلق رأسه ولم يكن هذا الوصف لاحد من طوائف الخوارج والمبتدعة الذين كانوا قبل زمن هؤلاء...وكان السيد عبد الرحمن الاهدل مفتي زبيديقول لا حاجة الی التأليففي الرد علی الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) سيماهم التحليق...)(2).

ص: 136


1- صحيح البخاري(الجامع الصغير المختصر)ج/6ص2748باب57
2- فتنة الوهابية احمد زيني دحلان ص19

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109