مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 14

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

نعزي الامة الاسلامية جمعاء وقائدها الامام المنتظر الحجة بن الحسن العسكري(علیه السلام)برحيل الامام الباقر(علیه السلام) 115سنة ه-ق في السابع من ذي الحجة ورحيل الامام الصادق (علیه السلام) في الخامس والعشرين من شوال سنة148 ه-ق وشهادة الامام الجواد(علیه السلام) في اخر ذي القعدة سنة220 ه-ق

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة الرابعة: العدد الرابع عشر1391 هجرية شمسية شوّال1433 هجرية قمرية

مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي موقعنا علی الانترنت:

ص: 1

الفهرس

كلمة التحرير...4

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...5

المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...14

الوهابيون يقولون بفتح باب الإجتهادويجبرون المسلمين علی...18

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...23

موقف اصحاب الائمة(علیهم السلام) من الفلسفة والعرفان...27

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...29

الاسفار عن نصوص الاسفار الشيخ حيدر الوكيل...37

من روائع الادب الاسلامي...40

ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...41

بحث فقهي حول حرمة الموسيقی العلامة الاشكوري...43

الغلو و التفويض الدكتور الكاظمي القزويني...48

وجود العالم بعد العدم الشيخ علي احمدي...55

اطلالة علی علم الكلام الشيخ حيدر الوكيل...66

هداية الامة الی معارف الائمة(علیهم السلام) اية الله الخراساني...69

وفاة الامام ابي عبد الله الصادق(علیه السلام)...75

ولادة الإمام أبي الحسن علي بن موسی الرضا(علیه السلام)...82

شهادة الامام ابي جعفر الجواد(علیه السلام)...88

ص: 2

بعث النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)علياً(علیه السلام)بقراءة سورة براءة...94

وفاة الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر(علیه السلام)...98

السكة

الاسلامية...100

عيد الغدير و يومه يوم الولاية...103

خطبة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في غدير خم...106

الغدير في القرآن...109

ميلاد الامام أبي الحسن علي الهادي(علیه السلام)...115

المباهلة...118

تصدق علي(علیه السلام) بالخاتم و هو راكع...124

تصدق اهل البيت(علیهم السلام) علی المسكين و الفقير و الاسير...129

آية الله الشيخ جعفر كاشف الغطاء...133

ص: 3

كلمة التحرير

في وداع شهر رمضان

لقد مضی شهر رمضان شهر الله الذي فاز فيه امير المؤمنين علي(علیه السلام) بالشهادة بعد ان ادی الامانة وحفظ الوصية وصدع بكلمة الله واحيا موات النفوس وزخ الارواح الخاملة ببليغ كلامه وفصيح بيانه ولقد كان امير المؤمنين(علیه السلام) هو العنوان الكامل للمسلم فيحق للمسلمين جميعا ان يستنيروا بمصباحه ويستصبحوا باصباحه ولقد كانت خطبه(علیه السلام)منارا للحق وردعا للباطل فحريّ لطالبي الحقيقة ان يجعلوها دستورا لحياتهم.

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس

العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعمالمجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 4

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)

قال تعالی:(وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة)(1)

ورد في غاية المرام : الحافظ محمد مؤمن الشيرازي في كتابه المستخرج من تفاسير الاثني عشر - وهو من مشايخ أهل السنة - في تفسير قوله تعالى :

( وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخيرة ) يرفعه إلى أنس بن مالك قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فقال : إن الله خلق آدم من الطين ،كيف يشاء ويختار ، وإن الله تعالى اختارنيوأهل بيتي على جميع الخلق ،فانتجبنا فجعلني الرسول ، وجعل علي بن أبي طالب الوصي ، ثم قال : ( ماكان لهم الخيرة ) يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا ، ولكني أختار من أشاء ،فأنا وأهل بيتي صفوته وخيرته من خلقه ، ثم قال : " سبحان الله " ، يعني تنزها لله " عما يشركون " به كفار مكة ، ثم قال : ( وربك ) يعني يا محمد( يعلم ما تكن صدورهم ) من بغض المنافقين لك ، ولأهل بيتك ( ومايعلنون )(2) من الحب لك ، ولأهل بيتك .(3)

ص: 5


1- القصص : 68 .
2- القصص : 69
3- غاية المرام ص 331

أقول : ويدل على ذلك أي أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم الذين اختارهم الله على جميع خلقه روايات مسلمة عند الفريقين ، لا ريب في صحتها .

منها : خبر الطير المشوي ، فقد رواه في غاية المرام عن طريق العامة

بخمس وثلاثين طريقا(1)

نذكر واحدا منها تيمنا .

قال الثامن والعشرون : موفق بن أحمد أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي ، أخبرنا القاضي الإمام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ ، أخبرني والدي أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن علي الدوربادي ، أخبرنا أبو بكرمحمد بن هرويه بن عباس بن سنان الرازي ، أخبرنا أبو حاتم الرازي ، حدثناعبد الله بن موسى ، أخبرنا إسماعيل الأزرق ، عن أنس بن مالك ، قال :( أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيرا فقال : " اللهمائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " ، فقلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار ، فجاء علي عليه السلام فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة ، قال : فذهب ، قال : ثم جاء فقلت :إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة ، قال : فذهب ، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :افتح الباب ففتح ، ثم دخل فقال : ما حديثك يا علي ؟ فقال : ثلاث مرات قدأتيت ويردني أنس ، يزعم أنك على حاجة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما حملك على ماصنعت

ص: 6


1- غاية المرام ص 448 - 454

يا أنس ، قال : سمعت دعاءك فأحببت أن يكون في رجل من قومي ،فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الرجل ليحب قومه "(1)

ولكافي الكفاة ابن عباد في هذا المقام شعر:

يا أمير المؤمنين المرتضى***إن قلبي عندكم قدوقفا

كلما جددت مدحي فيكم***قال ذو النصب تسب السلفا

من كمولاي علي زاهد***طلق الدنيا ثلاثا ووفى

من دعا بالطير كي يأكله***ولنا في بعض هذا مكتفى

من وصي المصطفى عندكم***فوصي المصطفى من

يصطفى(2)

ومنها : ما سبق ذكره(3) من أنه لولا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ما خلق الله آدم ومن دونه ، ولا الملائكة ولا الجن ،ولا السماء ولا الأرض ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولاالجنة ولا النار .

ومنها : ما رواه الفريقان مستفيضا ، بل متواترا من أن عليا خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخير البرية ، وخير البشر ، خير العرب ، وخير الأمة .

وقد ذكر في غاية المرام - في هذا الباب - ثلاثة وعشرين حديثا من طريق العامة .(4)

ص: 7


1- غاية المرام ص 473 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 65
2- مناقب الخوارزمي 65
3- في ذيل الحديث الثاني عشر
4- غاية المرام ص 471 - 475

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم " علي مني وأنا منه " المروي مستفيضا ، بل متواترامن الطريقين ، وقد رواه في غاية المرام - من طريقهم - بخمسة وثلاثين طريقاأيضا (1)

نذكر ثلاثة منها تبركا . قال :

الثاني والعشرون ، ومن الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدري من الجزء الثاني في مناقب علي بن أبي طالب ، قال : وقال عمر بن الخطاب :

توفي رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهو عنه راض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنت مني وأنامنك "(2).

الثالث والعشرون : ومن الجمع بين الصحاح الستة - من الباب أيضا -من سنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، قال : عن عمران بن الحصين ، قال :

بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية واستعمل عليهم عليا ، فلما غنموا أصاب علي عليه السلام من السبي جارية ، فتعاقدوا أن يخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أخبروه أعرض عنهم ، ثم أقبل عليهم -والغضب يعرف في وجهه - فقال : " وما تريدون من علي ؟ إن عليا مني وأنا منه "(3) .

الرابع والعشرون - ومن الباب أيضا - من سنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، قال : عن أبي جنادة : إن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال : " علي مني وأنا من علي ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " (4).

ص: 8


1- غاية المرام ص 456 - 458
2- غاية المرام ص 458
3- غاية المرام ص 458
4- غاية المرام ص 458

ومنها : قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في غزوة خيبر : " لا عطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " وقد أعطاها عليا عليه السلام وهو مما تواترت فيه روايات الفريقين ، (1)ولم ينكره أحد من المسلمين .

ومنها : قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب " وهو أيضا من المتواترات التي لم ينكرها أحد (2).

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أقضى أمتي علي بن أبي طالب ، وأعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب "(3)

وهو من المسلمات التي اتفق عليها الفريقان .

ومنها : قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " علي مع الحق والحق مععلي ، يدور الحق معه حيثما دار " وهو من الأخبار المستفيضة ، بل المتواترة ، وقد رواه في غاية المرام بخمسة عشر طريقا من طرقهم(4).

ومن جملتها : ما نقله عن الزمخشري الذي هو من أعاظم علماءالعامة في ربيع الأبرار ، قال : " استأذن أبو ثابت مولى علي عليه السلام على أم سلمةرضي الله عنها فقالت : مرحبا بك يا أبا ثابت ، أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : تبع علي ، قالت : وفقت ، والذي نفسي بيده لقدسمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول : " علي مع الحق والقرآن ،

ص: 9


1- غاية المرام ص 465 - 471
2- غاية المرام ص 520 - 523
3- غاية المرام ص 528 - 530
4- غاية المرام ص 539 - 542

والحق والقرآن مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1)

ومنها : قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على ولده "(2) و " أنا وعلي أبوا هذه الأمة "(3)

وقد رواه في غاية المرام بعدة طرق من طريقهم ولنتبرك بذكر واحد منها ، قال :

الثاني : موفق بن أحمد ، وقد ذكر إسناده منتهيا إلى عمار بن ياسر ،وأبي أيوب ، قالا : قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " حق علي على المسلمين كحق الوالدعلى ولده "(4) .

ومنها : سد الأبواب من المسجد إلا باب علي عليه السلام ، وهو ممااتفق عليه المسلمون ، وقد رواه في غاية المرام من طريق العامة بتسعة وعشرين طريقا ،(5) ولنتبرك بذكر روايتين منها قال :

الرابع : ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتاب المناقب ، قال : أخبرناأحمد بن محمد إجازة ، قال : أخبرنا عمر بن شوذب ، قال : حدثنا أحمد بن عيسى بن هيثم ، قال : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون ، قال : حدثنا علي بن عابس ، عن الحارث بن حصين ، عن عدي بن ثابت قال : خرج رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلى المسجد فقال : " إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن ابن لي مسجدا طاهرا ، لا

ص: 10


1- غاية المرام ص 540 . وراجع ربيع الأبرار 1 / 828
2- غاية المرام ص 543 - 544
3- غاية المرام ص 543 - 544
4- غاية المرام ص 543
5- غاية المرام ص 639 - 647

يسكنه إلا موسى وهارون وابنا هارون ، وإن الله أوحى إليّ أن أبن ِ مسجدا طاهرا ، لا يسكنه إلا أنا وعلي وابنا علي عليهم السلام(1).

قال : الخامس ابن المغازلي أيضا ، وانتهى إسناده إلى حذيفة بن أسيدالغفاري ، قال : لما قدم أصحاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يكن لهم بيوت يبيتون فيها فيحتلمون ، ثم إن القوم بنو بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد ،وإن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعث إليهم معاذ بن جبل ، فنادى أبا بكر ، فقال : إن الله أمرك أن تخرج من المسجد ، فقال : سمعا وطاعة ، فسد بابه طاعة ، وخرج من المسجد ، ثم أرسل إلى عمر فقال : إن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يأمرك أن تسد بابك في المسجد وتخرج منه ، فقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، غيرأني أرغب إلى الله في خوخة إلى المسجد ، فأبلغه معاذ ما قال عمر ، ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية فقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فسد بابه ، وخرج من المسجد ، ثم أرسل إلى حمزة فسد بابه ، وقال : سمعا وطاعة ، وعلي على ذلك يتردد ولا ندري ما هو فيمن يقيم ، أو فيمن يخرج ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدبنى له بيتا في المسجد بين أبياته ، فقال له النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): اسكن طاهرا مطهرا ،فبلغ حمزة قول النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لعلي فقال : يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : لو كان الأمر إليّ ما جعلت من دونكم من أحد ، والله ما أعطاه إياه إلا الله ، وإنك لعلى خير من الله ورسوله ، أبشر ، فبشره النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقتل يوم أحد شهيدا ، وحقد(2)من ذلك رجال على عليّ ، فوجدوا(3)في أنفسهم

ص: 11


1- غاية المرام ص 639 . مناقب ابن المغازلي ص 252
2- في المناقب : " ونفس ذلك " مكان " وحقد من ذلك "
3- الوجد : الحزن والغضب.

وتبين فضله عليهم ، وعلى غيرهم من أصحاب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فبلغ ذلك النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقام خطيبا فقال : إن رجالايجدون في أنفسهم في أن اسكن عليا في المسجد ، والله ما أخرجتكم ولا أسكنته . إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصربيوتا ، واجعلوا بيوتكم قبلة ، وأقيموا الصلاة ، وأمر موسى أن لا يسكن مسجده ، ولا ينكح فيه ، ولا يدخله إلا هارون وذريته ، وإن عليا بمنزلةهارون من موسى ، وهو أخي دون أهلي ، ولا يحل مسجدي لأحد ينكح فيه النساء إلاعليّ وذريته ، فمن ساءه فهاهنا ، وأومأ بيده نحو الشام(1).

ومنها : ما ورد متواترا من الفريقين في فضل محبي عليّ عليه السلام وشيعته ،وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب خمسة وتسعين حديثا من طرق العامة ،(2)وأذكر روايتين منها تبركا .

قال فيه : الحادي والثلاثون ، موفق بن أحمد ، وانتهى الإسناد إلى علقمة ، مولى بني هاشم ، قال : صلى بنا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الصبح ، ثم التفت إلينا ،وقال : معاشر أصحابي رأيت البارحة عمي حمزة بن عبد المطلب ، وأخي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وبين أيديهما من نبق فأكلا ساعة ، ثم تحول النبق عنبا ، فأكلا ساعة ، ثم تحول العنب رطبا ، فأكلا ساعة ، فدنوت منهما ، وقلت : بأبي أنتما وأمي ، أي الأعمال وجدتما أفضل ؟ فقالا : فديناك

ص: 12


1- غاية المرام ص 640 . مناقب ابن المغازلي ص 253 - 255 . مع تفاوت يسير في بعض الجملات.
2- غاية المرام ص 578 - 587

بالآباء والأمهات ، وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك ، وسقي الماء ، وحب علي بن أبي طالب عليه السلام(1).

قال : الثاني والثلاثون ، موفق بن أحمد ، وانتهى الإسناد إلى أبي بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم : إن الله تعالى أمرني أن أحب أربعة من أصحابي ، أخبرني أنه يحبهم ، قال : فقلنا : من يارسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن عليا منهم ، ثم قال في اليوم الثاني مثل ما قال في اليوم الأول ، فقلنا : من هم يا رسول الله ؟ قال :إن عليا منهم ، ثم قال مثل ذلك في اليوم الثالث ، فقلنا : من هم يا رسول الله ؟ فقال : إن عليا منهم ،وأبا ذر الغفاري ، ومقداد بن أسود الكندي ، وسلمان الفارسي رضي الله عنهم(2) .

أقول : حب سلمان ، وأبو ذر ، ومقداد ، سلام الله عليهم يرجع إلى حب مولانا عليّ أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ، لأنهم من شيعته الذين لم يتخلفوا عن أمره ، ولم يفارقوه صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد اتضح لك غاية الاتضاح [ من ] هذه المناقب الثابتة عند جميع المسلمين : أن مولانا أمير المؤمنين وأبناءه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين هم الذين اختارهم الله على جميع خلقه ، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا يجوزللناس أن يختاروا على من اختارهم الله على جميع خلقه من لم يكن كذلك .

ص: 13


1- غاية المرام ص 581 . مناقب الخوارزمي ص 33
2- غاية المرام ص 581 . مناقب الخوارزمي ص 34

المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني

العدد السادس

تطاير الكتب:الّذي نطقت به الآيات والروايات المتواترة هو ان صحيفة عمل كلّ واحد من المكلفين تنشر يوم القيامة قال تعالى (وَإِذَإ الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(1).

وظاهر هذه التعابير هو وجود صحيفة واقعية كتبت بواسطة الكرام الكاتبين ولا يوجد أيّ دليل لتوجيه وتأويل هذه الظواهر وذلك فانه لا يوجد اي مانع عقلي أو دليل قوي يرد تلك الظواهر ومع ذلك نجد البعض بناءا على ما تبناه من افكار وآراء يأول تلك الظواهر ويوجهها وقال: انه لا توجد صحيفة في الخارج وكل ما هنالك فانما هي نفس الانسان لا غير.

رأي ملاصدرا حول تطاير الكتب:

يرى البعض انّ المراد من صحائف الاعمال الملكات النفسية الفاضلة أو ملكات النفس الرذيلة، وقد دافع ملاصدرا عن هذه النظرية بشدة معتقدا بأنه لا توجد أيّ صحيفة باسم اعمال الانسان إلاّ ثبوت تلك الصفات والملكات في النفس الانسانية فقد ذكر في فصل (نشر الصحائف) بعد ما

ص: 14


1- التكوير/ 10

فصّل القول في بيان بعض المطالب: ان اصل الموضوع هو تحقق ملكات الخير نتيجة للاعمال الصالحة وتحقق ملكات الشر نتيجة للاعمال الطالحة ويقول: ان الاعمال الصالحة والطالحة في نفس الانسان بانتقاشها في النفس الانسانية وفي الحقيقة ان نفس الانسان هي صحيفة اعمال الانسان.

عبارة ملاصدرا حول تطاير الكتب:فهذه الآثار الحاصلة في القلوب والارواح بمنزلة النقوش والكتابة الحاصلة في الصحائف والارواح كما قال سبحانه (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) وهذه القلوب والارواح يقال لها في لسان الشريعة صحائف الاعمال وتلك النفوش والصور كما يحتاج الى قابل يقبلها كذلك يفتقر الى فاعل ايّ مصور وكاتب فالمصورون والكتّاب لمثل هذه الكتابة النورية هم الكرام الكاتبون لكرامة ذواتهم وافعالهم عن دناءة الجسمية وارتفاع جواهرهم عن المواد الطبيعية فهم لا محالة ضرب من الملائكة المتعلقة باعمال العباد واقوالهم لقوله تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ)(1).

واماالكاتب والمصور للاعمال الصالحة والطالحة في نفس الانسان فمن هو؟ فالّذي يلفت النظر ان ملاصدرا يعتقد ان هنالك ملكا ينخلق من تلك الاعمال هو الّذي يثبتها وينقشها في نفس الانسان واسم ذلك الملك هو: الكرام الكاتبين.

وبعد صفحتين من تلك المطالب يقول ملاصدرا:

ص: 15


1- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة، الباب الحادي عشر، الفصل العشرين ، .254/9

واذا قامت القيامة وحان وقت ان يقع بصره الى وجه ذاته لفراغه عن شواغل هذه الحياة الدنيا وما يورده الحواس ويلتفت الى صفحة باطنه ولوح ضميره وهو المراد بقوله تعالى (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) فمن كان في غفلة عن احوال نفسه وحساب سيئاته وحسناته يقول عند كشف غطائه وحضور ذاته ومطالعة صفحة كتابه ...(مَا لِهذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوامَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يِظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً).(1)

وقد قال قبل هذه العبارات ان الملكات الفاضلة الراسخة في النفس تسمى بالملك والملكات القبيحة الراسخة في النفس تسمى بالشيطان.

«وهذه الهيأة الراسخة للنفس المتمثلة لها يوم القيامة هي التي تسمى في عرف الحكمة بالملكة وفي لسان الشريعة بالملك والشيطان في جانبي الخير والشرّ».(2)

أقول: هذا النوع من التأويلات والتوجيهات لا دليل ولا شاهد عليه ولا يخفى ان تأويل الظواهر وتوجيهها بلا وجود محذور عقلي ليس صحيحا ولا وجه له ولو استمرت مثل هذه التأويلات فسوف لا يبقى شي ء باسم الشريعة وهنالك كثير من الشخصيات الاسلامية منهم المرحوم الخواجه

ص: 16


1- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة، الباب الحادي عشر، الفصل العشرين، .256/9
2- الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة، الباب الحادى عشر، الفصل العشرين، .255/9

نصيرالدين الطوسي يقولون بوجود صحائف اعمال الناس طبقا لمفاد الآيات والروايات ولم يؤولوها أو يقوموا بتوجيهها.

عبارة توضيح المراد في تطاير الكتب:

عبارة المصنف: وتطاير الكتب وهو نشر الصحف قال تعالى (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) في تفسير البرهان عن بستان الواعظين روي عن النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قال: الكتب كلها تحت العرش فاذا كان يوم القيامةبعث اللَّه تبارك وتعالى ريحا تطير بالايمان والشمائل اول حرفه: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(1).

وقد نقل المرحوم السيد عبداللَّه شبّر عن المحقق العلامة المجلسي؛ انه قال:

(تأويل ظواهر الاخبار بمحض الاستبعاد بعيد عن الرشاد)(2).

ص: 17


1- توضيح المراد، ص.872
2- حق اليقين، شبر، الفصل الثالث عشر في الصراط، 145/2و بحارالانوار، .71/8

الوهابيون يقولون بفتح باب الإجتهاد ويجبرون المسلمين على

اتباع رأيهم!

العلامة الشيخ علي الكوراني

إذا أردنا أن نحملهم على الأحسن نقول إن ابن تيمية وأتباعه المشايخ وصل اجتهادهم إلى أن الزيارة الأولى للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)معفوة ، والزيارة الثانية وما بعدها حرام وبدعة ! لكن بما أنهم يرون أنباب الإجتهاد مفتوح ، وأن على المجتهد أن يعمل باجتهاده وما وصل إليه رأيه ، لأنه إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، فلماذا يصادرون حق الإجتهاد المشروع من المسلمين في أداء حجهم وزيارة قبرنبيهم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وأئمتهم(علیهم السلام)،ويلزموهم بالعمل باجتهادهم هم ؟!

وبأي شرع تفتحون باب الإجتهاد لأنفسكم فقط وتقفلونه على علماء المذاهب وملايين المسلمين أتباع المذاهب الأربعة ، والخمسة ، والسبعة ، وتحكمون عليهم بالكفر أو الضلال ، إذا لم يقلدوكم ؟!

الأسئلة

1- إذا كان الميزان عندكم في العقائد والأحكام الشرعية هو الإجتهاد فهو مفتوح لجميع المسلمين ، فلماذا حصرتم حق الإجتهاد بكم ، وتريدون إلزام المسلمين بالعمل باجتهادكم ، وتنعونهم من العمل باجتهادهم ؟

ص: 18

أما إذا كان الميزان عندكم إجماع المسلمين مقابل الرأي الشاذ ، فأنتم الأقلية الشاذة ، فعددكم لايبلغ مليون نسمة من مجموع مليار ونصف مسلم !

بل أنتم أقلية حتى في بلادكم ، فلو أجريتم استفتاء في المملكة العربية السعودية على فتاوى ابن تيمية وتقليده لما بلغتم مليون شخص ! أما لو اقتصرنا على الفقهاء ، فكم يبلغ عدد فقهائكم من مجموع فقهاء المسلمين؟!

2- نحن نطعن في اجتهادكم بأنه لايقوم على أساس علمي ، فما هوالكتاب الذي تتبنونه في أصول الفقه؟! ونراكم تتناقضون في اجتهاداتكم ، وتتخبطون في مبانيكم ، فمرة تعتبرون أن الأصل في الأشياء الحل حتى يرد نهي ، ومرة تعتبرون أن الأصل فيها الحرمة حتى يرد الترخيص ؟!

المس--ألة: 25

من تهافت منطقهم: تكرار زيارة قبر النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)حرام !

مقتضى إطلاق الأحاديث الشريفة وفتاوی أئمة المذاهب جميعاً استحباب زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لمن دخل المسجد النبوي سواء أراد أداء الفريضة فيه أم غيرها أو لم يرد الصلاة فيه ، وسواء قبل صلاته أو بعدها ، وسواء كان ذلك مرة أو أكثر !

وخالف أتباع ابن تيمية جميع المسلمين في ذلك فقالوا: دخول المسجد بنية زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)معصية ، والخطوة الواحدة داخل المسجد بنية زيارته معصية ، وإن كانت هذه الخطوة مع نية التوسل به فهي شرك !

ص: 19

وأفتوا بأن أصل زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)مشروعة ، لكن تكرارها حرام ! فصارت زيارة قبر أقدس شخص في الوجود(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قليلها حلال وكثيرها حرام؟!

فإن زعموا أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)نهى أن يجعل قبره عيداً أي محفلاً ، وأن هذا يشمل زيارة قبره الشريف فلا فرق في ذلك بين المرةوالمرات ! واللازم عليهم أن يحرموا زيارة القبر الشريف كلياً ، لأن المسلمين يجتمعون حوله ويحتفلون بزيارته طوال السنة ، والذي يزوره أول مرة والذي يزوره للمرة الخمسين ، مشاركون في هذا الإحتفاء والإحتفال !!

قال إمام المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير في خطبة صلاة الجمعة لعام1422:

(ويشرع لزائر المسجد النبوي من الرجال زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر(رض)بالسلام عليهم والدعاء لهم . أما النساء فلا يجوز لهن زيارة القبور في أصح قولي العلماء !!

وقال: (المخالفة السادسة: التكرار والإكثار من زيارة قبره (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، كأن تكون زيارته بعد كل فريضة ، أو في كل يوم بعد فريضه بعينها ، ففي هذا مخالفة لهدي النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وفي هذا مخالفة لقوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): لاتجعلوا قبري عيداً )

ص: 20

الأسئلة

1- كيف تزعمون أن زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)مشروعةبشرط أن لايخطو المسلم خطوة واحدة بنية الزيارة ؟!

فهل تقولزن للمسلمين زوروا القبر لكن لاتنووا زيارته ، فهذا محال ، لأن الذي يخطو الى القبر فقد قصده ونوى زيارته !

وإن قلتم إن زيارته مشروعة ، لزمكم أن تكون نيته والقصد اليه مشروعة ، فمحال أن يكون العمل مشروعاً محبوباً لله تعالى وقصده معصية ؟!

2 - نراكم تعبرون باستحباب زيارة مسجد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولم نرَ لأحد منكم فتوى باستحباب زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد يعبر بعضكم بأنها مشروعة لكن تشترطون أن تكون بدون قصد اليها ، وتنهون عن تكرارها !

قال الشيخ البدير في خطبة الجمعة في المسجد النبوي في موسم حج سنة 1422:

(المخالفة السادسة: التكرار والإكثار من زيارة قبره(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كأن تكون زيارته بعد كل فريضة، أو في كل يوم بعد فريضة بعينها ، ففي هذا مخالفة لهدي النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وفي هذا مخالفة لقوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): لاتجعلوا قبري عيداً).

فلماذا تخافون من المسلمين وتستعملون معهم التقية ولاتجهرون برأيكم في أن زيارة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)غير مستحبة أبداً ، بل هي جائزة على كراهة ، بشرط

ص: 21

أن تكون في العمر مرة واحدة لا أكثر ! فإذا كررها المسلم كلما دخل إلى المسجد فهي معصية ، وصاحبها محدثفي المدينة ، يستتاب عند القاضي ، فإن تاب من هذه الجريمة يعزر حسب نظر القاضي أو يعفى عنه ، وإن أصرَّ على جريمته يجب قتله ، والأفضل أن يكون قتله قرب قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)حتى يكون عبرةً للآخرين !

3 - ما رأيكم في إمامكم الألباني الذي تقدم عنه أنه لايصلي في المسجد النبوي لوجود قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)فيه ؟

4- ما رأيكم في إمامكم ابن باز الذي نقلوا عنه أنه افتخر بأنه صلى إماماً في المسجد النبوي ثلاثين سنة ، وكان يمر من عند قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ولم يسلم عليه حتى مرة واحدة ، لأن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)رجل جاء ومضى !!

ص: 22

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد السابع

المجرّدات

يطلق المجرد علی معنيين: عرفي وفلسفي.

المجرد بالمعنی العرفي

اما المعنی العرفي والمراد منه: هو غير هذا الوجود المادي المحسوس كالجن والملائكة والارواح فهذه مجردةعن هذا الوجود المادي لكنها ليست مجردة بالمعنی الفلسفي الاصطلاحي و هو من أنها لاحدّ لها، و لا تعرض لها الحركة فكون الملائكة وغيرها مجردة بالمعنی الفلسفي:

أولاً: لا دليل عليه.

وثانياً:انه من المحال عقلا ان يكون الممكن لا حد له كاستحالة كونه قديما ، فحال المجردات بالمعنی العرفي حال المادّيات في كونها محدودة حادثة لا تملك من امرهاإلا ما ملّكها الباري تعالی، و إنها ليست قديمة بقدم الباري تعالی؛ كما قالت الفلسفة اليونانية، بل حادثة في فترة من الزمان و مخلوقة كما هو حال الماديات،ولوكانت غير محدودة لامتنع جعلها عقلا،فلا تحقق للشئ ولا جعل بدون ان يتشخص بحدوده وماهيته.

ولا يخفی ان الفلاسفةلا يرون المجردات مجعولة ومخلوقة بل يرونها امتداداً للذات الالهية المقدسةفالفلاسفة كما ينكرون خالقية الله تعالی

ص: 23

كذلك ينكرون قدرته جل وعلا ،وقد ثبت بحكم العقل ان الله قادر علی ان يخلق غيره اياً كان.وقد دلت الروايات علی استحالة وجود اللامتناهي في عالم الممكنات مقترنة بالاستدلال عليه .

وخلاصة ما في الاخبار:(إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر ...، لكان في الوهم أنّه متی ما ضم شيء الی مثله كان أكبر، وان كلّ محدود متناه الی حد، الحمد للّه الّذي لم يكن ... له شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهى.وان ما احتمل الزيادة كان ناقصا، وما كان ناقصا لم يكن تاما،و إن الكيفية جهة الصفة والاحاطة، أما علم أن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية).

ونكتفي بذكر رواية عن الامام الصادق(علیه السلام): لا يثبت الشيء إلا بإنية ومائية.(1)ودلالة هذه الرواية في التلازم بين الممكن وتناهيه ومحدوديته واضحة.

المجردات بالمعنی الفلسفي:

هذا لو كان المراد بالمجردات الملائكة والارواح و..واما لو كان المراد هو الموجود الذي لاحد له ولا مادةوانه فوق الزمان والمكان ويقصدون بذلك العقول والمثل وامثالهما لانهم يقسمون العوالم الی عالم الالوهية وعالم العقول وعالم المثل وعالم المادة يقول السيد الطباطبائي:فالعالم العقلي مجرد تام ذاتاً وفعلاً عن المادة واثارها،وعالم المثال مجرد عن المادة دون اثارها من الاشكال والابعاد والاوضاع وغيرها ففي هذا العالم

ص: 24


1- - الكافي1/84؛ بحار الأنوار، 10/197.

اشباح متمثلة في صفة الاجسام التي في عالم المادة والطبيعة في نظام شبيهة بنظامها الذي في عالم المادة.(1)

اقول وهذا المعنی باطل يلزم منه محالات كما تقدم وكما سياتي،وقد عرفت من تاريخ الفلسفة ان فكرة العقول ما هي الا تعبير اخر عن تعدد الالهة وكيف كان فمحتواهما واحد.

ومن المضحك محاولة البعض تاويل ما جاءفي الايات من ذكر الملائكة وما ورد في الاخبار حول خلقة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة (علیهم السلام) بالعقول كما هو ديدنهم في تاويل وتحريف كل ما جاء به الدين من عقيدة بما يطابق اعتقادهم.

نفي وجود المجردات غير الذات الالهية المقدسة:

هذا وقد صرحت الاخبار بعدم تجرد غير الله جل وعلا ففي رواية حول الروح : والروح جسم رقيق ألبس قالبا كثيفا.(2)

و حول الشياطين:فقال: كيف صعدت الشياطين الی السماء وهم أمثال الناس في الخفة والكثافة، وقد كانوا يبنون لسليمان بن داوود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟! قال: غلظوا لسليمان كما سخروا، وهم خلق رقيق غذائهم التسنم،(3) والدليل علی ذلك صعودهم الی السماء لاستراق السمع ولا تقدر الجسم الكثيف علی الارتقاء إليها إلا بسلّم أو سبب.(4)

ص: 25


1- - نهاية الحكمة ص314
2- . الاحتجاج، 2/349؛ بحار الأنوار، 10/185.
3- . في الاحتجاج: النسيم.
4- . الاحتجاج، 2/339؛ بحار الأنوار 10/168 - 169.

وعن الامام الجواد (علیه السلام):

الكيفية للمخلوق المكيف، فربنا تبارك وتعالی لا شبه له، ولا ضد، ولا ند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف.(1)

وفي رواية رابعة:لان كلّ شيء جری فيه أثر التركيب لَجسمٌ.

وفي خامسة:إنما أضافه الی نفسه لانه اصطفاه علی سائر الارواح ... اللّه تبارك و تعالی أحدٌ صمد ليس له جوف، و إنما الروح خلق من خلقه.

ص: 26


1- . الاحتجاج، 442 - 443؛ بحار الأنوار، 4/153.

موقف أصحاب الأئمة عليهم السلام من الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الثالثة عشرة.

49- و يقول القاضي سعيد القمي:

القول بأنّ المبدأ هو الوجود بلا شرط و" أمره " هو الوجود بشرط لا أو بالعكس، والمعلول هو الوجود بشرط شيء، وكذا القول بأنّ المبدأ هو الوجود الشخصي المتشخّص بذاته الواقع في أعلى درجات التشكيك المشتمل على جميع المراتب السافلة، وبالجملة: فالقول بكون المعلول عين العلة بالذات، وغيره بالاعتبارات السلبية، وكذا القول بالجزئية سواء كانت من طرف العلة أو المعلول، أو القول بالأصلية والفرعيّة، والقول بالسنخيّة أو الترشح أو العروض سواء كان الأخير من جهة العلة أو المعلول، والقول بالكمون والبروز وما يضاهي ذلك، على حدّ الشرك والكفر.

ص: 27

وكلّ ذلك تولّد معنوي وتناسل حقيقي وموجب لتهوّد القائل به ومستلزم لتنصّر الذاهب إليه حيث قالت اليهود: " عزير ابن اللّه " والنصارى: " المسيح ابن اللّه ".(1)

50- و يقول الشيخ حسن "قدس سره ابن الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي رحمه الله في كتاب عمدة المقال في كفر أهل الضلال:

والصوفية جوزوا اتحاده تعالى وحلوله في أبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال: "إنّه سبحانه نفس الوجود وكل موجود فهو اللّه تعالى، والذين يميلون إلى طريقتهم الباطلة يتعصبون لهم ويسمونهم الأولياء، ولعمري أنهم رؤوس الكفرة الفجرة، وعظماء الزنادقة والملاحدة وكان من رؤوس هذه الطائفة الضالة المضلة "الحسين بن منصور الحلاج وأبو يزيد البسطامي.(2)

ص: 28


1- 2 . شرح توحيد الصدوق رحمه الله، 2 / 66
2- 1. نقلاً عن الشيخ الحر العاملي في كتاب الاثنی عشرية، 51

رسالة الاثنی عشرية الحر العاملي

في الرد علی الصوفية(و العرفاء)

الحلقة الحادية عشرة

هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء.

الباب السادس

في إبطال ما يفعلونه

من الجلوس في الشتاء وما ابتدعوه من الرياضة وترك اللحم ونحوه يدل على ذلك اثنا عشر وجها:

الأول: عدم ظهور دليل قطعي على صحة ذلك ومشروعيته كما يدعون وقد مر تقريره.

الثاني: إنه تشريع ظاهر وابتداع واضح وإدخال في الدين لما ليس منه وكثير من الصوفية يعترف به والاعتبار والتتبع شاهدان بذلك ويأتي ما يدل على تحريم الابتداع إن شاء الله.

الثالث: قضاء الضرورة من المذهب بعدم شرعيته وذلك من أوضح ضروريات المذهب ولم يفعله أحد من الشيعة في زمن الأئمة عليهم السلام وأكثر الصوفية يعترفون به ولا ينكرون إن هذه الطريقة مستحدثة فيما بين الشيعة وإنما كان يتعاطاها سابقا بعض العامة ولا شك أنه لو كان مشروطا أو

ص: 29

عبادة لظهر له أثر كأمثاله من المهمات بل ما دونه من الجزئيات كمامر بل يفهم من الأحاديث الواردة في دعائم الإسلام وأصول الشرايع وتعداد الواجبات والعبادات نفي ما عدا المذكورات وليس من جملتها هذه الرياضة بل في بعضها تصريح بحصر العبادات وهو دال على نفي ما اخترعه الصوفية وجعلوه كما مضى ويأتي.

الرابع: إجماع جميع الشيعة الإمامية على عدم مشروعيته ذلك وعدم جوازه

ولذلك لم ينقل أن أحد من متقدميهم ولا متأخريهم فعل ذلك إلى قريب من هذا الزمان بل صرحوا بإنكاره كما فعل الأئمة عليهم السلام فعلم دخول المعصومين عليهم السلام في هذا الاجماع فيكف يجوز الخروج عنه، والتتبع شاهد بأن هذه الرياضة من قاعدة أعداء الدين قديما وحديثا كالنصارى وكفار الهند وصوفية العامة ويأتي إن شاء الله ما يدل على عدم جواز مشاكلة أعداء الله وسلوك مسالكهم.

الخامس: تتبع طريقة النبي والأئمة عليهم السلام فإنه يظهر أنهم لم يكونوا يفعلونه بل كانوا ينكرونه غاية الانكار كما يأتي إن شاء الله فكيف يجوز مخالفة طريقة أهل العصمة عليهم السلام؟!

السادس: إنهم يجعلونه مقدمة ووسيلة إلى الكشف وإلى سقوط التكاليف وقد عرفت بطلانهما فما الظن بمقدمتهما. فإن قلت: إنهم يجعلونه وسيلة إلى حصول صفاء القلب ورقته. قلت: هو راجع إلى ما ذكرناه مع أنه لم يثبت رجحان ذلك شرعا مع ورود النهي فلو كان ذلك مطلوبا لذاته لجاز تحصيله بالمحرمات ولما ورد النهي عن هذه الرياضة وانحصار أسبابه فيها

ص: 30

معلوم البطلان وقد ذكر فساد ذلك جماعة من علماء الشرع وذكرواأن العبادات الشرعية إذا واظب عليها المكلف أورثت صفاء الفكر والعقل وحصول المعارف الربانية وممن ذكر ذلك صاحب المدارك في أول كتاب الصوم.

السابع: الآيات الشريفة القرآنية مثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) (1)وقوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) (2)وقوله

تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (3)إلى غير ذلك من الآيات ومعلوم أن التحريم على النفس بمعنى منعها وحرمانها داخل في مضمون هذه الآيات وما يأتي من الروايات ومفهوم منها وإن لم يعتقد صاحبها التحريم الشرعي.

الثامن: ما روي عنهم عليهم السلام في كثير من الأحاديث من الأمر بالاقتصاد في العبادة والنهي عن الافراط لما يحصل من ذلك من ملل النفس مع أنها عبادات معلومة المشروعية فما الظن بما نحن فيه، وقد عرفت حاله وحكمه والأحاديث المشار إليها متعددة مشهورة وفي أصول الكافي وغيرها مذكورة.

التاسع: ما روي عنهم عليهم السلام في استحباب طول الجلوس على المائدة وإجابة دعوة المؤمن وإطعام الطعام والأكل مع الإخوان، وما روي

ص: 31


1- المائدة: 87.
2- التحريم: 1.
3- الأعراف: 32.

من أن ابن آدم أجوف لا بد له من الطعام (1)

وغير ذلك مما هو مذكور في أحاديث الأطعمة والأشربة من الكافي والمحاسن وغيرهما، ومنافاة ذلك لقاعدة الصوفية في هذا الباب ظاهرة، وأما ما ورد في ذم الأكل على الشبع وكثرة الأكل فلا إشعار له بالدلالة على مطلبهم بوجه إذ الافراط والتفريط مذمومان وذلك خارج عن موضوع البحث.

العاشر: الأحاديث الشريفة المروية عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام الصريحة في الرد عليهم هنا والإنكار لفعلهم وهو كثير أذكر بعضه. فمن ذلك ما رواه الكليني في باب سيرة الإمام بإسناده في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على عاصم بن زياد حين لبس العباء وترك الملأ وشكاه أخوه الربيع ابن زياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قد غم أهله وأحزن ولده، بذلك فقال أمير المؤمنين عليه السلام علي بعاصم بن زياد فلما جيئ به عبس في وجهه وقال: له أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى أن الله أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها أنت أهون على الله من ذلك أوليس الله تعالى يقول (والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام) أوليس الله يقول (مرج البحرين يلتقيان بينهمابرزخ لا يبغيان إلى قوله يخرج منهم اللؤلؤ والمرجان) (2)فباللهلابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال وقد قال الله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث)(3).

فقال له عاصم: يا أمير المؤمنين فعلام اقتصرت في مطعمك على الجشوبة

ص: 32


1- ج 6 ص 286.
2- الآيات في سورة الرحمن.
3- الضحى: 11.

وفي ملبسك على الخشونة؟ فقال: ويحك إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ (1) على الفقير فقره فألقى عاصم بن زياد العبا ولبس الملأ(2). وروى الكليني أيضا في باب الشرايع عن الثقات عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله أعطى محمدا شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام التوحيد، وخلع الأنداد والفطرة الحنيفية السمحة ولا رهبانية فيها ولا سياحة أحل فيها الطيبات وحرم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم(3).

وروى جماعة من العامة والخاصة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا رهبانية في الإسلام (4)وأورده

صاحب القاموس وفسره فقال: والرهبانية كالاختصی واعتناق السلاسل ولبس المسوح وترك اللحم ونحوها. وروى ملا أحمد الأردبيلي في جملة الحديث السابق في ذم الصوفية عن علي بن محمد عليه السلام أنه قال تتجوعون عمرا حتى يديخوا للايكاف حمرا ولا يقللون الغذاء إلا لملأ العساس إلى أن قال: والصوفية كلهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا وإن هم الأنصاري أو يهود هذه الأمة(5).

وروى الطبرسي في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا

ص: 33


1- التبيغ: الهيجان والغلبة.
2- ج 1 ص 410.
3- ج 2 ص 17.
4- أورده الطبرسي، في تفسير سورة الحديد راجع ص 242.
5- مضى: في الباب الثاني في إبطال التصوف.

طيبات ما أحل الله لكم) قال: قال المفسرون جلس رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الناس ووصف القيامة فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم عليّ وأبو بكر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر والمقداد ابن أسود الكندي وسلمان الفارسي ومقفل بن مقرن واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض، وهمّ بعضهم أن يجب مذاكيره فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى دار عثمان فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها حوراء وكانت عطارة أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه فقالت: إن كان حدثك فقد صدق فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله هو وأصحابه فقال لهم أما إنكم اتفقتم على كذا وكذا فقالوا بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إني لم أؤمر بذلك ثم قال إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فأني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم فمن رغب عن سنتي فليس مني ثم جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال قوم حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وأن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من

ص: 34

قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع فأنزل الله الآية(1).(لا يخفی ان كون عليا(علیه السلام)منهم يتنافی مع عصمته(علیه السلام)وهذه الرواية مرسلة وكذلك التي بعدها فلا تصحان في اثبات ذلك له(علیه السلام)ويشهد لذك ما سينقله المصنف بعد سطور من رواية الامير(علیه السلام)رد ذلك - المجلة)

وروى الطبرسي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نزلت في علي عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون فأما علي عليه السلام فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله، وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا (2)وروى الصدوق في الخصال بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس في أمتي رهبانية ولا سياحة ولازم يعني سكوت(3). وروى السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه(4)

نقلا من تفسير النعماني بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن الصادق عن آبائه عن علي عليهم السلام أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ترهبوا وحرموا على أنفسهم طيبات الدنيا وحلفوا على ذلك أنهم لا يرجعون إلى ما كانوا عليه أبدا ولا يدخلونفيه بعد وقتهم ذلك، منهم عثمان وسلمان وتمام عشرة من المهاجرين

ص: 35


1- راجع المجمع الجزء السابع ص 236.
2- المجمع الجز السابع ص 236.
3- الخصال: ط النجف ص 132.
4- وجدنا نسخة مخلوطة منها في مكتبة العلامة الفاضل اللازوردي ص 106 - 105.

والأنصار. فأما عثمان بن مظعون فحرم على نفسه النساء والآخرون حرموا الافطار بالنهار إلى غير ذلك من مشاق التكليف فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت أم سلمة وكانت امرأة جميلة فنظرت إليها أم سلمة وقالت لها: لم عطلت نفسك من الطيب والصبغ والخضاب وغيره؟ فقالت: لأن عثمان بن مظعون ما قربني منذ كذا وكذا فقالت أم سلمة: ولماذا؟ قالت: لأنه قد حرم على نفسه النساء وترهب فأخبرت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فخرج إلى أصحابه وقال: أترغبون عن النساء إني آتي النساء وأفطر بالنهار وأنام بالليل فمن رغب عن سنتي فليس مني وأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) فقالوا يا رسول الله إنا قد حلفنا على ذلك فأنزل الله عز وجل (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) إلى قوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم.

الثاني عشر: ترتب المفاسد الكثيرة على ذلك ومعلوم أن ما ترتب عليه مفسدة تعين تركه فكيف ما ترتب عليه مفاسد كثيرة ولنقتصر منها على اثني عشر.

ص: 36

الاسفار عن نصوص الاسفار الشيخ حيدر الوكيل

العددالخامس

( لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة)

بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.

القسم الاول

في مرويات الاسفار

تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار(علیهم السلام)والالتفاف على التراث المعصوميبحبالة التأويل

ص: 37

لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلدة من الاسفار .

الاحاديث التي ذكرها في الجزء السابع

الحديث الاول : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله(1).

المحاسن ج 1 ص131 ووبصائر الدرجات 100 والكافي ج1 ص 218 وعيون اخبار الرضا ج1 ص216 .سنن الترمذي ج4 ص360

الحديث الثاني : اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة واولي الامر بالامر بالمعروف ... الحديث(2) .

الكافي ج1 ص85 والتوحيد للصدوق ص 286 .

الحديث الثالث : ان الله جميل يحب الجمال(3).

الكافي ج 6 ص 438 وغيره . وصحيح مسلم ج 1 ص 65 وغيره .

الحديث الرابع : العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة(4) .

لم اجده في المصادر المتاحة .

الحديث الخامس : القاف جبل بمكة(5).

ص: 38


1- - الاسفار ج 7 ص 105حاشية س .
2- - الاسفار ج 7 ص 38 متن الاسفار .
3- - الاسفار ج 7 ص 158 متن .
4- - الاسفار ج 7 ص 233 حاشية س .
5- - الاسفار ج 7 ص 30 حاشية س .

لم اجده بهذا اللفظ في المصادر المتاحة , وروي في مصادر الفريقين مرسلا :" قاف جبل محيط بالدنيا .. الخ " نور الثقلين ج 5 ص 104 تفسير الطبري ج 26 ص 190 .

الحديث السادس : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا(1).

مرسل في عوالي اللئالي ج 4 ص 73 والبحار ج 4 ص43 وغيرها وذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ص 200 .

الحديث السابع : ان البيت المعمور في السماء(2).

علل الشرايع ج 2 ص 403 وغيره . والمصنف لم يذكره بل ذكر كلاما قال المحشي السبزواري انه ماخوذ من هذا الخبر.

الحديث الثامن : ان القران هو الدواء وان القران غنى لا فقر بعده و لا غنى دونه(3) .

ورد ( القران هو الدواء ) مرسلا في الدعوات للقطب الراوندي ص 188 وعنه البحار ج 89 ص 176 .وفي وسائل الشيعة ج 4 ص 834 : عن معاوية بن عمار قال قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) من قرأ القرآن فهو غنى لا فقر بعده وإلا ما به غنى .

الحديث التاسع : ان الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره(4).

عامي مرسل في تحفة الاحوذي ج 7 ص 166 .

ص: 39


1- - الاسفار ج7 ص 28 متن .
2- - الاسفار ج 7 ص 133 حاشية س .
3- - الاسفار ج 7 ص 45 متن .
4- - الاسفار ج 7 ص 136 متن .

من روائع الادب الاسلامي

قال الصحابي الجليل ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الانصاري (رضوان الله عليه):

ما كنت احسب هذاالامر منتقلا***عن هاشم ثم منها عن ابي حسن

اليس اول من صلی لقبلتنا***واعرف الناس بالآيات و السنن

و آخر الناس عهدا بالنبي و من ***جبريل عون له في الغسل و الكفن

من فيه ما فيهمو لا يمترون به***و ليس في الناس ما فيه من الحسن

ما ذا الذي ردكم عنه فنعلمه***ها ان بيعتكم من اغبن الغبن

ص: 40

ابن عربي عارف ام ملحد؟الاستاذ علاء فيصل

العدد العاشر

العلم المكنون لعائشة و حفصة:

112- انه يذكر: أنه سأل الثقة، من العلماء، عن الإمام المبين. فكان مما قاله له:

«الذي ذكر الله في حق امرأتين من نساء رسول الله ثم تلا: « إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ »... فهذا أعجب من ذكر الجنود، فأسرار الله عجيبة...

فلما قال لي ذلك سألت الله: أن يطلعني علی فائدة هذه المسألة، و ما هذه التي جعل الله نفسه في مقابلتها، و جبريل، و صالح المؤمنين، و الملائكة؟!

فأخبرت بها، ما سررت بشيء سروري بمعرفة ذلك، و علمت لمن استندتا هاتان المرأتان، و من يقويهما.

و لو لا ما ذكر الله نفسه في النصرة، ما استطاعت الملائكة، و المؤمنون مقاومتها، و علمت أنهما حصل لهما من العلم بالله، و التأثير في العالم ما أعطاهما هذه القوة، و هذا من العلم الذي كهيئة المكنون، فشكرت الله علی ما أولی....

ص: 41

فما أظن أحداً من خلق الله استند إلی ما استند هاتان المرأتان..

يقول لوط عليه السلام: « قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ »... فكان عنده الركن الشديد، و لم يكن يعرفه. فإن النبي قد شهد له بذلك، فقال: يرحم الله أخي لوطاً، لقد كان يأوي إلی ركن شديد....و عرفتاه عائشة و حفصة، فلو علم الناس علم ما كانتا عليه لعرفوا معنی هذه الأية: « وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ »....(1)

تعليق: مع قطع النظر عن ركاكة إستنباطه و وضوح بطلانه لأن كيد المرأة غريب و عظيم. قال تعالی « قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ »، فان إبن عربي تغافل عن ان الله تعالی في مقام ذم هاتين المرأتين اللتين تظاهرتا علی رسول الله... لكنه قلب ذم الله مدحاً كدأبه في كل القرآن الكريم فحيثما رأی ذماً منه تعالی لفرعون أو للعصاة، قلبه مدحاً ولكن « وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَاللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ » إذ كيف العلم الذي يستخدم للتظاهر ضد الرسول هو «العلم بالله» كما هو صريح عبارته!!

ص: 42


1- - الفتوحات المكية ج 1 ص 180

بحث فقهي حول حرمة الموسيقی علي الاشكوري

العدد الثامن

التنبيه الثاني: لو قلنا بحرمة الموسيقی بنحو مطلق هل ان استعمال آلات الموسيقی و استخدامها بنحو مطلق محرم و كذلك يحرم السماع و الاستماع الی كل صورت يخرج من هذه الآلات و الادوات؟

لا شك انه لا يطلق علی كل صوت يخرج من آلات الموسيقی و لا علی كل ضرب علی الطبل و الطنبور انه الموسيقی بالمعنی المصطلح بل لابد ان يكون الضرب علی اساس الموازين الا يقاعية و الاوزان الشعرية. فلا يمكن الذهاب الی حرمة استماع كل صوت يخرج من آلات الموسيقی وان لم يكن له الوزن و النغمة الغنائية و اللحن حتی لو قلنا بحرمة الموسيقی بنحو مطلق لانه خارج عنها تخصصاً.

اللهم الا ان يدعی ان الظاهر من الادلة حرمة الاستماع الی كل صوت يخرج من آلات اللهو و كذلك الضرب علی هذه الاداة بنحو مطلق.

ولكن نقول: ان المناسبات تحكم بان أدلة المنع عن استخدام آلات اللهو و ادوات الموسيقی ناظرة الی استخدامها في ما وضعت هذه الاداة لها، و موضعها عند العقلاء و اهل الفن هو ان تستخدم في الالحان الموسيقية و النغمات الغنائية. نعم قد يوسع المشرع احياناً في دائرة جعله و يكون نطاق

ص: 43

جعله اوسع مما فيه الملاك و ذلك احتياطاً منه فيضع حريماً للحكم حرصاً منه علی حفظ ملاك الحكم ولكن هذا الامر فيه مؤونة زائدةو بحاجة الی الدليل مضافاً الی نكتة اخری سوف نتعرض لها في التنبيه الآتي انشاء الله تعالی.

و علی كل فقد ذكرنا كل المحتملات المعقولة في تحديد موضوع الموسيقی في ما سبق فراجع.

التنبيه الثالث: في التنبيه السابق ظهر انه لا يمكن الحكم بحرمة كل صوت يخرج من آلات الموسيقی حتی لو قلنا بحرمة الموسيقی بالنحو المطلق ففي هذا التنبيه نطرح السؤال التالي:

هل هناك خصوصية في آلات الموسيقی بمعنی انه لو ضرب علی الباب ضربات علی اساس الموازين الايقاعية و الاوزان الشعرية و خرج منه النغمة الموزونة فهل حينئذ لا يحكم بحرمته لو قلنا بحرمة الموسيقی مطلقاً (او كان وزنه من الاوزان الراقصة)؟

و الظاهر انه لا خصوصية في آلات اللهو بعد صدق الموسيقی او الموسيقی المطربة علی تلك النغمات الغنائية نتيجة الضرب علی الباب و نحوه.

و لا يقال: ان ما ورد في الدليل انما هو ذكر آلات الموسيقی كالطبل و الطنبور و البربط و المزمار والكوبة و لم يرد في شيء من ذلك عنوان الموسيقی لكي نقول بانطباق العنوان علی مثل الضربات الحاصلة علی الباب و نحوه.

ص: 44

لانه يقال انما ذكرت هذه الامور لانها آلات الموسيقی و لذا نری في كثير من الروايات عبرت عنها بالملاهي و اللهو و الآت اللهو.و بعبارة اخری انه في الحقيقة لا خصوصية لهذه الآلات انما الخصوصية في تلك النغمات و الاصوات الموزونة الخارجة نتيجة القرع علی جسم من الاجسام.

التنبيه الرابع: فقد ظهر مما سبق ان المقياس في صدق الموسيقی هو ان يكون الصوت الذي يخرج من الآلات علی اساس الموازين الا يقاعية و الالحان المعروفة و ما يسمّی في مصطلحهم بالنوت فالمدار هو صدق عنوان الموسيقی او الصوت اللهوي الذي يخرج علی اساس قواعد الموسيقی سواء خرج من الآلات الموسيقية المتداولة في زمن صدور النصوص المانعة ام صدر من الآلات المستحدثة في هذا المجال في زماننا كالبيانو والأكورديون و نحوهما بل قد عرفت انه لا خصوصية للاداة المعدة للموسيقی و انما المقياس هو النغمات الغنائية و الاوزان الايقاعية و الالحان إما بنحو مطلق او خصوص ما يكون مطرباً او من الحان اهل الفسق او اللهوي منها فهذا مما نبحثه في ما يأتي انشاء الله تعالی.

التنبيه الخامس: ان في كل مورد يحكم بمنع الاستماع الی الموسيقی و الاصغاء الی الالحان الموسيقية و النغمات الغنائية لا فرق بين ان يكون في مجلس و مع حضور المغنين و المطربين و الطبالين و الزمارين ام لا يكون كذلك كما اذا كان بالبث المباشر عبر التلفزة و المذياع او غير المباشر كالاشرطة التي تسجل عليها الموسيقی و الاسطوانات و ذلك لوجود نكتة التحريم و عدم احتمال الفرق و التعدي العرفي فلا شك في صدق عنوان

ص: 45

الاستماع الی اللهو لدی العرف حين الاصغاء الی الاشرطة و الاسطوانات الغنائية و الموسيقية.التنبيه السادس: انه جاء في روايات كثيرة اللهو و الملاهي و ما شابه من هذه التعابير واريد منها آلات الموسيقی و فيما يلي نشير الی تلك الموارد اشارة عابرة:

- في وصية النبي صلی الله عليه و آله لعلي عليه السلام قال يا علي ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، الحديث.(1)

- و عن ابي عبدالله عليه السلام قال استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق، الحديث.(2)

- و عن ابي الحسن عليه السلام قال قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها الا ثمن الكلب، الحديث.(3)

- عن الرضا عليه السلام (في جواب من سئله عن السماع) قال هو في حيز الباطل و اللهو.(4)

- و عن الباقر عليه السلام قال من كسر بربطاً او لعبة من اللعب او بعض الملاهي، الحديث.(5)

- و عن ابي عبدالله عليه السلام و رأيت الملاهي قد ظهرت الحديث.(6)

ص: 46


1- - الوسائل ج 12 ص 233 ح 8
2- - الوسائل ج 12 ص 235 ح 1
3- - الوسائل ج 1 ص 88 ح 6
4- - الوسائل ج 12 ص 239 ح 19
5- - في حاشية البحار ج 79 ص 251
6- - الوسائل ج 11 ص 518 ح 6

- و عن ابي الحسن الاول عليه السلام عن رسول الله صلی الله عليه و آله اربع يفسدن القلب...استماع اللهو، الحديث.(1)

- و عن الرضا عليه السلام... و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس الی ان قال عليه السلام و الاشتغال بالملاهي، الحديث.(2)

- و عن الصادق عليه السلام انما حرم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط و المزامير و الشطرنج و كل ملهو به، الحديث.(3)

ص: 47


1- - الخصال ج 1 ص 227 ح 63
2- - العيون ج 2 ص 120 باب 35
3- - الوسائل ج 12 ص 57

الغلو و التفويض الدكتور الكاظمي القزويني

وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة

الحلقة العاشرة

لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض جاسوسية ولذا ارتأت المجلةاظهارانحرافات الشيخيةحتی تحذر الامة افكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة(المجلة)

المسألة العاشرة: «علم الأئمة عليهم السلام»

اتفقت كلمة المسلمين- عدا الغلاة- أن الأنبياء و الأئمة عليهم السلام يعلمون بتعليم من الله تعالی، فهو سبحانه المتكفل بتربيتهم و تعليمهم و إرشادهم، فهم يعلمون بكل ما علمهم الله، و ما لم يعلمهم به و يطلعهم عليه، فهم لا يعلمونه، و هذا ما قضت به العقول و دل عليه المنقول كتاباً و سنة قال الميرزا جواد التبريزي: «إن المعصوم- كالنبي و الائمة الأطهار-

ص: 48

يعلم بكل ما علمه الله تعالی من الوقائع و الحوادث و الموضوعات حيث لا يكون علمه ذاتياً»(1)و قال الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية: «أما علمه- أي الإمام- فهو يتلقی المعارف و الأحكام الإلهية و جميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، و إذا استجد شيء لابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالی فيه».(2)

و قال السيد هاشم معروف الحسني: فالرسول لا يعلم إلا ما علمه إياه ربه... و لقد قال: (مالي و لهم يسألوني عما لا أعلم و إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي)(3). و قال: «فنسبة علم الغيب لغير الله تكذيب لنصوص القرآن و مخالفة لصريح آياته، و الذي ندعيه و ندين به هو أن النبي صلی الله عليه و آله علمه الله سبحانه بطريق الوحي تارة و الإلهام اخری مما يتعلق بأمور الدين و شيئاً مما يتعلق بأمور الدنيا... و لقد كان يسأل أحياناً عن بعض أسرار الكون فلا يجيب و ينتظر الوحي فيما يسأله عنه، و ما عند الإمام من معلومات تتعلق بأمور الدين و بعض الشؤون الاخری كانت عن طريق النبي لا غير...»(4)

إذن فعلم الغيب شيء و الاطلاع علی الغيب شيء آخر.

ص: 49


1- - ميرزا جواد التبريزي: صراط النجاة- ط 1- الكويت- مكتبة الفقيه- 1996 م- ج- 2- ص 448.
2- - محمدرضا المظفر: عقائد الإمامية- ص 50
3- - هاشم معروف الحسني: أصول التشيع- بيروت- دار القلم- بدون تاريخ- ص 240، 241.
4- - نفس المصدر: ص 241.

قال الشيخ المفيد: «فأما اطلاق القول بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد، لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلممستفاد، و هذا لا يكون إلا لله عزوجل، و علی قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذ عنهم من المفوضة و من انتمی إليهم من الغلاة».(1)

و لهذا لا يجوز إعطاء وصف العلم بالغيب لاحد، لا إلی ملك مقرب، و لا إلی نبي مرسل، بأن يقال: «أن النبي أو الإمام يعلم الغيب» و إنما يقال: النبي صلی الله عليه و آله و سلم أو الإمام عليه السلام يعلم بتعليم من الله، أو يعلم بما علمه الله تعالی.

قال الطبرسي قدس سره: «... و لا نعلم أحداً منهم- أي الشيعة- استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، فإنما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات، و هذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهوخارج عن ملة الإسلام»(2)

وقال ايضاً: «فإنا لا نعلم احداً منهم- أي الشيعة- بل أحداً من أهل الإسلام يصف أحداً من الناس بعلم الغيب، و من وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين و الشيعة الإمامية برآء من هذا القول، فمن نسبهم إلی ذلك فالله فيما بينه و بينهم»(3)

ص: 50


1- - الشيخ المفيد: أوائل المقالات- ص 75.
2- - الطبرسي: مجمع البيان- ج- 5- ص 264، 265.
3- - نفس المصدر: ج- 3- ص 236.

وقال البحراني في شرحه علی النهج: «... و فرق بين الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، و بين ما ادعيناه، فإن المراد بعلم الغيب هو العلم الذي لايكون مستفاداً عن سبب يفيده، و ذلك إنما يصدق في حق الله تعالی، إذ كل علم لذي علم عداه، فهو مستفاد من جوده...»(1)

قال الشيخ محمد جواد مغنية: «إن كلمة الغيب لا تدل علی معناها فحسب، بل تدل أيضاً علی أن الغيب لله وحده، و بالإضافة إلی هذه الدلالة، فإن أقرب الناس إلی ربه يعلن للأجيال بأنه أمام الغيب بشر لا فرق بينه و بين غيره من الناس، ثم لا يكتفي بهذا الإعلان بل يستدل علی ذلك بالحس و الوجدان و هو أنه لو علم الغيب لعرف عواقب الأمور...»(2)

وقال السيد أمير محمد الكاظمي القزويني: «و أما قوله: «بأن الشيعة يقولون بأن الائمة يعلمون الغيب، و المسلمون قاطبة ما عدا الشيعة يرفضون هذا القول» فمردود، بأن الشيعة قديماً و حديثاً ليس فيهم من يقول بأن الأئمة يعلمون علم الغيب، و إنما ذلك من قول الغلاة الذين حكم الشيعة بكفرهم و ضلالهم... في حين أن الشيعة و هم المسلمون يعتقدون باختصاص علم الغيب بالله وحده لا شريك له في ذلك من أحد من العالمين أجمعين... أما إخبار الأئمة عن بعض المغيبات بتعليم الله أو بإخبار النبي صلی الله عليه و آله و سلم لهم فليس من علم الغيب المختص بالله وحده في شيء»(3) إلی كثير من أقوال علماء الشيعة الذين ينفون علم الغيب عن

ص: 51


1- - البحراني: شرح نهج البلاغة- ج- 1- ص 83، 84.
2- - محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف- المجلد الثالث- ص 431، 432.
3- - أمير محمد الفزويني: محاورة عقائدية- ص 133، 134

غير الله تعالی و اختصاصه به سبحانه و من أراد المزيد من الأقوال فليرجع إلی كتابنا مسائل عقائدية، في مسألة العلم بالغيب.و قد نسب إلی (فرقة الشيخية) و من تابعهم القول: بأن النبي صلی الله عليه وآله و سلم و الأئمة عليهم السلام يعلمون الغيب، و ان علمهم بالغيب علم حضوري إحاطي، لا حصولي إخباري، بمعنی أنهم عليهم السلام محيطون بكل شيء، و أن جميع الأشياء حاضرة عندهم لا تغيب عن أعينهم آناً واحداً، و بهذا خالفوا الضرورة من دين المسلمين و ما ورد في الفرقان العظيم من ايات تنص علی أن علم الأنبياء و الأئمة علم حصول و إخبار و تعلم من ذي علم و هذه المخالفة صريحة في أقوال علمائهم. قال الميرزا (موسی الاحقاقي الاسكوئي): «فإذا ثبت أن الأئمة عليهم السلام حجج الله علی جميع ما ذرء و برء، و أن الحجة لا تكون حجة إلا و أن يكون جميع المحجوجين بمحضره و منظره و مرآه، بحيث لا يغيب عنهم آناً واحداً و لمحة واحدة، و لا يحجبون عنه أبدا، لزم أن يكون علم الحجة بالمحجوجين علم حضور و إحاطة و عين، كما قال مولی الوری أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة التطنجية: «و لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلی و ما تحت السابعة السفلی و ما بينها و ما تحت الثری كل ذلك علم إحاطة لا علم إخبار...»(1)

الرواية.

و قال موسی الاسكوئي أيضاً: «انظر كيف صرح عليه السلام بالمطلوب كنساً لغبار أوهام ضعفاء الرعية، و تنظيماً لقلوب حمقاء الشيعة الإمامية، و

ص: 52


1- - موسی الاحقاقي: إحقاق الحق- ص 436.اقول :قد تقدم في الاعداد الاولی من المجلة ان خطبة التطنجية من المكذوبات والموضوعات فراجع – المجلة.

بالجملة إن أنكرت كونهم حجج الله علی جميع خلقه مما ذرء وبرء و خالفت الأخبار المتواترة في ذلك معنی و لعلك أن تنكر إحاطة علمهم بها حضوراً و عياناً...»(1)

وقال: «فإذا ثبت بمقتضی صريح هذه الأخبار أن جميع علم الكتاب عندهم عليهم السلام، ظهر لك أن علمهم محيط بجميع الأشياء حضوراً لا إخباراً».

و قال: «فظهر أن علمهم بكل الأشياء بلحاظ أنهم شهداء عليها من قبل الله سبحانه، علم حضوري عياني لا حصولي والتفاتي. ليت شعري متی غابت الأشياء عن نظرهم حتی يكون علمهم بها حصولياً؟ و متی غفلوا حتی يحتاجوا إلی التوجه و الالتفات إليها....؟ «فظهر من شهادتهم عليهم السلام عليها، أن علمهم عليهم السلام، بكل ما جری به قلم الإيجاد و الاختراع، بطريق الحضور و العيان و الإحاطة، لا بطريق الحصول و انطباع المعلومات في أذهانهم الشريفة كما زعمه من لا حظ له في المقام...»(2)

و قال حفيده (عبدالرسول الاحقاقي): «أجل، غاية ما نستطيع قوله في شأن المعصومين عليهم السلام، أنهم عالمون بالغيب، و علمهم حضوري، و إحاطي...»(3)

و قال أيضاً: «أن علوم الأولين، و الاخرين، مكتوبة و مذكورة في القرآن الكريم، كما نستنتج أن علم القرآن موجود عند محمد صلی الله عليه و آله و سلم و آل محمد عليهم السلام، و أنهم يحيطون بجميع علوم

ص: 53


1- - نفس المصدر: ص 436.
2- - نفس المصدر: ص 439، 431، 432.
3- - عبدالرسول الاحقاقي: الولاية- ج- 1- ص 195.

القرآن، و المعارف و الأسرار الإلهية، إحاطة كاملة، و لا يخفی شيء عن أعينهم حيث أنهم عين الله الناظرة».(1)

و المتتبع لكلمات (عبدالرسول الاحقاقي) في كتابه الولاية، في مسألة (علم بالغيب) سيجد الخلط و الخبط واضحاً، فهو تارة يذهب إلی القول، بأن علم الأئمة عليهم السلام إحاطي حضوري، تراه يقول في مكان آخر، أنهم عليهم السلام يتلقون علومهم من دار العلم الأزلي و تعليمهم و إخبارهم، و تارة يروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «و لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلی، و ما تحت الأرض السابعة السفلی و ما بينهما، و ما تحت الثری، كل ذلك علم إحاطة لا علم إخبار».... نجده يقول في موضع آخر: أن علمهم بالمغيبات عن طريق الوحي و الإلهام و من تعاليم المكتب الأزلي.(2)و الذي يبدو لي أن (الميرزا عبدالرسول) لم يطلع علی ما في الكتاب ليری التناقض الموجود فيه، و قد بينا في كتابنا «مسائل عقائدية»، التهافت الذي وقع فيه فراجع.

(وسيأتي الرد مفصلا علی كلامهم هذا في العدد الاتي فانتظر)

ص: 54


1- - نفس المصدر: ص 212.
2- - نفس المصدر: ص 276، 277، 284.

وجود العالم بعد العدم الشیخ علي احمدي

عند الامامية

حجة الاسلام والمسلمين السيد قاسم علي احمدي

العدد الثامن

خلاصة البحث السابق :

(انه من تأمل في الروايات المتقدّمة وغيرها وجد في كثير منها أنّ الإمام عليه السلام يستدل بالدليل العقلي لإثبات حدوث العالم ، فلا تنحصر الأدلة العقلية فيما ذكرنا)

ثم ذكر الكاتب الكريم: (ولهذا نذكر جملة من الأخبار الدالة على حدوث مطلق ما سوى اللّه ونفي وجود واسطة بين الخالق والمخلوق مجرّداً عن الزمان ، والتأمل في هذه الأحاديث يفيد وجود ملاك المخلوقيّة ويثبت أنّ الإمكان لا يجامع القدم وأنّ القدمة تساوق الأُلوهيّة)

واليك تتمة باقي الاخبار:

* وعنه عليه السلام :

ص: 55

« . . لم يزل عالماً قديماً خلق الأشياء لا من شيء ، ومن زعم أنّ اللّه تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر ؛ لأنه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليته وهويته كان ذلك الشيء أزلياً . . »(1)

*

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :

« . . لم يخلق الأشياء من أصول أزلية . . »(2)

* وعن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال :

« . . إمّا أن أكون صنعتُها وكانت موجودةً أو صنعتها وكانت معدومة ؟ ؛ فإن كنت صنعتها وكانت موجودةً فقد استغنت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة فإنك تعلم أنّ المعدوم لا يُحدث شيئاً . . »(3)

*قيل لمولانا الصادق عليه السلام : ما الدليل على أنّ للعالم صانعاً ؟

فقال:« أكثر(4)الأدلّة في نفسي ؛ لأني وجدتها لا تعدو أحد أمرين : إمّا أن أكون خلقتها وأنا موجود ، وإيجاد الموجود محال ، وإمّا أن أكون

ص: 56


1- علل الشرايع : 607 ، بحار الأنوار 5/230 و 54/76 حديث 51 .
2- التوحيد : 79 ، نهج البلاغة : 233 ، بحار الأنوار 4/295 ، 307 و 54/27 ، 80 و 74/309
3- التوحيد : 290 حديث 10 ، بحار الأنوار 3/50 حديث 23 .
4- في متشابه القرآن : اكبر .

خلقتها وأنا معدوم فكيف يخلق لا شيء ؟ ! فلمّا رأيتها فاسدتين من الجهتين جميعاً علمتُ أنّ لي صانعاً ومدبّراً »(1)

*عن أبي جعفر الثاني عليه السلام :

« هو اللّه القديم الذي لم يزل . . . هو اللّه الذي لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف وإنما يختلف ويأتلف المتجزّئُ ، فلا يقال اللّه مؤتلفٌ ولا اللّه قليل ولا كثير ، ولكنّه القديم في ذاته ؛ لأنّ ما سوى الواحد متجزّئ ، واللّه واحد لا متجزّئ ولا متوهم بالقلّة والكثرة ، وكلّ متجزّئ أو متوهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له »(2)

*عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام قال :« . . لا يليق به الاختلاف ولا الائتلاف إنّما يختلف المتجزّئ ويأتلف المتبعض فلا يقال له مؤتلف ولا مختلف . . . لأنّ ما سواه من الواحد متجزّئ وهو تبارك وتعالى واحد لا متجزّئ ولا يقع عليه العدّ »(3)

ص: 57


1- روضة الواعظين : 31 ، متشابه القرآن 1/46 .
2- الكافي 1/116 حديث 7 ، التوحيد : 193 حديث 7 ، الاحتجاج : 442 ، بحار الأنوار 4/153 حديث 1. اقول : لا يخفى في دلالة هذا الخبر كبعض الأخبار الآتية على استحالة وجود الموجود المجرّد وأنه لا مجرّد سوى اللّه .
3- الاحتجاج : 338 ، بحار الأنوار 4/67 حديث 8 و 10/167 .

* عن أمير المؤمنين عليه السلام :

« . . لا تجري عليه الحركة والسكون ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ؟ ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذن لتفاوت ذاته ولتجزّء كنهه ، ولا امتنع من الأزل معناه . . »(1)

*عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :

« . . فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ، لا تجري عليه الحركة والسكون ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتدئه ؟ إذن لتفاوتت اجزاؤه ولامتنع من الأزل معناه ، ولما كان للباري معنىً غير المبروء ولو حُدّ له وراءٌ إذاً حُدّ له أمام ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان ، كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث . . »(2) ؟

ص: 58


1- نهج البلاغة : 273 خطبه 186 ، تحف العقول : 67 ، الاحتجاج : 201 ، أعلام الدين : 59 ، بحار الأنوار 4/254 حديث 8 و 54/30 حديث 6 و 57/95 حديث 31 و 74/313 حديث 14
2- التوحيد : 40 ، عيون الأخبار 1/153 ، الأمالي للمفيد : 257 ، الأمالي للطوسي 23 ، الاحتجاج : 400 ، أعلام الدين : 70 ، بحار الأنوار 4/230 و 54/44 حديث 17

* عن أبي عبد اللّه عليه السلام :« إنه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله التغير والزوال أو ينتقل من لون إلى لون ، ومن هيئة إلى هيئة ، ومن صفة إلى صفة ، ومن زيادة إلى نقصان ، ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين . . » .(1)

* عن أمير المؤمنين عليه السلام :

« من وصف اللّه فقد حدّه ، ومَن حدّه فقد عدّه ، ومَن عدّه فقد أبطل أزله . . »(2)

أقول

: وقد روي هذا الحديث أيضاً عن الإمام موسى بن جعفر والإمام علي بن موسى الرضا عليهماالسلام .

والمستفاد

من هذا الحديث الشريف هو عدم اجتماع الحدّ والمقدار والعدّ مع الأزلية .

*عن الإمام علي بن الحسين عليهماالسلام أنه قال :

« . . أنت الذي لا تحدّ فتكون محدوداً . . »(3)

ص: 59


1- الكافي 1/115 حديث 5 ، التوحيد : 314 حديث 2 ، بحار الأنوار 4/182 حديث 9 .
2- الكافي 1/140 حديث 5 ، 6 ، التوحيد : 57 ، نهج البلاغة : 212 خطبة 152 ، اعلام الدين : 64 ، بحار الأنوار 4/285 حديث 17
3- الاقبال : 351 ، الصحيفة : 212 ، مصباح الكفعمي : 672 ، وقريب منه : الإقبال : 393 ، بحار الأنوار 95/263 .

* عن أمير المؤمنين عليه السلام :

« . . فالحدّ لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب . . »(1)

*عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام :

« . . ما احتمل الزيادة كان ناقصاً ، وما كان ناقصاً لم يكن تامّاً ، وما لم يكن تامّاً كان عاجزاً ضعيفاً . . »(2)

أقول

: فكلّ شيء له مقدار قابل للزيادة ذاتاً فهو في أيّ حدّ كان ناقص ، وتوهّم عدم التناهي له غير معقول .

*عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :

« . . كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل . . »(3)

ص: 60


1- نهج البلاغة : 233 خطبة 163 ، بحار الأنوار 4/307 حديث 35 و 74/309 حديث 11
2- بحار الأنوار 3/194
3- نهج البلاغة : 96 خطبة 65 ، أعلام الدين : 65 ، بحار الأنوار 4/309 حديث 37 و 74/306 حديث 9 .

أقول : إنّ للخلق أجزاء مقداريّة عدديّة قابلة للوجود والعدم ، والمقدار في أيّ حدّ فُرض فهو قليل قابل للزيادة .

*عن أمير المؤمنين عليه السلام :

« . . ومن قال : إلى مَ . . فقد نهّاه ، ومن قال : حتى مَ . . فقد غيّاه . . »(1)

أقول

: يستفاد من هذا الحديث أنّ مجرد نسبة الشيء إلى الزمان والمكان - الذين هما علامتان للمقدار - مستلزم للتناهي والحدوث .

*عن مولانا جواد الأئمة عليه السلام :

« . . كل متجزّئ أو متوهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له . . . وما احتمل الزيادة احتمل النقصان ، وما كان ناقصاً كان غير قديم ، وما كان غير قديم كان عاجزاً . . »(2)

*وعن النبي صلى الله عليه و آله وسلم :

ص: 61


1- التوحيد : 36 ، عيون الأخبار 1/151 ، الأمالي للطوسي : 23 حديث 28 ، الأمالي للمفيد : 255 ، تحف العقول : 63 ، الاحتجاج : 399 ، أعلام الدين : 69 ، بحار الأنوار 4/229
2- ) الكافي 1/116 حديث 7 ، التوحيد : 194 حديث 7 ، الاحتجاج : 443 ، بحار الأنوار 4/153 - 154 .

« . . أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه ؟ فإن قلتم أنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله ، وإن قلتم متناه فقد كان ولا شيء منهما . . »(1)

قال العلاّمة المجلسي رحمه الله :

قوله

صلى الله عليه و آله وسلم : « أتقولون ما قبلكم » إثبات لانقطاع الليل والنهار من جهة الماضي ، لاستحالة ما لا نهاية له وهو انقطاع الزمان ، ويلزم منه انقطاع الحركات وحدوث الأجسام والأعراض القائمة بها(2)

أقول: ويستفاد من الحديث الشريف : كلّ ما له آخر ، فلا ريب في أنّ له أوّلاً فالانقضاء لا معنى له في اللايتناهى ؛ لأنّ انقضاء اللايتناهى مساوق للتناهي والمحدوديّة .

وبعبارة

أُخرى : كلّ ما يقبل الزيادة فهو محدود متناه .

*عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام :

« . . إنّه متى ما ضمّ شيء إلى مثله كان أكبر وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث »(3)(270) .

ص: 62


1- ) تفسير الإمام عليه السلام : 536 ، الاحتجاج : 25 ، بحار الأنوار 9/262 و 54/68
2- بحار الأنوار 54/70
3-

* قال بعض الزنادقة لأبي الحسن عليه السلام : . . فحدّه لي .

قال: « لا حدّ له » .

قال: ولم ؟

قال: « لأن كلّ محدود متناه إلى حدّ ، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ، فهو غير محدود ، ولا متزائد ، ولا متناقص ، ولا متجزّء ، ولا متوهّم . . »(1)

أقول: فالتوصيف والبيان فرع المقدار ، والمقدار يستلزم التناهي والتجزي .

*وفي مناظرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم مع الدهريّة قال :

«. . أولستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر ؟ »

فقالوا: نعم .فقال صلى الله عليه و آله وسلم : « أفترونهما لم يزالا ولا يزالان ؟ »

ص: 63


1- التوحيد : 252 حديث 3 ، علل الشرايع 1/119 حديث1 ، عيون الأخبار 1/132 حديث 28 ، الاحتجاج : 397 ، بحار الأنوار 3/15 حديث 1 و ص37 حديث 12 .

فقالوا: نعم .

فقال: « أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار ؟ »

فقالوا: لا .

فقال صلى الله عليه و آله وسلم : « فإذا منقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جارياً بعده » .

قالوا: كذلك هو .

فقال: « قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل ونهار لم تشاهدوهما ، فلا تنكروا للّه قدرته . . »(1)

* وفي مناظرة أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام مع عبد الكريم : . . فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يسألني أحد عنها قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها .

فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام :« . . إنك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء فكيف قدّمت وأخرّت ؟ ! »(2)

ص: 64


1- الاحتجاج : 25 ، تفسير الإمام عليه السلام : 535 ، بحار الأنوار 9/262 و 54/68 حديث 44
2- الكافي 1/77 ، التوحيد : 297 حديث 6 ، بحار الأنوار 3/46

أقول : إنّ التقديم والتأخير فرع المقدار والتجزي ؛ فلا معنى لعدم التناهي فيهما ، ولا يخفى أن هذه الروايات تبيّن الملازمة بين المقدار والتناهي ّ. وممّا ذكرناه ظهر استحالة اللايتناهى وهو يدلّ على استحالة الزمان اللامتناهي وقدم المخلوقات مطلقا .

ص: 65

اطلالة علی علم الكلام الشیخ حيدر الوكيل

العدد السادس

(وصل بحث الكاتب الكريم الی طرح قائمة باسماء الكتب الكلامية وقد ذكر من جملتها بعض كتب ابن ابي جمهور الاحسائي ولا يخفی ان شخصية ابن ابي جمهور شخصية فلسفية تتبنی الافكار الفلسفية كالايمان بوحدة الوجود مضافا للاشكالات الاخری الواردة عليه ولذا لاتعد هذه الشخصية من جملة علماء الكلام عند الشيعة- المجلة)

المقام الثاني : الكتب الكلامية(1):

قد تبين مما مر ان المناهج الكلامية ثلاثة وقد كتب وفق كلٍ منها كتب واخذ ذلك المنهج الطابع العام لدور من ادوار علم الكلام ولعل من الكتب الكلامية المهمة في مختلف الادوار هي(2) :

ص: 66


1- [1] ذكر العلامة المعاصر الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله في رسالته الى البابا بندكت السادس عشر :" ان المتتبع لنتاجات المتكلمين المسلمين والذين يعتمدون المنهج العقلي والمنطقي , يجد ما لاحصر له من المصنفات . وقد دون علماء الشيعة وحدهم في هذا المجال اكثر من 12000 مصنف ". رسائل وحوارات ص 47 .
2- - هذه الاضمامة للتمثيل للكتب الكلامية حسب مناهجها المختلفة وعصورها الممتدة الى يومنا هذا ولسنا بصدد الحصر , وهناك اليوم اعلام محققون في مسائل الامامة وما يتفرع عنها في النجف الاشرف وقم المقدسة اضافة الى كتب المستبصرين التي اعطت مثالا واضحا في الانصاف وتبني الحق بعد وضوحة لثلة من المثقفين المسلمين .

1- الكافي للشيخ الكليني .

2- بصائر الدرجات لمحمد بن حسن الصفار .

3- الامامة والتبصرة من الحيرة علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي .

4- كامل الزيارات لابي جعفر ابن قولويه .

5- كتب الشيخ الصدوق (قدس سره) كاعتقادات الامامية والتوحيد واكمال الدين وعيون اخبار الرضا ومعاني الاخبار .

6- كتب الشيخ المفيد (قدس سره) الكلامية كتصحيح عقائد الصدوق و الارشاد والافصاح وغيرها .

7- كتب السيد المرتضى (قدس سره) كالشافي وجمل العلم والعمل والذخيرة .

8- الغيبة للنعماني .

9- كتب الشيخ الطوسي (قدس سره) كتلخيص الشافي والاقتصاد والغيبة .

10- تقريب المعارف للشيخ ابي الصلاح تقي الدين الحلبي قدس سره.1- المسلك في اصول الدين والرسالة الماتعية للمحقق الحلي(قدس سره) صاحب الشرائع .

ص: 67

2- كتب المحقق الطوسي(قدس سره) كالتجريد وواجب الاعتقاد وقواعد العقائدوغيرها.

3- كتب العلامة الحلي (قدس سره) ككشف المراد في شرح التجريد وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد ومعارج الفهم في شرح النظم ونهج المسترشدين وكشف الحق ومناهج اليقين وغيرها .

4- كتب الشيخ الفاضل المقداد السيوري (قدس سره) كشرح الباب الحادي عشر واللوامع الالهية والانوار الجلالية وارشاد الطالبين الى نهج المسترشدين وغيرها .

5- كتب الشيخ زين الدين النباطي البياضي العاملي (قدس سره) كعُصرة المنجود والباب المفتوح الى ما قيل في النفس والروح والصراط المستقيم والرسالة اليونسية والكلمات النافعات .

6- المقالة التكليفية والباقيات الصالحات للشهيد الاول (قدس سره) .

7- مختصر بصائر الدرجات وتفضيل الائمة وغيرها للشيخ الحسن بن سليمان العاملي الحلي(قدس سره) .

8- الحاشية على الهيات الشرح المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد على التجريد للمولى الشيخ احمد الاردبيلي (قدس سره) .

9- كتب العلامة المحقق المجلسي (قدس سره) واهمها البحار ومرآة العقول .

ص: 68

هداية الامة إلی معارف الائمة آية الله الخراساني

العدد السابع

تقرير «الاتصال» و «الألجاء» و «الأضطرار» و«الحاجة» و «الأفتقار» و «التضاد» و «الأختلاف»

و الاتصال ظاهر غيرخفي***لان ما في الكون كالمؤلف

يقوم بعضه ببعض آخر***و بعضه للبعض الآخر كالموثر

كانها أجزاء شيء احد،***تنحو الی حصول شيء فارد

فطوراً الشمس وطوراً القمر***و طوراً الريح وطوراً المطر

تحيی بها الارض ويحيي ما بها***من انسها و طيرها ودوابّها

الأضطرار ظاهر من بعد ذا***إذ لأجل شيء اخذا

فما هو المجبول بالتأثير***يضطر بالغير بلا نكير

و قد استدل بذلك و قد استدل بكل منهما في الاخبار و دلالتها ظاهرة كما قلت:

و الاتصال ظاهر غير خفي لمن تفكر في الكون؛ لان ما في الكون كالمؤلف الواحد و كمعمل واحد لصنعة خاصة، يقوم بعضه؛ اي بعض الكون ببعض آخر في حصول الاثر منه؛ بحيث لولاه، لم يتم له اثر، فيكون

ص: 69

كل منها كجزء العلة، و بعضه للبعض الآخر كالموثر له تمام المؤثر؛ بحيث لولاه، لم يكن له نشوء و لا بقاء و الاول، كائتلاف كل من الشمس و القمر و الهواء و الريح و المطر و الحر و البرد و تعاضدها في حصول ما لها من الأثر فان كلا منها لا يتم عمله الا بالآخر؛ و الثاني، كتأثيرها مجتمعاً او منفرداً بالنسبة الی المواليد الثلاثة: المعدن و النبات و الحيوان؛ فانها لها بمنزلة المؤثر ابتداء و استدامة و إنك اذا تأملتها تری هذه الابعاض في الاتصال و الأرتباط، كانها أجزاء شيء واحد، تنحو و تميل و تسعی الی حصول شيء فارد؛ و من عجيب، تدبيرها أنها تعمل علی التناوب، فطوراً الشمس و طوراً القمر و طوراً الريح و طوراً المطر وأنها حيث تجري علی ذلك تحيی بها الارض و يحيي ما بها من انسها و طيرها و دوابّها؛ فهذا تقرير الاتصال.

و اما وجه دلالته علی الصانع المدبر، فظاهر ايضا، فان ائتلاف المتبائنات و اجتماعها علی اثر واحد، خصوصاً ائتلاف متضاداتها، كالطبائع المتضادة، مثل العناصر مع أنها غير شاعرة و لا قادرة مما لا يمكن الا بمريد شاعر، و مدبر قاهر، و كما أن هذا الاتصال يدل علی المؤثر الفاعل، كذلك وحدة تاثيره تدل علی وحدة المؤثر؛ كما سيجي تقريره في باب التوحيد و قد استدل الصادق عليه السلام بالاتصال عليهما، و سنذكره انشاء الله هناك

و اما الأضطرار، فهو ايضاً ظاهر من بعد ذا؛ اي بعد ثبوت الأتصال و تقريره، إذ كل ذا المذكور لأجل شيء اخذا؛ كما بينت، فان كلاً من اجزاء المذكورة و غيرها له اثر خاص و طبيعة مخصوصة، هي غايتها المحفوظة، و فائدتها الملحوظة؛ و لما كانت غير مدركة و لا شاعرة، فلا

ص: 70

محالة تكون مقهورة تحت قوة قاهرة؛ فهي مضطرة في حركاتها و سكناتها و مقاديرها و تأثيرها فاضطرار العالم يدل علی المدبر القاهر القادر؛ كما قلت:

فما هو المجبول بالتأثير إذ ليس تأثيره عن ادراك و شعور، فيكون مجبولاً بالطبع؛ يضطر لا محالة في فعله بالغير بلا نكير؛ و قد استدل بذلك الصادق عليه السلام في الحديث الآتي في محاجته مع المصري قال عليه السلام:

«أما تری الشمس و القمر يلجأن ليس لهما مكان الا مكانهما؟ فان كانا يقدران علی ان يذهبا و لا يرجعان، فلم يرجعان فإن لم يكونا مضطرين، فلم يصير الليل نهاراً و النهار ليلاً، اضطرا و الله يا اخا اهل مصر.»(1)

و قد اشار عليه السلام الی اضطرار الريح و الرعد و السحاب و المطر و حركة الارض من الزلازل ايضاً في حديث الأهليلجة، في كلام طويل.

وأما الافتقار منهايضا بانا ***للسافلات سيما الانسانا

وباضطرار واتصال حتما***الفقر للعلويّ إذ تلازما

وكل ما بالغير فهو ينتهي ***من اجل فقره لما بذاته

وكل طبعي مجبول بلا***إرادة فهو بالافتقار اهلا

و أما الافتقار فهو منه؛ أي من تقرير الاتصال ايضا، بانا و ظهر، و لكنه للسافلات خاصة سيما الانسانا لكثره افتقاره؛ فان افتقار السافلات باسرها الی العلويات و تاثير العلويات في تكوينها امر لا يجهله احد و اما العلويات فافتقارها من حيث ذاتها غير ظاهر؛ الا أن افتقارها من حيث الاتصال و

ص: 71


1- - البحار 3: 51/ 25.

الأضطرار الی مدبر غيرها ايضاً غير خفي بالملازمة كما قلت و باضطرار الی قولي إذ تلازما فإن كلاً و من الاضطرار و الاتصال متلازمان مع الفقر.

و قد استدل الصادق عليه السلام بالأفتقار قيل له(علیه السلام)ما الدليل علی الواحد؟ فقال عليه السلام: ما بالخلق من حاجة.(1)

و مما يتفرع علی دلالة الأفتقار القاعدة المسلمة المعروفة و هي أن كل ما بالغير لابد و أن ينتهي الی ما بالذات؛ كما قلت و كل ما بالغير فهو ينتهي من اجل فقره لما بذاته اي الی ما كان وجوده و قوامه بذاته و كذلك لانه لو لم تنقطع سلسلة الافتقار لتسلسلت و هو محال.

و مما يشير الی التمسك بالقاعدة قول الرضا عليه السلام في خطبته بمحضر المأمون (وكل قائم في سواه معلول...»(2)

اي معلول له، و هذا تقرير للصغری و اكتفی عليه السلام به لوضوح الكبری فان المعلول للغير لا بد و ان ينتهي الی ما بالذات

و كل طبعي مجبول بلا إرادة و شعور فهو بالافتقار اهلا و بهذا يمكن اثبات الأفتقار للعلويات ايضاً و كذلك لكل ما له اثر طبعي بلا شعور و اختيار؛ فان المجبول من غير شعور لا يمكن ان يكون مؤثراً بالذات فلا بد و ان ينتهي الی ما بالذات و سياتي الأستدلال بهذا الوجه في كلام الصادق عليه السلام في رد الطبعيين.

والأختلاف ناشئ عن مصلحة ***وحكمة فهو آية واضحةمنه:

اختلاف الليل و النهار***و نشأة الانسان في اطوار

ص: 72


1- - البحار 78: 262/108.
2- - المصدر 4: 228/3.

كذا اختلاف الناس في الألوان***و الوجه و اللسان و الألحان

وغير ذا من اختلاف الأمكنة***في طبعها كذا اختلاف الأزمنة

والخلف في أفراد نوع واحد ***من كامل أو ناقص أو زايد

وهذه الحوادث الكونية***عن فجأة أرضية جويّة

فالاختلافكان عن مدبر ***ولايكون ذا بلا مقدر

و أما الأختلاف فمعلوم أنه اذا كان ناشئاً عن مصلحة و حكمة فهو آية ايضاً واضحة الدلالة و ذلك بضميمة كونه بالطبع و الجبلة و من غير ارادة و اختيار و الأختلاف موجود في كثير من الموجودات:

منه: اختلاف الليل و النهار؛ كقوله تعالی: «وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِوَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ»(1)

و منه: نشأة الانسان في اطوار مختلفة كما قال: « وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »(2)

و كذا اختلاف الناس في الألوان و الوجه و اللسان و الألحان؛ كما قال تعالی: « وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ »(3)

ص: 73


1- - الجاثية 45: 5
2- - الجاثية 45:4
3- - الروم 30:22.

و غير ذا من اختلاف الأمكنة في طبعها كذا اختلاف الأزمنة في طبعها ايضا؛ فإن طبايع الامكنة و البلدان مختلفة، و طبايع الفصول و الأزمان متفاوتة

و كذا الخلف و الاختلاف الواقع في أفراد نوع واحد؛ كالانسان او البقر و الغنم او غيرها من كامل في خلقه، أو ناقص أو زايد فيها.

و كذا اختلاف الدواب و الانعام في الوانها، خصوصاً اختلاف نتائجها مع آبائها و امهاتها.

و من الاختلاف ايضاً حدوث هذه الحوادث الكونية الواقع عن فجأة و بغتة، أرضية او جويّة كالحر و البرد في غير اوانها، و الصواعق و الامطار الغير المترقبة، و النوازل الغير المعتادة من الطاعون و الوباء و الخسف و الزلازل الارضية و ما يقع فيها من غير عادة

فالاختلاف في جميع ما ذكر، كان لا محالة عن مدبر، مختار، حكيم؛ اذ حدوث الحادث او تخالف الحوادث او تخلف الطبيعية من غير سبب محال و كذلك لا يكون ذا الأختلاف بلا مقدر لأن كله علی قدر معلوم و اجل محتوم و سياتي في الرد علی الطبيعيين كلام الصادق عليه السلام في تحقيق الأختلاف و استدلاله به.

ص: 74

وفاة الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق علیه السلام

الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق بن الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام أبي عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وبضعة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إنَّ حياة الإمام الصادق (علیه السلام) موسوعة ضخمة للمعارف والعلوم والفنون من عقلية ونقلية ممَّا لم تجتمع ﻓﻰ أحد من النَّاس إلا لأئمة الهدى خزان علوم الأنبياء(علیهم السلام).

وهو سلام الله عليه النبراس الذي ظلَّ نوره يبدد غياهب الظلم ﻓﻰ عصره وﻓﻰ العصور التي تلته إلى اليوم وإلى ما شاء الله.

قد يظنّ من لم يدرس حياة هذا الإمام العظيم أنَّه كان قاصراً على علوم الفقه والتفسير والأحاديث عن الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أو أنَّه قد وقف نفسه لاستيعاب علوم الديانات المختلفة بحيث لم يبق عنده من الوقت ما يصرفه للعلوم الاخرى، ولكن الحقيقة التي يلمسها كل أحد هي أنَّ الإمام الصادق

ص: 75

صلوات الله وسلامه عليه ضالة كلّ دارس وباحثومتتبع بدون حصر أو تحديد فانَّه منية المتكلم وبغية المحدث ومطمح المتكلم ومتجه المنجم ومقصد الفلكي وملجأ الكيميائي ومعتمد اللغوي وسند المؤرخ وحجة القانوني ومفزع الأديب وموئل أصحاب الصناعات وكهف أرباب المعرفة.

فالصادق (علیه السلام) بالنسبة إلى هذه العوالم المتباينة, كالشمس ﻓﻰ كبد السماء يرسل أشعة الحياة إلى العوالم المحيطة به بنوره وعلمه ومعارفه وهداه.

وسمّاه الحافظ أبو نعيم ﻓﻰ حلية الأولياء الإمام الناطق ذا الزمام السابق، والناطق صفة اختصر بها مولانا الصادق من بيت الأئمة (علیهم السلام) لأسباب هيأها الله له ولم يشأ تهيئتها لغيره ومن المعلوم إنَّ جده الإمام الأعظم أمير المؤمنين علي عليه السلام كان أعلم علماء الأئمة بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ولم يشك ﻓﻰ ذﻟﻚ أحد من المسلمين حتَّى قال: أبو بكر كما صح عنه قوله: ( أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ) وصح عن عمر قوله: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن علي ) وخير الكلام بعد كلام الله قول النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): ( أقضاكم علي ) وقد ظهر منه صلوات الله وسلامه عليه من العلوم ما حير الألباب ممَّا لم يسبقه إليها سابق ولم يلحقه فيها لاحق لأنَّه باب مدينة علم رسول الله, ولكنه سلام الله عليه بلي من أهل البغض والعداوة والنصب بما لم يُبلَ به أحد من العالمين فكان صدره يضيق بما أودعه الله فيه من العلم، ولم يجد له مستودعاً إلا ابنيه السبطين الحسن والحسين(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وكان ربَّما رشحت منه رشحات لقلة الرواة وكثرة الحاسدينالطغاة, فكان يأخذ عنه قليل من أصحابه وهذا النزر القليل قد ملأ الدنيا علماً. وكان يقول سلام الله عليه: (علمني رسول الله ألف باب من

ص: 76

العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب ) فلو ترك لنا الناكثون والمارقون والقاسطون ﺗﻠﻚ الأبواب مفتوحة لحصل للنَّاس الغنى بعلم رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)عن العلوم التي ﻓﻰ أيدي النَّاس.

والشيطان أوقف ﻓﻰ سبيل السبطين (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) معاوية وابنه يزيد وأتباعهما فلم يجدا مجالاً لبث العلوم النبوية فانتقل العلم إلى الإمام السجاد(علیه السلام) فسدت عليه الطريق قيود الأسر وسياط الظلم اليزيدي الأموي المرواني فصار يصوغ العلوم للعارفين ﻓﻰ تضاعيف الأدعية والتسبيحات واستودع أسراره وعلومه لولده الباقر فاستطاع صلوات الله وسلامه عليه أنْ ينشر العلوم أكثر ما كان يستطيع آباؤه (علیهم السلام) لانشغال الدولة المروانية بالترف والفجور ونشوب الفتن ولكن يديه لم تكن مبسوطتين كلّ البسط لما كان يلاقيه من الاذى والإرهاق ثُمَّ استودع علوم النبوة ولده جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه.

استطاع الإمام الصادق (علیه السلام) أنْ يطلق لسانه بالعلوم لأن دولة بني مروان كانت ﻓﻰ دور الإنحلال والتفسخ, ودولة بني العباس لما تقم بعد والحروب مستعرة بين الجانبين, والفتن حامية الوطيس ,فانفسح أمامه المجال، فبينما كانت الرؤوس والكلاكل تتطاحن على الملك, كان جعفر الصادق (علیه السلام) مهتماً بنشر العلوم وبثها بين النَّاس إحياء للعلم والدين، ولم يعارضه أحد مدَّة اضطراب الأحول وﻫﻰ مدَّة تستوعب أكثر سني عمره الشريف.جاء ﻓﻰ الملل والنحل لمُحمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني ﻓﻰ وصفه (علیه السلام) قوله: (وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل ﻓﻰ الحكمة, وزهد بالغ ﻓﻰ الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام المدينة مدَّة يفيد

ص: 77

الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم, ثُمَّ دخل العراق وأقام به مدَّة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحداً في الخلافة ومن غرق ﻓﻰ بحر المعرفة لم يطمع في شط ... وقيل: من أنس بالله استوحش عن النَّاس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس).

ولم يختص الإمام الصادق(علیه السلام) بعلومه شيعته فقط إذ إنَّه لم يبخل بها حتَّى على المخالف له ولو كان من ألد أعدائه, ولم يقتصر فيما نشره من العلوم على الحديث والتفسير والفقه وجوامع التوحيد، بل نظر إلى الموجودات باسرها ﻓﻰ مرآة الوحي النبوي، والنور الإلهي نظراً لم يسبقه إليه احد من العلماء، ولا علماء الغرب ومفكروهم، ولا غيرهم من أقطاب العلوم. فانَّ المتقدمين والمتأخرين يتخبطون ﻓﻰ طخية عمياء ومفازة ظلماء من المادة الصماء. فقسم الموجودات كلها إلى أنواع, وتكلم عن كلِّ نوع باستقلاله وأفرد لكلِّ علم موضوعاً يجمع شتات مسائله في التفسير والفقه والإلهيات وعلل الشرائع وأحكامها والتوحيد الإلهي، وهو اسماها، وتهذيب الإنسان ﻓﻰ شخصه ومجتمعه ... وأسرار الطبيعة وعجائب الكون وأطوار النباتات، وتطور أنواع الحيوانات وتحليل الأجسام المادية وتركيبها، والفلك وغرائبه، وتركيب الإنسان ومنافع أعضائه، وتحولات مزاجه، وكلّما ﻓﻰ الكون وقد بحث عنها الإمام الصادق (علیه السلام) وعلَّمها تلامذته وبقيت بحراً زاخراً يستقي العلماء صفوها.

قال ابن خلكان ﻓﻰ وفيات الأعيان ما نصه: هو أحد الأئمة الاثني عشر علی مذهب الإمامية، وكان من سادات أهل البيت، ولقب بالصادق (علیه السلام) لصدقه ﻓﻰ مقالته, وفضله أشهر من أن يذكر , وله كلام ﻓﻰ الكيمياء.

ص: 78

وسئل الإمام الصادق (علیه السلام) عن أول شيء خلقه الله فأجاب إنَّ أول ما خلق الله الشيء الذي خلق منه الأشياء .. روى ذﻟﻚ المجلسي في أوائل الجزء الرابع عشر من بحار الأنوار المسمى بالسماء والعالم، فبيّن إنَّ الأجسام المادية كلّها خلقت من أصل واحد وإنَّما الأختلاف ﻓﻰ كيفيات وكميات الذرات وبذﻟﻚ اختلفت الأجسام والموجودات، وهذا هو أصل العلوم المادية بأسرها، طبيعية، وكيمياوية، وفلكية، ومعدنية، ونباتية، وفيزلوجية، وطبية، وغيره .

قال ابن قتيبه ﻓﻰ كتابه أدب الكاتب : (إنَّ الإمام الصادق (علیه السلام) كتب الجفر فاودعه ما يحتاجه النَّاس إلى يوم القيامة، والجفر جلد الجدي وكانوا يستعملونه للكتابة بدل الورق) هذا وليس المراد من الجفر هو ما يرجع الی السحريات او ما يسمی بالعلوم الغريبة كما يدعي اصحابها بل المراد انما هو علوم الدين وما يرتبط بالمعاش كما هو واضح من عبارة ابن قتيبة.

قال أبو العلاء المعري:

لقد عجبوا لآل البيت لمَّا***اتاهم علمهم ﻓﻰ جلد

جفرفمرآة النجم وﻫﻰ صغري***تريه كلّ عامرة وقفر

بيد إنَّ الروايات عنه سلام الله عليه في العلوم الإلهية من توحيد وتفسير وحديث وفقه وأخلاق ﻫﻰ أضعاف ما يروي عنه ﻓﻰ العلوم المادية.

وجاء ﻓﻰ الجزء الثاني من حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم: روي عن جعفر بن مُحمَّد عدَّة من التابعين منهم يحيی بن سعيد الأنصاري، وأيوب السجستاني، وأبان بن تغلب، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله

ص: 79

الهادي، وحدث عنه من الأئمة الأعلام مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، و إسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج ﻓﻰ صحيحه محتجاً بحديثه ..

وقال الشبلنجي الشافعي ما ملخصه: إنَّ مناقب الإمام الصادق (علیه السلام) كثيرة لا يستطيع محاسب أن يحسبها، ويحار من تنوع أنواعها من يريد احصاءها بلغ أعلى درجة ﻓﻰ الذكاء، وقد روی عنه جماعة من أعيان أئمة أهل السنة وعلامهم مثل : يحيی بن سعيد ومالك بن أنس، والثوري وغيرهم، وكان له مجلس يأوى إليه الخاصَّة والعامَّة، ويزورونه من كلِّ فج عميق, يسألونه عن الحلال والحرام وتأويل القرآن وفصل الخطاب، ولا يفارقه أحد إلا وقد أخذ من علومه ما يرضيه وينفعه.

وقال الشيخ المفيد ﻓﻰ الإرشاد ما ملخصه: إنَّ الإمام الصادق (علیه السلام) كان خليفة أبيه مُحمَّد الباقر عليه السلام دون إخوته, ووصيه والقائم بأمر الإمامة بعده, وكان أفضل إخوته وأعلمهم وأعظمهم قدراً وأكثرهم جلالاً, ونقل النَّاس من علومه ما انتشر ﻓﻰ جميع البلاد وقد أحصی أصحاب الحديث من روی عنه من الثقات مع إختلافهم ﻓﻰ الآراء والمقالات فبلغ عددهم أربعة آلاف ..كان من تلامذته رجال من أعيان العلماء عند الناس : كأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومُحمَّد بن الحسن الشيباني، وأبي يزيد الطيفور، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن الأدهم ... ونقل ابن شهر آشوب عن مسند أبي حنيفة إنَّ حسن بن زياد قال سمعت أبا حنيفة وقد سئل من كان أفقه النَّاس ممَّن رأيت؟ قال : جعفر بن مُحمَّد لمَّا طلبه المنصور من المدينة أرسل إلى وقال قد فتن النَّاس بجعفر بن مُحمَّد فتأهب أنْ تسأله أشكل مسائلك، فاحضرت له أربعين مسألة فأحضرني المنصور وكان ﻓﻰ الحيرة فقصدته ورأيت جعفراً جالساً عن يمينه فلما وقع

ص: 80

نظري عليه هبته هيبة لم أهب مثلها المنصور مع شدة بطشه, فسلمت عليه فأشار إلى بالجلوس، فتوجه إلى الصادق (علیه السلام) وقال يا أبا عبد الله إنَّ هذا أبو حنيفة. فقال أعرفه، ثُمَّ توجه إلى المنصور وقال: سل أبا عبد الله عن مسائلك فما زلت أسأله فيجيب ويقول أنتم كذا تقولون وأهل المدينة كذا يقولون، وكانت فتواه تارة موافقة لنا وأخرى موافقة لأهل المدينة وربَّما خالف الجميع ﻓﻰ بعض فتواه فلم يخل بواحدة منها .. إذاً فأعلم النَّاس باختلاف الأقوال أعلمهم جميعاً وأفقههم ..

قال عبد الله بن شبرمة دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن مُحمَّد فما قاله لأبي حنيفة: أيها أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال: قتل النفس. قال: فانَّ الله قبل ﻓﻰ قتل النفس شاهدين ولم يقبل ﻓﻰ الزنا إلا أربعة. ثُمَّ قال أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال : الصلاة , قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة , فكيف يقوم لك قياسك إتق الله ولا تقس الدين برأيك ... وقال ابن خلكان ﻓﻰ الوفيات: حكی كشاجم ﻓﻰ كتاب المصايد والمطارد إنَّ جعفراً سأل أبا حنيفة ما تقول ﻓﻰ محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال: يا بن رسول الله ما أعلم فيه. فقال: له أنت تتداهی ولا تعلم إنَّ الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبداً ... .ولو أردنا استقصاء الحديث عن الإمام الصادق(علیه السلام)لاحتجنا إلى أسفار ضخام ولكننا نجتزي بهذا الغيض من فيضه، وبهذه القطرة من بحر مراعاة للاختصار.

وقد توﻓﻰ صلوات الله وسلامه عليه ﻓﻰ اليوم الخامس والعشرين من شهر شوال سنة ثمان وأربعين ومائة هجرية. ولم يمت حتف أنفه بل مات شهيداً مسموماً فقد دسَّ إليه وإلى المدينة السمّ بأمر من المنصور الذي أراد أنْ يتخلص منه لما وقر في نفسه من بغض آل الرسول(علیهم السلام).

ص: 81

من ذكريات شهر ذي القعدة

ولادة الإمام أبي الحسن علي بن موسی الرضا علیه السلام

الإمام أبو الحسن علي الرضا بن الإمام إبي إبراهيم موسى الكاظم بن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق بن الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر بن الإمام أبي الحسن علي زين العابدين بن الإمام أبي عبد الله شهيد كربلاء الحسين بن الإمام أبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.وأمه أم ولد اسمها أم البنين وكنيته أبو الحسن والقابه الرضا والزكي والمولى والصابر والصديق.

ولد بالمدينة المنورة في اليوم الحادي عشر من ذي القعده سنة 153 هجرية قال ابن خلكان ﻓﻰ وفيات الأعيان : هو أحد الأئمة الاثنی عشر على إعتقاد الإمامية. وفيه يقول أبو نؤاس:

قيل لي أنت أحسن النَّاس طراً***في فنون من الكلام النبيه

لك من جيد القريض مديح***يثُمَّر الدر ﻓﻰ يدي مجتنيه

ص: 82

فلماذا تركت مدح ابن موسى***والخصال التي تجمعن فيه

قلت لا أستطيع مدح إمام***كان جبريل خادماً لأبيه

وكان سبب قوله هذه الأبيات على بعض الروايات إنَّ بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منك, ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنی إلا وقلت فيه شيئاً وهذا علي ابن موسى الرضا لم تقل فيه شيئاً. فقال والله ما تركت ذﻟﻚ إلا إعظاماً له، وليس قدر مثلي أنْ يقول ﻓﻰ مثله ثُمَّ أنشد هذه الأبيات (المتقدمة ).

لقد صدق أبو نؤاس فما هو مبلغ الشعر وما هو خطره بعد أنْ نزل القرآن ﻓﻰ حقهم وامتدحهم ﻓﻰ آياته البينات وحسب آل البيت من المديح والثناء والاطراء قوله عزَّ من قائل: {إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} .

ويقول ابن خلكان: ويقول (يعني أبا نؤاس ) أيضاً وله ذكر ﻓﻰ شذور العقود ﻓﻰ سنة إحدى أو اثنين ومائتين:

مطهرون نقيات ثيابهمو***تجري الصلاة عليهم أينماذكروا

من لم يكن علوياًحين تنسبه***فما له ﻓﻰ قديم الدهر مفتخر

والله لما برا خلقاً فاتقنه***صفاكمو واصطفاكم أيهاالبشر

فأنتم الملا الأعلى وعندكمو***علم الكتاب وماجاءت به السور

قال ابن خلكان: وكان المأمون قد زوجه ( أي الإمام علي الرضا(علیه السلام)) ابنته أم حبيب ﻓﻰ سنة اثنتين ومائتين وجعله ولي عهده وضرب اسمه على الدينار والدرهم .. وكان السبب ﻓﻰ ذﻟﻚ إنَّه استحضر أولاد العباس الرجال

ص: 83

منهم والنساء وهو بمدينة مرو وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين الكبار والصغار ، واستدعی علياً المذكور فأنزله أحسن منزلة وجميع خواص الأولياء وأخبرهم إنَّه نظر ﻓﻰ أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي الرضا فبايعه وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام ونما الخبر إلى من في العراق من أولاد العباس فعلموا إنَّ ﻓﻰ ذﻟﻚ خروج الأمر عنهم, فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي (شيخ المغنين) وهو عم المأمون.

لا شكَّ إنَّ الدافع للمأمون على البيعة بولاية العهد للإمام الرضا (علیه السلام) لم يكن محض نظره إلى أحقية الإمام وفضله ... وإنَّما هناك أمور أخرى تطلب من المأمون أنْ يقوم بهذا العمل، وكان المأمون من العلماء والأذكياء فلمَّا رأى إنَّ الأمور مضطربة وإنَّ الأمر لا يستقيم إلا بعمل حاسم يرضى العالم الإسلامي ولا أحد أجدر من الإمام الرضا (علیه السلام) فنفدبعين بصيرته إلى غوامض أسرار الوضع القائم فاستدعی الرضا (علیه السلام) ليبايعه ولم يتحرج من بني العباس رضوا أم غضبوا لأنهم قد نكثوا بيعته ببغداد وذﻟﻚ إنَّ الرشيد بايع ﻓﻰ حياته بولاية العهد لابنه مُحمَّد الأمين بن زبيدة وبعده لأخيه عبد الله المأمون وبعدهما لأخيهما القاسم المؤتمن، وجعل أمر عزله وإبقائه بيد المأمون وكتب بذﻟﻚ صحيفة وأودعها ﻓﻰ جوف الكعبة وقسم الأقطار بين الأمين والمأمون فجعل شرقيها للمأمون وأمره بسكنى مرو, وغربيها للأمين وأمره بسكنى بغداد, فكان المأمون ﻓﻰ حياة أبيه في مرو. ثُمَّ إنَّ الأمين بعد موت أبيه خلع أخاه المأمون من ولاية العهد وبايع لولد له صغير، فوقعت الحرب بين الأخوين .. ويقال إنَّ المأمون نذر حين ضاق به الأمر أنْ أظفره

ص: 84

الله بالأمين أن يجعل الخلافة في أفضل آل أبي طالب وبني هاشم فلما قتل الأمين واستقل بالسلطة كتب إلى الإمام الرضا يستقدمه إلى خراسان ليفي بنذره.

هذا شيء قد يصح لكن الحقيقة هي أنَّ العباسيين بعد أن قتل الأمين لم يكونوا سواء وانشقوا على أنفسهم نتيجة لذﻟﻚ وصار الخطر يتهدد الأمبراطورية واستيقظت النفوس من سباتها لأن الحرب التي قامت بين الأمين والمأمون لم تقم بدون دعوة كل من الفريقين إلى ان الأمر قد فسد وإنَّه يريد الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والتزام الشرع والعمل بالكتاب والسنة وإجراء العدل وإعطاء كل ذي حق حقه, ورد المظالم وكل من الفريقين كان يلصق التهم بالآخر. فتنبهت النفوس واستيقظ النَّاس من الغفلة وعادوا جميعاً يفكرون فيما بلغت إليه الحالة من الفوضی والتدهور ونقض العهود، وتذكروا في هذه الغمرة أهلالبيت وما جرى عليهم وما عمله الأمويون والعباسيون بهم وصاروا يتمنون لو أنَّ الله قيض للنَّاس رجلاً منهم يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله ليتخلصوا من الطغيان العباسي الذي أفسد دينهم وأضرهم ﻓﻰ دنياهم وانحط بأخلاقهم إلى أسفل الدركات بما شاع ﻓﻰ عهد بني العباس من الفواحش وما أجترح من الآثام وما ارتكب من الذنوب.

والمأمون العالم النحرير لا تغيب عنه هذه الأحوال فلم ير بدّا إلا أن يجري مع التيار ليكتسب مودة النَّاس ويستجلب عطف الرأي العام ويظهر بمظهر الصادق الامين ، ورأى أنَّ تضحيته بالخلافه لا يحرمه المقام ولا ينزل به عن الرتبة بل ربَّما يعلى قدره ويرفع ذكره ويزيد في حبه بين النَّاس

ص: 85

لأنَّه كان يرى إنَّ استمرار الحالة على ما ﻫﻰ عليه لابدّ وأن يخرج الأمر عن بني العباس بشكل من الأشكال ربَّما لا تحمد عقباها فاختار هو أفضل الطرق وأحسن العلاج.

روى الصدوق ﻓﻰ العيون بسنده عن رجاء بن أبي رجاء بن أبي الضحاك قال: بعثني المأمون إلى المدينة ﻓﻰ إشخاص الإمام علي بن موسی الرضا، وأمرني أن آخذ به على طريق البصرة والأهواز وفارس كي لا نمر على قم، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتَّى أقدم به إليه فكنت معه من المدينة إلى مرو.

وذكر صاحب تأريخ نيسابور، والمناري ﻓﻰ شرح الجامع الصغير إنَّ علياً الرضا(علیه السلام) عندما جاء إلى مرو من المدينة اجتاز نيسابور وكان في قبة مستورة على بغلة شهباء وقد شق بها السوق فعرض له من رجال العلم أبو زرعة وأبو مسلم الطوسي ومعهما من العلماء وأهل الفضل ما لايحصی فقالا: أيها السيد الجليل بن السادة الأئمة بحق آبائك الأطهرين واسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدك نذكرك به فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلة وأقر عيون الخلائق برؤية طلعته، وإذا له ذؤابتان معلقتان على عاتقه، والنَّاس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصارخ ومقبل حافر بغلته وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة الأعلام، معاشر النَّاس إسمعوا وأنصتوا ولا تؤذونا بصراخكم. فقال الإمام الرضا (علیه السلام): حدثني أبي موسی الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه مُحمَّد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عن أبيه علي المرتضی قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال:

ص: 86

حدثني جبرئيل(علیه السلام) قال: سمعت ربّ العزة تعالى يقول كلمة لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي. ثُمَّ ارخی الستر على المظلمة وسار، ثُمَّ أخرج رأسه فقال: ولكن بشرطها وشروطها، ثُمَّ قال: وانا من شروطها، قال فعد أهل المحابر والدواوين الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا. قال بعض العلماء الأخيار: لو قرأ هذا الأسناد على مجنون لأفاق من جنونه.

من هنا نعرف مبلغ ما كان فيه النَّاس من الكبت وعدم التنفيس فلما وجدوا منفساً لاظهار عواطفهم تجاه أهل البيت جاشت بها مدامعهم وارتفع فيها صراخهم وعويلهم وتجلت للعيان ﻓﻰ تبركهم والاستمتاع برؤية وجه إمامهم فأكبوا على حوافر بغلته يقبلونها.. والمأمون قد خبر ذﻟﻚ كله فجاءبالإمام الرضا(علیه السلام) ليتخذ له منه مجنّا يتقي به سخط النَّاس على بني العباس ويحوط نفسه من نقمة الجمهور.

رفض الإمام البيعة لنفسه وأبى اباءً شديداً ولما أعيا المأمون الأمر عرض عليه ولاية العهد ولكن الإمام (علیه السلام) أبی على المأمون ذﻟﻚ أيضاً فاصر المأمون وانتهی به الأمر أخيراً إلى التهديد فقبل الإمام بولاية العهد على أن لا يأمر ولا ينهی ولا يغير ولا يبدل شيئاً فتم الأمر على هذا الشرط. ودخل الشعراء على الإمام ينشدونه الشعر بهذه المناسبة فأنشد من الشعر ما استغرق حدّ الإكثار.

ص: 87

شهادةالإمام أبي جعفر عليه السلام

الإمام أبو جعفر مُحمَّد الجواد هو الإمام التاسع من الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .. توفي شهيداً مسموماً في آخر يوم من ذي القعدة سنة 220 ببغداد وكان الذي دسَّ إليه السمّ المعتصم العباسي سراً وتظاهر بالحزن عليه فصلى على جنازته الواثق بن المعتصم وحمل إلى مقابر قريش فدفن إلى جنب جده الإمام موسی بن جعفر عليهما السلام,وكان صلوات الله وسلامه عليه قد قدم بغداد ومعه زوجه أم الفضل فلما توفي حملت أم الفضل إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم روى ذﻟﻚ ابن خلكان.

وروى العياشي ﻓﻰ التفسير ﻓﻰ سبب سمّ الجواد (علیه السلام) عن زقان صاحب أحمد بن أبي داود قاضي المعتصم قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فسألته فقال وددت أني مت منذ عشرين سنة، فلقد أفحمني مُحمَّد بن علي بن موسي بن جعفر بين يدي أمير المؤمنين، فقال: وكيف ذﻟﻚ ؟ قال : إنَّ سارقاً أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه فجمع الفقهاء والعلماء واحضر الجواد (علیه السلام) فسألنا عن قطع اليد من أين يجب؟ فقلت من الكرسوع لأنَّ اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع لقوله تعالى ﻓﻰ التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} واتفق معي

ص: 88

قوم، وقال آخرون القطع من المرافق لأنَّ الله قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فالتفت الخليفة إلى مُحمَّد بن علي (علیه السلام) وقال: ما تقول ﻓﻰ هذا يا أبا جعفر ؟ فقال: (قد تكلم القوم) .. فقال: دعني ممَّا تكلموا به .. فقال: (اعفني من هذا) .. قال: اقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك ﻓﻰ هذا الحد .. فقال: (أما إذا أقسمت عليَّ فإني أقول إنَّهم أخطأوا فيه السنة، فالقطع يجب أنْ يكون من مفصل أصل الأصابع فيترك الكف، قال رسول الله السجود على سبعة أعضاء, الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يد من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. وقال تعالى: {وَأَنّ الْمَسَاجِدَ للّهِ}ِ يعني به هذه السبعة التي يسجد عليها وما كان لله لا يقطع), وقد جاءبالحكم الشرعي كما أمر الله وخرجت أنا والعلماء والفقهاء مندحرين .. وقال له المعتصم هذا هو الحق وقطع يد السارق كما قال.

من هذا نستشف إنَّ ابن أبي داود لم يكن يهمه أمر الدين وإصابة الحق بقدر ما كان يهمه أمر الدنيا والتزلف إلى السلطان بما يظهره من التبريز والتفوق على غيره بحق أو بباطل ولذﻟﻚ ساءه أن يصيب الإمام الجواد كبد الحقيقة ﻓﻰ قطع يد السارق ، وكان يرضى أن يجري حكم الله على خلاف ما يريد الله على أن يكون القول ما قاله والرأي ما رآه, ولو كان مخالفاً للدين فود لو أنَّه مات منذ عشرين سنة ولا يرى الإمام الجواد يقول كلمة الشرع التي آخطأها هو ومن على شاكلته من العلماء والفقهاء الذين نصبوا أنفسهم ﻓﻰ قبال آل بيت بدون جدارة وأهلية واستحقاق.

ص: 89

لا جرم أنَّه لو كان من أهل الإيمان لعرف للإمام الجواد فضله ولما أنكر عليه صحة مقالته ولشكره على ما نفع به وأفاده. ولكن أنَّی لمرضی النفوس أنْ تبرأ نفوسهم من داء الحسد وحب الزهو والاستعلاء مهما كلفهم ذﻟﻚ من ثُمَّن مادي أو معنوي أو ديني، ولذﻟﻚ لو يستطع بم أبي داود أن يصطبر على ما نابه في مجلس المعتصم من الفشل في عدم إصابته المعرفة بالأحكام الشرعية فانطوى على ضغينة أفضت به إلى الوشاية بالإمام الجوادA وتحريض المعتصم عليه فلم يلبث أكثر من ثلاثة أيام يعمل فيها رأيه وتدبيره للإيقاع بالجواد فجاء إلى المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ أبا جعفر هو الإمام التاسع من أئمة أهل البيت يقول شطر الأمة بإمامته و يدعون أنَّه أولی منك بهذا المقام. ليحمل المعتصم على الفتك به، فصادف ذﻟﻚ استفزازاً من نفس المعتصم، هذا إلى ما كان بنو العباس يوقرون به,أذن المعتصم من تخويفه من الجواد واشفاقهم على سلطانهم منه فكان ما كان من دس السم إليه.

وقيل ﻓﻰ سبب سمه من قبل المعتصم ما مر آنفا بالإضافة إلى أن بني العباس كانوا قد نقموا على المأمون أشدّ نقمة عندما عقد للإمام الرضا (علیه السلام) ولاية العهد فلما توفى الإمام الرضا (علیه السلام) مسموماً على أيدي بعض العباسيين شعروا بالراحة واطمأنت أنفسهم التي استولی عليها الهلع وخامرها الفزع من الرضا لئلا ينتقل أمر الخلافة عنهم إلى أهل البيت. ولكن المأمون بالرغم من كل محاولاتهم ضد الإمام الرضا(علیه السلام) لم يكن يعبأ بهم فلما مات الرضا(علیه السلام) ودعی الإمام الجواد(علیه السلام) وأراد أن يعقد له على ابنته أم الفضل طارت عقول العباسيين من رؤوسهم.

ص: 90

وقال المفيد كان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشائخ أهل زمانه فزوجه ابنته أم الفضل وكان متوفراً على إكرامه وتعظيمه .. روي عن الريان بن شبيب لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر مُحمَّد الجواد (علیه السلام) أبلغ ذﻟﻚ العباسيين فاجتمع أهل بيته الأدنون منه فقالوا له بعد كلام طويل إنَّ هذا الفتي وإن راقك منه هديه فانَّه صبي لا معرفة له ولا فقه فامهله ليتأدب ويتفقه ﻓﻰ الدين ثُمَّ اصنع ما تراه. فقال لهم المأمون: إني أعرف بهذا الفتی منكم، وإنَّ هذا من أهل البيت علمهم من الله فإن شئتم فأمتحنوه، فدعوا يحيی بن أكثُمَّعلى أنْ يسأله مسائل لايعرف فيها جواباً وأطمعوه بالأموال، فاستأذن من الإمام الجواد (علیه السلام) بالسؤال، فقال له: (سل ان شئت).

قال جعلني الله فداك يابن رسول الله ما تقول في محرم قتل صيداً ؟ فقال له الإمام (علیه السلام): (أفصح ﻓﻰ مسألتك، قتله في حل أوفي حرم، عالماً كان المحرم أم جاهلاً، قتله عمداً أو خطأ، حراً كان المحرم أم عبداً، صغيراً كان أم كبيراً، مبتدئاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كباره، مصراً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد ﻓﻰ أوكارها أم نهاراً وعياناً ، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً ؟)...

فتحير يحيی وبان ﻓﻰ وجهه العجز والانقطاع عن الجواب وتلجلج حتَّى عرف أهل المجلس أمره .. فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة، والتوفيق لي ﻓﻰ الرأي، ثُمَّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم: عرفتم الآن ما كنتم

ص: 91

تنكرونه. ثُمَّ قال لأبي جعفر بعد أن انفض المجلس ولم يبق إلا الخاصَّة: إذا رأيت أن تذكر لنا الفقه فيما فصلته من ونستفيده ... قال (علیه السلام): (نعم ... إنَّ المحرم إذا قتل صيداً ﻓﻰ الحل وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه حمل قد فطم من اللبن وليست عليه القيمة قتله ﻓﻰ الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان لأنه ليس ﻓﻰ الحرم، وإذا نعامة فعليه بدنة، فإن لم يقدر فاطعام ستين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم ثُمَّاني عشرة يوماً، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل سيئاً من ذﻟﻚ ﻓﻰ الحرم فعليهالجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمني، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة، وجزاء العمد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثُمَّ، وهو موضوع عنه ﻓﻰ الخطأ، والكفارة على الحر ﻓﻰ نفسه، وعلى السيد ﻓﻰ عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط عنه عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه العقاب في الآخرة) .. فأمر المأمون أن يكتب ذﻟﻚ عنه .. وقال له أحسنت يا أباجعفر أحسن الله إليك. فان رأيت أن تسأل يحيی عن مسألة كما سألك لننظر مبلغ علمه.

فقال الإمام الجواد (علیه السلام) ليحيی : أسألك؟ قال: ذﻟﻚ لك جعلت فداك فان عرفت جواب ما سألتني عنه وإلا استفدته منك .. فقال له: (اخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما

ص: 92

ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان انتصاب الليل حرمت عليه؟) فقال يحيی : والله ما اهتدي إلى الجواب هذا السؤال، فكشف له الإمام الجواد (علیه السلام) وجوه الحكم ودقائق المسألة. وعندئذ استظهر المأمون على العباسيين. ثُمَّ أقبل المأمون على الإمام الجوادA وقال: إني زوجتك ابنتي أم الفضل فاخطب لنفسك فخطب الإمام A لنفسه وزوجه المأمون على صداق مهر جدته فاطمة بنت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وهو خمسمائة درهم جياد.ابتلي الإمام الجواد (علیه السلام) بالمناهضين له القائمين بمخالفته ومعاداته كما ابتلي آباؤه بالنواصب ذوي الاحن والبغضاء. وقد ظّنّ هؤلاء إنَّ صغر سنه يحول بينه وبين التفوق عليهم فكانوا يتربصون به الدوائر ويأتونه بالمشاكل ليوقعوه الورطة أو ليظهروا عجزه ويحجوه. ولكنه صلوات الله وسلامه عليه كان يغبّر في وجوههم، ويرد سهامهم إلى نحورهم.

وقد مدحه أبو العلاء المعري ومما قاله في مدحه:

يابن الذي بلسانه وبيانه***هدي الإمام ونزل التنزيل

عن فضله نطق الكتاب وبشرت***بقدومه التوراة والإنجيل

لو لا انقطاع الوحي بعد ***قلنا (مُحمَّد) عن أبيه بديل

وكان يلقب(علیه السلام) بالتقي والزكي والمنتجب والقانع والجواد، ويكني بأبي جعفر الثاني لأن أبا جعفر الأول هو جده الإمام الباقر (علیه السلام). وشاعره حماد، وبوابه عُثمَان بن سعيد السمان، ونقش خاتمه نعم القادر الله، ومن ثقاته أيوب بن نوح وجعفر بن يونس الأول، ومن أصحابه شاذان بن الخليل النيسابوري ومُحمَّد بن أحمد المحمودي.

ص: 93

من ذكريات شهر ذي الحجة

بعث النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)علياً(علیه السلام)بقراءة سورة براءة

على أهل مكة

في اليوم الأول من ذي الحجة السنة التاسعة هجرية بعث النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب بسورة براءة ليقرأ عشر آيات من أولها على أهل مكة ويبلغهم هذه الآيات عن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

أخرج أحمد بن حنبل في مسنده في الصفحة (2) و (150) و (331) من الجزء الأول وفي الصحفة (266) من الجزء الثاني وفي الصحفة (216) من الجزء الثالث وفي الصفحة (164) من الجزء الرابع، وأخرج الحاكم في مستدركه والذهبي في تلخيصه في الصفحة (131) من الجزء الثاني، وفي الصفحة (132) و (151) من الجزء الثالث، وصححاه على شرط البخاري ومسلم، و أخرج النسائي في الخصائص العلوية في الصفحة (20) منه، وفي

ص: 94

الرياض النضرة لمحب الدين الطبري في الصحيفة (203) من الجزء الثاني قال: لما نزلت عشر آيات من سورة براءة على النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)دعا أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثُمَّ دعا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)علياً (علیه السلام) فقال له: أدرك أبا بكر فحيثُمَّا لحقته فخذ الكتاب منه فأذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقهعلي(علیه السلام) بالجفة فأخذ الكتاب منه، ورجع أبو بكر فقال: يا رسول الله أنزل في شئ ؟ ... قال: لا، ولكن جبرئيل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو عليّ ...والآيات العشر هي قوله تعالی:

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى الّذِينَ عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِين * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ* وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاس يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنّ اللّهَ بَرِي ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدّتِهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الْصّلاَةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَيَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَيَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثُمَّناً قَلِيلاً فَصَدّوا عَن سَبِيلِهِ إِنّهُمْ سَاءَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَيَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} .

ص: 95

أجمع المفسرون ونقلة الأخبار: إنَّه لما نزلت براءة دفعها رسول الله إلى أبي بكر ثُمَّ أخذها منه ودفعها إلى علي بن أبي طالب (علیه السلام) فقيل إنَّ النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)أمر أبا بكر أن يقرأ الآيات العشر الأول من هذه السورة، وأن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثُمَّ بعث علياً خلفه ليأخذها ويقرأها على النَّاس فخرج علي (علیه السلام) على ناقة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)العضباء حتَّى أدرك أبا بكر بذي الحليفة (أو الروحاء) فأخذها منه.

وقال عروة بن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة : إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعد أن دفع براءة إلى أبي بكر عاد فأخذها منه قبل أنيخرج بها ودفعها إلى علي (علیه السلام) وقال لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني.

وروى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر مُحمَّد بن علي الباقر (علیه السلام) قال: خطب علي (علیه السلام) النَّاس واخترط سيفه فقال : لا يطوفن بالبيت عريان، و لا يحجن مشرك، ومن كانت له مدَّة فهو إلى مدَّته، و من لم تكن له مدَّة فمدته أربعة أشهر، وكان خطابه يوم النحر. والمدَّة كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر.

وذكر أبو عبد الله الحافظ باسناده عن زيد بن نفيع قال: سألنا علياً (علیه السلام) بأي شئ بعثت في ذي الحجة قال: بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ومن كان بينه و بين رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عهد فعهده إلى مدَّته, ومن لم يكن فأجله أربعة أشهر، وروي أنَّه (علیه السلام) قام بتلاوة الآيات عند جمرة العقبة وقال : أيها النَّاس إني رسول رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر ولا

ص: 96

يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد عند رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)فله عهده إلى أربعة أشهر ومن لا عهد فله مدَّة بقية الأشهر الحرم، وقرأ عليهم سورة براءة وقيل ثلاث عشرة آية من أولها.

هذا ما جاء في هذه الأسانيد وما قاله المفسرون ونقله الأخبار وهذا يدل على إنَّه لا يمكن أنْ يقوم مقام النبي أو ينوب عنه أحد من أمته وأصحابه مهما كانت منزلته ومهما عظم خطره إلا أخاه ووصيه وخليفته علياً (علیهالسلام) ولذﻟﻚ لما بعث النبي أبا بكر بالآيات إلى أهل مكة لم ير الله ذﻟﻚ لأبي بكر وأبى سبحانه وتعالى إلا أن يكون علي (علیه السلام) هو المبلّغ آيات الله عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). فعليّ هو الذي يبلغ عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهو الذي يقوم مقامه ويؤدي عنه ولا يمكن أن يكون غير علي (علیه السلام) رسول رسول الله في عظائم الأمور وجليل الأعمال وكبير الأفعال وإدارة الأمة وتولي شؤونها وتنفيذ أحكام الله وأوامره ونواهيه لأن الله سبحانه لم يرض أن يتولی أبو بكر التبليغ عن رسوله عشر آيات من سورة براءة فاوحی إلى نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأنَّه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل من أهل بيتك، وفي رواية إلا أنت أو علي وأن يتولی ذﻟﻚ في حياته إشعاراً منه تعالى للمسلمين كافَّة بأنَّ علياً هو وليهم بعد رسول الله, وهو الذي يؤدي عنه ولا يؤدي عنه سواه إلا علي بن أبي طالب مظهراً بهذا البعث ما يجب أن يكون عليه أمير المؤمنين (علیه السلام) من الولاية علی المسلمين بعد وفاة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ولكن القوم تركوا ذﻟﻚ كله وتناسوه وعقدوا الخلافة ولما يقبروا نبيهم بعد على ما اشتهت أنفسهم تاركين جثمانه الكريم غير آبهين له ولا عابئين به إلى أن أحكموا أمرهم على غير

ص: 97

ما أراد الله ورسوله في حق علي (علیه السلام) متناسين ما عقده رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)من البيعة له في غدير خم كما جاء في الصحاح عن يوم الغدير.

لقد ذهبت ﺗﻠﻚ الأجيال وتبدل الزمان فينبغي على من له دين وإيمان أن ينظر إلى الأمور بعين الإنصاف وأن لا يعين مدجلي التاريخ على الباطل بتعصبه لغير الحق فانَّ الحق لا يغطي بالإعتداء عليه ولا يموت بمحاربة الظالمين.

بايعوه و بعده طلبو البيعة منه***لله ريب الدهور

نقضواالعهد و الكتاب و ما جاء***بهو الوصي خلف الظهور

وفاة الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقرعليه السلام

يصادف يوم السابع من ذي الحجة ذكرى وفاة الإمام مُحمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات عليهم أجمعين ، وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائة في ملك هشام بن عبد الملك, وقد جاء في الفصول المهمة إنَّه مات بالسمِّ, والذي دسَّ إليه السم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وله من العمر سبع وخمسون سنة ودفن في بقيع الغرقد، وكان مولده الشريف ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن الزكي (علیه السلام) فهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويين، ولقبه الباقر لقبه به رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه) قال: قال لي رسول الله يوشك أن تبقی حتَّى تلقی ولداً لي من الحسين (علیه السلام) يقال له مُحمَّد يبقر العلم بقراً فإذا لقيته فأقرأ مني السلام، وجاء في وفيات الأعيان للقاضي ابن خلكان أبو جعفر بن الإمام زين العابدين ويقال له مُحمَّد الباقر عالماً سيداً كريماً وقيل له الباقر لأنه تبقر في العلم أي توسع وفيه يقول القرطبي:

ص: 98

يا باقر العلم لأهل

التقی

وخير من لبی على الأجبل

وقد أخذوا عنه العلم ومعالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين منهم جابر بن عبد الله الأنصاري وسعيد بن المسيب وعبد الله بن رافع وغيرهم ومن التابعين جابر بن يزيد الجعفي وعمرو بن دينار وعطا بن أبي رباحوكيسان ومن الفقهاء ابن المبارك والزهري والأوزاعي ومالك بن أنس وزياد بن المنذر، وكتب عنه العلماء المغازي وأثروا عنه السنن واعتمدوا عليه في مناسك الحج التي رواها عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وكتبوا عنه تفسير القرآن وروت عنه الخاصَّة و العامَّة الأخبار وناظر من كان يرد عليه من أهل الآراء وحفظ عنه النَّاس كثير من علم الكلام وصار بالفضل علماً لأهله تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار قال مالك بن أعين الجهني من قصيدة يمدحه بها:

إذا طلب النَّاس علم القرآن***كانت قريش عليه عيالاً

وإن قيل أين أين بنت النبي***تلقت يداه فروعاً طوالاً

نجوم تهلل للمدلجين***جبال تورث علماً جبالاً

وعن ابن سعد في الطبقات كان مُحمَّد الباقر عالماً عابداً ثقة, وسئل الباقر (علیه السلام) عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال: (إذا حدثت الحديث ولم أسنده فسندي فيه أبي عن جدي عن أبيه عند جده رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)عن جبرئيل عن الله تعالى).

وممَّا جاء في تعظيم العلماء للإمام الباقر(علیه السلام) ورجوعهم إليه في أحكام الدين ما ورد عن عطاء المكي قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر

ص: 99

منهم عند أبي جعفر مُحمَّد بن علي بن الحسين, ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه ، وكان جابر الجعفي إذا روى عنه شيئاً يقول حدثني وصي الأوصياء ووارث علوم الأنبياء مُحمَّد بن علي بن الحسين، ووفد عمرو بن عبيد على الإمام الباقر(علیه السلام) فقال له: جعلت فداك ما معني قوله تعالى: {وَلَمْ يَرَ الّذِينَكَفَرُوا أَنّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} ما هذا الفتق والرتق ؟ فقال له أبو جعفر (علیه السلام): (كانت السماء رتقاً لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقاً لا تخرج النبات, ففتقناهما بنزول المطر وخروج النبات)،

فسكت ابن عبيد ولم يحر جواباً.

السكة الإسلامية:

وذكر إبراهيم بن مُحمَّد البيهقي في الجزء الثاني من كتابه المحاسن والمساوي بأن ملك الروم أرسل كتاباً إلى عبد الملك بن مروان يحذره من ضرب السكة باللغة العربية لأن التعامل كان بالنقود الفارسية, فجمع عبد الملك أهل الرأي من رجال دولته واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يستريح إليه فقال له روح بن زنباع: إنَّك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر وتتعمد تركه قال ويحك من ؟ قال له : الإمام مُحمَّد الباقر من أهل بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: صدقت ولكنه ارتج على الرأي فيه, فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى مُحمَّد بن علي بن الحسين مكرماً ومتعه بمائتي ألف لنفقته فلما وافاه الشام تقدم إليه بكتاب ملك الروم فقال له الإمام الباقر(علیه السلام): (لا يعظمن عليك فإنَّه ليس بشئ ولا يهولنك تهديده)، قال: وما ترى قال: (تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديك سككاً للدارهم

ص: 100

والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد, وذكر رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعلفي مدار الدرهم والدينار اسم البلد الذي يضرب فيها والسنة التي تضرب فيها، والوزن يعادل قيمة المضروب).

ففعل عبد الملك ذﻟﻚ ، وأشار عليه الإمام (علیه السلام) أن يتقدم إلى النَّاس في التعامل بها وأن يتهدد كل من يتعامل بغيرها من النقود الفارسية البغلية أو من النقود الرومية بالقصاص العاجل وينبغي استبدال هذه النقود الأجنبية بنقود عربية من دار ضرب النقود لكي تعاد إلى السكك الإسلامية وترد إلى مواضع العمل, وبعد أن عمل بذﻟﻚ عبد الملك ورد رسول ملك الروم إليه بكتاب يعلمه فيه بإبطال السكك الرومية التي قامت مقامها السكك العربية كما أشار الإمام (علیه السلام).

ولأنَّه ميمون النقيبة في حلِّ المعضلات فقد أنقذ الدولة الإسلامية من شرّ مستطير بسداد رأيه وحزمه وجعل التعامل بالنقود العربية الإسلامية وهذه النقود الذهبية التي ضربت في العهد الأموي رأينا منها كثيراً في العصر الحاضر متوجة بالشهادتين يعثر عليها المنقبون على الآثار القديمة في الدمن الدوارس.

وقال أبو عُثمَان الجاحظ في كتابه البيان والتبيين: جمع مُحمَّد علي الباقر صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين فقال: صلاح شأن المعاش والتعاشر ملء مكيال ثلثان فطنة وثلث تغافل.

وإني وأيم الله لقد بسطت عزمي وأذكيت ذهني وقدحت زناد فكري ونشرته وطويته لا تصعد به إلى السماء واستبق عواصف الهواء للإحاطة

ص: 101

بروحانية هذا الإمام الملهم المتدثر بالعلم والمتزمل بالفضلوالمقيم على طاعة الله في سره وعلانيته العامل بما يرضي الله فعجزت معترفاً بالتقصير عن إدراك كنه أولياء الله من عباده الصالحين.

وروى المدائني قال: أتی إعرابي أبا جعفر مُحمَّد بن علي (علیه السلام) فقال له: هل رأيت الله حين عبدته، قال: (ما كنت لأعبد شيئاً لم أره)، قال فكيف رأيته، قال: (لم تره الأبصار مشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان, لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالنَّاس, معروف بالآيات منعوت بالعلامات لا يجور في قضيته ، هو الله الذي لا إله إلا هو)، فقال الاعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

وقالت حبابة الوالبية رأيت في وقت الأصيل في مكة المكرمة رجلاً وسيما جليلاً بالملتزم بين الباب وحجر إسماعيل على صعدة من الأرض قد حزم وسطه بعمامة خز، والغزالة على الجبال كالعمائم على قمم الرجال وقد صاعد كفه وطرفه إلى السماء يبتهل للإله العظيم بقلب خاشع ودمع هامع, فهلع فؤادي وأكبرته وأعتقدت أنَّه من أولياء الله المقربين, فلما انثال النَّاس عليه يستفتونه عن المعضلات ويستفتحون أبواب المشكلات فلم يرم أن أفتاهم في جميع مسائلهم ثُمَّ نهض يريد رحله وسمعت منادياً ينادي بصوت صهل: ألا إنَّ هذا النور ألابلج والنسيم الأرج, فسألت عنه وآخرون قالوا من هذا فقيل هذا: الإمام مُحمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حينئذ علمت وعلم أهل الموسم إنَّه فرع من الشجرة المباركة.

ص: 102

فالإمام أبو جعفر(علیه السلام) دبَّ ودرج في حجور طابت وطهرت, وقد شبَّ واكتهل في مهبط الوحي والتن-زيل, وشاب بين القبر والمنبر على تقوى من الله ورضوان.

عاش مجاهداً لإحياء الدين وتأييد الشريعة وخدمة الإنسانية, ومذ دعاه ربه إليه فأجاب ملبياً إلى جواره في أعلى عليين، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

يا بني الزهراء و النور الذي***ظّنّ موسی إنَّه نار قبس

صح عندي إنَّ من عاداكم***إنَّهم آخر سطر من عبس

عيد الغدير و يومه يوم الولاية

قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً}(1).

عاد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قافلاً من مكة بعد أنْ حَجَّ حجَّة الوداع، و الصحراء تبعث بوهجها إلى عنان السماء، والشمس تصب صيخودها ناراً على الرمضاء، ورضراض المعزاء، والقيظ يصطرع النّفوس، ويغتال الأرواح، والحر يذيب الجسوم، و السموم تغلي في مخارم البيداء، و الشعری تودق صهير اللواب المتموج على وجه الرمال الحمراء، والنَّاس فيركاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يستبقون

ص: 103


1- - سورة المائدة: 3 .

إلى ما يقيهم لفحات الهجير، أو يحميهم من حمارة القيظ المبير، ولا يجدون كنا يستكنون فيه إلا الأغذاذ في المسير علهم يصيبون شاخصاً من خمر الصحراء، أو كناساً من كنس الظباء، وقد نشفت الأبدان من نزيف العرق، وعصبت الأفواه من نضوب الريق في الشفاه.

في هذه الهبوات المحرقة، كان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)يعاني غشيان الوحي وتلقي الأمر بأنْ يصدع بأمر ربه، ويبلغ رسالته وإن لم يفعل في مثل هذه الساعة فما بلغ لأن عدم التبليغ معناه ترك البناء الذي شيده الإسلام عرضة للهدم ، والشرع الذي أقامه الدين وسيلة للتلاعب فتذهب الأتعاب سدى، ويكون الجهاد الذي احتدم عبثاً، ويأبى الله إلا أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون. والنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مشفق من هذا الأمر يحسب له أشدّ حساب، ولكن لله أمر هو بالغه، فليس للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)إلا أنْ يؤدي عن ربه ما ندبه إليه، فكيف يصنع؟!

لم يدخر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وسعاً في تبليغ رسالات ربه، فقد ناضل وجاهر وأوذي بما لم يؤذ نبي مثله، معرضاً مهجته لحر السيوف وطعن الرماح ورشق النبال صادعاً بكتاب الله، مبلّغاً أحكام الله، حتَّى استقامت قناة الدين، وعمّ الإسلام ، ودانت به العرب، ولم يبق في الدين ما ينقصه، وفي الإسلام ما يحتاجه ، فكلّ شئ فيه من أمور الآخرة والدنيا قد بلغ الكمال . فبماذا يصدع، وبماذا يبلّغ بعد هذا كلّه ؟؟

لا شكَّ إنَّ هناك أمراً خطيراً لابدّ للإسلام، وللمسلمين منه ... وهو محافظة الإسلام، والسهر على كيانه وحياطته لأن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قد استوفی مدَّته ولابدّ أنْ يدعى إلى جوار ربه فيجيب فعلى من يترك دين الله؟ وإلى من يكل أموره من بعده؟ لأن الله سبحانه أنزل الدين وأراد حفظه، واستمراره إلى

ص: 104

يوم القيامة لأنَّه خاتمة الأديان وناسخ جميع الديانات، وليس بعده من دين ، فهو دين الله الخالد بخلود الدهر .

لهذا فلم يكن بد من أنْ يقيم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)خليفة من بعده يضطلع بأعباء الإمامة وموجبات الخلافة, يعمل بكتاب الله وسنّة رسوله، يضع الأمور في مواضعها، معصوماً من الخطأ والزلل, عالماً بأسرار التشريع، عارفاً بالقرآن من النَّاسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص، والمقيد والمطلق والظاهر والباطن، قوياً في ذات الله, لا يرقى إليه الشكّ، ولا تأخذه في الله لومة لائم، شريفاً في نفسه، وشريفاً في حسبه ونسبه، لا يعتوره الوهن، ولا يستوحي أعماله من الهوى والظنّ ولا يؤدي أفعاله بالمغريات والمؤثرات، و لا تنفر به المنغصات، ولا تستدرجه المرغبات، و لا تؤتر فيه الدنيا بزخارفها، و لا تستحوذ عليه باطلها، و لا تعمل فيه بغرورها، قريباً من الله ورسوله ممحصة أعماله، مأثورة أفعاله محمود جهاده، مرضي هديه وإرشاده، والنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هو الزعيم بأنْ يبلّغ في تعيين هذا الخليفة ويسند إليه الولاية، والأفواه فاغرة، والنفوس طامعة، والنفاق شائع في بعض الصدور ، وبعض الأفئدة مضطغنة، والإيمان لمَّا ترسخ قواعده وتشج وشائجه، فضاق النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)بالأمر ذرعاً حتَّى أراد الله له ما لابدّ منه، ورغب إليه في التبلِّيغ بما لا مرد له، وعرفه المنصوص عليه، و المرغوب فيه عنده، فصدع بالأمر، وأدى الرسالة.لو لم يكن الأمر عظيماً والخطيب جسيماً لما وقف النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في (خم) هذا الموقف، والنَّاس يصارعون هول الطبيعة في شدّة حرارتها، بل لو لم يكن الأمر كذﻟﻚ لتركه في ساعة العسرة إلى حين اليسر ريثَمَا يستجم

ص: 105

النَّاس الراحة، ويستشعروا الدَّعة، وتطيب نفوسهم بالعودة، و لكن الأمر أعظم من أنْ يتفرق النَّاس وهم لا يعلمون إمامهم، ولا يعرفون خليفتهم، فأوحی الله إلى نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)بأنْ يقوم فيهم فيعقد الولاية عليهم قبل تفرقهم، وهكذا كان ... إذ الفى زمام راحلته، وأمر بالاجتماع إليه تحت وهج الشمس المحرق، وتوهج اضطرام الرمضاء لُيبلّغ ما أنْزل إليه من ربه، وإنْ لم يفعل فما بلَّغ رسالته والله يعصمه من النَّاس، قال تعالى: {يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.

وما إنْ نادى المنادي بالاجتماع حتَّى عاد الفارط، ولحق المتأخر، واجتمع إلى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)النَّاس في(غدير خم) وكانوا يربون على سبعين ألفا, فوضعوا له أحداج الإبل منبراً، ووضعوا ثيابهم تحت أرجلهم اتقاء الرمضاء واستغشوا أرديتهم من ودق حميم الضياء ليستمعوا إلى ما يتلی عليهم من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)،وما هي إلا هنيهة ريثَمَا استعد الجمع، وارهفوا السمع، وإذا بالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يأخذ بعضد علي بن أبي طالب (علیه السلام) ويدلف به إلى منصة الأحداج ثُمَّ يصعد به معه عليها ويرفع يده بيده حتَّى بانَ للناظرين بياض أبطيهما

وقال:خطبة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في غدير خم

(1):الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا

ص: 106


1- - روی ذﻟﻚ الفقيه ابن الحسن علي بن المغازلي الواسطي الشافعي في المناقب بسنده المرفوع إلی زيد بن أرقم.

هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى, و أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله ...

أما بعد أيُّها النَّاس فانَّه لم يكن لنبي من العمر إلا نصف ما عمر من قبله, وإنَّ عيسی بن مريم لبث في قومه أربعين سنة, وإني قد اشرعت في العشرين، ألا وإني يوشك أنْ أفارقكم وإني مسؤول وأنْتم مسؤولون ، فهل بلغتكم فماذا أنْتم قائلون؟

فقام منْ كلِّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنَّك عبد الله ورسوله, قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت بأمره, وعبدته حتَّى أتاك اليقين جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.

فقال: ألستم تشهدون أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله ، وأنَّ الجنَّة حقّ والنَّار حقّ، وتؤمنون بالكتاب كلّه؟

قالوا : بلی ... قال: أشهد أنْ قد صدقتم، وصدقتموني، ألا وإني فرطكم، وإنّكم تبعي، توشكون أنْ تردوا على الحوض فاسألكم حين تلقوني عن ثقلي كيف خلفتموني فيهما؟ قالوا : فاعتل علينا ما ندري ما نقول الآن حتَّى قام رجل من المهاجرين فقال: بأبي وأمي يا نبي الله ما الثقلان؟ قال : الأكبر منها كتاب الله, سبب بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم فتمسكوا به ولا تتولوا ولا تضلوا، والأصغر منهما عترتي, من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي فلاتقتلوهم، ولا تقهروهم، وتقصروا عنهم، فإني قد سألت لهما اللطيف الخبير فأعطاني, ناصرهما لي ناصر، وخاذلهما لي خاذل، ووليهما لي ولي، وعدوهما لي عدو، إلا فإنها لم تهلك أمة قبلكم حتَّى تدين بأهوائها وتظاهر على نبوتها, وتقتل من قام بالقسط منها.

ص: 107

ثُمَّ أخذ بيد علي بن أبي طالب (علیه السلام) فرفعها وقال: من كنت وليه فهذا وليه ... اللَّهُم وال من والاه، وعاد من عاداه, قالها ثلاثا .... إلى آخر الخطبة.

وجاء في كفاية الطالب لفقيه الحرمين الكنجي الشافعي المتوفي سنة 658، في صفحة 15و 16و 17 جمع الدارقطني الحافظ طرقه (أي طرق حديث الغدير) في جزء، وجمع الحافظ بن عقده الكوفي كتاباً مفرداً فيه ورووا أهل السير والتواريخ قصة غدير خم, وذكره محدث الشام في كتابه بطرق شتي عن غير واحد من الصحابة والتابعين، ثُمَّ ذكر سنداً طويلاً رفعه إلى سعيد بن المسيب قال: قلت لسعد بن أبي وقاص إني أريد أنْ أسألك عن شئ وإني اتقيك، قال: سل عمَّا بدا لك فإنما أنا ابن عمك، قال: قلت قام رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيكم يوم الغدير قال: نعم , قام فينا بالظهيرة فأخذ بيد علي بن أبي طالب (علیه السلام) فقال من كنت مولا فعلي مولاه اللَّهُم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره، قال أبوبكر و عمر أمسيت يا ابن أبي طالب مولی كلّ مؤمن ومؤمنة.

وحديث الغدير رواه علماء أهل السنة بطرق متواترة وأسانيد متظافرة تربو على مائة طريق واتفقوا على صحته غير أنَّهم أولوه بتأويلات يبطلها الذوق العربي والوجدان الصحيح، قال ابن كثير الشامي الشافعي في تاريخه عندذكر أحوال مُحمد بن جرير الطبري الشافعي قال : إني رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، ونقل عن أبي المعالي الجويني إنَّه كان يتعجب ويقول شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه ويتلوه المجلد التاسع والعشرون، وممَّن رواه أحمد في مسنده

ص: 108

ج1 في مسند علي (علیه السلام) ص119، و ج4 ص370 و 372 و 381، و المولی علي المتقي في كنز العمال ج6 ص390 و 397 و 403 و 407، والحاكم في المستدرك ج3 ص109، والنسائي في الخصائص ص15و 18 والسيوطي في الدر المنثور ج2 ص259.

وفي تاريخ الخلفاء له 65، وابن عبد البر في الاستيعاب ج2 ص473 في ترجمة علي (علیه السلام), وابن حجر في الصواعق المحرقة ص25 والشبلنجي في نور الأبصار ص69.

وقد جمع العلامة المعاصر الشيخ عبد الحسين الأميني أسماء الذين ألفوا في الغدير وذكرهم في مقدمة كتابه (شعراء الغدير) الذي تناول فيه شعراء القرون الإسلامية قرناً بعد قرن والكتاب ينوف على ألفي صفحة.

الغدير في القرآن:

قال تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس}(1).

وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(2).وقال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ}(3).

ص: 109


1- - المائدة: 67 .
2- - المائدة: 3 .
3- - المعارج: 1-3.

وقد دلنا الكثير من علماء التفسير بما ثبت لديهم من الأحاديث الحاكية لقصة يوم الغدير على المراد منها وإنَّها نزلت بخصوص ذﻟﻚ الشأن, فهذا الواحدي يقول في كتابه (أسباب النزول) ص150 : إن هذه الآية {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ...} نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهذا السيوطي في (الدر المنثور) ص298 من الجزء الثاني عن أبي سعيد الخدري إنَّ الآية نزلت على رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب((علیه السلام)).

وقال الرازي في تفسيره الكبير ج3 ص636.

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوهاً إلى أنْ قال : (العاشر) نزلت هذه الآية في فضل علي بن أبي طالبA, ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال (من كنت مولاه فعلي مولا, اللَّهُم وال من والاه, وعاد من عاداه) فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولي كلّ مؤمن ومؤمنة, وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . وقال النيسابوري في ج6 من تفسيره المطبوع بهامش ابن جرير ص194 إنَّ هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه يوم (غدير خم) وذكر ما ذكره الرازي حرفاً بحرف.وقال الآلوسي في تفسيره ج6 ص172. عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أنْ يخبر النَّاس بولايته فتخوف رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنْ يقولوا حابى ابن عمه وأنْ يطعنوا في ذﻟﻚ عليه فاوحی الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم (غدير خم) وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام (من كنت مولاه

ص: 110

فعليّ مولاه اللَّهُم وال من والاه, و عاد من عاداه) وذكر ما ذكره السيوطي في (الدر المنثور) إلى آخره.

وفي الجزء 6 من تفسير المنار المنسوب إلى الشيخ مُحمَّد عبده ص463 إنَّها نزلت يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب (علیه السلام) ذكره عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر ثُمَّ ذكر رواية ابن عباس وإنَّ الآية الشريفة نزلت عليه (علیه السلام) في (غدير خم) كما ذكرها الآلوسي.

أما آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... } .

ففي الجزء الثاني من الدر المنثور ص259 من طريق ابن مردويه وابن عساكر إلى أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياً (علیه السلام) يوم (غدير خم) فنادى له بالولاية, هبط جبرئيل (علیه السلام) بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .

ومن طريقهما وطريق الخطيب إلى أبي هريرة قال: لما كان يوم (غدير خم) وهو يوم ثمَاني عشر من ذي الحجَّة قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فأنزل الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .وفي الباب الثاني عشر من فرائد السمطين للحمويني بسنده المتصل بأبي سعيد إنَّ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دعا النَّاس يوم (غدير خم) إلى علي(علیه السلام) فأخذ باصبعه فرفعها حتَّى نظر النَّاس إلى بياض إبطي رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثُمَّ لم يتفرقوا حتَّى نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الربّ برسالتي والولاية لعلي ((علیه السلام)) من بعدي, ثُمَّ قال: (من كنت مولاه فعلي

ص: 111

مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, وأخذل من خذله) .

وفي الجزء الثاني من تاريخ اليعقوبي ص32.

وقد قيل إنَّ آخر ما نزل عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} , وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) (بغدير خم).

وهكذا ذكروا في شأن (آية المعارج) وإنَّها نزلت بحق علي (علیه السلام) ففي ص75 من كتاب نور الأبصار قال: ونقل الإمام الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينة سئل عن قول الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فيمن نزلت فقال للسائل: (لقد سألتني عن مسئلة ما سألني عنها أحد قبلك, حدثني جعفر بن مُحمَّد (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) إنَّ رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لمَّا كان (بغدير خم) نادى النَّاس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (علیه السلام) فقال: (منكنت مولاه فعليّ مولاه) فشاع ذﻟﻚ في أقطار البلاد, وبلغ ذﻟﻚ الحارث بن النعمان الفهري, فأتی رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على ناقته فأناخ راحلته ونزل عنها, وقال: يا مُحمَّد أمرتنا عن الله أنْ نشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله فقبلناه منك, وأمرتنا أنْ نصلي خمساً فقبلناه منك, وأمرتنا بالزكاة فقبلناه, وأمرتنا أنْ نصوم رمضان فقبلناه, وأمرتنا بالحجِّ فقبلناه, ثُمَّ لم ترض بهذا حتَّى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا شئ منك أم من الله؟ فقال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (والله الذي لا إله إلا هو, إنَّ هذا من الله عزَّوجل)

ص: 112

فولّی الحارث يريد راحلته وهو يقول: (اللَّهُم إنْ كان يقول مُحمَّد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب اليم) فما وصل إلى راحلته حتَّى رماه الله بحجر سقط على هامته ... , فأنزل الله عزَّوجل هذه الآية: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} .

وفي الباب الخامس عشر من فرائد السمطين بسنده عن الإمام أبي الحسن الواحدي قال: قرأت على شيخنا الأُستاذ أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينه سئل عن قول الله عزَّوجل إلى آخر ما ذكره في نور الابصار،وحكاه ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة ص27- 26 (قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وقد أحمرت عيناه والله الذي لا إله إلا هو, إنَّه من الله وليس مني قالها ثلاثاً إلى آخر الحديث) .وقال أبو السعود في تفسيره المطبوع بهامش تفسير الفخر ج 8 ص292. وقيل هو الحارث بن النعمان الفهري وذﻟﻚ إنَّه لمَّا بلغه قول رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في علي (علیه السلام) (من كنت مولاه فعليّ مولاه ...).

وفي الجزء الثاني ص209 من نزهة المجالس للصفوري.

قال رأيت في تفسير القرطبي في سورة ( سأل ) لمَّا قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال النضر بن الحارث لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (أمرتنا بالشهادتين عن الله فقبلنا منك, وأمرتنا بالصلاة والزكاة ثُمَّ لم ترض حتَّى فضلت علينا ابن عمك (الله) أمرك بهذا أم من عندك) فقال: (والله الذي لا إله إلا هو إنَّه من عند الله ...).

ص: 113

وهل بعد التدبر بسبب نزول ﺗﻠﻚ الآيات والإحاطة بمن اعتمد على تفسيرها بذﻟﻚ الشأن يتسع المجال لقائل أو يصدق التشكيك لمتوهم أنْ يقول (والشيعة) روت نزولها في علي (علیه السلام)! وهل يصح ذﻟﻚ من مثل الآلوسي في موضع آخر من تفسيره الذي تابعه فيه الشيخ مُحمَّد عبده أنْ يقول: بأنَّ الشيعة روت ذﻟﻚ في علي (علیه السلام) من غير حجَّة تقضي باختصاص الرواية فيهم, وبان ينسبها إليهم وحدهم وكيف بعد أنْ اعتمدها وخرجها مثل الخطيب البغدادي والسيوطي والحمويني وكثير غيرهم تسوغ نسبة اختصاص الرواية فيهم مع إنَّ الآلوسي نفسه روى عن ابن عباس وغيره إنَّها في علي (علیه السلام) وروى ذﻟﻚ الشيخ مُحمَّدعبده كما مر على القارئ وذﻟﻚ ما يؤكد بأنَّها في علي (علیه السلام) يوم (غدير خم) وإنَّه لم تروه الشيعة فقط نعم, يوشك أنْ يكون وهماً أو غفلة.

إذاً فلا شكَّ ولا ريب في نزول هذه الآيات بشأن علي (علیه السلام) في (غدير خم) من هذه الطرق التي لا تتصل بالشيعة وكفى بها دليلاً وبرهاناً على ولايته التي بها رضى الربّ وكمل الدين, وحسبك ما خرجه أئمة الحديث وأصحاب السنن وما ذكره أرباب التاريخ ودونه أهل السير, فهم بين من خرج نص حديث (يوم الغدير) بطرقه المعتبرة وبين من أرسله إرسالاً فحذف منه سنده إختصاراً أو إشتهاراً.

وقصاری القول إنَّ حديث الغدير, حديث متواتر مجمع عليه عند الفريقين بأسانيده الصحاح المعتبرة التي لا شكَّ فيها ولا ريب, ولا ينكر حديث الغدير إلا مكابر معاند لا برهان له في إنكاره ونكرانه, بعد ما رأيت ما ذكرناه وهو غيض من فيض, ولو أردنا استقصاء الكلام في الغدير لاحتجنا

ص: 114

إلى مجلد بل مجلدات ضخام. وكيف يخفي نور الشمس رائعة النهار أو تحجب بالغربال ولكن العناد والتعصب على الحقّ للباطل ينكر الوجود ويحيله إلى العدم, والبغض يعمي ويصم. أعاذنا الله من كتمان الحقّ وجنبنا طريق الضالين.

ميلاد الامام أبي الحسن علي الهادي عليه السلام

ولد الإمام الهاديA علی المشهور فی الخامس عشر من ذي الحجة سنة 212 أو 214 في قرية صريا قرب المدينة المنورة كما ذكره الكليني في الكافي والمفيد في الإرشاد وابن شهر آشوب في أعلام الوری وغيرهم(1) وما نقلنا في العدد الأول من كون ولادته في الثاني من رجب فعلی رواية الشيخ في المصباح عن ابن عياش إلا أنَّ الصحيح ما هو المشهور ورواية ابن عياش مضافاً لمخالفتها للمشهور ضعيفة.

ص: 115


1- 1- راجع الكافی, ج2, ص551، والإرشاد , ج2 , ص298 ؛ أعلام الوری , ج2 , ص109 ؛ بحارالأنوار , ج50 , ص116- 117 ؛ مناقب ابن شهر آشوب , ج4 , ص382.

من ملامح شخصيتهA

لقدتحلی الامام الهاديA بمكارم الاخلاق كالكرم فلقد كان من ابسط الناس كفا وانداهم يدا وهذه احدی ملامح شخصيتهA ويمتازA بالزهد وارشاد الضالين وتكريم العلماء والعبادة والتحذير عن مجالسة الصوفيين (العرفاء)ففي حديث(...اذ دخل جماعة من الصوفية المسجد ..واخذوا بالتهليل فالتفت الامام الی اصحابه فقال لهم:لا تلتفتوا الی هؤلاء الخداعين فانهم حلفاء الشياطين ومخربوا قواعد الدين...فلا يتبعهم الا السفهاء ولا يعتقد بهم الا الحمقاء فمن ذهب الی زيارة احدهم حيا او ميتا فكانما ذهب الی زيارة الشيطان وعبادة الاوثان ومن اعان واحدامنهم فكانما اعان معاوية ويزيد وابا سفيان) .

الامام الهادي فوق التحدياتبعد اغتيال الامام الجوادA من قبل المعتصم عهد المعتصم الی عمر بن الفرج ان يشخص بنفسه الی المدينة ليختار معلما لابي الحسن الهاديA البالغ من العمر آنذاك ست سنين واشهرا وقد عهد اليه ان يكون المعلم معروفا بالنصب والعداوة لاهل البيت(علیهم السلام)ليغذيه ببغضهم ولما انتهی عمر الی المدينة التقی بالوالي وعرفه بمهمته فارشده الوالي وغيره الی الجنيدي الذي كان شديد البغض للعلويين فارسل خلفه وعرفه بالامر فاستجاب اه بعد ان عين له راتبا شهريا وعهد اليه ان يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به.

بادر الجنيدي الی ما كان امر به من مهمة تعليم الامام Aالا انه قد ذهل

لما كان يراه من حدّة ذكائه والتقی محمد بن جعفر بالجنيدي فقال له:ما حال هذا الصبي الذي تؤدبه؟فانكر الجنيدي ذلك وراح يقول:

ص: 116

(اتقول هذا الصبي؟!!ولا تقول هذا الشيخ؟انشدك بالله هل تعرف بالمدينة من هو اعرف مني بالادب والعلم؟) قال :لا

فقال الجنيدي:( اني والله لأذكر الحرف في الادب واظن اني قد بالغت ثم انه يملي ابوابا استفيده منه فيظن الناس اني اعلمه وانا والله اتعلم منه)

و انطوت الايام فالتقی محمد بن جعفر مرة اخری بالجنيدي ، فقال له: ما حال هذا الصبي؟

فانكر عليه الجندي ذلك و قال: «دع عنك هذا القول، و الله تعالی لهو خير اهل الارض ، و افضل من برأه الله تعالی و انه لربما هم بدخول الحجرة فاقول له: حتی تقرأ سورة ، فيقول : اي سورة تريد ان اقرأها؟ فاذكر له السور الطوال ما لم يبلغ اليها فيسرع بقراءتها بما لم اسمع اصح منها و كان يقرأها بصوت اطيب من مزامير داود، انه حافظ القرآن من اوله الی آخره و يعلم تاويله و تنزيله.و اضاف الجنيدي قائلاً : هذا الصبي صغير نشأ بالمدينة بين الجدران السود فمن اين علم هذا العلم الكبير؟ ياسبحان الله !!

ثم نزع عن نفسه النصب لاهل البيت(علیهم السلام) ودان بالولاء لهم و اعتقد بالامامة».(1)

لقد كان لادب الامامAوحسن تعامله مع هذا الرجل الناصبي اثر كبير في تحوله الاعتقادي وايمانه بامامة اهل البيت(علیهم السلام).

ثم ان الجنيدي نفسه صرح لغيره انه تعلم من الامامAولم يأخذ الامام منه العلم وهذا دليل قاطع في حقانية اهل البيت(علیهم السلام)وانهم منصوبون من الله جل وعلا.

تعكس هذه الروايةالاهتمام الذي يوليه المعتصم بالامام الهاديAمن اجل تطويق تحركه وعزله عن شيعته ومريديه وتعد هذه البادرة من

ص: 117


1- - مآثر الكبراء في تاريخ سامراء 3/91-95

المعتصم محاولة للحيلولة دون بزوغ اسم الامام الهاديAوسطوع فضله عند الخاص والعام لان ما سوف يصدر منه يمكن ان ينسب الی معلمه ومربيه.

غير ان الامام بخلقه وحكمته استطاع ان يفوت الفرصة علی الخليفة وبلاطه ويظهر للناس علمه وامامته.

المباهلة

قال تعالى: {فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(1).

في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجَّة (السنة العاشرة من الهجرة على بعض الروايات) جرت المباهلة بين النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)بين نصارى نجران في البقيع في المدينة المنورة.

ص: 118


1- - آل عمران : 61 .

وفي هذا اليوم أشرق نور النبي وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام)إشراقة أخرى مضافة إلى الإشراقات الكثيرة التي غمرت العالم أجمع، وظهر في هذا اليوم العظيم فضل أمير المؤمنين مولانا علي(علیه السلام) ظهوراً مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلداً آخراً مضافا إلى فضائله التي لا تحصى، إذ كان بنصِّ القرآن الكريم نفس النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعد أنْ كان أخاه وابن عمه وزوج ابنته وأبا سبطيه وقاضي دينه، وخليفته ووصيه من بعده، وحامل لوائه وأول القوم إسلاماً، وأرسخهم إيماناً، وأعظمهم جهاداً وأشدّهم في ذات الله, وأظهرهم شجاعة وأحدهم مضاء وأسناهم مقاماً وأقربهم إلى الله ورسوله.

فجاءت المباهلة فألبسته تاجاً مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلداً وضاء فوق تيجانه النيرة, وزادت في نوره زيادة أعشت عيون أعدائه وأنارت سبيل أوليائه.وننقل هنا خلاصة حديث المباهلة على ما روته كتب الحديث فقد جاء إنَّ أبا الحارث بن علقمة أسقف نجران دعا شرحبيل وكان خازن أسراره وموضع مشورته وقال: يا شرحبيل جاءني اليوم كتاب من مُحمَّد بن عبدالله راعني وأفزعني فهو يدعوني فيه إلى دين يسميه الإسلام ويخيرني بين الجزية والحرب ولا أكتمك, إنَّي دهشت ممَّا يعد وذعرت ممَّا يتوعد, فاقتدح زناد فكرك وأشر عليَّ بما عندك فقد ضقت ذرعاً.

قال شرحبيل: لو كان الأمر من أمور الدنيا لرجوت أنْ يكون لي رأي حازم أقوله على إنني علمت ما وعد الله به من النبوة في ذرية إسماعيل فما أدري أنْ يكون هو ذاك.

فصار علقمة يدعو واحداً بعد واحد, حتَّى دعا اثنين أخرين يسألهما الرأي ولا يجد عندهما عناء على ما قال شرحبيل, ولذﻟﻚ أمر بالنواقيس أنْ تدق

ص: 119

وبالمسوح أنْ تعلق بالصوامع إيذانا بالدعوة كما كانوا يفعلون في مهام الأمور في ذﻟﻚ العهد, فاجتمع نصارى نجران وقام الأسقف وأخبرهم بكتاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فتشاوروا فيما بينهم, فقر رأيهم أنْ يذهب وفد منهم إلى النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يستطلع رأيه ويحاجه ويجادله, وتألف الوفد بزعامة شرحبيل ثُمَّ تبعهم الأسقف نفسه, وكان الوفد مؤلفاً من أربعة عشر رجلاً فوصلوا المدينة واستأذنوا على رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقال شرحبيل: قد علمت إنا نصارى ويسرنا أنْ تكون نبياً فما تقول في عيسی؟ قال: أقول {إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رَبّكَ فَلاَ تَكُن مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .ثُمَّ أعلمهم إنَّه قد جاء الفصل في أمر عيسی (علیه السلام) من عند الله، فإنْ لم يذعنوا فالمباهلة هي حكم الله القاطع, فقالوا: (دعنا نفكر ثُمَّ نفضي إليك برأينا غداة غد).

وفي اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجَّة أتى رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) آخذاً بيد الحسن والحسين تتبعهما فاطمة وعلي بين يديه عليهم الصلاة والسلام, فلمَّا رآهم شرحبيل رجع إلى الوفد وقال: (لقد رأيت نور النبوة ينبثق من شمائل مُحمَّد والحقّ يفيض من قوله, والآن رأيت معه وجوهاً من أهله لو سأل الله بها أنْ يزيل الجبال لأزالها, والرأي أنْ لا نباهله لئلا تهلكوا، والصلح معه خير). فاحجموا عن المباهلة وشرط عليهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ألفي حلّة تؤدی في صفر ورجب على أنْ يظلّ كلّ ما بأيديهم لهم، ولهم بعد ذﻟﻚ جوار الله ورسوله غير مبتلين بظلم ولا ظالم ما اصلحوا

ص: 120

ونصحوا, فرأوه حكماً عدلاً فرجعوا إلى قومهم يحمدون. وقد شهد المباهلة سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري.

وجاء في الكشاف للزمخشري لمَّا جاء نصارى نجران وتكلم معهم للمباهلة قالوا حتَّى نرجع وننظر، وقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم ياعبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم إنَّ مُحمَّداً نبي مرسل, لقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم, ولا نبت صغيرهم, ولئن فعلتم لتهلكن، وإنْ أبيتم إلا ألف دينكم وإلاقامة عليه, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلی بلادكم, فاتوا رسول الله وقد غدا محتضنا الحسن وآخذاً بيد الحسين و فاطمة و عليّ خلفه وهو يقول: (إذا دعوت فأمنوا) . فقالالأسقف: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا. وقالوا: يا أبا القاسم رأينا أنْ لا نباهلك, وأنْ نقرك على دينك ونثبت على ديننا.

فقال لهم: (إذا أبيتم المباهلة, يكنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم) فابوا.

قال: (إني أناجزكم) . قالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، لكننا نصالحك على أنْ لا تغزونا ولا تخيفنا، ولا تردنا عن ديننا على أنْ نؤدي لك كلّ عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد, فصالحهم على ذﻟﻚ وأعطاهم الأمان.

وفي صحيح مسلم قالت عائشة: (خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود, فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثُمَّ جاء الحسين فأدخله, ثُمَّ جاءت فاطمة فأدخلها, ثُمَّ جاء عليّ بن أبي طالب

ص: 121

فأدخله معهم, ثُمَّ نزلت الآية الكريمة الباهرة {إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} ).

وقال الزمخشري في كشافه: ( إنَّ إقدام النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على المباهلة أكد في الدلالة على ثقته بنفسه واستيقانه بصدقه, حيث استجرأ على تقديم أعزته وأفلاذ كبده وأحب النَّاس إليه كذﻟﻚ ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إنْ تمت المباهلة، وخصَّ الأبناء و النساء لأنهم أعز الأهل والصقهم بالقلوب, وربَّما فداهم الرجلبمهجته وحارب دونهم حتَّى يقتل, وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم, وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها, وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أهل الكساء (علیهم السلام) وعلى صحة نبوته صلوات الله عليه) .

وروي إنَّ رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: (والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير, ولاضطرام عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتَّى الطير على الشجر) .

وقد أخرج حديث المباهلة ابن حجر في الصواعق صفحة 72 عن مسلم في صحيحه, ونقله جماعة من حفاظهم في تفاسيرهم: منهم البيضاوي صفحة 22 ج2 وابن جرير ص192 ج3 والخازن ص302 ج1 والنيشابوري ص 206 ج3 من تفسيره بهامش الجزء الثالث من تفسير ابن جرير والعسقلاني في الإصابة ص271 ج4 ومنهم البغوي ص302 من تفسيره

ص: 122

بهامش الجزء الأول من تفسير الخازن، والسيوطي في الدر المنثور ص39 ج2، وحسبكها برهاناً قالعاً لمزاعم الجاهلين, ودليلاً قاطعاً لإرجاف المرجفين على أفضلية علي (علیه السلام) من جميع النَّاس إلاخاتم النبيين مُحمَّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وذﻟﻚ فإنَّ المراد من قوله تعالى وأنفسنا نفس علي بلا شكّ على ما رواه جابر في المتفق عليه ولأن الشخص لا يدعو نفسه حقيقة كما لا يأمر حقيقة ولما بطل هذا تعين أنَّ المدعو غيره, وقد ثبت بإجماع المسلمين إنَّ ذﻟﻚ الغير هو أمير المؤمنين علي (علیه السلام) وبالطبيعة لا يمكن أنْ يراد إنَّ هذه النفس هي عين ﺗﻠﻚ النفس, لأنها ليس هي هي, بل هي غيرها قطعاً ولمَّا بطل هذا تعين أنْ يكون المراد إنَّ هذهالنفس مثل ﺗﻠﻚ النفس وذﻟﻚ يقتضي المشاركة والمساواة للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في جميع ما هو له, ولمَّا ثبت بالدلائل القطعية إنَّ مُحمَّداً (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان نبياً وكان أفضل من علي(علیه السلام) تركنا العمل بعموم المنزلة بالنسبة إليه فيما خاصَّة وبقى ما عدا ذﻟﻚ معمولاً به ومن ذﻟﻚ ما ثبت بإجماع المسلمين إنَّ مُحمَّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين فيجب أنْ يكون علي أفضل جميع الخلق بعد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)نزولاً على حكم ذﻟﻚ, كما إنَّ فيها من الدلالة على المطلوب من وجوه منها: إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان معصوماً ومثله علي (علیه السلام) يكون معصوماً, والمعصوم أتقي وأحق بالإمامة لقومه لقوله تعالى: {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ} ومنها إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كان أتقي ومثله علي (علیه السلام), ومنها إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان واجب الطاعة والإتباع مطلقاً, ومنها إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان أفضل من جميع الصحابة ومثله علي (علیه السلام) والأفضل أحق بالإمامة بل لا تصح لغيره, ومنها إنَّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان إماماً وهادياً

ص: 123

ومثله علي (علیه السلام) يكون إماماً وهادياً, وإذا كان قد ثبت إنَّه أفضل من جميع الأنبياء بنصّ هذه الآية, فكيف لا يكون أفضل من جميع الصحابة, بل وكيف لا يكون إمام هذه الأمة بعد نبيها, وفي كتاب الله آيات ما فيها عبرة لقوم يؤمنون.

تصدق علي عليه السلام بالخاتم وهو راكع

قال تعالى: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(1).

هذه آية الولاية التي نزلت في(علیه السلام) عندما تصدق علی السائل بخاتمه , وكان ذﻟﻚ في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام (من السنة

ص: 124


1- - المائدة : 55- 56.

العاشرة، على ما يروى) ، قد روى الجمهور نزولها في علي(علیه السلام) وهو مذكور في الصحاح، والدر المنثور في الجزء الثاني ص293 في تفسير هذه الآية في سورة المائدة، وأخرجه صاحب منتخب ﻛﻨﺰ العمال الموضوع بهامش المسند ج5 ص38، والطبري في الرياض النضره ص206 ج2 وابن الصباغ في الفصول المهمة ص123 وابن حجر في صواعقه ص24 , والفخر الرازي في تفسيره الكبير ج3 ص413 , وابن جرير في تفسيره ج6 ص165، البيضاوي في تفسيره ج2 ص165،والزمخشري في تفسيره ج1 ص264، والبغوي في تفسيره بهامش الجزء الثاني من تفسير الخازن ج1 ص55 , وابن كثير ج1 ص71 , وابن حيان في تفسيره الكبير ج3 ص513 , ومُحمَّد عبده في تفسيره الذي عزاه إليه السيد مُحمَّد رشيد رضا صاحب المنار ج6, ص442 ، وغير هؤلاء من فحول أعلام السنة.

وأما سبب ﺍﻟﻨﺰول على ما رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال: حدثنا أبو الحسن مُحمَّد بن القاسم الفقيه الصيدلاني قال: أﺧﺒﺮنا أبو مُحمَّد عبد الله ابن مُحمَّد الشعراني قال: حدثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني قال: حدثني المظفر بن الحسين الأنصاري قال: حدثنا السدي بن علي الوراق قال: حدثنا يحي بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش بن غيابة بن ربعي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)إذ أقبل رجل متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله إلا قال الرجل قال رسول الله, فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها النَّاس من عرفني قد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا جندب بن جنادة

ص: 125

البدري أبوذر الغفاري سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بهاتين وإلا عميتا يقول: (عليّ قائد البررة, وقاتل الكفرة, ومنصور من نصره, ومخذول من خذله) أما إني صليت مع رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوماً من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللَّهُم أشهد إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكانعليّ راكعاً فأوما بخنصره اليمنی إليه وكان يتختم فيها, فأقبل السائل حتَّى أخذ الخاتم من خنصره وذﻟﻚ بعين رسول الله فلمَّا فرغ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: (اللَّهُم إنَّ أخي موسى سألك فقال: رب اشرح صدري, ويسر لي أمري, واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي, واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما، اللَّهُم وأنا مُحمَّد نبيك وصفيك, اللَّهُم فاشرح لي صدري, ويسر لي أمري, واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري) قال أبوذر فوالله ما استتم رسول الله الكلمة حتَّى نزل عليه جبرئيل من عند الله فقال: يا مُحمَّد اقرأ قال: وما أقرأ قال: اقرأ: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَة ...} الآية، وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الإسناد بعينه وروى أبوبكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي عنه, والرماني والطبري إنَّها نزلت في عليA حين تصدق بخاتمه وهو راكع وهو قول مجاهد والسدي.

ص: 126

وهذا الآية من أوضح الدلائل على إمامة عليA بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بلا فصل, والوجه فيه إنَّه إذا أثبت إنَّ لفظة (وليكم) تفيد من هو أولى بتدبير أموركم وتجب طاعته عليكم، وثبت إنَّ المراد بالذين آمنوا (علي عليه السلام) ثبت النص عليه بالإمامة ووضح، والذي يدل عليه هو الرجوع إلى اللغة, فمن تأملها علم أنَّ القوم نصوا على ذﻟﻚ ، حيث قالوا: الولي هو الذي يلي تدبير الأمر, يقال فلان ولي المرأة إذا كان يملكتدبيرها نكاحاً , وولي الدم من كان إليه المطالبة بالقود، والسلطان ولي أمر الرعية, ويقال لمن يرشحه لخلافته عليهم بعده ولي عهد المسلمين، قال الكميت يمدح عليا (علیه السلام):

ونعم ولي الأمر بعد وليه***ومنتجع التقوی ونعم المؤدب

وإنَّما أراد ولي الأمر والقائم بتدبيره قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله: أصل الولي الذي هو أولى أي أحق, ومثله المولى.

ثُمَّ الذي يدل على إنَّها في الآية تفيد ذﻟﻚ دون غيره إنَّ لفظة (إنَّما) تقتضي التخصيص ونفي الحكم عمَّن عدا المذكور كما يقولون إنَّما الفصاحة الجاهلية يعنون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة الولي على الموالاة في الدين والمحبة لأنَّه لا تخصيص في هذا المعنی لمؤمن دون مؤمن آخر, والمؤمنون كلّهم مشتركون في هذا المعنی كما قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ} ، وإذا لم يجز حمله على ذﻟﻚ لم يبق إلا الوجه الآخر وهو التحقق بالأمور وما يقتضي فرض الطاعة على الجمهور لأنَّه لا محتمل للفظه إلا الوجهان فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر، الذي يدل على إنَّ المعني (بالذين آمنوا) هو علي (علیه السلام) للرواية الواردة من طريق العامَّة الخاصَّة ﺑﻨﺰول الآية فيه, لمَّا تصدق

ص: 127

بخاتمه في حال الركوع, وقد تقدم ذكرها وأيضاً فإنَّ كلّ من قال أنَّ المراد بلفظة وليّ ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة ذهب إلى إنَّه هو المقصود بالآية والمتفرد بمعناهما، ولا أحد من الأمة يذهب إلى إنَّ هذه اللفظة تقتضي ما ذكرنا ويذهب إلى إنَّ المعني بها سواه وليس لأحد أنْ يقول إنَّ لفظ : {وَالّذِينَ آمَنُوا} لفظ جمع فلا يجوز أنْ يتوجه إليه علىالإنفراد وذﻟﻚ إنَّ أهل اللغة قد يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم وذﻟﻚ أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه وليس لهم أنْ يقولوا إنَّ المراد بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} إنَّ هذه شميمتهم وعادتهم ولا يكون حالاً لإيتاء الزكاة, وذﻟﻚ لأن قوله يقيمون الصلاة قد دخل فيه الركوع فلو لم يحمل قوله وهم راكعون على إنَّه حال من يؤتون الزكاة وحملناه على من صنعهم الركوع كان ذﻟﻚ كالتكرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لايفيد.

ووجه آخر في الدلالة على إنَّ الولاية في الآية مختصة إنَّه سبحانه قال: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ} فخاطب جميع المؤمنين ودخل في الخطاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وغيره ثُمَّ قال: {وَرَسُولُهُ} فأخرج النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)من جملتهم لكونهم منساقين إلى ولايته ثُمَّ قال: {وَالّذِينَ آمَنُوا} فوجب أنْ يكون الذين خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أنْ يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه وإلى أنْ يكون كلّ واحد من المؤمنين ولي نفسه وذﻟﻚ محال واستيفاء الكلام في هذا الباب يطول فمن أراده فليطلبه من مظانه.

واستدل أهل العلم بهذه الآية على إنَّ العمل القليل لا يقطع الصلاة وإنْ دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة.

ص: 128

ولمَّا لم يكن من الأحكام الشرعية إتيان الزكاة في حال الركوع تعين أنْ تكون الآية في حادثة واقعة لا بيان حكم شرعي، وليست ﺗﻠﻚ الحادثة غير إتيان علي (علیه السلام) الزكاة في الركوع بإجماع الأمة.

تصدق اهل البيت علیه السلام علی المسكين واليتيم والأسير

قال تعالى: {إِنّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً * ويُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورا}(1)

يصادف اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام اليوم الذي قام فيه أهل البيت النبوي الطاهر صلوات الله عليهم بوفاء نذرهم, وذﻟﻚ على ما جاء في كتب التفسير والحديث إنَّ الحسن (علیه السلام) والحسين (علیه السلام)

ص: 129


1- - الإنسان : 5 - 9

مرضا فعادهما جدهما رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومعه وجوه أصحابه فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً, فنذر صوم ثلاثة أيام إنْ شفاهما الله سبحانه، فبرءا وليس عندهم شئ فاستقرض علي (علیه السلام) ثلاثة أصوع من شعير وجاء بها إلى فاطمة علیهما السلام) فطحنت صاعاً منها فاختبزته وصلّى علي (علیه السلام) المغرب وقربته إليهم فأتاهم مسكين يدعو لهم وسألهم فأعطوه ولم يذوقواإلا الماء ، فلمَّا كان اليوم الثاني أخذت صاعاً فطحنته وخبزته وقدمته إلى علي (علیه السلام) ووليديه فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء ، فلمَّا كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته وقدمته إلى علي وولديه عليهم السلام فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلمَّا كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتی علي ومعه الحسن والحسين (علیهم السلام) إلى النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبهما ضعف شديد فرق لهما وبكی، ونزل جبرئيل (علیه السلام) بسورة هل أتى.

وقد أجمع أولياء أهل البيت (تبعاً لكافَّة أئمتهم عليهم السلام) على نزولها في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) وصحاحهم في ذﻟﻚ متواترة، من طريق العترة الطاهرة وهذا عندهم من الضروريات التي لا يجهلها منهم أحد، وقد أخرجه عن ابن عباس جماعة من أعلام أهل السنة كالإمام الواحدي في كتابه البسيط، والإمام أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير، والإمام أبي المؤيد موفق بن أحمد في كتاب الفضائل، وغير واحد من الحفظة وأهل

ص: 130

الضبط، وذكره الزمخشري في تفسير السورة من الكاشف.

و ممَّا يدعو إلى الاستغراب والعجب إنَّ بعض المتأخرين يتعدى المحدثين والمفسرين جميعاً الذين أجمعوا على نزول هذه الآيات في أهل بيت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ويدعي بأنَّ السورة مكية وليست مدنية وإنَّ هذه الآيات لم تنزل في فضل أهل البيت (علیهم السلام) ورواية نزولها فيهم من الروايات الموضوعة المدسوسة !! اللَّهُمغفرانك هذا هو البهتان العظيم، كيف استدل هذا الأثيم بذﻟﻚ على إنَّها مخترعة جرأة على الله سبحانه وعداوة لأهل بيت رسوله. ونورد إيضاًح الحق في ذﻟﻚ وإيراد البرهان في معناه, وكشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه الباطلة، على إنَّه كما ترى يحتوي على السر المخزون والدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره و يتلألأ بزهوره, وهو معرفة ترتيب السور في التنزيل، لنثبت بذﻟﻚ الحق لأهله, وندفع التهمة التي الصقها هذا الجاحد بالمحدثين والمفسرين, وهي تهمة الدسّ والتزوير، وإليك ما يوضح الحق ويدفع الباطل.

روى الأُستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عكرمة و الحسن بن أبي الحسن البصري: إنَّ أول ما أنزل الله من القرآن بمكة على الترتيب اقرأ باسم ربك ، و نون ، والمزمل ، إلى قوله وما نزل بالمدينة ويل للمطففين والبقرة، والأنفال، وآل عمران، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء وإذا زلزلت، والحديد، وسورة مُحمَّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، والرعد، والرحمن، وهل أتی على الإنسان، إلى آخره وبإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) إنَّه قال: سألت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء, فأول ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب ثُمَّ اقرأ باسم ربّك ثُمَّ ن إلى أنْ قال: وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثُمَّ الأنفال ثُمَّ آل عمران ثُمَّ الأحزاب ثُمَّ الممتحنة ثُمَّ النساء ثُمَّ إذا زلزلت ثُمَّ الحديد ثُمَّ سورة مُحمَّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ثُمَّ الرعد ثُمَّ سورة الرحمن ثُمَّ هل أتی إلى

ص: 131

قوله فهذا ما أنزل بالمدينة، وقد جاءت الروايات في كتب التفسيروالحديث مجمعة على نزول هل آتى في المدينة وان حصل بعض الإختلاف البسيط في ترتيب السور وتقديم بعضها وتأخير بعض، ثُمَّ قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : (جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلاثُمَّائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتا وخمسون حرفاً ...).

وذكر العلامة الشهير سبط ابن الجوزي أبو المظفر يوسف شمس الدين في كتابه تذكرة الخواص(1) قصة إيثار أهل البيت (علیهم السلام) بالطعام بصورة مفصلة واسعة وبسند طويل عن أبي المجد مُحمَّد بن أبي المكارم القزويني قال: أخبرنا بدمشق سنة اثنتين وعشرين وستمائة ثُمَّ يذكر رجال السند الثقاة إلى أنْ يرفعه إلى مجاهد وابن عباس في تفسير (يوفون بالنذر) وإنَّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) ثُمَّ يرد على من قال إنَّ هذا الحديث من الموضوعات في ص 325 في جواب مسهب إلى أنْ يقول في ص326 والعجب من قول جدي وانكاره وقد قال في كتاب(المنتخب) يا علماء الشرع أعلمتم لم آثرا وتركا الطفلين عليهما أثر الجوع؟ ما ذاك إلا لأنهما علما قوة صبر الطفلين ... إلى آخر قوله، (فليراجع هذا الفصل من كتاب تذكرة الخواص) ثُمَّ يفسر ما اشتملت سورة هل أتى من فضائل أهل البيت (علیهم السلام) على معان جليلة إلى أنْ يقول وسمعت جدي ينشد في مجالس

ص: 132


1- - ص322

وعظه ببغداد في سنة ست وتسعين وخمسمائة بيتين ذكرهما في كتاب (تبصرة المبتدي) وهما:

أهوی علياً وإيماني محبته***كم مشرك دمه من سيفه وكفا

إنْ كنت ويحك لم تسمع فضائله***فاسمع مناقبه من (هل أتی) وكفی

و قال الشافعي:

إلى م إلى م وحتَّى متی***اعتاب في حب هذا الفتی

وهل زوجت فاطم غيره***وفي غيره (هل أتی هل أتی)؟؟

العلامة المجاهد

اية الله الشيخ جعفر كاشف الغطاءقدس سره

العلامة السید حسن الهاشمي

و من اعلام الصادقين شيخنا الاكبر الشيخ جعفر الجناحي(و جناحة قرية من قری الحلة الفيحاء)، و كان الشيخ يوقع رسائله باسم جعفر الجنيجاوي، الا انه عندما دوّن كتابه الأثري الشهير و المعروف ب(كشف الغطاء) أصبح

ص: 133

يعرف بالشيخ جعفر كاشف الغطاء وأصبحت الأسرة كلها تشتهر بآل كاشف الغطاء، و عرفت هذه الأسرة بأنها تضم أكثر من ستين عالما علی مستوی عال من العلم و الأدب و التأليف.و الشيخ جعفر كاشف الغطاء، هو من مواليد النجف الاشرف عام 1154 ه-..ق وهو في عصره شيخ الطائفة بلا منازع و زعيم للشيعة في كل العالم آنذاك، و له دورّ جهادي رائع في ايران حيث أنقذ الشعب الإيراني من الفتن و الأضطر ابات و المنكرات التي ألمت به، و تعامل معها الشيخ بجدّية فحينما تفشت العادات و المنكرات في إيران و خصوصا في شيراز التي اشتهرت آنذاك بمصانع الخمور و انتشار الزنا هذا من جانب و الفتن العرقية و الطائفية من جانب آخر فكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء مسموع الكلمة مطاعا فتحرك في سفرة حساسة بطلب من حاكم ايران القاجاري و الذي وفر له كل الوسائل و التسهيلات فسار الشيخ في كل ربوع إيران و هو يقمع المنكرات و ينشر الأخوّة بين مختلف الطوائف معتمدا أساليبه الحكيمة، وورد في رسائله المتبادلة بأنه طلب من الملك القاجاري آنذاك فتحعلي شاه إزالة الشهادة الثالثة من الأذان كأجراء تقاربي كما ذكر ذلك صاحب كتاب تطور مباني الفكر الشيعي(1)

وكان الشيخ مجدّا لا تأخذه في الله تُهَمُ بعض الأطراف التي تظاهرت بالتظلم لأهل البيت(علیهم السلام)، و لكن لها مآربها الخاصة. و أذكر هنا قصة طريفة حدثت للشيخ: و هو أنه في سفرته الی إيران زار بعض الولايات و استقبله الوالي و دعاه الی الغداء و كان هذا الوالي في باطنه عدوا للعلماء و أهل الفضل من الشيعة و لكن تعامل علی الظاهر مع

ص: 134


1- - ص73

الشيخ و حينما حضر الشيخ مأدبته ظهرا و كانوا يأكلون بادر الوالي في استفزاز و استهزاء بالشيخ قائلا: بأنكم تحرمون بادنی شيء و تضيقون الأمور و حين تبادل الكلام و الشيخ يأكل، فقال الوالي: إن هذااللحم الذي تأكله الآن هو بموجب رأيكم غصب و فيه إشكال. فقال الشيخ: و كيف. قال:إننا صباحا كنا متحيرين في تهيئة اللحم للغداء هذا حتی عثر الشرطة بغنّام و معه رأسان من الغنم فأخذناها منه جبرا و طبخناهما لكم يا سماحة الشيخ وضحك هو أصحابه و أفراده مستهزئين، و هنا لوحظ أن الشيخ لم يتوقف عن الأكل ولا لحظة و استمر حتی انتهی الغداء، فالتفت الشيخ الی الوالي قال: و أين صاحب الأغنام؟ قال الوالي: هو في الحبس. قال: عليّ به. فجاءوا به و صاحب الغنم لا يعرف الشيخ، فالشيخ ضيف من العراق فلما جاءوا به ساله الشيخ: يا هذا ما قضيتك؟ قال: أنا غنّام و سمعت أن زعيم الطائفة قدم من النجف الاشرف يزور البلد فأخذت له رأسين من غنمي هدية له و ترحيبا به فأخذها الشرطة مني عنوة و قسرا،و لما عارضتهم زجوني بالحبس، و هنا يلتفت الشيخ الی الوالي و أمام الحضار قائلا :أذاً انت تأكل المغصوب لا انا وهذه اغنامي و انت اغتصبتها و انكشف و الحمدالله من هو الذي يأكل المغصوب. فخجل الوالي و خزي هو و جماعته و الشيخ يردد هذه الآية:(ومن يتوكل علی الله فهو حسبه)(1)ثم

أعتذر الوالي من صاحب الاغنام وعرّفه بان الشيخ هو الضيف القادم من العراق و رحب به و شكره.

ص: 135


1- - الطلاق3

و من خطواته الإصلاحية و الجهادية خطبه و تحرّكه حينما تعرضت مدينة النجف الاشرف الی الهجوم من اعداء أهل البيت(علیهم السلام) و هم أهل البوادي و الأعراب فقاومهم بشدة و جنّد الناس و أطاعه الكل.كما أن له موقفا تاريخيا و جهاديا و هو توسطه بين الاتراك العثمانيين و القاجاريين في عهد فتحعلي شاه القاجاري، و ذلك حينما استعرت الحرب و أسر الكثير من العثمانيين و توسل العثمانييون به و كانوا يجلونه و يكبرونه، و شكره السلطان العثماني سليمان باشاكهيا...

ص: 136

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109