مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 11

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلاممجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة الرابعة: العدد الحادي عشر1390 هجرية شمسية1433 هجرية قمرية

مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي. موقعنا علی الانترنت:

ص: 1

الفهرس

كلمة التحرير...3

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...4

المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...13

الشيعة الإمامية وفكرة التفويض آية الله الشيخ جعفر السبحاني...23

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...31

السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ الاستاذ السيد جعفر سيدان...40

روائع من الأدب الإسلامي من ديوان ابي طالب عليه السلام...51

موقف اصحاب الائمةعلیهم السلام) والعلماءمن الفلسفة والعرفان...54

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...56

بحث حول حرمة الموسيقی آية الله السيد علي الاشكوري...64

ابن عربي عارف ام ملحد ؟الاستاذ علاء فيصل...71

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...76

اطلالة علی علم الكلام حيدر الوكيل...83

وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...89

الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوكيل...99

هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني...102

حديث الكساء في مصادر العامة...109

هل المولوي سني ام شيعي؟اية الله المدرسي اليزدي...123

فتاوی العلماء حول الشاعر المولوي الرومي...127

خروج الامام الحسين (علیه السلام) من مكة الی العراق...129

صعصعة بن صوحان العبدي من اصحاب امير المؤمنين(علیه السلام)...134

ص: 2

كلمة التحرير

هل الفلسفة علم ام دين؟

قد يتصور الكثيرون ان الفلسفة علم يهتم بالامور العقلية وان من يخالف الفلسفة مخالف للعقل والمنطق وكذلك الكلام بالنسبة الی العرفان فان الكثيرين يتصورون ان العرفان يعني اعلی درجات معرفة الله جل وعلا ولا يخفی ان الغرض من مجلتنا هذه هو كشف الحقيقة فهل الحقيقة ان العرفان يراد منه معرفة الله وهل ان الفلسفة يراد منها البرهان علی تلك المعرفة ؟ام ان الحقيقة شئ اخر وان العرفان لا يراد منه معرفة الله تعالی بل المراد منه تلبيس الحقيقة وانكار الله جل وعلا ومحاربة الدين تحت غطاءالدين وهكذا الفلسفة فهي ليست علما او طالبة للعلم والبرهان بل ماهي الا عبارة عن الديانة اليونانية والعقيدة الاغريقية وجاءت الفلسفة لتستدل علی تلك العقيدة الباطلة والمشركة ؛اقول لو كانت الحقيقة كما بينا فما هي وظيفة المخلصين من ابناء الامة الاسلامية وما هي وظيفة الحوزة العلمية وعلماوءها؟فهل يصح السكوت والجلوس مكتوفي اليدين امام فاجعة كهذه الفاجعة التي جاءت الی الدين من اساسه؟

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيتعلیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 3

مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)

في تفسير قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعواالرسول وأولي الأمر منكم ) (1)

في غاية المرام : ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن ابن أذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس ، قال : سمعت عليا صلوات الله عليه يقول :وأتاه رجل فقال له : أدنى ما يكون به العبد مؤمنا ، وأدنى ما يكون به العبدكافرا ، وأدنى ما يكون به العبد ضالا ؟ فقال : قد سألت فافهم الجواب :أما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرف (2)الله تبارك وتعالى نفسه فيقر له بالطاعة ، ويعرف نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيقر له بالطاعة ، ويعرف إمامه وحجته في أرضه ، وشاهده على خلقه ، فيقر له بالطاعة ، قلت : يا أمير المؤمنين[ عليه السلام ] : وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت ؟ قال : نعم إذا أمرأطاع ، وإذا نهي انتهى .وأدنى ما يكون به كافرا من زعم أن شيئا نهى الله عنه أن الله أمر به ونصبه دينا يتولى عليه ، ويزعم أنه يعبد الذي أمره به ، وإنما يعبد الشيطان .وأدنى ما يكون العبد به ضالا ، أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى ،وشاهده على عباده الذي أمر الله عز وجل بطاعته ، وفرض ولايته ، قلت : ياأمير المؤمنين صفهم لي ، قال : الذين قرنهم الله تعالى بنفسه وبنبيه فقال :(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فقلت :يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - أوضح لي ، فقال : الذين قال رسول الله في آخر خطبته يوم قبضه الله عز وجل إليه : ( إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا

ص: 4


1- - النساء : 57 .
2- - في المصدر : يعرفه الله . . . ويعرفه نبيه . . . ويعرفه إمامه . . . .

بعدي إن تمسكتم بهما ، كتاب الله عز وجل ، وعترتي أهل بيتي ، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلى أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض – وجمع بين مسبحتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين المسبحة والوسطى فتسبق إحداهما الأخرى - فتمسكوابهما لا تزلوا ، ولا تقدموهم ، فتضلوا ) (1)والروايات في هذا المعنى من طريقنا مستفيضة ، بل كادت أن تكون متواترة ، (2)وأما من طريق العامة فقد ذكر في غاية المرام أربع روايات .(3)

وينبغي التنبيه على أمور يتضح بها عدم صدق عنوان أولي الأمرإلا على مولانا أمير المؤمنين وذريته الطيبين سلام الله عليهم أجمعين ، ودلالةالآية الكريمة على إمامتهم وخلافتهم عن الله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) غاية الاتضاح.

الأول : إن عنوان أولي الأمر إنما يصدق على من كان صاحبا للأمر واقعا ، لا من كان متغلبا على الأمر من دون حق كما أن صاحب المال إنما هومالكه ، لا من في يده غصبا أو سرقة ، وأولي الألباب من كان ذا عقل واقعا لامن تظاهر أنه ذو لب وليس به .والحاصل أن صحابة الشئ إنما هو بثبوته له واقعا ، لا بالاستظهاروالادعاء - كما هو ظاهر - فصحابة الأمر إنما تحقق بكونه حقا له ، ولا يكون حقا له إلا بثبوت ولاية الأمر له.

والثاني : إن ولاية الأمر ذاتا وابتداء إنما هو للخالق تعالى شأنه ، لأن ولايته تعالى شأنه منتزعة من خلقه تعالى ، وتكوينه إياهم ، وأما الخلق فلا ولاية لبعضهم على بعض ذاتا ، وإنما تثبت الولاية لبعضهم على بعض آخر بجعله تعالى ، والانتهاء إلى أمره عز وجل ، لأن ما بالغير لا بد وأن ينتهي إلى ما بالذات ، ولا يعقل أن تحصل الولاية من قبل تولية بعضهم بعضا ، لأن المولى فاقد للولاية في حد نفسه ، فكيف تثبت الولاية لغيره من قبله .

ص: 5


1- - الكافي 2 / 414 . غاية المرام ص 266 .
2- - راجع غاية المرام ص 265 - 268 ففيها 14 حديثا من طريقنا .
3- - غاية المرام ص 264 .

ذات نايافته از هستى بخش * كي تواند كه شود هستى بخش

أي أن فاقد الشئ كيف يكون معطيا.والثالث : إن وجوب الإطاعة يدور مدار الولاية ، ضرورة أنه مع عدم ولاية الأمر على المأمور لا يستحق الطاعة ، فاستحقاق الطاعة إنما هو من شؤون الولاية ، ولا يقوم مقامها صفة أخرى ، حتى العصمة ، فإنها إنماتوجب تصديق قوله ، وإن ما قاله صدق وحق ، فلو قال من ثبتت عصمته إني أولى بالأمر ، يجب علينا تصديقه بالولاية ، وبعد ثبوتها بقوله يجب علينا إطاعته فيما أمر به ونهى عنه ، ولا حاجة في إثبات وجوب إطاعته إلى أمر آخر بعد ثبوت ولايته ، لأن وجوبها حينئذ مما يستقل به العقل ، وما وردفي الشرع من وجوب إطاعته تأكيد لحكم العقل ، وإرشاد إليه.

والرابع : إن ثبوت الولاية من قبل التولية فرع ثبوت الولاية للمولى وإلا لم ينفذ توليته ، فوجوب إطاعة الولي حينئذ إنما هو بالنسبة إلى غيرالمولى ، ولا يعقل ثبوت الولاية على نفس المولى بتوليته ، حتى يجب عليه إطاعة الولي من قبله عليه ، بل يجب على الولي أن لا يخالف من حدود ما ولاه عليه ، فهو تحت طاعة من ولاه الأمر ، لا أن من ولاه الأمر تحت طاعته.

والخامس : إن الولاية على قسمين : مطلقة ومحدودة .والولاية التامة المطلقة إنما تكون لله تعالى شأنه ، لأن منشأ انتزاع علقةالمولوية والعبودية بينه تعالى شأنه وبين عباده هو خلقه تعالى ، وتربيته إياهم ، ومن المعلوم أن المخلوق والمربوب يرجع بكله إليه عز وجل ، فلا يعقل حينئذ حصر وتحديد في الولاية ، وإلا لزم أن يستقل الممكن في بعض جهاته ،وهو مناقض لإمكانه ، ولا تثبت الولاية المطلقة لأحد من المخلوقين إلا بالاستخلاف عنه تعالى شأنه ، فثبوت هذا النحو من الولاية لنبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث قال عز من قائل : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )(1)كاشف عن ثبوت الخلافة الكبرى له (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عنه تعالى شأنه .وأما الولاية المحدودة فيجوز ثبوتها من قبل الاستخلاف عنه تعالى شأنه ، كولاية القيم من قبل الحاكم الشرعي في أمر الصغير ، أو من قبل أسباب

ص: 6


1- - الأحزاب : 6 .

أخر ، كولاية الأب على ابنه الصغير ، والمستأجر على أجيره ، والزوج على زوجته ،المنتزعة من علقة الأبوة والبنوة ، والزوجية ، وعقد الإجارة .والولاية في جميع الصور مجعولة بجعل الشارع ابتداء وتبعا لتقريرموضوعها ، ولكن يختلف منشأ انتزاعها باختلاف الموارد ، فقد يكون منشأ الانتزاع الاستخلاف عنه تعالى شأنه ، وقد يكون المنشأ أسباب أخر .إذا اتضحت لك هذه الأمور فقد اتضح لك أنه لا تحديد في وجوب إطاعته تعالى شأنه ، ولا في وجوب إطاعة رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مطلقة غير محدودة .

بيان ذلك : أنه لو قال تعالى شأنه : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا أولي الأمر منكم ، ولم يقيده بقيد لكان ظاهرا في الاطلاق والعموم ، كما هوظاهر ، ولكنه تعالى شأنه صدر الكلام بإطاعة نفسه ، وإطاعة رسوله المطلقتين بالضرورة ، وعطف عليه أولي الأمر من غير تقييد تأكيدا لإفادةالاطلاق ، وتصريحا به ، وهذا معنى قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام روحي فداه ، الذين قرنهم الله تعالى بنفسه ونبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وحيث إن هذه المرتبة من الولايةالتامة لا يعقل ثبوتها لأحد من الخلق إلا أن يكون قرينا لرسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في العلم بما في الكتاب كله ، والعصمة والطهارة ، تعين أنها ليست إلا لمن أخبرالنبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عنهم ، بأنهم المتصفين بهما ، ولذا قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعد طلب السائل الايضاح : الذين قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر خطبته إلى آخر كلامه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) .

ثم اعلم أنه ليس معنى قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر خطبته أنه لم يقل ذلك إلا في آخر خطبته ، لوضوح أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أخبر به تكرارا في مواضع متعددة ، ومواطن كثيرة ، يوم الغدير وغيره من المواضع ، كما يشهد به روايات الفريقين ، بل معناه أن ذكره (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر خطبته تأكيدا لما بينه من قبل ، دفعا لتوهم من يتوهم أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عدل عنهم إلى غيرهم .وما نسب إلى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من أنه قال ، بعد ذلك : " إنا أهل بيت اصطفاناالله تعالى ، واختار لنا الآخرة على الدنيا ، فإن الله لم يكن ليجمع لنا- أهل البيت - النبوة والخلافة ) تكذبه الرواية الشريفة أولا ، وقولالخليفةالأول : أقيلوني ولست بخيركم وعلي فيكم (1)ثانيا : إذ لو كان الخبر صدقالم يكن لاستقالته عن

ص: 7


1- - غاية المرام ص 549 .

الخلافة بملاحظة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مجال ، وصنع الخليفة الثاني في الشورى ثالثا ، حيث أدخل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى ، وجعله من الستة الذين يصلحون للخلافة ، وأن الخلافة كالنبوة من الشؤون الدينية لا الدنيوية رابعا ، ضرورة أن نصب الخليفة كبعث النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إنما هو لهداية الأمة ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، لا لمجرد السلطنةوالرئاسة .

وبعد ما تبين لك أن المراد من أولي الأمر في الآية الكريمة من كانت له الولاية المطلقة كولاية الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بشهادة السياق ، وإطلاق الكلام ، تبين لك أن تفسيره بسلاطين الإسلام ، أو القضاة المنصوبة من قبلهم ، أو أمراءالجيش ، وهكذا ، من الخرافات التي نسجها المفسرون بالرأي غلط بين .

وأما تفسيره بالعلماء ، كما عن بعضهم مستدلا عليه بقوله تعالى :( ولو ردوه إلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (1)فهو حق إن أريد بهم أهل بيت النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الذين قرنهم بالكتاب وتركهما في أمته وأمر بالتمسك بهما كما ورد عنهم عليهم السلام : نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ، (2)وإن أريد به مطلق العلماء فهو باطل أيضا ، لاختصاص الولاية المطلقة بأهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وجعلهم ورثة الكتاب .

وبما بيناه تبين أنه لا يعقل تأثير بيعة الرعية مع واحد منهم في صيرورته ولي الأمر مفترضا طاعته عليهم ، لأن رقبة الرعية مشدودة بحبل الإمامة وولاية الأمر ، وليس الحبل بأيديهم ، وإنما هو بيد من له الأمر ، وهو الله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالاستخلاف عنه تعالى شأنه . ومن الواضح أنه لا اختيار لمن في رقبتهالحبل ، ولا تأثير لبيعتهم مع واحد منهم ، إلا الإباق والخروج عن تحت طاعة ولي الأمر ، الذي نصبه الله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ولو فرض أن لهم الولاية على ذلك للزم افتراض طاعتهم على من ولوه هذا الأمر وبايعوه ،لا افتراض طاعته عليهم ، لأن ولايته حينئذ فرع ولايتهم،

ص: 8


1- - النساء : 83 .
2- - الكافي 1 / 34 .

وتابعة لها.

ومن الواضح البين أنه لا تجب طاعة الفرع على الأصل ، وإنما تجب طاعة الأصل على الفرع ، ولذا يجب طاعة الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على الإمام القائم مقامه لإطاعته على الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

فإن قلت : مقتضى ما ذكرت عدم ثبوت الولاية للزوج على زوجته ،والمستأجر على أجيره ، لأن ولايتهما متفرعة على ولاية الزوجة والأجير على أنفسهما وإعطائهما الولاية للزوج والمستأجر بسبب اختيارهما عقد التزويج والإجارة.

قلت : عقد التزويج والإجارة وهكذا ، من العقود الشرعية من جهات المتعاقدين وشؤونهما ، وهما المرجع فيها ، فإذا اختارا عقدا من العقود التي هما المرجع فيه حكم على كل منهما بما يقتضيه ، وثبت لكل منهما الولاية على الآخر حسبما يوجبه ، فيستحق الزوج التمتع من زوجته ، كما تستحق

النفقة عليه ، ويستحق المستأجر استيفاء المنفعة من أجيره ، كما أنه يستحق وجه الإجارة في ذمة المستأجر ، فالولاية المستتبعة من العقود تابعة لها ، فإذا تحقق عقد في الخارج تحققت الولاية لكل من المتعاقدين ، حسبما يقتضيه العقد .والبيعة لا تقتضي ثبوت الولاية على المبايعين ، لأن مرجع هذه البيعةإن كانت إلى استخلاف أبي بكر عن المسلمين فهي لا تقتضي وجوب طاعته عليهم ، ضرورة عدم وجوب طاعة الخليفة على المستخلف ، وإن كانت إلى استخلافه عن الله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فليس لهم هذا الاستخلاف لأنه ليس من شؤونهم وجهاتهم .

فإن قلت : للناس الولاية على أنفسهم في الشرع ولذا ينفذ تقريرهم ومعاملاتهم وعهودهم ، ومن جملتها البيعة مع واحد منهم ، وأي دليل على خروج خصوص البيعة من العهود التي تنفذ عليهم بعد إيجابها على أنفسهم، وإذا نفذت البيعة وجبت الطاعة .قلت : البيعة بمنزلة القبض والإقباض ، فإن كانت عن استحقاق كبيعة الرعية مع من نصبه الله تعالى إماما ، وجعله قيما عليهم نفذت ووجبت الطاعة ، وإلا ألغيت وبطلت ، فالمبايعون مع أبي بكر إن أرادوا منها عقدالاستخلاف ، فقد ظهر بطلانه ، وإن أرادوا مجرد عقد البيعة من دون استخلاف ونحوه فبطلانه أوضح وأظهر ، لأن البيعة المجردة

ص: 9

من دون عنوان لا توجب الطاعة .بل التحقيق أن نفوذ البيعة مسبوق بوجوب الطاعة دائما ، لا أنه من أحكام البيعة كما توهم ، ضرورة أن البيعة مع من لا يستحقها لا توجب الطاعة ، ووجوب الطاعة - مع البيعة مع من يستحقها سابق على البيعة ،ونفوذها حينئذ إنما هو من آثار وجوب الطاعة .

فإن قلت : لعله فوض إليهم تعيين الإمام والخليفة من قبل النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فينفذ أمرهم فيه من جهة التفويض ، لا من جهة ولايتهم على أنفسهم ، كمافوض أحيانا تعيين إمارة الجيش إلى المسلمين بعد قتل الأمير المنصوب .

قلت : الإمامة الكبرى ، والخلافة العظمى ، وهي الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا من الشؤون العظيمة التي لا ينالها شأن النبوة وتتوقف على العصمة ، وعلم الكتاب كله .والعصمة من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا عالم السرائر ، فكيف يجوز للحكيم تعالى شأنه أن يفوضها إلى اختيار الأمة الجاهلين بمواقعهاوحدودها ، وهل هذا إلا إهمال وإخلال بالحكمة ! ! تعالى الله عنه علواكبيرا ، مع أنه لم يدل دليل على التفويض ، ولم يدعه الخصم ، وإنما زعمواأنه لم ينص على أحد .

ثم إن الآية الكريمة كما تدل على أن الله تعالى نصب للأمة ولي الأمربعد رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث أمر بطاعته وقرن طاعته بطاعته وطاعة رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، تدل على تعدده، وعدم انحصاره في فرد واحد ، حيث عبر بصيغة الجمع .

ثم اعلم أن بعض المتجددين من أهل السنة أنكر دلالة الكتاب والسنة على وجود الخلافة العظمى ، والإمامة الكبرى في دين الإسلام ، فقال :

(أما الكتاب فما يصلح منه أن يستدل به عليها قوله تعالى : يا أيهاالذين آمنوا أطيعواالله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " . (1)وأما

السنة فما يصلح منها أن يستدل به عليها ، فأخبار معدودة ، مثل ما روي عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) " الأئمة من قريش " ، (2)(

ومن مات

ص: 10


1- -النساء : 59 .
2- - مسند أحمد 2 / 129 و 4 / 421 .

وليس في عنقه بيعة ، فقدمات ميتة جاهلية " (1)وذكر

أخبارا يقرب منهما ، ثم ناقش في دلالة الآيةوالروايات - بعد تسليم صحة سندها - بوجهين :

أحدهما : أن وجوب الطاعة لا يدل على أن الخلافة حق ثابت في الدين ، وأن للخلفاء شأنا عنده تعالى ، فقال : أو لسنا مأمورين شرعا بطاعةالبغاة والعاصين ، وتنفيذ أمرهم إذا تغلبوا علينا ، وكان في مخالفتهم فتنةتخشى ، من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية البغي ، وجواز الخروج عن الحكومة .

وثانيهما : أنه لا يدل على وجوب نصبه علينا أو وجوده في الخارج ،وإنما يدل على حكم هذا الموضوع إذا وجد في الخارج ، فقال : أو لسنامأمورين بإكرام السائلين واحترام الفقراء ، فهل يستطيع ذو عقل أن يقول :ذلك يوجب علينا أن نوجد بيننا فقراء ومساكين .)

أقول : أما عدم دلالة الكتاب والسنة على وجوب نصب الإمام علينا فهو حق متين ، بل قد عرفت أن تأثير نصب الرعية في ثبوت الإمامة غيرمعقول ، وأما وجوده وأنه تالي الرسول ، فدلالة الآيات الكثيرة ، والروايات الصحيحة المتظافرة المسلمة بين فرق المسلمين عليه واضحة لائحة ، كما مرشطر يسير منها ، وسيأتي جملة منها إن شاء الله تعالى .

والحري الآن بيان دفع مناقشته في دلالة آية أولي الأمر ، والروايات التي ذكرها سندا ودلالة فأقول :

أما المناقشة في السند فلا مجال لها بعد وجود الروايات في الكتب المعتمدة .وأما دلالتها على ثبوت الإمامة في الدين - سيما الخبر الثاني – فواضحة ظاهرة ، إذ لو لم يكن إمام منصوب من قبله تعالى شأنه ووجبت معرفته والبيعة معه ، لم يكن لإطلاق القول ، بأن ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) مجال ، فإن هذا التعبير كاشف من أن الإمامة من أركان دين الإسلام ، بحيث يكون ترك البيعة مع متقلدها خروجا عن الإسلام ، ولوكان المراد بيان حكم موضوع إذا وجد في الخارج ،

ص: 11


1- - راجع البحار 23 / 94 وشرح صحيح مسلم للنووي 12 / 482

كما زعمه وجب حينئذ أن يقال : إذا تغلب رجل على المسلمين وخافوا الفتنة في مخالفته وجب عليهم البيعة معه .

وأما دلالة الآية الكريمة على الخلافة الكبرى والإمامة العظمى فقدظهرت بما بيناه من أن أولي الأمر إنما تصدق على من كان صاحبا للأمرواقعا ، وكان الأمر حقا له ، لا من تغلب على الأمر من دون استحقاق ،حتى يحتمل أن يكون وجوب طاعته من قبيل وجوب طاعة البغاة ، مع أن ذكر (منكم) بعد (أولي الأمر) يصرح بما بيناه ، إذ وجوب التحرز عن مخالفة المتغلب على الأمر الذي يخاف منه لا يختص بكونه من المؤمنين .

ومما بيناه تبين دفع شبهة أخرى ، فإن ولاية الأمر بهذا المعنى لا تتحقق إلا بالاستخلاف ونصبه تعالى شأنه ، فلو لم ينصبه الله تعالى شأنه للمؤمنين لم يأمرهم بإطاعته ، فأمره تعالى شأنه بإطاعته مقرونا بإطاعته وإطاعة رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دليل على نصبه لهم .

والتعبير بصيغة الجمع يدل على تعدده ، وعدم انحصاره في فرد واحد ، وحيث إن المستشكل من العامة وجرت عادتهم بإطلاق أولي الأمر على المتغلبين على الأمر وصرف التعبير عن محله الأصلي غفل عما بيناه ،مع وضوحه في حد نفسه .

ص: 12

المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني

العدد الخامس

التحقيق فيما تقدم من الجوابين عن شبهة الآكل والمأكول:

لقد ابدينا لحد الآن جوابين لشبهة الآكل والمأكول اقواهما ان اجزاء الانسان الاصلية لا تتغيّر ولا تتحول بمرور الزمان ولا تنتقل لبدن شخص اخر واذا ما صارت جزءا لبدن شخص آخر فمن اجزائه غير الاصلية (الفاضلة) ومع هذا الاحتمال فقد اندفعت شبهة الآكل والمأكول لانه احتمال معقول فهو دافع للاشكال بالبداهة والجواب الثاني الّذي ذكر لدفع الشبهة كان من الكتاب القيم (العقائد الحقة) للمرحوم آية اللَّه الخوانساري؛ وخلاصته:

انّ اللَّه جل وعلا يحفظ من مجموع بدن الانسان من يوم تكوّنه الى يوم وفاته بمقدار ما يتكون منه بدن واحد فلا ينتقل الى بدن شخص اخر واذا ما صار جزءا اصليا لبدن شخص اخر فان اللَّه سبحانه وتعالى يخرجه (ويرجعه الى صاحبه الاصلي) وهذا الجواب مقنع في الحقيقة إلّا انه حسب النظر يصطدم شيئا ما مع بعض الآيات والروايات الدالة على أنّ المحشور هو بدن الانسان حين الوفاة كما تقدم من مجي ء ذلك الكافر وبيده عظام احد الاموات وقال: (مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) وهي العظام حين الوفاة.

إلّا انه يمكن أن يقال ان هذا المطلب لا يتنافی مع الجواب المذكور وذلك لأنّ اللَّه سبحانه وتعالى اذا حافظ على هذا البدن (حين الوفاة) فيصح أن يقالانه تعالى حافظ من مجموع تحولات بدن الانسان في طول حياته على مقدار بدن واحد.

ص: 13

ثم ان اشكال الترجيح بلا مرجح الوارد على تكوين بدن واحد من مجموع بدن الانسان من بدوّ التولد والى حين الوفاة فيمكن جوابه ان المرجح هو الحفظ الالهي له.

جواب آخر عن شبهة الآكل والمأكول:

وقد اجيب عن شبهة الآكل والمأكول بجواب اخر وهو من جهات اقوى من الاجوبة السابقة وتوضيح هذا الجواب يتوقف على عدة مقامات.

المقدمة الأولى: ان ظاهر الآيات والروايات ان المحشور يوم القيامة هو بدن الانسان حين الممات والوفاة.

المقدمة الثانية: ان جميع ذرات بدن الانسان المتلاشي ترابا محفوظ عنداللَّه ولا تضيع تلك الذرات واللَّه سبحانه وتعالى قادر على جمع تلك الذرات.

المقدمة الثانية: ان الخلايا الحية لبدن الانسان تتبدل في كلّ سبع سنين إلاّ ان الخلايا المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلدة حافظة لآثار وخواص الخلايا القديمة ولاجل هذه العلة لا تتبدل الخصوصيات الجسمية للانسان من اللون والشكل والقيافة وباقي الكيفيات الجسمية بل تبقى ثابتة وعلى هذا الاساس فان بدن الانسان حين الموت يحمل كلّ الخصوصيات والخواص السابقة لذلك الانسان.

المقدمة الرابعة: ان الذرات المذكورة وبقدرة من اللَّه جل وعلا لها استعداد الرشد والنمو.

أقول: بعد ملاحظة هذه المقدمات الّتي بينّاها نقول ان الاجزاء الّتي انتقلت من بدن المأكول الى بدن الآكل لم تجتمع في مكان واحد من بدن الآكل بل هي متفرقة في كل بدن الآكل وذلك لأن الفرض انّ الآكل كان ذا بدن كامل قبل الأكل، ثم ان المأكول اما دفع واما لم يدفع واذا لم يدفع فسوف يكون جزءا لكل بدن الآكل لا انه يكون جزءا مستقلا في بدن الآكل كالعين مثلا أوالرجل فعلى هذه المقدمات نقول ان يوم القيامة الّذي تحشر فيه الابدان سوف ترجع تلك الاجزاء اجزاء المأكول الى بدن المأكول ولا يحصل ايّ نقص في بدن الآكل لان الفرض ان بدنه كان كاملا قبل الأكل نعم يضعف

ص: 14

شيئا ما الاّ ان اللَّه سبحانه قادر على رفع هذا الضعف من خلال الخلايا الحية بأن يجعلها تنمو.

والحاصل انّ الآكل والمأكول كليهما سوف يحشران بذلك البدن حين الوفاة وخروج بدن المأكول من بدن الآكل لا يوجب نقصا في بدن الآكل ولعل الآية الشريفة (ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(1))

ناظرة الى هذا المعنى والّذي يُلاحظ في ذيل الآيةالمباركة أنها لم تذكر ان الانسان حينما صار ترابا وجزءا لبدن شخص اخر ماذا سيحصل وماذا سيكون؟ فقد اوكلت القضية الى وضوحها. يقول جل وعلا: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ(2))

فنحن نعلم كيف ان بدن هذا الانسان يتحلل وكل هذه الذرات محفوظة عندنا واذا كان كذلك فانا نرجع الاجزاء المأكولة الى بدن المأكول ونعلم ما عليه البدن الثاني من وضع وحال.

فهل هذا الجواب يكفي في حل مسألة العذاب والثواب؟ وما هو مصير الاجزاء الّتي اصحبت جزءا لشخصين أو اكثر والّذي احدهما مطيع والآخر عاص فكيف يتم حل هذه الشبهة؟

وقد أجاب الأستاذ مكارم الشيرازي بجواب دقيق ولطيف(3).

الاّ انه ذكر شيئا قابلا للتأمل، يقول سماحة الاستاذ: (انه اذا بقي شي ء من بدن المأكول في بدن الآكل فلا يضر ذلك في الثواب والعقاب وذلك لانالتألم والتنعم انما هو نصيب الروح لا البدن) الاّ انك قد عرفت حسبما تقدم انه لا يكتفى بهذا الجواب بل لابد من استخراج كل ما للمأكول من بدن الأكل ولا حاجة لنا بهذا الجواب الاخير.

ص: 15


1- - ق 3
2- - ق 4
3- - پيام قرآن، شبهات المنكرين للمعاد الجسماني، 344/5و .345

والى هنا قد طرحنا اجوبة متعددة لشبهة الآكل والمأكول كان احسنها بحسب النظر الجواب الاخير لانه من جهات متعددة أكمل من باقي الاجوبة واجمع.

وعلى أي حال فيكفي في دفع الشبهة وجود احتمال واحد معقول ومع ملاحظة الآيات والروايات والّتي هي نصّ في المعاد الجسماني نفهم اجمالا امكان المعاد الجسماني ولو لم نستطع أن نعرف كيفيته ومن الممكن ايضا وجود احتمالات اخرى في دفع الشبهة لم نصل اليها وعلى كلّ حال فهذه الاحتمالات تحل لنا المشكلة وتدفع الشبهة.

ثمّ اننا ولو كنا على يقين من ان المحشور هو هذا البدن الترابي إلّا اننا لا نستطيع القول يقينا بأن الحشر سيكون بواحد من هذه الابدان وذلك لانه لم يصل الينا بذلك حديث وخبر قطعيّ لان هذه المسائل من الامور الغيبية الّتي ينحصر العلم بها عن طريق الادلة النقلية لذا فقد كان جوابنا في حد بيان الاحتمالات المعقولة والكافية لدفع الشبهة.

جواب الأستاذ مكارم حول شبهة الآكل والمأكول:

لقد ابدى سماحة الاستاذ مكارم جوابا مفصلا حول شبهة الآكل والمأكول وقد كان في آخر كلامه محذرا وناصحا:

وقد اتضح بما ذكرنا انّ المعاد الجسماني طبقا لظواهر آيات القرآن يكون مع هذا البدن المادي العنصري وعلى فرض الآكل والمأكول فليس من اشكال هنالك ايضا ولابد من ذكر هذه النقطة ايضا تأكيدا وهي ان قسما من منكري المعاد الجسماني لاجل التستر على ما يقولونه امام المحافل الاسلامية والآيات القرآنية الواضحة يعبرون بتعابير يظهر منها القول بالمعاد الجسمانيإلاّ أن الحقيقة انهم لم يتراجعوا عن قولهم بالمعاد الروحاني أو قولهم بالمعاد الجسماني بلا هذا الجسم المادي فقد يعبرون تارةً بالحسم النوعي ويقولون ان شخصية الانسان بروحه وهذه الروح بأيّ جسم تعلقت كانت ذلك الشخص واخرى يعبرون بالجسم البرزخي ويقولون ان المعاد يكون بتلك الاجسام

ص: 16

اللطيفة النورانية. وفي بعض الاحيان يقولون ان شيئية و وجود كلّ شي ء بصورته لا بمادته وانه اذا كانت الصورة موجودة فذلك الشي ء موجود، وقوام الصورة بالروح الانسانية وعلى هذا فأينما كانت الروح فالانسان موجود بتمام شيئيته و وجوده.

كلّ هذه التعابير تتنافى مع المعاد الجسماني الّذي نطق به القرآن الكريم مما تقدم من الآيات الكثيرة، وفي الحقيقة والواقع ان الاعتماد على كلمات عدة من الفلاسفة وعدم القدرة على حل مشكلة الآكل والمأكول كان هو السبب في ظهور هذه التعابير المتقدمة الّتي هي بعيدة كل البعد عن شأن العالم المسلم المعتقد بالقرآن الكريم.(1)

والّذي يقال كما قال بذلك اكابر العلماء: ان المستفاد من القرآن والحديث هو المعاد الجسماني بهذا البدن العنصري وكلما تفحصنا في الآيات والروايات المرتبطة بالمعاد فهذا هو الذي يستفاد منها لا غير ولقد كان الائمة المعصومون: يستفيدون من هذه الآيات في مقام البحث والمجادلة بالّتي هي احسن مع اولئك الّذين ينكرون المعاد الجسماني ويستشهدون بها لاثبات كيفية الحشر وعلى سبيل المثال نذكر رواية عن الامام الصادق ع الواردة في كتاب الاحتجاج وقد نقلها المرحوم الخوانساري في كتابه العقائد الحقة:

(عن الصادق (علیه السلام): واما الجدال بالتي هي احسن فهو ما امر اللَّه به نبيّه ص ان يجادل به من جحد البعث بعد الموت واحيائه (له) فقال حاكياعنه (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) فاراد من نبيّه ص أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم؟ قال (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) افيعجز من ابتدء لا من شي ء ان يعيده بعد أن يبلى؟ بل ابتداؤه اصعب عندكم من اعادته.

ص: 17


1- - پيام قرآن، شبهات منكران معاد جسماني، .347/5

ثمّ قال: (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً) اي اذا امكن النار الحارة في الشجر الاخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم انه على اعادة من بلى اقدر ثم قال (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ) - الآية، اي اذا كان خلق السموات والارض اعظم وابعد في اوهامكم وقدركم ان تقدروا عليه من اعادة البالي فكيف جوَّزتم من اللَّه خلق هذا الاعجب عندكم والاصعب لديكم ولم تجوّزوا منه ما هو اسهل عندكم من اعادة البالي).(1)

الامام الصادق ع في مقام بيان احسن انواع المجادلة والّتي أشار اليها القرآن الكريم يقول: ان من احسن انواع المجادلة هو ما أمر اللَّه به نبيه ص من المجادلة مع منكري المعاد الجسماني الذين يقولون كيف تحيى وتعود هذه العظام البالية والّتي أصبحت رميما الى الحياة مرة اخرى.

فان من جملة اساليب المجادلة بالتي هي أحسن هو الاستفادة من الامور المقبولة والمسلمة لدى الخصم كما في هذه الرواية من استدلال الرسول ص بهذا النحو مع منكري المعاد الجسماني، فالخلقة على نوعين: ابتدائية، وخلق الشي ء من شي ء اخر فالخلقة الابتدائية ليست من مخلوق سابق بل تكون من كتم العدم بمعنى أنها تملك الوجود بعد ما كانت معدومة ومثال هذا النوع كلّ ما سوى اللَّه جل وعلا فقد خلق اللَّه جل وعلا جميع المخلوقات (لا منشي ء) لا انه خلق الاشياء من مادة أو شي ء اخر ثم اجرى عليها تحولات بمقادير معينة حتى صارت هذه الخلقة بهذا الشكل المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد(2).

ص: 18


1- - العقائد الحقة، ص 290نقلا عن الاحتجاج فصل في ذكر طرف مما جاء عن النبي ص من الجدال... و ص21تفسير نورالثقلين، ذيل آيه 46سورة العنكبوت،.4/164
2- - سوف يأتي تفصيل هذه المباحث في بحث القدم والحدوث (مما سننشره ان شاء اللَّه) ان جميع المخلوقات خلقت لا من شي ء وكلّ هذه الموجودات كانت بعد العدم وسيعلم من خلال ذلك البحث بطلان كون العالم حادثا ذاتيا قديما زمانيا بل هو حادث ذاتا وزمانا وقد اكدت الروايات والادعية على ذلك كثيرا.

بعد هذه المقدمة نسأل منكري المعاد هل ان الخلق لا من شي ء اصعب وأشد أم خلق الشي ء من شي ء آخر؟ ولا شك أن الخلقة الابتدائية عند منكري المعاد اصعب وأشد من الاخر. وان كان كلمة الاصعب والاشد لا معنى لها بالنسبة للذات الالهية المقدسة فكل الاشياء كبيرها وصغيرها بالنسبة للَّه جل وعلا على حد سواء، فمع ملاحظة هذه المقدمة من كون المنكر يسلم كون الخلقة الابتدائية اصعب واشد نقول له: هل ان الخلقة الابتدائية اصعب من اعادة الانسان بعد ما صار ترابا أم الاعادة؟ ولا شك ان جوابه سيكون ان الخلقة الابتدائية بجعله موجودا بعد ما كان معدوما اصعب من اعادته للوجود مرة اخرى مع هذا البدن، فمع اعترافكم هذا نقول: كيف تنكرون المعاد الجسماني اذا، في حين ان هذه الاعادة عندكم اسهل من ايجاد الخلقة ابتداءا فاللَّه القادر على خلق الانسان من كتم العدم كيف لا يكون قادرا على اعادة الانسان مرة اخرى؟

فالامام الصادق (علیه السلام)يجيب على هذه الاسئلة في جملة واحدة ومختصرة (أفيعجز من ابتدأ لا من شي ء أن يعيده بعد أن يبلى) وكلمة (بعد أن يبلى) الّتي تكررت في هذه الرواية لا تدع ولا تبقي شكا لاحد أنّ رؤية مدرسة الوحي هي اعادة هذا البدن البالي من مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد وفيها من الوضوح والصراحة ما لا تقبل للتأويل والتوجيه.وحول المجادلة بالّتي هي أحسن فان طرح مسألة القدرة الالهية على خلق النار من الشجر الاخضر والرطب من اروع واحسن الاستدلالات حيث لا نجد اي تناسب وسنخية بين النار والشجر الاخضر الرطب بل هنالك تضاد بينها فاذا كان اللَّه جل وعلا قادرا على ذلك فكيف لا يكون قادرا على خلق بدن الانسان البالي من مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد!؟

وعلى هذا الاساس ومن باب المجادلة بالتي هي أحسن نقول لمنكر المعاد: هل ان خلق السموات والارض اصعب أم خلق الانسان من مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد بعد ما تلاشى بدنه؟ ولا شك أنه سيعترف بأن خلق نظام العالم الكبير اصعب في

ص: 19

نظره من خلق بدن صغير مضمحل وفي نهاية المطاف نقول لمنكر المعاد كيف تنكر المعاد الجسماني وتنكر رجوع الابدان الترابية وترى ذلك عجيبا في حين ان خلق السموات والارض اصعب واعجب؟ وكيف لا تنكر خلق السموات والارض والتي هي أصعب في نظرك وتنكر اعادة الانسان من هذا البدن المتلاشي وهو اسهل في نظرك؟

خلاصة الاجوبة عن شبهة الآكل والمأكول:

1- انّ لكلّ بدن اجزاءا اصليةً واجزاءا زائدة على ذلك وانّ الاجزاء الاصلية محفوظة لا تنتقل الى بدن شخص اخر كما ولا يلزم اعادة الاجزاء الزائدة.

2- ان الجسم المحشور يوم القيامة ليس هو الجسم العنصري والترابي وانما هو الجسم المثالي الّذي أوجدته النفس وانشأته الروح هذا هو جواب ملاصدرا وعليه فلا يبقي محل لشبهة الآكل والمأكول.

3- ان المحشور يوم القيامة انما هو بدن واحد من مجموع اجزاء الانسان الحاصلة من حين ولادته الى يوم وفاته واللَّه جل وعلا حفيظ وعليم لحفظ جسم واحد للانسان من مجموع اجزائه من حين الولادة الى حين الوفاة.4- ان الجسم المحشور يوم القيامة هو جسم الانسان حين الوفاة وان تلك الاجزاء الاخيرة للانسان سوف تبقى محفوظة لا تنتقل لجسم شخص اخر ولو انتقلت فانها سوف تخرج وتعاد الى صاحبها الاصلي هذا مع ملاحظة أنها لو انتقلت الى جسم شخص اخر فانها سوف لا تكون في نقطة خاصة من بدنه بل تتفرق في جميع بدنه وعند استخراجها من جسم الاكل واعادتها لجسم المأكول سوف لا يحصل نقص فى جسم الآكل وانما الحاصل هو مجرد ضعفه لا غير.

5- وهنالك جواب اخر لم نذكره من قبل وهو ان الانسان قبل أن يخلق في عالم الدنيا كان له وجود في عالم الذر وكان للانسان في ذلك العالم جسم

ص: 20

صغير وعقل وذلك البدن الذري غير قابل للتحول والتغير بل هو محفوظ وانه سوف يحشر يوم القيامة، وهذا الجواب يشبه الجواب الاول الى حد ما مع هذا الفارق وهو: ان الاجزاء الاصلية للانسان حين الولادة تكون محفوظة وفي هذاالجواب: انّ للانسان جسما في عالم الذر وانه محفوظ غير قابل للتبدل والتغير وحينئذ فكل ما يبقى من جسم الانسان الترابي متصلا يكون محافظا لجسمه الذري واذا لم يبق شي ء من جسم الانسان الترابي فلا مشكلة في البين وذلك لان اساس جسم الانسان هو الجسم الذري.

هذه هي الاجوبة التي اعطيت حول شبهة الآكل والمأكول وكان من بينها جواب المرحوم الخوانساري وهو جواب جيد ونذكر خلاصته مع توضيح منا:

ان جسم الانسان اخر العمر ان لم يصبح جزءا من بدن شخص اخر فهو الّذي سيحشر وان صار جزءً من بدن شخص اخر فسيحفظ اللَّه جل وعلا من مجموع اجسام الانسان من بدو التولد الى حين الوفاة مقدارا من جسمه ما يكون به جسمه. وذلك لان اللَّه جل وعلا يريد حشر نفس ذلك الجسم ثانيا لا غيره وهذا ما يتفق مع الاعتبارات العقلائية فان جميع تصرفات واعمال روحالانسان كانت مع ذلك الجسم فلذا فالمفروض أن يقع العقاب والثواب على ذلك الجسم لا غير.

وقد علم في نهاية المطاف رأي ملاصدرا حول حشر الاجسام وقلنا انه قائل بأنّ الحشر لا يكون مع هذا الجسم الترابي بل يعتقد ان الروح تنشأ وتوجد لنفسها جسما مثاليا ولا يخفى ان كلمات ملاصدرا مختلفة ففي بعض كتبه اصرّ على ان المحشور هو هذا البدن الترابي وحتى انه قسمّ الحشر الى نوعين: احدهما يتكون تدريجا وذلك في عالم الدنيا والاخر يتكون دفعة واحدة وذلك في عالم الاخرة إلّا ان اولئك الذين لهم اطلاع في كتبه يقولون ان مراده من الجسم هو الجسم المثالي.

ص: 21

هذا ولو اصر احد على ان ملاصدرا قائل بالمعاد الجسماني فنحن لسنا مصرين على انتساب القول بالصورة المثالية اليه بل يسرنا أن تقول الشخصيات البارزة بالمعتقدات الصحيحة والمطابقة للوحي إلّا ان كبار العلماء قالوا ان اخر نظريات ملاصدرا هي القول بالصورة المثالية ولاجل ذلك وردنا في تفصيل هذا البحث

ص: 22

الشيعة الإمامية وفكرة التفويض آية الله الشيخ جعفر السبحاني

ماذا يراد من التفويض؟

اتّفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له، والتفويض يتصور في أمرين:

1. تفويض اللَّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء، ويسمّى بالتفويض التكويني.

2. تفويض الشؤون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع، والمغفرة والشفاعة ممّا يعد من شؤونه سبحانه، ويسمّى بالتفويض التشريعي.

* أمّا القسم الأوّل

فلا شك أنّه موجب للشرك، فلو اعتقد أحد بأنّ اللَّه فوض أُمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والإماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أوصالحي عباده، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه، إذ لا يعني من التفويض، إلّا كونهم مستقلين في أفعالهم، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما

يريدون.

وبالجملة: فتفويض التدبير إلى العباد قسم من استقلال العبد في فعله وعمله عمّن سواه، سواء أكان ذاك الاستقلال في الأفعال الراجعة إلى نفسه كمشيه وتكلّمه، أم في الأفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه، غير أنّه لما كان زعم الاستقلال في أفعال الإنسان العادية بحثاً فلسفياً بحتاً لم يتوجه إليه مشركو الجاهلية، لذلك خصوا البحث بالاعتقاد باستقلالهم في تدبير العالم.

ص: 23

وإن أصبح الأوّل أيضاً مثار بحث ونقاش في العهود الإسلامية الأُولى، بحيث قسّم الباحثين إلى جبري وتفويضي.

والخلاصة: أنّ الأمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن اللَّه سبحانه، أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته، وليس التفويض أمراً ثالثاً، بل هو داخل في القسم الأوّل.

وأمّا الاعتقاد بأنّ القدّيسين من الملائكة والجن، أو النبي والولي مدبّرون للعالم بإذنه ومشيئته، وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلين فيما يفعلون، أو مفوّضين فيما يصدرون فلا يكون ذاك موجباً للشرك، بل أمره دائر- حينئذ- بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع كما في الملائكة، أو غلطاً مخالفاً للواقع كما في النبي والولي، فإنّ الأنبياء والأولياء غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب، بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النظم، ومعلوم أنّه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.

هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل، وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس، وقد مرّ أنّ عمرو بنلحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الأصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له:

هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا(1). وقد كان ثمة فريق من الحكماء يعتقدون بأنّ لكل نوع من الأنواع «رب نوع» فوض إليه تدبير نوعه، وسلمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن اللَّه ومن فعله تعالى، كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة والكواكب- سياراتها وثوابتها- إنّما كانوا يعبدونها، لأنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوّض إليها- كما في زعمهم- وإنّ اللَّه عزل عن مقام التدبير عزلًا تامّاً،

ص: 24


1- - سيرة ابن هشام: 1/ 79. وقد مر مفصل هذه القصة في الفصل الثامن: 382 من هذا الكتاب.

فهي مالكة التدبير دون اللَّه، وبيدها هي دونه ناصية التصرّف، ولهذا كان يعتبر أيُّ خضوع يجسد هذا الإحساس عبادة، وسيوافيك عقائد العرب الجاهليين حول معبوداتهم.

* القسم الثاني من التفويض

إذا اعتقدنا بأنّ اللَّه سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شؤونه كالتقنين والتشريع، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع اللَّه، وجعلناه نداً له سبحانه، كما يقول القرآن الكريم:

«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ»(1). ولا ريب أنّ الموجود لا يقدر أن يكون نداً للَّه سبحانه، إلّا إذا كان قائماً

بفعل أو شأن من أفعال اللَّه وشؤونه سبحانه «مستقلًا» لا ما إذا قام به بإذن اللَّه وأمره، إذ لا يكون عند ذاك نداً للَّه، بل يكون عبداً مطيعاً له، مؤتمراً بأمره، منفذاً لمشيئته تعالى، هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهلييناعتقاد فريق منهم بأنّ اللَّه فوّض حق التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم:

«اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ»(2). وانّ اللَّه فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة باللَّه إلى أصنامهم ومعبوداتهم، وأنّ هذه الأصنام والمعبودات مستقلّة في التصرّف في هذه الشؤون ولأجل ذلك كانوا يعبدونها، لأجل أنّها شفعاؤهم عند اللَّه، وبأيديها أمر الشفاعة كما يقول سبحانه:

«وَيعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ»(3). ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلّا بإذن اللَّه، فلو كان

ص: 25


1- -[2] البقرة: 165.
2- - التوبة: 31.
3- - يونس: 18.

المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن اللَّه لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين، أيُّ مبرر، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الأصنام، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم، لا أنَّها خالقة لهم أو مدبّرة للكون، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى اللَّه، إذ قالوا:

«مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى»(1).

* الشيعة الإمامية وفكرة التفويض

لقد شدد علماء الشيعة الإمامية- اقتداءً بأئمتهم- النكير على كل من يقول بالتفويض، وعدّوا قائله مشركاً وخارجاً عن ربقة الموحّدين المسلمين.

فها هو العلّامة المجلسي قد عقد- في موسوعته المسمّاة ب «بحار الأنوار»- باباً خاصاً أسماه «باب نفي الغلو في النبي والأئمّة وبيان معاني التفويض» سرد فيه مجموعة كبيرة من أحاديث أهل البيت عليهم السلام التي استنكروا فيها قول من يعتقد بالتفويض فيشأنهم، أو في شأن أحد من عباد اللَّه، كما سرد بعض أقوال علماء الشيعة كالصدوق والمفيد رحمهما اللَّه.

وإليك بعض الأحاديث أوّلًا:

1. في عيون أخبار الرضا، قال الراوي: سألت الرضا (الإمام علي بن موسى) عليه السلام عن التفويض؟ فقال:

«الغلاة كفّار، والمفوّضة مشركون، من جالسهم، أو واكلهم، أو شاربهم، أو واصلهم، أو زوّجهم، أو تزوّج منهم، أو أمنهم، أو ائتمنهم على شي ء، أو صدّق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة، خرج من ولاية اللَّه عزّ وجل وولاية الرسول، وولايتنا أهل البيت»(2).

ص: 26


1- - الزمر: 3.
2- - عيون أخبار الرضا: 325.

2. في عيون أخبار الرضا، قال الإمام عليه السلام:

«من زعم أنّ اللَّه فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالتفويض مشرك».

وهناك أحاديث أُخرى صريحة وقاطعة ذكرها، ونقلها المجلسي في البحار، فمن شاء التوسع فليراجع الجزء 25 من الصفحة 261 إلى الصفحة 350.

ثم إنّ العلّامة المجلسي ذكر ما قاله عالمان كبيران من قدامى علماء الإمامية وأعلامهم حول التفويض، وها نحن نذكر ما قالاه- هنا-:

قال الشيخ الصدوق- رحمه اللَّه- في كتابه: الاعتقادات:

اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفار باللَّه- جل جلاله- وانّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس، والقدرية والحرورية، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة، وانّه ما صغَّر اللَّه جلّ جلاله تصغيرهم شي ء، وقال اللّه تعالى: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوارَبّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»(1).

وقال عزّ وجل:

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»(2). ثم أضاف الشيخ الصدوق قائلًا: «وكان الرضا (علي بن موسى) عليه السلام يقول في دعائه: «اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوّة، فلا حول ولا قوّة إلّا بك. اللّهم إنّي أبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق. اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللّهم لك الخلق ومنك الأمر وإيّاك نعبد وإياك نستعين اللّهمّ أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين اللّهم لا تليق الربوبية إلّا بك، ولا تصلح الإلهية إلّا لك، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك، والعن المضاهئين لقولهم من بريتك، اللّهمّ انّا عبيدك

ص: 27


1- - آل عمران: 79 و 80.
2- - النساء: 171.

وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنَّ إلينا الخلق وعلينا [أو إلينا] الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى، اللّهم انّا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون ولا تدع منهم على الأرض دياراً، إنّك إن تذرهم يضلُّوا عبادك ولا يلدوا إلّا فاجراً كفارا».

وروي عن زرارة إنّه قال: قلت للصادق [جعفر بن محمد] عليه السلام: إنّ رجلًا يقول بالتفويض، قال: «وما التفويض؟» قلت:

يقول: إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً صلوات اللَّه عليهما ففوّض [ثم فوض] الأمرإليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا!! فقال عليه السلام: «كذب عدو اللَّه، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد: «أَمْ جَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاءَخَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَالْخَلقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَي ءٍ وَهُوَ الواحِدُ القهار»(1). يقول زرارة: فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بكل شي ء فكأنّه أُلقم حجراً(2).

وقال الشيخ المفيد- رحمه اللَّه- في كتابه «تصحيح الاعتقاد» في شرح كلام الصدوق المتقدم: الغلو في اللغة هو تجاوز الحد والخروج عن القصد، قال اللَّه تعالى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ»(3)، فمنع عن تجاوز الحد في المسيح وحذر من الخروج من القصد في القول، وجعل ما ادّعته النصارى غلواً لتعدّيه الحق على ما بيّنّاه، والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين [علياً] والأئمّة من ذريته إلى الإلهية والنبوة ووصفوهم بالفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا من القصد، وهم ضلّال كفّار، حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمّة عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام.

ص: 28


1- - الرعد: 16.
2- - اعتقادات الصدوق: 109- 110.
3- - النساء: 171.

والمفوّضة صنف من الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة: اعترافهم بحدوث الأئمّة، وخلقهم، ونفي القدم عنهم، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم ودعواهم أنّ اللَّه تعالى تفرّد بخلقهم خاصة، وانّه فوض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال».

ثم قال الشيخ المفيد رحمه اللَّه: ويكفي في علامة الغلو نفي القائل به عن الأئمّة: سمات الحدوث، وحكمه لهم بالإلهية والقدم، إذ قالوا بما يقتضي ذلك من خلق أعيان الأجسام واختراع الجواهر(1). ثم إنّ المجلسي- رحمه اللَّه- نفسه قال في شرح معاني التفويض ما نصه: وأمّا التفويض فيطلق على معان بعضها منفي وبعضها مثبت:فالأوّل: التفويض في الخلق والرزق والتربية، والإماتة والإحياء، فإنّ قوماً قالوا: إنّ اللَّه تعالى خلقهم [أي الأئمّة] وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون.

وهذا الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يقال: أنّهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم، وهم الفاعلون حقيقة، وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية، ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.

وثانيهما: انّ اللَّه يفعل ذلك [الخلق والرزق إلى آخره] مقارناً لإرادتهم كشق القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات، فإنّ جميع ذلك إنّما يحصل بقدرته تعالى مقارناً لإرادتهم لظهور [أي لأجل إثبات وإظهار] صدقهم، فلا يأبى العقل عن أن يكون اللَّه خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم ثمّ خلق كلّ شي ء مقارناً لإرادتهم ومشيئتهم.

ثم قال: وهذا الوجه وإن كان العقل لا يعارضه كفاحاً، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به في ما عدا المعجزات ظاهراً، بل صراحة، مع أنّ القول به قول بما لا يعلم، إذ

ص: 29


1- - تصحيح الاعتقاد للمفيد: 63- 66.

لم يرو ذلك في الأخبار المعتبرة في ما نعلم(1). ثم قال في معرض تفسيره لقول اللَّه «قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْ ءٍ»(2): يدل هذا على عدم جواز نسبة الخلق إلى الأنبياء والأئمّة، وكذا قوله: «هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْ ءٍ»(3)

فإنّه يدل على عدم جواز نسبة الخلق، والرزق والإماتة والإحياء إلى غيره سبحانه وإنّه شرك.ثم قال ودلالة تلك الآيات على نفي الغلو والتفويض بالمعاني المذكورةظاهرة، والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصى، إذ جميع آيات الخلق ودلائل التوحيد و الآيات الواردة في كفر النصارى وبطلان مذهبهم دالة عليهم (أي على المفوضة)(4).(5)

ص: 30


1- - فما أبعد بين ما ذكره ذلك الوحيد الغواص في بحار علوم أهل البيت، والغلو المزعوم الذي ربما ينسب إلى مشايخنا وحفّاظ علوم أئمتنا رضوان اللَّه عليهم.
2- - الرعد: 16.
3- - الروم: 40.
4- - راجع بحار الأنوار: 25/ 320- 350.
5- - مفاهيم القرآن، ج 1، ص: 470 -- 478

الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد الرابع

إستدراك:

ذكر الأستاذ محمد تقي مصباح في تعليقته علی نهاية الحكمة للسيد الطباطبائي مانصه: (1)« و إنما النزاع في أنه بعد قبول الوجود المحمولي، و الإعتراف بصحّة القضايا الهلية البسيطة، و بعد قبول أن حيثية الوجود غير حيثية الماهية؛ حيث أن الماهية لا يوجد في نفسها حيثية التحقق، و لذا يمكن سلب الوجود عنها. و بعد قبول تعدد الحيثية إنما هو في الذهن، و إلا فلا يوجد في الخارج حيثيتان متمايزتان تكون إحداهما بأزاء مفهوم الماهية، و الاخری بأزاء مفهوم الوجود. و إن زيادة مفهوم الوجود علی الماهية إنما هي في الذهن... أقول: بعد قبول هذه المقدّمات الثلاث يقع النزاع ...في الأصيل منها».

قلت: لقد أحسن الأستاذ مصباح في تقرير المطلب، و توضيح مفرداته و مختلف الإصطلاحات الموجودة. لكّنه في نفس فرضه هذا؛ لا معنی لوقوع النزاع في أيهما الأصيل، و ذلك لأنه فرض أن الماهية لا توجد في نفسها حيثية التحقق؛ و مراده هو الماهية، بمعنی القالب الذهني، و الحدّ المُنتزَع من الشيء، أو فقل صورة الشيء و مفهومه الذي يتصوّر مع قطع النظر عن وجوده و عدمه. و لا شكّ حينئذٍ باعتبارية هذا المعنی المفروض، و لا معنی لأن يسأل: «هل لمفهوم الوجود حقيقة عينية في الخارج بأزاء هذا المفهوم بحيث تكون هي المتصفة به ذاتاً و بلا واسطة في العروض، أو ليس

ص: 31


1- 2- تعليقة علی نهاية الحكمة:34.

في الخارج إلا الماهيات؟». لأنه يسمي التحقق الواقع في الخارج وجوداً؛ كما صرّح بذلك في تشخيصه لاصطلاحات الوجود؛ إذ قال: « إن المراد من الوجود نفس الحقيقة العينية». فإذا كان كذلك؛ فأي معنی للبحث عن إصالة الوجود بعد فرض أن الأصيل هو الوجود. و من هنا نقول للاستاذ: هذه مغالطة واضحة.

و قد تعرّض السيدالطباطبائي لإبطال قول الدواني القائل بإصالة الوجود في الواجب تعالی، و إصالة الماهية في الممكنات. و ردّ قوله بإصالة الماهية في الممكنات؛ باستحالة الإنقلاب من حدّ الإستواء قبل الإنتساب الی التحقق بعد الإننتساب الی الله جلّ و علا.

أقول: و جوابه يظهر مما تقدّم؛ بأنه ليس من الإنقلاب حيث أن مفهوم الماهية الذي هو مفهوم اعتباري هو الذي تستوي نسبته للوجود و العدم، يعني للذهن قدرة و قابلية علی تصوّر الأشياء مجرّدة بقطع النظر عن تحققها و عدم تحققها، و الذي هو الأصيلذات الشيء و مايصدق عليه المفهوم و الذي يحكي عنه المفهوم، و الجعل الإلهي حصل لذات الشيء لا لمفهومه، و ذات الشيء لا يكون شيئاً إلا بالجعل و قبل الجعل عدم، لا أنه مستوي النسبة للوجود و العدم.

إلا أن الأستاذ مصباح قال: إن الأحسن في جواب الدوّاني؛ بأن نقول: هذا الإنتساب هل هو من الإضافة المقولية، أو الإضافة الإشراقية؟ فإن كان من الإضافة المقولية، فهو ليس بصحيح، و إن كان من الإضافة الإشراقية؛ فيرجع ذلك الی القول بإصالة الوجود»(1).

الإضافة الابداعية:

أقول: إن هذا الإنتساب و هذه الإضافة؛ لا من نوع الإضافة المقولية، و لا من نوع الإضافة الإشراقية. فالأولی باطلة كما هو واضح، و أما الإضافة الإشراقية؛ فهي مبنية علی القول بإصالة الوجود و وحدته، و إن صدور الممكنات من الباري تعالی إنما هو

ص: 32


1- 1- التعليقة: 32.

بإشراق وجوده. و هذا باطل في نفسه بعد مغايرة الواجب للممكنات، و عدم مجانسته لها.

بل الصحيح انه من نوع الإضافة الإبداعية؛ فالواجب تعالی أبدع الماهيات و أخرجها من كتم العدم الی التحقق، فهو فاطر الخلائق بعد أن كانت معدومة لاستحالة تعلق القدرة الالهية بالموجود لانه تحصيل للحاصل واستحالة تبدل الذات المقدسة وتطورها باشكال مختلفة كما هو مقتضی القاعدة العقلية القائلة :كل ما كان محلاً للحوادث فهو حادث،فلا بد من تعلق القدرة الالهية بالمعدوم لتخرجه الی الوجود.

كما قال أمير المؤمنين و سيد الموحدين عليه السلام في أول خطبة من النهج: « فطر الخلائق بقدرته» و كما في التنزيل: {فاطِرُ السَمَاواتِ و الأرض}. فهو تعالی ليس كمثله شيء: «و هو غير كل شيء لا بمزايلة، و مع كلّ شيء لا بمقارنة»(1).قاعدة كل ما كان محلا ً للحوادث فهو حادث:

وقد اوضح هذه القاعدة السيد البهبهاني رحمه الله حيث قال:

توضيح الامر «ان تغير الشيئ عن حال الى حال فعلاً اوقبولاً ، كمايدل على عدم قدم الحال وإلاّ لم يقبل الزوال ،كذلك يدل على عدم قدم ذي الحال ايضاً، لان المتّصف بالاحوال المتغايرة لاوجودله إلاّ في حال من الأحوال ،ويمتنع وجوده عارياً عن جميع الاحوال ضرورة انه لايتشخص الاباتصافه بحال من الاحوال والشيء ما لم يتشخص لم يوجد، كما انه مالم يوجدلم يتشخّص فلوفرض قدمه امتنع تغيّر حاله والاّ لزم تقوّم القديم بالحادث وبطلانه من اوائل البديهيات.

وهكذا الامر في المركب من اجزاءِ متماثلة او متخالفة فأن تغير كل جزء من الاجزاءِ بزوال التركيب فعلا اوقبولا، يكشف عن حدوث حاله من التركيب او الافراد اذلوقدم احد الحالين امتنع زواله وانقلابه الى حال آخر ولا وجود للجزء الاّ في احد الحالين ، فلوفرض قدمه لزم تقوّم القديم بالحادث.

ص: 33


1- 2- نهج البلاغة: الخطبة الأولی

والامر في المركب التحليلي بقسميه(1) اظهر فان الماهيّة في حد نفسها ليست الاّ هي ولاتكون شيئاً، وكذا الوجود المتحدمعها في الخارج مالم يتعيّن بالماهية وسائر المشخصات لايكون الامفهوماً محضاً ، فالموجود بجزئيه حادث فاقد للوجود ذاتاً وبمابيّناه يتبيّن ان القياس المذكور يرجع الى اربعة اقيسة اذكل قسم من اقسام التغير دليل مستقل على حدوث العالم وعدم قدمه(2).

الجواب علی قول الدواني:وأما قول الدواني بإصالة الوجود في الواجب؛ فهو أيضاً ليس بصحيح، و يعلم جوابه مما مرّ بعد وضوح أن المراد من الوجود هو المعنی المنتزع من ثبوت الذات، و بعد وضوح معنی المراد من الماهية؛ و هو ما به الشيء هو هو، فذاته تعالی لا حدّ لها، و لا نعلم كنهها، و ليس كمثلها شيء، و التي فوق ما نتوهم و نتصوّر: «لا تناله غوص الفطن، و لا تدركه بُعد الهِمَم»(3).

و نعبّر عن هذا المعنی بالماهية و هو أصيل و لا محذور فيه.

و أما ماقيل من أن الماهية مركبّة، فالجواب إن ماهية كل شيء، بحسبه. فلو فرضنا التركيب في ماهيات الممكنات؛ لا يعني ذلك و لا يلزم منه أن ماهيته تعالی مركّبة، و إلا فقل ماهيته مركّبة من ذات لا حدّ لها و لا مثل و لاضدّ و لا ندّ و لا شريك و لا مجانس و لا ضير في ذلك.

الجواب علی استدلال الطباطبائي:

و اما جواب السيدالطباطبائي عن هذا الاستدلال : «لو كان الوجود أصيلاً؛ لكان للوجود وجود، و يستلزم التسلسل»: بأن الوجود موجود بنفسه فليس صحيحاً و ذلك: أنا لو فرضنا أن الوجود هو الأصيل، و كان هو المتحقق في الخارج؛ فأما أن يحكم

ص: 34


1- وهما : التركيب التحليلي باعتبار تركب كل موجود من الوجود والماهيّة والتركيب التحليلي باعتبار تركب كل حقيقة نوعيّة من جنس وفصل .
2- التوحيد الفائق في معرفة الخالق للمحقق البهبهاني مع تعليقات الكاظمي ص59
3- 3- نهج البلاغة: الخطبة الاولی

عليه بالوجود أم لا؛ و الثاني باطل؛ لاجتماع النقيضين، و الأول يلزم منه؛ أن يعرض الوجود علی الوجود، و الوجود العارض غير الوجود المعروض. و هذا العروض ذهني؛ حيث قسّموا المعقولات، و قالوا: بإن الوجود مما يكون اتصافه بالخارج، و عروضه في الذهن. و كونه موجوداً بنفسه؛ لا ينفي عروض الوجود عليه ذهناً بعد فرضه أصيلاً في الخارج. فإذا صحّ العروض الذهني له؛ كان الوجود عارضاً علی الوجود، و حينئذٍ؛ إما أن يكون الوجود العارض أصيلاً أم لا؛ و الأول يستلزم اجتماع المثلين، و الثاني يستلزم كون بعض أقسام الوجود اعتبارية. و ليس العارض أولی بالإعتبارية من المعروض، علی أنه لا يصحّ التفصيل في حكم العقل، فلا يمكنالفصل بالقول في كون الوجود العارض اعتبارياً و المعروض أصيلاً، فحكم العقل واحد لا تفصيل فيه.

و أما قوله: « لا يمكن انتزاع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير». فالجواب: إنا لو فرضنا أن الوجود اعتباري؛ فلا إشكال بانتزاعه من الكثير بما هو كثير، لأن عالم الإعتبار غير عالم الحقائق و التكوينيات، فالذهن له تمام القدرة في التوهّم و الإعتبار و الانتزاع، و لا يلزم عليه محذورات قوانين الواقع، بخلاف مالو قلنا بأن الوجود هو الحقيقة المتأصلة في الخارج؛ فأنه يستحيل الخروج حينئذٍ عن قوانين الواقع.

الرابع :بطلان ما يتفرع علی إصالة الوجود

قال السيدالطباطبائي: « و يتفرّع علی إصالة الوجود و اعتبارية الماهية».

أقول: بعد بطلان إصالة الوجود؛ تبطل كل التفريعات ( التي ذكرها الطباطبائي و غيره)المبتنية علی إصالة الوجود. و من هنا تعرف أن الوجود لا يساوق الشخصية، فالوجود مفهوم عام صادق علی كثيرين.

الخامس :حقيقة الوجود

قال العلامة الطباطبائي: «الحق إنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة». و استدل علی ذلك «لأنا ننتزع من جميع مراتبها و مصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي،و

ص: 35

من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة الی وحدةٍٍ ما».

الجواب علی كون الوحدة في عين الكثرة وبطلان القول بمراتب الوجود:

أقول: هذه الإستدلال؛ عين المدّعی، و فيه من الخلط بين مفهوم الوجود، و حقيقة الوجود. فمفهوم الوجود واحد، و لا يمتنع انتزاعه من حقائق متعددة و متكثّرة؛ لأنه مفهوم اعتباري و لا إشكال فيه. و أما حقيقة الوجود؛ فلكل موجود هويته الخاصّة به لا تشترك فيه الأشياء الاخری و لا يشترك معها.

فالحق أن حقائق الوجود كثيرة و ليست كثرتها و همية،والدليل علی ذلك هو البداهة العقلية، كما أنه لا معنی لرجوع ما به الإمتياز لما به الإشتراك و بالعكس،فإنهذه التخريجات منافية لحكم العقل، و لا تنفعهم مثل هذه التوجيهات لتخريج حقائق الأشياء علی حقيقة واحدة بعد وضوح بطلانها عقلاً و وجداناً.

فالعقل يحكم بتعدد الأشياء و تخالفها؛ فهل يمكن الخروج علی حكم العقل بمحض اشتراكها تحت مفهوم واحد، و هو مفهوم الوجود؟ بل الحق أن يقال: إن تعدد الأشياء و تخالفها؛ أدل دليل علی أن مفهوم الوجود اعتباري، و حتی لو أتي بشبهة دليل؛ فهو شبهة قبال البديهة.

هذا و المشهور بين الفلاسفة المشّائيين و المتكلمين؛ هو كون الوجود غير قابل للشدّة و الضعف. إلا أن الإشراقيين قالوا به، و تابعهم ملا صدرا في ذلك، علی خلاف قول المشّائيين و المتكلمين.

و قد أبطل الحكيم المحقق الطوسي رحمه الله في تجريده، و تقرير العلامة الحلي رحمه الله له و بالإستدلال؛ القول بجواز الشدّة و الضعف في الوجود فراجع.

و يرد القول: بأن للوجود مراتب متعددة و أنه حقيقة مشككة إن هذه المراتب إما عين الوجود الحقيقي، أم غيره. و الأول: يستلزم وحدة الوجود الحقيقية و به صرّح ملا صدرا؛ و نتيجته أن لا فرق بين الممكنات و الواجب، و إن الكل هو وجود واحد، و إنه لا علّة و لا معلول، و ليس في دار الوجود ديار غيره علی حدّ تعبير ملاصدرا، و إن الشرك؛ عبارة عن الإعتقاد بوجود غيره تعالی؛ كما صرّح بذلك بقوله: و ويل للثنويين.

ص: 36

و أما الثاني: فيلزم منه تعدد الحقائق، و هو عين القول بالماهيات. فإن قلت: إن للوجود مراتب متعددة علی سبيل التشكيك مع حفظ وحدته. قلنا: إنه ادّعاء بلا دليل، و قول بلا برهان.

و بعبارة اخری: إن هذه المراتب إما أن تكون شيئاً واحداً، أو أشياء متعددة، فإن كانت شيئاً واحداً؛ فيلزم ما ذكرنا من محذور، و إن كانت أشياء متعددة؛ فيلزم تعدد الوجود؛ لأنه لا محالة من تقوّم الشديد بشدته، و الضعيف بضعفه، فيمتاز كل منهما عن الآخر. و ذلك عين القول بإصالة الماهية، و لم يكن هناك شيء واحد، بل أشياءمتفاوتة، و حقائق متعددة، و القول بتعدد المراتب؛ بلا أن يقوّم الشديد مرتبته و لا الضعيف مرتبته؛ فهو نفي لتعدد المراتب، و تناقض بالكلام، و ادّعاء بلا دليل و لا برهان، و بذلك يظهر بطلان كون الوجود حقيقة واحدة مشككة. و لو كان كذلك(يعني له مراتب)و المفروض أن مراتبه حقيقية لا وهمية،فكيف يدّعي ملا صدرا كونه حقيقة واحدة، و أن كثرته وهمية؟ و إذا كانت كثرته وهمية، فلا يمكن أن يجعل الوهم حقيقة. و أما أن يقال: بحقيقة المراتب؛ فيخرج عن كونه واحداً، و يصبح الوجود عبارة عن حقائق متعددة.

أضف الی ذلك: فقد ذكر السيد الطباطبائي في بحث معاني الإمكان: «إن الفرق بين الإمكان الذاتي و الإستعدادي إن الأول لا يقبل الشدّة و الضعف علی العكس من الثاني؛ لأنه صفة وجودية».

أقول: و الأمر لا ينحصر في الإمكان الذاتي، بل في كل المعقولات الفلسفية الثانية (و منها الوجود) التي عروضها في الذهن و اتصافها في الخارج؛ فهي اعتبار عقلي تحليلي لا تقبل الشدّةوالضعف.

بطلان فروع كون حقيقة الوجود واحدة:

ثم إنه ذكر السيد الطباطبائي تفريعات علی القول بان حقيقة الوجود واحدة.

أقول: بعد بطلان كون حقيقة الوجود واحدة؛ تبطل كل التفريعات المبنية عليها.

ص: 37

وقد رتبوا علی كون حقيقة الوجود واحدةامورا:

الامر الاول: ان الوجود لا يصدر منه الا الوجود اقول هذا الادعاء اصله من اعتقاد السنخيّة بين العلة و المعلول باعتباران حقيقةالوجودواحدة فاذا قلنا ان الله سبحانه عزوجل يساوي الوجود و لايصدر منه الاّ الوجود فقد حافظنا بذلك على التناسب و التسانخ بين العلة و المعلول.اقول: مضافاً الى ان اللازم من ذلك ان يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالی عن ذلك علواً كبيرا فجسمانيّة هذا العالم و ائتلاف بعضه بالبعض كما في اشتمال جسم الانسان على الروح و تخالف بعضه مع البعض الاخر كما في الذكورة والانوثة و ماديته و تلوّنه بالوان مختلفة وما الى ذلك من اختلافات و تنوعات يلزم ان يكون كل ذلك في ذاته عزوجل حتى نحافظ على السنخيّة بينه جل وعلا و بينها فيلزم ان يكون جل وعلاجسماً ماديّاً مشتملاً على روح و روحه غير بدنه و الى اخره بل و يلزم ان يكون محدوداً لانها محدودة.

فان قلت: نعم كل ذلك موجود في ذاته جل وعلا الاّ أنه من نوع عالم الالوهيّه و بنحو أتم وأرقى.

قلت : اولاً ما الدليل على ذلك؟

وثانياً: كيف يكون المجرد على تجرده «بمعنى انه غير محدود و لايتطرق اليه التحديد و فوق المادة» عين الوجود المادي وهو محدود؟ وهل هذا الا الجم-ع بين النقي-ضي-ن والحاصل: اما ان نحافظ على تجرد المجرد و عدم محدوديته فهو جل وعلا اذاً غير الماديات فلا سنخيّة اذاً بين-ها وب-ي-نه جل وعلا واما ان ن-ق-ول ان-ه تعالى عي-ن-ها ونحاف-ظ على هذه القاعدة و هو خلاف البرهان العقلي القاطع الاتي من كونه جل وعلا لا يتطرق إليه الحد و لا يشتمل علی صفات المخلوقات.

الامر الثاني: كونه جل وعلا كل الوجود وقد مرَّ بعض الكلام في الجواب عن ذلك ونزيدتوضيحاً على ما مرَّ ونقول:

ص: 38

مامعنى الوجود حتى يكون الله جل وعلا كل الوجود؟ هل المقصود مفهوم الوجود؟ ام حقيقته وكنهه؟ و اذا كان المقصود الكنه والحقيقة فما هي حقيقتة؟

وهل هي واحدة ام متعددة؟اقول: اذا كان المقصودهو الاول

«يعني المفهوم» فيستلزم انه «جل وعلا» صرف مفهوم وهو معلوم البطلان.

واذا كان المقصود هو الثاني يعني «الكنه والحقيقة» فلم تنكشف حقيقتة للفلاسفة(1) بل اعترفوابالعجز عن ادراك كنهه وحقيقته وحينئذٍ فما دام انها غير منكشفة فلا يمكن الحكم عليها نفياً ولا اثباتاً. نعم بعد انكشافها يمكن الحكم عليها وبذلك يظهر بطلان القول بان حقيقة الوجود واحدة استناداً الى ان مفهوم الوجود واحد.

هذا مضافاً الى وضوح بطلانه فايّ ربط بين مفهوم الوجود وحقيقته؟ وهل يصح ان يحكم بعد وحدة مفهوم الجسمية على ان حقيقة الماء والتراب « لانهما مشتركان بهذا المفهوم الواحد» شي-ئ واح-د؟ واذا كان-ت حقيقة ال-وجود واحدة فمعناه ان حقيقة الانسان والشجر والبقر والمَلَك والخالق «استغفرالله» واحدة فلا فرق بين النبي والكافر والخالق والمخلوق والشيطان والانسان و... بل كلها شيئ واحدوهو مما تضحك منه الثكلى.

ص: 39


1- -يقول ابن سينا « ان الوقوف على حقائق الاشياء ليس في قدرة البشر ونحن لا نعرف من الاشياء الاّ الخواص واللوازم ولا نعرف الفصول المقومة لكل واحد منها الداخلة على حقيقته الخ» الاسفار لملاصدرا ج ا ص391 انتشارات مكتبة المصطفوي

السنخية ام العينية والاتحاد ام التباين؟ الاستاذ السيد جعفر سيدان

في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله

مقدمة المترجم:

(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:

الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.

الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.

والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.

الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما

ص: 40

قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجوداتحقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)

المحاضرةالحاديةعشرة

قال تعالی (ان يشأيذهبكم ويأت بخلق مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلد)

معنی الاختيار عند الفلاسفة واشكال المحقق الخوئي رحمه الله :

من المناسب ان نذكر جواب المحقق الخوئي عن اشكال الفلاسفة من عدم كفاية العلم والرضا مع عدم الموجب الخارجي في ثبوت الاختيار بمعنی القدرة علی الفعل والترك وان الاشكال لا يزال باقياً حيث قال:

(ومن هنا يظهر ان ماذكر من الضابط للفعل الاختياري وهوان يكون صدور الفعل من الفاعل عن علم وشعور وحيث انه تعالی عالم بالنظام الاصلح فالصادر منه فعل اختياري لايرجع الی معنی محصل بداهة ان علم العلة بالمعلول وشعورها به لايوجب تفاوتاً في واقع العلية وتاثيرها فان العلة سواء اكانت شاعرة ام كانت غير شاعرة فتاثيرها في معلولهابنحو الحتم والوجوب ومجرد الشعور والعلم بذلك لا يوجب التغيير في تاثيرها ولايجعل الامر بيدها والا لزم الخلف فما قيل(من ان الفرق بين الفاعل الموجب والفاعل المختار هو ان الاول غير شاعر وملتفت الی فعله دون الثاني فلأجل ذلك قالوا انّ ما صدر من الأوّل غير اختياري و ما صدر من الثاني اختياري» لا واقع موضوعي له اصلاً، لما عرفت من أنّ مجرد العلم والالتفات لايوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض أنّ نسبة الفعل إلی كليهما علی حدّ نسبة المعلول إلی العلة التامة)

ص: 41

التعبير بالمعلول عن الكائنات فی الرواياتسؤال: يقول أميرالمؤمنين عليّ(علیه السلام) في خطبة 186 من نهج البلاغة «كلّ قائم في سواه معلول» فان المخلوقات تصبح معلولة والله جلّ وعلا يكون اذن علة لها.

الجواب: لامانع من ذلك فانّها معلولة بالمعنی اللغوي ولأجل ذلك حينما نتكلم عن العلة نقيّدها بالمعنی الاصطلاحي و نقول العلة التامة بالمعنی الاصطلاحي.

سؤال: لا دليل علی المعنی اللغوي بعد التصريح بأنّ«كلّ قائم في سواه معلول».

الجواب: كلمة المعلول كلمة عربية و صحيح انّ الله جلّ وعلا علة الموجودات الممكنات و كل الكائنات معلوله له جل وعلا و لا كلام لنا في كونها معلولة بمعنی احتياجها، فالكلام اذن في انّ الكلّ معلولات قائمة بالغير؛ يعني محتاجة و معتمدة« في وجودها» علی الغير ولا يخالف في ذلك أحد والكل متفقون علی ذلك ولكن إذا أردنا من هذه الكلمة أن نأخذ نتيجة حول الذات الالهية المقدسة بأنها علة بالمعنی الاصطلاحي فهذا أمر اخر يختلف عن المعنی اللغوي بكامل الوضوح.

سؤال: لو قلنا بأنّه موجب لأجل الضرورة،فانّ في بحث العصمة تطرح نفس هذه الضرورة فهل هناك يكون موجباً؟

الجواب: لا فقد أوضحنا هنا مسألة الضرورة وقلنا يمكن أن تكون ضرورة لبعض الأفعال يقوم بها الفاعل لأجل وجود الحكمة فيها ولايفعل غيرها مع انّه قادر علی فعل غيرها فلا مانع من الضرورة بهذا المعنی وقد يقال في بعض الأحيان بأنّه ضروري بمعنی لا يمكنه الترك لا انه لا يفعل مثلاً الظلم، فنحن نعلم انّ الله جلّ وعلا لايظلم بالضرورة فهذا صحيح اما لا بمعنی انّه لايمكنه

ص: 42

فعل الظلم بل هو قادر علی فعله لكنّه لايفعله،فهذا المعنی لايتنافی مع الاختيار.

امّا لو قلنا انّه لايمكنه فعل الظلم ويجب صدور الفعل منه لالحكمة بل انّ ذاته الإيجاد،ذاته علة لصدور المعلول،ففي هذه الصورة هذا المعنی مع الاختيار واضحة جداً.

جواب آخر للفلاسفة لاشكال مجبورية كون الذات الالهية علة تامّة

للفلاسفة كلام آخر لايخلو عن دقة حول هذا الاشكال من انّه لو كان علة لكان موجباً مجبوراً لااختيار له فقد أجاب الفلاسفة عن هذا الاشكال غير جوابهم الأوّل الذي بينّاه وأجبنا عنه وجوابهم الاخر هو:نحن لانحتاج إلی أكثر من أن نعلم انّ الله سبحانه وتعالی قادر ومن هذا الذي يقول اننا ننفي القدرة؟ إلّا انّه لابدّ أن نعرف ماهو معنی القادر؟ القادر بهذا المعنی«إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل»ونحن نقول بهذا المعنی بالنسبة إلی الذات الالهية المقدسة والنتيجة انّ معنی القادر كاملاً ينطبق علی الذات الالهية المقدسة فكيف تشكلون علينا بأننا حيث نقول انه تعالی علة تامة فهو اذن ليس بمختار؟لماذا لايكون مختاراً في حين انّه قادر وقد ذكرنا معنی القادر لكن القضيّة الشرطية لاتتنافی مع وجوب المقدم وبالنتيجة مع وجوب التالي،فالقادر هو«إن شاء فعل وأن لم يشأ لم يفعل لكنّه شاء وفعل ويجب ان يشاء وشاء وفعل».

ولايتنافی هذا الاستثناء(اعني :لكنه)مع هذه القضية الشرطية ومع ملاحظة هذه الجهة نقول ان الله جلّ وعلا قادر ومن هنا يعلم عدم صحة التعريف الذي ذكره المتكلمون للقدرة من «صحة الفعل والترك»وذلك لأنّ هذا التعريف قد أخذ فيه الامكان يعني يمكن أن يفعل ويمكن أن يترك ولامعنی للامكان بالنسبة للذات الالهية المقدسة ولذا فلا نری صحة تعريف المتكلمين

ص: 43

من انّه«ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل لكن شاء وفعل»هذا هو جوابهم الثاني حول اشكال كونه تعالی موجباً.

الجواب علی الجواب الثاني للفلاسفة:

يعلم الجواب علی هذا الكلام من خلال ماذكرناه سابقاً وذلك لانّه لانزاع لفظي لنا وانما البحث هو الوصول إلی حقيقة المطلب وهنا نسأل هذا السؤال انّه مع ملاحظة التعبير الذي ورد عنهم من أنّ الله تبارك وتعالی ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل لكنه شاء وفعل، فهل القدرة علی الفعل والترك مفقودة لأنّه علة بالمعنی الاصطلاحي؟ والجواب بلاترديد هو انّه تعالی لاقدرة له علی الترك بل لابد وأن يفعل وسيكون الاختيار المذكور لابالمعنی الواقعي للكلمة.

وحول هذا الموضوع يقول صاحب توضيح المراد(1)انّ تعبير الفلاسفة بأنّه ان شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل نوع تمويه علی العامة خوفاً من تكفير أهل

ص: 44


1- - نحن ننقل في بعض الاحيان تأييداً للمطلب بعض المطالب من الآخرين وهذا لايعني انّ كلّ ما يقوله المنقول عنه فهو صحيح، فهذا مرفوض من قبلنا ونؤكد علی اننا لانتعبد بالاشخاص بل لابدّ من حفظ حالة التعقل في كل شيء وهذا لايعني كسر شأن الاشخاص بل انّ شخصيتهم محفوظة في مكانها. إذن لابّد من الابتعاد عن التحجر وان نهتم في فهم كلام الصادق)ع) وغداً يوم شهادته ونسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا للمشاركة في عزائه :«إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقة في كلّ ماقال» (الكافي،2/298) فعلينا أن لانتأثر بالاشخاص ونجعلهم مكان الحجة، فالمعصوم هو معصوم وغيره غير معصوم وعليه فلو قال أحد المشاهير كلاماً فليس من الصحيح أن نقبل كلامه لأنّه قال بذلك بل لابدّ من فهم المطلب ثمّ النظر في صحته وسقمه.

الدين لهم وحقيقة كلامهم هو ضرورة الفعل وانّه تعالی موجب (لااختيار له) لاغير وهذه عين عبارته:

«فالقول بأنّ الله تعالی قادر بمعنی أنّه عالم ومريد بالإرادة الذاتية لاثره الذي يجب عنه وجوده ويمتنع عدمه انكار لقدرته وان كان في ظاهر اللفظ اعترافاً بذلك.

وتفسير القدرة بمفهوم الشرطيتين تمويه للامر لئلا يصيبهم رمي التكفير والتلحيد من اهل الملة،لان مفهوم القضية من المعقولات الثانية ليس بازاءه في الخارج شئ لينطبق عليه والقدرة للواجب او الممكن حقيقة خارجية فلابد ان تفسر بما ينطبق علی الحقيقة الخارجية)

اذن تفسير القدرة بمفهوم قضيتين شرطيتين انما هو لاجل اغفال الاخرين في الحقيقة واللطيف في الامر انهم يقولون انه تعالی (ان شاءفعل وان لم يشألم يفعل)وحيث يقولون (لكنه شاءوفعل ويجب ان يشاء وشاء وفعل)فلايبقی مصداق في الخارج لقولهم الاول (ان شاءفعل وان لم يشأ لم يفعل)حتی يعقل ثانياً؛يعني انكم احضرتم المعنی والمفهوم في اذهانكم الا ان مورد البحث هو الامر الخارجي والمصداق الواقعي له(ان شاء فعل وان لم يشألم يفعل)فلاربط لما ذكرتم حول الذات الالهية المقدسةمع هذه القضية وذلك لان هذه القضية احدی المعقولات الثانية ولا ربط لها بالامور الخارجية والواقعية فليس معنی القضية هكذا : انه تعالی قادر علی الفعل والترك بل الفعل واجب عليه كما وان الترك ممتنع عليه والمعنی الحقيقي للقادر الفاعل المختار هو مابيناه من انه خارجاً قادر بمعنی ان شاء فعل وان لم يشألم يفعل يعني قادر علی الفعل والترك وما ذكرتموه من وجوب المقدم (في القضية الشرطية )فلا مجال للامر الخارجي حين ذاك.

2- السنخية بين الخالق والمخلوق

الاشكال الثاني في المسالةهو انه لو كان الله تعالی علة تامةًّ بالتفصيل

ص: 45

المتقدم الذكر- فاللازم هو السنخية بين الخالق جل و علا و الكائنات و ذلك فانّه من الواضح انّ المعلول قد أخذ وجوده من ذات العلة و قد يعبر احياناً بأنّ المعلول وجود نازل للعلة، فالمعلول اذن قد وجد من ذات العلة و من الطبيعي انّه بهذا البيان لابدّ من القول بالسنخية و انّها لازمة بالضرورة و قد صرحوا بذلك في كثير من بياناتهم و من جملتها ما جاء في نهاية الحكمة حول مسألة قاعدة الواحد حيث قال:«و من الواجب أن يكون بين المعلول و علّته سنخية ذاتية هي المخصّصة لصدوره منها.»(1)

و قد بحثنا هذه المسألة مفصلاً في البحث السابق (البينونة و السنخية و العينية) و ذكرنا أربعة استدلالات عقلية«حسب ما يدعی» للسنخية واجبنا عليها و أثبتنا بالدليل العقلي لزوم التباين و عدم السنخية بين الذات المقدسة و الكائنات ثمّ عقبنا ذلك بالأدلة الوحيانية الصريحة في التباين الذاتي و عدم السنخية من قبيل «كنهه تفريق بينه و بين خلقه»...«و مباينته ايّاهم مفارقته انّيتهم»(2) و نحيل الجواب هنا علی ما ذكرناه سابقاً و لا ندخل في البحث هنا و الحاصل انه تعالی لو كان علة بالمعنی الاصطلاحي، فاللازم من ذلك هو السنخية و هي باطلة و مردودة ايضاً، اذن يلزم هذا الاشكال علی القول بكونه تعالی علة بالمعنی الاصطلاحي.

3- قِدَمُ العالم

الاشكال الثالث في المسألة هو أنه لو كان الله جلّ و علا علة تامة بالمعنی الاصطلاحي لزم من ذلك أن يكون العالم قديماً و ذلك لأنّ ذاته المقدسة علة تامة و الذات ازلية اذن لابدّ و أن يكون المعلول ازلياً و يلزم من ذلك أن يكون العالم قديماً و قد ادّعی عدة من العلماء قيام الضرورة من أهل الأديان علی عدم كون العالم قديماً و مضافاً لذلك انّه يستحيل تغيّر المعلول و انه غير

ص: 46


1- -نهاية الحكمة/215.
2- -توحيد صدوق،36،ح 2.

قابل للفناء و قد أوضح هذه المطالب الثلاثة بعبارة مختصرة صاحب توضيح المراد حيث قال:

«و الحاصل أن من نظر في كلمات الفريقين لا يرتاب في أنّ الفلاسفة يقولون بوجوب صدور العالم عنه تعالی علی النظام العليّ و المعلولي المذكور في كتبهم؛ لأنّه تعالی تام الفاعليّة و تخلف الأثر و امكان صدوره عن الفاعل التام ممتنع، و لازم ذلك ازليّة العالم و أبديته و امتناع الفناء عليه و امتناع التغيّر و التحول فيه.»(1)

فانّ الذات المقدسة الالهية لو كانت علة تامة فلازم ذلك ازلية و ابدية العالم و هذا ما يعبر عنه بقدمة العالم فحيث انّ العلة ازلية و ابدية فلابدّ من كون المعلول ايضاً ازلياً و ابدياً و في النتيجة يستحيل الانفكاك و لا يمكن أن يوجد اي نوع من التغيّر و التحول في النظام العليّ و المعلولي.

من جملة المباحث المهمّة جداً و التي وقع الاختلاف فيها بأشده بين ما يذكره الفلاسفة و ما يستفاد من الوحي، فلابدّ من الشارهة لهذا البحث و يكون البحث و التحقيق عنه مفصلاً و بشكل مستقل في الفرصة المناسبة.(2)

يقول المرحوم صاحب الرسائل في بحث التعارض بين الاستدلالات التي هي بظاهرها عقيلة مع المسائل النقلية القطعية بعد ما مثل لذلك بمسألة حدوث العالم:انّ حدوث العالم من المسائل الوحيانية (الدينية) القطعية.

و يقول العلامة المجلسي ايضاً حول هذا الموضوع بعد جمعه للروايات في بحث مفصل و من جملة ما قال:

«فان الذي ثبت باجماع أهل الملل و النصوص المتواترة هو أنّ جميع ماسوی الحقّ تعالی أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهية و لوجوده ابتداء و

ص: 47


1- -توضيح المراد/430.
2- -و حول هذا الموضوع فقد كتبنا كتاباً ذكرنا فيه جميع الأقوال مع مختلف المباحث مفصلاً فليرجع إليه.

الأزلية و عدم انتهاء الوجود مخصوص بالربّ سبحانه.»(1)

و قد اتضح بهذه التوضيحات المتقدمة انّ التعبير بالعلة التامة بالمعنی الاصطلاحي تعبير غير صحيح و علی خلاف المستفاد من الوحي.

الاسئلة والاجوبة

سؤال: ما المراد من القدرة علی الفعل و الترك؟

الجواب : ان القدرة علی الفعل و الترك بهذا المعنی و هو ان الفاعل قادر علی الفعل و الترك يعني له ان يفعل و له ان لا يفعل فكلا الطرفين باختياره.

سؤال: اذن معنی القدرة من المعقولات الثانية الفلسفية.

الجواب: لا اشكال في ذلك فانا قد انتزعنا المفهوم من الخارج و لا اشكال في كونه مفهوماً ذهنياً بعد ماله بأزائه في الخارج.

سؤال: و هل تقولون هذا الكلام بالنسبة إلی القدرة؟

الجواب: في القدرة علی الفعل و الترك التي لها ما بأزائها في الخارج ، اما لو قلنا قادر علی الفعل و لا اختيار له بالنسبة إلی الترك فهل حينئذ القدرة علی الفعل و الترك لها مصداق في الخارج؟

صاحب السؤال: لا.

سماحة السيد سيدان: إذا لم يكن له مصداق اذن تم البحث.

سؤال: هل ان الله جل و علا قادر علی الشر ام لا؟

الجواب: نعم.صاحب السؤال: اذن لما ذا لا يفعل الشر و حيث انه لا يفعله فهل يمكن

ص: 48


1- -بحارالانوار،237/54.

ان يقال انه مجبور؟

الجواب: لا مصلحة فيه لا انه لا يمكنه ذلك و لذا قال لا نظلم و لم يقل لا نستطيع الظلم.

صاحب السؤال: نفس هذا الكلام يقال في فاعليته يعني انه تعالی يخلق و حيث لا مصلحة فلا يترك (ان يخلق).

الجواب: في فعله للشر قدرته محفوظة و لكنه لا جل انه لا يفعل ما لا مصلحة فيه (القبيح) فلا يفعله و اذا اراد ان يفعل ما هو خلاف المصلحة (القبيح) فهو قادر علی ذلك.

صاحب السؤال: كذلك الفاعلية فانه قادر علی الترك لكنه لا يترك.

الجواب: ليس كما تقولون الكلام هو ان العلة التامة الفلسفية ترتبط بالذات و الذات ازلية و الارادة ليست بمعنی الفعل في الفلسفة بل الارادة تكون بمعنی العلم و العلم يعني الذات، فكل ما تقتضيه الذات فلا بد من ان يحصل و لا قدرة للذات علی غيره في حين اننا نقول ان الفعل لا بد و ان يحصل بالارادة وهي تابعة للقدرة و الاختيار.

صاحب السؤال: انتم تقولون ان الله جل و علا ليس علة تامة و حينئذ نسأل انه تعالی ان لم يكن علة تامة فهو اذن علة ناقصةو ذلك لان العلة اما تامة و اما ناقصة و لا ثالث لهما و اذا كان الله جل و علا علة ناقصة فالاشكال الذي فررتم منه قد وقعتم فيه و لم تستطيعوا ان تخلصوا من الاشكال.

الجواب: نحن نقول ان الله جل و علا فاعل تام يعني لا احتياج له للغير في فعله و العلة الاصطلاحية لا تصدق علی الله جل و علا بلا فرق بين كونها تامة ام ناقصة . بل نقول انه تعالی فاعل تام يعني فاعل مختار.

صاحب السؤال: نحن لا بحث لنا حول الاصطلاح نحن نريد ان نعلم انهيصح اطلاق العلة علی الله جل و علا ام لا؟

الجواب: العلة بالمعنی الاصطلاحي، لا.

ص: 49

صاحب السؤال: اذن انتم تنكرون اطلاق العلة علی الله جل و علا فلماذا؟

الجواب: لاجل الاشكال الذي طرحناه يعني ان التعبير بالعلة الاصطلاحية سواء كانت تامة ام ناقصة يلزم منها عجز الذات الالهية المقدسة.

صاحب السؤال: نحن نقول العلة بمعنی ما يتوقف عليه الشيء.

الجواب: ما يتوقف عليه الشيء علی قسمين احدهما لا يتخلف فيه المعلول عن علته بل لا بد و ان يتحقق المعلول و ثانيهما ما لا يكون المعلول فيه واجب التحقق و الحصول و هنا تكون العلة ناقصة.

صاحب السؤال: حيث انتم لم تتمكنوا من حل الاشكال لاجل ذلك فررتم من الاصطلاح و علی اي حال نحن لا نستطيع ان نقول ان الله جل و علا ليس علة فانه تعالی علة قطعاً.

الجواب: باي معنی من معاني العلة؟ العلة الناقصة غلط و العلة التامة قلنا بكونها غلطاً ايضاً .

صاحب السؤال: اذن تريدون انكار العلة مطلقاً.

الجواب: نعم كل كلامنا هو هذا نريد ان نقول ان التعبير بالعلة الاصطلاحية ليس صحيحاً.

صاحب السؤال: نحن اشكالنا في مكان اخر و حيث لم نستطع حل الاشكال قلنا ان اطلاق العلية ليس صحيحاً.

الجواب: لاجل انه ليس صحيحاً قلنا لا يصح الاطلاق.

صاحب السؤال: الا يلزم من ذلك اجتماع و ارتفاع النقيضين.

الجواب: هذا التعبير بالنسبة للذات الالهية غلط كما و ان كثيراَ من التعابير بالنسبة للذات المقدسة غير صحيحة.صاحب السؤال: هذه هي المعلولية التي قالها امير المؤمنين (علیه السلام) حيث قال المعلولية من الامور المتضايفة.

الجواب: قلنا ان المقصود من العلة(هناك) هو المعنی اللغوي يعني الفاعل و

ص: 50

الفعل و لذا نقول حيث ان العلة بالمعنی الاصطلاحي لا تصح علی الله جل و علا و لذا نعبر عنه بالفاعل التام يعني انه فاعل لا يحتاج في فعله الی الغير و لا يتكلف حينما يريد شيئاً (اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون) و عليه فاذا كان مقصودكم من العلة المعنی اللغوي يعني الموجد فلا اشكال من ذلك اما لو كان المقصود العلة بالمعنی الاصطلاحي الفلسفي فهو غلط.

روائع من الادب الاسلامي من ديوان ابي طالب (علیه السلام)

(و قال(علیه السلام) ايضاً )

افيقوا بنی غالب و انتهوا***عن البغي في بعض ذا المنطق(1)

و الا فاني اذن خائف***بوائق في داركم تلتقي

تكون لغير كم عبرة***و رب المغارب و المشرق

كما نال من كان من قبلكم***ثمود و عاد فمن ذا بقي

غداة أتاهم بها صر صر***و ناقة ذي العرش قد تستقي

ص: 51


1- - قال هذه القصيدة لما جاء ابوجهل الی النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و معه حجر يريد ان يرميه به اذا سجد فرفع ابو جهل يده فيبست علی الحجر فرجع و قد التصق الحجر بيده فقال له اشياعه من المشركين اجبنت قال لا ولكني رايت بينی و بينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه

فحل عليهم بها سخطه***من الله في ضربة الازرق

غداة يعض بعر قو بها***حساماً من الهند ذارو نق

و اعجب من ذاك من امركم***عجائب في الحجر الملصق

بكف الذي قام من جنبه***الی الصابر الصادق المتقي

فايبسه الله في كفه***علی رغمه الجائر الاحمق

احيمق مخزومكم اذغوی***لغي الغواة ولم يصدق

(و قال(علیه السلام) ايضاً)

الا ان خير الناس نفساً و ولداً***اذا عد سادات البرية احمد

نبي الآله و الكريم باصله***و اخلاقه و هو الرشيد المؤيد

حزيم علی جل الامور كانه***شهاب بكفي قابس يتوقد(1)

حزيم يريد حازما

من الاكرمين من لوط بن غالب***اذا سيم خسفاً وجهه يتربد

التربد احمر الوجه في تورم

طويل النجاد خارج نصف ساقة***علی وجهه يسقی الغمام ويسعد

جاء في الحديث كان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسطاً من الرجال اذا كان معه الطويل ناله او سواء طاله

عظيم الرماد سيد و ابن سيد***يحض علی مقري الضيوف و يحشدو

يبني لافناء العشيرة صالحاً***إذانحن طفنا في البلاد و يمهد(2)

ص: 52


1- - يروی: حري علی حال الخطوب كانه شهاب بكفي آنس يتوقد
2- - يروی (و يبني فناء للعشيرة) و لعله الاصح

يمهد يضع و المهد و المهاد جميعاً الارض و الفراش

و يبني كثيراً حيث كان من العدی***طلاع المدی لا غير ذلك يجهد

هو القائل المهدی به كل منسر***عظيم اللواء امره الدهر يحمد

المنسر الجيش

اذا قال قو لا لا يعاد لقوله***كوحي الكتاب في صنيح يخلد

الوحي الكلام و الكتاب الحصان(1)و الصنيح الحجر

بجيش له من هاشم يتبعو نه***يسد دهم رب الوری و يؤيد

هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً***و سر امام العالمين محمد

يعني سهيل بن بيضاء الانصاري

تتابع فيها كل لبث كانه***اذا ما مشی في رفرف الدرع احرد

رفرفها ما سبل منها و تثنی و احرد فيه ميل

قضوا ما قضوا في ليلهم ثم اصبحوا***علی مهل و سائر الناس رقد

سلوا من قريش كل كهل و امرد***و ان قد بغانا اليوم كهل و امرد

متی شرك الاقوام في جل امرنا***و كنا قد يماً قبلها نتودد

ای نتملق و يروی نتسود

و كنا قديماً لا نقر ظلا مة***و ندرك ما شئنا و لا نتشدد

فيا لقصي هل لكم في نفوسكم***و هل لكم فيما يجي به الغد

و إني و إياكم كما قال قائل***اليك البيان لو تكلمت أسود

قالوا اراد الاسود بن عبد العزی و قالوا اراد الليل و قالوا اراد الحجر الاسود ای انه لو تكلم لا أنبأ بفضلنا.

ص: 53


1- -كذا في الاصل و لكن لم يرد في المعاجم اللغوية تفسير الكتاب بالحصان و لا وجه له هنا فلعل في النسخة غلطاً، و لم يرو هذا البيت من القصيدة في غير الديوان.

موقف وأصحاب الأئمة عليهم السلام والعلماء من الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمةعلیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداةعلیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة التاسعة.

44-يقول "العلامه الحلّي رحمه الله في "كتاب كشف الحق و نهج الصدق":

البحث الخامس في أنّه تعالى لا يتحد بغيره: الضرورة قاضية ببطلان الاتحاد، فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور،فحكموا بأنه تعالى يتحد بأبدان العارفين، حتى تمادى بعضهم وقال: "إنّه تعالى نفس

ص: 54

الوجود، وكل موجود فهو اللّه تعالى وهذا عين الكفر والإلحادوالحمد للّه الّذي فضّلنا باتّباع أهل البيت دون الأهواء المضلّة.(1)

45- و يقول العلامة المجلسي رحمه الله حول الصوفية:

إنهم لعنهم اللّه لا يقنعون بتلك البدع، بل يحرفون أصول الدين ويقولون بوحدة الوجود، والمعنى المشهور في هذا الزمان المسموع من مشايخهم كفر باللّه العظيم.(2)

و يقول في كتاب مرآة العقول:

وزاد المتأخرون عن زمانه صلى الله عليه و آله وسلم على البدعة في المأكل والمشرب كثيراً من العقائد الباطلة كاتحاد الوجود وسقوط العبادات والجبر وغيرها وأثبتوا لمشايخهم من الكرامات ما كاد يربو على المعجزات، وقبايح أقوالهم وأفعالهم وعقايدهم أظهر من أن يخفى على عاقل، أعاذ اللّه المؤمنين من فتنتهم وشرّهم فإنهم أعدى الفرق للإيمان وأهله.(3)

46- و يقول المقدس الاردبيلي في كتاب حديقة الشيعة:

لا بدّ أن يعتقد المؤمن في كلّ حال أنّ القول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود كفر، وأيضاً لا بدّ أن يعلم الشيعة أنّ الوجه الّذي يقول به الحلولية والاتحادية والوحدتية في ألوهيّتهم وألوهية مشايخهم وسائر الموجودات يقوله النصارى بعينه في ألوهية عيسى عليه السلام وغلاةالشيعة في ألوهيّة أمير المؤمنين عليه السلام وبعض آخر من الأئمة عليهم السلام. ومع هذا إنّ جماعة من غلات العامة يعدّون الحلاّج الكافر وأشباهه - الذين يقولون بأنّه تعالى كلّ الأشياء - من أكابر أولياء اللّه.(4)

و يقول ايضاً:وهم قالوا بوحدة الوجود، واعتقادهم: أنّ كلّ إنسان بل كل شيء هو اللّه تعالى شأنه كما أشير إليه، وهم أشدّ كفراً وأعظم خزياً من نمرود وشدّاد وفرعون لاعتقادهم

ص: 55


1- . كشف الحق نهج الصدق، 57
2- . عين الحياة، تحقيق: الرجائي، مهدى، 1 / 90 - 91
3- . مرآة العقول، 4 / 368
4- 1 . حديقة الشيعه: 575، انتهى كلامه رحمه الله معرّباً

بإلهيّة جميع الأشياء الغير الطاهرة فضلاً عن غيرها، فلو سمّيت تلك الفرقة ب- : الكثرتية كان أبلغ، لمبالغتهم في كثرة الإله بحيث لا يبقى شيء ممّا سوى اللّه تعالى إلاّ ويقولون: إنّه اللّه، وزعموا أنّ الجميع واحد.

وقد ذكر محى الدين في كتبه من ذلك كثيراً لاسيّما في الفصوص، فقال في الفصّ اللقماني منه: إنّ الإختلاف بيننا وبين الأشاعرة في العبارة.

وقال في الفصّ الموسوي: إنّ فرعون عين الحق إلى آخر ما ذكره.(1)

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني

لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض جاسوسيةولذا ارتات المجلةاظهارانحرافات الشيخية حتی تحذر الامةافكارهم كما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في كتبهم وكتب الغلاة(المجلة)

المسألة السادسة

«تشكل و تصور الأئمة بأي صورة شاؤا»

ص: 56


1- 1 . حديقة الشيعة: 568

من معتقدات فرقة الشيخية، إن أهل البيت عليهم السلام يتشكلون و يتصورون بأي صورة يريدون. قال موسی الاسكوئي: «قال – أي الاحسائي – في شرح فقرة (و أجسادكم في الأجساد): ولو سلكت طريق التأويل وظاهر الظاهر جاز لك أن تريد بالأجسام المفدية ما لهم من أجسادغيرهم فان حقايق اجسادما سواهم لهم، و هم أولی بها من غيرهم، فإنهم يلبسون ما شاؤا و يخلعون ما شاؤا، فهم أولی بجسد زيد منه، لأن ذلك الجسد من شعاعهم أعطوه زيداً عارية، فهم أولی به من زيد، لأن المادة لهم و منهم.. لأنهم إنما يلبسون أحسنها لبعده عن التغيير أو لقلة التغيير فيه، .. و إنما قلنا إنهم يلبسون أحسنها إذا لم يحصل صارف عن الأحسن من سبب القابلية .. و إنما قلنا: إذا لم يحصل صارف عن الأحسن من سبب القابلية لأنه لو حصل صارف كذلك لبسوا ما اقتضته القابلية المتغيرة.. إلی أن قال: عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: شهدت البصرة مع أمير المؤمنين عليه السلام والقوم قد جمعوا مع المرأة سبعين ألفاً، فما رأيت منهم منهزماً إلا و هو يقول: هزمني علي عليه السلام، و لا مجروحاً إلا هو يقول: جرحني علي عليه السلام، ولا من يجود بنفسه إلا و هو يقول: قتلني علي عليه السلام، ولا كنت في الميمنة إلا و سمعت صوت علي عليه السلام، ولا في الميسرة إلا و سمعت صوت علي عليه السلام، ولا في القلب إلا و سمعت صوته عليه السلام. و لقد مررت بطلحة و هو يجود بنفسه و في صدره نبلة، فقلت له: من رماك بهذه النبلة؟ فقال: علي بن أبي طالب عليه السلام. فقلت: يا حزب بلقيس و يا جند إبليس، إن علياً عليه السلام لم يرم بالنبل و ما بيده إلا سيفه. فقال: يا جابر أما تنظر إليه كيف يصعد في الهواء تارة، و ينزل في الأرض أخری، و يأتي من قبل المشرق مرة، و من قبل المغرب أخری، و جعل المغارب والمشارق بين يديه شيئاً واحداً، فلا يمر بفارس إلا طعنه، ولا يلقيأحداً إلا قتله أو ضربه أو أكبّه لوجهه، أو قال: مت يا عدو الله فيموت، فلا يفلت منه أحد..» إلی آخر ما نقله عن الاحسائي(1).

ص: 57


1- - موسی الاحقاقي: إحقاق الحق – ص301،311،312. وانظر الإحسائي: شرح الزيارة: ج 4- ص35،36.

قال موسی الاسكوئي معلقاً علی ذلك: «فهذان الحديثان صريحان في ظهوره عليه السلام فيما شاء و تعدد مظاهره ولا سيما الثاني، حيث قال و يحصدهم بسيفه و هو عليه السلام في موضعه. و أما الأول فالاستشهاد به ظاهر، حيث ظهر أنه ظهر في صورة قبيحة وهو صورة مروان بن الحكم، للاتفاق أن الذي رماه هو علي عليه السلام في صورة مروان بن الحكم لكونه آلة هلاكه فاقتضت قابلية هلاكه علی ظهوره عليه السلام في صورته.. إلی أن قال: «ولما كانت حقايق جميع المخلوقات من الأنبياء إلی الجمادات خلقت من شعاع نور أجسادهم الشريفة، و صورهم من صورة ولايتهم وعكسها، و لذا كانوا علّة مادية و صورية لكل المخلوقات. قال الشيخ الأوحد: إنهم عليهم السلام أولی و أحق بصورة زيد من زيد، لأنها لهم عليهم السلام أعطوها له عارية، و إن أرادوا الظهور فيها والتصور بها لظهروا، لكن ظهروا في أحسن صورة لقربه للاعتدال و حقيقتهم الطيبة الطاهرة، هذا طريق ظهورهم لمحبيهم و خلصيهم، و أما ظهورهم لأعدائهم و مبغضيهم: إن أرادوا الظهور بغير صورهم الظاهرة فبحسب قابلية العدو المبغض، يعني: أن العدو لما كانت قابليته قبيحة و معوجة يری الإمام عليه السلام بمقتضی قابليته في صورة قبيحة منكرة، مع بقاء الإمام عليه السلام علی صورته الظاهرة»(1).

و قال أيضاً: «و أما المعصومون فأجسادهم الشريفة في غاية الصفاء والكمال، و نهاية اللطافة والاعتدال، من بدو نشوء خلقتهم، ولم يتطرقهم في العوالم التي نزلوها والمنازل التي مرّوا بها عند إقبالهم علی الخلق لهدايتهم و تربيتهم إلی إدبارهم عنهمعوارض و كثافات بوجه. نعم لما كانوا مأمورين لهداية الخلق و تأديبهم، ولم يتحملوا أنوار صورهم الأصلية، ولم يطيقوا النظر إليه بوجه، لبسوا في هذا العالم الظاهر صورة مناسبة له و هو الصورة البشرية، حتی يتمكّن الخلق من مشاهدة أنوار جمالهم.. و هذه الصورة البشرية التي اتخذوها لباساً تبليغاً للأوامر الإلهية.. أيضاً كانت في غاية الرقة واللطافة.. و لم تكن مانعة من التصرفات الكونية، كالصعود إلی السماء والنزول إلی

ص: 58


1- - نفس المصدر: ص312،313،314.

الأرض و طي ما بين المغرب والمشرق في طرفة عين والحضور في العوالم فباختيارهم يلبسون تلك الصورة ويخلعونها»(1)

وقد تابعهم في ذلك الميرزا علي الحائري الاحقاقي، قال: «إن نبينا صلی الله عليه و اله بوجوده الشخصي النوراني و هيكله البشري الشريف نبي علی جميع الموجودات والعوالم، يوصل إليهم تكاليفهم علی طبقاتهم من الإنس والجن والحيوانات بلا واسطة أو بوسائط بهذا اللباس البشري. لا أنه ينزل ويلبس لباس الجن لتبليغهم، أو يلبس لباس الحيوانات، كل صنف من الحيوانات بلباسه لتبليغهم، كما ينسب هذا المذهب إلی الحاج كريم خان الكرماني في إرشاده(2).

فإنا براء من هذه المقالة الفاسدة، لأن نبينا صلی الله عليه و اله أفضل الخلق و أشرف الخلق، ولا يلبس حكمة إلا أشرف الألبسة، ولا يتصور إلا بأشرف الصور و أحسنها. و إن كان قادراً علی أن يتصور بأي صورة شاء. لكن لا يتصور إلا بأفضلها و أشرفها. كما أنه صلی الله عليه و اله قادر علی استنطاق الحيوانات والنباتات والجمادات بلسان عربي فصيح»(3)

أقول: أما قول الميرزا علي، و من قبله الميرزا موسی، من أن علياً لا يلبس إلا أشرف الألبسة و لا يتصور إلا بأشرف الصور و أحسنها، فهو مناقض لما ورد عن شيخهم (الاحسائي) في شرحه لفقرة (وأجسادكم في الأجساد) قال: «و إن علياً صلوات اللهعليه ليظهر في أحسن صورة لأوليائه و آنسها، و يظهر في أوحش صورة لأعدائه و هذا مقتضی الحب والبغض»(4).

قال السيد محمد الطالقاني: «و ممن تجاوز الحد فرقة الشيخية، فلزعيمها الإحسائي رأي لا يقره المعتدلون، و أقواله في ذلك كثيرة لا تحصی، فهو يعتقد أن آل محمد عليهم السلام معاني الله ووجهه الذي يتوجه إليه الأولياء، والذي يبقی بعد فناء كل

ص: 59


1- - نفس المصدر:ص49.
2- - الحاج كريم خان الكرماني زعيم فرقة الشيخية الكرمانية.
3- - الميرزا علي الاسكوئي الحائري: عقائد الشيعة –ص14.
4- - الاحسائي: شرح الزيارة – ج4 –ص37.

شيء، و أنهم العلل الأربع للمخلوقات، و بما أنهم خلق فوق بني آدم فإن أجسامهم لا تری بالبصر ولا البصائر، و أن لهم قدرة منع الرزق عمّن يشاؤون، لأن الخلق عبيد رق لهم.. و جاء من بعده خليفته الرشتي، فنهج الطريق ذاته و كرر قول أستاذه حول قدرة آل محمد عليهم السلام علی منع الرزق عن المخلوق و أنهم معاني الله و معادن كلماته.. و أن كلمة خالق لا تليق بذات الله، و لذلك، فالمراد بها و بغيرها من الأفعال أهل البيت عليهم السلام و من طريف آرائه أن التنباك خُلِقَ مراً بسبب إنكاره لولاية أهل البيت. وقد أيد ذلك و أوضحه الشيخ موسی الاسكوئي، و أضاف إليه أن الله صوّر المخلوقات من الأنبياء إلی الجمادات وفق رغبة آل محمد عليهم السلام، فمن أقرّ بولايتهم في عالم الذر خلق حسن الهيئة، و من أنكرها خلق قبيحاً، و قال بطهارة فضلاتهم و مدفوعاتهم. ولا أدري لماذا لم يكن لمحمد صلی الله عليه و اله نفسه – الذي شرف آله من أجله – مثل تلك المزية بحيث يخبره الله في كيفيه إيجاد الخلق و هيئاتهم، و كانت للأئمة من آله فقط؟!»(1).

و مجمل القول: إن فرقة الشيخية تعتقد بأن الأئمة عليهم السلام لهم حقيقتان، الأولی منهما، وجودهم الشخصي النوراني، و أن هذا الوجود الجسماني النوراني في غاية الرقة واللطافة، و هي صورهم الأصلية قبل نزولهم إلی الأرض، و قبل أن يلبسوا لباس البشرية، فالنبي صلی الله عليه و اله بوجوده الشخصي النوارني نبياً علی جميعالموجودات من الإنس والجن والجمادات والنباتات و الحيوانات، و أنه قادر علی أن يتلبس و يتصوّر بأي صورة شاء لإيصال الأحكام، ولكن حكمة منه لا يلبس إلا أحسن الألبسة، ولا يتصوّر إلا أحسن الصور، خلافاً للحاج كريم خان الكرماني تلميذ الشيخ الاحسائي و زعيم الفرقة الشيخية الكرمانية، مع أن الشيخ الأوحد قال: بأن علياً عليه السلام يظهر في أحسن صورة لأوليائه و أوحش صورة لأعدائه، و لهذا تابعه الكرماني، و خالفه الاسكوئي، و هذه الصور النورانية باعتقادهم لا يمكن النظر إليها، لأن الخلق لا يطيقون النظر إلی أنوار صورهم الأصلية، و هذه الصور البشرية يلبسها

ص: 60


1- - السيد محمد الطالقاني: الشيخية – ص348.

الأئمة عليهم السلام لأجل التبليغ، فهم يلبسونها باختيارهم، كما يخلعونها باختيارهم، و هذه الفرقة تعتقد أن هذه الصور البشرية قادرة علی التصرف الكوني، كالصعود إلی السماء أو النزول إلی تخوم الأرض؛ لأنها غاية في الرقة واللطافة، بل ذهب الميرزا عبدالرسول الاحقاقي، إلی اكثر من ذلك، فهو يعتقد، بأن الأئمة عليهم السلام في رتبة المقام الملكي، يحلقون كالملائكة نحو السماوات في خفة ولطافة، و ينفذون في الأجسام الصلبة، و يعبرون الجدران السميكة، و يدخلون من الأبواب المغلقة(1).

و لولا خوف الإطالة والخروج عن الحد في المقام و بيان الحق من الباطل، والجوهر الثمين من الحجر الرديء، لأظهرنا الحق و ميزناه عن الباطل. ولكن أخذنا علی أنفسنا عدم الجرح بالآخرين، لأن عبايرهم تكشف عن معتقداتهم، و في كلماتهم الكفاية لمن طلب الحق والهداية. قال تعالی: (قُل إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثلُكُم يوحَی إِلَي..)(2)

أي قل يا محمد صلی الله عليه و اله إنما أنا بشر لا أزيد عنكم ولا أنقص، ميزني الله سبحانه بالوحي، فأنا بشر من صلب آدم من دم ولحم. و قال تعالی: (.. قُل سُبحَانَ رَبِّيهَل كُنتُ إِلَّا بَشَراً رَّسُولاً)(3)،

أي قل لهم يا محمد صلی الله عليه و اله لست أنا إلا بشراً مثلكم لا أزيد عليكم بشيء إلا إني رسول من الله إليكم.

وقد ردّ هذه البدعة السيد مهدي الكاظمي القزويني، قال: «من عقائد شيخ أحمد و متابعيه، أن أهل البيت يتصورون بأي صورة يريدون. قال في شرحه لفقرة (خيرة رب العالمين) إن الله سبحانه جعلهم الدعاة بالحق إليه في جميع العوالم و في جميع الأوقات يظهرون في كل عالم من جنسه ظاهراً و بسر عليته و قيومته باطناً.

و في شرحه لفقرة (و أجسادكم في الأجساد) .. قال السيد القزويني: «ثم ذكر – أي الاحسائي – ما دلّ علی تعدد تصور علي عليه السلام بالصور العديدة في آن واحد، و ما دلَّ علی تصوّره بالصورة القبيحة. ثم قال: إن علياً ليظهر في أحسن صورة لأوليائه، و

ص: 61


1- - عبدالرسول الاحقاقي الولاية – ج1 – ص 197.
2- - سورة الكهف، الآية:110.
3- - سورة الإسراء، الآية: 93.

يظهر في أوحش صورة لأعدائه الی تمام مقاله. وقد كرر – الاحسائي – هذه المسألة في مقامات من شرحه المذكور. و قال تلميذه – الرشتي – في شرحه للخطبة، و ذلك قبل شرحه لفقرة (ولقد ستر علمه عن جميع النبيين) بعد ما ذكر مقامات عديدة من ظهور علي عليه السلام، ثم لبس لباس الأنبياء، و ذلك اللباس هو المثال الملقی في هويتهم، إلی قوله: ثم ظهر في الحجاب الأسفل رتبة الإنسان و تقلب في صورهم حيث شاء الله من أول ظهور آدم إلی خاتم الأنبياء عليه و عليهم السلام، فصارت الهياكل هياكله والأشباح أشباحه واصور صوره والمواد مواده. إلی آخر قوله الذي من جملته: ثم ظهر لفرعون لابساً لباس الذهب قابضاً برمح من الذهب، إلی قوله: ثم ظهر لسلمان في حال طفولته لما اراد السبع أن يفترسه فنجاه منه بإذن الله، ثم ظهر لفاطمة بنت أسد – و هي أمه عليه السلام – قبل بلوغها و حال طفولتها و نجاها من السبع إلی آخر قوله، و مثله في كلماتهما كثير. و هو مخالف لما عليه المسلمون، و هذه كتب المسلمين المشتملة علی ما ورد من السنن الصحيحة فإنها خالية من هذه المزخرفات التي هي من عقائد الكفرة القائلين بالتناسخ. فإن معنی تصوّرهم بالصور المختلفة هوخروجهم من هيكل و صورة و جسم و دخولهم في غيرها، بل عند التأمل في الكلمات المذكورة تجد كون الرسل و غيرهم فيها و في غيرها من كلماتهما عبارة عن أهل البيت عليهم السلام.. و علی كل تقدير فيهما مخالفان للضرورة من الدين في ذهابهما إلی ذلك. (ءَاللَهُ أَذِنَ لَكُم أَم عَلَی اللهِ تَفتَرُونَ)(1).

قال موسی الاسكوئي: «إن حقيقة محمد و آله صلی الله عليه و اله لما كانت أول ما خلق الله سبحانه كما نطقت به الأخبار المستفيضة بل المتواترة، ولم يكن أكمل و أصفی و أبهی منها، ولم يخلق أعلی منها رتبة، و بمقتضی خطاب أدبر.. اقتضت الحكمة والمصالح الحقيقية أن تكون صورهم أيضاً أكمل و أبهی و أعلی من صور من سواهم من المخلوقات، ولكن لو أرادوا أن يظهروا للخلق بصورهم الأصلية المناسبة والمطابقة لحقيقتهم عليهم السلام، لما كان يتحملها نبي مرسل ولا ملك

ص: 62


1- - السيد محمد مهدي القزويني الكاظمي: بوار الغالين – ص110،109. سورة يونس، الآية: 59.

مقرّب، بل ماتوا و هلكوا واحترقوا من تلألؤ أنوارها و شدة ضيائها. لا جرم ظهروا للخلق بقدر تحملهم في أحسن صورة من صور المخلوقات حتی يتمكنوا من التكسّب والتعلم منهم معالم دينهم»(1).ولكن الله سبحانه يقول):قل انما انا بشر مثلكم يوحی الي..)(2)وقال

تعالی:(..قل سبحان ربي هل كنت الا بشرا رسولا)(3)

و أما ادعاء مشايخ فرقة الشيخية من وجود أخبار مستفيضة، بل متواترة علی حد زعمهم، فادعاء خال عن الدليل، والذي يظهر منهم أنهم يعتمدون علی الموضوعات من الأخبار والمراسيل التي يرويها من أمثال (رجب البرسي) في كتابه (مشارق أنوار اليقين). و هذا الكتاب طعن فيه أعلام الشيعة واتهموه بالغلو.

«فإن قيل قد روی البرسي و غيره عن أهل البيت ما يشير إلی ما قاله شيخ أحمد. قلنا: من المعلوم حال البرسي فيما يرويه، فإنه بين مرسل وضعيف مطابق مضمونه لمايعتقده الغالية، فيما يرويه ليس بحجة خصوصاً في قبال ما هو ثابت في الكتب التي تأسس عليها الدين»(4).

ص: 63


1- - موسی الاسكوئي: إحقاق الحق – ص314،313.
2- - سورة الكهف الاية :110
3- - سورة الاسراء الاية95
4- - السيد مهدي القزويني: بوار الغالين – ص33.

بحث فقهي حول حرمة الموسيقی آية الله السيدعلي الاشكوري

العدد الخامسالادلة الروائية حول حرمة الموسيقی

22 – الكليني عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن علي الوشاء قال سئل ابو الحسن (علیه السلام) عن شراء المغنيّة قال قد تكون للرجل الجارية تلهيّه و ما ثمنها الاّ ثمن الكلب و ثمن الكلب سحت و السحت في النار(1).

و الرواية محل كلام بسهل بن زياد. و اما من ناحية الدلالة فقد يقال انها لا تدلّ علی المراد و ذلك لان السؤال انما ورد عن المغنية و محل الكلام الموسيقی بالمعنی الخاص لاالغناء.

ص: 64


1- - الوسائل ج 12 ص 88 ح 6

و لكن يمكن ان يقال في الجواب: ان قوله (علیه السلام) قد يكون للرجل الجارية تلهّيه مطلق يشمل الالهاء بالموسيقی ايضاً.

و لا يقال: ان قواعد المحاورة و التكلم تقتضي ان يكون الجواب بمقدار السؤال فالسائل انما سئل عن المغنية. فانه يقال:

اولا هناك مجال لدعوی ان لفظ المغنية انذاك في مقام الاستعمال اعم من التي تتصدی للغناء بل يطلق علی التي تعرف الموسيقی و تحسن استخدامها و تكون عازفة و موسيقّية و اطلاق الغناء علی هذا المعنی الاعم مما لا شك فيه و يظهر ذلك لمن يراجع التاريخ.

و ثانيا: يمكن ان يقال انه و ان سئل السائل عن خصوص المغنية و لكن تلغی خصوصية كونها مغنية بل ِحمل سؤاله عن المغنية علی انه من باب المثال فيری ان المغنية و الزامرة و الطنبورية من واد واحد.

و ثالثا: ان الامام (علیه السلام) الغی الخصوصية المحتملة في كلام السائل فأجاب بجواب فيه الاطلاق و لا يكون ذلك علی خلاف قواعد المح ورة وذلك لان قواعد المحاورة انما تقتضي تطابق الجواب مع السؤال و ان كان الجواب اوسع من السؤال.

23- ما رواه الصدوق في عيون الاخبار مسنداً عن الرضا(علیه السلام) عن ابائه علیه السلام عن علي (علیه السلام) قال:سمعت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: اخاف عليكم استخفافا بالدين و بيع الحكم، و قطيعة الرحم، و ان تتخذوا القرآن مزامير، تقدمون احدكم و ليس بافضلكم في الدين.(1)

و للرواية طرق ثلاث ذكرها الصدوق قدّس سرّه و لم يتم شيء منها و لا يبعد حصول الاطمئنان بصدورها. هذا حال سند الرواية.

ص: 65


1- -الوسائل ج 12 ص 228 ح 18

و اما من ناحية الدلالة: فلا تدل علی حرمة الموسيقی و ذلك لان في القرآن خصوصية و لقرائته كيفيّة خاصة و علی كل فقد بيّنا الاحتمالات في معنی اتخاذ القرآن مزامير في كتاب الغناء فراجع.(1)

24- الصدوق في العيون عن الحسين بن احمد البيهقي عن محمد بن يحيی الصولي عن عون بن محمد الكاتب عن محمد بن ابي عباد و كان مستهتراً بالسماع و يشرب النبيد قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن السماع فقال لاهل الحجاز «العراق» فيه رأي و هو في حيّز الباطل و اللهو، اما سمعت الله عزّوجلّ يقول: و اذا مرّوا باللغو مرّوا كراما.(2)

و الرواية ساقطة سنداً علی الاقل بالراوي المباشر الذي كان مستهتراً بالسماع و يشرب النبيذ.و اما من ناحية الدلالة:فيرد عليها اولا:ان الرواية اجنبية عن المقام لان الراوي انما سئل عن السماع و هو الغناء اللهم الا ان يقال بان السماع اعم من الغناء و الموسيقی.

و ثانياً: ان قوله (علیه السلام) و هو في حيّز الباطل و اللهو لا يدلّ علی الحرمة و قد قلنا مراراً ان كل ما هو باطل لا يكون حراماً مطلقاً كما انه لا دليل علی حرمة اللهو بنحو مطلق. هذا كله فيما اذا اريد الاستدلال بصدر الرواية.

و اما اذا اريد استفاده الحرمة من الاية الشريفة الواردة في ذيل الرواية و هي قوله تعالی (و اذا مروا باللغو مروا كراما)(3)فاننا في بحث الغناء تعرّضنا لدلالتها و قلنا انها لا تدل علی الحرمة لانها وردت في سياق صفات عباد الرحمن فعادة ما يوصف الاتقياء و الصلحاء و الانبياء بصفات لا تدلّ علی لزوم اتصاف العباد بتلك الصفات و تكليف الناس بها.

ص: 66


1- -الغناء الطبعة الاولی ص 92
2- -الوسائل ج 12 ص 229 ح 19
3- -سورة الفرقان آية72

25- ما رواه المجلسي عن الصدوق في اماليه: في مناهي النبي صلی الله عليه و اله انه نهی عن الكوبة و العرطبة يعني الطبل والطنبور والعود(1).

والرواية ساقطة سنداً.

26- ما رواه الكليني عن عدّة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمّون عن عبدالله بن عبدالرحمن عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبدالله عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام رفع اليه رجل قتل خنزيراً فضمّنه و رفع اليه رجل كسر بربطاً فأبطله(2). و رواه الشيخ في التهذيب ايضاً(3).والرواية ساقطة سنداً بمحمد بن الحسن بن شمّون لانه لا دليل علی وثاقته بل قال النجاشي بشأنه: واقف ثم غلا و كان ضعيفاً جدّاً فاسد المذهب. و بعبدالله بن عبد الرحمن الاصم و قد قال النجاشي بشأنه: ضعيف غالٍ ليس بشيء.

و امّا من ناحية الدلالة: فيقال بما ان اميرالمؤمنين عليه السلام ابطل ضمان كسر البربط فهذا دليل علی عدم اعتبار المالية له في نظر الشريعة ولا نكتة لاِهدار ماليته الاّ لكونه من الآلات التي حرم استعمالها.

ولا يقال ان قوله عليه السلام و رفع اليه رجل كسر بربطاً فأبطله قضية في واقعة فلاندري الظروف والملابسات التي اكتنفت بها.

لانه يقال ان الامام الصادق عليه السلام ليس بصدد نقل الحكاية والقصّة بل انما هو عليه السلام بصدد بيان حكم الشرع بهذه الصياغة.

وهناك رواية رواها المجلسي عن قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال: اُتي عَليّ عليه السلام برجل كسر طنبور رجل فقال تعدّی(4).

ص: 67


1- - البحار ج79 ص249 ح1
2- - الفروع من الكافي ج7 ص 318 ح4
3- - التهذيب ج10 ص209ح1153
4- - البحار ج79 ص 251 ح4

و جاء في حاشية الكتاب ان في نسخة قرب الاسناد طبعة النجف الاشرف جاء فيه: فقال عليه السلام بُعداً.

وعلی كلٍ هذه الزواية ساقطة سنداً بابي البختري.

27- ما رواه ابو حنيفة النعمان التميمي في دعائم الاسلام مرسلاً عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام انه قال من كسر بربطاً او لعبةً من اللعب او بعض الملاهي او خرق زِقِّ مسكر او خمر فقد احسن ولا غرم عليه(1).

والرواية تامّة من ناحية الدلالة.

28- ما رواه الكليني في الروضة عن محمد بن يحيي عن احمد بن محمد عن بعض اصحابه و عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير. عن محمد بن ابي حمزة عن حمران عن ابي عبدالله عليه السلام في حديث طويل ....... و رأيت القمار قد ظهر ورأيت الشراب يباع ظاهراً ليس له مانع و رأيت الملاهي قد ظهرت يمرّ بها لا يمنعها احد ولا يجتري علی منعها..... و رديت المنابر يؤمر عليها بالتقوی ولا يعمل القائل بما يأمر و رأيت الصلاة قد استخفّ بأوقاتها... فكن علی حذر واطلب الی الله النجاة و اعلم ان الناس في سخط الله عزّوجلّ و انما يمهلهم لامر يراد بهم فكن مترقّبا واجتهد ليراك الله عزّوجلّ في خلاف ما هم عليه، الحديث(2).

والرواية تامة سنداً علی الاظهر لان محمد بن ابي حمزة ممن روی عنه بعض الاجلاّء، منهم ابن ابي عمير.

و امّا دلالتهاعلی المنع فواضحة.

29- الصدوق في الامالي عن ابيه عن سعد عن ابن عيسی عن ابن معروف عن ابي جميلة عن ابن ظريف عن ابن نباتة قال: قال علي عليه السلام ستّة لا ينبغي ان يسلّم عليهم: اليهود والنصاری و اصحاب النرد والشطرنج و اصحاب الخمر والبربط والطنبور و المتفكّهون بسبّ الامهات والشعراء، الخبر(3).

ص: 68


1- - دعائم الاسلام ج2 ص486 ح1738
2- - الوسائل ج11 ص 514- ص 518 ح6
3- - البحار ج79 ص252 ح7

ولكن هناك رواية رواها الصدوق في الخصال لا يوجد فيها البربط والطنبور و يحتمل وحدة الروايتين و فيما يلي نص الرواية علی ما في الخصال:

حدثّنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثّنا محمد بن الحسن الصفار عن بنان بن محمد بن عيسی عن ابيه عن عبدالله بن المغيرة عن السكوني عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال ستة لا يسلّم عليهم: اليهودي والنصراني والمجوسي والرجل علی غائطه و علی موائد الخمر و علی الشاعر الذي يقذف المحصنات و علی المتفكّهين بسبّ الامهات(1).30 – ما رواه الصدوق في الخصال عن ابنه عن احمد بن ادريس عن محمد بن احمد عن الحسن بن علي بن ابي عثمان عن موسی المروزي عن ابي الحسن الاوّل عليه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله عليه و آله اربع يفسدن القلب و ينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: استماع اللهو والبذاء واتيان باب السلطان و طلب الصيد(2).

31- ما رواه الصدوق قدّس سرّه في عيون اخبار الرضا عليه السلام عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسي الرضا عليه السلام ان يكتب له محض الاسلام علی سبيل الايجاز والاختصار فكتب عليه السلام له ان محض الاسلام شهاده ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له – الی ان قال – واجتناب الكبائر: هي قتل النفس – الی ان قال – والمحاربه لاولياء الله تعالی والاشتغال بالملاهي والاصرار علی الذنوب(3)و يتمّ الاستدلال بالحديث من ناحية الدلالة، بناءّ علی انصراف لفظة الملاهي الی آلات الموسيقی او ظهورها في ما هو اعم من آلات الموسيقی و ادوات القمار

ص: 69


1- - الخصال ج1 ص326 ح16
2- - الخصال ج1 ص 227ح63 – البحار ج79 ص 252 ح10
3- - العيون ج2 ص120 – 125 باب 35 ح1

كالشطرنج والنرد و لعل هذا هو الظاهر. و امّا لو احتملنا ارادة خصوص اداة القمار فحينئذٍ تكون الرواية مجملة.

32- ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول مرسلاً عن الصادق عليه السلام ...... انما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلها التي يجئ منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج و كل ملهوّ به و امّا وجوه الحرام من الاجارة نظير ان يواجر نفسه علی حمل ما يحرم عليه .... او عمل التصاوير والاصنام والمزامير والبرابط والخمر والخنازير والميتة والدم ... الحديث(1).33- ما في الجعفريات عن امير المؤمنين عليه السلام قال عليه السلام تقوم الساعة علی قوم يشهدون من غير ان يستشهدوا و علی الذين يعملون عمل قوم لوط و علی قوم يضربون بالدفوف والمعازف(2).

34- ما رواه النعمان في الدعائم عن الصادق عليه السلام انه قال: مرّبي ابي و أنا غلام صغير وقد وقفت علی زمّارين و طبّالين ولعّابين استمع فاخذ بيدي فقال : مر لعلّك ممن شمت بآدم، فقلت: و كيف ذلك يا ابه؟ قال: هذا الذي تری كله من اللهو والغناء انما صنعه ابليس شماتة بآدم عليه السلام حين أخرج من الجنة(3).

35- ما جاء في فقه الرضا: و نروي: انه من لقي في بيته طنبوراً او عوداً او شيئا من الملاهي من المعزفة والشطرنج واشباهه اربعين يوما، فقد باء بغضب من الله، فان مات في اربعين مات فاجراً فاسقاً مأواه النار و بئس المصير(4).

ص: 70


1- - الوسائل ج12 ص57، وذيل الحديث في الوسائل ج13 ص243
2- -- مستدرك الوسائل ج13 ص216 ح2
3- - مستدرك الوسائل ج13 ص 217 ح9
4- - مستدرك الوسائل ج13 ص218 ح10

ابن عربي عارف ام ملحد؟الاستاذ علاء فيصل

العدد السابع

مدح الطفاة والجبابرة

يدعي أن أبابكر و عمر خلفاء عن الله مباشرة و ليسوا خلفاء الرسول!!

73- و يقول: «و لهذا مات رسول الله صلی الله عليه [و آله] و سلم و لم ينص بخلافة عنه إلی أحد، ولا عينه، لعلمه أن في أمته من يأخذ الخلافة عن ربه، فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع، فلما علم صلی الله عليه [و آله] و سلم ذلك لم يحجز الأمر، فلله خلفاء في خلقه يأخذون من معدن الرسول والرسل الخ..»(1)

يعتقد بأن الخلافة الظاهرة والباطنة لأمثال أبي بكر والمتوكل العباسي!!

74- قال: «.. ولكن الأقطاب المصطلح علی أن يكون لهم هذا الإسم مطلقاً، من غير إضافة، لا يكون منهم في الزمان إلا واحد. و هو الغوث أيضاً. و هو من «المقربين». و هو سيد الجماعة في زمانه.

و منهم من يكون ظاهر الحكم، و يحوز الخلافة الظاهرة، كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام:

كأبي بكر...

و عمر…

و عثمان…

و علي…

ص: 71


1- - فصوص الحكم ص 163.

والحسن…

ومعاوية بن يزيد…

و عمر بن عبدالعزيز…

والمتوكل…

و منهم من له الخلافة الباطنة خاصة، و لا حكم له في الظاهر:

كأحمد بن هرون الرشيد السبتي..

و كأبي يزيد البسطامي(1)

و أكثر الأقطاب لا حكم لهم في الظاهر..»(2)

مقامات للخلفاء التي لايعلمها الا ابن عربي

75-ويقول عن مشاهداته في عالم المثال في حضرةالجلال:«ولمَّا شهدته صلی الله عليه [و آله] و سلم في ذلك العالم سيداً معصوم المقاصد، محفوظ المشاهد، منصوراً مؤيداً، و جميع الرسل بين يديه مصطفون، و أمته التي هي خير أمة عليه ملتفون، و ملائكة التسخير من حول عرش مقامه حافون، والملائكة المولدة من الأعمال بين يديه صافون..

والصديق علی يمينه الأنفس، والفاروق علی يساره الأقدس، والختم بين يديه قد جثا، يخبره بحديث الأنثی، وعلي( عليه السلام) يترجم عن الختم بلسانه، و ذو النورين مشتمل برداء حيائه، مقبل علی شأنه..

ص: 72


1- - و كان (بايزيد البسطامي) و هو من كبار القائلين بنظرية وحدة الوجود يقول: ليس في جبّتي إلا الله!! و صارت عنده القناعة بأن جبّته تحمل جثة الله. و يقول أيضا: كنت في السابق قد طفت حول الكعبة والآن فإني أری الكعبة هي التي تطوف حولي!! إذ صار هو الله حيث اتحد فيه، ثم تمادي في كفره حتی قال: لقد أوصلني الحق الی مرتبة رأيت فيها الخلائق بين إصبعيّ. ثم ساله أحدهم: ماالعرش؟ فقال: أنا، و أنا الكرسي واللّوح والقلم ... حتی ادّعی بأنه حل محلّ النبي ابراهيم و موسی والملائكة جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل عليهم السلام، حتی أنّ السائل سكت من شدة تعجبه و ذهوله. ثم قال البسطامي: إذا أفنی شخص ما ذاته في الله فلا عجب أن يكون كل شيء!!
2- - الفتوحات المكية ج2 ص6

فالتفت السيد الأعلی، والمورد العذب الأحلی، والنور الأكشف الأجلی، فرآني وراء الختم، لاشتراك بيني و بينه في الحكم، فقال له السيد: هذا عديلك و ابنك و خليلك» الخ..»(1)

أبوبكر و عمر و عثمان هو أصول الإسلام!!

76- و يصرح في كتابة شجرة الكون: «فكان أصل الأيدي خمسة أشياء، كل منها خمس، فالأصل الأول ما بني عليه، قال رسول الله صلی الله عليه [و آله] و سلم:

بني الإسلام علی خمس»..

إلی أن قال:

«والأصل الرابع: محمد رسول الله، والذي معه أبوبكر، و عمر، و عثمان، و علي. فهم خمسة برسول الله صلی الله عليه [و آله] وسلم»(2)

أنوار الخلفاء في أصابع آدم عليه السلام!!

77- ثم يذكر: «واجعل أصابعك الخمس في عينيك. بمنزلة محمد صلی الله عليه [و آله] و سلم، والذين معه، و هم أبوبكر، وعمر، و عثمان، و علي.

و أن آدم عليه السلام، لما خلق نور سيدنا محمد صلی الله عليه [و آله] وسلم في جبينه كانت الملائكة تستقبله، و تسلم علی نور محمد. وآدم عليه السلام لم يره.

فقال: يا رب، أحب أن أنظر إلی نور ولدي محمد صلی الله عليه [و آله] و سلم، فحوله إلی عضو من أعضائي لأراه.

فحوله إلی سبابته في يده اليمنی، فنظر إليه يتلألأ في مسبحته فرفعها فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمداً رسول الله.. فلذلك سميت المسبحة.

فقال: يا رب هل بقي في صلبي من هذا النور شيئ؟قال: نعم. نور أصحابه، و هم أبوبكر، و عمر، و عثمان، و علي، فجعل نور علي في إبهامه، و نور أبي بكر في الوسطی، و نور عمر في البنصر، و نور عثمان في الخنصر.

ص: 73


1- - الفتوحات المكية ج1 ص2-3
2- - شجرة الكون ص72.

و قيل: إنما جعلت في يدك لتقبض برؤوسهن علی حب هؤلاء الخمسة، ولا تفرق بينهم و بين محمد. فإن الله جمع بينهم بقوله تعالی: (مُّحَمَدٌ رَّسُولُ اللَهِ. وَالَّذِينَ مَعَهُ)»…»(1).

مع أن الله تعالی قد صرح في نهاية الآية بالتقييد فقال (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. لهم مَّغفِرَةٌ وَ أَجرٌ عَظِيمٌ).

الصديق، والفارق هما ختم الأولياء!!

78- ثم يقول: أنه عند فراقه للشمس المغربية تلقاه الختم (أي النبي) برحيقه، «و أوضح لي التسنيم مزاج طريقه، فرأيت ختم أولياء الله حق، في مقعد الإمامة الإحاطية والصدق، فكشف لي عن سر محتده، و أمرت بتقبيل يده، و رأيته متدلياً علی الصديق والفاروق، متدانياً من الصادق المصدوق، محاذياً له من جهة الأذن، قد ألقی السمع لتلقي الإذن الخ..»(2)

مشاهد للخلفاء!!

79- و يقول: «فإن كنت في موقف أبي بكر الصديق، قلت: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله، فتكون ممن رآه قبل الزوال، فالحكم للماضي، و أنت بالحال في أول الشهر، و ذلك اليوم هو أوله.

و إن كنت عثماني المشهد، أو صاحب دليل فكرٍ، فتقول: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله بعده... الخ..»(3)النبي صلی الله عليه و آله و سلم يبايع بنفسه عن عثمان!!

80 ثم يذكر: أن النبي صلی الله عليه [و آله] و سلم قد بايع عن عثمان لنفسه، و كان عثمان غائباً، فجعل يده علی يد نفسه(4).

ص: 74


1- - شجرة الكون ص 75
2- - مجموعة رسائل ابن عربي (المجموعة الثالثة) ص16.
3- - الفتوحات المكية ج1 ص607
4- - الفتوحات المكية ج1 ص752

و عثمان أيضاً... و شفاعة ابن عربي

81- و يقول: «أرسل رسول الله صلی الله عليه [و آله] و سلم عثمان آمراً بالكلام في المنام، بعدما وقعت شفاعتي علی جماعتي، و نجا الكل من أسر الهلاك، و قرِّب المنبر الأسنی، و صعدت عليه الخ...»(1)أبوبكر أكبر أهل الباطن:

82- قال: «و هذه الطائفة في الرجال قليلون، فإنه مقام ضيق جداً، يحتاج صاحبه إلی حضور دائم، و أكبر من كان فيه أبوبكر الصديق، و لهذا قال عمر في حرب اليمامة: فما هو إلا أن رأيت أن الله عزّوجّل قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. لمعرفة عمر باشتغال أبي بكر بباطنه…»(2)

فضل أبي بكر علی لسان علي عليه السلام برواية ابن عربي!!

83- ثم أنه يروي عن الإمام علي عليه السلام: أنه قال: ما فضلكم أبوبكر بكثرة صلاة، ولا صيام، ولكن بشيء وقع (وقر) في صدره، ولم يبين ما ذاك الشيء، فكتمه عليه …(3).

ابوبكر اعلم الصحابة برسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!

84- و يقول: انه لما تلا النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) سورة النصر (بكی ابوبكر الصديق وحده دون من كان في ذلك المجلس و علم ان الله تعالی قد نعی الیرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نفسه و هو كان اعلم الناس به و اخذ الحاضرون يتعجبون من بكائه الخ)(4)

ص: 75


1- - الفتوحات المكية ج1 ص111
2- - الفتوحات المكية ج1 ص212
3- - رسائل ابن عربي: كتاب الفناء ص3.
4- - الفتوحات المكية ج1ص 181

رسالة الاثنی عشرية الحر العاملی

الحلقة الثامنة

هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء

الفصل الثاني عشر

في تأويل ما تعلقوا به من الحديث القدسي وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده الذي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته (1).

أقول: هذا لا يمكن حملة على ما يدعون من الحلول والاتحاد لاستحالة الدعاء والسؤال حينئذ وسقوط التكليف وامتناع الإجابة وكون غير العارف حتى الكافر أحسن حالا منه لإمكان الإجابة وله معان صحيحة يعرفها كل من مارس حقايق الكلام ومجازاتها التي ورد بها القرآن بل كل من عرف متعارفات الكلام العربي ولنذكر مما يحتمله من المعاني وجوها:

الأول: ما ذكره بعض المعاصرين أن العبد إذا فعل ذلك أدركه الله بلطفه وعنايتهبحيث لا ينظر إلى غير ما يرضى الله ولا يسمع ولا ينطق ولا يبطش على غير ما فيه رضاه كما تقول أنا يدك وظهرك وحسامك ونحو ذلك وهذا معنى ظاهر شايع.

الثاني: أن يكون المعنى من فعل ذلك أحببته فكنت ناصره ومؤيده ومعينه ومسدده كسمعه وبصره ولسانه ويده وهذا أيضا معنى صحيح قريب ويناسبه المثال السابق.

الثالث: أن يكون المعنى فإذا أحببته أحبني وأطاعني فكنت عنده بمنزلة سمعه

ص: 76


1- - الوسائل: ج 1 ص 231 باب تأكد استحباب النوافل.

وبصره ولسانه ويده في العزة والاحترام والإجلال والإكرام. قال الرضي: وإن لم تكن عندي كسمعي وناظري فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني

الرابع: أن يراد أنه إذا تقرب إلي بالنوافل أحببته ووفقته فصار لا يستعين بسمعه ولا بصره ولا لسانه ولا يده بل يستعين بي ويعول علي ويرجع في أموره إلي كما أن من دهمه أمر استعان بقوته وأعضائه على دفعه وفي قوله: إن دعاني أجبته الخ ما يدل على ذلك.

الخامس: أن يكون المراد كنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في القرب منه والحضور لديه بالمعنى المجازي لا الحقيقي بمعنى العلم والإحاطة ومزيد التوجه والعناية وزيادة الرأفة والرحمة والله أعلم.

الباب الرابع

في إبطال الكشف الذي يدعونه وعدم حجيته

ويدل على ذلك وجوه اثنا عشر:

الأول: عدم ظهور دليل قطعي على حصوله ولا وجوب تحصيله ولا مشروعيته فضلا عن حجيته فكيف يجوز لنا الجزم بذلك من غير دليل (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) بل يمكن أن يقال بعدم وجود دليل ظني أيضا وعلى تقدير أن يأتوا بشبهة تفيد الظن (فإن الظن لا يغني من الحق شيئا) وكيف يجتري عاقل فضلا عن مسلم أن يثبت بمجرد الظن عبادة ويحكم بمشروعيتها وإسقاطها لجميع العبادات الشرعية وكل ذلك تحكم صرف وتشريع محص لم يحصل العلم واليقين بشيء منه.فإن قلت: الإخبار بوقوع الكشف والإخبار بالمغيبات من أهله وظهور الكرامات على أيديهم متواترة. قلت: التواتر ممنوع: إن أردتم به الإخبار عن حصول الكشف المدعى للغزالي مثلا، وغير مفيد إن أردتم به الإخبار عن دعواه له فإنه لا يعلم صدقه وصحة دعواه إلا بالكشف وهو دوري وأيضا فإن التواتر لا يفيد العلم في غير المحسوسات كما تقرر، ولو ثبت تواتر أنه أخبر ببعض المغيبات فوافق المخبر به لا يدل على حصول الكشف له لاحتمال كونه عن تخمين أو فراسة وشبق العلم وبه تواطأ مريديه

ص: 77

ظعلى اختراعه وكونه عن كهانة أو استخدام أو علم بالنجوم أو بالرمل أو وقوع الموافقةاتفاقا أو وقوعها مرة وقوع المخالفة أخرى ومع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال فكيف مع قيام الاحتمالات الكثيرة على أن كل من نقله صوفي فهو مدع يحتاج إلى إثبات سلمنا لكن هل يدل وقوعه على مشروعيته فيلزم مشروعية الكهانة والسحر ونحوهما بطريق الأولوية وهل يدل على حجيته فيلزم الاستغناء عن الأدلة الشرعية بالكلية وإذا كان كذلك فأي فضيلة له وأي مزية! وسوف ترى في مقام فضايح مشايخهم ما يدل على ما قلناه إن شاء الله.

الثاني: عدم إفادته على تقدير وقوعه لليقين ألا ترى أنه كثيرا ما ينكشف للإنسان أشياء ثم ينكشف له فسادها وكذا من يدعي الكشف أو يدعي له وذلك معلوم منهم قطعا ولعل جميع ذلك من هذا القبيل وعلى تقدير إفادته للظن خاصة كيف يجوز الجزم به؟ والاعتماد عليه وقد ادعى جمع منهم أنهم يرون نور الوضوء وينكشف لهم فامتحناهم بأن يخبرونا عن حال جماعة محصورين وأي شخص منهم على وضوء وأي شخص منهم على غير وضوء فظهر عجزهم وافتضاحهم.

الثالث: إنه على تقدير صحته يلزم عدم جواز الخطأ على صاحبه وهو معنى العصمة فلزم القول بعصمة كل من ادعاها أو حصلت له وعلى زعمهم أنه حاصل لأكثرهم والقول بأن تحصيل العصمة أمر ممكن كسبي واقع قول واضح الفساد ظاهر البطلان ومن المعلوم اختصاصها بأهلها وجواز الخطأ بل وقوعه من غيرهم وإذا جاز الخطأ على صاحب الكشف كما يجوز على غيره فكيف يجب تحصيله بالطرق المبتدعةالمنهي عنها ويجب الاعتماد عليه واطراح الأدلة الشرعية المأمور بالعمل بها وهل ذلك كله إلا مجانبة للشرع وخروج عن الدين.

الرابع: استلزامه على تقدير صحته لعلم الغيب أو معرفة كثير من المغيبات بل يلزم كون صاحب الكشف أفضل وأعلى رتبة وأكثر علما من جميع الأنبياء حتى أشرفهم وأفضلهم وأعلمهم محمد صلى الله عليه وآله فإنه يقول: ما أعلم ما وراء جداري هذا إلا بوحي يوحى إلي فصرح بأنه لا يقدر على كسب العلم بشيء من الغائبات ولاتحصيل الكشف بها ومعلوم أن الوحي ليس بكسبي وكان محتاجا إليه وهؤلاء

ص: 78

الصوفية يدعون أنهم استغنوا بالكسب والرياضة والكشف عن الوحي وعن علوم الشرع قد ثبت أن الأئمة عليهم السلام ما كانوا يدعون علم الغيب بل كانوا ينكرون غاية الانكار على من نسبه إليهم حتى قال الصادق عليه السلام عجبا لمن زعم إنا نعلم الغيب والله لقد أردت أن أضرب جاريتي فلانة فهربت فما علمت(1)

في أي بيت من بيوت الدار هي. وكانوا مقرين بأن ما يخبرون به من بعض المغيبات وصل إليهم بطريق النقل عن الرسول صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله فكيف يدعي أفضلية آحاد الصوفية في العلم أو غيره على أهل العصمة ومعدن العلم ومهبط الوحي.

الخامس: أنه يلزم من فرض صحة الكشف المذكور وما يدعونه لأهله من العلوم والكرامات بطلان كثير من معجزات الأنبياء والأئمة عليهم السلام وإمكان مضاهاتهم فيها والإتيان بمثلها بل الشك في صحة دعواهم للنبوة والإمامة لأن تلك البراهين التي تثبت بها تلك الدعوى أمور ممكنة لآحاد الناس يمكن اكتسابها والوصول إليها على قول الصوفية بالجلوس في مكان منفرد أربعين يوما أو أقل فمن أين يثبت اليقينبصحة دعوى نبي أو إمام تجويز هذا الاحتيال؟! وبطلان اللازم ضروري فكذا الملزوم وأي فساد في الدين أعظم من هذا الفساد وهل ضرر السحر والشعبذة والكهانة ونحوها مما علم تحريمه شرعا إلا دون ضرر هذا الكشف فيلزم تحريمه بطريق الأولوية قطعا.

السادس: ظهور الاختلاف العظيم الفاحش فيما يخبر به أصحاب الكشف كما هو ظاهر غني عن البيان وناهيك بأن صاحب كل مذهب منهم يدعي حصول الكشف له ببطلان مذهب من خالفه كالغزالي فقد ذكر أنه لزم الرياضة والخلوة وترك الدرس عشر سنين فانكشف له بطلان مذهب الإمامية وأفضلية أبي بكر على علي عليه السلام بمراتب وكذلك تدعي الشيعة من الصوفية وكل فريق حتى الكفار من الهند وغيرهم

ص: 79


1- - يقول الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره)، في مبحث البرائة: مسألة مقدار معلومات الإمام عليه السلام من حيث العموم والخصوص وكيفية علمه بها من حيث توقفه على مشيتهم أو على التفاتهم إلى نفس الشيء، أو عدم توقفه على ذلك، فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما يطمئن به النفس، فالأولى وكول ذلك إليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فظهر أنه خيال وهمي لا حقيقة له أو مجرد دعوى لا أصل لها. قال بعض أصحابنا: إني لأعجب ممن يدعي هذه المرتبة على اختلاف مذاهبهم ظاهرا مع أن كلا منهم يدعي كشفا يوافق مذهبه واعتقاده فالغزالي مع دعواه الوصول إلى هذه المرتبة انكشف له فضل أبي بكر على علي عليه السلام بمراتب كما هو ظاهر لمن طالع احياءه، وكما انكشف له عدم جواز سب يزيد لعنه الله فإنه قال في كتاب إحياء العلوم: فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لكونه قاتلا للحسين أو آمر به (1)قلنا:

لم يثبت أصلا فلا يجوز أنه قتله أو أمر به فضلا عن اللعنة فلا يجوز نسبة كبيرة إلى مسلم من غير تحقيق إلى أن قال فإن قيل: فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين أو الآمر بقتله لعنه الله؟ قلنا: الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة فعليه لعنة الله لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة (انتهى) وذكر نحوه في الحجاج(2) وأي ناصبي وصل إلى هذه الغاية والمرتبة من النصب والعناد (انتهى). ويأتي إن شاء الله زيادة تحقيق لذلك.السابع: ظهور خلاف ما يخبر به هؤلاء كثير أو فساد ما يظهرونه من الكرامات والبراهين على ولايتهم كما هو مشاهد عيانا من أعيانهم ورؤسائهم فضلا عن أتباعهم ويأتي بعض ذلك إن شاء الله تعالى فظهر أن ما يدعون من الكشف باطل فاسد.

الثامن: أن يطلب ممن يدعي هذا الكشف تحقيق مسألة واحدة من المشكلات المشهورة بين العلماء أو الإخبار عما بقي من غير شخص معين أو نحو ذلك فإنه يظهر عجزه وبطلان دعواه ضرورة ولا يمكنه تحقيق شيء من ذلك قطعا فظهر عدم صحته وعدم ثبوت فائدة يعتد بها له.

التاسع: إن الضرورة قاضية ببطلانه شرعا بمعنى عدم حجيته في الدين وعدم جواز

ص: 80


1- -) الجز الثالث ص 125 طبع في دار المعرفة اللبنان عند ذكر سرد آفات اللسان قال: الآفة الثامن اللعن الخ.
2- - ولم يوجد في المطبوع عندنا ذكر الحجاج بل قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان مثلا لا صحح الله جسمه فإن ذلك مذموم.

التعويل عليه والالتفات إليه في شيء من أحكام الشرعية فما الفرق بينه وبين الخيالات الوهمية والأفكار الردية والوساوس الشيطانية والأحلام التي يراها النائم من غير رؤية ولا روية وأصحابها يعترفون بعدم حجيتها فلم يبق لها مزية ولا فائدة يعتد بها لو ثبت جوازها وقد تواترت الأحاديث بل تجاوزت حد التواتر في أنه لا يجوز أخذ العلم من غير النبي والإمام وأن الطريق منحصر فيهم عليهم السلام والأحاديث المشار إليها موجودة في كتاب العقل وكتاب الحجة وكتاب العلم وغيرها من أصول الكافي وغيره والمقام يضيق عن ذكر بعض ما أشرنا إليه.

العاشر: إن مثل هذا الكشف بل ما هو أقوى منه وأعظم حاصل للكفار والمجانين فأي فضيلة فيه وأي مزية لأهله به؟! فقد شاع وذاع عن كفار الهند وغيرهم أنه يحصل لهم مثله بل هم وأمثالهم الذين اخترعوا هذه الرياضيات ولم يرد بها الشرع وكثيرا ما تنكشف المجانين مثل ذلك كما شوهد منهم وسمع من إخباراتهم ببعض المغيبات مع المطابقة فأي فضيلة فيما يجامع الكفر والجنون! ولكن أكثرهم لا يشعرون هذا ولا يبعد كون الشياطين تظهر لهم أو الجن تكلمهم بعض ما يعرفونه فإنهم يجتمعون عند أصحاب التسخير والرياضيات ويتشكلون بأشكال بني آدم وقدكانت الشياطين تدخل في أجواف الأصنام وتخبر أهلها من كل ما يسألون وهو أعظم مما يدعيه هؤلاء الصوفية فكيف يوثق بمثله وقد حكي عن رجل قريب من هذا الزمان إنه كان يظهرأشياء من هذا القبيل بل أوضح مما يدعيه هؤلاء ثم ظهر أنه كان له شيطان يخبره بذلك ويأتيه بالأخبار والكتابات والجوابات من مسيرة شهرين فصاعدا في يوم واحد وكان الرجل يسجد لذلك الشيطان حكى عنه ولده ذلك بعد موته ولا يبعد أن يحصل لهم خبط وتغير مزاج ولو بتناول بعض الأدوية المغيرة توصلا إلى ذلك.

الحادي عشر: إن هذا بزعمهم من أعظم المهمات الدينية بل هو غاية الغايات واللازم من ذلك ورود الأوامر الشرعية به ووصول إلينا بطريق العلم واليقين والأمر بأسبابه ومقدماته أو مشروعيتها فضلا من وجوبها والأمر فكيف كانت الأخبار والآثار خالية من ذلك!؟ بل من هذا الاسم فعلم أنه لا أصل له شرعا.

الثاني عشر: إنه على قولهم يلزم منه سقوط التكاليف واللازم باطل والملزوم مثله

ص: 81

والملازمة واضحة لاعترافهم بها وادعائهم لها وبطلان اللازم يأتي إن شاء الله تعالى مع أنه غني عن البيان ضروري البطلان لا يحتاج إلى برهان والله المستعان.

اطلالة على علم الكلام حيدر الوكيل

العددالثالث

علم الكلام اليوم

تقدم ان لعلم الكلام ادوارا اربعة مرت به وقد نحدد اليوم دورا خامسا بدأت بواكيره بالظهور في النجف الاشرف وقم المقدسة , يؤسس لعلم كلام استثمر العطاء العقلي والنقلي ليوضح الحق ويرد الشبه , ولعل الحاجة الكبيرة لايضاح العقيدة وبيان مفرداتها بشكل ينسجم مع العقل ولا يُغفل البيانات المعصومية مما تفرضه طبيعة العصر الذي انفجرت فيه وسائل البيان والنشرواطلاع الاعلام على بيانات الفلاسفة والمتكلمين وفر ارضية صالحة لاعادة النظر في الفكر الفلسفي الذي طرح نفسه بديلا عن الكلام , ولتقف اليوم ثلة من العلماء الاعلام والفضلاء الكرام لبيان الحق والدفاع عنه . نسأل الله تعالى ان يوفق العاملين في خدمة الحق وبيانه والدفاع عنه.

وقفه مع معجم طبقات المتكلمين

استعرض العلامة السبحاني ( حفظه الله ) اربعة مراحل لعلم الكلام بالشكل التالي :

ص: 82

الاولى والثانية : قال :" المرحلتان المتواكبتان : ان الشيعة الامامية منذ عصر الامامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) الى عصر الشيخ المفيد كانوا على منهجين متقاربين لا متضادين : -

1- منهج جمع الحديث وتدوينه مجردا عن التعمق والتمحيص الا قليلا .

2- منهج تدوين الحديث مع تمحيص السنة الصحيحة عن الموضوعة"(1) .

وعد جماعة من اتباع المنهجين وادعى ان من اتباع المنهج الاول الصفار والصدوق وغيرهم .

ثم قال :" انهم كانوا يتميزون بامور :

1- كانوا يمارسون الاخبار ويروونها لكن بلا تمحيص , ومع ذلك لم يكن الجميع على منزلة واحدة من هذه الجهة للفرق الواضح بين ما الفه الصدوق وغيره .

2- كانوا يعتمدون على العقل باقل ما يمكن .

3- يرون ان خبر الاحاد حجة في العقائد والمعارف كما هو حجة في الفقة والاحكام"(2)

وهذا الكلام غريب جدا لامور :

الاول : من اين عرف الفرق بين ما الفه الصدوق وغيره ؟ وهل وصل الى يومنا هذا الا مؤلف لبعض من سماهم وهم : الصدوق والبرقي والصفار وسعد بن عبد الله , اما الاخرون فلم تصلنا كتبهم لنعرف صدق دعواه في التفريق .

ولعلك تقول ان الفرق بين الكتب الواصلة الينا فليس توحيد الصدوق كبصائر الصفار , والجواب

ان الاختلاف في الموضوع لا يعطي صورة واضحة عن الاختلاف في المنهج كما ان الاخبار في الكتب المشار اليها معروفة مشهورة لا مؤنة في

ص: 83


1- - معجم طبقات المتكلمين ج 1 ص 196 .
2- - معجم طبقات المتكلمين ج 1 ص 198 .

الاعتماد عليها اما لتكررها في كتب الاصحاب بالاسانيد المختلفة او لتواتر مضامينها معنويا او لموافقتها للعقل فلا نعرف من اين فرق الشيخ بين كتب الصدوق وغيره .

ثانيا : قوله انهم " كانوا يعتمدون على العقل باقل ما يمكن" اذ لا معنى لهذا الكلام بعد ان كانت الاخبار تبيّن الاستدلال العقلي وترشد ببيانها الواضح الكافي الى المطالب العالية الالهية .

ثالثا : دعوى قبولهم اخبار الاحاد في العقيدة مجازفة لم يقم عليها الشيخ دليلا فعهدتها على مدعيها . (بل المعروف والثابت عندهم هو عدم حجية اخبار الاحاد وادعوا عليه الاجماع –المجلة)

والحاصل ان من طالع كتب الاصحاب المتقدمين لا سيما من سماهم النص المذكور لا سيما الصدوق يجد في مطاوي رواياتهم تحقيقات علمية عقلية راقية نأت عقول المتفلسفة والمتصوفة عن ادراكها والله المستعان .

قال : " المرحلة الثالثة ( قال بعد ان حدد بدايتها بمطلع القرن الحادي عشر ) " في تلك الاجواء ظهرت المدرسة الاخبارية التي شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض , ولم تر للعقل أي وزن وقيمة لا في العلوم العقلية , ولا فيالعلوم النقلية , وقد رفع راية تلك الفكرة الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي ( المتوفی 1036 ه ) .

ثم قال : "وعلى كل تقدير فقد تأثرت الأوساط العلمية بالتيار الاخباري وذاع صيته وكثر أتباعه , وهم بين متطرف - كمؤسسه - يطعن على العلماء , ومعتدل يحترم المخالف .

ومن اصول ذلك المنهج : نفي حجية العقل في المسائل الاصولية وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل , وادعاء قطعية صدور احاديث الكتب الاربعة وانه عند تعارض العقل والنقل يؤخذ بالنقل.

وهذا الاصل الاخير صار سببا لتقديم اخبار الاحاد على احكام العقل في باب المعارف والمسائل الكلامية .

ص: 84

ولذلك نرى ان المجلسي الاول ( 1003 - 1070 ه- ) وكذا ولده المجلسي الثاني ( 1037 - 1110 ه- ) والفيض الكاشاني ( 1007 - 1091 ه- ) والمحدث الحر العاملي ( 1033 - 1104 ه- ) وغيرهم ممن تأثروا بالمنهج الاخباري الى ظهور المحقق البهبهاني ( 1118 - 1206 ه- ) نبذوا كل الوان التفكير العقلي في اصول الفقه على الاطلاق وفي مجال العقائد على نحو خاص حتى انكروا تجرد النفس الانسانية"(1).

يملؤني العجب من هذا الكلام الذي هو اشبه بنفثة المصدور منه بالتحقيق العلمي , ولنا عليه ملاحظات :

الملاحظة الاولى : ادعى ان اصول منهج الاخباريين ثلاثة امور:

الاول : "نفي حجية العقل في المسائل الاصولية وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل" ولكننا نجد ان من الاصوليين من قال بهذا القول ومنهم الشيخمحمد حسين الاصفهاني ( قدس سره ) صاحب الفصول في الفصول ومن المعاصرين اساتذنا المحقق السيد محمد سعيد الحكيم ( دام ظله ) .

الثاني : "ادعاء قطعية صدور احاديث الكتب الاربعة" وهذا القول ايضا ليس من مختصات الاخباريين واليك كلمة الفقيه المحقق الشيخ رضا الهمداني :" " ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتصافها بالصحة المصطلحة والا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا اثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على المسامحة في طريقها والعمل بظنون غير ثابتة الحجية بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية وان كان بواسطة القراين الخارجية التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الاربعة أو مأخوذة من الاصول المعتبرة مع اعتناء الاصحاب بها وعدم اعراضهم عنها ولا شبهة في ان قول بعض المزكين بان فلانا ثقة أو غير ذلك من الالفاظ التي اكتفوا بها في تعديل الرواة لا يؤثر في الوثوق ازيد مما يحصل من اخبارهم بكونه من مشايخ

ص: 85


1- - معجم طبقات المتكلمين ج 1 ص 208 .

الاجازة ولاجل ما تقدمت الاشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حال الرجال والاكتفاء في توصيف الرواية بالصحة كونها موصوفة بها في السنة مشايخنا المتقدمين الذين تفحصوا عن حالهم"(1).

الثالث : "عند تعارض العقل والنقل يؤخذ بالنقل" ونقول ان لتعارض العقل والنقل صورا مختلفة واليك التفصيل :

1- تعارض العقل الضروري مع النقل القطعي .

2- تعارض العقل الضروري مع النقل غير القطعي .

3- تعارض العقل النظري مع النقل القطعي .

4- تعارض العقل النظري مع النقل غير القطعي .

ويختلف الموقف العلمي باختلاف هذه الصوراما الاولى فلعدم تحققها خارجا فلا يوجد قطعي نقلي يعارض ضروريا عقليا .

اما الثانية فيقدم العقل .

اما الثالثة فيقدم النقل لاحتمال الخطأ في النظري دون النقل القطعي .

اما الرابعة فيجب التوقف لتكافؤ احتمال الخطأ في النظري مع احتمال الخطأ في النقلي

ومن هنا تعرف ان اطلاق تقديم العقل على النقل عند التعارض غير صحيحة .

الملاحظة الثانية : ادعى ان بعض الاعلام ومنهم المجلسيين(قدس سرهما):" نبذوا كل الوان التفكير العقلي في اصول الفقه على الاطلاق وفي مجال العقائد على نحو خاص" وما يهمنا الكلام فيه هو المجلسي الثاني ( قدس سره) , وليس هذا الهجوم الغريب من مثل المؤلف ( حفظه الله ) على مثل المولى المجلسي حافظ تراث الائمة الهداة ( صلوات الله عليهم ) الا لموقف

ص: 86


1- - مصباح الفقيه ج2 ق1- آقا رضا الهمداني ص 12.

المجلسي من الفلسفة فلا نجد في كتبه مناوءة للعقل بل هو ( قدس سره ) ابتدء كتابه الكبير بكتاب العقل وحقق معانيه واظهر من التحقيقات العالية في مختلف مجالات المعرفة ما ينبغي اكباره لاجلها , اما الموقف من الفلسفة فما كان مشروع البحار - فيما نرى - الا تصد ظاهر لهجوم الفلسفة على الثوابت الدينية وضربها لاسس المعارف الحق فاحيا ببحاره وغيره من كتبه النفيسة حقائق المعارف وابقى للتحقيق العلمي والعقلي رونقه بعيدا عن مزخرفات الفلسفة واوهام العرفان والدليل بياناته في البحار وشرحه على الكافي فراجع واغتنم .الملاحظة الثالثة : جعل صاحب المعجم انكار تجرد النفس الانسانية نتيجةً لابتعاد الاعلام عن العقل والحق ان انكار التجرد المزعوم هو مؤدى التفكير العقلي المتوازن الصحيح ولتحقيق المسالة محل اخر(1) .

ولعل ما ادى بالشيخ الفاضل المحقق الى هذا الكلام هو عدم الفرق عنده بين العقل والفلسفة , فمخالف الفلسفة مخالف للعقل , والصحيح ان الفلسفة ليست قيّم العقل ليقاس التفكير العقلي حسب معطياتها بل هي تزويقات المهوسين بها لدعاوى ابن عربي الضال ويكفي في اثبات ذلك شهادات اعلام الفلسفة والعرفان باستقاء ملا صدرا من ابن عربي هذا.

ص: 87


1- - قال اكثر المتكلمين بان الروح جوهر مادي ومنهم العلامة الحلي وكمال الدين البحراني وسالم بن عزيزة راجع الباب المفتوح للبياضي ص119 وما بعدها .

وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام و المسلمين السيد قاسم علي احمدي

العدد الخامسالأحاديث الصريحة الدالّة على حدوث ما سوى اللّه تعالى

أمّا الروايات الدالة على وقوع التفكيك بينه تعالى وبين ما سواه وأنّ جميع ما سوى اللّه حادث بمعنى انتهاء أزمنة وجودها في الأزل إلى حدّ وينقطع وأنّها كائنة بعد أن لم يكن بعديّة حقيقية لا بالذات فقط فمتواترة جدّاً كما لا تخفى على العارف بالأخبار.

* روى الطبرسي أنه سئل أبو الحسن علي بن محمّد عليهماالسلام عن التوحيد ، فقيل : لم يزل اللّه وحده لا شيء معه ثمّ خلق الأشياء بديعا ، واختار لنفسه أحسن الأسماء ؟ أو لم تزل الأسماء والحروف معه قديمة ؟ !

فكتب :

« لم يزل اللّه موجوداً ثمّ كوّن ما أراد . . »(175) .

* روى الصدوق رحمه الله بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال :

« إنّ اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره . . »(176) .

ص: 88

* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنه كان يقول :

« الحمد للّه الذي كان قبل أن يكون كان . . . بل كوّن الأشياء قبل كونها فكانت كما كوّنها ، علم ما كان وما هو كائن ، كان إذ لم يكن شيء ولم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان »(177) .

قال

العلاّمة المجلسي رحمه الله : يدلّ الخبر على حدوث العالم .* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام : قال : سمعته يقول :

« كان اللّه ولا شيء غيره ، ولم يزل عالماً بما كوّن ، فعلمه به قبل كَوْنه كعلمه به بعد ما كوَّنه »(178) .

* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن علي بن مهزيار قال : كتب أبو جعفر عليه السلام إلى رجل بخطه وقرأتُه في دعاء كتب به أن يقول :

« يا ذا الذي كان قبل كلّ شيء ، ثمّ خلق كل شيء ثمّ يبقى ويفنى كلّ شيء ، ويا ذا الذي ليس في السماوات العُلى ولا في الأرضين السفلى ولا فوقهن ولا بينهن ولا تحتهن إله يُعبدُ غيره »(179) .

*روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال :

« الحمد للّه الذي لا من شيء كان ولا من شيء كوّن ما قد كان ، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرّها إليه من الفنا

ص: 89

على دوامه . . . مستشهد بكليّة الأجناس على ربوبيته وبعجزها على قدرته وبفطورها على قدمته »(180) .

قال

العلاّمة المجلسي رحمه الله :

بيان : قوله عليه السلام : « ولا من شيء كوّن ما قد كان . . » ردّ على من يقول بأنّ كل حادث مسبوق بالمادّة ، « المستشهد بحدوث الأشياء على أزليته . . » الاستشهاد : طلب الشهادة أي طلب من العقول بما بيّن لها من حدوث الأشياء الشهادةعلى أزليته ، أو من الأشياء أنفسها بأن جعلها حادثة فهي بلسان حدوثها تشهد على أزليته . . (181) .

اقول: لا يخفى أنّ حمل قولهم صلوات اللّه عليهم : « كان اللّه ولا شيء معه » على نفي المعيّة في الرتبة لا في التحقق والواقع مخالف لظاهر هذا الكلام ، ولما هو صريح الروايات المذكورة وغيرها .

* روى السيد ابن طاوس رحمه الله - مسنداً - عن الحارث بن عمير ، عن جعفر بن محمّد ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : « علّمني رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم هذا الدعاء وذكر له فضلاً كثيراً : « الحمد للّه الذي لا إله إلاّ هو . . . والباقي بعد فناء الخلق . . . كنتَ إذ لم تكن سماء مبنيّة ولا أرض مدحيّة ولا شمس مضيئة . . . كنتَ قبل كلّ شيء وكوّنت كلّ شيء وابتدعت كل شيء . . »(182) .

* وروى - أيضاً - عن أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء المعروف :

« . . وأنت الجبّار القدّوس الذي لم تزل أزليّاً دائماً في الغيوب وحدك ليس فيها غيرك ، ولم يكن لها سواك . . »(183) .

ص: 90

* وأيضاً روى عنه في دعاء علّمه جبرئيل النبي صلى الله عليه و آله وسلم :

« . . الأوّل والآخر والكائن قبل كلّ شيء والمكوّن لكلّ شيء ، والكائن بعد فناء كلّ شيء . . »(184) .* روى الكليني رحمه الله ، بإسناده عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام: كان اللّه ولا شيء ؟

قال : « نعم كان ولا شيء » .

قلت : فأين كان يكون ؟

قال : - وكان متكئاً فاستوى جالساً وقال - : « أحلت - يا زرارة ! - وسألت عن المكان إذ لا مكان »(185) .

* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال :

« . . الحمد للّه الذي كان قبل أن يكون كان ، لم يوجد لوصفه كان . . . كان إذ لم يكن شيء ولم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان »(186) .

*روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي عبد اللّه ، عن أبيه عليهماالسلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم - في بعض خطبه - :

« الحمد للّه الذي كان في أوليته وحدانياً . . . ابتدع ما ابتدع وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق لشيء مما خلق ، ربّنا القديم بلطف ربوبيته ، وبعلم خبره فتق وبإحكام قدرته خلق جميع ما خلق . . »(187) .

* عن أمير المؤمنين عليه السلام :

ص: 91

« الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون . . .كائن لا عن حدث ، موجودٌ لا عن عدم . . . متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده ، أنشأ الخلق انشاءا وابتدأه ابتداءا . . »(188) .قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : « كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم . . » ظاهره الاختصاص به سبحانه وحدوث ما سواه ، وكذا قوله عليه السلام : « متوحد إذ لا سكن يستأنس به . . » يدلّ على حدوث العالم .

والإنشاء : الخلق ، والفرق بينه وبين الابتداء : بأنّ الإنشاء كالخلق أعمّ من الابتداء قال تعالى : « خَلَقَ الاْءِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ »(189) ، والابتداء : الخلق من غير سبق مادّة ومثال ، وإن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ وإن أمكن التأكيد . . (190) .

*روى الكليني رحمه الله - بسنده - عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول :

« كان اللّه عزّوجلّ ولا شيء غيره ، ولم يزل عالماً بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه »(191) .

* وأيضاً روى الكليني - بسنده - عن فصيل بن سكرة ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك إن رأيت أن تعلّمني هل كان اللّه جلّ وجهه يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده ؟ فقد اختلف مواليك ، فقال بعضهم : قد كان يعلم قبل أن يخلق شيئاً من خلقه . . ! وقال بعضهم : إنّما معنى يعلم يفعل فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الأشياء . . ! فقالوا : إن أثبتنا أنه لم يزل عالماً بأنّه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليّته ؟ فإن رأيت يا سيّدي أن تعلّمني ما لا أعدوه إلى غيره ؟

فكتب عليه السلام :

ص: 92

« ما زال اللّه عالماً تبارك وتعالى ذكره »(192) .* وروى الكليني رحمه الله - بسنده - عن جعفر بن محمّد بن حمزة قال : كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله : إنّ مواليك اختلفوا في العلم ، فقال بعضهم : لم يزل اللّه عالماً قبل فعل الأشياء ، وقال بعضهم : لا نقول لم يزل اللّه عالماً لأنّ معنى يعلم يفعل ، فان أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً ، فإن رأيت جعلني اللّه فداك أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه ؟

فكتب عليه السلام بخطّه :

« لم يزل اللّه عالماً تبارك وتعالى ذكره »(193) .

قال العلاّمة المجلسي رحمه الله في بيانه :

يدلّ هذا الخبر على أنه كان معلوماً عند الأصحاب أنه لا يجوز أن يكون شيء مع اللّه في الأزل ، ولمّا توهّموا أنّ العلم يستلزم حصول صورة ، نفوا العلم في الأزل لئلاّ يكون معه تعالى غيره قياساً على الشاهد ، فلم يتعرّض عليه السلام لإبطال توهّمهم ، وأثبت العلم القديم له تعالى .

وبالجملة ؛ هذه الأخبار صريحة في أنّ المخلوقات كلّها مسبوقة بعدم يعلمها سبحانه في حال عدمها(194) .

وهنا روايات مثل :

* قوله عليه السلام :

« خلق الخلق على غير تمثيل . . »(195) .

* وقوله عليه السلام :

ص: 93

« يا من خلق الخلق بغير مثال . . »(196) .

*وقوله عليه السلام : « الحمد للّه الذي خلق الخلق على غير مثال . . »(197) .

* وقوله عليه السلام : « . . ابتدع الخلق على غير مثال امتثله . . »(198) .

* وقوله عليه السلام : « . . أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء بلا روية أجالها ولا تجربة . . »(199) .

* وقوله عليه السلام : « . . لا يقال له كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات . . »(200) .

* وقوله عليه السلام : « الدالّ على قدمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه على وجوده . . . مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته »(201) .

*وقوله عليه السلام : « الحمد للّه . . . مخرج الموجود من العدم والسابق الأزلية بالقدم . . »(202) .

وفي المقام روايات أُخرى ولكن اكتفينا بهذا المقدار خشية الاطالة وملل القارئ .

ص: 94

تنبيه:

وبعد كل هذا وغيره ، فلا نحسب أن الروايات هذه تحتاج الى بيان إذ هي تبيان ، ومع ذلك لسائل أن يقول :

هل يصحّ تأويل جميع هذه النصوص الصريحة على خلاف ظاهرها ؟ !

وهل كان بإمكان الأحاديث أن تبيّن المقصود بأكثر ممّا بيّنت ؟ !

هل يستطيع أحد تبيين وجود الأشياء بعد عدمها بأصرح من هذه التعابير :

كقوله عليه السلام : « إنّ الشيء إذا لم يكن أزليّاً كان محدثاً وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً . . . ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً ، وقديماً وحديثاً في حالة واحدة » .

وقوله عليه السلام : « كيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه » .

وقوله عليه السلام : « لو كان ( أي الكلام ) قديماً لكان إلهاً ثانياً » .

وقوله عليه السلام : « لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة » .

وقوله عليه السلام : « لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذاً لم يكن له انقطاع أبداً ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء » .

وقوله عليه السلام : « من زعم أنهن لم يزلن معه فقد أظهر أنّ اللّه ليس بأوّل قديم ، ولا واحد ، وأنّ الكلام لم يزل معه وليس له بدء ، وليس بإله .

وغيرها من الأحاديث » .

ص: 95

ولنا أن نتسائل بعد هذا لو لم تكن هذه صريحة في المطلوب فما هو اللفظ الصريح إذا . . ؟ !

فائدة : قال العلاّمة المجلسي رحمه الله :

إذا أمعنت النظر فيما قدّمناه وسلكت مسلك الإنصاف ونزلت عن مطيّة التعنّت والاعتساف حصل لك القطع من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة - الواردة بأساليب مختلفة وعبارات متفنّنة - من اشتمالها على بيانات شافية ، وأدلّة وافية بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه .

ومن تتبّع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب اللغة يعلم أنّ « الإيجاد » و« الإحداث » و« الخلق » و« الفطر » و« الإبداع » و« الاختراع » و« الصنع » و« الإبداء » . . لا تطلق إلاّ على الإيجاد بعد العدم .

وقال المحقق الطوسي رحمه الله في شرح الإشارات :

إنّ أهل اللغة فسّروا الفعل بإحداث شيء .

وقال أيضاً :

الصنع : إيجاد شيء مسبوق بالعدم ، وفي اللغة : الإبداع : الإحداث ومنه : البدعة لمحدثات الأمور ، وفسّروا الخلق بإبداع شيء بلا مثال سابق .

وقال ابن سينا - في رسالة الحدود - :الإبداع اسم مشترك لمفهومين : أحدهما تأييس شيء لا عن شيء ولا بواسطة شيء ، والمفهوم الثاني : أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسّط ، وله في ذاته أن يكون موجوداً وقد أفقد الذي في ذاته إفقاداً تامّاً .

ص: 96

ونقل في الملل والنحل عن ثاليس الملطّى أنه قال :

الإبداع هو تأييس ما ليس بأيس فإذا كان مؤيّس الأيسات فالتأييس لا من شيء متقادم ( إنتهى ) .

ومن تتبّع الآيات والأخبار لا يبقى له ريب في ذلك كقوله : « لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع » مع أنه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدمة بحيث لا يقبل التأويل .

وبانضمام الجميع بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد ، ولذا ورد أكثر المطالب الأصولية الاعتقادية كالمعاد الجسماني وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعبارات مختلفة وأساليب شتّي ، ليحصل الجزم بالمراد من جميعها ، مع أنها اشتملت على أدلّة مجملة من تأمّل فيها يحصل له القطع بالمقصود(203) .

ص: 97

الاِسفار عن نصوص الاَسفار حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حيدر الوكيل

العددالثاني

( لقد بحث سماحة الشيخ الوكيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة)

بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.

القسم الاول في مرويات الاسفار .

تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار ع والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة المجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية جلدة من الاسفار .الاحاديث التي ذكرها في الجزء الثاني

الحديث الاول : اخترت من دنياكم ثلاثا(1)

قريب منه مرسل في رسائل الكركي ج3 ص225.

ص: 98


1- - الاسفار ج2 ص 65 حاشية س .

الحديث الثاني : الفقر سواد الوجه في الدارين(1)

تقدم الكلام فيه في الحديث الاول من الجزء الاول فراجع .

الحديث الثالث : ان للقران ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا(2) .

عامي مرسل كما صرح به الكاشاني في تفسيره الصافي ج 1 ص 30 .

وقريب منه في البحار ج 89 ص 94 والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 359 وغيرها .

الحديث الرابع : ان لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه(3).

حديث عامي كما صرح به المجلسي رحمه الله في البحار ج 55 ص 45 وفي مسند احمد ج4 ص401 وفي غيره من كتب العامة قريب منه سنن ابن ماجه ج 1 ص71 وغيره .

الحديث الخامس : ان هذه النار من نار جهنم غسلت بسبعين ماء ثم انزلت(4) .

قريب منه في مسند زيد ص 416 .

الحديث السادس : اوتيت جوامع الكلم(5).مرسل في عوالي اللئالي لابن ابي جمهور ج 4 ص 120 ورواه العامة في مسند احمد ج 2 ص 250 وغيره من كتبهم . وقريب منه مرسل في الفقيه ج1 ص 241 , ورواه في الخصال ص 292 بسند ضعيف وفي الامالي ص 285 بسند صحيح .

ص: 99


1- - الاسفار ج 2 ص 278 متن .
2- - الاسفار ج 2 ص 280 متن .
3- - الاسفار ج 2 ص 65 متن .
4- - الاسفار ج 2 ص 65 متن .
5- - الاسفار ج 2 ص 265 حاشية س .

......والحديث في الامالي: عن إسماعيل الجعفي: أنه سمع أبا جعفر الباقر ( عليه السلام ): يقول : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي : جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ، وأحل لي المغنم ، ونصرت بالرعب ، وأعطيت جوامع الكلم، وأعطيت الشفاعة "(1)

الائمة الاثنا عشرعلیهم السلام في الشعر

يقول محمد بن علي بن طولون (880-953 ه-) في كتابه (الأئمة الإثنا عشر) في ابيات ساقها فيه من نظمه و هي:

عليك بالأئمة الإثني عشر***من آل بيت المصطفی خيرالبشر

ابوتراب حسن حسين***و بغض زين العابدين شين

محمد الباقركم علم دری***والصادق ادع جعفراً بين الوری

موسی هوالكاظم و ابنه علي***لقبه بالرضا و قدره علي

محمد التقي قلبه معمورُ***عليُ النقي دره منثورُ

والعسكري الحسن المطهرُ***محمدُ المهدي سوف يظهر

القندوزي الحنفي (ت 1270 ه-) ذكر ذلك في كتابه (ينابيع المودة) الباب 65.

ص: 100


1- - الأمالي- الشيخ الصدوق ص 285 .

هداية الامة إلی معارف الائمة آية الله الخراساني

العدد الرابع

بَلِ الحُدُوثُ وَاجِدُ المَزَّيةِ ***صُغراهُ كَالْكُبْری بّدّتْ جَلِيةً

يفي بالأجزاءِ وَ بَالِكُلّ معاً ***وَ لَيسَ الأمْكَانُ جَلِياً جَامِعاً

فتحصّل: أنّ طريقة الحكيم، لا مزّية لها علی غيرها، و لا الأستدلال فيها استدلال من العلّة: نعم، قد يوجّه العلّة بناءً علی اصلهم الفاسد من اصالة الوجود و وحدته الحقيقية؛ فحقيقة الوجود عندهم، ليس الّا واحداً، و هو الله؛ فهو العلّة للماهيات الأعتبارية والحادثات الأمكانية. فعلی طريقة الحكماء، حيث كان النّظر إلی الوجود، و هو في الواقع واحد و علّة كلّ موجود، فالأستدلال بحسب الواقع و لُبّ الأمر، استدلال من العلّة، و إن كان في الظّاهر تقسيم إلی الواجب والممكن.

ولكن هذا التوجيه ايضاً مضافاً إلی فساد اصله غير وجيه، لعدم موافقته:اوّلاً: لما قرّروا من دليلهم؛ فإنّ الدّليل الذّي قرّروه، ظاهر في الاستناد إلی الممكن و جعله مستلزماً للواجب لا إلی الوجود، و محض كونه لُبّاً هو الأصل، لا يوجب كونه هو الأصل في الدّليل ايضاً، مع كونه مغفولاً فيه.

و ثانياً: لو تمّ هذا الوجه و صحّ في نفسه، فلا اختصاص له ايضاً بالحكيم؛ اذ للمتكلّم ان يقول بمثله ايضاً و ان كان يستدّل بالحدوث فإنّه كما عرفت، لا ينفكّ عن تقسيم الوجود، والاصل المذكور اصل مسلكيّ يسلكه الحكيم والمتكلّم معاً.

و إذا تبين لك عدم مزّية لطريقة الحكيم علی طريقة المتكلّم، فاسمع الآن لمزيةطريقة المتكلّم عليها؛ كما قلت: بَلِ الحُدُوثُ والأستدلال به في طريقة المتكلّمين وَاجٍدُ المَزِّيةِ من جهات:

ص: 101

اولاها: أن صُغراهُ كَالْكُبْری بَدَت جَلِيةً؛ اي ظاهرة بديهية، و هي من المزيات البرهانية؛ فانّ البرهان، كلّما كانت صغراه و كبراه اجلی، كان البرهان ابهی و اعلی، و برهان الحدوث كذلك بكلتا مقدّمتيه؛ فإنّ صغراه: «أنّ الاشياء حادثة»، و هي وجدانية ظاهرة، و كبراه: «و هي كلّ حادث يحتاج إلی المحدِث»، ايضاً وجدانية لا خفاء فيه.

و امّا برهان الأمكان، فليس كذلك؛ فانّ صغراه: «و هي انّ الاشياء ممكنة»، غير ظاهرة، بل تحتاج إلی الأثبات والبيان و كذا كبراه: «و هي كلّ ممكن محتاج إلی الموجِد» فهي ايضاً غير ظاهرة كظهور كلّ حادث يحتاج إلی المحدِث.

ثانيتها: أنّ برهان الحدوث، يفي بالأجزاءِ وَ بالِكُلّ معاً؛ فكما يمكن جمع الموجودات بأسرها دفعة في الدّليل بان يقال: «العالم حادث»، كذلك يمكن انفراد كلّ جزء علی حدّه في الدّليل واثبات صانع له، بان يقال: «هذا الشيء حادث فيحتاج إلی المحدِث»، فهذا الدّليل اشمل، وكلما كان الدليل اشمل كان اجمل و اكمل وَ لَيسَ برهان الأمْكَانُ جَلِياً؛ كما عرفت و لا جَامِعاً، لأنّ اثبات الأمكان لكلّ من اجزاء العالم مشكل جدّاً.

اَنكَرَ الأِمْكَانَ لِلاَفْلَاكِ وَ مَا***يشْبَهُها كَالنَّفْسِ بَعْضُ الحُكَمَاء

كَذاكَ لاَ يفَي بِدَفْع الأزَلِيّ***اِذْ عِنْدَهُ الوجُوبُ لِلْكُلَّ جَليٌّ

بَلْ لاَ يفي شيئاً بِلَا انضِمامٍ***بَغَيرِه مِنْ مُوْضِح الْمَرَامِ

كيف؟وقد اَنكَرَ الأِمكَانَ لِلاَفَلاكِ وَ مَا يشبَهُها كَالنَّفسِ النّاطقة بَعضُ الحُكَمَاء.

ثالثتها: أنّ برهان الحدوث وافٍ بدفع من يری ازلية الأشياء؛ فإنّا اذا اثبتنا حدوث الأشياء، لا يبقی مجال لأزليتها. و امّا برهان الأمكان، فكما لا يمكن اثباته لجميع الاجزاء، كَذاكَ لاَ يفَيِ بِدَفْعِ الأزَلِيّ؛ اِذْ عِنْدَهُ الوجُوبُ لِلْكُلِّ جَليٌّ، و هذا الفساد اعظم من الجميع؛ فإنّ غاية ما يثبت هذا البرهان كما سنقرّره، أنّه لولا وجود الواجب في جميع الموجودات لدار او تسلسل. والازليّ يقول: بانّ الجميع واجب، و لا دافع له بهذا البرهان.

ص: 102

رابعتها: ما اشرت اليه بقولي: بَل لاَ يفي و لا يفيد شيئاً بِلا انضِمامٍ بِغَيرِه مِنْ مُوْضِح الْمَرَامِ؛ مثل ما بالذات إلی الواجب و ما بالغير إلی الممكن، بحيث يوجب افتقار الممكن إلی الواجب و عدم افتقار الواجب اليه و لو بجعلهما من خواصّ الواجب والممكن، والّا فمجرّد اثبات الممكن والواجب علی تفسيريهما لا يفيد فيما هو المقصود من اثبات الّصانع للعالم و مصنوعية العالم؛ فانّ «الواجب» علی تفسيره: «بما كان وجوده ضرورياً، او ما يمتنع عدمه، او لا يجوز عدمه»، يصدق علی الممكن ايضاً و هو الواجب بالغير؛ و«الممكن» علی تفسيره: «بما يستوي طرفاه، او بما لم يكن وجوده و عدمه ضرورياً، او بما يجوز عدمه، اولا يمتنع عدمه»، لا يوجب افتقاره إلی الواجب، الّا بأن يضمّ اليه أنّه بالغيرِ؛ و هذه الضميمة بنفسها، كافية في جعلها طريقاً للاثبات، بان يقال: الموجود إمّا بالذّات او بالغير، و كلّ ما بالغير، لا بدّ و ان ينتهي إلی ما بالذّات والّا لدار او تسلسل؛ و مع كفايتها بنفسها، طريقاً، لا وجه لجعلها ضميمة لغيرها.

وَ قَرَّرُوا هَذَا الدّليلَ هَكَذَا:***إنْ كَانَ فِي الْوُجُودِ واجِبٌ فَذَا

وَ اِنْ أبی كَانَ الجَمِيعُ مُمْكِناً***فَاحْتِيجَ لِلغَيرِ فَاِنْ يقِفْ هُنَا

فَهْوَ، وَ إِلَّا دَارَ أَوْ تَسَلْسَلَا***وَالكُلُّ عِنْدَ العَقْلِ عُدَّ بَاطِلاً

وَ قَرَّروا الأوَّلَ: إنّنَا نَرَی***لِلْعَالَم الْفَنَاءَ وَالتَّغَيرا

وَ إِنَّ هَذَا الوَصْفَ وَصفُ الحَادِثِ***وَاحْتَاجَ كُلُّ حادِثٍ بمُحْدِثٍ

فَالمَسْلَكَانَ، واحِدٌ كَمَا تَرَی***وَاخْتَلَفَا فِي الأَثَرَينِ قُرِّرا

فَالوَجْهُ لا يدُورُ فِي هَذَينِ***فَأتِ بِمَا شِئتَ سِوَی الوَجْهَينِ

إِذْ المَناطُ كَوْنُهُ مِنَ الأَثَرِ***فَكُلُّ وَصْفٍ أثَرَيٍّ يعْتَبَرْ

وَقد قَرَّرُوا هَذَا الدّليلَ؛ اعني برهان الأمكن بعد تقسيم الموجود إلی الواجب والممكن، هَكَذَا: إن كَانَ فِي جملة الوُجُودِ واجِبٌ، فَذَا هو المطلوب، وَ اِن أبی، كَانَ الجَمِيعُ مُمكِناً؛ اذ لا ثالث لهما، وارتفاع الضّدّين الّلذَينِ لا ثالث لهما كارتفاع

ص: 103

النّقيضين فَاحتِيجَ إذن لِلغَيرِ الّذي لا يكون ممكناً، فَاِن يقِف الافتقار هُنَا بان كان المفتقرإليه واجبا فهو المطلوب والا بان كان المفتقر اليه ايضا ممكنا دار ان فرض افتقاره الی ما هو مفتقر اليه، أَو تَسَلسَلَا ان لم تنته سلسلة الأفتقار إلی نهاية. وَالكُلُّ عِندَ الَعقلِ عُدَّ بَاطِلاً، و ظهور بطلانهما غنيّ عن تجشَم الدّليل.

وَ قَرَّروا الأوَّلَ (و هو برهان الحدوث) هكذا: إِنّنَا نَرَی لِلعاَلَمِ الفَنَاءَ وَالتَّغَيرا، و كلّ جزء منه في تغير و تبدّل و تجدّد و زوال؛ وَ إِنَّ هَذَا الوَصفَ، وَصفُ الحَادِثِ، وَاحتَاجَ بالضّرورة كُلُّ حادِثٍ بمُحدِثٍ؛ لأنّه لم يكن، فكان، والشّيء لا يتكوّن بنفسه والمعدوم لا يوجد الا بموجد موجود فان كان هو الله القديم فقد تم المطلوب والا داراو تسلسل؛ كما مرّ. و قضية الدّور والتّسلسل من متمّم الأستدلال في كلّ وجه و دليل.

و اذ تبين التّقريران، فَالمَسلَكَانَ واحِدٌ كَمَا تَرَی، و ليسا بطريقين مختلفين، وَ انّما اختَلَفَا فِي الأَثَرَينِ قُرِّروا من آثار الّصانع، فاختار كلّ من الطائفتين اثراً؛ و هذا نظير أن يستدّل واحد بالشّمس والقمر و آخر بالدّوابّ والبشر، و لا يخرج شيء منها عن الأستدلال بالأثر.

و علی هذا فَالوَجهُ لا يدُورُ و لا ينحصر فِي هَذَينِ الوجهين، فَأتِ بِمَا شِئتَ سِوَی الوَجهَينِ؛ إِذ المَناطُ كَونُهُ مِنَ الأَثَرِ، فَكُلُّ وَصفٍ أثَرَيِّ يعدُّ من الأثر يعْتَبَرْ في مقام الأستدلال.

مِنْ ذَاك أهْلُ البَيتِ مِنهُ اسْتَكثَروا***وَ اَهْمَلُوا الإمْكَانَ إذْ هُمْ اَبْصَرُ

فكُلَّ مَا سيقَ في الأسْتِدْلاَلِ***مِنْ أثَرِ المُوثَّرِ الفَعَّالِ

وَ كُلُّ وَجْهٍ مَا عَدَا الإمْكَانِ***كبُراهُ تَسْتَغْنِي عَنِ البُرْهَانِ

وَ إنَّمَا العُمْدَةُ بِالاثْباتِ***صُغْراهُ كَالحُدُوثِ لِلذَّواتِ

وَالصُّنْعٍ وَالتّألِيفِ وَالتَّدْبيرِ***وَالشَّكْلِ وَالتَّركِيبِ والتَّصْوِيرِ

وَالأختِلافِ وَ كَالأتّصال***وَالْفَقرِ والخُلوِّ عَنْ اِهْمَالٍ

ص: 104

مِن ذَاك أهْلُ البَيتِ (علیه السلام) مِنهُ؛ اي من الوجه اسْتَكْثَروا، و لم يقتصروا علی وجه واحد، بل استدّلوا بوجوه كثيرة، وَ اَهْمَلُو الإمْكَانَ فلم يذكروه، إذْ هُمْ (علیه السلام) اَبْصَرُ به.

ولعلّ الوجه ما ذكرنا فيه من الخلل، مضافاً إلی أنّ اطلاق الواجب عليه تعالی و مقابلته بالممكن، غير معروفين بالعرف واللّغة، و إنّما هما من مصطلحات الفلاسفة، و اذ قد تبين أنّ المناط في الدّليل كونه من الاثار، فكُلَّ مَا سيقَ في الأسْتِدْلاَلِ فهو إذن مِنْ أثَرِ المُؤثَّرِ الفَعَّالِ(1)،

وَ كُلُّ وَجْهٍ من الحدوث و غيره ممّا سيأتي مَا عَدَا الإمْكَانِ، كبُراهُ تَسْتَغْنِي عَنِ البُرْهَانِ عليها؛ لأنّها وجدانية ضرورية، بخلاف كُبری الأمكان؛ فانّها تحتاج إلی الاثبات كما عرفت.

وَ إنَّمَا العُمْدَةُ بِالاثْباتِ في كلّ وجه، صُغْراهُ؛ كَالحُدُوثِ مثلاً لِلذَّواتِ في قولك: و هذا الشيء حادث، و كذلك التغير في قولك: العالم متغير وَ مثل الصُّنْعِ في قولك: العالم مصنوع، وَالتَّألِيفِ في قولك: العالم مؤلّف، وَالتَّدْبِيرِ في قولك: العالم مدبّر،وَالشَّكْلِ وَالتَّركِيبِ والتَّصْوِيرِ للاجسام، وَالأختِلافِ كاختلاف الاضداد واختلاف اللّيل والنّهار واختلاف الألسنة و غير ذلك، وَكَالأتّصال؛ اي اتصّال النّظم والتّدبير للعالم، وَالْفَقْرِ؛ يعني افتقار العالم إلی مدبّر وافتقار بعضها إلی بعض، والخُلوِّ عَن اِهمَالٍ؛ يعني، أنّ العالم لا أهمال فيه، و أنّ وضعه كذلك ليس عن اهمال بل عن تقديرِ قادرٍ فعالٍ.

وَ كُلُّ ذَا مِمّا قَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ***وَ إِنَّ كُلّاً آيةٌ لِلْمُنتَبِهِ

وَالفَرْقُ أنَّ بَعْضَها أَعمُّ مِنْ***بَعْضٍ فِي الإثبَاتٍ، تَأمَّلْ وَافتَطِنْ

وَالكُلُّ كُبْرَياتُها فِطْريةٌ***جَلِيةُ فِطْرِيةٌ عَقْلِيةٌ

يدْرِكُها العَقْلُ بِلَا تَمَحُّلٍ***بِفِطْرَةِ الإدْرَاكِ وَالتَّعَقُلِ

فَالعَقْلُ عَنْ ضَرُورَةِ الوُجْدَانِ***يقْضي صَريحاً لِلْبَنَاءِ بَانٍ

ص: 105


1- - و هذا ظاهر، لأنّ الأستدلال عليه لا يكون الّا بغيره و ليس شيء غيره الّا و هو مخلوق له؛ كما قال الصّادق: «و كلّ شيء مخلوق»؛ و كلّ ما هو مخلوق له فهو اثره. البحار3/295/19.

وَ إِنَّهُ لِكُلِّ وَضْع وَاضِعٌ***وَ كُلُّ مَصْنُوعٍ عَلَيهِ صَانِعٌ

وَ كُلُّ فِعْلٍ صادِرُ عَنْ فَاعِلٍ***وَالقَتْلُ لا بُدّ لَهُ مِنْ قَاتِلٍ

وَ كُلُّ ذَا مِمّا قَدِ استُدِلَّ بِهِ في كلمات الأئمّة (علیه السلام) واحتجاجاتهم علی الخُصماء؛ وَ إِنَ كُلّاً آيةٌ للمُنتَبِهِ، و اثر من آثار المؤّثر عنده. وَالفَرقُ أنَّ بَعضَها أَعمُّ مِن بَعضٍ فِي الإثبَاتِ؛ تَأمَّل! وَافتَطِن! فإنّ الحدوث، اكثر اثباتاً من الصّنع والتّركيب مثلاً، والأتّصال اتمّ من الأهمال، و كذلك يجري بعضها فيما لا يجري فيه غيره، فيثبت ما لا يثبته غيره؛ كالصّنع والاتّصال مثلاً فيما لا اختلاف فيه و فيما فيه اختلاف.

وَالكُلُّ كُبْرَياتُها فِطْريةٌ جَلِيةٌ؛ اعني فِطْرِيةٌ عَقْلِيةٌ، يدْرِكُها العَقْلُ بِلَا تَمَحُّلٍ بِفِطْرَةِ الإدْرَاكِ وَالتَّعَقُلِ؛ فانّ كثيراً من المعاني الكلية، تدركها عقولنا بصفائها من دون تمحلّ واستدلال، و تسمّی هذه الفطرة ب«الفطرة العقلية»، لأن المدرك لها العقل؛ كما أنّ كثيراً من اللّذات والآلام الجسمانية والنفسانية، تدركها نفوسنا وامزجتنا، و تسمّی هذه الفطرة ب«الفطرة الطبيعية»، لأنّ مدركها الطّبع.والّذي انكرتُ علی مدّعي الفطرة في باب التوحيد، إنّما هو انكار أنْ تكون المعرفة من احدی الفطرتين، وقد ذكرت شيئاً من هذه الكبريات الفطرية.

فَالعَقْلُ عَنْ ضَرُورَةِ الوُجْدَانِ، اي الّذي يجده في نفسه و من نفسه، يقْضِي قضاءً صَرِيحاً من غير خفاء ولا ترديد، بأنّ لِلْبَنَاءِ بَانٍ؛ كما قال اميرالمؤمنين (علیه السلام): تركيب و تصوير و تأليف، وَاضِعٌ لابدّ منه؛ وَ كُلُّ مَصنُوعٍ عَلَيهِ صَانِعٌ لابدّ منه؛ وَ كُلٌّ فِعْلٍ صادِرٌ عَنْ فَاعِلٍ لابدّ منه؛ فانّ وجود الافاعيل، تدّل علی فاعلها؛ وَالقَتْلُ لابُدّ لَهُ مِنْ قَاتِلٍ؛ كما قال (علیه السلام): «او جناية من غير جانٍ»؛ كذلك كُلّ متغير حادث او يحتاج إلی مغير، وكلّ حادث يحتاج إلی مُحدِث، والفقير محتاج إلی الغنّي، و ما بالغير إلی ما بالذّات.

وَ صُغْرَياتُ هَذِهِ المَعَانِي***واضِحَةٌ ايضاً علَی الوُجْدَانِ

وَالشُّبَهَاتُ أورَثَتْهَا الاخْتِفَاءُ***لَيسَ لَهَا ذَاتاً كالاِمْكَانِ، خَفاءٌ

ص: 106

فَالصُّنْعُ ظاهِرٌ لِكُلِّ مَنْ نَظَرَ***إذْ كُلّ شيءٍ فِيهِ لِلصُّنْعِ اَثَرٌ

وَ عند التدبّر والتّحقيق، صُغْرَياتُ هَذِهِ المَعَانِي واضِحَةٌ ايضاً علَی الوُجْدَانِ؛ و ان لم تكن كوضوح الكبريات؛ لأحتياجها إلی ادنی تأمّل و تدبّر. وَ انّما الشُّبَهَاتُ الّتي القتها الملاحدة أو اهل الأستدلال في بعضها، أوْرَثَتْهَا الاخْتِفَاءُ؛ فاحتاجت إلی دقّة وامعان، او توضيح و بيان. لَيسَ لَهَا ذَاتاً و في نفسها، لولا تلك الشُبهات، كالاِمْكَانِ، خَفاءٌ؛ فانّ امكان الأشياء خفي في نفسه يحتاج إلی تقرير و بيان و اثبات بعد معنی الامكان و اما الحدوث و التغيّر و الصّنع و التّأليف و التّركيب و الشّكل و التّصوير و الأختلاف و الأفتقار و الأتّصال و عدم الاهمال، امور واضحة، في نفسها، ظاهرة بالعيان، لمن لا ينكر الوجدان.

و اذ قد تبين تكثّر الطّرق و تعدّد الوجوه بالأجمال، فلنذكر بالتّفصيل ما ورد عن الأّئمة (علیه السلام) من الأستدلال بهذه الوجوه.

ص: 107

حديث الكساءفي مصادر العامة

من هم اهل البيت في اية التطهير و هي قوله تعالی (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا)؟

لاَبُدّ لنَا مِن تَحدِيد معنی (الأَهل) لُغَةً و اصطلاَحَاً – كمَا وَرَدت فِي كتَاب الله، وَ أَحَادِيث رَسُوله صلی الله عليه و اله وَ قَوَامِيس اللُّغَة العَرَبِية، و ذَلِكَ لقَطع الطَّرِيق عَلَی المُتلاَعبِين، وَ إِلقَاء الحُجّة عَلَی الآخرِين، وليكُن تَحدِيدنَا عَلَی نَحو الإِستعرَاض السَّرِيع.

فَالأَهل فِي اللُّغَة: أَهل الرَّجُل، عَشِيرَته، وَ ذُوو قُربَاه، جَمعَه: أَهلُون، وَ أَهَلات، وَ أَهل. يأهل وَ يأهلِ أَهولاً وَ تَأهل وَاتَهل: اَتّخذ أَهلاً.

وأهل الأَمر: وُلاَتِه، وللبَيت سكّانه، وللمَذهَب مَن يدِين بِه، وَللرَّجُل كَأهلَته، وَللنَّبيّ صلی الله عليه واله أَزوّاجَه، وَ بَنَاته، وَصِهره عَليّ عليه السلام أَو نساؤه، وَالرِّجَال الّذينهُم آله، وَلكلّ نَبيٍّ أُمّته، وَ مكَان آهل، لهُ أَهل وَ مَأهُول، فِيهِ أَهل ...(اُنظر القَامُوس المُحِيط للفَيرُ وزآبَادي).

وَ ذَكر فِي المُعجَم الوَسِيط تَعرِيفَاً آخر للأَهل: الأَهل: الأَقَارب، وَالعَشِيرَة، وَالزّوجَة، و أَهل الشّيء: أَصحَابه، و أَهل الدَّار وَ نَحوها: سكّانها.

وَ ذَكر الرّازي صَاحب مُختَارَات الصّحَاح معنی الأَهل فَقَالَ: مِن الأَهَالة، وَالأَهَالة لُغةً: الوَدَك وَالمُستَأهل هُو الَّذي يأخذ الأَهَالة، وَالوَدَك دِسم اللّحم، والبَيت عِيال الرَّجُل...وَالأَهل، وَالأَقَارب، وَالعَشِيرَة، وَالزَّوجَة، وَ أَهل الدَّار وَ نَحوها: سكّانها.

إِذَن، كَلِمَة «أَهل» عِندَما تُطلَق فَإِنَّهَا تَحتَمل عِدّة مَعَان، فرُبَّمَا تَعني: الزّوجَة فَقط، أَوالأَولاَد فَقط، أَو الزَّوجَة والأَولاَد مَعاً، أَو الأَقَارب وَالعَشِيرَة، إلی غَير ذَلِكَ. وَ لذَا نَجد كُلّ وَاحِدَة من هَذِه المَعَانِي قَد وَرَدت فِي القُرآن الكَرِيم، حَيث قَالَ تَعَالَی: (فَلَمَّا

ص: 108

قَضَی مُوسَی الأَجَلَ وَ سَارَ بِأَهلِهِءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهلِهِ امكُثُوا إِنّي ءَانَست نَاراً لَّعَلِّي ءَاتِيكُم مِّنهَا بِخَبَرٍ أَو جَذوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُم تَصطَلُونَ)(1).

فأَهل مُوسَی عليه السلام فِي الآية الكَرِيمَة هِي الزَّوجَة الَّتي خَرَج بهَا عَائِدَاً مِن مَدين إلی مِصر، ولَيسَ يصحَبهُ أَحد سوَاهَا، فَلاَ تَنصرف كَلِمَة «أَهله» إلی معنی آخر.(2).

وَ قَالَ تَعَالَی: (قَالَت مَا جَزَاءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوءًا إِلّآ أَن يسجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيمٌ)(3).

وَالأَهل هُنا أَيضَاً تَعني الزَّوجَة، وَ هِي زَوجَة عَزِيز مِصر لاَ غَير.

و أَمَّا قَوله تَعَالَی: (إِنَّا مُنَجٌّوكَ وَ أَهلَكَ إِلاَّ امرَأَتَكَ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ)(4) ، وَ قَوله تَعَالَی: (وَ أمُر أَهلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصطَبِر عَلَيهَا).(5) فكَلِمَة «الأَهل» فِي الآيتَين الشَّرِيفَتَينتَعني الأُسرَة المكُوّنة مِن الزّوجَين، والأَولاَد، و مُتَعَلِّقِي الرِّجَال، عَلَی الرّغم مِن استثنَاء زَوّجَة لُوطٍ عليه السلام فَنَالهَا العَذَاب.

و أَمَّا قَوله تَعَالَی: (وَ نَادَی نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابنِي مِن أَهلِي وَ إِنَّ وَعدَكَ الحَقُّ وَ أنَتَ أَحكَمُ الحَكِمِينَ قَالَ ينُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِن أَهلِكَ...)(6) ، فَكَلِمَة «الأَهل» هُنا تَعني اُسرَة الرَّجُل السّالكِين لدَربه، وَالسّائرِين عَلَی خَطّه، وَلذَا خَرج ابنِهِ عَن الأُسرَة، وَ لذَا لَم يعد أحد أَبنَائه، لأَنّه خَرَج عَن خَطّ أَبِيه عليه السلام. وَ كَانَ نُوح عليه السلام يحمل زَوجه و أولاَده وَ زَوجَات أَولاَده. (لاَحظ تَفسِير الآية فِي كُتب التَّفسِير و خَاصّةً تَفسِير الجَلاَلَين).

ص: 109


1- القَصَصِ:29
2- اُنظر تَفسِير السَّيد عبدالله شُبّر:373 الطّبعَة الثّالثَة دَار إِحياء التّرَاث
3- يوسُفَ:25
4- العَنكَبُوتِ:33
5- طه:132
6- هُودٍ:45 و 46

وأَمَّا قَوله تَعَالَی: (وَ إِن خِفتُم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابعَثُوا حَكَماً مِّن أَهلِهِ وَ حَكَماً مِّن أَهلِهَا)(1)

و قَوله تَعَالَی: (وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِّن أَهلِهَا)(2) ، فكَلِمَة «الأهل» فِي الآية الأُولَی تَعني أَقَارب وَ عَشِيرَة الزّوجَين. وفِي الآية الثَّانِية فَتَعني أَقَارب وَ عَشِيرة امرَأَة عَزِيز مِصر. (لاَحظ تَفسِير الآية فِي كُتب التَّفسِير و خَاصّةً تَفسِير الجَلاَلَين)

وَأَمَّا قَوله تَعَالَی: (وَلَا يحِيقُ المَكرُ السَّيئُ إِلَّا بِأَهلِهِ )(3) ، و قَوله تَعَالَی: (إِنَّ اللَهَ يأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَی أَهلِهَا)(4)، وَ قَوله تَعَالَی: (قَالَ أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا)(5) ، فكَلِمَة «أَهل» فِي الآيات الشَّرِيفَة تَعني أَصحَاب الشّيء أَو أَصحَاب العَمَل.

وَالخُلاَصة: أَنّ كَلِمَة «أَهل» قَد وَرَدت فِي القُرآن الكَرِيم (54) مرّة(6).وأَمَّا كَلِمَة «بَيت» الَّتي وَرَدت فِي مَوَاطن عَدِيدَة مِن كتَاب الله تعالی وَ سُنّة نَبِيه صلی الله عليه و اله، أَيضَاً حَمَلَت عَدّة مَعَانٍ، مِنهَا المَسجِدِ الحَرَام. و مِنهَا: البَيت النّسبي، و مِنهَا: البَيت المَادّي المُعدّ للسَكن، و غَير ذَلِكَ. فَقَد وَرَدت بِمعنی المَسجِدِ الحَرَام(15) مرّة(7) لِأَنَّهَا مِن الأَلفَاظ المُشتَركَة.

أمَّا إِذَا أَضفنَا كَلِمَة «البَيت» إلی الأهل فَقَد وَرَدت فِي القُرآن الكَرِيم مرّتَين كمَا فِي قَوله تَعَالَی: (رَحمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ)(8). و قَوله تَعَالَی: (إِنَّمَا يرِيدُ اللهُ لِيذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ)(9).

ص: 110


1- النِّسَاء:35.
2- يوسُفَ:26
3- فاطِرٍ:43
4- النِّسَاء:58
5- الكَهفِ:71
6- اُنظر المُعجَم المُفَهرس لأَلفَاظ القُرآن الكَرِيم لُمُحَمَّد فُؤاد عَبد البَاقي.
7- اُنظر، البَقَرَة:125 و 127 و 151، الأَنفَالِ: 25، هُودٍ: 73، الحَجِّ: 26و 29 و 33، آلِ عِمرَانَ: 96 و 97، المَائِدَةِ: 2 و 97، الأَحزَابِ: 33، الطُّورِ: 4، إِبرَاهِيم: 27
8- هُودٍ: 73
9- الأَحزَابِ:33

أَمَّا كَلِمَة «أَهل البَيت» فِي السُّنَّة المُطهّرة فكَثِيرَة الورُود، وَ لاَيمكن لنَا استعرَاضها، لإِستلزَام ذلَكَ مُرَاجعَة قَوله، وَ فِعله، وَ تَقرِيره صلی الله عليه و اله، وَ هَذَا مِمَّا لاَ يمكن حَصرَه.

وَ بِما أَنّ المَدلُول الحَقِيقِي لِهَذَا المُصطَلح الجَلِيل قَد تَعرّض لحَملةٍ مِن التزّوير، وَالتّشويه، و هُو مَدَار بَحثنَا فَيقتضي التنّويه عَمّا وَرَد عَنه صلی الله عليه و اله عَلَی سَبِيلِ الإِجمَال لاَ التّفصيل. فَقَد وَرَد عَنه صلی الله عليه و اله عَن طَرِيق أَهل السُّنَّة وَالشِّيعَة مَا يقاربُ الّثمانِين.روی اهل السنة ما يقرب من اربعين حديثا وروی الشيعة اكثر من ثلاثين طَرِيقَاً. وَ عَلَی الرّغم مِن ذَلِكَ فقدتمَخّض عَن إِهمَال القَرِينَة قِيام عِدّة آرَاء وَ مَذَاهب كلّ مِنها تَزعَم سَلاَمَة الإِتّجَاه و التَّفسِير لِهَذَا المُصطَلح.

فَمِنهُم مَن يقُول: إِنَّ أَهل البَيت الّذين عَنَتُهم آية التَّطهِير هُم: بَنُو هَاشِم – أَي بَنُو عَبدالمُطّلبِ جَمِيعَاً -. و مِنهُم مَن قَالَ: إِنّهُم مُؤمنُو بَني هَاشِم و عَبدالمُطّلب دُونَ سَائِر أَبنَائهمَا(1).وَ مِنُهم مَن يقُول: إِنّهُم العَبَّاس بن عَبدالمُطّلب وَ أَبنَاؤه(2).

وَ مِنهُم مَن يقُول: هُم الّذين حُرموا مِن الصَّدَقَة. آل عَليٍّ، و آل جَعفرٍ، و آل العَبَّاس(3).

و مِنهُم مَن يقُول: هُم نِسَآءَ النَّبِيّ صلی الله عليه و اله، وَ عليّ، و فَاطِمَة، والحَسَن، والحُسَين(4).

و مِنهُم مَن يقُول: هُم نِسَآءَ النَّبِيّ صلی الله عليه و اله خَاصّةً، حَتَّی أَن عِكرِمَة كَانَ يقول: مَن شَاء بَاهلتَه بأَنَّهَا نَزَلت بِأزوّاج الرَّسُول صلی الله عليه و اله. و لَسنَا بِصَدَد مُنَاقشَة هَذِه الأَقوَال، وَلَكن نُذكّر القَاريء الكَرِيم بِأنّ عِكرِمَة بن عَبدالله يری رَأي

ص: 111


1- اُنظر، رُوح المَعَانِي للآلُوسي:24/14
2- اُنظر، المَصدَر السّابق
3- اُنظر تَفسِير الخَازن: 5/259
4- اُنظر، تَفسِير الخَازن: 5/259، تَفسِير الكَشّاف: 3/625، فَتح القَدِير للشَّوكَاني: 4/278 و 280

نَجدَة الحَرُورِيّ و هُو مِن أشدّ الخَوَارِج بُغضَآً لعَليّ بن أَبي طَالب عليه السلام. وَ يري أَيضَاً كُفر جَمِيع المُسلِمِين مِن غَير الخَوَارِج. و هُو القَائِل أَيضَاً عِندَما وَقَف عَلَی بَاب المَسجِدِ الحَرَام: مَا فِيهِ إِلّا كَافر.

وَ مِن مَفَاهِيمَه الإِعتقَادية: إِنّما أنزَل الله مُتشَابه القُرآن ليضلّ بِه. وَ قَد اشتَهر بكِذبهِ وَوضعه للحَديث وَ لذَا وَصَفه يحيی بن سَعِيد الأَنصَاري بِإنّه كَذّاب.(1) أَفَيصحٌ بَعد هَذَا أَن نَأخذ بحَديثٍ يرويه؟!.

أَمَّا الرّاوي الثَّانِي بَعد عِكرِمَة فَهُوَ مُقاتل بن سُليمَان البَلخي الأَزدِيّ الخرَاسَاني، كَانَ مُفسّراً لِلقُرآن الكَرِيم عَلَی طَرِيقَته الخَاصَّة، حَتَّی قَالَ فِيهِ ابن المُّبارك: مَا أحسنتَفسِيره لَو كَانَ ثقَة.(2)

و كان من غلاة المجسّمة يشبّه الخالق بالمخلوقين، حَتَّی قال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التّشبيه حَتَّی قال: إنّه تعالی ليس بشيء، و أفرط مقاتل في الإثبات حتّی جعله مثل خلقه.(3).

و قال النّسائي: والكذّابون المعروفون بوضع الحديث: ابن أبي يحيی بالمدينة، والواقدي ببغداد، و مقاتل بن سليمان.(4).

و كان مقاتل علی مذهب المرجئة.(5)

و يأخذ عن اليهود، والنّصاری و يغرّر بالمسلمين، حتّی قال فيه الذّهبي: كان مقاتل دجّالا جسوراً.(6)

عود علی بدء: كيف يفسّر عكرمة أو مقاتل بأنّ الآية نزلت في نسآء النّبيّ صلی الله عليه و اله خاصَّة مع أنّ المراد من الرّجس هو مطلق الذّنب؟! و هذا يلزم إذهاب

ص: 112


1- اُنظر، تَرجمَةِ عِكرِمَة فِي مِيزَان الإعتِدَال للذَّهبي: وَالمعَارف لاِبن قُتَيبَة: 455 الطّبعة الأُولَی قُم مَنشُورَات الشَّرِيف الرَّضِي، طَبقَات ابن سَعد.
2- اُنظر، مِيزَان الإِعتدَال للذّهبي: 4/173 الطّبعَة الأُولَی بيروت، تهذيب العمّال في السماء الرّجال للحّافظ الخزرجي الأنصاري.
3- انظر، المصدر السّابق
4- ميزان الإعتدال: 3/562 في ترجمة محمّد بن سعيد المصلوب
5- الفصل لابن حزم: 4/205
6- انظر، ميزان الإعتدال: 3/562

الرّجس عنهنّ وَ بالتّالي لا يصحّ قوله تعالی: (يانسآء النّبيّ من يأت منكنَّ بفاحشة مّبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك علی الله يسيرا)(1).

و كيف يفسّران إيذاهنّ له صلی الله عليه و اله مع إذهاب الرّجس عنهنّ؟! حيث ذكر البخاريّ: إنّ النّبيّ صلی الله عليه و اله هجر عائشة، وحفصة شهرا كاملا، و ذلك بسبب إفشاء حفصة الحديث الّذي أسرَّه له إلی عائشة، فقالت للنّبيّ صلی الله عليه و اله: إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا.(2) و في رواية أنس: قال صلی الله عليه و اله: «آليت منهنّ شهراً»(3).

و ها هو ابن عبّاس يقول: لم أزل حريصاً علی أن أسأل عمر بنالخطّاب عن المرأتين من أزواج النّبيّ صلی الله عليه و اله الّلتين قال الله تعالی فيهما: (إن تتوبا إلی الله فقد صغت قلوبكما)(4) حتّی حج و حججت معه ... حتّی قال ابن عباس: فقلت للخليفة: من المرأتان؟ فقال عمر بن الخطاب: واعجبا لك يا ابن العباس، هما عائشة و حفصة.(5) وها هي عائشة و تعقّبها للنبي صلی الله عليه و اله بعد ما فقدته في ليالي نوبتها، و قوله صلی الله عليه و اله لها: «مالك يا عائشة! أغرت؟ فقالت: و مالي أن لا يغار مثلي علی مثلك؟! فقال لها صلی الله عليه و اله: أفأخذك شيطانك؟!(6).

و كيف يفسران قوله تعالی: (إن الذين يؤذون الله و رسوله و لعنهم الله في الدنيا و الأخرة و أعد لهم عذابا مهينا)(7)

، و قوله تعالی: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم)(8) ، و قوله تعالی: (عسی ربّه إن طلقكن أن يبدله و أزوجا خيرا منكن مسلمات

ص: 113


1- الأحزاب:30
2- انظر، صحيح البخاريّ: 3/34.
3- انظر،نفس المصدر السّابق
4- التّحريم:4.
5- انظر،صحيح البخاري:7/28-29، و:3/133.
6- انظر، مسند الامام احمد: 6/115، تفسير الطبري28/101، طبقات ابن سعد:8/135 طبعة اوربا، و صحيح الامام البخاري: 3/173، و: 4/22، صحيح مسلم كتاب الطلاق ح31-34
7- الأحزاب: 57
8- التوبة: 61

مؤمنات قانتات تآئبات عابدات...)(1)، و قوله صلی الله عليه و اله لأمّ سلمه عندما سألته: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: أنت إلی خير إنك من أزواج النبي. و ما قال:انك من أهل البيت؟!(2).

أما المدلول الحقيقي لأهل البيت بعد تخصيص هذا التّعميم و تقييد الإطلاق في الآية الكريمة من خلال القرينة التي ترافق الإستعمال، و كذلك من خلال الأحائيث النّبوية المحدّدة للمراد من أهل البيت في آية التّطهير، و هي ما أجمعت عليه الأمّة منخلال كتب الحديث المشهورة و كتب التفسير فإنه يظهر لنا أن هذه الآية نزلت في خمسة، و هم: محمد، و علي، و فاطمة، والحسن، والحسين:... و مصادر تلك الأحاديث غير محصورة، ولكن نشير إلی ما هو متداول و مشهور منه:

1- روت أم المؤمنين أم سلمة بشأن هذه الآية: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قالت: إنها نزلت في بيتي، و في البيت سبعة: جبريل، و ميكال، و علي، و فاطمة، والحسن والحسين رضي الله عنهم و أنا علی باب البيت، قلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلی خير، إنّك إلی خير! إنك من أزواج النبي.(3)

2- وروی عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: لمّا نظر رسول الله صلی الله عليه و اله إلی الرّحمة هابطة قال: ادعوا لي، ادعوا لي، فقالت صفية بنت حيي بن أخطب زوج رسول الله صلی الله عليه واله: من يا رسول الله؟ قال: أهل بيتي: علياً، و فاطمة، والحسن، والحسين. فجيء بهم، فألقی عليهم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كساءه ثم رفع يديه ثم قال اللهم

ص: 114


1- التحريم: 5
2- انظر، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 2/124 تحقيق: الشيخ المحمودي نقلا عن كتاب معجم الشّيوخ: 2/الورق 7 من المصوّرة، تفسير الطّبريّ:22/7
3- انظر، الدر المنثور للسيوطي: 4/198، و مشكل الآثار: 1/233، و رواية أخری في سنن الترمذي: 13/248، و مسند الامام احمد: 6/306، اسد الغابة لابن الأثير: 4/29، و تهذيب التهذيب لابن حجر: 2/297

هؤلاء آلي فصل علی محمد و آل محمد فنزل قول الله عزوجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت...) (1)

3- وروت أم المؤمنين عائشة بشأن نزول هذه الآية قالت: خرج رسول الله غداة و عليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءَت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله. ، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا). (2)4- و عن أنس بن مالك قال: أن رسول الله صلی الله عليه و اله كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلی صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا).(3)

فهؤلاء أهل بيت النبي صلی الله عليه و اله علي، و فاطمة، والحسن، والحسين: كما جاء في النقل المتواتر الذي لا يقبل اللبس، و كما هو معروف من أحوال النبي صلی الله عليه واله و سيرته معهم.

و نظرا لكثرة المصادر التأريخية، والحديثية، والتفسيرية نكتفي بذكرها فقط دون تدوين الواقعة.

أولا: بدءً بعائشة زوجة النبي صلی الله عليه واله و اعترافها بأن أهل البيت هم: علي، و فاطمة، والحسن والحسين:، و هي خارجة عنهم، أي لم تشملها الآية.(4)

ص: 115


1- انظر، مستدرك الصحيحين: 3/147، صحيح مسلم: 5/154، مسند الامام احمد: 1/9، سنن البيهقي: 6/300.
2- انظر، مستدرك الصحيحين: 3/147 طبعة حيدر آباد، تفسير الطبري: 22/5 طبعة بولاق
3- انظر، المصادر السابقة، و تفسير ابن كثير: 3/483، والدر المنثور، 5/199، و مسند الطيالسي: 8/274
4- انظر، صحيح مسلم باب فضائل أهل البيت: 2/268 طبعة عيسی الحلبي بمصر، و: 15/194 طبعة مصر أيضا بشرح النّووي، فتح البيان لصديق حسن خان: 7/365، فتح القدير للشوكاني: 4/279، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/56 ح 676 – 584 تحقيق: الشيخ المحمودي، المستدرك للحاكم، 3/147، الدر المنثور للسيوطي: 5/198، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54 و 373 و 374 طبعة الحيدرية، نظم درر السمطين في فضائل المصطفی والمرتضی والبتول والسبطين: 133

و ثانيا: اعتراف أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلی الله عليه و اله بأن أهل البيت هم: علي، و فاطمة، والحسن والحسين:، و هي خارجة عنهم.(1)

و ثالثا: اختصاص أهل البيت بعلي، و فاطمة، والحسن، والحسين، : من خلال قوله صلی الله عليه واله :«اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا). و قريب منه ألفاظ أخری كما ورد عن عن جابر بن عبدالله: أن رسول الله صلی الله عليه واله دعا عليا، وابنيه و فاطمة، فألبسهم من ثوبه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي، هؤلاء أهلي.(2)

ص: 116


1- انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/39ح 659و 706و 707 – 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و757 – 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية،مطالب السئول5/327ح3205 صحيح الترمذي: 5/31 ح 3258و 328 ح 3875 و 361 ح 3963.فتح البيان لصديق حسن خان:7/364فتح القدير للشوكاني:4/279.مناقب الامام علي بن ابي طالب لابن المغازلي الشافعي:303ح349و347 تفسير ابن كثير 484/3. الدر المنثور للسيوطي:5/196. نظم درر السمطين في فضائل المصطفی و المرتضی و البتول و السبطين:238، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي:372 طبعة الحيدرية ينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي107و 228و230و294 طبعة اسلامبول اسد الغابة لابن الاثير:2/12و3/413 و4/29. السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي:3/212 طبعة البهية بمصر ،. تفسير الطبري:22/7اسعاف الراغبين بهامش نور الابصار 97طبعة العثمانية
2- انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/39ح 659و 706و 707 – 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و757 – 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي:3/212 طبعة البهية بمصر ، صحييح الترمذي: 5/31 ح 3258و 328 ح 3875 و 361 ح 3963. صحيح مسلم باب فضائل علی بن ابي طالب 15/176 طبعة مصر بشرح النووي. وانظر ايضاً، مناقب الامام علي ابي طالب لابن المغازلي الشافعي302ح346- 350، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19 طبعة النجف، سنن الترمذي: 5/327 ح3205 المناقب للخوارزمي الحنفي60 مقتل الحسين للخوارزمي 1/75 خصائص امير المؤمنين للنسائي :4و16 طبعة القاهرة و ص46 المستدرك علی الصحيحين للحاكم2/150 و 416 و 3/108 و 146 السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي3/330 طبعة البهية بمصر فتح البيان لصديق حسن خان: 7/364، فتح القدير للشوكاني: 4/279، تفسير ابن كثير: 3/484، الدر المنثور للسيوطي: 5/198،مجمع الزوائد 7/91 تاريخ الخلفاء للسيوطي: 169 ينابيع المودة للحافظ القندوزي 107 و108 و 194و 228و230و 244و 281و 294 طبعة إسلامبول مسند الامام احمد : 1/ 185 و 3/259و 6/298طبعة الميمنية بمصر مشكاة المصابيح للعمري:3/254 تاريخ ابن عساكر الشافعي1/21ح 3و ص184و 249و 271-273تفسير الفخر الرازي: 2/700 اسد الغابة لابن الأثير: 2/12، و : 3/413 و :4/26 و 5/66 و 174 و 521 و 589. و راجع منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام احمد5/53 مصابيح السنة للبغوي الشافعي:2/278 طبعة محمد علي صبيح المعجم الصغير للطبراني:1/65 نظم درر السمطين في فضائل المصطفی والمرتضی والبتول و السبطين:133و 238 و239، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن 5/213 الصواعق المحرقة لابن حجر 119و 141- 143و 227 طبعة المحمدية مرآة الجنان لليافعي: 1/109 التاريخ الكبير للبخاري 1/ق2/69 رقم 1719 و 2174 طبعة سنة 1382ه- اسباب النزول للواحدي :203 الاتحاف للشبراوي الشافعي :5 الاسيعاب لابن عبد البر بهامش الاصابة لابن حجر العسقلاني 3/37 طبعة السعادة كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54و 142 و 144 و 242 طبعة الحيدرية. انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/39ح 659و 706و 707 – 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و757 – 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي:3/212 طبعة البهية بمصر ، صحييح الترمذي: 5/31 ح 3258و 328 ح 3875 و 361 ح 3963. صحيح مسلم باب فضائل علی بن ابي طالب 15/176 طبعة مصر بشرح النووي. وانظر ايضاً، مناقب الامام علي ابي طالب لابن المغازلي الشافعي302ح346- 350، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19 طبعة النجف، سنن الترمذي: 5/327 ح3205 المناقب للخوارزمي الحنفي60 مقتل الحسين للخوارزمي 1/75 خصائص امير المؤمنين للنسائي :4و16 طبعة القاهرة و ص46 المستدرك علی الصحيحين للحاكم2/150 و 416 و 3/108 و 146 السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي3/330 طبعة البهية بمصر فتح البيان لصديق حسن خان: 7/364، فتح القدير للشوكاني: 4/279، تفسير ابن كثير: 3/484، الدر المنثور للسيوطي: 5/198،مجمع الزوائد 7/91 تاريخ الخلفاء للسيوطي: 169 ينابيع المودة للحافظ القندوزي 107 و108 و 194و 228و230و 244و 281و 294 طبعة إسلامبول مسند الامام احمد : 1/ 185 و 3/259و 6/298طبعة الميمنية بمصر مشكاة المصابيح للعمري:3/254 تاريخ ابن عساكر الشافعي1/21ح 3و ص184و 249و 271-273تفسير الفخر الرازي: 2/700 اسد الغابة لابن الأثير: 2/12، و : 3/413 و :4/26 و 5/66 و 174 و 521 و 589. و راجع منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام احمد5/53 مصابيح السنة للبغوي الشافعي:2/278 طبعة محمد علي صبيح المعجم الصغير للطبراني:1/65 نظم درر السمطين في فضائل المصطفی والمرتضی والبتول و السبطين:133و 238 و239، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن 5/213 الصواعق المحرقة لابن حجر 119و 141- 143و 227 طبعة المحمدية مرآة الجنان لليافعي: 1/109 التاريخ الكبير للبخاري 1/ق2/69 رقم 1719 و 2174 طبعة سنة 1382ه- اسباب النزول للواحدي :203 الاتحاف للشبراوي الشافعي :5 الاسيعاب لابن عبد البر بهامش الاصابة لابن حجر العسقلاني 3/37 طبعة السعادة كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54و 142 و 144 و 242 طبعة الحيدرية. انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/39ح 659و 706و 707 – 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و757 – 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي:3/212 طبعة البهية بمصر ، صحييح الترمذي: 5/31 ح 3258و 328 ح 3875 و 361 ح 3963. صحيح مسلم باب فضائل علی بن ابي طالب 15/176 طبعة مصر بشرح النووي. وانظر ايضاً، مناقب الامام علي ابي طالب لابن المغازلي الشافعي302ح346- 350، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19 طبعة النجف، سنن الترمذي: 5/327 ح3205 المناقب للخوارزمي الحنفي60 مقتل الحسين للخوارزمي 1/75 خصائص امير المؤمنين للنسائي :4و16 طبعة القاهرة و ص46 المستدرك علی الصحيحين للحاكم2/150 و 416 و 3/108 و 146 السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي3/330 طبعة البهية بمصر فتح البيان لصديق حسن خان: 7/364، فتح القدير للشوكاني: 4/279، تفسير ابن كثير: 3/484، الدر المنثور للسيوطي: 5/198،مجمع الزوائد 7/91 تاريخ الخلفاء للسيوطي: 169 ينابيع المودة للحافظ القندوزي 107 و108 و 194و 228و230و 244و 281و 294 طبعة إسلامبول مسند الامام احمد : 1/ 185 و 3/259و 6/298طبعة الميمنية بمصر مشكاة المصابيح للعمري:3/254 تاريخ ابن عساكر الشافعي1/21ح 3و ص184و 249و 271-273تفسير الفخر الرازي: 2/700 اسد الغابة لابن الأثير: 2/12، و : 3/413 و :4/26 و 5/66 و 174 و 521 و 589. و راجع منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام احمد5/53 مصابيح السنة للبغوي الشافعي:2/278 طبعة محمد علي صبيح المعجم الصغير للطبراني:1/65 نظم درر السمطين في فضائل المصطفی والمرتضی والبتول و السبطين:133و 238 و239، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن 5/213 الصواعق المحرقة لابن حجر 119و 141- 143و 227 طبعة المحمدية مرآة الجنان لليافعي: 1/109 التاريخ الكبير للبخاري 1/ق2/69 رقم 1719 و 2174 طبعة سنة 1382ه- اسباب النزول للواحدي :203 الاتحاف للشبراوي الشافعي :5 الاسيعاب لابن عبد البر بهامش الاصابة لابن حجر العسقلاني 3/37 طبعة السعادة كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54و 142 و 144 و 242 طبعة الحيدرية. انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/39ح 659و 706و 707 – 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و757 – 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي:3/212 طبعة البهية بمصر ، صحييح الترمذي: 5/31 ح 3258و 328 ح 3875 و 361 ح 3963. صحيح مسلم باب فضائل علی بن ابي طالب 15/176 طبعة مصر بشرح النووي. وانظر ايضاً، مناقب الامام علي ابي طالب لابن المغازلي الشافعي302ح346- 350، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19 طبعة النجف، سنن الترمذي: 5/327 ح3205 المناقب للخوارزمي الحنفي60 مقتل الحسين للخوارزمي 1/75 خصائص امير المؤمنين للنسائي :4و16 طبعة القاهرة و ص46 المستدرك علی الصحيحين للحاكم2/150 و 416 و 3/108 و 146 السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي3/330 طبعة البهية بمصر فتح البيان لصديق حسن خان: 7/364، فتح القدير للشوكاني: 4/279، تفسير ابن كثير: 3/484، الدر المنثور للسيوطي: 5/198،مجمع الزوائد 7/91 تاريخ الخلفاء للسيوطي: 169 ينابيع المودة للحافظ القندوزي 107 و108 و 194و 228و230و 244و 281و 294 طبعة إسلامبول مسند الامام احمد : 1/ 185 و 3/259و 6/298طبعة الميمنية بمصر مشكاة المصابيح للعمري:3/254 تاريخ ابن عساكر الشافعي1/21ح 3و ص184و 249و 271-273تفسير الفخر الرازي: 2/700 اسد الغابة لابن الأثير: 2/12، و : 3/413 و :4/26 و 5/66 و 174 و 521 و 589. و راجع منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام احمد5/53 مصابيح السنة للبغوي الشافعي:2/278 طبعة محمد علي صبيح المعجم الصغير للطبراني:1/65 نظم درر السمطين في فضائل المصطفی والمرتضی والبتول و السبطين:133و 238 و239، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن 5/213 الصواعق المحرقة لابن حجر 119و 141- 143و 227 طبعة المحمدية مرآة الجنان لليافعي: 1/109 التاريخ الكبير للبخاري 1/ق2/69 رقم 1719 و 2174 طبعة سنة 1382ه- اسباب النزول للواحدي :203 الاتحاف للشبراوي الشافعي :5 الاسيعاب لابن عبد البر بهامش الاصابة لابن حجر العسقلاني 3/37 طبعة السعادة كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54و 142 و 144 و 242 طبعة الحيدرية.

ص: 117

ص: 118

ص: 119

و رابعا: اختصاص أهل البيت بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين: وذلك من خلال أقواله صلی الله عليه واله عندما يخرج للصلاة، و يمرّ بباب علي و فاطمة عليهما السلام، كرواية أنس بن مالك قال: إن رسول لله صلی الله عليه و اله كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر، فإذا خرج إلی صلاة الفجر يقول: الصلاة يا اهل البيت، ( أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا).(1)

و خامسا: اختصاص أهل البيت بعلي، و فاطمة، والحسن، والحسين: من خلال سبب النزول، و ما قاله صلی الله عليه واله فيهم كحديث أم سلمة: إن النبي صلی الله عليه واله كان في بيتها، علی منامة له، عليه كساء خيبرة، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال: ادعي زوجك و ابنيك فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت علی النبي صلی الله عليه واله

ص: 120


1- انظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2/18 ح 637 – 640 و 644 و 659 و 696 و 773 تحقيق: الشيخ المحمودي، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19، صحيح الترمذي: 5/3 ح 3259، مسند الامام احمد: 3/259 و 285 طبعة الميمنية بمصر، منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام احمد: 5/96والدر المنثور للسيوطي: 5/199، تفسير الطبري: 22/، مجمع الزوائد للهيثمي الشافعي: 9/168، تفسير ابن كثير: 3/483 و 484، المستدرك للحاكم: 3/158، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 193 و 230 طبعة اسلامبول، فتح البيان لصديق حسن خان: 7/365 طبعة القاهرة، أنساب الأشراف للبلاذري: 2/104 ح 38، اسد الغابة لابن الأثير: 5/521

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا). فأخذ النبي صلی الله عليه واله بفضلة الكساء فغشاهم إياها، ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي و حامتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا. قالها النبي صلی الله عليه واله ثلاث مرات.قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في البيت، فقلت: و انا معكم يا رسول الله؟ قال: إنك إلی خير.(1)

ص: 121


1- انظر، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 2.13 ح 637- 641 و 644 و 648- 653 و 656 – 661 و 665 – 668 و 671 – 675 و 678 و 680 و 681 و 686 و 689 و 690 و 691 و 694 و 707 و 710 و 713 و 714 و 717 و 718 و 729 و 740 و 751 و 754 – 762 و 764 و 765 و 767 و 769 و 774 طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، صحيح مسلم: فضائل أهل البيت 2/368 طبعة عيسي الحلبي، صحيح الترمذي: 5/30 ح 3258، وك 5:/328 ح 3875 طبعة دار الفكر، مسند الامام احمد: 1/330 طبعة الميمنية بمصر، فرائد السمطين للحمويني الشافعي: 1/316 ح 250، و: 2/9 ح 365 و 362 و 364، إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار: 104و 105 و 106 طبعة السعيدية، فتح القدير للشوكاني: 4/ 279. وانظر كذلك، نور الأبصار للشبلنجي: 102 طبعة السعيدية، فتح البيان لصديق حسن خان: 7/363 – 365، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/248 الطبعة الثانية، فضائل الخمسة: 1/224 – 243، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 107 و 108 و 228 – 230 و 244 و 260 و 294 طبعة اسلامبول. العقد الفريد لابن عبد ربه المالكي: 4/311 طبعة لجنة التأليف والنشر بمصر، الاسيعاب لابن عبدال بر بهامش الإصابة لابن حجر العسقلاني: 3/37 طعبة السعادة، خصائص أمير المؤمنين للنسائي الشافعي: 72 تحقيق: الشيخ المحمودي، منخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الامام أحمد بن حنبل: 5/6. وانظر أيضا، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية للحلبي الشافعي: 3/329 و 330 طبعة البهية بمصر، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54 و 372 – 375، اسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الشافعي: 2/12 – 20، و: 3/413، و: 5/521 و 589، أسباب النزول للواحدي 203 طبعة الحلبي بمصر، الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي: 85 و 137 طبعة الميمنية بمصر، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 4/240 مطبعة المشهد الحسيني بمصر، التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي: 3/137، التفسير المنير لمعالم التنزيل للجاوي: 2/183، أحكام القران للجصّاص: 5/230 طبعة عبدالرحمان محمد، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي: 301 ح 345 و 348 – 351. و راجع مصابيح السنة للبغوي الشافعي: 2/278 طبعة محمد علي صبيح، رواية عن عمرو بن يزيد عن مكحول و فيها قال جبريل و أنا منكم يا محمد...، مجمع البيان: 7 – 356:8 و 375 طبعة إحياء التراث العربي بيروت، تفسير الشوكاني: 4/280، المستدرك للحاكم3/146، تفسير جامع البيان: 1/296 دار المعرفة، تفسير الشوكاني: 4/280، المعرفة، تفسير النيسابوري: 22/10، تفسير الطبري: 22/6 و 7 و28 طبعة مصر، الدر المنثور للسيوطي: 5/198 و 199، مشكاة المصابيح للعمري: 3/254، الكشاف للزمخشري: 1/193 طبعة مصطفی محمد، تفسير القرطبي: 14/182 الطبعة الأولي بالقاهرة: تفسير ابن كثير: 3/483 – 485 و 491 الطبعة الثانية بمصر، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي: 233، مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: 1/19 و 20 طبعة دار الكتب في النجف، أحكام القرآن لابن عربي: 2/166 طبعة مصر

هل المولوي الرومي شيعيّ ام سنيّ؟!آية الله المدرسي اليزدي

المولوي مع كونه من فرقة الصوفية «التي تدعي انها اكثر من باقي الفرق لها مودة لاهل البيت عليهم السلام » الّا ان اشعاره و اثاره تدل علی انه كان محروماً من فيض الارتباط بأهل البيت عليهم السلام حتی انه كان اكثر تخلفاً من بعض اقرانه الذين كانوا مثله من فرقة الصوفية فهو قد عنی بألطافه الصوفية اعداء اهل البيت عليهم السلام مثل معاوية واختلق لهم انواع الكرامات، في حين نجد السنائي الذي هو مورد تعلق المولوي شديداً وله عناية باشعاره فقد قال عن معاوية هكذا:

داستان پسر هند مگر نشنيدی

كه از او سه كس او به پيمبر چه رسيد

الم تسمعوا قصة ابن هند

ماذا فعل هو و ثلاثة من اهله بالنبي

ص: 122

و ما اثبتنا من ارقام في المتن((1))

تكفي لاثبات سنيّة المولوي الّا اننا لاجل ان يتضح الامر كاملاً ولاجل قطع كل عذر وحجة نضيف الی ما في المتن ارقاماً اخری اجمالاً.

الف) لقد كان ابو المولوي بهاء ولد و هو اول استاذ و مربي له كان سنيّآً حنفياً صوفياً (راجع الكتاب والتراجم حول بهاء ولد)

ب) الاساتذه الاخرون لمولوي والذين عمدتهم كانوا في دمشق وحلب - محل دراسة المولوي وسكناه- كانوا من العامة(2).

ج) الرجل الطاعن في السن والذي كان معشوقاً للمولوي و هو شمس التبريزي لم يكن شيعياً ولا امامياً ولا علاقة له بمذهب الشيعة((3)).

د) المصادر التي كتبت شرحاً لحال المولوي والتي كانت مقاربة لعصره ترجمت المولوي بعنوان انه فقيه حنفي و قد ذكرت اسمه في جملة طبقات الحنفية((4)).

ه) المتعلقون والتلاميذ لولد مولوی المحبوب (سلطان ولد) كانوا سنيين و نوعاً حنيفيين وكلماتهم و اشعارهم وبالخصوص سلطان ولد شاهدة علی ذلك كاملاً وبعبارة اخری ان من الخصوصيات الموروثة لعائلة المولوي هو كونهم سنيين و من الاحناف (والصوفيين) وكانوا مارقين في هذا المسلك الی حد ان سلطان ولد كان يعيش في زمن العلامة الحلي و حينذاك تشيع السلطان خدابنده (علی يد العلامة الحلي- المترجم) ارسل ولده الی سلطانية حتی يستطيع ان يحفظ (ولده) من هذه المصيبة حسب خيالاته يعني تشيّع السلطان وما يتبعه(5).

والعلامات و النماذج كثيرة لاتسعها هذه الحاشية.

ص: 123


1- - المراد هو متن كتاب نقدي بر مثنوي.
2- رسالة سپهسالار، ص25، و كتب اخری.
3- - مقالات شمس احسن شاهد علی ذلك.
4- - مثل كتاب الكواكب المضيئة.
5- تنبه الغافلين، ص84، نقلاً عن مناقب العارفين.

مع وجود كل هذه الادلة والشواهد فدعوی ان المولوي كان شيعياً مضحكة لاغير واصطلاحاً اجتهاد في قبال النص و اصل هذا الادعاء يرجع الی العرق الصوفي لبعض الافراد حيث يضطرهم لوضع الستار علی الواقعيات فيدعون هذا الادعاء الذي لا اساس له.

و هذا السبب صار عاملاً لنسبة اشعار مجعولة وغير واقعية (في مدح اهل البيت عليهم السلام) للمولوي خصوصاً في زمان الدولة الصفوية حيث نفذت الصوفية في مابين الشيعة (من القرن التاسع وبالاخص زمان الصفوية ) فقد جعلوا اشعاراً بنفعه حتی يعيدوا حيثية المولوي (حول علاقته بالتشيع) و يوقعوا الصلح بينه وبين الشيعة.

يقول كتاب تاريخ ادبيات ايران: «... نسبوا الی المولوي غزليات و اشعار في عهد الصفوية تدل علی تشيعه والحال انه سني وفقيه حنفي ومن الواضح ان هذه الاشعار من مجعولات الشيعة (الصوفية) وبالخصوص من مخترعات الصفوية»(1).

و مما تقدم يظهر ان توجيه اسلوب المولوي بانه كان يستعمل التقية مضحك اخر حيث ان كلماته واثاره تكذب ذلك جداً.

فلولا كان احد من الشيعة ومن اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام وفي نفس الوقت في حال التقية لاجل شرائط وظروف معينة فسوف تتخذ افعاله وكلماته شكلاً مناسباً لجوّ التقية وفي حدود الضرورة.

فتراه يرفع معاوية الی مقام اولياء الله جل وعلا ويلبسه لباس الكرامة ويطرح سكوت واعياء عثمان عن ايراد خطبة الجمعة يطرحها وبشكل ماهر وحاذق بعنوان انها كرامة وفضيلة.

وفي الحقيقة ماهي الضرورة وما هو الدليل علی تمجيده هؤلاء الاشخاص والی هذا الحد؟وحول اشخاص مثل معاوية وعثمان يطريهم بكلمات و بشكل ابتكاري بحيث انه لم يسبقه عالم سني بذلك فهل ان كتب مثل حلية الاولياء وطبقات الشعراني وحتی

ص: 124


1- ج/3/1، ص 469، تأليف ذبيح الله صفا.

تذكرة الاولياء للعطار التي ذكرت بعض اسماء الائمة عليهم السلام و كلماتهم (و لو بشكل قليل) قد عملوا خلاف التقية؟

وحسب قول احد الاكابر ان هذا التوجيه يشبه قصة ذلك الرجل الذي يرقص مع كامل الجمال ويتحرك انواع الحركات فحينما اعترض عليه لماذا تقوم بهذه الاعمال قال معتذراً: اني كنت مجبوراً فقيل له: يا تعيس الحظ لو كنت مجبوراً فلماذا رقصت باحسن ما يكون؟ فانه لايعلم احد بكونك رقاصاً.

ثانياً: لقد اثبت المولوي انه ليس في مذهبه متساهلاً ومتسامحاً ولا انه يستعمل التقية فقد افرط واصر علی الغناء علی رغم مخالفة الفقهاء وحتی بعض الصوفية المعاصرين له كما سيأتي ذلك في محله وكذلك متابعته لشمس التبريزي بلا اعتراض ولا اشكال عليه مع كل ردود الفعل التي حصلت تدل علی ان المولوي لم يكن في المسائل الاصولية (باعتقاده) من اهل المماشاة والتسامح والتقية.

ثالثاً: الجو الحاكم في قونية وبشكل عام في اسيا الصغری (الروم) والذي كان المولوي يعيش فيها ولاسباب متعددة من جملتها وجود كثير من الكفار(النصاری واليهود و...) في ما بين المسلمين وشيوع التصوف وتساهل الحكام السلجوقيين بالنسبة للاديان والمذاهب وهجوم الاترك المغول و... فكان ذلك الجو الی حدما بلا تقيد و لا تعصب مع استقرار انواع المذاهب والاديان(1).وعلی اي الحال فلابد في جواب الجهال اوالمتجاهلين من التذكير بكلام ابن المولوي الذي كان متعلقاً به وهو سلطان ولد حيث قال في حق والده: كل ما فعله حضرة ابي من اول عمره الی اخره كان لله(2).

((3))

ص: 125


1- مولانا جلال­الدين، ص48.
2- مناقب العارفين، ص309.
3- - هذه المقالة اخذناه من حاشية كتاب (نقدی بر مثنوی) يعنی نقد كتاب المثنوي و هو كتاب اشعار المولوي الرومي.

فتاوی العلماء حول الشاعر المولوي الرومي

لقد انتقد آية الله العظمی الصافي الگلپايگاني عقد مؤتمر لتعظيم المولوي الرومي في طهران و سائر مدن البلاد ورد ذلك

فقد نقلت و كالة الانباء الفارسية ان آية الله لطف الله الصافي الگلپايگاني التقی اليوم بمديرية مؤتمر العلامة البلاغي و قال: ان اولئك الذين يقيمون مؤتمراً لتعظيم المولوي في ايران و يقولون بذلك هؤلاء يلزم عليهم ان يخجلوا من امام العصر عجل الله تعالی فرجه الشريف.

و قال سماحته في ضمن انتقاده لانعقاد هذا المؤتمر:

اني و بشدة انتقد واخالف انعقاد هذا المؤتمر.

و قد اضاف سماحته: ان الاموال التي تصرف في هذا المؤتمر يلزم صرفها في بيان(مقام) الشخصيات العلمية والدينية.و قال سماحة آية الله الصافي الگلپايگاني في قسم اخر من كلامه حول مؤتمر العلامة البلاغي : اقامة هذا المؤتمر امر مهم للغاية يوجب التعريف بشخصية هذا العالم للشباب والحوزويين.

وقال سماحته في خصوص شخصية العلامة البلاغي:

كان شخصاً عظيماً في جميع المجالات وقد دافع عن الاسلام في طول حياته المباركة و قد اضاف استاذ الحوزة العلمية: و قد كانت عقليته الواسعة بشكل حيث انقذ في زمان حياته ايران التي خدعت و اصبحت اسيرة للثقافة الغربية.

ص: 126

و اضاف سماحته: ان العلامة البلاغي كان من علماء الطراز الاول في قسم التفسير و الفقه وكتبه واثاره اوضح شاهد لما قلناه

و قال آية الله الصافي الگلپايگاني في ضمن بيان انه لابد من امثال العلامة البلاغي من ان يكون قدوة لنا: انه لم يكن ابداً وراء الامور المادية وكان مع كونه خلوقاً و متوجهاً الی الله جل وعلا مشتغلاً بالمسائل العلمية والدينية.

و قال ايضاً: العلامة البلاغي احد مفاخر الاسلام و ايران و لابد من اقامة المراسم في تعظيمه و تعريف شخصيته باجلال للجيل الثالث من مجتمعنا.

كما وانتقد سماحة آية الله العظمی النوري الهمداني كتاب اشعار المولوي الرومي حيث قال:

ان كتاب اشعار المولوي قابل للاستفادة من زاوية الادب والتمثيل الّا ان هذا الكتاب يشتمل علی انحرافات كثيرة لا تنطبق مع اصولنا و عقائدنا و تكون سبباً لانحراف مجتمعنا.

و قال سماحته في لقائه مع مسؤولي و منسقي مؤسسة التبليغ لكل البلاد مع انتقاده لاقامة مراسم تعظيم المولوي:

لم يكن للمولوي نظرة صحيحة عن اهل البيت عليهم السلام و كانت بعض آثاره مأخوذة من الافكار المنحرفة و كان يفسر كلمة المولی التي ورد في حديث من كنتمولاه فهذا علي مولاه بمعنی المحب في حين ان الفكر الشيعي يراها بمعنی الولي وزعيم المجتمع.

ص: 127

خروج الامام الحسين (علیه السلام) من مكة الی العراق

ما فترت عزيمة بني امية قط في محاربة الاسلام، فناهضوا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وظاهروا عليه من يوم بعث الی يوم مات، وانتقلت حربهم وعداوتهم من رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الی اهل بيتهعلیهم السلام) يحاربون بحربهم الاسلام، واشهار معاوية بن ابي سفيان الحرب علی امير المؤمنين عليّ(علیه السلام) حلقة من حلقات الحروب التي اقامتها امية علی محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلی الاسلام، وغدر معاوية وخيانته للحسين(علیه السلام) واعلان سب امير المؤمنين(علیه السلام) علی المنابر وحمل الناس علی التعبد به تمهيدا لحمل الناس علی سب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، والرجوع بهم الی الجاهلية، هذه الامور حلقة من تلك الحلقات.

فامية عدوة الاسلام، وعدوة محمد وآل محمد وعدوة المسلمين في صورها الشتی واحوالها المختلفة، فهي عدوة لبني هاشم في الجاهلية، وعدوة لبني هاشم ومحمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عندما بعث بالاسلام، وعدوة لبني هاشم ومحمد وآل محمد والمسلمين عند ما قام الاسلام واشرق نوره ودخل فيه الناس افواجا، وعدوة لبني هاشم ومحمد وآل محمد والمسلمين بعد وفاة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِوَ سَلَّمْ) ومن يتتبع سيرة بني امية من يوم وجدوا الی أن أبادهم الله يجد عداوتهم صارخة عاتية لبني هاشم ولله ولرسوله بما كانت امية تقوم به في الجاهلية والاسلام من تحريش وتاليب ودس وتخريب وحروب وتقتيل.

وظلت عدواة امية لبني هاشم ولمحمد ولآل محمد وللمسلمين متلهبة النار ساطعة الانوا ر حتی في حكم ابي بكر وعمر وعثمان ولكنها كامنة في صدور الامويين كمون النار في الحجارة حتی اذا افضي الامر الی أمير المؤمنين عليّ(علیه السلام) برزت تلك النار من مكمنها فكانت نار جاهلية محرقة كما جاء في القصيدة الرائية لابي القاسم علي بن الحسين المغربي حيث يقول:

ثم ارتدی المحروم فضل ردائها***فغلت مراجل احنة ونفار

ص: 128

فتأكلت تلك الجذي وتلمظت***تلك الظبا ورقی اجيج النار

تالله لو ألقوا اليه زمامها***لمشی بها سمحی بغير مهار

ولو انها حلت بساحة مجده***بادي بدا سكنت بدار قرار

فأحرق بتلك النار معاوية ما استطاع احراقه من الاسلام والمسلمين، وخلفه ابن ميسون الذي يدعی يزيد بن معاوية فصار يحرق بتلك النار ما استطاع احراقه حتی قتل الحسين سبط النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، واستباح المدينة وهدم الكعبة الی ما تجاهر به في محاربة الاسلام والتظاهر بالفسوق والفجور وارتكاب الفواحش والمنكرات يقول عبد الباقي العمري:

علی يزيد دون ابليس اذا***ما ذكر اللعن انتمي وانتسبا

نحكم في تكفيره اذا صح ما***قد قال للغراب لما نعبا

أراد يزيد أن يجتث شجرة النبوة من أصولها ويثأر لاشياخه المزعومين من بني امية الذين قتلهم الله يوم بدر فدس في الحج سبعين شيطانا من بغاة بني امية ليغتالوا الحسين(علیه السلام)، وأمر هم بقتله ولو كان متعلقا باستار الكعبة بعد أن علم ان الحسين امتنع عن بيعته. والحسين(علیه السلام) عالم بما بيته له يزيد من الشر، وكان سلام الله عليه قد جاء مكة بعد ان امتنع علی الوليد بن عتبة وقيل خالد بن الحكم من بيعة يزيد وارسل امامه ابن عمه مسلم بن عقيل الی العراق لاخذ البيعة علی أثر الكتبالكثيرة التي وردت اليه من رؤساء اهل العراق يدعونه بها اليهم ويقولون فيها: لقد اخضر الجناب واينعت الثمار فاقدم الينا فلعل الله أن يجمعنا بك علی الحق والهدی وانما تقدم علی جنود لك مجندة، وفي بعضها: فان لم تقدم خاصمناك عند جدك رسول الله يوم القيامة.

وكان مقام الحسين(علیه السلام) بمكة من اشد الاشياء علی عبد الله بن الزبير لان ابن الزبير كان يری ان الناس لا يعدلونه بالحسين(علیه السلام) فكان يود لو ان الحسين(علیه السلام) فارق مكة وخرج منها ليخلو له الجو فيها، وعند ما عزم الحسين(علیه السلام) علی التوجه الی العراق قام خطيبا فقال:

ص: 129

خطبة الامام الحسين (علیه السلام) في مكة يوم السابع من ذي الحجة سنة 60 هجري

الحمد لله وما شاء الله ولا قوة الا بالله خط الموت علی ولد آدم مخط القلادة علی جيد الفتاة وما أولهني الی اسلافي اشتياق يعقوب الی يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالی تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني اكراشا جوفا واحوية سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا اهل البيت نصبر علی بلائه ويوفينا اجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته وموطنا علی لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاءالله.

ان من يتدبر هذه الخطبة يتبين له ان الحسين(علیه السلام) لم يكن مغترا ولا مخدوعا ولا سالكا علی غير بصيرة من امره ولكنه يدري بما سيصير اليه ويعرف ما سيلاقيه في وجهته هذه وان لا محيص عن يوم خط بالقلم لعلم علمه من رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأمر ندبه الله اليه للثورة في وجه الطغيان الاموي، واعلان الايمان وتثبيت دعائم الاسلام لتكون كلمته هي العليا وكلمة اعدائه ومناوئيه من الامويين هي السفلی، وليقيم صرحه الرفيع بدمه الطاهر ودماء المستشهدين معه،وبذلك يرد كيد الامويين الی نحورهم ويخيب آمالهم فيما رسموه من محق للاسلام حيث عملوا علی ضعضعة بنيانه، وتهديم اركانه ، فليس له الا ان ينهض لحمايته ويضحي له بمهجته ويبذل في ذلك نفسه واهله وولده واصحابه، فكان للحسين(علیه السلام) ماأراد الله له من الكرامة وحسن الزلفی وطيب المآب. وكان ليزيد وبني امية ما ألبسهم الخزي والعار الی يوم القيامة، فاطاح الله ملكهم المبني علی الفسوق والكفر والفواحش والاستهتار ومحق الاسلام وبدد شملهم واحلهم واحل قومهم دار البوار، والله.لطيف بعباده.

بعد ان خطب الحسين(علیه السلام) خطبته التي أئلجت قلب عبد الله بن الزبير لانه اطمأن الی خروج الحسين(علیه السلام) من مكة وخلوها له. جاء اليه ابناء المهاجرين والانصار فكلموه ليعدل عن التوجه الی العراق وكان منهم عبد الله بن عمر فأجابه(علیه السلام): اما علمت ان من هوان الدنيا علی الله ان رأس يحيی بن زكريا اهدي الی بغي من بغايا بني اسرائيل

ص: 130

وكانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي.

ولقد احدث خروج الحسين(علیه السلام) من مكة وتركه الحج ضجة عظيمة في المسلمين لان مثل الحسين(علیه السلام) كيف يخرج من مكة وغدا يوم الحج فينبغي لمثله أن لا يترك الحج وان يتلبث ريثما ينتهي من حجه، وما دروا أن يزيد بن معاوية عند ما علم ان الحسين في مكة جهز جيشا عظيما تحت قيادة سعيد بن العاص وقلده امارة الحج وأوصاه أن يقبض علی الحسين(علیه السلام) وان لم يتمكن منه فليقتله غيلة وان يناجزه القتال ويستعمل القوة والرهبة خوفا من حجاج بيت الله ومن اهل الحجاز اذا اقتضی الامر ذلك. فلما قيل للحسين(علیه السلام): وما الذي اعجلك يا بن رسول الله عن الحج؟ قال: ان يزيد قد دس في الحج سبعين رجلا من شياطين بني امية وأمرهم باغتيالي ولو كنت متعلقا باستار الكعبة ، وان بني امية لن يتركوني حتی يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فخرجت لئلا تستباح بي حرمة هذا البيت.لم تكن علی الحسين(علیه السلام) حجة الاسلام حتی يتوجه اليه مثل هذا السؤال لانه سلام الله عليه كان قد حج قبلها كثيرا، وانما كانت حجة مستحبة ، ويجوز جعلها عمرة مفردة وخصوصا اذا دعت الی ذلك دواع شرعية. وقد جعلها الحسين(علیه السلام) عمرة مفردة لمطاردة بني امية اياه وعزمهم علی اكراهه ومقاتلته وقتله مهما كلفهم الامر، والحسين(علیه السلام) يعلم ذلك من عزمهم فهم قد منعوا سيد المسلمين من اقامة أكبر شعائر الدين، وقبل ذلك منع ابوسفيان وحزبه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الحج وصدوه عنه بعد أن بلغ الحديبية علی ابواب مكة وفي ذلك نزل قوله تعالی: (هو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظهركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا. هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام...الخ) فللحسين(علیه السلام) اسوة بجده رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وعلی يزيد تبعة صد الحسين(علیه السلام) عن الحج كما كان علی ابي سفيان وحزبه من المشركين تبعة صد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الحج.

ص: 131

ولما أراد الخروج من مكة طاف وسعی واحل من احرامه وجعل حجه عمرة لانه لم يتمكن من اتمام الحج مخافة أن يقبض عليه ، وكان خروجه عليه السلام من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية في الثامن من ذي الحجة سنة ستين هجرية وهو اليوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل(علیه السلام)، ومعه اثنان وثمانون رجلا من اهل بيته وشيعته ومواليه وهو بينهم كالشمس رأد الضحی تجلله هالة من المهابة وتتجلی في محياه أنوار التقوی التي تتألق في وجه أمثاله من اولياء الله، وتتردد في مطاوي افكاره الآلام التي كانت تساور جده(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأباه(علیه السلام) رحمة بعبادالله في بدر وأحد وفي وقعتي الجمل وصفين حلقات متصلة بعضها ببعض، وجاءت فاجعة كربلاء وهي الوقعة الاخيرة تكملة للمآسي السابقة أدرك بها يزيد بن معاوية ابن ابي سفيان الثأر الذي أصابه في قتل سبط الرسول وريحانته وهو القائل:

قد قتلنا القوم من ساداتهم***وعدلنا ميل بدر فاعتدل

وقال ايضا:

نعب الغراب فقلت صح اولا تصح***فلقد قضيت من النبي ديوني

ص: 132

صعصعة بن صوحان العبدي من اصحاب امير المؤمنين (علیه السلام)

و من الصادقين السابقين الذين صدقوا بما عاهدو الله عليه هو صعصعة بن صوحان و صعصعة هو من سكان الكوفة و كان عالماً و خطيباً لسناً و بطلاً مجاهداً حتی قال فيه الشعبي كنت اتعلم منه الخطب . و هو من اصحاب امير المؤمنين(علیه السلام) الاوفياء و من تلاميذه كما كان قائداً من القادة في جيش الامام سلام الله عليه.و صعصعة بن صوحان اختاره الوفد المصري متحدثاً عنه حينما دخلوا منتفضين علی الخليفة عثمان ابن عفان و طبعاً بعد ان طلب منهم عثمان متحدثاً باسمهم يقابله فقدموا صعصعة لقدرته علی البيان. لكن عثماناً تنكرّ له و كان يكرهه لموقعه الخاص عند امير المؤمنين(علیه السلام) فصاح مخاطباً المصريين ان هذا الشاب يمثلكم و كانه استصغر سنه فقال صعصعة يا عثمان لو كان العلم بالسن لم يكن لي و لا لك فيه سهم و لكنه بالجهد و التعلم فقال عثمان او تتقن الكلام فانطلق صعصعة مفتتحاً كلامه بهذه الاية- الذي ان مكنّا هم في الارض اقاموا الصلاة الخ، و استمر يعلق علی محاور الاية ثم صاح ياعثمان اعدل تعتدل امّتك.

و لصعصعة موقف آخر مشابه لهذا و قد حدث له مع معاوية حينما ادخل عليه و ذلك بعد ما جری من توقيع الهدنة بينه و بين الامام الحسن او ما سمی (بالصلح) فلما ادخل صعصعة علی معاوية فقال معاوية و كان مترعاً بالحقد عليه لحبه لاميرالمؤمنين(علیه السلام) قال: يا صعصعة عز علي ان اراك اسيراً فرد عليه صعصعة و انا عزّ

ص: 133

عليّ ان اراك اميراً فانتفخ معاوية حنقاً و اشترط عليه نجاته من الموت ان يلعن علياً علناً فصعد صعصعة الاعواد و نادی ايها الناس ان معاوية امرني ان العن علياً فالعنوه الا لعنه الله فصاح الناس الهي امين. فعلق معاوية قائلاً و الله ما قصدت احداً غيري بذاك و امر بنفيه الی منطقة نائية.

و صعصعة ابن صوحان هو احد الذين مرضوا امير المؤمنين(علیه السلام) و سمع وصاياه و شهد دفنه و مراسم تشييعه ليلاً و قد ابن امير المؤمنين(علیه السلام) بكلمات خالدة فقال: هنيئاً لك يا ابا الحسن فقد طاب مولدك و قوي صبرك و عظم جهادك و ربحت تجارتك فاكرمك الله و الحقك بدرجاته و شربت كاسه الاوفی و استقررت بجوار المصطفی ثم انتحب باكياً و بكی من معه.هذا و يوجد هناك بجوار مسجد السهلة مسجد باسم صعصعة بن صوحان و قد بناه في اواخر ايام حياته - تغمده الله بواسع رحمته.

ص: 134

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109