«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
نبارک لصاحب الامر والزمان الإمام الحجة ابن الحسن العسکري والامة الاسلامية بمناسبة اعيادها الاسلامية الفطر و الاضحی والغدير
عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):
یَومُ غَدیرِ خُمٍّ اَفضَلُ اَعیادِ اُمَتيِ
*روی القطب الراوندي في لب اللباب عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه قال: انّ الله ابدلکم بيومين يومين، بيوم النيروز والمهرجان الفطر والاضحی (مستدرک الوسائل ، المحدث النوري ج6 ص15)
*عن المفضل بن عمر قال قلت للصادق(علیه السلام) كم للمسلمين من عيد فقال أربعة أعياد الجمعة والأضحى والفطر والغدير. (الخصال للصدوق ص/264مؤسسة النشر الاسلامي1403ه ق)
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثالثة: العدد العاشر1390 هجرية شمسية 1432 هجرية قمرية
مدير المجلة: مُحمَّد الکاظمي موقعنا علی الانترنت: www.aqayed.com
ص: 1
کلمة التحرير ... 3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله) ... 4
المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني ... 10
معرفة الله بالله لا بالاوهام حجة الاسلام والمسلمين حسن الميلاني ... 19
الرؤية الفلسفية نقد وتحليل آية الله الشيخ ماجد الکاظمي ... 32
السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ... 44
روائع من الأدب الإسلامي قصيدة ابي طالب (علیه السلام) ... 53
موقف اصحاب الائمة(علیهم السلام)من الفلسفة والعرفان ... 58
الغلو و التفويض الدکتور السيد علاء الدين الکاظمي القزويني ... 63
بحث فقهي حول حرمة الموسيقی اية الله الاشکوري ... 66
ابن عربي عارف ام ملحد؟ الاستاذ علاء فيصل ... 74
رسالة الاثنی عشرية، العلامة الشيخ الحر العاملي ... 80
اطلالة علی علم الکلام حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوکيل ... 88
وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام والمسلمين السيد قاسم علي احمدي ... 96
الاسفار عن نصوص الاسفار حجة الاسلام والمسلمين حيدر الوکيل ... 102
هداية الامة الی معارف الائمة اية الله الخراساني ... 110
من وحي القران ابو جعفر الکاظمي ... 118
الصلاة علی النبي واله ص شرط قبول الصلاة العلامةالشيخ علي الکوراني ... 129
النجف الاشرف مرسی سفينة نوح(علیه السلام)العلامةالسيد سامي البدري ... 132
ص: 2
لماذا مجلة مدرسة اهل البيت (علیهم السلام)؟قد يتساءل البعض انه ما هو الداعي الی کل هذه المباحث وماهو الداعي الی هذا النقد خصوصا نقد الفلسفة والعرفان ؟السنا بحاجة الی الامور المعنوية؟السنا بحاجة الی معرفة الله بالدليل والبرهان؟لا شک ان هذه التساوءلات تساوءلات ايجابية ومنطقية ونحن بحاجة اليها ولا بد بحکم العقل من الالتفات اليها والتوجه نحوها ولاجل ذلک کانت مجلة اهل البيت (علیهم السلام) فان الغرض من المجلة هو کشف الحقيقة فهل الحقيقة ان العرفان يراد منه معرفة الله وهل ان الفلسفة يراد منها البرهان علی تلک المعرفة ؟ام ان الحقيقة شئ اخر وان العرفان لا يراد منه معرفة الله تعالی بل المراد منه تلبيس الحقيقة وانکار الله جل وعلا ومحاربة الدين تحت عنوان الدين وهکذا الفلسفة فهي ليست علما او طالبة للعلم والبرهان بل ماهي الا عبارة عن الديانة اليونانية والعقيدة الاغريقية وجاءت الفلسفة لتستدل علی تلک العقيدة الباطلة والمشرکة ؛اقول لو کانت الحقيقة کما بينا فما هي وظيفة المخلصين من ابناء الامة الاسلامية وما هي وظيفة الحوزة العلمية وعلماوءها؟فهل يصح السکوت والجلوس مکتوفي اليدين امام فاجعة کهذه الفاجعة التي جاءت الی الدين من اساسه؟
هذا وکما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص کانت
لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لکن ذلک لا بمعنی الموافقة والتأييد لکل ما يتبنی صاحب المقالة من افکار فالملاک هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
في تفسير قوله تعالى :
( إني جاعلك للناس إماما ، قال ومن ذريتي ،قال لا ينال عهدي الظالمين ) .(1)
في غاية المرام : أبو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي ، قال : أخبرناأحمد بن الحسن بن أحمد بن موسى القندجاني ، قال : أخبرنا أبو الفتح هلال بن أحمد الحفار ، قال : حدثنا إسماعيل بن علي بن رزين ، قال : حدثني أبي وإسحاق بن إبراهيم الديري ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثني أبي عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله " أنا دعوة أبي إبراهيم ، قلت : يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال : أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم : ( إني جاعلك للناس إماما ) ، فاستخف إبراهيم الفرح ، قال ومن ذريتي أئمة مثلي ، فأوحى الله عز وجل : أن يا إبراهيم إني لا أعطيك عهدا لا أفي لك به ، قال : يا رب ما العهد الذي لا تفي لي به ، قال : لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا ،قال : إبراهيم عندما : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس . فقال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)
ص: 4
وسلم : فانتهت الدعوة إلي وإلى علي ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتخذني نبيا ، واتخذ عليا وصيا )(1) . وقد رواه الشيخ قدس سره في أماليه ، عن ابن مسعود بهذاالإسناد .(2) وقد استفاضت الروايات من طرقنا عن أهل البيت عليهم السلام في أن الآية أبطلت إمامة كل ظالم (3)، فصارت في الصفوة من ذرية إبراهيم الخليل (علیهالسلام) .
أقول : الآية الكريمة تدل على أمور ثلاثة :
الأول : أن الإمامة عهد إلهي ومنصب رباني ، لا يتطرق فيه اختيارالناس .
والثاني : أن الإمامة مرتبة فوق النبوة .
والثالث : عدم قابلية من مسه الظلم لهذا العهد الشريف .
أما الأول : فمن قوله عز وجل ( لا ينال عهدي ) فإنه صريح في أن الإمامة عهد للرب تعالى ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( إني جاعلك للناس إماما ) وإذا ثبت أنه عهد للرب تعالى تبين لك عدم جواز اختيارالناس فيه ، ضرورة أن الناس إنما لهم الاختيار في العهود التي ترجع إليهم ،لا في عهد الرب تعالى .
وأما الثاني : فلأن قوله تعالى : ( إني جاعلك للناس إماما ) وطلب (4) الخليل (علیه السلام) منه تعالى شأنه هذه المرتبة الجليلة لبعض ذريته ، وقوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) إنما كان بعد نيله درجة النبوة ، إذ الوحي إليه بجعله إماما للناس ، وطلبه منه
ص: 5
تعالى شأنه ذلك لبعض ذريته ، وجوابه عز وجل بقوله : ( لا ينال عهدي الظالمين ) لا يصلح إلا لمن كان نبيا ، وحيا أو كليما ، بل في روايات أهل البيت عليهم السلام أنه كان بعد الخلة ، والخلة بعد النبوة والرسالة .
في غاية المرام : ابن يعقوب عن محمد بن الحسن عمن ذكره عن محمد بن خالد عن محمد بن سنان ، عن زيد الشحام ، قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول :إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم (علیه السلام) عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما ، فلما جمع له الأشياء ، قال : ( إني جاعلك للناس إماما ) ، فمن عظمها في عين إبراهيم ؟ قال : ومن ذريتي ، قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : لا يكون السفيه إمام التقي .(1) وإذا ثبت أن إمامته كانت بعد نبوته ، بل رسالته وخلته ، تبين لك أنها مرتبة فوق النبوة ، ومن هنا يتبين لك أيضا : أنها عهد إلهي لا يجوز فيه اختيار الناس بالضرورة ، وباتفاق جميع المسلمين .وإذا كانت المرتبة النازلة عهدا إلهيا لا يتطرق فيه اختيار الناس ، فكيف يجوز أن تكون المرتبة الفائقة عليها مما يتطرق فيه اختيار الناس ، عقدا وحلا ؟
وأما الثالث : فيظهر من الأمر الثاني ، إذ يعتبر في المرتبة الفائقة ما يعتبر في المرتبة النازلة ، مع أمر زائد ، والعصمة معتبرة في النبوة ، فكذا في الإمامة بطريق أولى ، ومن مسه الظلم لا يكون معصوما فلا يكون إماما .فالمراد من الظالمين في الآية الكريمة من جاز عليه الظلم ، وتطرق فيه ،أو من وجد فيه الظلم ولو انقضى عنه .
فإن قلت : المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدأ ، وإطلاقه على من تطرق فيه التلبس بالمبدأ ، أو انقضى عنه المبدأ مجاز ، لا يصار إليه إلا بدليل .
قلت : إنما لا يصدق المشتق حقيقة على ما انقضى عنه المبدأ ، إذا كان المبدأ من قبيل الصفات كالعالم والجاهل والقائم والقاعد ، وأما إذا كان المبدأ من قبيل الأفعال التي يكون العنوان المأخوذ منها منتزعا من حدوث المبدأ من الذات ، كالضارب
ص: 6
والقاتل والوالد والولد ، فصدق المشتق فيها دائر مدار حدوث المبدأ ، ولا يعتبر فيه بقاؤه ، أترى أن الأب والد مجازا ، والابن ولد كذلك ، وقاتل عمرو وضارب بكر لا يصدق عليه العنوانان حقيقة ؟ كلا ثم كلا ! والظالم من قبيل الثاني ، لأن الظلم فعل لا صفة ، فلو أريد من وجد فيه الظلم فهو صادق عليه حقيقة ، ولا يكون مخالفا للظاهرحتى لا يصار إليه إلا بدليل .
نعم إذا أريد منه من جاز عليه الظلم فهو مخالف للظاهر ، ولكن الدليل على المصير إليه موجود ، وهو منافاة عدم العصمة وتطرق الظلم لنيل الإمامة التي هي عهد إلهي فوق مرتبة النبوة .
وكيف كان فالآية الكريمة تدل على عدم استحقاق الخلفاء الثلاثة للخلافة من وجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أن الإمامة عهد إلهي لا يثبت إلا بالنص من قبله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم .
وإمامة الخليفة الأول إنما كانت ببيعة أهل العقد والحل معه بزعمهم ، مع عدم اتفاقهم على بيعته عندنا ، لخروج خيار الأصحاب عنهم .وإمامة الثاني : بنص الأول عليها .وإمامة الثالث : بحكم أهل الشورى التي جعلها الثاني ولم يدع أحد منهم نصا على خلافته من قبله تعالى ، ومن قبل رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم .
والوجه الثاني : عدم عصمتهم مع اعتبارها في النبوة التي هي مرتبة نازلة من الإمامة ، الموجب لاعتبارها فيها بطريق أولى .
لا يقال : إن القدر المسلم من اعتبار العصمة إنما هو حال النبوة لا قبلها ، فيلزم منه اعتبار العصمة في الإمام حال إمامته ، فلا ينافي مع إمامتهم حينئذ كونهم مشركين عابدين للأوثان قبل إسلامهم .
لأنا نقول : الحق اعتبار العصمة في النبي من حين تولده إلى حين وفاته ، ولو سلمنا عدم اعتبارها إلا حال نبوته ، كما ذهبوا إليه فالمنافاة أيضا ثابتة لعدم عصمتهم قبل تصدي الخلافة وبعدها ، باتفاق المسلمين ، ولم يدع أحد منهم العصمة فيهم ، ولو ادعى ذلك فهو باطل قطعا ، إذ لا سبيل إلى العلم بالعصمة إلا من قبل النص ، ولا نص
ص: 7
على عصمتهم باتفاق المسلمين ،وإنما ورد النص على عصمة أهل البيت عليهم السلام.
والوجه الثالث : تصريحه تعالى شأنه بعدم نيل عهده الظالمين وهم ظالمون ، لماعرفت من أن الآية الكريمة إما بمعنى من جاز عليه الظلم ، أو من وجد فيه وهو بكلا المعنيين منطبق عليهم .
وبما بيناه تبين أن الإمامة من أصول الدين والاعتراف بإمامة الإمام وولايته ، كالإقرار بنبوة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم من الأصول ، لا من الفروع ، ولذا قال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم :" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"(1) بل معرفة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم إنما يكون أصلا واجبا باعتبار كونه رسولا أو إماما ، لأن النبي مع قطع النظر عن رسالته وإمامته لا يجب على الناس معرفته ، كمن كان نبيا على نفسه ولا يكون رسولا إلى أحد ، ولا إماما على الأمة .فالمعرفة إنما تجب لأحد الوصفين ، فإن وجبت المعرفة لأجل الرسالةاستلزم وجوب معرفة الإمام بطريق أولى ، لأن الإمامة مرتبة فوق الرسالة ، وإن وجبت لأجل الإمامة ، فالوجوب أوضح لاتحاد الموضوع واستحالة التفكيك .
تنبيه : قد تبين مما بيناه من أن الإمامة أعلى مرتبة ، وأكمل درجة من النبوة والرسالة ، سر تقديمه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم منزلته من الأمة من حيث الإمامة ، لا من حيث النبوة حين استخلف مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) مكانه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم وأثبت له الولاية فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم : " ألست أولى بكم من أنفسكم " ولم يقل : " لست نبيكم أورسولكم " فإن إمامة الفرع وولايته متفرعة على إمامة الأصل وولايته .لا على نبوته ورسالته ، إذ لا توجب نبوة الأصل أو رسالته ثبوت الإمامة لخليفته ، والقائم مقامه .
وقد تبين مما بيناه أيضا أن أئمتنا سلام الله عليهم أفضل من سائرالأنبياء ، حتى أولي العزم منهم ، أما تقدمهم على غير أولي العزم منهم فقد اتضح مما ظهر لك من أن مرتبة الإمامة فوق مرتبة النبوة والرسالة .
وأما تقدمهم على أولي العزم منهم مع ثبوت الإمامة لهم ، فمن جهة أن الإمامة والولاية لها مراتب ، وأتم مراتبهما وأكملها ما ثبت لنبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وسلم ولذا كان أفضل
ص: 8
الأنبياء (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم ومرتبة إمامة الفرع في مرتبة إمامة أصله ، فإمامة أئمتنا سلام الله عليهم أيضا أتم مراتب الإمامة والولاية .
وقد تبين أيضا أن النبوة والإمامة قد يجتمعان ، كما في نبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم وإبراهيم الخليل ، بل في أولي العزم مطلقا ، وقد تفترق النبوة عن الإمامة ،كما في غير أولي العزم من الأنبياء (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم وقد تفترق الإمامة عن النبوة ، كما في أئمتنا سلام الله عليهم .
فإن قلت : ما ذكرت من أن الإمامة مرتبة فوق النبوة ينافي مع افتراق الإمامة عنها ، لأن نيل المرتبة الفائقة متفرع على نيل المرتبة النازلة.
قلت : استحقاق المرتبة الفائقة >أي الإمامة <على استحقاق المرتبة النازلة وهي النبوة واستحقاقها ثابت في أئمتنا سلام الله عليهم ، وإنما منع عنها ثبوت مرتبة الخاتمية لخاتم النبيين (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم وعلى آله الطاهرين .
وإليه يشير قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم في بعض أحاديث المنزلة ، المروي عن طرق العامة بعد قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم : ( إلا أنه لا نبي بعدي ولو كان لكنت ) .(1)
ص: 9
العدد الرابع
الشبهة الثانية حول المعاد الجسماني: شبهة الآكل والمأكول:
من جملة الشبهات المطروحة في الرد على المعاد الجسماني شبهة الآكل والمأكول وقد طرحت هذه الشبهة بأشكال مختلفة ولكنا نكتفي بتقريرين منها:
التقرير الاوّل: طبقا للوضع الطبيعي الابدان تتحول الى تراب والاشجار والنباتات تمتص تلك المواد الترابية ثم انّ الانسان والحيوان سوف يستفيد من تلك النباتات وسوف يستفيد الانسان من الحيوان ايضا وبهذه الكيفية سوف تتبدل اجزاء ابدان الموتى الى مواد غذائية للاخرين وبعد عدة مراحل سوف تدخل بدن انسان اخر، ومع ملاحظة هذا الاشكال وهو كون اجزاء المأكول اصبحت جزءا من بدن الآكل فهل سوف تحشر هذه الاجزاء مع بدن المأكول أم بدن الآكل؟ فلو فرضنا ان اجزاءً من بدن زيد اصبحت اجزاء من بدن عمرو فلو حشرت هذه الاجزاء مع زيد فسوف يحشر عمرو ناقصا وان حشرت مع عمرو فسوف يحشر زيد ناقصا وعليه فالقول بالمعاد
ص: 10
الجسماني يلزم منه ان يحشر احد البدنين ناقصا والمفروض أن يحشرا يوم القيامة كاملين اذن لابد وأن نقول ان المعاد ليس جسمانيا أو نقول بالصورة المثالية.
ويمكن طرح هذه الشبهة بشكل اقوى وابسط وذلك فانه هنالك مجاعات تحصل في بعض مناطق الدنيا بحيث يأكل الانسان انسانا آخر ولا شك في هذه الصورة ان اجزاءً من بدن شخص وردت مباشرة في بدن انسان اخر.التقرير الثاني: انه بناءً على ما جاء في التقرير الاول من ورود ودخول بعض اجزاء الانسان لانسان اخر انه لو فرضنا ان احدهما صالح والاخر طالح كأن يكون الاول مسلما مؤمنا والاخر كافرا فمع ورود اجزاء هذا الانسان المؤمن >والّذي لا يصح عذابه< لاخر كافر لابد من عذابه فكيف يمكن التوفيق حينئذ بين لزوم تعذيب هذه الاجزاء وعدمه؟ وحيث انه لاحل لهذا الاشكال فلابد من الاعراض عن القول بالمعاد الجسماني ولابد من الالتزام حينئذ بالمعاد الروحاني أو المعاد مع الصورة المثالية.
جواب المرحوم الخوانساري والمرحوم الطوسي بالنسبة الى شبهة الآكل والمأكول:
يقول المرحوم الخوانساري في مقام الجواب عن شبهة الآكل والمأكول: لا يقين لنا في تداخل بدن انسان اخر وانما هو مجرد ظن وامر حدسي ويكفي لابطال الاستدلال وجود احتمال معقول.(1)
اقول: مقصود الخوانساري انه عليكم اوّلا أن تثبتوا انّ الاجزاء الترابية لجسم الانسان تبدلت الى نباتات ثم بعد ذلك تطرح الشبهة بأن هذه المواد النباتية قد انتقلت بعد ان طوت مراحل متعددة الى بدن انسان اخر، اذا اصل الاستدلال مردود وذلك لانه لا يمكن الاعتماد على الظن في اثبات شي ء أو رده .
ص: 11
جواب المحقق الطوسي
وقد أجاب المرحوم نصيرالدين الطوسي عن الشبهة بشكل اخر وكأنه يقبل اصل الشبهة من امكان انتقال اجزاء بدن انسان لاخر ولذا تصدى للجواب عن هذه الشبهة وقد أجاب عنها بجملة مختصرة حيث قال:>ولا يجب اعادة فواضل المكلف<.(1)
وخلاصة نظر المرحوم سلطان المحققين انّ لكل انسان طينة اصلية لا تكون جزءا من بدن انسان اخر، واللَّه القادر العليم يحفظ تلك الطينة وتلك الاجزاء الاصلية ولا تكون جزءا من بدن اخر ابدا بخلاف الاجزاء غير الاصلية فانها من الممكن أن تكون اجزاءً لبدن انسان اخر الاّ ان ذلك لا يوجد اشكالا في المسألة فانه ليس من اللازم اعادة اجزاء الانسان غير الاصلية في يوم القيامة.
فاذا كان من الممكن عقلا أن يبقي اللَّه جل وعلا الاجزاء الاصلية لكل انسان فصرف وجود هذا الاحتمال المعقول كاف في دفع الشبهة وذلك فان هذه الطينة الاصلية تكون منشأ لبدن وجسم كل انسان ويشهد لذلك ما في بعض كلمات الامام الصادق(علیه السلام) فعن:
عمار بن موسى عن أبي عبداللَّه(علیه السلام) قال: سئل عن الميت يبلى جسده قال نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلّا طينته الّتي خلق منها فانها لا تبلى تبقى في القبر مستديرة حتّى يخلق منها كما خلق اوّل مرة.(2)
ويذكر المرحوم العلامة المجلسي في المجلد السابع من بحار الانوار لكلمة المستديرة تفسيرين:
ص: 12
1-يعني في حالة هيئة الاستدارة بمعنى ان ذلك الجزء الاصلي يبقى على شكل دائرة كروية في القبر.2-أو بمعنى أنها مستمرة بالتغير والتحول من حال الى حال بمعنى ان بدن الانسان يتبدل من حال الى حال إلاّ انّ اللَّه سبحانه وتعالى يحفظ طينة الانسان الاصلية في كلّ تلك الحالات.
أقول: مع هذا الجواب سوف ترتفع شبهة الآكل والمأكول من الاصل فلا يلزم حينئذ نقصان في واحد من الابدان لأن الاجزاء الاصلية محفوظة على طول تحولات الانسان من حال الى حال >وبعبارة اخرى من بدن الى بدن< وكذلك انحلت شبهة العذاب والثواب حيث يقال انّ اجزاء بدن الانسان المؤمن اصحبت جزءا من بدن الكافر فهل تعاقب أو تثاب تلك الاجزاء فلا وقع لهذه الشبهة حينئذ لانه لا انتقال لاجزاء بدن احد الى احد.
جواب ملاصدرا عن شبهة الآكل والمأكول:
يقول ملاصدرا في دفع هذه الشبهة:
>انّ هذه المقدمات والاصول المذكورة كما أفادت هذا المطلوب على وجه التحقيق كذلك هي وافية بدفع تلك الشبهة والشكوك ولا بأس بذكرها على التفصيل والاشارة الى دفعها - منها ما سبق من انه اذا صار انسان غذاءً لانسان آخر، فالأجزاء المأكولة اما ان يعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول وأيّا ما كان لا يكون احدهما بعينه معادا بتمامه وأيضا اذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا يلزم اما تعذيب المطيع و تنعيم الكافر أو أن يكون شخص واحد كافرا معذبا ومؤمنا منعما لكونهما جسما واحداواندفاعه ظاهر بما مرّ من انّ تشخص كل انسان انما يكون بنفسه لا ببدنه وانّ البدن المعتبر فيه امر مبهم لا تحصّل له إلاّ بنفسه وليس له من هذه الحيثية تعيّن و لا ذات ثابته ولا يلزم من كون بدن زيد مثلا محشورا أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولا لسبع أو انسان آخر محشورا بل كلما يتعلق به نفسه هو بعينه بدنه الّذي كان فالاعتقاد بحشر الابدان يوم القيامة هو أن يبعث ابدان من القبور اذا رأى احد كل
ص: 13
واحد واحد منها يقول هذا فلان بعينه وهذا بهمان بعينه أو هذا بدن فلان وهذا بدن بهمان على ما مرّ تحقيقه ولا يلزم من ذلك أن يكون غير مبدل الوجود والهوية كما لا يلزم أن يكون مشوّه الخلق والاقطع والاعمى والهرم محشورا على ما كان من نقصان الخلقة وتشويه البنية كما ورد في الاحاديث والمتكلمون عن اخرهم اجابوا عن هذه الشبهة بما لا حاجة الى ذكره لركاكته.
ومنها ان جرم الارض مقدار محصور محدود ممسوح بالفراسخ والاميال والذراع وعدد النفوس غير متناه فلا يفي مقدار الارض ولا يسع لان تحصل منه الابدان الغير متناهية.
والجواب الحق بما مرّ من الاصول ان لا عبرة بخصوصية البدن وان تشخصة والمعتبر في الشخص المحشور جسمية ما اية جسمية كانت وان البدن الاخروي ينشأ من النفس بحسب صفاتها لا ان النفس يحدث من المادة بحسب هيأتها واستعداداتها كما في الدنيا<.(1)
وفي الفصل الثالث طرح ملا صدرا مقدمات واصول بعنوان مباني لدفع اشكال انكار المعاد والشبهات المطروحة حول حشر الاجساد ويدعي انه استطاع بواسطة تلك الاصول الجواب وبشكل جيد عن تلك الشبهات.
ولا يخفى ان مراده من الجسد في قوله >في دفع شبهة المنكرين وشكوك الجاحدين لحشر الاجساد< ليس هذا البدن الدنيوي بل مراده هي الصورة المثالية حيث يصرح بذلك في العبارات الّتي تليها في الجواب عن شبهة عدم اتساع الارض لحشر جميع النفوس حيث يرى أنها متناهية فيقول:
>ان البدن الاخروي ينشأ من النفس بحسب صفاتها لا انّ النفس يحدث من المادة بحسب هيئاتها واستعداداتها كما في الدنيا<.
ص: 14
فانه بعد ان اوضح الشبهة اجاب عنها بقوله »من ان تشخص كل انسان انما يكون بنفسه لا ببدنه وان البدن المعتبر فيه امر مبهم لا تحصل له إلاّ بنفسه ولا يلزم من كون بدن زيد مثلا محشورا ان يكون الجسم الذي منه صار مأكولا لسبع أو انسان اخر محشورا بل كلما يتعلق به نفسه هو بعينه بدنه الّذي كان« فكل ما تعلقت به الروح هو البدن وليس المحشور هو ذلك البدن الّذي تأكله الحيوانات والانسان بل البدن هو تلك الصورة المثالية الّتي توجدها النفس فلا يوجد هنالك بدن مادي في رأي ملاصدرا حتّى ترد عليه شبهة الآكل والمأكول بل كلّ ما تعلقت به روح الانسان فهو البدن فكان جواب ملاصدرا مبتنيا على ان لا وجود للابدان الترابية في يوم القيامة إلاّ ان عامة علماء الاسلام استنادا إلى الادلة الوحيانية قائلون بأن المحشور هو البدن العنصري وعليه فيكون جواب ملاصدرا باطلا من اصله واساسه.
جواب اخر عن شبهة الآكل والمأكول:
لقد بنى ملاصدرا في جوابه لشبهة الآكل والمأكول على ان عالم الآخرة ليس ماديا ولذا فلا يقبل بان الجسم الترابي هو المحشور يوم القيامة وعلى هذا فهو يرى ان الشبهة ترجع إلى السالبة بانتفاء الموضوع بعد عدم وجود حشر جسماني ومادي فلاتصل النوبة للاشكال الاول من عدم سعة الارض لحشر الخلائق ولا للاشكال الثاني من تداخل اجزاء انسان لاخر وحيث ان هذا الجواب بُنى على اصل باطل وغير مقبول فهو مردود اصلا فان جميع علماء الاسلام بل جميع الاديان السماوية يعتقدون بالحشر الجسماني ومرادهم من الجسم هذا البدن الترابي ومع هذا الفرض فلا يمكن لجواب ملاصدرا ان يرفع اشكال الآكل والمأكول.
وقد اعطينا لحد الآن جوابا واحدا لهذا الشبهة على اساس ان المحشور هو هذا البدن الترابي وقلنا ان الاجزاء الاصلية لكل بدن لا تنتقل الى شخص اخر واعادة الفواضل لكل بدن ليست لازمة وسوف يخلق كلّ انسان من اجزائه الاصلية يوم القيامة.
ص: 15
وهذا الجواب لا يتنافى مع المعاد الجسماني وقد ذكرنا رواية في ذلك تأييدا للجواب وهنالك اجوبة اخرى ذكرت لهذه الشبهة.
جواب المرحوم الخوانساري لشبهة الآكل والمأكول
وقد أجاب المرحوم الخوانساري في كتابه العقائد الحقة بهذا الشكل:
>لا مانع من حفظ اجزاء لكل بدن بحيث لا يكون جزء بدن الاخر ولا يلزم احتفاظ مجموع الاجزاء من اوّل العمر الى آخره ولا احتفاظ مجموع الاجزاء حال الموت<.
وتوضيحه انه يقول: ليس من اللازم ان يحشر الانسان يوم القيامة بكل اجزائه الاصلية وغيرها حتّى الفضولات الشاملة لاظافره وشعره وإلاّ لو لاحظنا شعره واظافره في طول حياته فاللازم أن يحشر مع كلّ اظافره الممتدة وشعره الطويل جدا ولذا نقول ليس من اللازم أن يحشر الانسان بجميع اجزاء بدنه.
وعلى هذا الاساس لو القي جزء من بدن الانسان الى جانب اخر أو صار جزءا لشخص اخر فلا ضير في ذلك ولا مشكلة في البين ويكفي من حشر الاجزاء مقدارا يكفي لتكوين بدن واحد ولا يمكن لاحد أن يدعي انتقال كلّ اجزاء بدن انسان لاخر بالشكل الّذي اما أن يحشر هذا البدن للاول أو للثاني بعد ما فرضنا انّ اللَّه عليم بمقدار ما يتكوّن منه بدن الانسان حفيظ لاجزاء الانسان.
فان قلت هذا الجواب جيد بالنسبة الى شبهة حشر الجزء الواحد المشترك بين شخصين في بدنين واما شبهة ثواب وعقاب ذلك الجزء الواحد المشترك بين شخصين فهل يعذب يوم القيامة لانه جزء من بدن الكافر أو يثاب ولا يعذب لانه جزء من بدن المؤمن فلا يكفي الجواب المتقدم في حل هذا الشبهة.
قلت: علينا أن لا ننسى ابدا قدرة اللَّه جل وعلا وعلمه وعليه فاذا فرض ان اجزاءا من بدن المؤمن اصبحت جزءا من بدن الكافر فان اللَّه سبحانه وتعالى قادر على أن لا يجعل في تكوين بدن المؤمن يوم القيامة ذلك الجزء المشترك مع الكافر بل سوف
ص: 16
يكون المؤمن من اجزاء اخرى وهذا العمل تحت اختيار العليم الحفيظ القائل: >أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ<.(1)
جواب السيد هاشم الطهراني عن شبهة الآكل والمأكول
ويعلق المرحوم السيد هاشم الطهراني على كتاب كشف المراد بقوله:
>الشبهة الثانية ان اللَّه تعالى اما أن يعيد جميع الاجزاء البدنية الحاصلة من اوّل العمر الى آخره اي كلّ ما تكوّن منه وما ازداد عليه في خلال عمره وتحلل منه وبقي له والقدر الّذي تكون منه في ابتداء نشوه أو القدر الحاصل له في انتهاء عمره، أو احد المقادير الحاصلة له بين الابتداء والانتهاء والكل باطل لأنّ الاول يستلزم عظم بدنه في الغاية مع ان اكثر اجزائه من غيره لا محالة والثاني يستلزم صغره في الغاية لانه في اول نشوّه كان نطفة والثالث يستلزم الاهمال أو ايصال الحقّ الى غير مستحقه لان العبد يمكن أن يكون في جميع عمره عاصيا وفي اخر عمره مطيعا أو بالعكس فلو عذب العاصي في آخر عمره في تلك الاجزاء لزم اهمال الأجزاء المتحللة قبل ذلك في الطاعة لعدم اثابتها ولو ثوّب في تلك الاجزاء لزم ايصال الثواب الى غير مستحقه وكذا الكلام في المطيع في آخر عمره العاصي قبل ذلك والرابع يستلزم الترجيح من غير مرجح.
فالجواب عن الشبهتين على القول بالمثلية كما عرفت في المبحث الثاني ظاهر لا مؤونة فيه لانّ المعاد الجسماني على ذلك لا يستلزم عود البدن الذي كان له في الدنيا. وامّا على القول بالعينية فالجواب المشهور ما في كلام المصنف والشارح من ان لكل بدن اجزاء اصلية وهي باقية من الاوّل الى الآخر لا يتحلل ولاتصير جزءا من غير تلك البدن ولو اغتذي بها احد جعلت عند البعث في البدن المأكول الّذي كانت ذلك الاجزاء اصلية له ولا تجعل جزءا من بدن الآكل ثم لا بأس بأن يلتصق بتلك الاجزاء
ص: 17
الاصلية اجزاء اخرى من بدن أو غير بدن لأنّ مناط التعذيب والتنعيم تلك الاصلية كالروح في مذهب من يقول انما المناط هي.
ويؤيد هذا القول ما رواه في الكافي باب النوادر، آخر كتاب الجنائز بالاسناد الى عمار بن موسى عن أبي عبداللَّه (علیه السلام)قال سئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا يبقى له لحم و لا عظم إلاّ طينة الّتي خلق منها فانها لا تبلى تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق اوّل مرّة<.(1)
أقول: وهذا الحديث لا يتنافي مع الاحاديث الاخر الدالة على تكون كل اجزاء الميت في القبر من جديد وذلك لانّ الحديث يقول انّ الجزء الاصلي >الطينة< يبقى على كل حال ولا يتغير وامابقية الاجزاء فهي محفوظة عند اللَّه جل وعلا وتلحق بالاجزاء الاصلية وان اصابها التغير والتحول فمقتضى الجمع بين الروايات هو ان الطينة الاصلية لا يصيبها اي تغير وباقي الاجزاء وان تحولت وتغيرت إلّا أنها محفوظة وبذلك يرتفع التنافي بين الاخبار.
للبحث صلة
ص: 18
الاستاذ المحقق حجة الاسلام و المسلمين حسن الميلاني
الحلقة الثانية
لقد کان الکلام في الحلقة الاولی عن الروايات الواردة حول معرفة الله تعالی نذکر ما تبقی منها ثم نذکر المستفاد منها:
الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):
... إذا لتفاوتت ذاته ولتجزّء كنهه.(1)
ص: 19
الامام الرضا (علیه السلام):
كل معروف بنفسه مصنوع.(1)الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):
ليس بإله من عرف بنفسه، هو الدال بالدليل عليه.
الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):
دليله آياته، ووجوده إثباته.(2)
الامام الرضا (علیه السلام):
بصنع اللّه يستدل عليه.(3)
الامام الرضا (علیه السلام):
وفيها أثبت غيره ومنها أنيط الدليل.(4)
إن المستفاد من هذه النصوص السماوية هو:
1. كل ما سوى اللّه تبارك وتعالى يكون مخلوقا مقداريا متجزيا قابلا لفرض الزيادة عليه والنقصان منه، واللّه جلّ جلاله يخالف خلقه في كلّ ذلك فهو خالق متعال عن المقدار والاجزاء والعدد.
2. كلّ ما سوى اللّه تعالى قابل للتعريف والتوصيف والتجديد، وهو جلّ وعلا لا يوصف ولا يعرف بذاته أبدا، ولا سبيل للعلم بوجوده إلا بالدلالة العقلية عليه من وجود خلقه.
ص: 20
3. لا يكون كبر اللّه تعالى وعظمته بمعنى امتداد هذا الوجود المادي الی ما لا نهاية،باشتمال كل زمان ومكان وكل شيء من الاشياء، وبعبارة أخرى:>يعني ليس وجود الله تعالی من سنخ وجود المخلوق الا انه غير متناهي فيشتمل علی الزمانوالمکان وکل الاشياء بل هو تعالی ليس
ماديا ولامن سنخها ولا من سنخ الاثار والتناهي وعدمه من صفات الاجسام والله تعالی فوق ذلک< .
4. لا يعقل فرض وجود شيء ثالث بين اللّه (الخالق). وما سواه (المخلوق). على الصفات التي بينا لهما.
5. كلّ ما يتصور من الصفات والاحوال فهو من ملكات الاقدار، واللّه تعالى خارج عن قابلية الاتصاف بها شأنا وموضوعا.
6. إن كمال معرفة اللّه تعالى هو التصديق بوجوده فقط، وأما البحث والفحص عن معرفة ذاته جلّ وعلا على أي نحو كان - حصوليا أو حضوريا أو ... - فهو تشبيه وضلالة وتضليل.
7. من أنكر وجود الخالق تعالی على ما عرّفناه - وهو كونه شيئا بخلاف الاشياء - فقد أنكر بداهة ما يحكم به عقله من امتناع وجود الخلق بلا خالق يخالفه.
8. من أثبت وجود اللّه تعالى على جهة التشبيه والمسانخة بينه وبين خلقه، أو على جهة الوحدة والعينية بينهما فهو ضال عن المعرفة الحقة الالهية ضلالا بعيدا.
وهناك مطالب أخرى نذكرها في محلها إن شاء اللّه تعالى.
هذا، ولكن المعرفة البشرية (الفلسفة والعرفان). تخالف العلوم البرهانية السماوية في كلّ النقاط المذكورة كما سنتعرض إلى تفصيل ذلك بعون اللّه جلّ جلاله.
المرحلة الثالثة
إيضاح البرهان وأصولِه ونتائجِه
ص: 21
تبيين الاصل الاول(1): إن كل ما نراه وندركه ويمكن أن نتصوره من الاشياء والموجودات يجوز عليه التغير والزوال والتحول عما هو عليه إلى غيره، ويمكن فرضالزيادة عليه والنقصان منه(2) بالنظر إلى ذاته،(3) وكل ما كان كذلك فيكون حقيقة مقدارية، متجزية، وماهية عددية يستوي له الوجود والعدم،(4) بداهة أن الزيادة والنقصان لا يمكن أن يتصور إلا في المقدار والعدد، ولا يتحقق موضوعهما إلا في الحقيقة ذات الاجزاء والابعاض.(5) فلا نعقل شيئا موجودا - لا تصورا ولا خارجا(6) - إلا في المقدار والاجزاء والعدد(7) والحكم بذلك بديهي وجداني لا يحتاج إلى أي برهان، وأضف إلى ذلك:
1. إن كل ما يمكن أن يوجد فهو قابل لوصف الانقسام والمساواة والتعدد، -وذلك أنه قابل لفرض الزيادة عليه، وكل ذلك يكون من خواص الكم ويتفرع على وجود المقدار والاجزاء بالبداهة.
ص: 22
2. إن ما يمكن أن يوجد يمتنع أن يتحقق مبهما ولا يوجد إلا بالتشخص والتعين بالحدود الوجودية، والتشخص والتميز لا يتصور أن يتحقق إلا بالمقدار والاجزاء، فلا يتحقق شيء إلا متجزيا مقداريا.الامام المجتبى (علیه السلام):
... الحمد للّه الذي لم يكن له ... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهي.(1)
الامام الصادق (علیه السلام):
... فهو الواحد الذي لا واحد غيره لانه لا اختلاف فيه.(2)
4. إنه يشهد لهذا الحكم الوجداني البرهاني أنك لا تجد أحدا أثبت وجود شيء مطلقا، إلا اعتقد فيه المقدارية - متناهيا فرضه أم غير متناه - حتى أنهم وصفوا بها الذات المتعالية!!(3) وسيتضح ذلك من موارد ما نأتي بها من شواهد كلامهم وتوضيح مرامهم،(4)إن شاء اللّه تعالى.
5. دلالة مضمون الادلة الشرعية القطعية الخارجة عن حد الاحصاء على استحالة تحقق الموجود المجرّد عن المقدار مطلقا، ويأتي تفصيل البحث عن ذلك إن شاء اللّه تعالى في مبحث " أسطورة المجردات".
الامام الجواد (علیه السلام):
إن ما سوى الواحد متجزيء، واللّه واحد لا متجزيء ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزيء أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له.(5)
ص: 23
الامام الباقر (علیه السلام):إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق وليس اللّه كذلك.(1)
فكل ما سوى اللّه تعالى مخلوق مقداري متجزيء، فإن صفة الصنعة ليست إلا ذلك:
الامام الصادق (علیه السلام):
... أمصنوع أنت أم غير مصنوع؟ فقال عبد الكريم ابن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع، فقال له العالم (علیه السلام): فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جوابا وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل، عريض، عميق، قصير، متحرك، ساكن، كل ذلك صفة خلقه، فقال له العالم (علیه السلام):فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور ... (2)
بيان الاصل الثاني (وهو: أن كل ما يمكن أن يوجد فلا بد لوجوده من خالق وموجد).
الزيادة والنقصان في الذات المقدارية - أو الوجود والعدم لها - ليس إلا بالفاعل الموجد والمعدم، فلا يصبح العدم بنفسه وجودا والوجود عدما أبدا بالبداهة. قال اللّه تبارك وتعالى:
أم خلقوا من غير شيء؟!(3)
الامام الصادق (علیه السلام):
إنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا.(4)
الامام الصادق (علیه السلام):
ص: 24
ولا بد للمخلوق من الخالق.(1)
الامام الصادق (علیه السلام):
فما ليس بشيء لا يقدر على أن يخلق شيئا وهو ليس بشيء.(2)
الامام الصادق (علیه السلام):
مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف.(3)
الامام الصادق (علیه السلام):
ألا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده؟(4)
الامام الصادق (علیه السلام):
لو رأيت تمثال إنسان مصورا على حائط، فقال لك قائل: إن هذا ظهر هاهنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أكنت تقبل ذلك؟ بل كنت تستهزء به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان الحي الناطق. (5)
الامام الصادق (علیه السلام):
فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار منهم إليه أنهم مصنوعون.(6)
الامام الصادق (علیه السلام):
كيف يخلق لا شيء شيئا؟!(7)
ص: 25
ولا مجال للاشكال في الادلة الشرعية المشار إليها بأن يقال: "إنها ظنية"، وذلك لكثرتها المذكورة بحيث يحصل القطع بصدور مضمونها - بل إن وجوب التسليم عند مضامينها من ضروريات الاديان - لمن راجع عشر أعشار ما ورد من النصوص والخطب الواردة لبيان توحيد الباري جل وعلا في نهج البلاغة والصحيفة السجادية والكافي والتوحيد والمحاسن والبحار و ... ، وعلى هذا فيكون النظر في أسناد تلك الادلة من الغفلة بل الخبط جدا. هذا كله، مع غض النظر عن اشتمال تلك النصوص على براهين قطعية جلية غالبا بحيث لا يقاس بها غيرها من الادلة التى أقامتها الافكار البشرية لاثبات المعارف الالهية إلا ظلما عدوانا وجورا واعتسافا. كما أنه لا يرد الاشكال فيها بأن يقال: "لا يجوز التعبد بقول الغير في المعارف العقلية لاستلزامه الدور"، لانه إذا كان مدعي الامامة والتقدم على غيره ذا كمالات يثبت بها تقدمه على غيره، يحكم العقل بوجوب اتباعه. ومن الكمالات المذكوره هي نفس ما يصدر عنه بعنوان الاعجاز لا من حيث كون ذلك فعلا إلهيا حتّى يلزم الدور، بل من حيث دلالة المعجزة المذكورة على كمال صاحبها وكونه مقدما على غيره من حيث العلم والقدرة. بل يمكن أن يقال: "إن وجود الخالق تعالي وحجية الحجج عليهم السلام يثبتان معا في مرتبة واحدة بإرائة الاعجاز - ولو بعنوان أنه فعل الهي - من مدعي مقام الحجية، ولا يكون إثبات حجية الحجّة متوقفة على إثبات وجود الخالق تعالى قبل ذلك حتى يتوهم منه لزوم الدور، والتامل في سيرة الحجج الالهية في هداية الامم إلى معرفة الخالق تعالي يقضي بأن أمر الهداية الالهية استقر على هذا الوجه، ولم يكن الناس يهتدون إلى معرفة خالقهم قبل معرفتهم السفراء الالهية، حتى يحثهم ذلك إلى الفحص عن وجود حججه بعد ذلك. إن قلت: إنا إذا أثبتنا وجود الخالق تعالي وكونه حكيما لا يصدر عنه القبيح، يلزم منه أن لا يصدّق مدعي النبوة والامامة كذبا، وأما في المقام فلا دليل على امتناع صدور الكذب والقبيح عن الشخص المذكور، قلت: إن مدعي التقدم على غيره إذا أثبت لنفسه علما وقدرة لا يحتاج معهما إلى غيره، فلا
ص: 26
يصدر عنه الكذب والقبيح بنفس ما دل على كون الخالق تبارك وتعالى منزها عنهما (وهو كونه تعالى عالما قادرا غنيا عن غيره) فقد ثبت بهذا البيان وجوب التسليم عند نصوص مكتب الوحي، ولزوم اتباع أهله مطلقا بلا فرق في ذلك بين الاصول الاعتقادية وغيرها، ولا يلزم الدور في شيء منهما أصلا. ومع هذا كله لا يخفى أنا لا نحتاج إلى هذه المرحلة أصلا، لان الاصول الاعتقادية في مكتب الوحي مبينة ببراهين لا نحتاج معها إلى التعبد فيها أبدا).
تبيين النكتة القادمة(1)
الحقيقة المقدارية المتجزية العددية، تكون محدودة بحدود أجزائها المعينة، فلا يمكنها أن تضيف على نفسها شيئا بالبداهة. فلا تكون موجدةً ومعدمةً لشيء أبدا. فإن إدعاء: "زيادة الشيء أو نقصانه بنفسه"، مساو لادعاء: "كونه موجدا ومعدما لغيره"، ولا اختلاف بينهما إلا بالاعتبار حيث إن الشيء المقداري إن فرضنا أنه وجد زائدا عليه شيء آخر، فكما يصح لنا أن نقول: "إنه زيدَ عليه بلا علة سوى نفسه"، كذلك يصح لنا أن نعبر عن ذلك بقولنا: "إنه أوجد شيئا آخر زائدا على نفسه".
بل لا اختلاف بين التعبيرين المذكورين وبين أن نقول: "إنه قد وجد هناك شيء ولا علة له سوى نفسه!!" إلا بالاعتبار. وذلك أنه إذا جاز أن يوجد شيء بلا استناد إلى إيجاد الخالق المتعال، فلا فرق في ذلك بين أن ننظر إلى شيء كان هناك من قبل في جنبه أم لا، كما أنه لا فرق في ذلك بين أن نعتبر أحدهما علة للاخر أم لا.
القرآن الكريم:
إن الذين تدعون من دون اللّه لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له.(2)
و:
ص: 27
أم هم الخالقون؟!(1)
الامام الرضا (علیه السلام):
كيف ينشيء الاشياء من لا يمتنع من الانشاء.(2)
الامام الرضا (علیه السلام):
لعجز كل مبتدء عن ابتداء غيره.(3)
الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):
كل معط منتقص سواه.(4)
الامام الرضا (علیه السلام):
فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ... إذاً لتفاوتت أجزاؤه.(5)
الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):
ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة ... مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها.(6)الامام الصادق (علیه السلام):
ص: 28
فما ليس بشيء لا يقدر أن يخلق شيئا وهو ليس بشيء، كذلك ما لم يكن فيكون شيئا يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه.(1)
الامام الرضا (علیه السلام):
لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف.(2)
الامام الرضا (علیه السلام):
... بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، ... ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزه لمغرزها.(3)
فلا يكون الموجد والمعدم إلا ما هو بخلاف المقدار:
قال اللّه تعالى:
«قل أرأيتم شركائكم الذين تدعون من دون اللّه أروني ما ذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات»؟(4)
«أم جعلوا للّه شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل اللّه خالق كل شيء وهو الواحد القهار».(5)
الامام أمير المؤمنين (علیه السلام):انفرد بصنعه الاشياء، فأتقنها بلطائف التدبير.(6)
ص: 29
الامام الصادق (علیه السلام):
إنه جل ثناؤه علة كل شيء وليس شيء بعلة له.(1)
ويقول اللّه تعالى:
يا عيسى أنا ربك ورب آبائك الاولين، إسمي واحد وأنا الاحد المتفرد بخلق كل شيء، وكل شيء من صنعي وكل إلي راجعون.(2)
الامام الحسين (علیه السلام):
يوجد المفقود ويفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت.(3)
... وتفردت بخلق الخلق كلهم، فما من باريء مصور صانع متقن غيرك ... وأشهد أن الذين اتخذوا من دونك آلهة أن إلهتهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون.(4)
بل ليس في إمكان الموجود المقداري إلا التغير والتحول:
الامام الرضا (علیه السلام):
وإن كل صانع شيء فمن شيء صنع، واللّه الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء.(5)
الامام الرضا (علیه السلام):
لا يتغير اللّه بانغيار المخلوق، كما لا ينحد بتحديد المحدود.(6)الامام الصادق (علیه السلام):
ص: 30
هو أجل من أن يعاني الاشياء بمباشرة ومعالجة، لان ذلك صفة المخلوق الذي لا يجيء الاشياء له إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الارادة والمشيّة فعال لما يشاء.(1)
فلا وجه لفرض استناد وجود الممكنات والمحدثات إلى ممكن أو حادث آخر، - كما في برهان الوجوب والامكان، أو الحدوث والقدم - ولانكون محتاجا إلى تجشم الاستدلال لابطال الدور والتسلسل بل ظهر بما بيناه أن فرضها باطل في نفسه، وبعبارة أخرى: إن التسلسل والدور في أمر الايجاد محال موضوعي ولانحتاج لابطالهما إلى إقامه الدليل على استلزامها المحال. مضافا إلى أن التسلسل لا يمكن إبطاله على مباني أصحاب مدرسة الفلسفة إن لم نقل إن بناء عقائدهم يكون على جواز التسلسل، فإنه مع القول ببطلان التسلسل يهدم بنيان معارفهم من الاساس. توضيح ذلك - كما يأتي مفصلا إن شاء اللّه تعالى - ان الادلة التي أقيمت على بطلان التسلسل تكون على قسمين، قسم منها يدل على بطلان التسلسل من حيث استحالة اللامتناهي مطلقا، وقسم آخر منها فلا يدل عليه من هذه الجهة. فالقسم الثاني منهما لا يتم في نفسه ويكون باطلا من رأسه، والقسم الاول، فليس لاهل الفلسفة أن يتمسكوا به لانهم لا يعترفون باستحالة مطلق اللامتناهي، بل اعترافهم بذلك يستلزم بطلان كل معارفهم المبتنية على أزلية العالم وقدم الموجودات وتحقق اللامتناهي في المقدار والعدد. وبالجملة، فإنهم إن اعترفوا باستحالة اللامتناهي على إطلاقه، فلا يستقر لهم حجر على حجر وينهدم اساس مطالبهم. وان لم يقولوا به فلا دليل لهم على ابطال التسلسل وإثبات واجبهم.
تقول الفلسفة:
إنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها، مليء بما يهبه ويجود به، وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصوركيفية اتصافه تعالى ببعض ما: يفيض على خلقه من الصفات ونسبته إليه تعالى"(2)
ص: 31
ونقول: إذا قلنا بأن الخالق تعالى "هو واجد لما يعطيه ومليء بما يهبه" فالالتزام باتصافه بصفات الاشياء - بل وعينية ذاتهما فضلا عن الصفات - يكون من الحكم العقلي البرهاني، ولا يصح لنا أن نقول: "إن ذلك يكون من جهة اعتياد أفهامنا بالمادة وأحكامها الجسمانية". فإن مع الاعتقاد ب-"وجوب السنخية بين العلة والمعلول"، أو "كون المعلول مرتبة من مراتب وجود العلة ورابطة بالنسبة إليها، وامتناع كون المعطي فاقدا" وأمثال ذلك من القواعد الفلسفية فامتناع القول بتنزه ذات الخالق عن الصفات المادية المخلوقة أوضح من أن يخفى.
العدد الثالث
الثالث: إصالة الوجود أو الماهية:
ص: 32
قبل الدخول في الإستدلال علی إصالة الوجود أو الماهية، و بيان الصحيح في ذلک لابد من تشخيص أي معنی من معاني الوجود؛ هو المقصود بالإصالة عند القائلين به. کما لا بدّ من تشخيص أي معنی من معاني الماهية هو المراد عند القائلين بإصالتها.
أقول: و المراد من الوجود عند القائلين بإصالته ليس المعنی الکلي الإنتزاعي و المحمول علی الأشيا، و هو الذي يعبّر عنه بأنه من المعقولات الفلسفية الثانية. بل المقصود من الوجود؛ هو نفس الحقيقة العينية، و هي حيثية الإباء عن العدم، و هو المعنی الذي جاء به ملاصدرا الشيرازي.
أما الوجود بالمعنی الأول؛ فهو اعتباري بلا شک؛ کما صرح بذلک ملا صدرا ومن جاء بعده.
و أما القائلون بإصالة الماهية، فمرادهم من الماهية؛ هو ما به الشيء هو هو، لا القالب الذهني، و لا الحدّ العقلي امنتزع من الأشياء. و إلا فالماهية بمعنی القالب الذهني و الحدّ العقلي لا شک في اعتباريتها حتی عند القائلين بإصالة الماهية.
و من هنا يتجه البحث بأن القائلين بإصالة الوجود يعبرون عن الحقيقة المتحققة في الخارج؛ بالوجود، و الآخرون يعبرون عنها؛ بالماهية.
و أما أصل هذه الإصطلاحات، فالمعروف أن المراد من الوجود عرفاً و لغة و فلسفياً؛ هو المعنی العام و المفهوم المشترک، و هو الذي قالوا عنه إنه مشترک معنوي. و أما المعنی الآخر؛ فهو اصطلاح مُحدَث من قبل ملاصدرا، فإنه يسمي نفس الحقيقة العينية التي تأبي العدم؛ بالوجود، ثم يسري عليها مفهوم الوجود الواحد حسب ما هو معلوم من الإصطلاح الأول للوجود، فتکون النتيجة بأن حقيقة الوجود واحدة، و إن الحقيقة في کل الأشياء و الذوات واحدة. و الصحيح؛ إن الإصطلاح لا يغير من الواقع شيئاً، و لا يجعل من الکثير أمراً واحداً. و لنفرض أن الحقيقة العينية المتحققة في الخارج اصطلحنا عليها باسم الوجود، فهذا الإصطلاح لا يکسبها و لا يعطيها خصائص الوجود بالمعنی الآخر للوجود؛ و هو المعنی الإنتزاعي الکلّي و لا معنی. کما و ليسمن الصحيح أن نُشير لتلک الحقيقة العينية بالمفهوم العام بعد تباين و تغاير و تخالف الإصطلاحين، و من هنا لو فرضنا أن الحقيقة العينية إسمها الوجود، فذلک سوف لن
ص: 33
يغير من الواقع شيئاً؛ و هو إن الأشياء الخارجية حقائق متباينة و متغايرة و متخالفة. و يعود النزاع حينئذ لفظياً، بعد ما يرجع الوجود عبارة اخری عن الکلي الطبيعي، و عبارة اخری عن الماهية. کما أن الأصل في الماهية هو الحقيقة و الذات، و التي تکون منشأ للآثار الخارجية، و من الواضح اشتقاق الماهية من ماهو الدال علی حقيقة الشيء بما لها من الآثار الخارجية و الوجود الخارجي. و أما الإصطلاح الآخر للماهية و الذي بمعنی الحدّ العقلي و القالب الذهني؛ فهو اصطلاح مُحدَث جاء نتيجة القول بإصالة الوجود.
قابلية الذهن البشري علی کشف الحقائق:
و هنا شيء لابد من معرفته، و هو:ما هي قدرة الذهن علی کشف الحقائق؟ و ما هو مقدارها؟ و هل يستطيع الذهن من کشف کنه الأشياء و حقائقها؟ و هل ياتُری تُعرف حقائق الأشياء بمعرفة مجموعة اصطلاحات و تسميات و معاني فارغة؟
المذهب الذي تسير عليه الفلسفة بقسميها؛ المشّائية و الإشراقية؛ يری إن الذهن البشري قادر علی کشف کل شيء، و حتی الذات الإلهية المقدسة و صفاتها (کما هو واضح من منهجيتها الفلسفية، و إن لم يصرحوا بذلک)(1).
و المعروف لدی اخرين، و جملة من المحققين؛ بأن الذهن البشري قادر علی کشف کثير من الأشياء، لکن بمعرفة اللوازم و الآثار، لا الحقائق و الذوات؛ خصوصاً الذات الإلهية اللامتناهية و الجامعة لکل الکمالات، فالمحدود کيف يدرک اللامحدود. هذا من جهة عقلية، و أما من جهة نفسية و شهودية فالأمر کذالک. فالحضور و الشهود لا يمتد للإحاطة باللامتناهي و الی شهود کنهه و ذاته، و أسمائه وصفاته، مضافاً الی أن الحضور و الشهود إنما يکون لاللوازم و الآثار، فهو شهود لوجود الذات لا الذات الإلهية المقدّسة، و لرحمة وجوده لا أکثر.
ص: 34
والمسألة واضحة و قد أشار إليها القرآن الکريم، و النبي و آله عليهم أفضل الصلاة و السلام. قال الشيخ محمدرضا المظفّر في منطقه، تحت عنوان إنارة:
«إلا أن المعروف عند العلماء؛ أن الإطّلاع علی حقائق الأشيا و فصولها من الأمور المستحيلة أو المتعذّرة و کل ما يذکر من الفصول؛ فإنما هي خواص لازمة تکشف عن الفصول الحقيقية. فالتعاريف الموجودة بين أيدينا أکثرها أو کلها رسوم تشبه الحدود»(1). مضافاً لما في طريق الإشراق من إشکالات و إيرادات أساسية، مرّت عليک في الأمر الرابع من أصول الفلسفة فما ذکروه من (تعطيل العقول غير جائز) صحيح فيما للعقل قدرة الإستکشاف، و أما مالا يسعه العقل فکيف يستطيع کشفه؟
و لا معنی حينئذ للإستدلال بتعطيل العقول.
و قد ورد في الأخبار و الروايات ما يدل علی إرشاد البشرية في عدم التفکّر في کنه بعض الأشياء وحقائقها، و بخصوص الذات الإلهية المقدّسة. ففي بعضها «تفکّروا فيکل الأشياء، و لا تتفکروا في ذات الله». و في أولی خطب النهج لأميرالمؤمنين و سيد الموحدين علي بن أبي طالب صلوات الله و سلامه عليه: « ... الذي لا يناله غوص الفطن، و لا تدرکه بُعدُ الهِمَم ... »
ص: 35
فالإنسان بوجوده و روحه المحدودة؛ لا يستطيع أن يدرک اللامحدود، فکيف يدرک الکنه و الحقيقة؟ و لعلّه هذا المراد من الظاهر الباطن يعني الظاهر في وجوده الباطن في کنهه و حقيقته. و بعد هذه المقدمة نقول: إن الفلاسفة يريدون بکلمة الوجود و تسريتها لکل شيء ان يفهموا حقائق الاشياءکلها و کأنه لو قلنا حقيقة الأشياء؛ هو الوجود، و إن کل شيء خارج عنه فهو عدم محض و أمر اعتباري و وهم و خيال، و أمثال هذه العبارات، فکإنما عرفنا الحقيقة، خصوصاً بعد التفنن بالعبارات البرّاقة و المتعددة. و في الحقيقة إنه تفسير للمعلوم بالمجهول، بل بالوهم و الخيال. و قد عرفت في المقدمة مشرب هذا النوع من التفکير و تطوراته.
ادلة القائلين باصالة الوجود:
و لنرجع الی أصل الدليل الدال علی إصالة الوجود و اعتبارية الماهية و بالعکس. فنقول: من الواضح أنه لا يوجد لدی الطرفين دليل برهاني يثبت المطلوب، بل کل منهما يدّعي الوجدان و البداهة، و يقيم الشواهد المتعددة بما يبرز فيه الأمر البديهي و الوجداني، و کل الأدلة المذکورة لإصالة الوجود أدلّة إلزامية، أو مصادرة علی المصلوب >کما ستعرف <مضافاً الی وجود اعترافات متعددة من قبل القائلين بإصالة الوجود، حيث قالوا: إن العقل يثبت إصالة الماهية، و لکن بالذوق العرفاني نفهم و نُثبت إصالة الوجود. فراجع عبارة ملا هادي السبزواري في حاشيته علی شرح المنظمومة حيث يقول: «فصحة سلب الوجود عن الکلي الطبيعي ضعيفة، و ثبوت الوجود له کاد أن يکون بالحقيقة. فالکلي الطبيعي موجود بحکم العقل الفکري، و هذه حقيقة عقلية مجاز عرفاني. و بهذا يمکن التوفيق بين قولي المثبت و النافي، فإن الطبيعي موجود بواسطة في العروض، و غير موجود لصحة سلب الوجود، و إن کانتهذه الصحّة أخفی و احتاجت الی زيادة تدقيق، و إعانة مذاق رشيق»(1). فعبارته تضمّنت؛ أن هنالک جانب عقلي و جانب عرفاني، و الفرق بينهما >حسب مقتضی العبارة <إنه يمکن أن يصل العقل الی نتيجة من النتائج، لکن النفس بإشراقها ؛ يمکن
ص: 36
أن تری خلاف ذلک. کما حصل لهم في إصالة الوجود، فالذوق العرفاني و إشراق الروح حکم بإصالة الوجود، و العقل حکم بإصالة الماهية.
الاستدلال بالذوق العرفاني لا بالعقل:
و حينئذ ها هنا أمر مهم يلزم الإلتفات إليه و هو؛ إن الإستدلال قائم علی أساس وجود مصدر ثان للمعرفة و هو؛ إشراق الروح و الذوق العرفاني ،و هنا نسأل: هل للنفس أن تُدرک خلاف ما يدرکه العقل، و أن تحکم بما لا يحکم به العقل؟ بمعنی أن تصل الی نتيجة مناقضة لحکم العقل؟ و من المعلوم بالبداهة أن تصميم الإنسان و خلقته يشکل وحدة متکاملة لا نتاقض فيها، و لکل جانب من جوانب الإنسان وظيفتة الخاصّة به؛ فليس العقل في جانب و النفس في جانب آخر، بل العقل دوره دور الميزان، و النفس دورها دور التفاعل مع العقل بالإنشراح و الإنقباض للباطل، و الإنبساط للحق. فالجهاز الذي أنيط إليه معرفة الحق من الباطل، و الواقع من الخيال، و الحقيقة من الوهم؛ هو العقل، و النفس هي التي تنفعل مع العقل و تجعل الأمر الإدراکي العقلي أمراً شعورياً؛ فتشمئز من الباطل، و تتضجّر من الظلم، و تنبسط للحق، و تفرح للعدالة، و ما الی ذلک. و هنا يمکن سرّ التکامل، فالتکامل الذي دلّنا عليه العقل، هو تطابق ما بالنفس لما بالعقل. فالذي أعطي الإدراکات العقلية العملية مکانها في النفس، و ربّی النفس عليها؛ فقد حصل علی الکمال المطلوب. فليس الکمال بالتصوّر المحض، و لا بالإدراک المجرّد، کما يقول الفلاسفة.
و اشتهرت مقولتهم في التکامل؛ بأنه صيرورة العالم الخارجي عالَماً ذهنياً. بل التکامل هو أن يصبح الإدراک العقلي؛ إيماناً قلبياً، و أن يتحوّل العلم الحصولي علماًشهودياً يشهد الإنسان بنفسه ما أدرکه بعقله. کما أشير الی ذلک في قول سيد الموحدين و إمام المتقين علي عليه أفضل الصلاة و السلام حيث يقول: « هجم بهم العلم علی حقيقة البصيرة، و باشروا روح اليقين، و استلانوا ما استعوره المترفون».
کما أنه ليس الکمال أن تبتعد النفس عن جادّة العقل، بل هذا عين الإنحراف و الضلال. ثم ما هو الدليل علی أن إدراکات النفس مطابقة للواقع، و إنها حقّانية، فلعلها
ص: 37
استولت عليها أهواؤها و شهواتها و هي محط لذلک. إذاً لا يمکن تقرير حقيقة مهمة و مطلقة علی أساس أمر يقع فيه الإنسان في متاهات حبائل النفس و الشيطان. بل أکثر أهل السلوک قد وقعوا في تلک المتاهات حسب ما يقوله العرفاء فضلاً عن عامّة الناس، مضافاً الی ما مرّ في المقدّمة من إشکالات أساسية في طريق الإشراق، و أنه لا يمثّل بعداً حقيقياً و واقعياً.
و المسألة تحتاج الی بسط من الکلام، و شرح وافٍ لکن نکتفي بهذا المقدار.
و الحاصل: إنه إن کان الدليل علی إصالة الوجود؛ الذوق العرفاني فقد عرفت ما فيه، و إن کان الدليل هو العقل؛ قد صرّحوا هم، بأن العقل يحکم بإصالة الماهية. و لا يخفی أن الحکم العقلي الوجداني و البديهي لا يمکن أن يحصل فيه خلاف بين العقلاء، لکن لو حصل؛ کما فيما نحن فيه، فکيف يتم تشخيص الحکم العقلي من غيره؟ و ما هو الحلّ؟ فقد مرّ عليک في المقدّمة؛ بأن ما يقوله العرف العقلي، و إکثرية العقلاء، هو الحکم العقلي. و إن ماسواه باطل و خيال، و لا شکّ بأن العقلاء لا يقولون إن في الوجود؛ أرضاً و سماءً و حجراً و حيواناً و إنساناً و غيرها علی سبيل الواقع و الحقيقة. و هم قائلون بثبوت الماهية حقيقة و واقعاً، لا مجرّد اعتبار و خيال.
الجواب علی ادلة اصالة الوجود :
أما الأدلّة الإلزامية المُدّعاة في إثبات إصالة الوجود؛ فسنوردها لک من منظومة ملا هادي السبزواري، و نجيب عنها واحداً بعد آخر، قال:
الأول: «لأنه>يعني الوجود<منبع کل شرف».
و الإستدلال يتضمّن مقدّمتين:الأولی: أن کل شيء في الخارج ؛ هو خير و شرف.
و الثانية: إنه هو الوجود.
و هنا تکمن المغالطة، لنفرض أن کل شيء متحقق في الخارج؛ هو خير محض، لکنه لا يدل علی أنه هو الوجود، بل الشيء الواقعي يعني الواقع بما هو واقع؛ هو الخير و الشرف. فالقائلون بإصالة الماهية يقولون: إن منشأ الآثار التي هي في الخارج و
ص: 38
الواقع؛ هي للماهية. فإذا کان ما في متن الواقع خيراً فمعناه أن الماهية هي الخير المحض، و لا يکون الوجود حينئذٍ منبع کل خير و شرف، بل سوف تکون الماهية هي التي لها هذا الإعتبار. و الحاصل في هذا الإستدلال نوع مغالطة و مصادرة علی المطلوب.
تبصرة :
قالوا: بأن الوجود خير محض، و العدم شرّ محض من بديهيات الأمور.
أقول: إن الفلسفة بقسميها؛ الإشراقي و المشّائي، لا تعتمد علی العقل العملي، و لا تستدل به. فما عدا مما بدا في خيرية الوجود، و شرية العدم! إلا متابعة الفلاسفة اليونانيين حسب ما عرفت من أنهم جعلوا في مقابل الوجود؛ الخير، و اعتبروا العدم في مقابل الشرّ؟ و مع ذلک فهنا لک ملاحظات متعددة:
فمرادهم من الخير و الشرّ ليس واضحاً، بل له تفاسير و تعاريف متعددة، فکيف کان بديهياً؟
فهل الخير و الشرّ هما الکمال و النقص؟ أم الملائمة و المنافرة؟ أم الممدوح و المذموم؟ أم الشوق و عدمه؟ کما هو رأي ابن سينا أم الحب و الطلب و الإرادة؟کما عبّر السيد الطباطبائي في نهاية الحکمة. و إذا أخذنا الأخير، فالخير هو إذاً؛ الشوق و الحب و الطلب، و الشرّ هو الکراهة و النفرة و البغض. قد فسّروا الشوق و الحب؛ بالملايمة، و فسّروا الکراهة و البغض : بالمنافرة، و فسروهما؛ بالکمال و النقص، و هما بالوجود و العدم.و بالنهاية بعد رجوع الخير الی الوجود، و الشرّ الی العدم تصبحالنتيجة ان الوجود هو الوجود وان العدم هو العدم فالوجود خير محض صار معناه الوجود وجود محض و هکذا مقابله، و هو کما تری.
الثاني: قال: «والفرق بين نحوي الکون».
و هذا الإستدلال يتضمّن؛ إن الماهيات بما أنها متباينة الذات، و هي محفوظة و واحدة في الذهن و الخارج، إذاً لابدّ من القول بإصالة الوجود و اعتباريتها حتی نحتفظ بوحدتها في الذهن و الخارج.
ص: 39
و الجواب: إن هذا الإستدلال ليس برهاناً في المطلوب، بل مبني علی إيجاد حلّ لمشکلة فلسفية متوهَّمَة و هي؛ إنه کيف تکون الماهيات المتباينة واحدة؟ و سوف يکون جوابهم حينئذ للقائلين بوحدتها؛ في الذهن و الخارج، و لا يکون دليلاًٌ ملزماً لمن لا يقول بوحدتها في الذهن و الخارج؛ کالقائلين بشبحية الوجود الذهني.واللطيف في الأمر أن القائلين بإصالة الوجود و اعتبارية الماهية، يفسرون الماهية؛ بالحدّ العقلي للشيء، أو بالقالب الذهني، و الذي هو عين القول بالشبحية و الصور. و علی فرض أن الأشياء بماهياتها و أنفسها في الذهن؛ فقد أجاب القائلون بإصالة الماهية: من أنه لا ضرورة للإلتزام بإصالة الوجود، بل لابدّ من القول: من أن الماهية تختلف باختلاف الأمکنة و المواطن. فکما يقولون ذلک في الوجود؛ من أنه يختلف باختلاف المواطن و الأمکنة، فالوجود الخارجي منشأ الآثار الخارجية و الوجود الذهني يتبع الذهن، فمع فرض إصالة الماهية نقول: الماهية تابعة للذهن في تحققها، بخلاف الماهية الخارجية، فهي التي لها آثارها الخارجية. و التحقيق إن الوجود الذهني ليس إلا صورة الماهية و انعکاسها في الذهن، لا أنه عين الماهية و نفسها کما يقولون: من أنها محفوظة في الوجودين بنفسها. بل نقول لهم بصورتها، و هي شيء واحد لم يطرأ عليه أي اختلاف و الصورة محفوظة في الوجودين.قال المحقق الطوسي >ره<في التجريد: «والموجود في الذهن إنما هو الصورة المخالفة في کثير من اللوازم». و علّق العلامة>ره< علی هذه العبارة « ... و التضاد إنما هو بين الماهيات، لا بين صورها و أمثلتها».
و العجب أنهم قد صرّحوا بذلک في تعريف العلم و قالوا: العمل حضور صورة الشيء أو انعکاس صورة الشيء في الذهن. و لم يقولوا حضور ذات الشيء، أو انعکاس ذات الحقيقة بجوهرها في الذهن.
و توضيح ذلک: إن ماهية الشيء مثل إنسانية الإنسان؛ لها جانب مفهومي و جانب مصداقي، أو ما يسمّی ب-(العنوان و المُعنوَن) فالإنسان، العنوان، و الذي هو مرآة للمعنون؛ يعني المصداق الخارجي. عبارة عن مفهوم ذهني و مرآة للحقيقة الخارجية.
ص: 40
و بذلک تجد التطابق بين العلم و المعلوم؛ يعني ما بالذات، و ما بالعرض. فالأنسان العنوان؛ مرآة للإنسان المعنون، و وجوده وجود مرآتي لاغير.
فالقائلون بإصالة الماهية لا يقولون إن هذا الوجود المفهومي أو المرآتي هو الأصيل، بل يقصدون الماهية بمعنونها المصداقي هو الأصيل، و هو الذي يکون منشاءً للآثار الخارجية.
و بذلک يتضح أن الوجود و الوحدة و الکثرة و العلية و المعلولية و أمثالها من المفاهيم التي اصطُلح عليه بالمعقولات الفلسفية الثانية(1). ليس لها تأصل خارجي، و إنما هي مفاهيم منتزعة بملاحظة نسبتها لأمر آخر. فالشيء بملاحظة انفراده و عدم انضمامه لشيء آخر ينتزع منه مفهوم الوحدة و ليس هذا المفهوم أمراً خارجياً متأصّلاً في الخارج. و کذلک الکثرة و العلية فمثلاً يلاحظ الشيء فاعلاً لغيره؛ فيسميه علّة، و يلاحظه منفعلاً من الغير؛ فيسميه معلولاً. و ليست العلية و المعلولية أمراً خارجياً متأصّلاً. و کذلک مفهوم الوجود بملاحظة نسبة الشيء لتحققه في الخارج؛ يسمیموجوداً، و بملاحظة عدمه في الخارج؛ يسمی معدوماً. فالوجود مفهوم انتزاعي و لا حقيقة له وراء حقائق الأشياء.
الثالث: قال: «و کذا لزوم السبق في العلية مع عدم التشکيک في الماهية».
و هذا الدليل مبني علی استحالة التشکيک في الماهية.
و جوابه:
أولاً: إن هذا الدليل جدل و إلزام >کما هو الحال في الأدلّة السابقة<و ليس برهاناً.
ثانياً: لا إشکال بالقول بالتشکيک في الماهية بالتقدّم و التأخر، و العلية و المعلولية.
و لا دليل علی امتناع التشکيک بالماهية؛ فالحرارة >مثلاً<لها عرض عريض، و کما قالوا في الوجود نقوله في الماهية. و القائلون بامتناع التشکيک في الماهية يقولونه في الوجود؛ فإذا صحّ التشکيک في الوجود، فهو يصحّ کذلک في الماهية.
الرابع: قال «کون المراتب في الإشتداد أنواعاً<.
ص: 41
و هذا الدليل الإلزامي مبني علی أن الماهية لو کانت أصيلة؛ فاللازم بتفاوتها بالإشتداد أن يصبح لها أنواعاً غير متناهية. والجواب:
إنه کما تری استدلالاً إلزامياً لا برهانياً ، و مع ذلک فهو ليس بصحيح لأنه:
أولاً: الأنواع غير المتناهية بالقوة لا بالفعل.
ثانياً: إصالة الماهية لا تستلزم عدم الماهية بالقوّة.
الخامس: قال: «کيف و بالکون عن استواء قد خرجت قاطبة الأشياء» .
والجواب: إن الماهية لها مرحلتان؛ مرحلة المفهوم، و مرحلة المصداق. فالماهية من حيث هي ليست إلا هي، و نسبتها الی العدم و الوجود سواء. هذا في مرحلة المفهوم، و لا يمکن أن تنقلب، و لا إشکال في اختلاف مرحلتي المفهوم المصداق. و أما حمل الأشياء بعضها علی بعض؛ فهو ليس بلحاظ و اعتبار ضَمِّ شيء الی شيء، بل الموجودية التي هي العارض الخارج المحمول تنتزع و تحمل. و لو سألتم بأي شيء استحقّت الماهية حمل الموجودية؟فالجواب: إن کان المقصود في السؤال هو الواسطة في العروض؛ فعلی فرض إصالة الماهية؛ لا واسطة في العروض، و إن کان المقصود في السؤال الواسطة في الثبوت؛ فهو بجعل الجاعل ،يعني الجاعل جعل لمفهوم الإنسان فرداً و مصداقاً، و يتضح ذلک بعد التدقيق و التفريق بين مرحلتي المفهوم و المصداق. فالماهية في مرحلة المفهوم تستوي نسبتها للوجود و العدم، و هي عبارة عن صورة الشيء و شکله لا ذات الشيء و کنهه.
و أما ذات الشيء فبالجعل الإلهي تصبح شيئاً، و تکون منشا للآثار الخارجية، و بعدم الجعل لا شيء حتی تستوي نسبتها للوجود و العدم، بل هي عدم محض. فالماهية بمعنی ذات الشيء؛ لابدّ أن تفرض متحققة و لو بالجعل، مضافاً لما مرّ التنبيه عليه؛ بأن مفهوم الماهية لا يعبّر عن الذات، و إنما يعبّر عن وجه من وجوه الذات، و صورة من واقع الذات، و هو يصحّ فرضه مع قطع النظر عن وجوده و عدمه.
ص: 42
السادس: قال: « لو لم يؤصّل وحدت ماحصلت». يعني لو لم نقل بإصالة الوجود؛ سوف لا تحصل وحدة بين الأشياء يصح بها حمل شيء علی شيء، و هو کما تری دليلاً إلزامياً لا برهانياً. و جوابه:
إن کل ذاتي متحد مع فرده، و کل عرض متحد مع معروضه؛ و هذا هو ملاک صحّة الحمل.
السابع: قالوا: «الماهية، لا جزئية و لا کلية» و الجواب:
هذا صحيح في مرحلة المفهوم، و أما مرحلة المصداق؛ فالماهية جزئية.
ثمَّ: إنه بما أن مصادبق الوجود مختلفة؛ إلا أن مفهوم الوجود واحد، و بما أن لا يجوز انتزاع مفهوم واحد من مصاديق مختلفة؛ إذاً هذا المفهوم مفهوم اعتباري، و إلا لما جاز صدقه علی کثيرين. و أما کون ما في الخارج من کثرة و تباين؛ فهذا من بديهيات الأمور حتی علی ألسِنة القائلين بإصالة الوجود؛ کما في عبارة السيد الطباطبائي، و ملاهادي السبزواري، مضافاً الی أن الوجود لو کان المراد منه نفسالحقيقة العينية و التي هي مختلفة المصاديق بالبداهة، إذاً لأصبح الوجود عبارة عن حقائق عينية مختلفة، و ليس حقيقة عينية واحدة،و لا معنی لما قد يقال: من رجوع جهة الإختلاف الی مابه الإشتراک، و لا دليل عليه، بل هو عين المدّعی، و حينئذٍ بعد رجوع معنی الوجود الی حقائق عينية مختلفة،بمعنی ان کل الحقائق العينية تسمی بالوجود، فإما أن يکون ذا معنی واحد مشترک بين الکل، فيرجع حينئذٍ الی معنی اعتباري انتزاعي، و أما أن يکون له معانٍ متعددة بتعدد الحقائق العينية، و يکون حينئدٍ من باب الإشتراک اللفظي، لأنه سوف يحکي المختلف و المتباين بما هو متباين.
فإن قلتَ: هذا خلط بين المفهوم و المصداق. قلتُ: بل الخلط من صاحب الإشکال حيث خلط بين الوجود بالمصطلح الأول يعني الکلي الانتزاعي وبين الإصطلاح الثاني يعني ان المراد من الوجود هو نفس الحقيقةالعينية ، مع مافيه من المصادرة علی المطلوب
ص: 43
ص: 44
من محاضرات القاها الاستاذ السيد جعفر سيدان
في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله
مقدمة المترجم:
(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تکون رابطة الممکنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة کليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
الثاني: القول بتباين الممکنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تکون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولکن بمعنی ان يکون الرب کحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الکون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يکون من حيث کون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بکل وجودها وکيانها وکمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والکثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولکنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه کما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلک، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمکان والاجزاء وعن کيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية
ص: 45
واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وکيفياتها بأن الله تعالی خلقها کذلک.)
المحاضرةالعاشرة
معنی ضرورة صدور المعلول من العلة عند الفلاسفة:
ضرورة صدور المعلول من العلة ليس من سنخ ضرورة کون افعاله جل و علا مطابقة للحکمة و انه قادرعلی الفعل و الترک و بعبارة اخری الضرورة و اللزوم في الفلسفة ليست بمعنی انه له ان يفعل و له ان لا يفعل فالضرورة و اللزوم المطروح في بحث العلية الفلسفية ليس من سنخ الظلم الذي لا يفعله الله جل و علا في حين انه قادر علی فعله الا انه منزه عن فعله و يجب ان يکون عادلاً بل الضرورة و اللزوم في بحث العلية (عليه ان يفعل) لا (له ان يفعل و له ان لا يفعل) فحينما تکون العلة تامة فلا بد من صدور المعلول و لا يمکن ترک هذا الاصدار يعني لا بد ان يفعل و لا جل توضيح المطلب ننقل عبارة الاسفار حيث قال:
>ان الفاعل اما ان يکون لذاته مؤثراً في المعلول او لا يکون فان لم يکن تأثيره في المعلول لذاته بل لا بد من اعتبار قيد آخر مثل وجود شرط او صفةاو ارادة او الة او مصلحة او غيرها لم يکن ما فرض فاعلاً، فاعلاً بل الفاعل انما هو ذلک المجموع. ثم الکلام في ذلک المجموع کالکلام في المفروض اولاً فاعلاً الی ان ينتهي الی امر يکون هو لذاته و جوهره فاعلاً ، ففاعلية کل فاعل تام الفاعلية بذاته وسنخه و حقيقته لا بامر عارض له، فاذا ثبت ان کل فاعل تام فهو بنفس ذاته فاعل، و بهويته مصداق للحکم عليه بالاقتضاء و التأثير، فثبت ان معلوله من لوازمه الذاتية المنتزعة عنه المنتسبة اليه بسنخه و ذاته.<(1)
ص: 46
مع ملاحظة توضيحات و تقسيمات ملاصدرا يعلم ان لازم العلة التامة هو تحقق المعلول و ان المعلول من لوازم ذات العلة التامة؛ يعني اذا تحققت ذات العلة فلا محيص ايضاً و لا بد من تحقق المعلول و هذا يقابل ما يستفاد من الادلة الصريحة الوحيانية الدالة علی ان الله جل و علا فاعل مختار و لا مانع عقلي من هذا المعنی بخلاف القول بکون الله جل و علا علة تامة فانه تلزم منه اشکالات سوف يأتي ذکرها.
اللوازم الباطلة للقول بالعلية
1- ان الله تبارک و تعالی مجبور
من لوازم هذا القول ان الله جل و علا مجبور فاذا قلنا ان الله جل و علا علة تامة فلا بد و ان يکون مجبوراً في فعله. و بعبارة اخری فحينما يکون الله جل و علا علة تامة فلا يمکن ان ينفک عنه معلوله بل يجب صدوره بالضرورة. و قد جاء هذا المعنی في الکتب التي لها علاقة بالموضوع من جملتها محاضرات آية الله الخوئي ايضاً فقد اوضح آية الله الخوئي هذا المطلب بأکمل الوضوح و بعبارات مختلفة و في موارد متعددة و هذه عين عبارته:>و من البديهي ان وجوب وجوده تعالی و وجوب قدرته و انه تعالی وجود کله و وجوب کله و قدرة کله، لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج ، و ذلک لان الضرورة ترتکز علی ان يکون اسناد الفعل اليه تعالی کاسناد المعلول الی العلة التامة، لا اسناد الفعل الی الفاعل المختار، فلنا دعويان:
الاولی:ان اسناد الفعل اليه ليس کاسناد المعلول الی العلة التامة.
الثانية: ان اسناده اليه کاسناد الفعل الی الفاعل المختار.
اما الدعوی الاولی فهي خاطئة عقلاً و نقلاً ، اما الاول: فلان القول بذلک يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة و السلطنة عنه تعالی، فان مرد هذا القول الی ان الوجودات بکافة مراتبها الطولية و العرضية موجودة في وجوده
ص: 47
تعالی بنحو أعلی و أتم و تتولد منه علی سلسلتها الطولية تولد المعلول عن علته التامة فان المعلول من مراتب وجود العلة النازلة و ليس شيئاً اجنبياً عنه ، مثلاً الحرارة من مراتب وجود النار و تتولد منها و ليست اجنبية عنها و هکذا. و علی هذا الضوء فمعنی علية ذاته تعالی للأشياء ضرورة تولدها منها و تعاصرها معها کضرورة تولد الحرارة من النار و تعاصرها معها، و يستحيل انفکاکها عنها، غاية الامر ان النار علة طبيعية غير شاعرة و من الواضح ان الشعور و الالتفات لا يوجبان تفاوتاً في واقع العلية و حقيقتها الموضوعية فاذا کانت الاشياء متولدة من وجوده تعالی بنحو الحتم و الوجوب و تکون من مراتب وجوده تعالی النازلة بحيث يمتنع انفکاکها عنه فاذن ما هو معنی قدرته تعالی و سلطنته التامة(1) .<
يقول سماحته نحن نطلق علی الذات الالهية المقدسة بانها >وجود کلها< >وجوب کلها< و قدرةکلها<و ... لکن حيث انا نری ان الله جل و علا فاعلمختار فلا يلزم منه صدور الفعل في الخارج بالضرورة و اما بناء علی القول بالعلية التامة فصدور الفعل منه جل و علا يکون ضرورياً و يقول سماحته في الفرق بين مبناه و مبنی الفلاسفة:
ان اسناد الفلاسفة الفعل الی الله جل و علا من قبيل اسناد المعلول الی العلة التامة و نحن نسند الفعل الی الفاعل المختار و في اعتقاد المرحوم آية الله الخوئي ان کلام الفلاسفة محل اشکال من جهة عقلية و من جهة نقلية و قال سماحته في بيان الاشکال العقلي : اذا کان اسناد الفعل الی الله جل و علا من قبيل اسناد المعلول الی العلة التامة فيلزم منه ان يکون الله جل و علا مجبوراً و انه تبارک و تعالی لا قدرة و لا سلطنة له و هذا نقص له جل و علا و هو باطل.
سؤال: الارادة ايضاً من اجزاء العلة التامة.
ص: 48
الجواب: حينما تطرح الارادة فالله جل و علا يصير فاعلاً مختاراً لا علة تامة بالمعنی الاصطلاحي ففي بحث العلة التامة يکون المعلول مستنداً الی العلة لا الی المشيئة و الارادة.
سؤال: طبقاً لتعريفکم للفاعل المختار سوف تکون العلة التامة موجبة للمجبورية في حين ان في الايات و الروايات يکون الاختيار هکذا >ان يشأ يذهبکم و يأت بخلق جديد<
الجواب: نعم يدعي الفلاسفة ايضاً ان الله جل و علا فاعل مختار و يعرفون المختار بشکل سوف نبينه بعداً و نحن الان في مقام بيان کلام المرحوم آية الله الخوئي.
سؤال: کلام الفلاسفة يکون صحيحاً اذا جعلنا الارادة جزءأ من العلة التامة.
الجواب: سوف نطرح هذا الاشکال مفصلاً و نحققه وحاصل کلام المرحوم الخوئي هو ان الله جل و علا علة تامة بالمعنی الاصطلاحي الفلسفي فسوف يلزم هذا الاشکال لان المعلول يرتبط بذات العلة و صدوره من العلة ضروري و عليه فيکون الله جل و علا مجبوراً في صدور الخلق منه.جواب الفلاسفةلاشکال الجبر
ان الفلاسفة يصرحون بان الله جل و علا فاعل مختار و (يرون انهم) أجابوا عن الشبهة المذکورة بأحسن و جه و ذلک لانه لا تلازم بين العلة التامة و کونه جل و علا مجبوراً لانه لا يوجد شيء في الخارج حتی يجبر الله جل و علا لان الذي يجبره اما معلول له تعالی و اما غيره فلو کان معلوله فبطلانه واضح و ذلک لان المعلول في رتبة متأخرة عن الله جل و علا و هو يستمد و يأخذ وجوده منه و لا يمکن ان يجبره في هذه المرتبة المتأخرة و لو کان الذي يجبره غير معلوله ففي هذه الصورة اما ان يکون مستقلاً و اما ان يکون معلولاً لغير الله جل و علا و هذا الکلام يتنافی مع وحدة واجب الوجود و باطل ،وعليه فلا يمکن ان نتصور الذي يجبره حتی يقال انه تعالی مجبور.
ص: 49
ففي نهاية الحکمة:
قلت : معنی کونه تعالی فاعلاً مختاراً انه ليس وراءه تعالی شيء يجبره علی فعل او ترک فيوجبه عليه فان الشيء المفروض اما معلول له واما غير معلول. و الثاني محال لانه واجب آخر او فعل لواجب آخر و ادلة التوحيد تبطله و الاول ايضاً محال لاستلزامه تاثر المعلول بوجوده القائم بالعلة المتأخر عنها في وجود علته التي يستفيض عنها الوجود. فکون الواجب تعالی مختاراً في فعله لا ينافي ايجابه الفعل الصادر عن نفسه و لا ايجابه الفعل ينافي کونه مختاراً فيه(1).
و نضيف علی بيان السيد الطباطبائي لجواب الفلاسفة هذه النکتة و هي ان الله جل و علا عالم بفعله و راض به و لا يوجد من يجبره و بعبارة اخری ان من لوازم الاختيار ثلاثة اشياء:
1- العلم بالفعل
2- الرضا به
3- عدم وجود من يجبره فمع هذه الشروط الثلاثة يمکن ان يقال العلة التامة لا يلزم منها المجبورية ففي تعليقة نهاية الحکمة:
بل حقيقة الاختيار کون الفاعل راضياً بفعله غير مجبور عليه و هذا حاصل في الواجب بتمام معنی الکلمة حيث انه لا يعقل ان يجبره شيء علی الفعل.(2)
الرد علی جواب الفلاسفة
نقول في الجواب انه لم يکن اللفظ هدف لنا فمن الواضح ان ملاک الاختيار هي القدرة علی الفعل و الترک فالمختار هو الذي له ان يفعل و له ان لا يفعل و حينئذ نقول لو کانت هنالک علة غير مجبورة من الخارج عالمة بافعالها و کذلک راضية بافعالها لکنها غير قادرة علی ترک الفعل فلا يصدق
ص: 50
الاختيار هنا بالمعنی الواقعي للکلمة الا اذا اصطلحنا للمختار معنی جديداً و لا نقاش لنا حينئذ لکنا لو استعملنا المختار بمعناه الصحيح فالعلة التامة ليست مختارة في الواقع.
سؤال: هل اللغويون فسروا المختار بالذي له ان يفعل و له ان لا يفعل؟ فان معنی الاية الکريمة (ان الله يفعل ما يشاء) غير (له ان يفعل و له ان لا يفعل).
الجواب: لو اغمضنا النظر عن الوحي ما هو فهمنا للاختيار؟ فلو علم الفاعل بفعله و رضي به و لم يکن مجبوراً علی فعله اما ان لا يکون قادر علی ترک الفعل ففي هذه الصورة لا يکون الفاعل مختاراً بالمعنی الواقعي فلو فرضنا ان الشمس التي تعطي الضوء عالمة بفعلها و راضية به و لم تکن مجبورة علی الاشراق فمع کل هذه الاوصاف فهل يمکن ان نقول حسب الواقع انها مختارة؟ فهل هذا هو معنی الاختيار؟ فالجواب لا هذا المعنی ليس صحيحاً انالذي يفهم من معنی الاختيار هو ان يکون الفعل و الترک باختياره فله ان يفعل و له ان لا يفعل لا (عليه ان يفعل) و لو اخترعنا للاختيار اصطلاحاً جديداً فلا ربط له بالاختيار الواقعي؛ يعني لا بد ان نقول ان الله جل و علا بذاک المعنی (المخترع) مختار لکنه ليس قادراً علی ترک الفعل و ان قدرته جل و علا من هذه الجهة محدودة و کلنا يعلم ان عجز الذات الالهية المقدسة من ترک الفعل نقص، فالاختيار الذي يطرح في اللغة و الذي يفهمه الانسان بفطرته :هو بمعنی القدرة علی طرفي الفعل و الترک، وعدم القدرة علی احد طرفي الفعل و الترک عجز نوعاً بل عين العجز.
سؤال: الترک هنا سالبة بانتفاء الموضوع بمعنی انه من المحال ان يصدر من الله جل و علا غير المعلول فان الله جل و علا لا بد و ان يکون بهذا الشکل و غيره محال.
الجواب: حول هذا الموضوع و هو عدم صدور فعل منه جل و علا غير المعلول محال ام لا ؟سوف يأتي الکلام عنه.
ص: 51
سؤال: انتم تفسرون العلة التامة بشکل ينتهي الی الجبر في حين ان من اللازم ان نقول ان الارادة احد اجزاء العلة التامة و حينما لا يريد الله جل و علا فسوف لا يصدر منه المعلول و لذا فالاختيار ثابت.
الجواب: مسألة الارادة مائة بالمائة صحيحة و سوف نفصل الکلام حولها.
سؤال : سماحة العلامة الرضا يرجع الی الارادة.
الجواب: الرضا غير الارادة و قد وقع التصريح في المباني الفلسفية بان الارادة عين العلم و ليست شيئاً غير العلم و الذي يتشکل منه معنی الاختيار الزاماً هو عبارة عن:
1- کونه جل و علا خارجاً عن المجبورية
2- عالماً بفعله
3- راضياً بهفلو کان هذا هو المعنی الاختيارفلا اشکال الا ان المعنی الواقعي للاختيار هو القدرة علی الطرفين الفعل و الترک.
سؤال : الله جل و علا قادر مختار اذا جعلنا الارادة من اجزاء العلة التامة.
الجواب: هل ان الله جل و علا قادر علی ان يفعل ضد ما يفعله ام لا؟
صاحب السؤال: نعم اذا کانت الارادة جزءاً من العلة التامة.
سؤال: الله جل و علا ليس مرکباً حتی يکون له جزء و الارادة احد أجزاء ذلک.
الجواب: اذا کنتتم تقولون ان الفلاسفة يقولون ان الله جل و علا قادر علی ترک الفعل بمعنی انا لم ندرک مطلب الفلاسفة ، فالعبارة التي نقلناها عنهم في هذه المحاضرة تصرح بخلاف هذا الموضوع.
لحد الان اتضح لنا ان الفلاسفة يصرحون ان الله جل و علا علة تامة وانه يجب صدور الفعل منه و يکفي في ثبوت الاختيار انه غير مجبور و عالم و راض بفعله و بعبارة اخری يقول الفلاسفة انه في نفس الوقت الذي يجب
ص: 52
صدور الفعل منه فانه جل و علا مختار و ذلک لانه راض و عالم بفعله و ليس هنالک من يجبره في الخارج.
في مقابل هذا الکلام بينا انه لو کان مقصودکم من الاختيار معنی خاص في الفلسفة للاختيار فلا کلام الا انه مع هذا التعريف لا يکون جل و علا مختاراً بالمعنی الواقعي و ذلک لان القدرة علی الطرفين الفعل و الترک لا تجتمع مع العلة التامة و منافية لها.
للبحث صلة
ص: 53
الحلقة الثالثة
قصيدة :
و ابيض يستسقی الغمام بوجهه***ربيع اليتامی عصمة للأرا مل
لابي طالب شيخ الاباطح (علیه السلام)
فان يک قوم سرهم ما صنعتموا***سيحتلبو ها لا قحا غير باهل
سميت : باهلة لانها بهلت ابلها فلم تشد اخلافها
فابلغ قصياً ان سينشر امرنا***و بشر قصياً بعد نا بالتخاذل(1)
ولو طرقت ليلا قصياً عظيمة***اذن ما لجأ نا دونهم في المدخل(2)
و لو صدقوا ضرباً خلال بيو تهم***لکنا اسی عند النساء المعاطل(3)
فان تک کعب من لوي تجمعت***فلا بد يوماً مرةً من تزايل
و ان تک کعب من کعوب کبيرة***فلا بد يوماً انها في مجاهل
المجهل : ما لا يهتدی له من البر
و کنا بخير قيل تسويد معشر***همذبحونا بالمدی و المقاول(4)
ص: 54
يروی : ان عبد المطلب لما خاصمته قريش في زمزم فقالت نحن شرکاؤک فيها قال لکم شربها ولي نسبها فضلني الله بها فحا کموه الی بعض حکام العرب فلما رحلوا اطعمهم کلهم فانفذ زاده و ماءه و بقوا موتی عطشا فاغفی عبد المطلب فرأی کان هاتفاً بهتف به و يقول له يا عبد المطلب ياسيد العرب و ابن سيادة النسب لک فخر الدنيا و فخر المنقلب ارکض برجلک تسق خير حلب و يکون لک الشرف و الغلب فرکض برجله فانبع الله له عيناً فقالوا ارجع بنا ابا الحرث فقد حکم الله عزوجل لک علينا
فکل صديق وابن اخت نعده***لعمري وجدنا عيشه غير زائل(1)
سوی أن رهطاً من کلاب بن مرة ***برآء الينا من معقة خاذل(2)
بنی أسد لا تطر فن علی القذی***اذا لم يقل بالحق مقول قائل
فنعم ابن اخت القوم غير مکذب***زهير حساماً مفرداً من حمائل(3)
يعني: زهير بن جعدة المخزومي
أ تم من الشم الطوال إذا انتمی***ففي حسب في حومة المجد فاضل
لعمري لقد کلفت وجداً باحمد ***و اخوته دأب المحب المواصل
قالوا: اراد باخوته ولده و قالوا اراد بني هاشم کلهم و يروی ان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لما نزل عليه و انذر عشيرتک الاقربين قال يا بني هاشم يا بني عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد يا علي بن ابي طالب يا عباس بن عبد المطلب قالوا و کان هؤلاء بحيث يسمعون صوته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)
ص: 55
فلا زال في الدنيا جما لا لاهلها***و زيناً علی رغم العدو المخابل
الرواية: بالخاء من الخبل و بالحاء المکايد الذي يمدله حبل الکياد
فمن مثله في الناس او من مؤمل***إذا قايس الحکام أهل التفاضل(1)
حليم رشيد عادل غير طائش کبيرة***يوالي آلهاً ليس عنه بذاهل
فايده رب العباد بنصره کبيرة***و أ ظهر ديناً حقه غير ناصل
نصل الشيء من الشئ خرج منه
فو الله لو لا ان اجي بسبة***تجر علی اشياخنا في المحافل(2)
لکنا اتبعناه علی کل حالة***من الدهر جداً غير قول التهازل
لقد علموا ان ابننا لا مکذب کبيرة***لديهم و لا يعنی بقول الا باطل(3)
رجال کرام غير ميل نما هم***الی العز آباء کرام المخاصل(4)
و قفنا لهم حتی تبد د جمعهم***و حسر عنا کل باغ و جاهل(5)
شباب من المطلبين و هاشم***کبيض السيوف بين ايدي الصياقل
اراد بني المطلب
بضرب تری الفتيان عنه کانهم***ضوار ي أسود فوق لحم خرادل(6)
و لکنا نسل کرام لسادة***بهم يعتلي الاقوام عند النطاول
سيعلم اهل الضغن أيي و ايهم***يفوزو يعلوفي ليال قلائل(7)
ص: 56
و ايهم مني و منهم بسيفه***يلاقي اذا ما حان وقت التنازل
و من ذا يمل الحرب مني و منهم***و يحمد في الافاق في قول قائل
فاصبح منا احمد في ارومة***تقصر منها سورة المتطاول
کاني به فوق الجياد يقود ها***الی معشر زاغوا الی کل باطل
و جدت بنفسي دونه وحميته***و دافعت عنه بالطلی و الکلاکل
و لا شک ان الله رافع امره***و معليه في الدنيا و يوم التجادل
کماقد أري في اليوم و***الامس جده و والده رؤيا هما خير آفل
تمت و هي مائة واحد عشر بيتاً(1) يروی ان عبد المطلب رأی في منامه کان قائلا يقول به أبشر ياشيبة الحمد بعظيم المجد با کرم ولد مفتاح الرشد ليس للارض منه من بد و رأی عبد الله ابو رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وهو في سفر مع ابيه فعرضت له امراة قريش تدعوه الی نفسها و کان جميلا لباساً عطراً فقال:
اما الحرام فالحمام دونه***و الحل لا حل فا ستبينه
فکيف بالامر الذي تبغينه***و الحر يحمی عرضه و دينه
ثم اغفي فهتف به هاتف يا ابا محمد کنيت و مالک من ولد شريف الدين و المحتد جمع لکم حظي الشرف و السؤدد فانتبه و خبر أباه فاکذب رؤياه فما امسی حتی زوجه من سيدة قريش.
و من ديوان شيخ الاباطح اباطالب(علیه السلام) انه: قال ايضاً لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لما اخافته قريش:
ص: 57
والله لن يصلوا اليک بجمعهم***حتی اوسد في التراب دفينا
فانفذ لامرک ما عليک غضاضة***فکفی بنا دنياً لديک و دينا
و دعوتي و زعمت انک ناصح***فلقد صدقت و کنت قبل أمينا
و عرضت دينا قد علمت بانه***من خير اديان البرية دينا
لو لا الملامة او حذاري سبة***لو جدتني سمحاً بذاک ضنينا
ص: 58
إن کثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وکذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحکموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وکفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليک نماذج من ذلک في الحلقة الثامنة.
34- السيد أمير محمد باقر الدماد رحمه الله
نقل عنه تلميذه ما محصله:
انه سئل : هل يصح ما يقولون من ان التصوف طريق ينتهي إلی الالحاد؟ فقال : إنه غلط فإن التصوف هو بيت الالحاد.
و نقل عنه أنه کان يقول دائماً:
يحرم علی الجميع مطلقاً النظر في کتب الصوفية إلا علی الفاضل في الدين الذي يکون بصدد النقض علی اقوالهم و کذا يحرم قرائة کتب الفلاسفة علی من ضعفيقينه و ما قوي عقيدته و ذلک لانه يزل إثر قرائته لهذه الکتب بسرعة فيمنعه عن الصراط المستقيم(1).
35- العلامة آقا محمد علي بن الوحيد البهبهاني رحمهما الله
وقد اشتهر بالنکير علی الفلاسفة و الصوفية و ملء بذلک کتابه باللغة الفارسية>خيراتية في ابطال طريقة الصوفية< و قد نقلنا بعض الشيء عنه في تقدم.
وقدذکر جملة من مخالفتهم للضرورة من الدين.
36- السيد نعمة الله الجزايري رحمه الله
قال في الانوار النعمانية:
>إن اکثر اصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من اهل الرأي و القياس و من أهل الطبيعة و الفلاسفة و غير هم من الذين اعتمدوا علی العقول و استدلالاتها و طرحوا ما جاءت به الانبياء عليهم السلام حيث لم يات علی وفق عقولهم حتی نقل ان عيسی علی نبينا و آله و (علیه السلام) لما دعا أفلاطون الی التصديق بما جاء به أجاب بان عيسی
ص: 59
رسول إلی ضعفة العقول و اما انا و امثالي فلسنا نحتاج في المعرفة الی ارسال الانبياء ... و ان کان المراد به ما کان مقبولاً بزعم المستدل به واعتقاده فلا يجوز لنا تکفير الحکماء و الزنادقة و لا تفسيق المعتزلة و الاشاعرة و لا الطعن علی من يذهب الی مذهب يخالف ما نحن عليه ... مع ان الاصحاب رضوان الله عليهم ذهبوا الی تکفير الفلاسفة و من يحذو حذوهم و تفسيق أکثر طوائف المسلمين وماذاک الا لانهم لم يقبلوا منهم تلک الدلائل و لم يعدوها من دلائل العقل<(1)
37 - المحدث البحراني صاحب الحدائق رحمه الله
فانه قد حسن ما قاله السيد نعمة الله الجزايري في عبارته المتقدمة حيث قال:>و لم ار من رد ذلک و طعن فيه سوی المحدث المدقق السيد نعمة الله الجزائري طيب الله مرقده في مواضع من مصنفاته : منها کتاب الانوار النعمانية و هو کتاب جليل يشهد بسعة دائرته و کثرة اطلاعه علی الاخبار وجودة تبحره في العلوم و الاثار.
حيث قال فيه و نعم ما قال . فانه الحق الذي لا تعتريه غياهب الاشکال: ان اکثر اصحابنا ... الی آخر عبارته<(2)
38- محمد طاهر بن محمد بن حسين القمي رحمه الله
قال المحقق الاردبيلي:
>محمد طاهر بن محمد بن حسين القمي مد ظله العالي الامام العلامة المحقق المدقق جليل القدر عظيم المنزلة دقيق الفطنة ثقة ثبت عين دين متصلب في الدين لا يحصی مناقبه و فضائله جزاه الله تعالی افضل جزاء المحسنين له کتب نفيسة منها ... و کتاب جليل القدر و المرتبة في الرد علی حکمة الفلاسفة و غيرها من الکتب ... و رسالة في الرد علی الصوفية<(3).
39- الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي رحمه الله
ص: 60
قال في الروضات:
>کان شديد الرد علی الفلاسفة مظهراً فضائحهم مع استيلائهم حينئذ<(1)
40- المولی محمد صالح المازندراني>ره<.
قال في باب حدوث العالم من شرح الکافي:
>المراد بالعالم ما سوی الله و هو مع تکثره منحصر في الجوهر و العرض و بحدوثه ان يکون وجوده مسبوقاً بالعدم و قد اختلف الناس فيه فذهب المسلمون و اليهود و النصاری و المجوس الی ان الاجسام حادثة بذواتها و صفاتها و ذهب ارسطو و اتباعهالی انها قديمة بذواتها و صفاتها و ذهب اکثر الفلاسفة الی انها قديمة بذواتها و محدثة بصفاتها و قالوا لتوجيه ذلک ما لا طايل تحته<(2).
و قال في شرح حديث:>فمن زعم انه قدر علی نقض واحدة (من هذه الخصال السبع) فقد کفر<:
>کما زعمت الفلاسفة ان الاجسام قديمة لا اجل لها و ان الفاعل الحق موجب لا ارادة له و تمسکوا لاثبات ذلک بمفتريات عقولهم الکاسدة و مکتسبات اوهامهم الفاسدة و قد بين فساد ذلک في موضعه<(3).
و قال في شرح حديث>انشأ ما شاء حين شاء بمشيته<:
>ای بمجرد مشيته و ارادته بلا آلة و لا حرکة و لا روية و لا مادة فقد ظلم نفسه و کفر بالله العظيم من قال: انه تعالی فاعل بالايجاب لا قدرة له علی فعله و من قال: انه لم يوجد الا شيئا واحدا و لم يقدر علی ايجاد غيره و من قال: انه يحتاج في خلق شيء الی مادة فان ذلک ليس من صفة ربنا جل شأنه<(4).
41- السيد رضي الدين بن طاووس رحمه الله
ص: 61
فانه يعتبر قول الفلاسفة مخالفاً لکافة المسلمين:
>و مما يقال للمجبرة قد رحمناکم لشدة غفلتکم و خاصة الذين يقولون منکم لا فاعل سوی الله تعالی ثم يقولون ان العبد غير مختار و انه مضطر فيما يصدر عنه و يالله و العجب من جهالاتکم اذا کان لا فاعل سوی الله تعالی و عندکم و عند کافة اهل الاسلام ان الله تعالی مختار غير مضطر و لا ملجأ و کيف صارت افعاله الصادرة عنالعباد في الصورة و هي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حکم اختياره و بطل علی قولکم کونه مختاراً وصرتم الی مذهب الفلاسفة في انه جل و علا غير مختار<(1).
و قال ايضاً:
>الباب التاسع فيما نذکره عمن يقول ان النجوم لا تصح ان تکون دلالات علی الحادثات اعلم ان المنکرين لذلک من المسلمين فرق ... و فريق سمعوا ان هذا العلم ابتدعه قوم غير الانبياء من الفلاسفة و الحکماء فهربوا من التصديق بشيء من معانيه لئلا يقعوا فيما وقع اولئک فيه من الضلالة و التشبيه. و قد قدمنا الدلالات الواضحات علی ان هذا العلم من علوم الانبياء و الاوصياء عليهم الصلوات و اوضحنا ذلک بما ذکرنا من المعقولات و المنقولات<(2).
و قال ايضاً:
>لقد وجدت الفلاسفة و اکثر من ضل بغير عناد ان ضلالهم کان من طريق التوکل و الاعتماد علی العقول و القلوب و الاجتهاد مع الغفلة عن سلطان المعاد. و لقد کان الله جل جلاله اعذر اليهم و رکب الحجة عليهم بما اراهم في العقول و القلوب من مماتهم بالنسيان و کثرة آفاتها و تفاوت ارادتها بما يظهر في تصرفاتها من النقصان ما کان کافيا في ترک الاعتماد عليهما مع سقم الغفلة عنه جل جلاله بالاستناد عليها<(3)
42- محمد امين الاسترآبادي
ص: 62
قال في الفوائد المدنية:
>في ذکر طرف من اغلاط الفلاسفة و حکماء الاسلام في علومهم و السبب فيه ما حققناه سابقا: من انه لا يعصم عن الخطأ في مادة المواد في العلوم التي مبادئها بعيدةعن الاحساس الا اصحاب العصمة عليهم السلام و من ان القواعد المنطقية غير نافعة في هذا الباب و انما نفعها في صورة الافکار کايجاب الصغری و کلية الکبری<(1)
43- القاضي سعيد القمي
قال رحمه الله:
>هذا من قبيل قول بعضهم: ان الکلي موجود بمعنی کون افراده موجودات . و القائل به و ان کان في زمرة المسلمين لکنه کفر خفي عند العارفين و هو کفر اهل العلم من المتکلمين والمتفلسفين و بعض المتصوفة و اکثر النصاری<(2)
الدکتور السيد علاء الدين الکاظمي القزويني
الحلقة السابعة
ص: 63
لا يخفی ان المستعمر الکافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الامةالاسلامية وتشويه حقيقةالتشيع ويذکرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وکاظم الرشتي کانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراضجاسوسيةولذا ارتأت المجلةافشاءانحرافات الشيخيةحتی تحذر الامةافکارهم کما لا يخفی ان الروايات التي يستشهد بها الشيخية مجعولة ولا وجود لها الا في کتبهم وکتب الغلاة >المجلة<
المسألة الخامسة: نزول الوحي علی النبي بإذن علي (علیه السلام) و أمره:
من عقائد فرقة الشيخية المخالفة للضرورة من الدين زعمهم بأن جبرئيل لم يأت الی النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بدون إذن علي (علیه السلام)، فقد جاء في شرح الخطبة للسيد کاظم الرشتي في بيان قوله: و خلق البحار و الجبال و محمد ظهر بالنبوة و النبوة ظاهر الولاية وعلي ظاهر الولاية الظاهرة بالنبوة، و لذا کان جبرئيل إذا أراد أن يأتي النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ما يأتيه إلا بأمرعلي (علیه السلام) و إذنه انتهی(1).
قال السيد کاظم الرشتي في شرحه للخطبة: قال في حديث البساط، و الله إنه لا يخطو ملک خطوة إلا بإذني و أمري، کيف و هو (علیه السلام) أمر الله الذي قامت به السماوات و الأرض ... فالملائکة إنما تنزل به(علیه السلام)علی من يشاء من عباده من الأنبياء و المرسلين.. الی أن قال: قال إن جبرئيل ما دخل علی النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مرة إلا و قد استأذن من علي (علیه السلام) فکان يدخل علی النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بإذن علي (علیه السلام) ... لأن العالم کله مثل و هياکل لعلي (علیه السلام) »
و قال الميرزا موسی الاسکوئي: «و الحال أنهم عليهم السلام ، قطعاً أکمل و أشرف و أقدم من الملائکة، و علّة لعلّة علّتهم و وسائط لإيجادهم مادتهم و صورتهم، و أنهم لا يتصرفون في شيء و لا يخطون قدماً عن قدم إلا بإذنهمعليهم السلام، کما في رواية المقداد بن الأسود، قال: «قال لي مولاي يوماً ...
ص: 64
الی أن قال: «يا بن الأسود، أنا حجة الله علی الخلق من سماواته و أرضه و ما في السماء ملک يخطو قدماًعلی قدم إلا بإذني..»(1).
ففرقة الشيخية تعتقد أن الملائکة کلهم لا يخطون و لا ينزلون بشيءعلی أحد مطلقاً إلا بأمرعلي (علیه السلام) و إذنه،اقول: والحال ان الله سبحانه يقول في وصف الملائکة: (بَلْ عِبادٌ مُّکْرَمُونَ * لا يسْبِقُونَهَ, بِالْقَولِ وَهُم بِأَمْرِهِ يعْمَلُون)(2)، أي بأمر الله وحده لا بأمرعلي (علیه السلام) و إذنه. و قال تعالی: (تَنَزَّلُ الْمَلائِکَةُ وَ الْرُّوحَ فِيها بِإذنِ رَبِّهِم مِن کُلِّ أَمْرٍ)(3). فالملائکة تنزل بإذن ربهم من کل أمر لا بإذن غيره سبحانه.
قال السيد مهدي الکاظمي القزويني في ردِّه لهذه البدعة : «فلينظر طالب الحق الی هذه البدعة العظيمة و الطامة الجسيمة فإنه من ضروري الملل کون ملک الوحي الباب الذي بين الله سبحانه و بين رسله هو جبرئيل فهو ينزل عليهم بأمره سبحانه من دون ريب، و لذلک قال سبحانه: (وَ مَا ينطِقُ عَنِ الْهَوَی* إِنْ هُوَ إلّا وَحْي يوحَی* عَلَّمَهُ, شَدِيدُ الْقُوَی)(4) و هو جبرئيل باتفاق المفسرين و بالجملة فکون جبرئيل ينزل بالوحي بأمر الله سبحانه من الضروريات ليس فيه ريب و الفرقان العظيم دلَّ عليه، و السنة الکثيرة قد وردت به، و حال المخالف لشيء من هذه معلوم، فکيف ممن قد خالف جميعها و ليس له بأن يقول:علي نفس النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمْ) بآية (وَ أَنفُسَنَا وَ أنفُسَکُمْ) (5) فيأتي جبرئيل بأمر نفسه، فإن ذلک مثل سابقه مخالف للضرورة القائمة بأن جبرئيل ينزل بالوحي بأمر الله سبحانه. و لو قطعنا النظر عن
ص: 65
الضرورة و غيرها، و فرضنا عدم وجود دليل يدلُّ علی کذب هذه الدعوی فليس يجدي سيد کاظم >و غيره <ذلک نفعاً، بل عليه بأن يقيم الدليل علی ما زعمه ... »(1).
و قال أيضاٌ: «و من عقايد شيخهم کون الملک يحترق لو خطا قدماً بدون إذن علي (علیه السلام) ، فقد روی في الرسالة القطيفية حديثاً عن علي (علیه السلام) قال فيه: و الله ما أعلم أن ملکاً في السماء يخطو قدماً بدون إذني إلا و احترق، قلت: نحن في غنية عن البحث عن سند الخبر لعلمنا بأنه بهتان من حيث منافاته لما نزل به الفرقان العظيم بأن الملائکة مأمورون بأمر الله سبحانه، قال سبحانه في حقهم، (عَلَيهَا مَلائِکةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يعْصُوَن اللهَ مَآ أَمَرَهُم وَ يفْعَلُونَ مَا يؤْمَرَونَ)(2)، و قال سبحانه: (تَنَزَّلُ الْمَلائِکَةُ وَ الْرُّوحَ فِيها بِإذنِ رَبِّهِم مِن کُلِّ أَمْرٍ)(3)، و قد وردت السنة بأن تنزلهم في ليلة القدر بإذن الله سبحانه علی إمام الزمان، و ذلک مناقض لما زعمه من کون تخطيهم قدماً عن قدم موقوف علی إذن علي (علیه السلام) ».
ص: 66
العدد الرابع
الادلة الروائية حول حرمة الموسيقی
11-الصدوق>ره< في المقنع قال:واجتنب الملاهي واللعب بالخواتيم والاربعة عشر وکل قمار فان الصادقين عليهم السلام نهوا عن ذلک(1)
و يرد علی الاستدلال بهذا الحديث:
اولا: انه ليس هذا رواية بل فتواه.
و ثانيا: حتی لو کان ما ذکره رواية(نقلا بالمعنی) فهي مرسلة.
12-الصدوق في عيون الاخبار عن محمد بن عمر البصري عن محمد بن عبدالله الواعظ عن عبدالله بن احمد بن عامر الطائي عن ابيه عن الرضا(علیه السلام)في حديث الشامي انه سأل امير المؤمنين (علیه السلام) عن معنی هدير الحمام الراعيّة«عبيّة»(2)قال: تدعوا علی اهل المعازف و المزامير و العيدان(3).
و الرواية ساقطة سندا لان محمد بن عمر البصري لا اثر له في کتب الرجال الا ان الصدوق روی عنه هذا الحديث و کذلک محمد بن عبدالله الواعظ مجهول لا اثر في الکتب الرجاليّة. و امّا >عبدالله بن احمد الطائي و ابيه<فلم تثبت وثاقتهما
و اما من ناحية الدلالة: فلا تدلّ الرواية علی الحرمة نعم يستفاد منها ان ذلک مرغوب عنه و هو اعم من الحرمة و الکراهة(4).
ص: 67
13-ما رواه الصدوق في الخصال عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيی عن محمد بن احمد عن السيّاري رفعه عن ابي عبدالله(علیه السلام) انه سئل عن السفلة فقال من يشرب الخمر و يضرب الطنبور(1).
و الرواية ساقطة سندا لانها مرفوعة مضافا الی ان السياري هو احمد بن محمد السيّاري الذي قال الشيخ الطوسي بشأنه: ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية کثير المراسيل.
و امّا من ناحية الدلالة: فقد يستدلّ بهذه الرواية علی حرمة الموسيقی مطلقا و لکن يمکن ان يقال:هل تستفاد الحرمة من سؤال السائل حيث سئل عن السفلة او من جواب الامام(علیه السلام)حيث قال(علیه السلام)من يشرب الخمر و يضرب بالطنبور فعلی الاوّل يرد، ان المراد بالسفلة، الاراذل و الغوغائيون اي الذين يرتکبون الاعمال الخارجه عن القيم و الاخلاق فلفظة السفلة لا ترادف العصاة و الفساق.
و ممّا يويّد ذلک ما جاء في الوسائل عن جامع البزنطي قال سئل ابو الحسن(علیه السلام)عن السفلة فقال: الذي يأکل في السوق.(2)
نعم جاء في رواية الاربعمائة من لا يخاف الله عزّوجلّ فيهم قتلة الانبياء و فيهم اعداؤنا.(3)و امّا علی الثاني و هو استفادة الحرمة من جواب الامام(علیه السلام)حيث عطف(علیه السلام)ضرب الطنبور علی شرب الخمر و مقتضی وحدة السياق حرمة ضرب الطنبور لوضوح حرمة شرب الخمر لدی المسلمين کافة.
ص: 68
فيقال:ان هذا الکلام صحيح لو لا تأثير ظهور السؤال لاننا لا محالة في باب اقتناص الظهور لابدّ من ملاحظة السؤال و الجواب معا.
و بما ان السؤال کان عن معنی اعم من المعاصي و الذي لا يراعي الشئوون الاخلاقية في المجتمع، فيمنع من انعقاد وحدة السياق في مستوی الحرمة في الجواب الصادر من الامام ع.
هذا اذا قلنا بان الواو للعطف و اما اذا قلنا انه يفيد الجمع هنا و احتملنا ذلک فحينئذ يقال ان الرواية لا تدلّ علی الحرمة الذاتية للموسيقی فان غاية ما تدل عليه الرواية هو حرمة ضرب الطنبور مع شرب الخمر و لکن احتمال ان يکون الواو للجمع هنا بعيد جدّاً.
14- ما رواه الصدوق في الخصال عن ابيه عن سعد عن ايوب بن نوح عن الربيع بن محمد المسلمي عن عبد الاعلی عن نوف عن اميرالمؤمنين(علیه السلام)في حديث قال: يا نوف اياک ان تکون عشّاراً او شاعراً او شرطيّاً او عريفاً او صاحب عرطبة و هي الطنبور او صاحب کوبة و هي الطبل فان نبي الله خرج ذات ليلة فنظر في السماء فقال: اما انها الساعة التي لا ترد فيها دعوةالا دعوة عريف او دعوة شاعر او دعوة عاشر او شرطيّ او صاحب عرطبة او صاحب کوبة(1).
و الرواية غير تامة سنداً علی الاقل بعبد الاعلی لانه مشترک بين ما هو ثابت الوثاقة و بين من لم تثبت وثاقته بل يمکن ان يقال انه في هذه الطبقة مجهول،مضافا الی ان احتمال السقط في السند وارد جدّاً لان الصدوق من الطبقة العاشرة کيف يمکن ان يروي عن اميرالمؤمنين(علیه السلام)بستة وسائط و مما يؤيّد ذلک.ان الشيخ عدّ الربيع بن محمد المسلمي في رجاله في اصحاب الصادق(علیه السلام). و ايّوب بن نوح من اصحاب الرضا و الجواد و الهادي(علیه السلام)و مما يدعم ما احتملناه ان الشيخ في الفهرست قال: ربيع بن محمد المسلمي له کتاب اخبرنا به ابن ابي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن ايوب بن نوح عن العباس بن عامر القصباني عنه. هذا حال سند الرواية.و اما من ناحية الدلالة: فيمکن المناقشة في دلالتها علی الحرمة و ذلک اولا لما ورد نظير هذا التعبير في موارد نقطع بعدم حرمة بعضها نحو ما رواه الحرّ في الوسائل عن ابي عبدالله(علیه السلام)قال اربعة لا يستجاب لهم دعوة:الرجل جالس في بيته يقول: الله ارزقني له ألم آمرک بالطلب و رجل کانت له امرأة فدعا عليها فيقال له ألم اجعل امرها اليک و رجل کان له مال فأفسده فيقول اللهم ارزقني فيقال له ألم آمرک بالاقتصاد ألم آمرک بالاصلاح ... و
ص: 69
رجل کان له مال فادانه بغير بيّنة فيقال له ألم آمرک بالشهادة(1) و في حديث آخر: اخشی ان اکون کأحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة، رجل اعطاه الله مالا فانفقه في غير حقه ... و رجل يدعو علی امراته ... و رجل يدعو علی جاره ... (2)
و ثانيا لما جاء في الحديث من ذکر الشرطي و العريف و الشاعر و العشّار فهل يمکن القول بحرمة هذه الاعمال! اللهمّ الاّ ان يترتب عليها عناوين اخری فمثلاً يکون من اعوان الظلمة و سلاطين الجور.
و هناک احتمال اخر في الحديث و هو ان يکون ذکر هذه الموارد بعنوان المصداق للقاعدة الکليّة التي جاءت في صدر الحديث نفسه ... ان الله عزّوجلّ اوصی الی عيسی بن مريم(علیه السلام)قل للملاء من بني اسرائيل لا يدخلوا بيتا من بيوتي الا بقلوب طاهرة و ابصار خاشعة و اکفّ نقيّه وقل لهم اعلموا انّي غير مستجيب لأحد منکم دعوةولأحد من خلقي قِبلَهُ مَظلَمة يا نوف ايّاک ان تکون عشّاراً او شاعراً، الحديث.
والقاعدة الکليِّة في عدم استجابة الدعاء وردّ الدعوة هي مظلمة الناس وبما ان العشّار والشرطي والعريف غالباً يظلمون الناس ويخوّفونهم بسطوتهم وقدرتهم وکذلک الشعراء بالهجاء والتشبيب والتعرّض لاعراض الناس يوجبون ايذاء الاخرين ولعّل صاحب الکوبة والعرطبة ايضاً بضرب الطنبور والطبل يوجب ايذاء الاخرين فعلی هذا الاساس ترد دعوتهم فحذر الامام(علیه السلام)نوف البکالي من ان يکون في معرض ذلک فنهاه عن التصدي لهذه الاعمال التي يجعل الانسان علی شفا حفرة مظلمة الناس ،فتامل.
15-ما رواه ورام بن ابي فراس في کتابه قال قال(علیه السلام)لا تدخل الملائکة بيتاً فيه خمر او دف او طنبور او نرد ولايستجاب دعاؤهم وترفع عنهم البرکة.(3)و الرواية ساقطة سنداً.
و امّا من ناحية الدلالة:ففي دلالتها علی الحرمة مجال للمناقشة لما جاء في الحديث الشريف عن النبي ص قال ان جبرئيل اتاني فقال انّا معاشر الملائکة لا ندخل بيتا فيه کلب و لا تمثال جسد و لا اناء يبال فيه و في حديث اخر و لا جنب(4).
ص: 70
اللهم الا ان يقال اننا نستفيد الحظر علی اساس وحدة السياق لانه عدّ الخمر في عداد آلات الموسيقی فلا شبهة في حرمته.
16- ما رواه الصدوق في الفقيه باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق(علیه السلام)عن آبائه(علیه السلام)في حديث المناهي قال: نهی رسول الله ص عن اللعب بالنرد و الشطرنج و الکوبة و العرطبة و هي الطنبور و العود و نهی عن بيع النرد(1).
و الرواية ساقطة سنداً علی الاقل بشعيب بن واقد لانه مجهول لم يذکر في کتب الرجال مضافاً الی انه وقع في طريق الصدوق الی شعيب، عبدالعزيز بن محمد الابهري و هو من المجاهيل فلا اثر له في کتب الرجال ايضاً هذا حال سند الرواية.
و امّا من ناحية الدلالة: فدلالتها علی الحرمة واضحة و لا يقال انه ورد النهي عن اللعب بالطنبور و العود و الکوبة لا الضرب علی الطنبور و الکوبة.
فانه يقال اولا يمکن ان يکون قوله(علیه السلام)و الکوبة عطفاً علی نهی اي نهی عن الکوبة و العرطبة و العود.
و ثانيا ان اطلاق اللعب علی ضرب الطنبور و العود و الکوبة من باب انه عمل لا يترتب عليه الفائدة الصحيحة.
و ثالثا انه لا يتصور معنی لّلعب بهذه الآلات غير استخدامها في الموسيقی.
17-الکليني عن محمد بن يحيی عن احمد بن محمد عن محمد بن خلاّد عن ابي الحسن الرضا صلوات الله عليه قال: خرجت و انا اريد داوود بن عيسی بن علي و کان ينزل بئر ميمون و عليَّ ثوبان غليظان فرأيت امراة عجوزاً و معهاجاريتان فقلت: يا عجوز اتباعهاتان الجاريتان فقالت نعم و لکن لا يشتريهما مثلک قلت و لم قالت لان احديهما مغنيّة و الاخری زامرة، الحديث(2)
و الرواية تامة سنداً. و اما من ناحية الدلالة: فلا تدلّ علی الحرمة کما هو واضح. سواء حملنا قول العجوز للامام(علیه السلام)و لکن لا يشتريهما مثلک علی انها عرفت ان المشتري شأنه اجل من ان يشتري المغنيّة و الاخری زامرة.
18-ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن سليمان بن مسلم الخشّاب عن عبدالله بن جريح المکّي عن عطاء بن ابي رياح عن عبدالله بن عباس عن رسول الله ص في حديث قال: ان من أشراط الساعة اضاعة الصلوات و اتّباع الشهوات، و الميل الی
ص: 71
الاهواء>الی ان قال<وعندها تظهر القينات و المعازف و تليهم شرار امتي>الی ان قال< فعندها يکون اقوام يتعلمون القرآن لغير الله تکثر اولاد الزنا.
و يتغنّون بالقرآن- الی ان قال- و يستحسنون الکوبة و المعازف و ينکر الامر بالمعروف و النهي عن المنکر،الی ان قال فاولئک يدعون في ملکوت السماء الارجاس الانجاس(1).
و الرواية سافطة سنداً بسليمان بن مسلم الخشّاب و عبدالله بن جريح و عطاء ابن ابي رياح لانه لا دليل علی وثاقتهم.
و اما من ناحية الدلالة: فقد ذکرنا في کتاب الغناء معنی اتخاذ القرآن مزامير فراجع(2)و دلالة الرواية علی المنع واضحة.
19- ما رواه الحسن بن محمد الديلمي في الارشاد قال قال رسول الله ص يظهر في امتي الخسف و القذف قالوا: متی ذلک؟ قال: اذا ظهرت المعازف و القنيات و شربت الخمور، والله ليبيّتن اناس من امّتي علی اشر و بطر و لعب فيصبحون قردة و خنازير لاستحلالهم الحرام، و انخاذهم القنيات و شربهم الخمور و أکلهم الربا و لبسهم الحرير.
قال: و قال ص اذا علمت امتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء:اذا کان الفيء دولا،و الأمانة مغنما،و الصدقة مغرما، و اطاع الرجل امرأته و عصی امّه، و برّ صديقه، و جفا أباه، و ارتفعت الاصوات في المساجد، و اکرم الرجل مخافة شره، و کان زعيم القوم أرذلهم، ولبسوا الحرير، و اتخذوا القنيات و المعازف، و شربوا الخمور، و کثر الزنا، فارتقبوا عند ذلک ريحاً حمراء و خسفا او مسخاً، و ظهور العدو عليکم ثم لا تنصرون.(3)
و الرواية ساقطة سنداً. و اما دلالتها علی المنع فمما لا اشکال فيها.
20- الکليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن محبوب، عن عنبسة عن ابي عبدالله(علیه السلام)قال: استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق کما ينبت الماء الزّرع.(4)
و الرواية تامة سنداً لان الظاهر انصراف عنبسة الی ابن بجّاد و قد روی عنه صفوان. او ينصرف الی عنبسة بن مصعب و قد روی عنه صفوان و ابن ابي عمير.
ص: 72
و اما من ناحية الدلالة: فلا شک انها تدل علی الحزازة و لا يبعد دعوی ظهورها في الحرمة.
21- الکليني عن علي بن ابراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: کنت ابي عبدالله(علیه السلام)فقال له رجل بابي انت و امي انني ادخل کنيفا لي ولي جيران عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود فربما اطلت الجلوس استماعا مني لهنّ فقال: لا تفعل فقال الرجل: و الله ما آتيهنّ انما هو سماع اسمعه باذني فقال لله انت أما سمعت الله عزّوجلّ يقول: ان السمع و البصر و الفوءاد کل اولئک کان عنه مسئولا فقال: بلی و الله لکأني لم اسمع بهذه الاية من کتاب الله من اعجميّ و لا عربيّ، لا جرم انني لا اعود ان شاء الله و اني استغفرالله فقال له: قم فاغتسل و صلّ ما بدا لک فأنک کنت مقيماً علی امر عظيم ما کان اسوء حالک لو مت علی ذلک احمد الله و اسئله التوبة من کل ما يکره فانه لا يکره الا کل قبيح و القبيح دعه لاهله فان لکل اهلاً(1).
و الرواية تامة سنداً. و دلالتها علی الحرمة واضحة و لا يقال انما ورد فيها النهي عن الاستماع لا الضرب بالعود و نحوه. فانه يقال: ان هذا الفرق غير صحيح بل يری العرف الاولويّة في المنع في الضرب بالعود و الطنبور و سائر آلات الموسيقی.
و لا يقال: اننا نحتمل المنع لاجل اقتران الغناء مع الضرب بالعود فتکون الحرمة لاستماع الغناء لا الاستماع الی الموسيقی.لانه يقال في الجواب: اننا في باب الغناء کنّا نحتمل ان يکون سبب التحريم المنضمّات الخارجية کالضرب بالعود و نحوه و لکن هنا لا نحتمل العکس و هو ان يکون سبب التحريم في الموسيقی اقترانها بالغناء اللهم الا ان يقال:ان المنضمات الخارجية الموجبة للمنع لا تنحصر في الات الموسيقی بل هناک موجبات اخری فمثلاً تکون مادة الغناءفيها التشبيب او الهجاء او الفحش و ان يدخل الرجال علی النساء و ان يشرب الخمر و خلاصة الکلام ان يکون الغناء ظرفا لارتکاب المعاصي و قد ذکرنا ذلک مفصّلا في بحث الغناء فراجع. و نحو هذه الرواية ما جاء في البحار عن العياشي مرسلا(2) و الظاهر انها تقطيع من هذه الرواية فراجع.
ص: 73
الاستاذ علاء فيصل
العدد السادس
ص: 74
* إهانات أبي بکر للرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):
و من الفضائح التي يجعلها مدائح، قوله:
61- «روينا بالسند الصحيح، عن ابن عباس (رضي الله عنه): أن أبا بکر الصديق (رضي الله عنه)، خرج حين توفي رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، و عمر يکلم الناس، فقال:
اجلس يا عمر ...
فأبی عمر أن يجلس ...
فقال: إجلس يا عمر ...
فتشهد أبوبکر، ثم قال:
أما بعد، فمن کان يعبد محمداً (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فإن محمداً قد مات، و من کان منکم يعبد الله عزوجل، فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قوله تعالی:
{وَ مَا مُحَمَّدٌ إلَّا رسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَّاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم علی أَعقابکُم} ... فسکن جأشهم بالقرآن، و هو لم يزل ساکن القلب مع الرحمان، الی أن قال:
إن نفسه ... قالت: لا و الله يا وليي، إنما أنا بين فناء و بقاء و تلاشي و انتعاش، و إقبال و إدبار، و وصول و رجوع، و ما کنت فهمت قط هذا من هذا الکلام، و الذي خرج من فم الصديق، حتی نبهتني عليه، و لا سمعته من أحد من أشياخنا و لا رأيته ...
علی ان بحثاً و أسراراً في الصحابة، و تعظيمهم و مکانتهم ما سُبِقت إليها، و لا رأيت أحداً ممن لقيته من أصحابنا عثر ذلک، إلا أنهم يجمحون عليه، و يحومون حوله الخ ... »(1).
*دفاعه عن صلاة أبي بکر:
ص: 75
62- «فکان الناس يقتدون بأبي بکر الصديق (رضي الله عنه)، و کان ابوبکر يقتدي بصلاة رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). فقال الطحاوي: معنی الاقتداء هنا: أنه کان أبو بکر يخفف لأجل مرض رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(1).
*و يفتح باب البدعة في الدين:
63- يقول عن التثويب، و هو قول: الصلاة خير من النوم، في صلاة الصبح:
« و أما مذهبنا فإنا نقول به شرعاً، و إن کان من فعل عمر، فإن الشارع قرره بقوله: من سن سنة حسنة ...
و لا نشک أنها حسنة ينبعي أن تعتبر شرعاً ... و هي بهذا الاعتبار من الأذان المسنون، إلا في مذهب من يقول: إن المسنون هو الذي فُعِل في زمان النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و عرفه، و قرره. أو يکون هو الذي سنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)»(2)
تعليق: و قد فتح إبن عربي بذلک باب البدع علی مصراعيه إذ لمحدث أن يحدث فصولاً جديدة في الأذان بل و في الصلاة يحدث أجزاءاً و أرکاناً جديدة ثم يقول: (فإن الشارع قرره بقوله: من سن سنة حسنة ... ).
* أبوبکر مجتهد في قتل مانعي الزکاة:
64- و هو يعتبر أن ما فعله أبو بکر بمانعي الزکاة، کان رأياً فقهياً له ... (3)
وهل للإنسان أن يقتل العشرات من المؤمنين ثم يعلله بأنه رأي فقهي له؟! ما أسعد الطغاة و الجبابرة بهذه الفتوی التي تفوح منها رائحة الدماء!
*اجتهاد عثمان ضد اجتهاد الرسول!
65- ذکر أن ثعلبة بن حاطب امتنع عن إعطاء الزکاة، فنزلت فيه آية: (فَأَعقَبَهُم نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِم الی يومِ يلقَونَه) ... فلما بلغ ثعلبة ذلک جاء بزکاته،
ص: 76
فلم يأخذها منه رسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، و کذلک أبوبکر، و عمر من بعده، و لکن عثمان أخذها منه، متأولاً، أنها حق الأصناف الذين أوجب الله لهم هذا القدر في عين هذا المال ...
ثم قال: « و هذا الفعل من عثمان من جملة ما انتقد عليه، و ينبغي أن لا ينتقدعلی المجتهد حکم ما أداه إليه اجتهاده، فإن الشرع قد قرر حکم المجتهد.
و رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ما نهی أحداً من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته، و قد ورد الأمر الإلهي بإيتاء الزکاة.و حُکمُ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، في مثل هذا، قد يفارق حکم غيره، فإنه قد يختص رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأمور لا تکون لغيره، لخصوص وصف، إما تقتضيه النبوة مطلقاً، أو نبوته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ... »
«فمن شاء وقف لوقوفه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، کأبي بکر، و عمر ... و من شاء لم يقف کعثمان، لأمر الله بها» ...
الی أن قال تعقيباًعلی ذلک:
«فساغ الإجتهاد وراعی کل مجتهد الدليل الذي أداه إليه اجتهاده، فمن خطَّأ مجتهداً فما وفاه حقه. و إن المخطيء و المصيب منهم واحد لا بعينه»(1).
و قد تغافل عن أن حکم الرسول ليس إجتهاداً بل {وَ مَا ينطِقُ عَنِ الهَوَی* إن هُوَ إِلَّا وَحي يوحَی}.
* مخالفة عمر للنبي عدها فضيلة له:
66- يذکر ما نصه: «بالسند المتصل إليه: أنه لما أسلم، قال له النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): يا عمر، استره.
قال (رضي الله عنه): « و الذي بعثک بالحق لأعلننه، کما أعلنت الشرک»(2) ...
ص: 77
* عثمان الزاهد!!
67- ثم إنه و هو يخاطب نفسه، ضرب لها مثلاً آخر بعثمان، فقال:« ... قلت : نعم، هذا عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، روينا عنه بالسند الصحيح، عن شرحبيل بن مسلم: أن عثمان (رضي الله عنه)، کان يطعم الناس طعام الإمارة، و يدخل في بيته، فيأکل الخبز و الزيت.
ناشدتک الله، هل فعلت مع أصحابک قط، آثرتهم باللطيف، و استأثرتهم بالخشن الخ ... »(1).
* دفاعه عن عبدة العجل!!
68- و عن عبدة العجل في زمن النبي موسی ((علیه السلام)) يقول: «فکان موسی أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضی أن لا يعبد إلا إياه، و ما حکم الله بشيء إلا وقع ... »(2).
* أحمد بن حنبل، من أئمة الدين!
69- يعتبر أحمد بن حنبل من أئمة الدين و حفاظ الشريعة، قال: «حکي أن أخت بشر الحافي سألت أحد أئمة الدين هو أحمد بن حنبل في الغزل الذي تغزله ... »
الی أن قال:
فأفتاها الإمام المسؤول»، و (هو أحمد بن حنبل)، و أثنی عليها بذلک»(3) ...
* ابن حنبل حافظ الشريعة و البطيخ!!
ص: 78
70- ثم يقول: «لم يتسموا بأنبياء و لا برسل، و أخلصوا في اتباع آثارهم، قدماً بقدم، کما روي عن الإمام أحمد بن حنبل المتبع، المقتدي، سيد وقته في ترکه أکل البطيخ، لأنه ما ثبت عنده کيف کان يأکله رسول الله (صَلَّىاَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فدل ذلک علی قوة اتباعه کيفيات أحوال الرسول في حرکاته و سکناته، و جميع أفعاله و أحواله.
و إنما عرف هذا منه، لأنه کان في مقام الوراثة في التبليغ و الإرشاد، بالقول، و العمل، و الحال، لأن ذلک أمکن في نفس السامع ...
فهو أي ابن حنبل و أمثاله حفاظ الشريعةعلی هذه الأمة ... »(1).
* علماء بمنزلة الأنبياء:
71- و من جملة الشواهدعلی إنحراف إبن عربي عن أئمة أهل البيت علیه السلام و عدم تشيعه بل نصبه أنه قد ذکر علماء الأمة الذين هم عنده کأنبياء بني إسرائيل، فقال: « کعلماء الصحابة، و من نزل عنهم من التابعين، و أتباع التابعين ... کالثوري ... و ابن عيينة ... و ابن سيرين ... و الحسن ... و مالک ... و ابن أبي رباح ... و أبي حنيفة ... و من نزل عنهم ... کالشافعي ... و ابن حنبل ... و من جری مجری هؤلاء الی هلم جراً في حفظ الأحکام ... و طائفة أخری من علماء هذه الأمة، يحفظون عليها أحوال الرسول ، و أسرار علومه ... کعلي ... وابن عباس ... و سلمان..و أبي هريرة ... و حذيفة ... و من التابعين ... کالحسن البصري ... و مالک بن دينار ... وبنان الحمال ... و أيوب السختياني ... و من نزل عنهم ... کشيبان الراعي ... و فرح الأسود المعمر ... و الفضيل بن عياض ... و ذي النون البصري ... (أو المصري) ... و من نزل عنهم ... کالجنيد ... و التستري ... و من جری مجری هؤلاء السادة في حفظ الحال النبوي، و العلم المدني ... »(2)
ص: 79
و لم يذکر الإمام الحسين و لا الإمام السجاد و لا الإمام الباقر و لا الإمام الصادق؟! و لا عماراً و لا المقداد و لا أباذر و لا جابر الجعفي و لا زرارة و لا أضرابهم من أهم أعلام الإسلام و البشرية.
*الشافعي من الأربعة الأوتاد:
72- و قد تقدم أنه يقول عن الشافعي: « إنه کان من الأربعة الأوتاد، و کأن قيامه بعلم الشرع حجبه عن أهل زمانه و من بعده.
روينا عن بعض الصالحين: أنه لقي الخصر، فقال له : ما تقول في الشافعي؟
فقال: هو من الأوتاد.
فقال: فما تقول في أحمد بن حنبل؟
قال: رجل صديق
قال: فما تقول في بشر الحافي؟
قال : ما ترک بعده مثله.
فهذه شهادة الخضر في الشافعي رَحمَهُ الله ... »(1).
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
الحلقة السابعة
ص: 80
هذا الکتاب من الکتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي(رحمه الله) صاحب کتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء
الفصل الثامن
في وجوب تأويل ما ظاهره الحلول والاتحاد وقد ظهر مما تقدم أنه متعين ونشير ههنا إلى موجبات ذلك وهي اثنا عشر:
الأول: مخالفته للدليل العقلي القطعي كما مر.
الثاني: مخالفته للقرآن الكريم كما عرفت.
الثالث: مخالفته للسنة النبوية كما تقدم.
الرابع: مخالفته لكلام الأئمة عليهم السلام كما سبق.
الخامس: مخالفته للإجماع كما قد تقرر.
السادس: استلزامه للمفاسد الكلية كما ذكر.
السابع: استلزامه لاجتماع النقيضين في عدة صور كما قد ظهر.
الثامن: قلته بالنسبة إلى كثرة مخالفه من الأدلة السابقة كما بيناه.
التاسع: ضعفه بالنسبة إلى قوتها سندا ودلالة كما هو واضح.
العاشر: موافقته لقواعد جمع من العامة ومباينته لاعتقاد الفرقة الناجية.
الحادي عشر: استحالة حمل تلك الألفاظ على حقايقها واستلزامه حمل الأقل على الحقيقة والأكثر على المجاز.
الثاني عشر: قبوله للتأويل وعدم قبول معارضاته له بوجه إذ من جملتها الأدلة العقلية والصريح من النقلية والله أعلم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن من نظر في كتب الصوفية أو عاشرهم معاشرة تامة يعلم أن كلامهم دال على اعتقاد الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وبعضهم الآن يتعجبون من علماء الشرع حيث يأولون الحديث ولا يأولون كلام الصوفية وهذا ونحوه ناش من عدم الاطلاع على قوانين الشرع فإن التأويل إنما يكون فيما علم وتقرر من الشرع خلافه واستحالة إرادة ظاهره لقوة معارضه وكلام الصوفية ليس بمنزلة كلام المعصوم
ص: 81
فباعتبار قواعد الشريعة يجب حمله على ظاهره والحكم على قائله بما يقتضيه من فسق وكفر كما في كل كلام، وإقرار بإيمان أو كفر وارتداد ولا يلتفت إلى ما يدعونه من تأويله: وقد عرفت في الحديث الرابع من الباب الثاني ما يدل على عدم جواز تأويل كلام الصوفية وقد نقل عن جمع منهم أنهم إذا قرأوا (إياك نعبد وإياك نستعين) يحضرون پيرهم وأستاذهم الذي يأخذون عنه وكيف يمكن تأويل مثله ومثل قول محيي الدين بن عربي أنه رآى أبا بكر على العرش فوق الأنبياء كله(1) فكيف يأوله الإمامي
وأي مخالف يقول به ليحمل على التقية وأي ضرورة إليه وكذا ما تقدم عن أبي يزيد البسطامي وما يأتي عن الغزالي وغيره إن شاء الله.
الفصل التاسع
في الإشارة إلى وجوه التأويل إجمالا وهو سهل على من مارس التراكيب العربية لكثرة المجازات والاستعارات والكنايات والمبالغات فيها ومن عجز عن ذلك فيكفيه وجه آخر إجمالي وهو أن يعلم أن هذه الشبهات مصادقة لليقين وكل ما كان كذلك فهو باطل أوله تأويل وتوجيه وقد حقق استقامة هذا الدليل في محل آخر وقد ذكرناه لكثرة الاحتياج إليه عند الشبهات لمن عجز عن حلها فأوردناه احتياطا واستظهارا وإلا ففرض العجز هنا بعيد جدا بل محال بعد ما سبق ويأتي إن شاء الله تعالى.
الفصل العاشر
فيما روي عن أهل العصمة عليهم السلام في تأويل ما ظاهره الحلول والاتحاد والذي روى عنهم عليهم السلام في تأويل تلك الألفاظ اليسيرة كثيرا أذكر بعضه ليعلم
ص: 82
أنهم قد بينوا ذلك تعريضا وتلويحا وتصريحا إثباتا واستدلالا وتأويلا للمعارض وكذلك قد أولوا كل ما ظاهره إطلاق التغير من حال إلى حال على الله سبحانه وقد تقدم جملة من ذلك ونذكر هنا اثنى عشر:
الأول: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى (فلما آسفوناانتقمنا منهم)(1) فقال: إن الله لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ولكن هذا معنى ما قال: من ذلك وقد قال من أهان لي وليا بارزني بالمحاربة ودعاني إليها. وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)(2) وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)(3) فكل ذلك على ما ذكرت لك وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من ساير الأشياء مما يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر وهو الذي خلقهما وأنشأ هما لجاز أن يقال إن الخالق يبيد يوما ما لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير وإذا دخله التغيير لم تؤمن عليه الإبادة ثم لم يعرف المكون من المكون ولا القادر من المقدور عليه ولا الخالق من المخلوق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا(4)
الثاني: ما رواه أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) في قول الله عز وجل: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) فقال: إن الله وتعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) يعني الأئمة عليهم السلام وقال: (وما ظلموناولكن كانوا
ص: 83
أنفسهم يظلمون)(1) .
أقول: لا ريب أن قوله: خلطنا بنفسه مجاز على وجه المساواة في الحكم تشريفا وإكراما.
الثالث: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه سئل عن الروح التي في آدم في
قوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)(2) قال: هذه روح مخلوقة والروح التي في عيسى مخلوقة(3).
الرابع: ما رواه أيضا عنه (علیه السلام) أنه سئل عن قوله تعالى (وروح منه) قال: هي روح مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى (علیه السلام)(4)
الخامس: ما رواه أيضا عنه (علیه السلام) أنه سئل عن قوله تعالى (ونفخت فيه من روحي) قال: إنما إضافة إلى نفسه لأنه اصطفاه على ساير الأرواح كما قال لبيت من البيوت بيتي ولرسول من الرسل خليلي وأشباه ذلك وكل ذلك مخلوق مصنوع مربوب محدث مدبر(5).
السادس: ما رواه أيضا عن أبي إبراهيم (علیه السلام) قال: ذكر عنده قوم يزعمون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فقال إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى النزول إنما منظره في القرب والبعد سواء لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأما قول الواصفين أنه ينزل تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة وكلمحرك ومحتاج إلى من يحركه (الحديث)(6).
السابع: ما رواه أيضا عنه (علیه السلام) قال: لا أقول إنه قائم فأزيله عن مكانه ولا أحده بمكان يكون فيه ولا أحده أن يتحرك في شيء من الأركان والجوارح ولا أحده بلفظ شق فم ولكن كما قال الله تبارك وتعالى: (كن فيكون) بمشيته من غير تردد في نفس (الحديث)(7).
ص: 84
الثامن: ما رواه عن الرضا (علیه السلام) أنه سئل عن الحديث الذي يروونه أن الله ينزل في كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا فقال (علیه السلام): لعن الله المحرفين للكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كذلك إنما قال إن الله ينزل ملكا إلى السماء الدنيا الحديث)(1).
التاسع: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله تعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية فقال: هو واحد أحدي الذات باين من خلقه وبذلك وصف نفسه وهو بكل شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر والعلم لا بالذات لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمها الحواية(2).
العاشر: ما رواه عن هشام بن الحكم أن الديصاني سأله عن قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله)(3) وزعم أنها تدل على قوله، فسأل عنها أبا عبد الله (علیه السلام) فقال: هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه قل له ما اسمك بالكوفة؟ فإنه يقول لك فلان فقل له ما اسمك بالبصرة؟ فإنه يقول لك فلان فقل له كذلك الله ربنا في السماءإله وفي الأرض إله وفي البحار إله وفي القفار إله وفي كل مكان إله قال: فأتيت الديصاني فأخبرته فقال هذه نقلتها الإبل من الحجاز(4).
ص: 85
الحادي عشر: ما رواه أيضا عن محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر (علیه السلام) عما يروون أن الله خلق آدم على صورته فقال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على ساير الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: بيتي ونفخت فيه من روحي(1).
الثاني عشر: ما رواه الصدوق وقال بإسناده عن الرضا (علیه السلام) في تأويل هذا الخبر قال: إنهم تركوا صدره أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر برجل يشتم رجلا ويقول لعنك الله ولعن من يشبهك فقال لا تقل هذا لأخيك فإن الله خلق آدم على صورته(2). أقول: وتقدم من تأويلات هذه الألفاظ ويأتي بعض ذلك إن شاء الله تعالى.
الفصل الحادي عشر
في توجيه الحديث الذي تمسك به بعضهم من قوله (علیه السلام) (من عرف نفسه فقد عرف ربه)(3). أقول: لا يخفى أن هذا غير صريح في دعواهم ولا ظاهره ذلك ولا إشعار له بحلول ولا اتحاد ألا ترى أن قولنا: من عرف زيدا عرف أخاه ومن عرف الوزير عرف السلطان ومن عرف الدليل عرف المدلول لا يدل على الاتحاد بل على المغايرة لكن بعضهم الآن تعلق به وقد ذكر له بعض العلماء توجيهات وخطر ببالي وجوه آخر فلنذكر الجميع وهي اثنا عشر:
الأول: إنه لما حركت النفس البدن والروح الجسد لزم من معرفة ذلك معرفة أن للعالم مدبرا وللكون محركا فمعرفة النفس دليل على معرفة الرب.الثاني: إن من عرف أن نفسه واحدة وإنها لو كانت اثنتين لأمكن التعارض والممانعة عرف أن الرب واحد والمدبر للعالم أحد فرد لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا(4).
الثالث: إن من عرف أن النفس تحرك الجسد بإرادتها علم أنه لا بد للعالم من
ص: 86
محرك مختار للقطع بوجوب كمال الخالق أو استحالة النقص والعجز عليه فضلا عن العدم. الرابع: إن من عرف أنه لا يخفى على النفس شيء من أحوال الجسد وحركاته علم أنه لا يعزب عن الباري مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لامتناع علم المخلوق وجهل الخالق.
الخامس: إن من عرف أن النفس ليست إلى شيء من الجسد أقرب منها إلى شيء بحسب العلم والاطلاع علم أن الله بالنسبة إلى المخلوقات كذلك بذاك المعنى.
السادس: إن من عرف أن النفس موجودة قبل البدن باقية بعده عرف أن ربه كان موجودا قبل العالم ويبقى بعده لم يزل ولا يزال.
السابع: من عرف أن نفسه لا يدرك كنه ذاتها ولا حقيقة كيفيتها عرف أن ربه تعالى كذلك بطريق أولى فكأنه علق محالا على محال.
الثامن: من عرف أن نفسه لا يعرف لها مكان ولا يعلم لها أينية عرف أن ربه منزه عن المكان والأينية بالأولوية.
التاسع: إن من عرف نفسه لا تحس ولا تجس ولا تدرك إلا بالعقل عرف أن ربه سبحانه منزه عن ذلك كذلك.
العاشر: إن من عرف أن نفسه لا تدرك بالبصر ولا تمثل بالصور عرف أن ربه سبحانه لا تدركه الأبصار ولا تمثله الأفكار.
الحادي عشر: إن من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بصفات الكمال لاستحالة تساوي الخالق والمخلوق ... الثاني عشر: إن من عرف نفسه أنها أمارة بالسوء عصاها وجاهدها واشتغل بالعبادة والعمل الصالح فانتفع بمعرفة ربه أي عرف ربهمعرفة صحيحة ومن لم يعرف نفسه بهذه المعرفة ولم يعمل بمقتضاها فكأنه لم يعرف ربه وهذا وجملة مما سبق خطر بالخاطر الكليل الفاتر
ص: 87
العدد الثاني
الدور الثاني : ويبدء بالشيخ المفيد وطلاب مدرسته كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي (قدست اسرارهم) . وقد تميز هذا الدور بان هناك انفتاحا
ص: 88
بالنسبة للشيعة على الواقع الاسلامي العام - دون وجود الامام المعصوم بين ظهرانيهم - جعل كرسي الكلام عند الشيخ المفيد الذي فرض نفسه >بعلمه وتقواه < كعالم الشيعة ومتكلمهم الذي له الباع الطويل في الدفاع عن المذهب الحق وبيان معتقداته وهذا هو الذي فرض عليه نوعاً من الطرح المغاير لطرح السابقين عليه بل والمعاصرين له ممن لم يكونوا بهذا الموقع المنفتح على الآخر كاعلام مدرسة قم ، ومن هنا نجد ان كتب العقائد اختلفت منهجيا عن كتب المرحلة السابقة , فتميزت بالابتعاد عن ذكر الروايات واعتمدت بيان العقيدة باسلوب المتكلمين من المذاهب الاخرى ولعلهم انتهجوا هذا المنهج لايجاد لغة مشتركة مع المذاهب الاخرى تفتح باب الحوار وتقرب المسافات بين الفرق المختلفة .
سيطرت هذه اللغة حتى اعطت للبحث الكلامي ومناهجه نسقا اخر غير ما عرف زمن الائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم) .
بل نجد ان هناك انسياقا مع امواج ذلك المنهج العامي المفروض الى حد التاثر به في تحقيق الحق وفي هذا خطورة كبيرة اسست لتقبل الواقع العلمي عند الشيعة للدور الثالث الذي انخزل عن الاخبار الشريفة كثيرا واعتمد الفلسفة المشائية ومنطقها كاسس للعقيدة الاسلامية عند الامامية.
ومن مؤشرات هذا الانسياق مسالة رجوع الصفات الالهية الذاتية الى السلبية فان اعلام هذا الدور لم يتعرضوا لها رغم كونها من اهم المباحث المميزة للعطاء الامامي في مسالة الصفات , مع ان الشيخ المفيد رحمه الله لم يتعقبها في نقده على عقائد الشيخ الصدوق مما يعني موافقته عليها و لا يخفىان رجوع الصفات الذاتية الى السلبية بنفي اضدادها بمعنى ان ( عالم ) بمعنى ( لا يجهل ) مثلا , صار هذا الاصل العظيم في بحث الصفات من خفيات المطالب بل سمعنا وقرئنا انكار هذه الفكرة من قبل جمع من اعلام الشيعة فانظر عقائد الامامية وغيرها , وتمام الكلام في مباحث التوحيد .
ص: 89
الدور الثالث : ولعل ابرز اعلامه هو الخواجة نصير الدين الطوسي رحمه الله ومن اوضح سمات هذا الدور انه وظف قواعد الفلسفة وفق المنهج المشائي لرفد حركة علم الكلام وقد بهر هذا الاسلوب اعلام المتكلمين والفلاسفة معا فوجدوا فيه عالما محققا في العلمين معا وقد جمع في كتابه التجريد , الفلسفة والكلام في نسيج واحد ، باهر ، جعل كتابه محط انظار الفريقين شرحا وتعليقا ومما وفر الظروف لهذا النوع من الطرح العقائدي هو ظرف الانفتاح الذي بدأ انذاك واتضحت معالمه وقطفت ثماره بجهود العلامة الحلي رحمه الله وهو تلميذ الخواجة الطوسي .
ولعلنا نتلمس الفرق واضحا بين هذا الدور والدور الاول بشكل كبير اذ ضاعت فيه ملامح الكلام في الدور الاول ولا يدلك على هذا مثل دعوى الطوسي في نقد المحصل ان ليس في البداء الا رواية وهي خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا(1), مما يدل على انه لا اطلاع له على تراث الائمة الروائي وكتب الاصحاب في تحقيق المسألة , بل هو متكلم فيلسوف اعجب علماء عصره بدقة نظره في الفنين .
وسار على نهج الخواجة الطوسي رحمه الله جمع من الاعلام حتى لا نكاد نجد بيانا لمطالب التوحيد الا واعتمد منهج التجريد في البيان معتمدين دليل الامكان الذي تطور ليكون ( دليل الصديقين ) وليكون بحيث لايتم دليل الحدوث الا به كما ادعاه العلامة الحلي رحمه الله .
ومن الانصاف ان نقول ان في هذا الدور اعلام اجلاء لهم الدور الكبير في حفظ العقيدة الحقة والدفاع عنها لعل من اشهرهم المحقق الفاضل المقداد السيوري رحمه الله فله يد طولى في بيان المعارف الحقة لكن على نهج متكلمي هذا الدور , بل ان الخاجة الطوسي والعلامة الحلي لهم ايضا يد بيضاء في نشر التشيع والوقوف امام شبهات الفلاسفة المشهورة التي تمس الدين مباشرة كالقول بقدم العالم مثلا .
ص: 90
الدور الرابع : وهو الدور الذي بدأت فيه سيطرة الفلسفة على الساحة العقائدية والغت دور علم الكلام ولعل التبلور الواضح لهذا الدور يبدء على يد ملا صدرا واتباع مدرسته ، وهذا هو دور الضعف والخور لعلم الكلام(1) فيما يبدو لنا .
وفي هذا الدور انهار علم الكلام لتقف الفلسفة في ثوبها الصدرائي الدخيل بديلا عنه, مدخلة لافكار نأت عن العطاء الاسلامي الامامي جملة وتفصيلا.
ومن مشاكل هذه الفلسفة انها تفرض المشكلة لتصور ان هناك ( معضلة علمية ) لا تحل الا بالعطاء الفلسفي لهذه المدرسة , وربما بدت بيانات الحق وكأنها ساذجة امام التعقيد الذي تعرض به هذه المدرسة فكرها ولنمثل لابتعاد هذه المدرسة عن معالم الحق.
اولا: القول بان المعاد منحصر بالروحاني
قال الشيخ محمد تقي املي في درر الفوائد ج2 ص460:" ( اقول ) هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذه الطريقة ولكن الانصاف انه عين انحصار المعاد في الروحاني لكن بعبارة اخفى فانه بعد فرض كون شيئية الشئ بصورته وان صورة ذات النفس هو نفسه وان المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشئ لا يحشر وان المحشور هو النفس غاية الامر اما مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياما صدوريا مجردا عن المادةولوازمها الا المقدار كما في نفوس المتوسطين من اصحاب الشمال او اصحاب اليمين واما بدون ذلك ايضا كما في المقربين. (ولعمري) ان هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحية.
ص: 91
وانا اشهد الله وملائكته وانبياءه ورسله اني اعتقد في هذه الساعة وهي ساعة الثلاث من يوم الاحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368 في امر المعاد الجسماني بما نطق به القران الكريم واعتقد به محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة المعصومون صلوات الله عليهم اجمعين وعليه اطبقت الامة الاسلامية و لا انكر من قدرة الله شيئا.
ثانيا : دعوى ان الارادة من صفات الذات
قال السيد هاشم الحسيني الطهراني في ما علقه على كتاب التوحيد للشيخ الصدوق قدس سره ص328 في تعليقته على الحديث الصحيح عن ابي عبد الله (علیه السلام) قال : المشيئة محدثة, قال معقبا:" ومشيئة الله تعالى تارة تؤخذ باعتبار تعلقها بافعاله تعالى فهي عند الحكماء واكثر المتكلمين قديمة من صفات الذات وعند ائمتنا صلوات الله عليهم وبعض المتكلمين كالمفيد رحمه الله حادثة من صفات الفعل ..
ثالثا : انكار الخالقية
يقول ملا صدرا:" فما وضعناه أولا بحسب النظر الجليل من أن في الوجود علة ومعلولا أدى بنا أخيرا من جهة السلوك العلمي والنسك العقلي إلى أن المسمى بالعلة هو الأصل والمعلول شأن من شؤونه وطور من أطواره. ورجعت العلية والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره وتجليه بأنحاء ظهوراته"(1).
اشارةولكن لابد من الاشارة الى ان علم الكلام في جانب الدفاع عن العقيدة خصوصا الامامة استمر بنفس القوة لا تهزه الهزاهز وما كتاب العبقات والغدير والمراجعات ودلائل الصدق واحقاق الحق وملحقات الاحقاق , وانتهاءا الى في رحاب العقيدة الا فتوحا كلامية اعتمدت وضوح الحجة على الحق واقامة المحجة لسالك طريق الهداية وفي جانب الدفاع هذا يكمن الكثير من البيان الذي اعتمده الاعلام بيانا للحقيقة
ص: 92
وكذلك لم نعدم ابحاثا كلامية مختصره غرضها عرض الحق لطالبيه كمقدمات للكتب الفتوائية صارت في هذا العصر الاخير كتبا مستقلة كاصول العقيدة لآية الله السيد الحكيم (دام ظله) ومقدمة منهاج الصالحين لآية الله الوحيد الخراساني (دام ظله).
ومن هذا نعرف ان الجهد الكلامي مستمر بشقيه عرض العقيدة والدفاع عنها، لكن لم يلتزم المتكلمون بالكلام الذي تكون الفلسفة المشائية مقدمة له وهذا ما اعطى فرصة لمدرسة ملا صدرا لمصادرة جهود هؤلاء الاعلام المحققين ولا نؤيد ان الاعلام اخطأوا او قصروا بعدولهم عن ذلك المنهج ، كلا وحاشا ولكننا نقول لو تصدى الاعلام للبيان والاعلان عن المنهج المختار ومميزاته وعدم الضرورة لمنهج التجريد لكان اولى وادفع للاشكال ولعلهم لم يتصدوا لذلك لعدم الحاجة اليه من وجهة نظرهم ابان تأليف هاتيك المؤلفات الشامخة.
نماذج من هذه الادوار
الدليل على وجود الباري سبحانه في البيان الروائي وهو الدور الاول من ادوار علم الكلام عند الامامية: عن ابي عبد الله صلوات الله عليه من الاستدلال في وجود الباري ومغايرته سبحانه لخلقه:" قال له السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله (علیه السلام): هو الرب وهو المعبود وهو الله وليس قولي: الله إثبات هذه الحروف: ألف ولام وهاء، ولا راء، ولا باء ولكن ارجع إلى معنى وشئ خالق الأشياء وصانعها ونعت هذه الحروف وهو المعنى سمي به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه وهو المعبود عزوجل. قال له السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا ، قال أبو عبد الله(علیه السلام): لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا لأنا لم نكلف غير موهوم ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك به تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق، إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانية: التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار إليهم أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا وتنقلهم من صغر
ص: 93
إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها . قال له السائل : فقد حددته إذ أثبت وجوده ، قال أبو عبد الله (علیه السلام) : لم أحده ولكني أثبته إذا لم يكن بين النفي والإثبات منزلة" (1).
ولكننا نجد في استدلال شيخ الطائفة الطوسي قدس سره على التوحيد ما يبتعد في منهجه عن الدور الاول وان كان اصل الاستدلال واحدا اذ لا دليل الا الحدوث ولكنه عرضه باسلوب يتناغم مع الواقع العلمي انذاك حيث الانفتاح على العامة فنجده مثلا يناقش الاشعري وغيره لبيان الحق.
قال قدس سره:
" فصل (في ذكر بيان ما يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى)
لا يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى الا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين، وهو الاجسام والاعراض المخصوصة، كالالوان والطعوم والاراييح والقدرة والحياة والشهوة والنفار وما جرى مجرى ذلك. فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر كالحركات والسكنات والاعتمادات والاصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله تعالى. والكلام في حدوث الاجسام أظهر، لانها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في العلم بوجودها إلى الدليل بل انما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثمبيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله، ثم الكلام في صفته. ولنا في الكلام في حدوث الاجسام طريقان: أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة ، فيعلم حينئذ أنها محدثة، لانه لا واسطة بين القدم والحدوث. والطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أن حكمها حكمها في الحدوث"(2).
وقال:
ص: 94
"فصل (في اثبات صانع العالم وبيان صفاته) إذا ثبت حدوث الاجسام بما قدمنا، فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتاب لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان والنساجة لا بد لها من ناسج وغير ذلك من الصنائع. وانما وجب ذلك فيها لحدوثها ، فيجب أن تكون الاجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث. فان قيل: كيف تدعون العلم بذلك وههنا من يخالف في ذلك ويقول الكتابة لا تعلق لها بالكاتب ولا البناء بالباني ولا غير ذلك من الصنائع، وهو الاشعري وأصحابه، لان عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها وانما هي من فعل الله وحده. قلنا: الاشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بان ولا الكتابة إلى كاتب، وانما قال فاعلها هو الله تعالى دون العبد . ونحن لم ندع العلم بحاجة هذه الافعال إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة. ثم هل هو القديم أو الواحد منا؟ موقوف على الدليل، ودليله هو أنه يجب وقوع هذه الافعال بحسب دواعينا وأفعالنا ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا وكراهتنا ، فلو كانت متعلقة بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا لم لما تكن متعلقة بنا ، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا. فان قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [بالعادة دون أن يكون] واجبا. قلنا: ذلك فاسد من وجهين ... "(1).لكننا نجد وضوحا في هجر هذا المنهج في الدور الثالث حيث يصرح العلامة الحلي رحمه الله بان دليل الحدوث لا يتم بنفسه بل بدليل الامكان.
قال بعد ان شرح كلام الخواجة الطوسي ره " الموجود ان كان واجبا.. " وهو دليل الامكان: " والمتكلمون سلكوا طريقا اخر فقالوا: العالم حادث فلابد له من محدث , فلو كان محدثا تسلسل او دار, وان كان قديما ثبت المطلوب لان القدم يستلزم الوجوب , وهذه الطريقة انما تتمشى بالطريقة الاولى "(2).
ص: 95
اما الدور الرابع فقد صرح اعلامه بان الباري تعالى هو ( الوجود ) وهذا ما لم نجد له عينا ولا اثرا في المأثور عن الثقلين واستدلوا على دعواهم انطلاقا من اثبات اصالة الوجود.
قال السيد الطباطبائي في بدية الحكمة :" حقيقة الوجود - التي هي اصيلة لا اصيل دونها , وصرفة لا يخالطها غيرها لبطلان الغير فلا ثاني لها كما تقدم في المرحلة الاولى - واجبة الوجود " (1).
وقال في نهاية الحكمة: ان حقيقة الوجود التي هي عين الاعيان وحاق الواقع وحقيقة مرسلة يمتنع عليها العدم.. "(2).
وهذا القول ابتنى على القول باصالة الوجود التي تؤدي بالضرورة الى القول بوحدة الوجود لذا صرح ملا صدرا: "فكما وفقني الله تعالى بفضله ورحمته الاطلاع على الهلاك السرمدي والبطلان الازلي للماهيات الامكانية والاعيان الجوازية فكذلك هداني ربي بالبرهان النير العرشي الى صراط مستقيم من كون الموجود والوجودمنحصرا في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين , وليس غيره في دار الوجود ديار "(3).
ص: 96
العددالرابع
الأحاديث الصريحة الدالّة على حدوث ما سوى اللّه تعالى
أمّا الروايات الدالة على وقوع التفكيك بينه تعالى وبين ما سواه وأنّ جميع ما سوى اللّه حادث بمعنى انتهاء أزمنة وجودها في الأزل إلى حدّ وينقطع وأنّها كائنة بعد أن لم يكن بعديّة حقيقية لا بالذات فقط فمتواترة جدّاً كما لا تخفى على العارف بالأخبار.
ملحوظة:
لا يخفى على من راجع الأخبار والأحاديث أنّ الإرادة والمشية من صفات الفعل التي يصح سلبها عنه تعالى في الأزل،(1)ولا يلزم منه نقص ، لا من صفات الذاتالمعتبرة له في الأزل مثل العلم والقدرة فإن نفيها عنه تعالى يوجب النقص فيه للزوم الجهل والعجز.
ص: 97
وقد دلّت الروايات الكثيرة على أنّ فاعليته تعالى للأشياء إنّما هي بالإرادة والمشية لا بالذات،(1)وإلاّ يلزم أن يكون اللّه تعالى موجباً في فعله ؛ لأنّ تخلف ما بالذات عن الذات محال.
فاذا كانت الإرادة والمشية محدثة ، وجميع الأشياء موجودة بالإرادة والمشية فهي أولى بالحدوث، وهذا دليل مستقل في اثبات حدوث العالم بالمعنى الذي ذكرناه.* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن الحسين بن الخالد ، قال : سمعت الرضا عليّ بن موسى عليهماالسلام يقول :« لم يزل اللّه تبارك وتعالى عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً . . »
فقلت له: يا ابن رسول اللّه ! إنّ قوماً يقولون : إنه عزّوجلّ لم يزل عالماً بعلم . . وقادراً بقدرة .. وحيّاً بحياةٍ .. وقديماً بقدمٍ.. وسميعاً بسمعٍ. . وبصيراً ببصر. . ! !
فقال عليه السلام :
«من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه آلهةً أُخرى وليس من ولايتنا على شيء».
ص: 98
ثم قال عليه السلام :« لم يزل اللّه عليما قادرا حيّا قديماً سميعاً بصيراً لذاته. . تعالى عمّا يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً . . »(1).
* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، أنه كان يقول:
«. . . الحمد للّه الذي كان إذ لم يكن شيء غيره وكوّن الأشياء فكانت كما كوّنها، وعلم ما كان وما هو كائن »(2) .
* وقال أمير المؤمنين عليه السلام :« . . المعروف من غير رؤية ، والخالق من غير رويّة ، الذي لم يزل قائماً دائماً، إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج ،ولا ليل داجٍ، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج ، ولا فجّ ذو إعوجاج ، ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد ، ذلك مبتدع الخلق ووارثه وإله الخلق ورازقه »(3).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : أبدعت الشيء وابتدعته..: أي استخرجته وأحدثته، و « الابتداع » الخلق على غير مثال، و « وارثه » أي الباقي بعد فنائهم ، والمالك لما ملكوا ظاهراً ، ولا يخفى صراحته في حدوث العالم(4) .
* سأل حمران أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه تبارك وتعالى : « بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالارضِ »
ص: 99
قال عليه السلام : « إنّ اللّه ابتدع الأشياء كلّها على غير مثال كان ، وابتدع السماوات والأرض ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون ، أما تسمع لقوله تعالى :« كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ »(1)؟ ! »
* روى الكليني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :« الحمد للّه الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه ، لأنه كلّ يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن . . . أتقن ما أراد خلقه من الأشباح كلّها لا بمثال سبق إليه ، ولا لغوب دخل عليه في خلقما خلق لديه ، ابتدأ ما أراد ابتداءه ، وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين ليعرفوا بذلك ربوبيته . . »(2).
*وفي خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماوات والأرض وخلق آدم عليه السلام :« الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون . . . أنشأ الخلق انشاءا ، وابتدأه ابتداءا بلا روية أجالها . . . عالماً بها قبل ابتدائها . . »(3).
* عن الحسن بن علي عليهماالسلام :« الحمد للّه الذي لم يكن له أوّل معلوم ولا آخر متناه . . . خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً ، ابتدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ ، وفعل ما أراد وأراد ما استزاد ، ذلكم اللّه ربّ العالمين »(4).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله الابتداع . . : إيجاد بلا مادّة أو بلا مثال.
ص: 100
* وجاء في دعاء يوم عرفة لمولانا زين العابدين علي بن الحسين عليهماالسلام:
« . . أنت اللّه لا إله إلاّ أنت ، أنشأتَ الأشياء من غير سنخ ، وصوّرتها ما صوّرت من غير مثال ، وابتدأت المتبدعات بلا احتذاء . . . أنت الذي ابتدأ واخترع واستحدث وابتدأ وأحسن صنع ما صنع ، سبحانك من لطيف ما ألطفك . . »(1).* وفي دعاء آخر ليوم عرفة :« . . ولك الحمد قبل أن تخلق شيئاً من خلقك وعلى بدء ما خلقت إلى انقضاء خلقك »(2).
* روى الكليني رحمه الله - بسنده - عن محمّد بن زيد ، قال : جئت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن التوحيد فأملى عليّ :« الحمد للّه فاطر الأشياء إنشاءا ، ومبتدعها ابتداعاً بقدرته وحكمته ، لا من شيء فيبطل الاختراع ، ولا لعلّة فلا يصحّ الابتداع ، خلق ما شاء كيف شاء ، متوحّداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيّته . . »(3).
* عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :« الحمد للّه الملهم عباده الحمد ، وفاطرهم على معرفة ربوبيّته ، الدالّ على وجوده بخلقه وبحدوث خلقه على أزليته . . . خالق إذ لا مخلوق ، وربّ إذ لا مربوب ، وإله إذ لا مألوه ، وكذلك يوصف ربّنا ، وهو فوق ما يصفه الواصفون »(4).
ص: 101
* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن محمّد بن أبي عمير، قال: دخلت على سيدي موسى بن جعفر عليهماالسلام فقلت له: يابن رسول اللّه! علّمني التوحيد.
فقال:« . . وهو الأوّل الذي لا شيء قبله ، والآخر الذي لا شيء بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث ، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيرا »(1)الاِ سفار عن نصوص الاَسفار
العددالاول
> لقد بحث سماحة الشيخ الوکيل الروايات التي نقلها ملا صدرا في الاسفار بحثا مفصلا ورجاليا الا اننا حذفنا تفصيلات المباحث الرجالية- المجلة<
بحث في الايات والروايات التي استشهد بها ملا صدرا في كتابه الاسفاراو المحشون عليه.
ص: 102
القسم الاول في مرويات الاسفار
تدعي فلسفة ملا صدرا واللاهثون ورائها ان من مميزاتها الجمع بين البرهان والعرفان والقران يعنون به النص الديني , ومن هنا حاولنا هنا ان نستعرض الاخبار التي استدل بها في الاسفار فوجدناها كما ترى في هذه المتابعة التي بحثنا فيها عن تخريج الروايات التي استشهد بها ملا صدرا في اسفاره او استشهد بها المحشون عليه في الطبعة المتداولة من الاسفار , لنعرف قيمتها وامكان الاعتماد عليها في ما هو المهم من تاسيس الفكر العقلي الذي قامت الفلسفة الصدرائية بموجبه بمصادرة الكثير الطيب من اخبار الائمة الاطهار(علیه السلام)والالتفاف على التراث المعصومي بحبالة التأويل لمخالفته للعقل كما يدّعون !! وسنعتمد الفهرس المرفق مع الطبعة الجديدة من الاسفار .
ولابد من ذكر امور :
الاول : نهى الائمة الاطهار ( صلوات الله عليهم ) عن الاخذ عن غيرهم في اخبار كثيرة منها :
1- "عن أمير المؤمنين ( (علیه السلام) ) في وصيته لكميل ابن زياد قال ، يا كميل ! لا غزو إلا مع إمام عادل ، ولا نفل إلا من إمام فاضل ، يا كميل ! هي نبوة ورسالة وامامة ، وليس بعد ذلك إلا موالين متبعين ، أو مبتدعين ، إنما يتقبل الله من المتقين ، يا كميل ! لا تأخذ إلا عنا تكن منا . الحديث"(1) .
2- "عن فضيل بن يسار قال سمعت ابا جعفر (علیه السلام) يقول كلما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل"(2) .
3- "عن أبي حمزة الثمالي قال : قال لي أبو عبد الله ( (علیه السلام) ) : إياك والرئاسة وإياك أن تطأ أعقاب الرجال ، قال : قلت : جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب
ص: 103
الرجال
فقال لي : ليس حيث تذهب ، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة ، فتصدقه في كل ما قال"(1) .
4- "عن يونس بن عبد الرحمن ، قال : قلت لأبي الحسن الأول (علیه السلام) : بما أوحد الله؟ فقال : يا يونس لا تكونن مبتدعا ، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر"(2) .
5- "عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما إنك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل"(3) .
و لا تخصص الاخبار بالنهي عن الاخذ عن غيرهم في الفروع فان لسان بعضها آبٍ عن ذلك كما في خبر يونس المتقدم برقم 4 .
الثاني : لا ريب ان بيانات الحجج المعصومين ( صلوات الله عليهم ) مما لا ينبغي الشك او الاشكال في صحتها بل ينبغي الانتهال منها واخذ المعارف صافية واضحة , ولكن هل ان الاخبار الواصلة الينا في كتب الحديث هي بياناتهم ( صلوات الله عليهم ) ام نالتها يد الوضع والتحريف ولا اقل من الخطأ او السهو في النقل , فما المؤمّن من اتباع اخطاء الرواة ووضع الوضاعين لمجرد وجودها في كتب الاصحاب ؟
والجواب
اولا : ان جملة وافرة من المعارف الاساسية وصلت الينا بروايات متعددة تعطي التواتر المعنوي وهو يفيد العلم حتى على مسلك المتشددين في قبول الاخبار .
ص: 104
ثانيا : ان الكثير منها ارشاد الى الاستدلال العقلي فيقبله العقل بمجرد الاطلاع عليه فلا يضر ضعف الطريق .
الثالث : قمنا بتخريج النصوص من المصادر واستعرضنا ايضا الاسانيد في الاخبار الواردة من طرق الاصحاب وحاولنا التوصل الى تصحيحها علىطريقة مشهور المتاخرين لكن في الاجزاء الثلاثة الاخيرة تركنا ذلك , فما فعلناه تمثيلا لمن يعتمد الاخبار الصحيحة ليجد انها نزرة يسيرة , وما تركناه فلئلا يكبر حجم الكتاب دون فائدة بعدما عرفت ان مشهور الشيعة على عدم الاعتناء باخبار الاحاد في العقائد .
الرابع : استعرضنا استدلال الملا واقطاب مدرسته ببعض الاخبار من طرقنا لايضاح انهم لا تقوم لهم حجة بها كما سيتضح ولتكون انموذجا لمن رام المزيد من المتابعة التي نتمنى التوفيق لاتمامها في المستقبل ان كنا من اهله .
الاحاديث التي ذكرها في الجزء الاول
الحديث الاول : الفقر سواد الوجه في الدارين(1) .
الحديث مرسل في عوالي اللئالي ج1 ص40وهو من روايات العامة على ما ذكره المجلسي ره في البحار ج 69 ص 30 . ومن العامة الفتني ذكره في تذكرة الموضوعات وحكم عليه بالوضع في ص 179 وكذا في كشف الخفاء للعجلوني ج2 ص 87 .
الحديث الثاني : استتر بشعاع نوره عن نواظر خلقه(2) .
لم اعثر عليه في أي من مصادر الحديث المتاحة(3) .
ص: 105
الحديث الثالث : انا بدك اللازم .
عامي موضوع حكم بوضعه الفتني في تذكرة الموضوعات ص 201والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج2 ص 244 وابن الجوزي فيالموضوعات ج 3 ص 136 وسبط ابن العجمي في الكشف الحثيث ص 49 وابن حجر في لسان الميزان ج1 ص 213.
الحديث الرابع : ان لله سبعين الف حجاب من نور وسبعين الف حجاب من ظلمة(1) .
صرح بانه عامي المازندراني في شرح اصول الكافي ج3 ص205 والمجلسي في البحار ج 55 ص 45 وارسله في عوالي اللئالي ج4 ص 106 والمعجم الكبير للطبراني ج 6 ص148 .
الحديث الخامس : ان امرنا صعب مستصعب لا يحتمله الا نبي مرسل او ملك مقرب(2) .
الحديث في بصائر الدرجات و قد عقد له الصفار رحمه الله بابين احدهما بعنوان ( في ائمة ال محمد عليهم السلام حديثهم صعب مستصعب ) والاخر بعنوان (في ائمة ال محمد عليهم السلام امرهم صعب مستصعب ) , وفي الكافي عقد له بابا بالعنوان الاول في ج 1 ص 401 , والخصال ص 624 ومعاني الاخبار ص 407 وغيرها . وهذا يغني عن البحث السندي في الخبر الشريف ...
الحديث السادس : تخلقوا باخلاق الله(3) .
لم نجده في مصادر الحديث والظاهر انه عامي ضعيف لا اصل له .
ص: 106
الحديث السابع : توحيده تمييزه عن خلقه وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة(1) .مرسل في الاحتجاج ج1 ص299 وعنه البحار ج 4 ص 253 . واخبار الاحتجاج مراسيل عدا اخباره عن الامام العسكري ( صلوات الله عليه ) ولا سبيل الى توثيقها على طريقة المتاخرين , نعم على القول بصحة الاخبار التي شهد لها المصنفون القدامى بالصحة فهو صحيح لما ذكره الطبرسي في اول الاحتجاج .
الحديث الثامن : داخل في الاشياء لا بالممازجة , خارج عن الاشياء لا بالمزايلة(2) .
لم يرد بهذا اللفظ في المصادر المتاحة .
الحديث التاسع : رحم الله امرأ اعد لنفسه واستعد لرمسه , وعلم من اين وفي اين والى اين(3).
لم نجده في المصادر المتاحة .
الحديث العاشر : صور عارية من المواد ، عالية عن القوة والاستعداد ، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت , ألقى في هويتها مثاله , وأظهر عنها أفعاله (4) .
مرسل انظر البحار ج 40ص 165 .ومناقب ابن شهراشوب ج1 ص327 .
الحديث الحادي عشر : غائب غير مفقود حاضر غير محدود (5).
لم نجده في المصادر المتاحة(6) .
ص: 107
الحديث الثاني عشر : قلعت باب خيبر بقوة ربانية لا بقوة جسدانية (1).مرسل انظر البحار ج 55 ص 47 .
الحديث الثالث عشر : كان الله ولم يكن معه شئ(2) .
مرسل في الفصول المهمة ج1ص154 وقريب منه في صحيح البخاري ج4 ص 73 وج 8 ص175 وغيره من كتب العامة , وورد مثل معناه في كتبنا ايضا.
وينبغي التنبيه ان هناك اضافة لم ترد في النصوص لامن طرقنا ولا من طرق العامة وهي: >وهو الان كما كان< بل هي زيادة من الجنيد الصوفي كما ذكره الشعراني في حاشيته على شرح اصول الكافي للمازندراني ج3 ص 123, بل صرح ملا صدرا ان هذه الزيادة من الجنيد فراجع الاسفار ج2 ص 286 .
الحديث الرابع عشر : كمال الاخلاص نفي الصفات عنه(3) .
نهج البلاغة ج1 ص15 (كمال الاخلاص له نفي الصفات له) وبلفظ اخر في الكافي ج1 ص140 ( وكمال توحيده نفي الصفات عنه ) لكنه في الكافي مروي عن الامام الكاظم ( صلوات الله عليه ) وبالفاظ اخرى مقاربة في مصادر مختلفة .
وهو كما ترى مرسل في النهج وضعيف في الكافي , نعم على القول بصحة جميع ما في الكافي فهو صحيح .
الحديث الخامس عشر: لو دليتم بالارض السفلى لهبطتم على الله تعالى(4) .
مروي بالفاظ مقاربة, عامي ضعيف انظر مجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص86 وميزان الاعتدال ج4 ص510 وغيرها .
ص: 108
الحديث السادس عشر : ليس في الاشياء بوالج , ولا عنها بخارج (1).نهج البلاغة ج2 ص122 والاحتجاج ج1 ص302 .
الحديث السابع عشر: ما رايت شيئا الا ورايت الله قبله(2) .
لم اجده في المصادر المتاحة.
الحديث الثامن عشر: معرفتي بالنورانية معرفة الله (3)
مرسل رواه في البحار عن كتاب عتيق مجهول راجع ج26 ص 1 و2 .
الحديث التاسع عشر: مع كل شئ لا بمقارنة , وغير كل شئ لا بمزايلة(4) .
مرسل في نهج البلاغة ج ا ص 16 والاحتجاج ج1 ص297 . وقد تقدم الكلام في الاحتجاج فراجع .
الحديث العشرون : من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي الشر كله(5) .
مرسل انظر كنز الفوائد للكراجكي ص184 وشرح مئة كلمة لابن ميثم ص 147 والجامع الصغير للسيوطي ج2 ص 653 .
فليس في هذه الاخبار ما يمكن الاعتماد عليه الا خمسة احاديث هي الخامس والسابع والرابع عشر والسادس عشر , والتاسع عشر ولم يصح منها على طريقة المتاخرين الا الخامس . على ان في بعضها تخليطا في نقل المتن كما في الحديث الرابع عشر .
اما الباقي فهي بين عامي موضوع او مرسل .
ص: 109
العدد الرابع
استدلال القائلين بالفطرة علی حديث رکوب السفينة عن الصادق(علیه السلام)
ص: 110
و منها: ما في >تفسير الامام (علیه السلام)< و >الاحتجاج< من استدلال الصادق(علیه السلام) برکوب السفينة و حيث ان هذا الحديث اظهر الکل في بادي النظر و اعمدها عند مدعي الفطرة تعرضت في النظم لذکره بالخصوص فقلت:
و ما عن الصادق علیه السلام :>هل رکبت قط***سفينة؟< فالمستدل قد خلط
إذ ليس فيه ذکر فطرة و لا***بها الامام العسکري عللا
و لا عن انکار سئوال السائل***بل حار فيه فاشتهی ان ينجلی
و ما عن الصادق(علیه السلام):>هل رکبت قط سفينة؟< فالمستدل قد خلط في فهم المراد فاستدل بما لا دلالة فيه علی ما اراد و الحديث هذا:
>قال الامام العسکري(علیه السلام) في تفسير >بسم الله الرحمن الرحيم<: اي استعين علی اموري کلها بالله الذي لا تحق العبادة الا له المغيث اذ استغيث و المجيب اذ دعي و هو ما قال رجل للصادق(علیه السلام): يابن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دلني علی الله ما هو؟ فقد اکثر علي المجادلون و حيروني . فقال (علیه السلام): يا عبد الله ! هل رکبت سفينة قط؟ قال نعم قال (علیه السلام): فهل کسر بک حيث لا سفينة تنجيک و لا سباحة تغنيک؟ قال : نعم قال: فهل تعلق قلبک هنالک ان شيئاً من الاشياء قادر علی ان يخلصک من ورطتک؟ قال: نعم قال الصادق(علیه السلام) : فذلک الشيء هو الله القادر علی الانجاء حيث لا منجی و علی الاغاثة حيث لا مغيث.<(1)
بيان خلط المستدل بهذه الروايةو اما بيان خلط المستدل: فهو ان الحديث بنفسه غير صريح في الفطرة و استظهارها منه استنباطي محض و مقدماته کلها و همية فرضية إذ ليس فيه و في کلام الصادق(علیه السلام) ذکر فطرة صريحاً ولا بها الامام العسکري(علیه السلام) استند
ص: 111
في کلامه و عللا کلامه بکلام الصادق(علیه السلام) حتی يستفاد منه الفطرة بقرينة التعليل و الاستشهاد بل هو (علیه السلام) انما فسر معنی >الله<: >بانه المغيث إذ استغيث حيث لا مغيث و المجيب اذ دعي حيث لا مجيب< ثم استشهد له بقوله الصادق(علیه السلام) : >في انه المغيث حين لا مغيث < فليس هو (علیه السلام) في مقام الفطرة و لا عن انکار للصانع وقع سئوال السائل حتی يکون انکاره قرينة علی ان الصادق(علیه السلام) کان بصدد اثباته له بالفطرة بل الظاهر من قوله: >فقد اکثر علي المجادلون و حيروني< انه کان من المقرين و انه حار فيه بسبب اختلاف المختلفين فيه من انه جسم او صورة او غير ذلک؛ فاشتهی ان ينجلی عليه ذاته؛ فقال: >دلني علی الله< فانه انما يقال: دلني علی فلان بعد المعرفة به و الجهل بمکانه او باحواله لا في مقام انکار شيء و طلب الدليل علی اثباته؛ الا تری الزنادقة کانوا يقولون: ما الدليل علی اثبات الصانع؟
اراد ان يعرف ما هويته***جسم وصورة؟ و ما کيفيته؟
اجابه بما به قد التجی***مع فقد ما به النجاة يرتجی
باي شيء کان قد تعلقا***قلبک اذ خفت عليک الغرقا
فهل هناک کان في الخيال***من جسم او صورة او مثال؟
فهو الذي تعلق القلب به***بلا تکيف و لا تشبه
و لو بنی الخصم علی المنازعة***فانها قضية في واقعة
فلا عموم بل و لا محال***ان کان الهام او استدلال
فالسائل انما سأل عن الذات لا عن الاثبات اراد ان يعرف ما هويته تعالی او جسم و صورة؟ ام لا؟ و انه ما کيفيته؟ فعند ذلک اجابه(علیه السلام) بما ابتلی به من رکوب السفينة و وقوعه في الاضطرار الملجئ له الی الالتجاء به تعالی ، و انه تعالی ، هو الذي قد التجی به مع فقد کل ما به النجاة يرتجی ؛ فکانه(علیه السلام) قال: باي شيء کان قد تعلقا قلبک إذ خفت عليک الغرقا؟ فهل هناک کان في
ص: 112
الخيال ، من جسم او صورة او مثال؟ فهو الذي تعلق القلب به بلا تکيف و تشبه.
و لو بنی الخصم علی المنازعة، و اصر علی ان السائل کان من المنکرين و ان الجواب من الامام(علیه السلام) جواب استدلالي و لايتم الاستدلال الا بالفطرة لقلنا جواباً عنه: فانها قضية في واقعة خاصة و اتفاق خاص وقع لهذا الشخص بالخصوص و قد علم الامام (علیه السلام) به فاستدل له بمقتضی حاله فلا عموم فيها بنص لفظي تدل علی ان کل منکر يتفق له عند الاضطرار هذا الاتفاق بل و لا محال ان کان قد اتفق لهذا الرجل ايضاً الهام خاص من الله فانه تعالی مقلب القلوب فوجه قلبه اليه عناية به او کان منه استدلال بعجزه في تلک الحال الی القادر المتعال و قد علم به الامام(علیه السلام) فنبهه علی تلک الحال و استدل له به اذ لا صراحة في نص الخبر علی ان ظهور الحق عليه کان بسبب بدو الفطرة عن غطائها و ظهورها بعد خفائها(1).هذا تمام الکلام في الفطرة و شواهدها. و قد تحصل: ان هذه الدعوی غير تامة لا في نفسها لانها دعوی علی ما لم يکن من دون شاهد له لا من الوجدان و لا من العيان و لا في شواهد ها لورودها لغير هذا الشان.
ص: 113
بل التحقيق: ان هذه الدعوی يکذبها ما هو المعلوم المعهود بل المشهود من فطرة ارباب العقائد المختلفة و سيرتهم فانا نری ان کل صاحب عقيدة انما يتوجه عند الجائه و اضطراره الی ما يعتقده فيتوسل به او اليه و لا يرجع احد منهم الی الحق فکيف تصدق الفطرة في خصوص المنکر الجاهل من غير عيان و لا شاهد؟ بل مقتضی وحدة الطبائع انه لا يرجع الی شيء لانه موقن بعدم قاهر غير عادي بعد انقطاع الاسباب. اللهم الا ان يشاء الله شيئاً وسع ربي کل شيء علماً نعم يرجع الی الله و الی الحق کل اهل باطل عند ظهور آثار الموت و معاينة العذاب کما دلت عليه السنة والکتاب لکنه من جهة المعاينة لا الفطرة و اين هذا من تلک؟
فتبصر کي لا يشبهون عليک الامر کما انهم کثيراً ما يدلسون او يشبهون هذه الفطرة بالفطرة العقلية و الفطرة الاستدلالية فان الانسان مفطور علی التحقيق و مجبول علی الاستدلال حتی ان ذلک مودع في الاطفال و لکن اين هذه ايضاً من تلک فلا يغرنک ما يأتون به من الامثال فإن کلها من امثله من امثله فطرة الاستدلال لا فطرة الانتقال عندشدة الحال.
بيان انحصار طريق ب->برهان الاثر <
و ارجاع المسالک کلها اليه و تقرير مسلکي المتکلمينو الحکماء في الاستدلال واعراض اهل البيت (علیهم السلام) عن مسلک الحکماء
و العقل عم في الطريق و انحصر***طريقه العام ببرهان الاثر
و کل مسلک هنا مختار***يؤول تحقيقاً الی الاثار
و کالحدوث نسبة الامکان***تلازما و ذان انيان
و المسلک الاول للکلامي***و الثاني للحکيم ذو اهتمام
و هو لديه اشرف الطريق***يزعمه طريقة الصديق
يبدء بالتقسيم للوجود***فيثبت الواجب في الموجود
ص: 114
و العقل عم في الطريق و لا يخص بوقت خاص ؛ و شخص خاص کالکشف و الفطرة علی فرض تماميتهما و انحصر طريقه العام ببرهان الاثر و يسمی ب->برهان الان< و هو ان يستدل من الاثر الی المؤثر و من المعلول الی العلة، و طريق العقل عندنا منحصر بهذا الوجه.
تقرير مسلک المتکلمين و الحکماء و ترجيح الاول
و کل مسلک هنا مختار لقوم يسلکونه في الاستدلال و ان کانوا يسمونه باسم خاص، فهو يؤول تحقيقاً اي عند التحقيق الی الاثار و کالحدوث نسبة الامکان اي نسبتهما نسبة واحدة و کلاهما من برهان الاثر اذ کل شيء او کل وصف يستدل به علی وجود الصانع تعالی فهو اثر من آثاره فليس غير برهان الاثر شيء.
فتسمية الحکماء طريقة المتکلمين خاصة ببرهان الاثر دون طريقهم خطاء؛ کما قلت فهما سيان شأناً و رتبةً و قد تلازما ايضاً فکل حادث ممکن و کل ممکن حادث و مع التلازم فهما في رتبة واحدة. فکل شأن کان لاحدهما کان للآخر فان کان الاستدلال بالحدوث يعد من برهان الاثر کان الاستدلال بالامکان ايضاً کذلک فان الامکان اثر للواجب کما ان الحدوث اثر للقديم فهما في الحکم سيان.و ذان انيان يعني کليهما من برهان الان و المسلک الاول للکلامي فانه يستدل بحدوث الاشياء علی وجود القديم و الثاني للحکيم فانه يستدل بامکان الاشياء علی وجود الواجب. و هذا الثاني ذو اهتمام و مزية عنده يتبختر به و يغلو فيه غلواً فاحشاً کما قلت:
ادعاء الحکيم باشرفية طريقه من بين الطرق
و هو لديه اشرف الطريق يزعمه الصديق حيث يقول:" ان هذا النحو من الاستدلال طريقة الصدقين يبدء اولاً: بالتقسيم للوجود فيقسمه الی >الواجب< و >الممکن< فيثبت بذلک وجود الواجب في الموجود من الاشياء کما سنقرره.
تقرير مذهب اهل البيت (علیهم السلام) في برهان الان
لکن طريق الله في القرآن***ليس علی الوجوب و الامکان
ص: 115
و لا لاهل البيت کالخليل***فيما سوی الاثار من دليل
اليس هؤلاء صديقينا***اهم غدوا به مصدقينا؟
لا ذا و لا ذاک بل الحکيم***علی شموخ فنه مقيم
و ان بنی دعواه الاشرفية***علی مزية فما المزية
و قد ابطلت اولاً غلوه و دعوی اشرفيته و کونه طريقة الصديقين، فقلت:
لکن >طريق الله< في القرآن ليس علی >الوجوب< و >الامکان< و لا لاهل البيت؛ کالخليل ايضاً و غيره من الانبياء(علیه السلام) فانه ليس لهم فيما سوی الاثار من دليل فانا کلما رأينا منهم من البرهان إنما هو الاستدلال بالاثار دون الوجوب و الامکان ؛ اليس هؤلاء صديقينا؟ حيث لم يسلکوا هذا الطريق في احتجاجهم ام هم يعني انفسهم خاصة غدوا به مصدقينا ؟ فکان هذا طريقاً لانفسهم يعتقدون به الله عزوجل و ذاک طريقاً لهم للاثبات علی غيرهم لئلا يخرجوا عن الصديقين لا ذا ولا ذاک جل شأنهم ان لا يکونوا من الصديقين او يکونوا بالوجوب و الامکان مصدقينبل الحکيم شأنه الغلو في نفسه و في مذهبه و هو علی شموخ فنه مقيم ان هو الا کبر في صدورهم ما هم ببالغيه فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
و ان بنی الحکيم دعواه الاشرفية علی مزية يدعيها في طريقته فما تلک المزية المتوهمة؟ غير انهم يدعون ان طريقهم الاستدلال من العلة الی المعلول و هو اشرف من الاستدلال بالمعلول علی العلة لتقدم العلة و سبقها علی المعلول و فاعليتها له و لذلک يناسب تسمية الموقن المصدق بهذا التصديق بالصديق.
فساد دعوی الحکماء في تقسيم الوجود الی >الواجب< و >الممکن<
و لکن هذه الدعوی فاسدة اذ ليس طريقهم الا تقسيم الوجود الی >الواجب< و >الممکن< ثم الاستدلال بالممکن علی الواجب فاي شيء منه علة و اي شيء معلول؟ فان اريد ان المأخوذ في هذا الدليل و هو الامکان علة بالنسبة الی المأخوذ في ذلک الطريق و هو الحدوث ففيه ان الحدوث و الامکان کما قلنا وصفان متلازمان متقارنان
ص: 116
في عروضهما علی الشيء لا يکون احدهما علة للآخر بل کلاهما معلولان في الوجود لشيء ثالث.
نعم الامکان اعم من الحدوث لصدق الممکن علی ما لم يکن دون الحادث لکنه باعتبار الامکان الذاتي و انه يمکن ان يوجد.
فلا الوجود علة الحدوث***ولا لذات الصانع المبحوث
و لا لتقسيم الوجود اولاً***مزية لا ينبغي ان تهملا
مع انه المراد للکلامي***اغنی وضوحه عن الاعلام
اذ الحدوث عارض الموجود***کغيره فکان کالمعهود
و علی کل حال فالامکان ليس علة لحدوث الحادث و ان اريد بالعلة ،الوجود فلا الوجود علة الحدوث ان اريد العلية بالاضافه اليه و لا لذات الصانع المبحوث عنه الذي هو المدلول و المستدل عليه و لا تخلو عليته عن احد الامرين و لا لتقسيم الوجود اولاً مزية مهمة توجب شرافة الطريق بحيث لا ينبغي ان تهملا و ان اهمالهيضر بالاستدلال مع انه المراد للکلامي ايضاً فانه ايضاً ينظر الی تقسيم الوجود او الموجود الی الحادث و القديم و لکنه لم يصرح به ايکالاً الی وضوحه و قد اغنی وضوحه عن الاعلام به اذ الحدوث عارض الموجود او الوجود کغيره اعني الامکان و المأخوذ في الدليل و المستدل به هو الموجود الحادث کالموجود الممکن لا الحدوث بما هو حدوث فکان امر هذا التقسيم کالمعهود.
فالمتکلم استغنی بوضوح التقسيم عن التصريح به و ربما صرح به بعض ايضاً . و الحکيم اراد تبعيد المسافة کما ان بعضهم بعد المسافة ازيد من ذلک فقسم المتصور في الذهن ، اولاً: الی ما يجب وجوده في الخارج و ما يمتنع وجوده و ما ليس بواجب و لا ممتنع او بعبارة اخری: الی ما يمتنع وجوده و ما لا يمتنع ثم الذي لا يمتنع وجوده فاما ان يجب وجوده او لا يجب و بوجه آخر: ما لايمتنع وجوده اما ان يکون موجوداً او ليس بموجود لا کلام فيما ليس بموجود کما لا کلام في الممتنع و ما کان موجوداً اما ان يجب وجوده او لا و هو الممکن.
ص: 117
و هذه التقسيمات کلها مقدمات استطرادية لا دخل في اصل الدليل و البرهان و انما يتوقف البرهان علی الحادث الموجود المستلزم للقديم او الممکن الموجود المستلزم لواجب الوجود.
ابو جعفر الکاظمي
(وَإِذْ قَالَ رَ بُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْ ضِ خَلِيفَةًقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
ص: 118
الانسان الاول في الارض
ولما ذکر خلق السماوات والارض ودلالتهما علی وجود خالقهما العليم بکل شئ المدبر لکل مخلوق ذکر خلق الانسان فبدأ بالانسان الاول فقال: (وَإِذْ قَالَ رَ بُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْ ضِ خَلِيفَةً)يخلف من کان فيها من المخلوقين ويقوم علی عمارتها والاستفادة منها وهو الانسان ،وکان الله قد اعلمهم بأن هذا الخلق مفسد شفاک الدماء ولذلک(قَالُوا)علی سبيل التعجب(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ)اي حامدين لک، او متلبسين بحمدک.( وَنُقَدِّسُ)علی سبيل العموم والتقديس(لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)من الصالح والفاسد، وبين لهم ان مفسدة الافساد وسفک الدماء فی الارض متدارکة بمصلحة علم هذا الانسان بمخلوقات الله تعالی،فجعل مصلحة العلم اکبر من کل شئ يتدارک بها کل مفسدة وان جلت (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)والمراد من الاسماء:المسميات ونفس الاشياء ومافيها من مصالح ومفاسد ومنافع ومضار، وشاع اطلاق الاسم وارادة المسمی کما قال: تبارک اسم ربک ذي الجلال والاکرام > في سورة الرحمن< هو الرب الذی بيده الملک وکما قال: >سبح اسم ربک الاعلی <فالتسبيح انما هو للمسمی لا للاسم، وکما قال:بسم الله الرحمن الرحيم ،اذا قدرنا استعين بسم الله لأن الاستعانة بالله لا بالاسم،وتسبيح الاسم والاستعانةبه شرک،و انما عبر بالاسم بدل المسمی تعظيماً للمسمی ، و يدل علی ان المراد بالاسماء هي المسميات قوله بعدذلک : (ثُمَّ عَرَ ضَهُمْ ) بضمير الجمع للعقلاء ، و لو کان المراد بالاسماء لقال ثم عرضها(عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ-ٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) و لما عرضهم طلب منهم ان يبينوا تلک المسميات ، و ليس المراد طلب الانباء بالاسماء لان ذلک لغة ، و اللغة من طبائع المخلوق الذي اقدره الله عليها بطبعه، و ليست بتعليم افرادي ، اي ان الله لا يعلم مفردات اللغة للانسان او لغيره. فعجز الملائکة عن معرفة تلک المخلوقات و منافعها و
ص: 119
مضارها، و لذلک (قَالُوا سُبْحَانَكَ ) تنزيهاً لک ان نعترض علی حکمک و تدبيرک ، و لسنا نعلم لانه (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ) و لم تعلمنا ذلک (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ ) و العلم مختص بک لذاتک و لغيرک سواء کان ملکاً او نبياً إلا الا بتعليم منک، و انت (الْحَكِيمُ ) لم تفعل عبثاً ، فلا اعتراض علی حکمک و فعلک ، و لما ظهر عجزهم و اقروا به (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ) أي بمنافع و مضارو مصالح تستهلک امامها کل مفسدة فقال تعالی: (فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) و انتم لا تعلمون إلا ما علمتکم ، و ليس للجاهل ان يعترض علی العالم ، فتمت حجة الله تعالی علی الملائکة.
النبوة و الامامةو من هذه الاية يستفاد انه لا بد ان يکون في کل زمان عالم کآدم (علیه السلام) يعلم الاشياء کلها بتعليم من الله تعالی اما نبي او امام بعد ختم النبوة لوجود الفساد في کل زمان و لا بد من وجود مصلحة العلم قباله و الا لقامت الحجة للملائکة علی الله تعالی وهذا مثبت لمذهب الشيعة من وجود الائمة الاثني عشر ، و الامام المنتظر و ان طالت غيبته قال الله تعالی: و ما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره الا في کتاب >سورة فاطر<. وطول الغيبة مع قوله تعالی في سورة العنکبوت:> ولقد ارسلنا نوحا الی قومه فلبث فيهم الف سنة إلا خمسين عاماً ثم اخذهم الطوفان و هم ظالمون <لاغرابة فيه و لا بعد لمن آمن بقدرة الله و قضائه و قدره.
غفلة بعض المفسرين
و قد حاول کثيرهم ان يجعلوا للفظ آدم اشتقاقا من اللغة العربية فقالوا: انه مأخوذ من اديم الارض او من الادمة و هو باطل الارض او وجهها کما انهم
ص: 120
قالوا: ان اسم زوج آدم حواء و انه مأخوذ من الحياة کان اللفظ عربي و العربية لغة آدم و قدر بعضهم للفظ اذ فعلاً محذوفاً . فقالوا : اذکر يامحمد اذ قال ربک و هذا من التجاوز علی اللغة العربية و عدم الوقوف علی مغازيها؛ و مباني القرآن الکريم ، فان إذ للزمان فلا يحتاج الی تقدير فعل مع وجود قالوا ... و هکذا لاحاجة الی تقدير محذوف في کل مقام ورد فيه ذکر إذ مثل قوله تعالی: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا)
غفلة بعض المفسرين و الفقهاء
و قد اول بعض المفسرين و الفقها هذه الاية الکريمة بمالم ينطق به القرآن فقالوا: ان الملائکة امروا بالسجود لله لظهور قدرته في خلق آدم لان السجودلايجوز ان يکون لغير الله و هذا اجتهاد منهم في قبال النص و تحکم منهم علی القرآن الکريم فانه صرح في هذه الاية و خمس سور اخری بان السجود کان لآدم ، فکيف يحمل علی غير ما صرح به القرآن تشهياً . و قولهم ان السجود لا يکون لغير الله غلط لا يقرهم عليه لا القرآن و لا السنة و الصواب هو ان يقولوا: ان السجود لا يکون بغير امر الله و لله ان يأمر بالسجود لمن شاء من خلقه کما امر بالسجود لآدم.
رد شبة الوهابيين
و هنا تعرف الخطأ فيما شاع في زماننا من شبهة الوهابيين التي حدثت في المائة الثانية عشرة و هي مائة الدسائس و الفتن و غارة المستعمرين علی البلاد الاسلامية، و تلک الشبهة تنحصر في قولهم ان تعظيم غير الله تعالی شرک ،ويرتبون علی ذلک تحريم تعظيم قبور الانبياء و الاولياء و اقامة البنايات عليها و شد الرحال الی زيارتها و ربما غالی بعضهم فحرم اصل الزيارة و التوسل بها الی الله تعالی وعد فاعلها مشرکاً.
ص: 121
و لقد هالني ما شاهدته في الحرم حول الکعبة و انا اوءدي مناسک الحج من ضرب الاعراب رؤوس الناس و خطابهم للعلماء و المثقفين و العابدين و الناسکين بقولهم يامشرک يا عباد القبور، و شاهدت في المدينة المنورة مثل ما شاهدته في مکة المشرفة من تجاوز هؤلاء الاعراب و من علی شاکلتهم علی الناس و رميهم بالشرک و الکفر ... و ازداد تألمي حينما نظرت الی البقيع فشاهدت قبور ائمة الهدی و الصالحين من عباد الله منهدمة و زوارها مها نين يضربون علی الرؤوس و يرمون بالشرک و الکفر و هم اناس انما يزورون قبور ابناء الرسول کالحسن السبط(علیه السلام)و علي بن الحسين(علیه السلام)و محمد الباقرع و جعفر الصادق(علیه السلام)و ابراهيم بن
رسول الله ص و العباس عم رسول الله و امثالهم من اهل بيت النبي ص و صحابته، و قد اشتدتألمي لما شاهدته من حال قبر سيد الشهداء الحمزة بن عبد المطلب عم النبي ص و قبور سائر شهداء احد. و هذه الفتاوی و الاعمال غير موافقة للقرآن و احکام الشريعة الغراء، و القول بان تعظيم غير الله و الاستعانة به شرک قول مناف لقوله تعالی: >وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ < و لقوله تعالی في سورة الانفال:> هو الذي ايدک بنصره و بالمؤمنين <و قوله تعالی فيها > يا ايها النبي حسبک الله و من اتبعک من المؤمنين < و قوله تعالی مخاطباً نبيه:> و ما کان الله ليعذبهم و انت فيهم و ما کان الله معذبهم و هم يستغفرون <و قوله تعالی في سورة هود حکاية عن لوط :> لو ان لي بکم قوة او آوي الی رکن شديد< و قوله تعالی في سورة التوبة:> و ما نقموا الا ان اغناهم الله و رسوله من فضله <و قوله تعالی في سورة الاحزاب مخاطباً نبيه:> واذ تقول للذي انعم الله عليه و انعمت عليه< و قوله تعالی في سورة التحريم:> فان الله هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائکة بعد ذلک ظهير<.
ان زيارة قبور الانبياء و الاولياء واردة في السنة المتواترة، و فيها الصحاح عن مسلم و غيره، مع ان السنة غير مقصورة علی ما صححه البخاري و مسلم و اضرابهما، بل ما صح عن اهل بيت النبي ص هو السنة، و قد تواتر فيه
ص: 122
استحباب زيارة قبور الانبياء و الائمة و تأکد استحباب زيارتها و لا سيما زيارة قبر الحسين (علیه السلام).
و الناظر في کتاب الله المتدبر لآياته ليس له ان يقول ان تعظيم غير الله شرک، بل الذي دل عليه الکتاب و السنة هو: ان تعظيم من لم يأمر الله بتعظيمه لا يجوز فان کان من عظم من ائمة الشرک کان تعظيمه شرکاً و ان کان من غير المشرکين کان فسقاً. و ان تعظيم من امر الله بتعظيمه عين الايمان و من افضل الطاعات و العبادات و الکتاب و السنة قد امرا بتعظيم الانبياء و لا سيما خاتم النبيين ، و ان حرمة المؤمن بعد موته کحرمته في حياته بل ان الشهداء احياء عند ربهم يرزقون و ورد في سورة البقرة :> و لا تحسبن الذين قتلوا فيسبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون<و ليست درجة الانبياء و ان لم يستشهدوا بأقل من درجة الشهداء من غيرهم. فزيارة الانبياء و الاولياء و لا سيما زيارة الحسين سيد الشهداء من افضل الطاعات و المبرات و لکن الامر اشتبه علی ابن عبد الوهاب و لذلک فلا ينبغي تقليده دون تدبر ما في الکتاب و السنة فاننا سنسأل غداً عن اعمالنا و لا نعذر يوم القيامة اذا نحن استندنا الی تقليد غيرنا دون ان نتدبر کتاب ربنا وسنة نبيناص ،کيف و قد عد القرآن الکريم الاباءعن تعظيم من امر الله بتعظيمه استکباراً و کفراً فقال تعالی: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِ ينَ) و قرن شکر بعض المخلوقين بشکره تعالی اذ قال في سورة لقمان:> ان اشکر لي و لوالديک < و مدح المؤمنين في سورة المائدة بأنهم اعزة علی الکافرين اذلة علی المؤمنين فالتذلل للمؤمن عبادة و ما کان عبادة کيف يکون شرکاً؟ . و امر الله نبيه بخفض الجناح للمؤمن فقال في سورة الحجر:> واخفض جناحک المؤمنين <وقرن طاعته بطاعة اولي الامر، فقال في سورة النساء: >يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منکم< کما قرن ولايته بولاية رسوله و ولاية من آتی الزکاة في رکوعه و هو علي بن ابي طالب(علیه السلام) کما جاء في سورة المائدة بقوله تعالی:> انما وليکم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون
ص: 123
الصلاة و يؤتون الزکاة و هم راکعون< کل هذا التعظيم و امثاله في القرآن الکريم للبشر بامر الله فکيف يکون شرکاً او کفراً کما توهم ابن عبد الوهاب و اتباعه؟ و مقلدوه لا يتحرجون من ان يسموا السود عبيداً مع انهم من البشر فاذا اجاز ان يکون الانسان عبداً لانسان مثله و لا يعد ذلک شرکاً فلماذا لا يجوز ان يکون عبداً لمن هو افضل منه من نبي او ولي؟؟ و لماذا منعوا من تسمية عبد الرسول و عبد النبي و عبد الحسين مثلا اذا اجاز الشرع ذلک ؟ بل اذا لم يرد فيه منع . لان کل مالم يرد فيه منع فهو مباح و الکتاب السنة لم يمنعا منه ... و من هذه الايات و ما وافقها من السنة نفهم الايات الکثيرة الناطقةبالتوحيد الخالص و عدم جواز التوسل و الدعاء بالملائکة و الانبياء و دعاء احد غير الله مثل قوله عز من قائل في سورة الجن:> فلا تدعو مع الله احدا< وفي سورة الاسراء:> قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلايملکون کشف الضر عنکم و لا تحويلا اولئک الذين يدعون يبتغون الی ربهم الوسيلة ايهم اقرب و يرجون رحمته و يخافون عذابه ان عذاب ربک کان محذورا<.
و في سورة الزمر: >والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الی الله زلفی < و قوله تعالی:> قل أفغير الله تامروني أعبد ايها الجاهلون <وقوله:>ولئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله قل افرأيتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن کاشفات ضره او أردني برحمته هل هن ممسکات رحمته <وغير ذلک من الآيات الکريمة و ما وافقها من الاحاديث الشريفة فان المراد من ذلک کله عدم تعظيم من لم يامر الله بتعظيمه و عدم التوسل بمن لم ياذن الله بالتوسل به.
و قد عرفت الايات التي دلت علی تعظيم النبي صلی الله عليه و آله و اهل بيته و سائر الانبياء عليهم الصلاة و السلام و الصلحاء، و الاحاديث متواترة بذلک . فبالنظر لما تقدم من الايات ليس لاحد ان يقول ان زيارة قبور الانبياء و الاولياء و البناية عليها عبادة لغير الله او شرک.
ص: 124
و قصاری القول انه لا يجوز مخالفة امر الله تعالی و رسوله صلی الله عليه و آله في شيء کما قال عز من قائل في سورة الحجرات :> ياايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله <فان امر الله رسوله بالسجود لبشر وجب السجود له و ان امر بتعظيم احد او شيء او التوسل بشيء او طلب الشفاعة من شفيع وجب ذلک کله و ان نهی عن شيء من ذلک حرم ؛وليس لاحد ان يقول سأنزل مثلما انزل الله او يقول من نفسه هذا حرام و هذا حلال بغير حجة و بينة من الله .فالمدار اذن علی امر الله و رسوله ص و قد ورد الامر من الله علی رسوله بوجوب تعظيم الانبياء و الاولياء احياء و امواتا و البناء علی قبور هم عمل لم ينه عنه و کل ما لم ينه عنه فهو مباح کما نطقت به الاية المتقدمة:> و هو الذي خلق لکم ما في الارض جميعاً < فتحريمها تقول علی الله و اذا کان في البنيان تعظيم وجب او استحب لعموم ما دل علی وجوب اواستحباب تعظيم عباد الله الصلحاء حيهم و ميتهم.
هذا هو القرآن الکريم و هذه مداليله و السنة لا تخالف القرآن بل هي موافقة له مستمدة منه. فما الذي اوقع ابن عبد الوهاب و اتباعه في ورطة مخالفة القرآن و السنة و الخروج عما کان عليه المسلمون من صدر الاسلام الی اواخر المائة الثانية عشر حيث ان قبور الانبياء و الاولياء مبنية عليها القباب معظمة في جميع البلاد الاسلامية من مراکش الی آخر الصين و في مکة المکرمة و المدينة المنورة مهد الاسلام. و قبر النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في المدينة و قبور اهل بيته عليهم السلام في العراق و خراسان و جميع بلاد ايران و مصر و سوريا و لبنان و غيرها من البلاد معظمة مبجلة يسير لها کل مسلم.
عداوة ابليس لآدم (علیه السلام) و زوجه و ولده
و لما تمرد ابليس و کفر بترکه السجود لآدم حيث امره الله به حصلت عداوة بينه و بين آدم و زوجه التي خلقها الله له و ولده الذين يخلقون بعد خلقه فحذره الله تعالی
ص: 125
منه و جعل علامة لطاعة آدم و زوجه الی الله و لزلتهما، و قد ذکر ذلک في قوله عز اسمه (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَ غَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَ بَا هَ-ٰذِهِ الشَّجَرَ ةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَ جَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) فالاکل من الشجرة علامة الزلة و الاحتماء منها علامة الطاعة لله. و لم يذکر في القرآن الکريم نوع الشجرة المنهي عنها فلا داعي الی ما ذکره بعض المفسرين من نوعها و لم يعين في خبر صحيح معتمد يعتد به ، و لم يظهر ان الاکل من الشجرة قد حرم علیآدم إذ لم يعلم ان الجنة التي کان فيها هل کانت دار تکليف کما انه لم يذکر في القرآن مکان الجنة هل هو في الارض او في کوکب آخر، فکل ما ذکره المفسرون في ذلک تقول علی القرآن، و ان کان في قوله تعالی:> و اذ قال ربک للملائکة اني جاعل في الارض خليفة <دلالة علی انها في الارض ففي قوله: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْ ضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) انتهاء الاجال اشعار بأنها کانت في عالم غير الارض و علی کل حال فان زلة آدم و زوجه حرمانهما من الجنة و رزقها و الاکل منها رغداً حيث شاءآ و الهبوط الی الارض و العداوة بين افراد ذريتها و بقائهم و متاعهم مؤقتاً فيها ثم الموت کما هو حاصل الان.
توبة آدم (علیه السلام)
و لما هبط آدم (علیه السلام) الی الارض ندم و القی اليه الله ان يتوب فتاب و قبل توبته کما قال جل وعلا: (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّ بِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّ حِيمُ)ان الله يتوب علی عبده و ان اذنب اکبر ذنب عدا الشرک و يرحمه و ان بالغ في التمرد و لذلک جاء قوله تعالی التواب و الرحيم علی صيغة المبالغة ،ولم يقل التائب و الراحم و ليس في القرآن الکريم تصريح بذکر الکلمات التي تلقاها آدم من ربه و ما ذکره المفسرون تقول و بعضه يستند الی احاديث ضعيفة لا معول عليها.
الاثر الباقي لذرية آدم (علیه السلام) الی يوم القيامة
ص: 126
و لما کان لآدم حالان ... حال زلة حرم بسببها النعيم و حال توبه فاز بسببها بالأجر العظيم بقي لذريته حالان ... حال اطاعة الله بالايمان و اتيانهم الاعمال الصالحة فيأمنون معها من کل خوف: و حال اطاعة الشيطان بارتکاب المعاصي فيستحقون بها الخلود في نار الجحيم و هو المراد بقوله تعالی: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَميعاً )و الهابط انما هو آدم و زوجه و هبوط الذرية جميعاً بهبوط اصلهم(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّکُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ )في الاخرة و >اما< هي >ان< مؤکدة بلفظ >ما< وفيه دلالة علی ان الهدی من الله بواسطة الانبياء دائم ما دامت ذرية آدم(علیه السلام)في الارض و لذلک فلا بد بعد خاتم الانبياء من امام هاد و لا طاعة لله الا باتباع هداه. وليس لاحد من خلقه ان يشرع شريعة او يقنن قانونا لا بقياس و لا باستحسان ولابمبان اسستها ادمغة البشر المتزلزلة و بنت عليها القوانين الوضعية التي اهلکت الحرث و النسل.
فکل حکم لم يأت من الله ضلال(وَ الَّذينَ کَفَرُوا وَ کَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِکَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيها خالِدُونَ ) و هؤلاء هم اتباع الشيطان الذين کفروا بالله و کذبوا باياته و ارتکبوا المعاصي باغوائه و تجد في آيات القرآن الکريم کلها ذکر الناس و انهم منقسمون الی هذين القسمين: مؤمن يعمل الصالحات و هو من اصحاب النعيم، و کافر و فاسق يجترح السيئات و هو من اصحاب الجحيم کما قال في سورة المائدة:> وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و اجر عظيم و الذين کفروا و کذبوا بآياتنا اولئک اصحاب الجحيم<و مثل ذلک ثابت في اکثر سور کتاب الله العزيز.
فان قيل ان هدی القرآن و السنة باق فلا حاجة الی امام.. قلنا: الحاجة ماسة لحفظ ما في السنة و الکتاب عن التحريف و لازالة البدع ولاجراء الاحکام الشرعية فلا بد في کل زمان من امام حافظ للاحکام مجرلها علی رغم سفهاء الانام و اذا تمرد الناس و اعتزلوه و لم يستمعوا له و لم يطيعوا امره و عطلت الحدود و ضاعت الاحکام فذلک ناشيء من سوء اختيار المکلفين إذ لم يتأهلوا لقبول احکام الدين واطاعة امام المسلمين.
ص: 127
و لا شک ان الذين يحکمون بالقوانين الوضعية و بالقياس و الاستحسان من المکذبين بآيات الله الکافرين لقوله تعالی في سورة المائدة : >ومن لم يحکم بما انزل الله فأولئک هم الکافرون<و کثير من الآيات التي سيأتي بيانها ان شاء الله.
تحميل بعض المفسرين علی القرآن1- قالوا: ان الارض کان يسکنها الجن و النسناس قبل الانسان و ليس للنسناس ذکر في القرآن. و الجن يسکنون الارض الی الان و لم يختص زمان بسکناهم اياها بما قبل الانسان ...
2- زعم بعضهم ان آدم مظهر لله ، أخذوا ذلک من التوراة التي قالت: خلق الله آدم علی صورته، و هذا الزعم کفر بالله إذ فيه تحديد لذاته تعالی.
و رتب بعض من ادعی انه من المفسرين علی ذلک کفره و شرکه حتی تجاوز الحد و قال: ان العالم کله هو الله ... و ذکر من الخرافات ما يشمئز منها الطبع و يستهجنها کل عاقل.
3- قالوا: ان ابليس دخل بين لحيي الحية و خاطب آدم و هذا مأخوذ من التوراة و لا أصل له في القرآن.
4- قالوا: ان الله قبض قبضة من جميع الوان الارض و عجنها بجميع مياهها المختلفة و سوی من ذلک آدم و نفخ فيه الروح و هذا الترتيب غير موجود لا في القرآن ولا في الاخبار الصحيحة.
5- و قالوا: ان حواء خلقت من ضلع آدم الايسر و لذلک نقصت اضلاع الرجل عن ضلع المراة بضلع و هذا غير موجود في القرآن ولا في معتمد الاحاديث الا في حديث ضعيف و لا يقره العلم الا بتأويل بعيد.
الامر لله وحده
و اذا انتهی بنا المطاف الی هذا المقام يجب ان ننبه علی امر هو من جوهر الاسلام و الغفلة عنه توقع في الشرک و تخرج من الدين و هو ان غير الله من الموجودات محتاج
ص: 128
اليه تعالی اذ هو الغني المطلق و من عداه فقير محتاج اليه سواء کان ولياً ام نبياً ام ملکاً ام خلقاً آخر؟ فاذا قلنا ان الملک و النبي يعلمان الغيب فانما هو بتعليم من الله و اذا قلنا التوسل بالنبي و القرآن جائز فانما هو بتجويز من الله و اذا قلنا ان تعظيم الحجرالاسود و الکعبة و قبور الانبياء و الاولياء و المساجد واجب فانما هو بايجاب من الله و اذا سمينا احد عبد النبي او عبد الرسول او عبد الحسين فلا نعني بذلک مثل تسمية عبد الله فان عبد الله مخلوق لله و عبد النبي و عبد الحسين اقل درجة من النبي کا لفرق بين المالک و المملوک من الناس و اذا طلبنا الشفاعة من نبي اوولي فانما ذلک باذن الله کما قال سبحانه و تعالی في سورة البقرة : >من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه< و هکذا ليس لمخلوق وجود ولا قدرة و لا علم و لا شفاعة و لا اثر إلا بالله و من الله و القادر العالم لذاته هو الله لا إله غير و الامر لله وحده.
ص: 129
المسألة: 33
فقد أفتى أكثر فقهاء المذاهب بوجوبها وبطلان الصلاة بتركها ، وأفتى بعضهم باستحبابها ، وأصحها عندهم الصلاة الإبراهيمية ، رواها البخاري:6/27: (باب قوله: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. عن كعب بن عجرة ، قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة ؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد .
وفي صحيح مسلم:2/16: (عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يارسول الله ، فكيف نصلي عليك؟ قال فسكت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . والسلام كما قد علمتم).
سوءال:
1 - مقتضى وجوب الصلاة على النبي وآله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في الصلاة أن صلاة المسلم
ص: 130
لاترفع إلى الله تعالى إلا بالصلاة عليهم ! وهذا نوع من التوسل إلى الله تعالى لقبول صلاتنا ! فلو كان كل توسل شركاً فكيف يفرض الله علينا أن نشرك به نبيه وآله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في أهم مظهر عملي لتوحيده وعبادته ؟!
المس--ألة: 34
روت عائشة أن علياً ً(علیه السلام)أقرب الخلق وسيلةً إلى الله تعالى
كانت عائشة تروي عن النبي ص أن الذي يقتل الخوارج بعده هو أقرب الخلق وسيلة إلى الله تعالى . وقد أكد لها عمرو بن العاص أنه هو المقصود لأنه قتل الخوارج في مصر ، وفيهم ذو الثدية الموصوف !
وعندما قتلهم علي(علیه السلام)في حرب النهروان ، اكتشفت عائشة كذب ابن العاص فلعنته ! قال القاضي النعمان في شرح الأخبار:1/141: (عن مسروق ، قال: دخلت على عائشة فقالت لي: يا مسروق إنك من أبر ولدي بي وإني أسألك عن شئ فأخبرني به. فقلت: سلي يا أماه عما شئت. قالت: المخدج من قتله ؟ قلت: علي بن أبي طالب(علیه السلام) . قالت: وأين قتله ؟ قلت على نهر يقال لأعلاه تامرا ، ولأسفله النهروان بين أحافيف (أخافيق) وطرق . فقالت: لعن الله فلاناً تعني عمرو بن العاص فإنه أخبرني أنه قتله على نيل مصر !
قال مسروق: يا أماه فإني أسألك بحق الله وبحق رسوله وبحقي فإني ابنك ، لما أخبرتني بما سمعت من رسول الله فيهم . قالت: سمعته يقول فيهم: (تقصد أهل النهروان): هم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم إلى الله وسيلة !!
قال مسروق: وكان الناس يومئذ أخماساً ، فأتيتها بخمسين رجلاً عشرة من كل خمس ، فشهدوا لها أن علياً قتله ) .
الأسئلة
ص: 131
1 - ما رأيكم فيمن أبغض علياً(علیه السلام)، أو حاربه ؟! وهل صح عندكم أنه لايبغضه إلا منافق ، وأن حربه حرب النبي ص وسلمه سلمه ؟!
2 - بماذا تفسرون قول النبي ص الذي روته عائشة في علي(علیه السلام)أنه أقرب الخلق وسيلة إلى الله تعالى ؟
3 - لقد لعنت عائشة عمراً بن العاص ، فلماذا تستنكرون علينا لعنه والبراءة منه ؟! ولماذا لاتطيعون أمكم فتلعنوه ؟!
النجف الاشرف مرسى سفينة نوح (علیه السلام)
ص: 132
الصورة

دراسة جديدة في ضوء القران الكريم وتراث اهل البيت(علیه السلام) والتوراة بلغاتها التاريخية والتراث المسماري والواقع الجغرافي للمنطقة
العلامة السيد سامي البدري
الخلاصة2:
1- تناول البحث الرؤية المشهورة والسائدة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود والآثاريين في تشخيص مرسى سفينة الطوفان وهي كردستان العراق وتركيا، ثم عرض الرؤية التي ينفرد بها التراث الشيعي رواية عن أهل البيت عليهم السلام: بكون بابل وبخاصة النجف هي مرسى سفينة نوح علیه السلام .
2- ثم تناول البحث ما جاء في الوثائق المسمارية تصديقا للقرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام: وانسجاما معها.واتضح ان وثيقة زيوسدرا تشير الى كربلا وجبل الكوفة بصفتها موضع سكن نوح ومن معه، وان ملحمة جلجامش اللوح الحادي عشر يشير الى النجف والى جبل بلاد الحيرة الجبل الذي امسك بسفينة الطوفان.ثم عاد البحث إلى التوراة الآرامية (ترجوم اونقيلوس) و(ترجوم سعادية) 3-و(البشيتا السريانية) و(الكنزا ربا) المندائية التي ذكرت اسم(قردو)، والتوراة
ص: 133
العبرية(النص المسوري) و(السبتوجنتا الاغريقية) اللتين ذكرتا اسم(اراراط)، و(الترجوم السامري) الذي ذكر اسم(سرنديب)، و(الفولكات اللاتينية) و(ترجوم يونثان بن عزيل) اللذين ذكرا اسم(أرمينيا) ليثبت ان(قردو) و(اراراط) و(سرنديب) و(أرمينيا) ما هي إلا بابل ونهر الفرات في الوثائق المسمارية واللغة العبرية.
4- ثم تناول البحث الموقع الجغرافي للشاطئ الغربي للفرات وهضبة النجف وكربلا وظهر الكوفة ليثبت صحة قول بطليموس وقول ابن الكلبي ان في بابل والكوفة جبالا متواضعة، هذا القول الذي نفاه الباحثون المتخصصون المعاصرون لعدم اطلاعهم على جغرافية المنطقة تفصيلا، واثبت البحث ان(كوفان) و(النجف) و(ساتيدما) الواردة في كتب اللغة والبلدانيات العربية و(سريون) الواردة في الترجوم السامري والتوراة العبرية هي بمعنى واحد تعبر عن الوظيفة الطبيعية لطار النجف وطار كربلا(يبلغ ارتفاعهما عن سطح البحر100 إلى 150م) ازاء كربلا والكوفة وهي حماية سكان الشاطئ الغربي للفرات من السيول السنوية التي تأتي من جهة الغرب حيث ترتفع أرضها إلى ما يقرب من 500م عن سطح البحر بينما الشاطئ الغربي للكوفة وكربلا يرتفع عن سطح البحر بين 25-29م.
5- ثم قدم البحث أمثلة على تكرار أسماء المدن وسببها الطبيعي لتفسير تشابه الأسماء بين قردو بابل وقردو كردستان مثلا.
6- ثم تناول البحث الموطن الأصلي للساميين وتبديل تسمية الساميين بالجزريين واثبت ان موطن الساميين الأصلي هو(الشاطئ الغربي للفرات الاوسط) هذا الشاطئ الذي كان يحده من الغرب(بحر النجف)(بحر بانقيا) ومن الجنوب (البحرالحبشي)(الخليج الفارسي) وقبلها جميعا كان اسمه خليج ديلمون(الكوفة) الذي كان يصب فيه بحر النجف، وكانت أجواء هضبة النجف بعد الطوفان هي أجواء البحر الأبيض المتوسط وتمتعت المنطقة كلها بما تتمتع به بلاد البحر المتوسط، ثم جفت المياه وهاجر الكثير الى الجزيرة العربية وسوريا الكبرى ولما ظهرت الأرض الرسوبية
ص: 134
من جديد شرق الفرات صارت مركز الحياة من جديد، وان التسمية الصحيحة هي الكلدانيون أي الباقون، والناجون من ذرية نوح(علیه السلام)، وما السومريون البابليون والأكاديون والآشوريون الا امتدادات لاولئك الباقين وهم ذريتهم الذين حملوا تراث نوح ولكنهم حرفوه وضيعوا معالمه.
7- ثم أشار الباحث بعد ذلك الى اربعة مسائل مهمة هي:
الاولى: مسألة بروز القرآن الكريم مصدرا مستقلا في معلومته التي اوردها حين ذكر اسم (الجودي) ولم يستعرها من أي مصدر سابق إذ كانت التسمية الدينية المشهورة عند المسيحيين واليهود هي (قردو) وعينوها قبل العهد الاسلامي بجبل في الجزيرة اعمال الموصل سابقا وهي ما يكرره القرآن الكريم عن نفسه انه وحي الهي وليس نتاجا بشريا.
الثانية : مسألة بروز معلم اخر من معالم استقلالية التراث الحديثي الشيعي وامتياز اهل البيت(علیه السلام): بوصفهم حملة علم النبوة الخاتمة بشكل خاص حين روت المصادر الشيعية عن الامام الصادق(علیه السلام) ان (الجودي) هو(فرات الكوفة) وان(كربلا) هي الموضع الذي نجا الله عليه نوحا والذين امنوا معه، ولم يشر الى ذلك تراث آخر غيره.الثالثة : مسألة ضرورة اعادة قراءة التراث المسماري والعبري والارامي والسرياني القديم في ضوء القرآن وتراث اهل البيت : لتاخذ الدراسات المسمارية والاثارية وعلم الاديان المقارن مسارها الصحيح
الرابعة : مسالة اهمية الشاطئ الغربي للفرات وكونه الجرف الحضاري الاول ومنطلق الحياة والحضارة بعد الطوفان انطلق منها نوح النبي المعمر وريث لغة ومدنية ما قبل الطوفان، ومؤسس لمدنية جديدة وتراث فكري وتشريعي الهي بعد الطوفان وقد انزل الله تعالى في ذلك كتاباً ودونه نوح على مسلة نصبها على النجف وصارت المحور المركزي لثقافة ذريته من بعده. وقد انطلقت الجماعات تحمل اسم هذا الجبل
ص: 135
كالسومريين والاكاديين والاموريين (الاريين) والبابليين والاشوريون وهي الجماعات التي سكنت العراق القديم وعمرته وانطلقت الى شرق الارض وغربها داخل العراق وخارجه تحمل رسالة نوح ولكنها حرفتها في كثير من جوانبها ولم يبق منها الا النزر القليل. وينفتح في ضوء هذه المسالة الاخيرة افق جديد من الدراسات الحضارية واللغوية والدينية المقارنة مضافا الى انها تقدم مبررات كافية لكي تتجه جهود المنقبين ومن يهمهم الكشف عن الجديد من تاريخ البشرية الحضاري وتاريخ العراق المشرق في هذه البقعة المتميزة.
ص: 136