«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثالثة: العدد التاسع1390 هجرية شمسية 1432 هجرية قمرية
مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي موقعنا علی الانترنت: www.aqayed.com
ص: 1
كلمة التحرير...3
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني (رحمه الله)...4
المعاد من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان...13
معرفة الله بالله لا بالاوهام حجة الاسلام و المسلمين حسن الميلاني...20
الرؤية الفلسفية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...35
السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان...41
روائع من الأدب الإسلامي قصيدة ابي طالب عليه السلام...54
موقف اصحاب الائمة(علیهم السلام)والعلماء من الفلسفة والعرفان...60
الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...64
بحث حول حرمة الموسيقی آية الله الاشكوري...71
ابن عربي عارف ام ملحد علاء فيصل...79
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...85
اطلالة علی علم الكلام حجة الاسلام و المسلمين حيدر الوكيل...93
وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام و المسلمين السيد قاسم علي احمدي...108
هداية الامة الی معارف الائمة (علیهم السلام) آية الله الخراساني قدس سره...125
ص: 2
العرفان و معرفة الله
يدعي اصحاب التصوف و الذين يسمون انفسهم بالعرفاء انهم يحظون بمعرفة الله جل و علا و الحال ان حقيقة العرفان الموجود في الكتب العرفانية لا ربط له بمعرفة الله اساساً بل هو انكار لمعرفة الله جل و علا و حقيقته عبارة عن الاحساس و الاعتقاد بان الانسان عين الذات الالهية و انه لا وجود لغير الله جل و علا و كل الخلائق ان ما هي عين الذات الالهية هذا هو عرفان الذين يتسمون بالعرفاء و قد شطحت هذه العقيدة بشكل علني علی السنتهم و اشعارهم و كتبهم و اما معرفة الله جل و علا الحقيقية فهي غير ذلك تماماً و قد جاءت الرؤية الاسلامية في توضيح هذه المعرفة بمايخالف اعتقاد هؤلاء الصوفية المسمين انفسهم بالعرفاء و بينت بان الخالق يباين المخلوق و ان الله جل و علا يمتنع عليه صفات المخلوقين.
فعليك ايها القاريء الكريم بمطالعة هذه المقالات الواردة في هذه المجلة لتقف علی حقيقة الامر مع كامل البصيرة.
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
في تفسير قوله تعالى: ( إخوانا على سرر متقابلين )(1).
في غاية المرام عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، منتهيا إسناده إلى زيد بن أبي أوفی ، قال: " دخلت على رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مسجده فذكر قصة مؤآخاة رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بين أصحابه ، فقال علي عليه السلام: - يعني للنبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) - لقد ذهبت روحي، وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط منك فلك العتبى(2) والكرامة، فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): والذي بعثني بالحق نبيا ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: وما أرِثُ منك يا رسول الله؟ قال: ما ورث الأنبياء قبلي، قال: وما ورث الأنبياء قبلك؟
قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) (إخوانا على سررمتقابلين) المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض(3).
أقول : قد اشتملت هذه الرواية على مناقب ثلاثة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام:
ص: 4
المنزلة، والأخوة ، والوراثة.
أما الأولان: فقد تواترت الروايات فيهما من الطريقين، فقد ذكر في غاية المرام(1) الروايات المصرحة بهما من طرق العامة ما تجاوز عن مائة طريق، وأما الوراثة فقداستفاضت الروايات فيها من الجانبين، بل كادت تبلغ التواتر أيضا(2).
وبالجملة لا شبهة في ما اشتملت عليه هذه الرواية من المناقب الثلاثة، ولا بأس بذكر روايتين منها مسندين إلى الخليفة الثاني، ومعاوية.
الأولى ما ذكره في غاية المرام:
قال الخامس والثلاثون: ابن المغازلي الشافعي، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن العباس البزاز، رفعه إلى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: " سأل رجل معاوية عن مسألة، فقال سل عنها علي بن أبي طالب فإنه أعلم، قال: يا أمير المؤمنين قولك فيها أحب إلي من قول علي، فقال: بئس ما قلت ولؤم ما جئت به، لقد كرهت رجلا كان رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يغره العلم غرا، ولقد قال له رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي " ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه ، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه شئ قال: هاهنا علي؟ ولا أقام الله رجليك ، ومحى اسمه من الديوان )(3):
ومناقب شهد العدو بفضلها * والفضل ما شهدت به الأعداء
ورواه أيضا عن مسند أحمد بن حنبل(4) .
والثانية ما ذكره فيه أيضا قال:
الثاني والتسعون علي بن أحمد المالكي في " الفصول المهمة من أعيان علماء العامة "
ص: 5
نقله عن كتاب الخصائص، عن العباس بن عبد المطلب، قال: " سمعت عمر بن الخطاب يقول: كفوا عن علي بن أبي طالب إلا بخير، فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: في علي ثلاث خصال، وودت أن لي واحدة منها أحب إلي مما طلعت عليهالشمس، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، ونفر من أصحاب رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إذ ضرب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على كتف علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: يا علي أنت أول المسلمين إسلاما، وأنت أول المؤمنين إيمانا، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك، يا علي أحبك فقد أحبني ، ومن أحبني أحبه الله تعالى وأدخله الجنة ، ومن أبغضك أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله تعالى وأدخله النار "(1).
وقد نقله فيه أيضا، عن موفق بن أحمد، بإسناد آخر منتهيا إسناده إلى ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب، ولكن بحذف قوله: " كذب من زعم إلى آخره . . . ) (2).
ثم اعلم أن المراد من إرث الكتاب والسنة: العلم بهما ، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر (3)، ولا مجال لاحتمال غير العلم
في إرث الكتاب والسنة.
وما روي من طريقهم من أنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة " (4)من المجعولات من جهة تحريف الرواية وحذف عجزها ووضع ( ما تركناه صدقة ) مكانه .
والعجب أنه كيف خفيت الرواية على وارث الكتاب والسنة وظهرت على غيره.
وإذا اتضح لك ما بيناه فاعلم أن كل واحد من المناقب الثلاثة يدل على اختصاص الإمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعدم استحقاق غيره من الأمة لها مع
ص: 6
وجوده عليه السلام.أما المنزلة فلأن قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(1)،
ص: 7
ص: 8
ص: 9
يدل على ثبوت جميع منازل هارون من موسى لمولانا أمير المؤمنين من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلا النبوة التي استثناها ، ومن جملة منازل هارون من موسى ، بل أظهرها وأجلاها خلافته عنه ووزارته له ، كما قص الله تعالى على رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في كتابه المجيد(1).
فإن قلت : دلالة حديث المنزلة على الخلافة مسلمة ، وإنما الكلام في الاختصاص وعدم استحقاق غيره التقدم عليه .
قلت أولا : من جملة منازل هارون من موسى الخلافة عنه بلا فضل، فيدل على الاختصاص ، وعدم استحقاق غيره التقدم عليه .
وثانيا : إن هذا الحديث الشريف يدل على استخلافه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كما استخلف موسى هارون فثبتت خلافته عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالنص،ولم يعارضه نص آخر ، حتى يجوز العدول عنه إلى غيره ، إذ لا نص لهم من النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على خلافة الخلفاء الثلاثة ، وإنما أثبتوا خلافة الأول بالبيعة، وخلافة الثاني بنص الأول عليها، وخلافة الثالث بالشورى التي جعلها الثاني ، والبيعة لا تعارض النص ، قال عز من قائل: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)(2) .
فكيف جاز لهم أن يختاروا خليفة بعد نص الرسول على خلافته عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع أن الخلافة عن الرسول لا تكون من أمورهم وشؤونهم ، بل هي من الأمور الراجعة إلى الله تعالى ورسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وإذا لم يجز لهم الخيرة في أمورهم - بعد قضاء الرسول - فكيف جاز لهم الاختيار في أمر الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ سَلَّمْ) بعد قضائه.
وأما أخوته عليه السلام لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فهي دالة على أنه عليه السلام أقرب الناس شرفا ومنزلة منه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ومن هذا شأنه كيف يجوز لغيره التقدم عليه في الخلافة عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) .
ص: 10
توضيح ذلك : إن الأخوة في الدين ثابتة بين جميع المؤمنين بقوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة )(1) وأما المؤاخاة التي اتخذها رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بين كل اثنين من الصحابة فهي - حسب ما مر - بينهما من الدين والإيمان ، كما هو ظاهر ، فاتخاذه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عليا أخا لنفسه دون غيره يدل على أنه عليه السلام أقرب الخلق إليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في الدين والإيمان بالله وبرسوله صلى الله وآله وسلم والعلم بالكتاب والسنة ، والعمل بهما .
ومن هذا شأنه يستحق الخلافة عنه ويكون مكملا لما بعث لأجله من قبل الله تعالى من هداية العباد ، وتبليغ أحكامه تعالى بالضرورة ، ولا يجوز لغيره أن يتقدم عليه.
وهل ترى من نفسك أن تحكم بأن البعيد عن الشخص يرثه ، مع وجود القريب أو يتقدم القريب على من هو أقرب منه ، كلا ثم كلا ، وهذه قضية ضرورية فطرية ، يكون المخالف لها مخالفا لفطرته ، وبداهة عقله.
وأما وراثته عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فدلالتها على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام أوضح وأبين .
بيان ذلك : إن الوراثة عبارة عن قيام الوارث مقام مورثه فيما تركه ، وتركة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث نبوته ورسالته إنما هي الكتاب والسنة ، لا المال ، وهذا معنى : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهما ولا دينارا وإنما نورث العلم والإمامة ) (2).والخلافة عنه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عبارة عن قيام الخليفة والإمام مكانه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيما هو من شؤون نبوته ورسالته ، لا في تركته من الأموال كما هو ظاهر ، ولذا يجب طاعته على الأمة كما يجب طاعة النبي عليهم. فبعد قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): " أنت أخي ووارثي " (3)وتصريحه بأن هذه الوراثة ليست وراثة مال بل وراثة ما هو من شؤون نبوته ورسالته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث قال : ما ورث الأنبياء قبلي " وتبيينه بعد ذلك: أن ما تركه الأنبياء هو الكتاب والسنة لا يبقى مجال
ص: 11
لجعل الخلافة لغيره، لأن الخلافة والإمامة لا حقيقة لها إلا هذه الوراثة التي أثبتها لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها مختصة به فجعل الخلافة لغيره نقض صريح لقوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): " وأنت أخي ووارثي " وتوريث للأجنبي ومنع للوارث عن إرثه.
فإن قلت : كون الإمامة خلافة عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من حيث نبوته أمر معلوم، ولذا يفترض طاعة الإمام على الأمة كما يجب طاعة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عليهم ، ولكن شؤون النبوة متعددة ، فمنها : العلم بالكتاب والسنة ، ومنها: افتراض الطاعة ، ومنها : العصمة والطهارة، ومنها: نزول الوحي عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهكذا من شؤون . والحديث الشريف يدل على ثبوت الشأن الأول لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وأي مانع من قيام شأنه الآخر وهو افتراض الطاعة بغيره.
قلت : افتراض الطاعة من الشؤون المترتبة على الشأن الأول، ضرورة استحالة افتراض طاعة الجاهل في حد نفسه ، لأنه مع عدم ترتب هداية عليه إلقاء في الحيرة والضلالة.
وأشد محذورا منه تقديم طاعته على طاعة العالم ، قال عز من قائل: ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ما لكم كيف تحكمون )(1) .
وأقبح منه إيجاب طاعة الجاهل على العالم ، والحكم بوجوب بيعته مع الجاهل.بل يفهم من الرواية: أن عمدة ما تركه الأنبياء - سلام الله عليهم – إنما هو العلم بالكتاب والسنة، حيث حصر إرثهم فيه وهو كذلك ، لأن المقصود من بعث الأنبياء عليهم السلام إنما هو إرشاد العباد، وهدايتهم إلى الحق، وإخراجهم من ظلمات الحيرة والضلالة إلى نور العلم واليقين، واستكمالهم في العلم والعمل، وهذا لا يتم إلا بالعلم بالكتاب والسنة ، فسائر الشؤون تابعة له ولا يعقل وجود التابع من دون وجود متبوعه.
والعجب أن الآخذين بزمام الخلافة لم يقضوا دينه ، ولم ينجزوا عداته ، وجعلوا قضاء دينه وإنجاز عداته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على عهدة مولاناأمير المؤمنين عليه السلام ، فوفى بهما – روحي فداه - فأخذوا غنم الوراثة وتركوا غرمها.
ص: 12
العدد الثالث
من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني
تحقيق كلام ملاصدرا حول المعاد المثالي:
كما تقدم انّ ملاصدرا قد صرح في مواضع متعددة من الاسفار بأنّ المحشور يوم القيامة هي الروح فقط لا هذا البدن الترابي إلّا انه اذا كانت الروح من النفوس المتوسطة فانها سوف تنشأ لنفسها صورة مثالية وتكون معها واذا كانت من النفوس الكاملة فلا تحتاج للصورة المثالية وسوف تحشر بلا صورة معها.
وقد انتخبنا من بين عباراته المتعددة احسن العبارات المتضمنة لمدعاه مع ما فيها من الاستدلال له حيث قال:«وأنزل من هذه المرتبة من الاعتقاد في باب المعاد وحشر الاجساد اعتقاد علماء الكلام كالامام الرازي و نظرائه بناءا على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات اجزاء مادية لاعضاء اصلية باقية عندهم و تصويرها مرّة اخرى بصورة مثل الصورة السابقة لتتعلق النفس بها مرّة اخرى ولم يتفطنوا بانّ هذا حشر في الدنيا لا في النشأة الاخرى وعود الى الدار الاولى دارالعمل والتحصيل لا الى الدار العقبى دار الجزاء والتكميل فأين استحالة التناسخ
ص: 13
وما معنى قوله تعالى: (إِنَّا لَقَادِرُونَ،عَلَى أَن نُبَدِّلَ امثالكم و ننشئكم في ما لا تعلمون)(1) وقوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)؛ وقوله تعالى:( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً) ولا يخفى على ذي بصيرة ان النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين وانّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع الى اللَّه أو القرب منه لا العود الى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني».(2)
ذكر ملاصدرا هذا الكلام بعد أن نفى المعاد الجسماني وجعله من انزل الاعتقادات واردئها وقد ذكر ملاصدرا في هذه العبارة انّ القائلين بالمعاد الجسماني لم يتفطنوا ان هذا حشر في الدنيا دار التكليف والعمل لا الدار الاخرى الّتي هي دار الجزاء والتكميل.
اقول: وكأن ملاصدرا ظن ان العلة في كون الدنيا دارا للتكليف هو كونها مادية وحيث انه لا عمل ولا تكليف في الدار الاخرة فاللازم حينئذ أن لا يكون اثر لهذا البدن الترابي في الاخرة والحال انه لا اساس لهذا التوهم اصلا فانه من الممكن أن لا يكون هذا العالم المادي مع هذا البدن الترابي محلا للتكليف والعمل فان جعل الدنيا دارا للعمل دون الاخرة انما هو تابع للجعل الالهي لا غير ولا ربط له بكونه ماديا أم غير مادي وعليه فلا محذورمن أن تكون الروح في النشأة الاخرة مع هذا البدن الترابي وليست الدار دارا للتكليف، وذكر ملاصدرا ان عود الارواح مع الاجسام عود الى دار الدنيا وهو عين مقالة اهل التناسخ والمفروض حينئذ أن لا نقول باستحالة التناسخ والحال انه محال.
أقول: وهذا الكلام من ملاصدرا ايضا ليس بصحيح وذلك لانا لا نقول انّ التناسخ محال بل نقول انه باطل وليس بصحيح واللَّه سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل روح شخص في
ص: 14
بدن اخر ولا استحالة في ذلك لكن اللَّه سبحانه وتعالى لاجل المصالح والحكم لم يفعل ذلك.
ثمّ هنالك فارق بين كلام اهل التناسخ مع المعاد الجسماني وهو انهم يقولون بعود الروح الى البدن في دار الدنيا وهو اعتقاد باطل بخلاف المعاد الجسماني حيث تعود فيه الروح الى بدنها في يوم القيامة وهو اعتقاد صحيح لا ارتباط له بالتناسخ ولا محذور فيه لا من جهة العقل ولا النقل بل هو ثابت.
وذكر ملاصدرا انه لوكان المعاد عبارة عن رجوع الارواح الى الابدان فما معنى هذه الآيات؟ (عَلَى أَن نُبَدِّلَ خيرَا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ،)(1)(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2) ( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً)(3)
ومن خلال اخر هذه الآيات يعني قوله تعالى (وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ)يحاول ملاصدرا أن يستفيد منها ان النشأة الاخرة ليست بمادية وتوضيح ذلك انه يريد أن يقول انه لو كان المعاد بان يحشر الانسان مع هذا البدن الترابي اذن لم تكن الدار الاخرة منمصاديق ما لا يعلمون بل تكون مما نعلم اذن يلزم أن تكون الدار الاخرة غير مادية حتى يصح ويصدق ما في الآية.
والجواب واضح للغاية فانّ هذه الآيات ليست في مقام بيان احوال القيامة بل هي في مقام التهديد لاهل المعصية واللَّه سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء انا لقادرون على أن نستبدل بكم قوما آخرين ونرسلكم الى ما لا تعلمون وهذا المعنى لاربط له بالصورة المثالية.
وقد جاء في تفسير التبيان في ذيل آية (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
ص: 15
فعلى هذا ينشأ اللَّه قوما بعد قوم لأنّ المصلحة تقتضي ذلك والحكمة توجب انشاءهم في وقت واماتتهم في وقت اخر وانشاءهم بعد ذلك للحساب والثواب والعقاب(1)
بالتأمل قليلا في معاني هذه الآية يعلم انّ هذه الآيات ليست في مقام بيان احوال القيامة بل ان اللَّه سبحانه وتعالى يهدد العصاة بهذه الآيات ويخاطبهم بشدة: بانا متى شئنا موتكم أمتناكم وارسلناكم الى ما لا تعلمون وجئنا بآخرين بدلا عنكم.
ومضافا الى ذلك فلا ينافي هذا المعنى مادية الدار الاخرة حيث اننا لا نعلم احوالها وكيفياتها خصوصا وقد صرح ملاصدرا في تفسيره(2) ان كل من يتكلم حول الاخرة فمثله مثل الاعمى الّذي يريد تشخيص الالوان، اذن فالتكلم عن الاخرة - بدون استناد الى النقل - بأي شكل كان غلط والواجب في مثل هذه المسائل الاعتماد على الادلة النقلية فقط وهي قد اثبت المعاد الجسماني.
شبهات المعاد الجسماني والجواب عنها
الشبهة الاولى حول المعاد الجسماني: عدم سعة الارض لحشر النفوس:اشكل البعض بأنّه لو كان المعاد جسمانيا فسوف لن تسع الارض كلّ الابدان المحشورة وذلك لأنّ الارض متناهية ومحدودة والابدان المحشور غير متناهية وقد اجاب على هذا الاشكال ملاصدرا بما يتفق مع نظره من كون المحشور هو الروح بلا بدن ترابي حيث قال »ليس المحشور هو البدن بل الروح تحشر مع البدن المثالي« ولنا أن نتساءل هل ان الاشكال بعدم تناهي النفوس دليل مثبت لكون الحشر بالصورة المثالية؟
وهنا يجيب ملاصدرا بالايجاب ويقول: لو قلنا بكون المعاد جسمانيا فسوف لن تسع الارض كلّ النفوس غير المتناهية اذن لابد وان نعتقد بكون المحشور هي النفوس مع صورها المثالية.
ص: 16
أقول: وجواب هذا الايراد واضح جدا وذلك لأنّ هذا الايراد مبني على القول بقدم العالم والحال ان اصل هذا المبنى باطل ومن زاوية رؤية مدرسة الوحي فالعالم حادث حقيقة ومسبوق بالعدم اذن فسوف ينتفي الاشكال من اساسه وعليه فليست النفوس الانسانية غير متناهية ولا يلزمنا لدفع هذا الايراد بأن نقول بكون المحشور النفوس مع صورها المثالية.
ولذا يقول المرحوم الخوانساري:
«ثمّ ان البدن المحشور يوم النشور البدن العنصري كما هو صريح الآيات والاخبار وقد يقال انّ المحشور ليس البدن العنصري بل البدن المثالي المنشأ بانشاء النفس باذن اللَّه تعالى والمختلف باختلاف الملكات الحاصلة في الدنيا... وفي المقام شبهات تدعوا الى القول المذكور، منها: عدم كفاية كرة الارض للابدان الغير المتناهية حسب عدم تناهي النفوس على ما ذهب اليه الفلاسفة القائلون بقدم العالم... والجواب عن الشبهة الاولى منع قدم العالم وعدم تناهي النفوس....»(1)وتكميلا وتوضيحا لجواب المرحوم الخوانساري لابد من بيان الاقوال في المسألة ولو بشكل مختصر حتّى يتضح كلامه كاملا فنقول: المقصود من الحدوث الزماني هو انّ الشي ء حقيقة مسبوق بالعدم إلّا ان اطلاق الحدوث الزماني على هذا المعنى فيه شي ء من التسامح من بعض الجهات وذلك لاشتمال هذا التعريف على المسبوقية الزمانية والحال ان نفس الزمان ايضا من الحوادث وعليه فالتعبير الصحيح هو أن يقال: ان العالم مسبوق بالعدم الحقيقي يعني لم يكن ثم كان.
وأمّا الحدوث الذاتي فبمعنى انّ ذات الشي ء محتاج الى العلة سواء أكان حادثا بعد ان كان معدوما أو كان موجودا من الازل إلاّ انه ذاتا محتاج الى العلة وعلى سبيل المثال لو فرضنا انّ شجرة كانت دائما موجودة فمن اللازم ان يكون ظلها دائميا وفي عين الحال ظلها محتاج الى العلة ولذا فيقال ان الظل قديم إلّا انّه محتاج الى علته هنالك، مجموعة
ص: 17
كبيرة من الفلاسفة يقولون ان نسبة العالم الى علته من هذا القبيل يعني انه قديم ازلا إلّا انه محتاج الى العلة ذاتا، فقالوا ان العالم حادث ذاتي قديم زماني وهنالك اخرون من القدماء من جملتهم ملاصدرا طرحوا فكرة الحركة الجوهرية وقالوا انّ ذات الشي ء في حركة فلا تحول من شي ء الى شي ء فلا اول ولا ثاني ولا ثالث وبهذا الاعتبار فالشي ء في كلّ آنٍ حادث وهذه السلسلة من الحوادث تكون الى ما لا نهاية إلّا انّ السلسلة هي قديمة.
وبعد هذه المقدمة يقول المرحوم الخوانساري:
انّ مقصودنا من حدوث العالم هو الحدوث الزماني لا الحدوث الذاتي ولا الحدوث القائم على اساس الحركة الجوهرية بل هو ذلك الحدوث الّذي اتفقت عليه كل الملل.
واشكل البعض باننا لو قلنا بان العالم حادث يلزم علينا ان نقول كان اللَّه قبل حدوث العالم ولا فيض له وهذا باطل لان انقطاع الفيض من مبدأ الفيض محال.
وقد أجاب الخوانساري عن هذا الاشكال بقوله:(1)العالم حادث زماني وقطع الفيض لا محذور فيه ولا يمكن اثبات قدم العالم من خلال هذه الاستبعادات وعلى اساسها تؤخذ النتيجة من عدم تناهي النفوس ثم يرتب على ذلك ان الارض لا تسع هذا المقدار من الخلائق اذن لابد من كون المحشور هي الروح مع صورتها المثالية.
وحول اشكال انقطاع الفيض فنجيب عليه بجوابين حلي ونقضي، امّا الجواب النقضي فهو انكم قائلون بمحدودية العالم وحينئذ نسأل أو ليس الفيض في ماوراء هذا العالم منقطعا؟ فاذا كان انقطاع الفيض باطلا فهو باطل في كلّ مكان وإلّا فهو صحيح في كلّ مكان وذلك لان حكم الامثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
وامّا الجواب الحلي والاصلي فهو انّ اللَّه سبحانه وتعالى فاعل مختار وافعاله حسب المصالح وعليه فلا اشكال بانقطاع الفيض بعد كونه تعالى مختارا.(2)
ص: 18
فاشكال عدم سعة الارض للنفوس اللامتناهية انما يصح على اساس القول بقدم العالم وعدم تناهيه وقد قلنا ان العالم حادث وهذا الامر من قطعيات المذهب وعليه فالبشرية متناهية.يطرح المرحوم الشيخ الانصاري في بحث التضاد بين العقل والنقل اقساما ويمثل لقسم التضاد بين الدليل النقلي القطعي مع الدليل العقلي بالحدوث الزماني للعالم ويقول فيه انه لا يمكن لاي دليل عقلي ان يعارض ذلك الدليل النقلي القطعي واليك عبارته:
«والّذي يقتضيه النظر وفاقا لاكثر اهل النظر انه كلما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز ان يعارضه دليل نقلي وان وجد ما ظاهره المعارضة فلابد من تأويله ان لم يمكن طرحه وكلما حصل القطع من دليل نقلي مثل القطع الحاصل من اجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانا فلا يجوز ان يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي»(1)
ص: 19
الاستاذ المحقق حجة الاسلام و المسلمين حسن الميلاني
الحلقة الاولی
الباب الاول
كيف نقرّ بوجود الخالق المتعال؟!
يهدف هذا الفصل إلى الكلام عن:إراءة الطريق الصحيح(1) إلى الاقرار(2) بوجود الخالق (3) عز وجل، وتعاليه(4) عن وجود خلقه.
ص: 20
إثبات وجود الخالق تعالی بإقامة برهان يباين البراهين المذكورة في المعارف البشرية الفلسفية والعرفانية، وهو يمتاز عن غيره من البراهين بأنه:
ألف: يكشف عن الملاك الواقعي(1) الذي يكون به الخالق خالقا والمخلوق مخلوقا، وهو كون المخلوق مقداريا عدديا متجزيا قابلا للزيادة والنقصان، والخالق تعالی على خلاف ذلك كله.
ب: يتضح به بطلان البراهين التي أقامها أصحاب الفلسفة والعرفان على إثبات واجبهم.ج: إثبات تباين ذات الخالق تعالی مع سائر المخلوقات ، خلافا لما تتوهمه مدرسة الفلسفة والعرفان من وحدة وجود الخالق والمخلوق.
د: إثبات حدوث العالم ووجوده بعد عدمه الحقيقي، خلافا لما يزعمه أصحاب الفلسفة والعرفان من أزلية وجود العالم وامتناع إيجاد الاشياء لا من شيء.
اشارة
إن لمدرسة الوحي الالهي، لايصال الخلق إلى معرفة الخالق تبارك وتعالى برهانا بينا واضحا، كثير الفوائد، هام النتائج، مبتنيا على أصول ومقدمات بديهية وجدانية، يثبت به وجود الخالق المتعالي عن وجود الخلق جليا، ويكشف به الستر عن وجه الخلل الكثير الذي وقع في البراهين التي أقامتها مدارس الفكر والتعمق البشري لاثبات وجود معبودهم. فنحن نشير إلى تلك المقدمات البديهية وصورة البرهان أولا، ونردف ذلك بما صدر عن مشكاة النبوة ومصباح الولاية للاهتداء إلى ذلك ثانيا، ثم نشرع في تبيين البرهان وأصوله
ص: 21
وبيان ما يتفرع عليه بإيضاح تام، مقارنا لتطبيق ذلك على النصوص السماوية والعلوم الالهية إن شاء اللّه جل وعلا في مراحل ثلاثة.
المرحلة الاولى: أصول البرهان ومقدماته:
الاصل الاول: كل ما يمكن أن يوجد فيمكن أن يوجد مثله - وإلا لم يمكن أن يوجد الفرد الاول منه فإن حكم الامثال واحد - كما أن ذلك يكون قابلا للانعدام أيضا، وحيث إن قبول التكرر والانعدام في الوجود هو عبارة اخری عن قبول الشيء للزيادة والنقصان، وقبول الشيء للزيادة الزيادة والنقصان متفرع على كون الشيء المتزائد والمتناقصمقداريا متجزيا(1) محدودا(2) فيكون كل ما يمكن أن يوجد مقداريا متجزيا (3)محدودا.
ص: 22
الاصل الثاني: إن كل ما يمكن أن يوجد فلا بد لوجوده من علة - أي خالق وموجد-، فلا شيء يمكن أن يوجد بنفسه أبدا.
تبصرة : الحقيقة المقدارية، محدودة بحدود أجزائها المعينة فلا يمكنها أن تضيف الى نفسها شيئا وأن تكون موجدة لمثلها أبدا.
الاصل الثالث: إن كل ما يكون موجودا وكل ما يمكن أن يزيد عليه يكون محدودا متناهيا دائما لاستحالة وجود اللا متناهي في المقدار والعدد مطلقا،(1)
تقرير البرهان:
كل ما يكون موجودا وكل ما يمكن أن نفرضه زائدا عليه، فهو مقداري متجزي محدود من كل الجهات، (أي حتى من جهة زمان وجوده، وهو نفس معنى حدوثه) وذلك إما أن يكون تحققه بنفسه أو بغيره، وذلك الشيء الذى يكون غيره فإما أن يكون مثله أو بخلافه - أي بخلاف المقدار والعدد.
ص: 23
أو فقل: إن الشيء القابل للزيادة والنقصان في الوجود - وهو جميع العالم الذي يلزمه التناهي مطلقا، (أي زمانا ومكانا). فإما يزيد وينقص بنفسه، أو بمثله، أو بما يكون بخلافه، فإن الزيادة والنقصان الحقيقيين هما الوجود والعدم لا غير.
و الاول باطل بما بيناه في الاصل الثاني؛ والثاني أيضا باطل للاصل الثالث(1) فالثالث هو المتعين.(2)فبالنتيجة يكون الخالق تبارك وتعالى شيئا بخلاف الاشياء كلها، ومتعاليا عن قابلية الاتصاف بالمقدار والاجزاء والعدد، والزمان والمكان، والتناهي وعدم التناهي، والصغر والكبر، والشكل والشبح، والثبات والتغير، والبساطة والتركب، والوجدان والفقدان، والاطلاق والتقييد، والظهور والخفاء، والشهود والبطون، والتكثر والتعدد، والشدة والضعف، والنزول والصعود، والقوة والفعل، والوحدة والكثرة، والولادة والصدور، و...
فإن هذه المعاني تكون من ملكات الاقدار والاشياء ذوات الاجزاء، فخالق المقادير المخالف لها بالذات يكون خارجا عن إمكان الاتصاف بها موضوعا.
برهان آخر
إنه يمكن تقرير البرهان بحذف المقدمة الثالثة (أي استحالة اللامتناهي) بأن يقال:
إن تخصيص وجود العالم بكمه وكيفه اللذين خص بهما يكون بغيره، وكل ما يكون بغيره فهو حادث، فالعالم حادث ويمتنع أن يكون أزليا.
وبعبارة أخری إن الحقيقة المقدارية لا تكون موجودة إلا في كم وكيف معينين، لاستحالة خروج المقدار عن كم وكيف معينين؛ - وذلك كما أن الشمس مثلا تكون
ص: 24
كروية حارة على عدد معين، وكان يمكنها أن تكون على غير ذلك العدد والصفات والكيفيات بالنظر إلى ذاتها - وتخصصها بذينك الكم والكيف لا يكون باقتضاء ذاتها، وإلا امتنع تحولها عما هي عليها؛ وكل ما لا يكون بالذات فهو بغيره؛ وكل ما يكون بغيره فهو حادث وذو بدء في الوجود، لاستحالة إيجاد الموجود، ولبداهة امتناع التأثير في الازلي القديم بل امتناع كون الزمان بنفسه غيرمتناه.
إن قيل: "إن الحقيقة المقدارية لو فرضناها حادثة وموجودة بعد أن لم تكن فلا شك في دلالتها على وجود الخالق، وأما إن فرضناها موجودة أزلا فلا تحتاج إلى وجود الخالق".قلنا: إن فرض عدم التناهي وأزلية الوجود للحقيقة المقدارية محال بنفس هذا البرهان(1)و ذالك لما قلنا من ان تخصيص وجود العالم بكمه وكيفه اللذين خص هما يكون بغيره، وكل ما يكون بالغير فهو حادث فالعالم حادث ويمتنع ان يكون أزليا(2) ونقول في توضيح الدليل الثاني: إن ما بأيدينا من الانفعالات تكون علی قسمين:
أحدهما هو فعل الفاعل المختار ولا شك في أنه يكشف عن وجود فاعله وخالقه القادر علی الفعل والترك _ ولا بد وأن يكون هو شيئا بخلاف الاشياء ومتعاليا عن المقدار والاجزاء إذا كان موجدا لذوات الاشياء وماهياتها وأعيانها الخارجية دون مجرد التغيير فيها وتحويلها عن صورة إلی أخری كما بيناه.
ص: 25
ثانيهما هو ما نری من انفعالات الاشياء غير القسم الاول _ وذلك كإحراق النار وإشراق الشمس وأمثالهما _ ولا شك في أن هذا القسم حيث لا يكون باقتضاء ذوات الاشياء _ وإلا لم يمكن سلبها عن الاشياء وفرض كونها علی كيفية أخری _ فلا بد وأن يستند إلی فعل الفاعل المختار.
قال الله تعالی: أفي الله شك فاطر السماوات والارض؟!
فتری أنه تعالی يرشدك إلی أن كون السماوات والارض مفطورين ومنفعلين بفطر فاطر يكون أمرا مفروغا عنه.... فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم فلا حجة للجاهل. يا أخا أهل مصر تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبدا أ ما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يجريان ليس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فَلمَ يرجعان؟ وإن لم يكونا مضطرين فلمَ لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما، قال الزنديق صدقت،ثم قال أبو عبد الله عليه السلام يا أخا أهل مصر الذي تذهبون إليه وتظنونه بالوهم فإن كان الدهر يذهب بهم لمَ لا يردهم وإن كان يردهم لمَ لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر. السماء مرفوعة والارض موضوعة لمَ لا تسقط السماء على الارض؟ ولمَ لا تنحدر الارض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما؟ فقال الزنديق أمسكهما والله ربهما وسيدهما.(1).
فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله عليه السلام. فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمنت الكفار على يدي أبيك. فقال المؤمن الذي آمن
ص: 26
على يدي أبي عبد الله عليه السلام اجعلني من تلامذتك. فقال أبو عبد الله عليه السلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلمه. فعلمه هشام، فكان معلم أهل مصر وأهل الشام وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد الله عليه السلام.(1)
المرحلة الثانية: الهتاف من السماء إلى تعريف الخالق الحق جل وعلاقبل الشروع في ما وعدناه من تبيين البرهان وتوضيح مقدماته نتبرك بذكر نماذج من نصوص علم السماء المشيرة إلى ما قدمناه من البرهان وأصوله ومقدماته، فنقول مستعينا باللّه عزّ وجلّ ومتمسكا بحبل ولاء وليّه عجل اللّه تعالى فرجه الشريف:
قال اللّه تبارك وتعالى:
«وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال».(2)
الامام الجواد عليه السلام:
ص: 27
إن ما سوى الواحد متجزي، واللّه واحد أحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزيء ومتوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له...(1)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في كماله.(2)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
قبل كل غاية ومدة وإحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الاقدار ونهايات الاقطار.(3)
... قال [الزنديق] فحده (أي صفه) لي، قال [الامام الرضا عليه السلام]:إنه لا يحدّ (أي لا يوصف). قال: لمَ؟ قال: لان كل محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزائد، ولا متجزي، ولا متوهم.(4)
الامام المجتبى عليه السلام:
الحمد للّه الذي لم يكن له... شخص فيتجزيء، ولا اختلاف صفة فيتناهي.(5)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شانا وعظم سلطانا.(6)
الامام الصادق عليه السلام:
وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه، فأما ما عبرت الالسن عنه أو عملت الايدي فيه فهو مخلوق،... وكل موصوف مصنوع وصانع الاشياء غير موصوف بحد مسمّى، لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره، (فإن الصنع لا يتعلق إلا بالمقدار القابل للوصف والادراك). ولم يتناه إلى غاية إلا كان غيره، لا يزل من فهم هذا الحكم أبدا وهو التوحيد الخالص فاعتقدوه وصدقوه وتفهموه بإذن اللّه عز وجل، ومن زعم أنه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لان الحجاب والمثال والصورة غيره، وإنما هو
ص: 28
واحد موحد، فكيف يوحد من زعم أنه عرفه بغيره (فإن كل مدرك ومعروف بنفسه، فهو غير اللّه سبحانه وتعالى).(1)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثيل...، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد، والقريب منهم بلا ملامسة.(2) الموصوف. وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه.(3)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار.(4)
إنه تعالى لطيف، عظيم، كبير، جليل، ولكن ذلك كله على خلاف اللطافة والعظمة والكبرياء والجلالة المقدارية:
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ.(5)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
جلّ أن تحله الصفات، لشهادة العقول (فإن جواز الاتصاف فرع المقدار والعدد، والمقدار ملاك المصنوعية). أن كل من حلته الصفات مصنوع.(6)
ص: 29
الامام سيد الشهداء عليه السلام:
ليس بربّ من طرح تحت البلاغ أو وجد في هواء أو غير هواء.(1)الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
ما تصوّر فهو بخلافه.(2)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
ما تصوّر في الاوهام فهو بخلافه.(3)
الامام الصادق عليه السلام:
... لكنا نقول: كل موهوم بالحواس، مدرك بها تحده الحواس ممثلا فهو مخلوق، ولا بد من إثبات صانع الاشياء خارجا من الجهتين المذمومتين: إحديهما النفي إذ كان النفي هو الابطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف. (الذي لا يكون إلا مقداريا ). فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار منهم أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم... (4)
الامام الصادق عليه السلام:
... ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لان من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره (من المقادير). فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية، لا يستحقها غيره، ولا يشارك ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره...(5)
ص: 30
... فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام: اسأل عما شئت، فقال: ما الدليل على حدوث الاجسام؟فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضمّ إلى مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاولى، ولو كان قديما (بخلاف الشيء المقداري الجاري عليه الزمان). ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه (1). دخول في الحدث، (المستلزم لكونه بالصانع). ). وفي كونه في الازل دخوله في القدم، ولن تجتمع صفة الازل والحدوث، والقدم والعدم(2) في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت على حدوثهما، فلو بقيت الاشياء على صغرها، من أين كان لك أن تستدل على حدثها؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر، كان لا شيء أدل على الحدوث من رفعنا إياه ووضعنا غيره،(3). ولكن أجبتك من حيث قدرت أن تلزمنا ونقول: إن الاشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما
ص: 31
ضم شيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه، خروجه من القدم(1). كما بان في تغييره دخوله في الحدث، ليس لك ورآئه شيء يا عبد الكريم.(2)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:فالحدّ لغيره مضروب وإلى غيره منسوب.(3)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
لانه اللّه الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، وفي حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصرّفا... الذي لما شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذي الاقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره.(4)
الامام الرضا عليه السلام:
خلقة اللّه الخلق حجاب بينه وبينهم، ومباينته إياهم مفارقته إينيتهم... وأدوهم إياهم دليل على أن لا أداة فيه، لشهادة الادوات بفاقة المادين... وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه.(5)
الامام أبو جعفر الثاني عليه السلام:
جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريّته وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا.(6)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
ص: 32
ولا تناله التجزئة والتبعيض.(1)
الامام سيد الشهداء عليه السلام:
يوحّد ولا يبعّض.(2)الامام الرضا عليه السلام:
فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه... إذا لتفاوتت أجزائه.(3)
الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
... فمن وصف اللّه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه.(4)
الامام الرضا عليه السلام:
أول عبادة اللّه معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل موصوف أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الازل الممتنع من الحدث، فليس اللّه عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نّهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه...(5)
الامام الكاظم عليه السلام:
ص: 33
لا يكون شيء في السماوات والارض إلا بسبعة بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن. فمن قال غير هذا فقد كذب على اللّه، أو رد على اللّه عز وجل.(1)... يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: لا يكون إلا ما شاء اللّه وأراد وقضى؟ فقال: لا يكون إلا ما شاء اللّه وأراد وقدر وقضى. قال: قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضاه أمضاه، فذلك الذي لا مرد له.(2)
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): الصدقة دواء منجح ، و اعمال العباد فی عاجلهم ، نصب اعينهم فی آجالهم
ص: 34
العدد الثاني
المباحث الفلسفية و أقسامها
قَسَّمت الفلسفة اليونانية؛ القضايا الفكرية الی أقسام، و جعلت الوجود نقطة البدء و الأساس، ثم انطلقت بالبحث عن أحكامه و عوارضه، و تابعها في ذلك الفلاسفة من المسلمين. و نبدأ بتقسيم المباحث الفلسفية و تصنيفها؛ حسب ماقسّمه الشيخ المطهّري في كتابه ( التعرف علی العلوم الإسلامية- قسم الفلسفة):
أولاً: المسائل التي ترتبط بمفهوم الوجود، و إن الوجود موضوع علم الفلسفة.
فالفلسفة: تبحث عن الموجود من زاوية وجوده؛ يعني بما هو موجود. و في هذا القسم تُبحث أحكام الوجود و الماهية، و كذلك أحكام الوجود و العدم باعتبار أن الماهية و العدم؛ النقطتان المقابلتان للوجود.
ثانياً: المسائل التي ترتبط بأقسام الوجود، و التي ترد علی الوجود من جهة وجوده، من قبيل تقسيم الوجود: الی ذهني و خارجي، و الی: واجب و ممكن، و حادث و قديم، و ثابت و متغير، و واحد و كثير، و الی ما بالقوّة و ما بالفعل، و الی جوهر و عرَض.
ص: 35
ثالثاً: المسائل التي ترتبط بالقوانين العامّة الحاكمة علی الوجود؛ من قبيل العلّية و السنخية بين العلّة و المعلول.
رابعاً: المسائل التي ترتبط بعوالم و طبقات الوجود، و التي هي في نظر الفلاسفة أربعة:
1- عالَم الطبيعة أو الناسوت.
2- عالَم المِثال، أو الملكوت.
3- عالَم العقول، أو الجبروت.
4- عالَم الألوهية، أو اللاهوت.خامساً: المسائل التي ترتبط بروابط عالَم الطبيعة مع العوالم الأخری؛ بالسير الصعودي و السير النزولي، و قسمه الأكبر يرتبط بمسألة المعاد(1)
نظرات و ملاحظات حول القسم الأول من المباحث الفلسفية
القسم الاول :
من مباحث في الوجود و العدم و الماهية
الأول: موضوع الفلسفة
قالوا: إن الحكمة الإلهية (الفلسفة) تبحث عن الموجود بما هو موجود.
أقول: الصحيح أن يقال: إننا بحاجة إلی علم يبحث عن الواقع بما هو و ذلك لئلا يتّخَذ من كلمة الوجود و الموجود معنی بعيداً عن الحقيقة؛ فيتَصوّر أنهما الأصل، و غيرهما مجرّد اعتبار؛ كما حصل ذلك للفلاسفة. علماً إن هذا التعبير لا يتماشی مع باقي الأقوال؛ كالقائلين بإصالة الماهية.
هذا و العلم المتكفل للبحث عن الواقع لكشفه و تمييزه عن الوهم و الخيال. هو علم العقل المبتني علی البديهيات و البرهانيات لا غير لاالفلسفة المبتنية علی تقبل نظريات و آراء الفلاسفة اليونانيين و جعلها كالبديهيات و إن كانت مخالفة للعقل و المنطق.
الثاني: اشتراك الوجود
ص: 36
هذا البحث من جملة المباحث المرتبطة بالمفاهيم؛ و هو بحث لفظي، و ليس ببحث فلسفي، و لا شك أن له دخلاً في فهم المطالب الفلسفية. فالمفاهيم قبل معرفتها و تحديدها؛ لا يمكن الإستدلال بها إستدلالاً دقيقاً و مفيداً.
فالوجود أطلق علی الأشياء، فهل هذا الإطلاق كان علی معنی واحد، أم معانٍ متعددة؟ و لا شك إن معناه – عرفاً و لغة- واحد، و إن الذي يفهم من جملة (زيد موجود) هو نفس ما يفهم من جملة (المَلَك موجود) و (النفس موجودة) و (العقل موجود) لكن لا ربط بين وحدة الوجود المفهومية، و بين وحدة الوجود الحقيقة.فمفهوم الوجود واحد، إلا أن كنه الموجودات و حقيقتها قد تكون واحدة، و قد تكون متعددة، و هذه مسألة أخری
فبناءً علی رأي المشّائين و المتكلّمين: إن مفهوم الوجود واحد؛ حيث أنه مُنتَزع من مصاديق متعددة، و هو مفهوم اعتباري، و إن كان ما يصدق عليه مختلف في الكنه و الحقيقة، إلا أنها مشتركة في صدق المفهوم الواحد.
فالصحيح في هذا الباب أن نقول: إن مفهوم الوجود واحد، و إنه مشترك بين الأشياء مفهوماً، و أما أن حقيقة الأشياء – لأنها تشترك باسم واحد- واحدة؛ فهذه مغالطة، و لا دليل عليها، كما لا يوجد في الإطلاق العرفي و اللغوي تسمية حقائق الأشياء؛ بالوجود.
فما قاله بعض الفلاسفة في معاني الوجود؛ أنه يطلق و يراد به حقيقة الوجود و كنهه؛ إنما هو ادعاء بلا دليل و لا برهان، و إنما الإطلاق العرفي واللغوي؛ خاص بالمفهوم الإنتزاعي الكُلّي.
و استدل علی اشتراك الوجود بين الواجب و الممكن والمراد بذلك الاشتراك في حقيقة واحدة بوجوه:
الأول: صحة تقسيم الوجود الی الممكن و الواجب، و لا يصح التقسيم إلا مع إشتراك الأقسام في المقسم.
ص: 37
الثاني: اتحاد معنی العدم الذي هو نقيض الوجود، و نقيض الواحد واحد، و إلا ارتفع النقيضان.
الثالث: إن جميع موجودات العالم؛ آيات و علامات لوجود الباري جلّ و علا، و يستحيل أن يكون بين الشيء و علاماته تباين من جميع الوجوه، بل يكون كالفيء من الشيء، و هل تكون الظلمة آية النور، و الظل آية الحرور.
الرابع: لزوم التعطيل عن معرفة ذاته و صفاته إن قلنا بعدم وجود القدر المشترك بين وجود الواجب و الممكن؛ لأنا إذا قلنا أنه موجود، و فهمنا منه ذلك المفهوم البديهيالواحد في جميع المصاديق، فقد جاء الإشتراك و إن لم نحمله علی ذلك المفهوم، بل علی أنه مصداق لمقابل تلك الطبيعة و نقيضها- و نقبض الوجود هو العدم- لزم تعطيل العالم عن المبدأ الموجود- و العياذ بالله- و إن لم نفهم شيئاً فقد عطّلنا عقولنا عن المعرفة.
و هذه الوجوه هي عمدة ما استدلوا بها علی اشتراك الوجود. و كلها باطلة و قد أجاب عليها المحقق الكبير السيد البهبهاني رحمه الله فقال:
أما الأول: فلأن التقسيم كما يصح مع وجود المقسم و اشتراكه بين الأقسام علی سبيل الحقيقة، كذلك يصح باعتبار اشتراك الأقسام في بعض آثار المقسم. فإن أثر الوجود ثابت في الممكن و الواجب، فلا ينافي صحّة التقسيم مع ما بيبناه من استحالة الإشتراك المعنوي(1).
و أما الثاني: فلأن النقيضين؛ إنما لا يجوز ارتفاعهما عن محلهما مثلاً: العلم و الجهل لا يرتفعان عن الذهن الذي هو محل العلم و الجهل، و لكن يرتفعان عن اليد مثلاً؛ لأنها ليست مورداً لهما. و الحركة و السكون لا يرتفعان عن الجسم الذي هو محل لهما، و لكن يرتفعان عن العلم؛ فاليد لا عالم و لا جاهل، و العلم لا متحرّك و لا ساكن، و كذلك الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية؛ هوية و خارجاً، هو و نقيضه طرفان للماهية فلا يرتفعان عنها، و هي إما موجودة أو معدومة.
ص: 38
أما الواجب – تعالی شأنه- فلا ماهية له حتی يتطرق فيه الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد أو نقيضه، فوجوده تعالی أجل و أرفع و أعلی من هذا الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد. و أما الثالث: و هو كون موجودات العالم؛ آيات و علامات للباري – تعالی شأنه- ففيه:أنه لا يتوقف كونها علامات علی وجوده سنخية بينها و بينه، و يكفي فيه أنها حادثة محتاجة الی مدبّر و صانع دبّرها و صنعها علی هذا الوجه المنظّم، بل لا تدل علی المشابهة و النسخية بينهما و بينه؛ و إلا عد الصانع مصنوعاً، و المدبِّر مُدَبَّراً.
و تَوهُّم أنه تعالی علّة لوجود العالم، و هو معلول عنه، و من شرائط العلّة تحقق النسخية بينهما كنسخية الشيء و الفيء؛ وَ همٌ واضح.
فإنه تعالی شأنه؛ موجِد الأشياء و فاعلها بمشيئته، و لا تلزم النسخية بين الفاعل المختار و أفعاله. و إنما تجب السنخية بين العلل المضطرّة و معلولاتها؛ كالنار و إحراقها مثلاً.
و أما الرابع: و هو لزوم التعطيل علی فرض عدم الإشتراك بين وجود الممكن و الواجب، فأقبح من الجميع؛ لأن تنزيه الواجب – تعالی شأنه- عن الوجود الذي يتطرق فيه التحديد لا يوجب التحديد، و إنما يوجب سلب النقائص عنه تعالی شأنه.
و قوله « إذ قلنا بأنه موجود؛ فأن فهمنا منه هذا المفهوم البديهي الواحد في جميع مصاديقه، فقد جاء الإشتراك و إن لم نفهم شيئاً؛ فقد عطّلنا عقلنا عن المعرفة».
ففيه: إنه نفهم منه هذا المفهوم البديهي، كما نفهم من قولنا: أنه سميع بصير عالم قادر؛ مفاهيمها الأوّلية، لكن نُريد منها لوازمها، لعلمنا بعدم تطرّق الصفات فيه – تعالی شأنه-
كذلك ننتقل من قولنا: إنه تعالی موجود الی الوجود الذي لا يتطرق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية، هوية و خارجاً.
و من المعلوم أنه ليس من مراتب الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد، و إن اشترك معه في التعبير.
ص: 39
فالواجب تعالی شأنه كما لا تتطرّق فيه الماهيات من الجواهر و الأعراض؛ لإمكانها و حدوثها، لا يتطرّق فيه الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد و الإتحاد مع الماهية خارجاً؛ لإمكانه و حدوثه.
فأن قلت: إنا لا نعقل وجوداً غير هذا الوجود الذي يتطرّق فيه التحديد.قلت: إن أريد من عدم تعقّله؛ عدم معرفة هذا الوجود بكنهه، فهو كذلك، بل يجب أن يكون كذلك؛ لنتزهه عما يوجد في الممكن. و البشر لا يحيط تصوّره بما هو فوق الممكن.
و قد ورد عنهم عليهم السلام: كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه؛ فهو مخلوق مثلكم، مردود إليكم.
و إن أريد من عدم تعقّله؛ عدم معرفته حتی بالوجه، فهو ممنوع؛ لأن الآيات الدالة علی وجوده و تنزيهه عن كل ما يوجد في المخلوق كافٍ في معرفته تعالی شأنه بوجهه(1).
ص: 40
في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني (رحمه الله)
مقدمة المترجم:
(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.
والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله
ص: 41
تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثانيوزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)
المحاضرة التاسعة:
[إِنَّ اللهَ يفْعَلُ مَا يشَاءُ](1)
عنوان بحثنا المسائل الاعتقادية الاختلافية و التي تقع مورداً للابتلاء. هناك قسم من المسائل الاعتقادية وقعت محلاً للخلاف بشكل مشهود و لكنّها ليست مورداً للابتلاء و هذه أيضاً لا نبحث عنها هنا و قد بحثنا اكثر هذه المسائل حدوداً و نأمل و بفضل الله جلّ و علا أن نغتنم الفرص الآتية إن شاء الله تعالی.
طريقة بحثنا: كما بينا هي التعقل في ما جاء به الوحي و ذلك لأنّ الحركة الصحيحة في المسائل الاعتقادية من أجل الوصول للحقائق هي الحركة العقلانية و بالتعقل نؤمن بالذات المقدسة الالهية و بالوحي و حيث انّ الوحي وسيع منبعه و لا خطأ فيه مع المحافظة علی مكانة العقل فلابدّ و أن يتعقل بما جاء به الوحي مع لحاظ قيدين صحة السند و وضوح الدلالة.
و طبقاً لهذه الطريقة فقد حققنا و بحثنا إحدی المباحث المهمّة و هي نسبة و علاقة الذات الإلهية مع الكائنات فهل هي بنحو العينية أم السنخية أم التباين و كان مدّعانا انّ
ص: 42
التعاليم الإلهية تنادي بالبينونة بين الذات الإلهية المقدسة و الكائنات و تقول الفلسفة بالسنخية و يقول العرفاء خصوصاً ابن عربي و أمثاله بالعينية و قد حققنا هذه المسائلبالشكل المطلوب و إن كانت تحتاج كلّ واحدة من هذه المسائل إلی شرح مبسوط لكن حيث خصصنا الفرصة لتحقيق المسائل الأخر فقد اكتفينا بهذا المقدار.
فاعلية و عليّة الذات الإلهية المقدسة
لقد وعدنا أكثر من مرّة أن نطرح و نحقق مسألة علية الذات المقدسة الالهية بمعنی انّ ذات الله جلّ و علا فاعلة مختارة و في قبال هذا القول، قول عدة يعبرون عن الذات الالهية المقدسة بالعلة التامة(1) و مدعانا هو أنّ الله جلّ و علا فاعل مختار و علی هذا الأساس فسوف نحقق الأراء الأخری.
معنی الفاعل المختار
المقصود من الفاعل المختار واضح و الظاهر اّنه لا يحتاج الی شرح و بيان، فانّ الله جلّ و علا موجد و فاعل و مختار في فعله؛ يعني له القدرة علی الفعل و الترك و اصطلاحاً « له أن يفعل و له أن لا يفعل» فهو الذي خلق غيره و أوجده و في نفس الوقت مختار و قادر علی أن لا يوجد و علی أساس الطريقة المذكورة و هي التعقل في ما جاء به الوحي مع حفظ مكانة العقل نستطيع أن نستفيد من الآيات و الأحاديث المعتبرة انّه جلّ و علا فاعل مختار و الآيات حول هذا الموضوع كثيرة نذكر نماذج منها.
الشواهد القرآنية علی كون الله جلّ و علا فاعل مختار
يقول الله جلّ و علا:
[إِنَّ اللهَ يفْعَلُ مَا يشَاءُ](2)
ص: 43
يستفاد من الآية المباركة و بكامل الوضوح انّه تعالی فاعل مختار و في آية أخری يقول جلّ و علا:
[إِن يشَأْ يذْهِبْكُمْ وَ يأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ](1)
فانّ الله جلّ و علا قادر علی ذلك و هذا العمل تحت اختياره، فالآية أيضاً دالة علی أنّه فاعل مختار و بكامل الوضوح.
و يقول عزّوجلّ أيضاً:
[إِنَّ رَبَّكَ َفعَّالٌ لِمَا يرِيدُ].(2)
و يقول عزّوجلّ:
[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئاً أَن يقُولَ لَهُ كُن فَيكُونُ](3)
و في آية أخری يقول تبارك و تعالی:
[يخْلُقُ اللهُ مَا يشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَی كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ](4)
وفي بعض الأحيان في آية واحدة تبين هذه الحقيقة بتعابير مختلفة يقول الله جلّ و علا:
[قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكِ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَی كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيلَ في النَّهَاِر وَ تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَ تُخْرِجُ الْحَي مِنَ الْمَيتِ و تُخْرِجُ الْمَيتَ مِنَ الْحَي وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ] (5)
و الآيات من هذا القبيل كثيرة و قد طرحت هذه المسألة في المباحث القرآنية المختلفة و يستفاد من الكلّ انّ الله جلّ و علا فاعل مختار.
ص: 44
الشواهد الروائية علی كونه جلّ و علا فاعلا مختارا:
و قد بينت الروايات هذا المعنی أيضاً صراحة نذكر نموذجاً من هذه الروايات الكثيرة كالتالي:
«كان الله عزّ و جلّ و لا شيء غير الله معروف و لا مجهول و كان الله عزّ و جلّ و لا متكلم و لا مريد و لا متحرك و لا فاعل جلّ و عزّ ربّنا فجميع هذه الصفات محدثة عند حدوث الفعل منه عزّ وجلّ ربّنا»(1).
و هذه الرواية الشريفة تدل علی هذا المطلب بشكل واضح حيث تقول كان الله عزّوجلّ و لا شيء غير الله ثمّ بعد ذلك خلق و أوجد الله عزّوجلّ الأشياء في الوقت الذي كان قادراً علی الفعل و ذلك لأنّه لم تكن الاشياء موجودة من قبل و انّما حصلت بعد ذلك و النتيجة انّ الله عزّ وجلّ فاعل مختار.
ينقل المرحوم الكليني عن محمد بن مسلم انّه سمع الإمام الباقر عليه السلام يقول: «كان الله عزّو جلّ و لا شيء غيره و لم يزل عالماً بما يكون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه.»(2)
و عن أبي بصير قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول:
« لم يزل الله عزّوجلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا أحدث الأشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علی المسموع و البصر علی المبصر و القدرة علی المقدور.»(3)و هذا الحديث الشريف ناطق في المراد كاملاً(4) و من قوله عليه السلام: فلمّا أحدث الأشياء وقع العلم منه علی المعلوم و ...» يستفاد انّ الله جلّ و علا فاعل مختار و قادر علی فعله.
ص: 45
فالله تبارك و تعالی أزلي «لم يزل» و كان الله جلّ و علا و لم يكن فعل ثمّ « احدث الأشياء» و النتيجة هي؛ انّه فاعل مختار.
و ينقل المرحوم الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام انّه قال:
«إنَّ الله تباركَ وَ تعالی لاَ تُقَدّرُ قُدْرَتُهُ وَ لا يقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَی صِفَتِهِ وَ لاَ يبْلُغُونَ كُنْهُ عِلْمِهِ وَ لاَ مَبْلَغَ عَظَمَتِه وَ ليسَ شَيءٌ غَيرُهُ هُوَ نُورٌ لَيسَ فِيه ظُلْمَةٌ وَ صِدْقٌ لَيسَ فِيه كَذْبٌ وَ عَدْلٌ لَيسَ فِيه جَوْرٌ وَ حَقٌّ لَيسَ فِيه باطِلٌ كَذلِكَ لَمْ يزَلْ وَ لاَ يزَالُ أَبَدَ الآبِدِينَ وَ كَذلِكَ كانَ اِذْ لَمْ يكُنْ اَرْضٌ وَ لاَ سَمَاءُ وَ لاَ لَيلٌ و لا نَهَارٌ وَ لا شَمْسٌ وَ لا قَمَرٌ و لا نُجُومٌ و لا سَحَابٌ وَ لا مَطَرٌ وَ لا رِياحٌ ثُمَّ اِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالی أحبُّ أنْ يخلُقَ خلقاً يعظَّمونَ عظمتَهُ وَ يكبَّرونَ كبِرياءَهُ و يجلونَ جلالهُ فقال كونَا ظلَّينِ فكانا كَمَا قالَ اللهُ تباركَ و تعالی»(1)
و هذا الحديث ناطق بهذا المعنی: «كان الله تبارك و تعالی إذ لم يكن كذا و كذا...» و النتيجة انّ الله جلّ و علا فاعل مختار.
يقول محمد بن سنان؛
«كُنتُ عِندَ أبي جَعفَر الثاني عليه السلام فأجريتُ اخْتلافَ الشِّيعةِ فقالَ يا محمد انَّ اللهَ تباركَ و تعالی لمْ يزلْ متفرِّداً بوحدانيتهِ ثُمّ َخلقَ مُحمَّداً و علياً و فاطمةَ، فَمَكثُواألْفَ دَهْرٍ، ثمَّ خلقَ جميعَ الأشياءِ، فأشهَدَهُمْ خلقهَا و أَجری طاعَتَهُم عليهَا و فوَّضَ أمُورَهَا إليهِم، فهُم يحلُّونَ ما يشاءُونَ و يحرِّمونَ ما يشاءُونَ و لَْن يشَاءُو إلّا أنْ يشاءَ اللهُ تبارَكَ وَ تَعَالی.»(2)
ص: 46
و هذا الحديث صريح في أنّ الله جلّ و علا فاعل و ان فعله باختياره و انّه قادر علی أفعاله.
هذه نماذج من الأحاديث الكثيرة حول هذا الموضوع، فان كتب الحديث كتوحيد الصدوق و أصول الكافي وبحار الأنوار و سائر المجاميع الروائية مليئة بالأحاديث الموافقة للآيات القرآنية المباركة و التي بينا قسماً منها و كلها تنادي بهذا الواقع بأنّ الله جلّ و علا فاعل مختار(1) و انّه قادر علی فعله فله أن يفعل.
علاقة الخلق و الإيجاد بفعل الله جل و علا لا بذاته
النقطة المهمّة و التي تكون محور المباحث الآتية هي انّ المستفاد بكامل الوضوح من الآيات و الروايات هو انّ علاقة الخلق و الإيجاد إنّما يكون بفعل الله جلّ و علا لا بذاتهيعني بمشيئته و بعبارة أخری انّ الله جلّ و علا فاعل بالمشية و فاعل بالإرادة و ليست الذات بنفسها علة للإيجاد(2) «لم يزل الله متفرداً» «ثمّ خلق» فهذه النكتة مهمّة جداً و سوف تطرح في المباحث الآتية بدقة(3).
ص: 47
و علی هذا، فالمستفاد من هذه الروايات انّ الفاعل المختار بمعنی الموجِد القادر علی الفعل و الترك و اصطلاحاً «له أن يفعل و له أن لا يفعل» و الحاصل فليست الذات بنفسها علة لتحقق الكائنات بل انّ حدوث و خلقة الأشياء إنّما هو بمشيئته جلّ و علا و لا يمكن لأي استدلال عقلي أن ينفي المعنی المستفاد من الآية والأدلة الوحيانية و ذلك فانّ هذا المعنی لا ينافي ادراك العقل البين بل القول بأنّ الله جلّ و علا مختار ( في قبال القول بضرورة الإيجاد «و انّ الله جل و علا لا اختيار له») هو الصحيح و لا محذور عقلي فيه و الروايات تدعمه و تؤيده و علی هذا فنقول: انّ الله جلّ و علا فاعل مختار(1).
الذات الالهية المقدسة علة تامة في الفلسفة
يعبر في الفلسفةعن الله جل وعلا بانه علة تامة وسوف نحقق هذاالمعنی من زاوية نظر الفلاسفةوعلی اساس هذا المعنی فان الفعل لابد من صدوره من الله جل وعلا وصدور الافعال منهجل وعلا امر
ضروري وليست هذه الضرورة من جهة الحكمةوالعدالةاللازمةبل من جهةامتناع عدم الصدور.وبعبارة اخری الضرورة هناليست مثل ضرورة ترك الظلم حيث انّه تعالی وإن كان قادرا"علی فعل الظلم إلّا إنّه لا يفعله ومنزه عنه بل المراد من الضرورة في المباحث الفلسفية هي العلة التامّة للخلق ومعنی العلة التامّة ولازمها هو ضرورةصدورالفعل منه جلّ وعلا ولزومه وقدصرّح بهذا المعنی نفس الفلاسفة فمع ملاحظة هذا المعنی نحقق المسألة ونقول هل من الممكن أن يكون الله جلّ وعلا علّة تامة بهذا المعنی أو انّ هذا المعنی يلزم منه لوازم باطلة من جملتها سلب الإختيار(بالمعنی الواقعي له)عن الله جلّ وعلا وفی نفس الوقت يقول الفلاسفة انّ الله جلّ وعلا عالم وراض بفعله لكنّهم من خلال هذا الكلام بصدد توجيه الإختيار الالهي فإنّ مجردالعلم والرّضا لا يمكن أن يثبت الإختيار الواقعي لله جلّ وعلا.
ص: 48
إذن نحن هنا لابدّ لنا من التّحقيق في معنی العلّة والعلّة التامّة فإنّ هذا البحث يرتبط بجهات مختلفة لكن ليس هدفنا هنا البحث مفصلا" وانّما نبحث العلّة من الزاوية الذّات المقدسة الإلهية وما يرتبط بهذا الموضوع.
معنی العلّة في الفلسفة والكلام
لقد جاء بيان معنی العلة في غالب الكتب الكلامية والفلسفية ونحن ننقل بعض تعاريفهم.يقول السيد الطباطبائي في نهاية الحكمة: «فهذا الوجود المتوقف عليه نسميه «علة»والشيء الّذي يتوقف علی العلة معلولا"له.» ونقل عن أبي علي ابن سينا إنّة قال:«انّ العلّة هي كلّ ذات يلزم منه أن يكون وجود ذات أخری» ويقول المرحوم خواجه نصير الدّين الطّوسي: «كلّ شيء يصدر عنه أمرامّا بالاستقلال أو بالانضمام فانّه علة لذلك الأمر والأمر معلول له». والمراد من «امّا بالاستقلال» العلة التامّة و«أو بالانضمام»العلة الناقصة. ويقول القوشچي في شرح تجريد الاعتقاد:«العلة مايحتاج إليه أمرفي وجوده.»وجاءفي شرح حكمة الاشراق
ونعني بالعلة ما يجب بوجوده وجوب شي اخر بتة دون تصور تأخر»(1)و يقول ملاصدرا في الأسفار:
«فصل في تفسير العلة و تقسيمها فنقول: العلة لها مفهومان؛ أحدهما هو الشيء الذي يحصل من وجوده وجود شيء آخر و من عدمه عدم شيء فيمنتنع بعدمه و لا يجب بوجوده.»(2)
و المراد من المفهوم الأوّل هو العلة التامّة و من المفهوم الثاني العلة الناقصة. و بهذا المعنی فسرّ رجال هذا الفنّ المعروفون العلة، و في بعض التعاريف لا حظوا لزوم صدور
ص: 49
«المعلول عن العلة» بمعنی انّه لو كانت العلة تامة فلابدّ من تحقق المعلول منها«بلا تخلف» و هذه من المسائل القطعية في الفلسفة و لا ترديد في ذلك.(1)
و لأجل أن يتضح هذا المطلب ننقل عبارة من نهاية الحكمة للسيّد الطباطبايي حيث يقول:
«الفصل الثالث في وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامّة و وجوب وجود العلة عند وجود معلولها».(2)
فانّ العلة التامّة و معلولها لا ينفك أحدهما عن الأخر و انّ وجود العلة التامّة موجب لوجود المعلول و وجود المعلول لازم لوجود العلة و انّ هذين لا ينفك أحدهما عن الاخر و قد بيّن الفلاسفة هذا البحث بشكل مفصل و مستدل.
و جاء في توضيح المراد:(3)و الحاصل:«انّ من نظر في كلمات الفريقين لا يرتاب في انّ الفلاسفة يقولون بوجوب صدور العالم عنه تعالی علی النظام العليّ و المعلولي»(4).
الإرادة من صفات الذات عند الفلاسفة
لحدّ الآن عرفنا العلة التامة و العلة الناقصة و التلازم الموجود بين العلة التامّة و معلولها و انّهما لا ينفكان و هنالك نكتة مهمّة و هي انّ الفلاسفة لا يرون انّ الأرادة من صفات
ص: 50
الأفعال بل يرونها من صفات الذات و بعبارة صريحة انّها«العلم بالأصلح» و انّها من صفات الذات و لذا يرون انّ نفس الذات هي العلة للخلق لا الارادة و المشية التي هي من صفات الأفعال. و بعبارة اخری الفلاسفة يقولون انّ الذات المقدسة الالهية علة تامّة و يجب صدور الكائنات عنها (بلا تخلف) و اما بناء علی تعاليم الوحي فالكائنات ترتبط بالمشيئة وهي حادثة و الروايات حول هذا الموضوع كثيرة و قطعية.
خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الاشياء بالمشيئة.(1)
سؤال: ما معنی خلق الله المشيئة بنفسها؟
الجواب: هذا البيان لأجل قطع التسلسل يعني انّ المشيئة لا تحتاج إلی مشيئة اخری حتّی يلزم التسلسل.
رأي آية الله الخويي قدس سره حول كون الله جلّ و علا علة تامة
و ليس لنا مجال في هذه المحاضرة لبيان اللوازم الباطلة المترتبة علی القول بضرورة و لزوم صدور المخلوقات من الله جلّ و علا لكنّا نذكر عبارة المرحوم آية الله الخويي قدس سره في بيان رأي الفلاسفة فانّه استفاد من كلام الفلاسفة المعنی الذي استفادناهنحن منهم و كلّ من له ادنی اطلاع في المسائل الفلسفية يعلم ان مبنی الفلاسفة هو عدم انفكاك المعلول عن علته التامة فلو حصلت العلة التامّة يجب صدور المعلول عنها.
يقول المرحوم آية الله الخويي:
« انّ ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة و يشترك معه في نقطة اخری.»
توضيح العبارة:
ص: 51
تارة تكون العلة طبيعية مثل النار و الحرارة و اخری تكون العلة ارادية مثل الإنسان و فعله، و حول الله جلّ و علا(فالفاعل) اما من نوع اخر و بشكل غير محدود و لذا يعبر عنه جلّ و علا بالفاعل بالارادة و اما في الفاعل الطبيعي، فانّ المعلول له علاقة بذات العلة و في الحقيقة يتولد المعلول من صميم العلة و لكن فی الفاعل بالارادة الفعل و الشيء المتحقق لا علاقة له بذات الفاعل بل يرتبط بارادة الفاعل (اما نقطة الافتراق فهي انّ المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة(1)و ينبثق من صميم كيانها و وجودها و من هنا قلنا ان تأثير العلة في المعلول يقوم علی ضوء قانون التناسب) و لذا في الفاعل الطبيعي لابدّ من السنخية بين العلة و المعلول؛ لأنّ المعلول متولد من ذات العلة.( و اما المعلول في الفواعل الارادية فلا يرتبط بذات الفاعل و العلة لا تنبثق من صميم وجودها و من هناقلنا ان تأثيره العلة في المعلول يقوم علی اساس مسألة التناسب) و لذا فالسنخية غير لازمة في الفاعل بالارادة كما بينا ذلك سابقا(نعم يرتبط المعلول فيها بمشيئة الفاعل و اعمال قدرته ارتباطا ذاتيا؛ يعني يستحيل انفكاكه عنها حدوثا و بقاءا و متی تحققت المشيئة تحقق الفعل و متی انعدمت انعدم، و علی ذلك فمرد ارتباط الأشياء الكونية بالمبدء الأزلي و تعلقها به ذاتا إلیارتباط تلك الأشياء بمشيئته و اعمال قدرته و انّها خاضعة لها خضوعا ذاتيا و تتعلق بها حدوثا و بقاءا فمتی تحققت المشيئة الالهية بايجاد شيء وجد، و متی انعدمت فلا يعقل بقاؤه مع انعدانها، و لا تتعلق بالذات الأزلية و لا تنبثق من صميم كيانها و وجودها كما عليه الفلاسفة).
و هذه النكتة التی نصر عليها من ان خلقة المخلوقات لا ترتبط بذات الله جلّ . علا بل بمشيئته و انّ الكائنات لم تنبثق من صميم ذات الله جلّ و علا قد استنبطها المرحوم آية الله الخويي ايضا من كلام الفلاسفة و انّهم قائلون بضرورة صدور المعلول عن ذات الله جلّ و علا.
ص: 52
« و من هنا قد استطعنا أن نضع الحجر الاساسي للفرق بين نظر يتنا و نظرية الفلاسفة فبناءا علی نظر يتنا ارتباط تلك الأشياء بكافة حلقاتها بمشيئته تعالی و اعمال سلطنته و قدرته و بناءا علی نظرية الفلاسفة ارتباطها في واقع كيانها بذاته الأزلية، و تنبثق من صميم وجودها و قد تقدم عرض هذه الناحية و نقدها في ضمن البحوث السابقة بشكل موسع.»(1)
المرحوم آيةالله الخوئي يعتقد أيضا انّ المستفاد من الوحي و الذي يؤيده العقل ايضا يتفاوت ماهويا مع قول الفلاسفة ففي رأي الفلسفي انّ ذات الله جلّ علا علة تامة للكائنات يجب صدورها منه و لكن المستفاد من الوحي انّ خلق الكائنات يرتبط بمشيئة الله و فعله جلّ و علا و بعبارة اخری «انّ الله تبارك و تعالی فاعل مختار» كما هو جاء في أوّل الآية المذكورة في بحثنا حيث ِقول تعالی:
«انّ الله يفعل ما يشاء»من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): اعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم ، و يتكلم بلحم ، و يسمع بعظم ، و يتنفس من خرم
ص: 53
الحلقة الثانية
و ابيض يستسقی الغمام *** ربيع اليتامی عصمة للأرا مل
ابي طالب شيخ الاباطح عليه السلام
و هو النبي صلی الله عليه و آله و سلم. و يروی ثمال اليتامی
يلوذ به الهلاك من آل هاشم*** فهم عنده في نعمة و فوا ضل
لعمري لقد أجری أسيد و *** إلی بغضنا و جزاً باكلة آكل
أسيد: بن ابي العاص بن امية و مازالت بنو امية تبغض بني هاشم في الجاهلية و الاسلام و ذلك ان هاشماً شج عبد شمس و منعه من الظلم في الحرم و فعل ذلك رسول الله صلی الله عليه و آله في الجاهلية بابي جهل؛ سمع اعرابيا يصيح أما بحرم الله كريم و لا منصف من مظلوم «فقال ص» ما بالك فقال اشتری مني انسان جملا و ادخله بيته و اغلق بابه و لم يعطي ثمنه «فقال ص» إمض امامي حی تقفني علی منزله فجاء به الی منزل ابي جهل فاستخرجه من منزله و قال له يا فاسق إعط هذا حقه فما تمالك أن دخل فاخرج حقه
ص: 54
فاعطاء فقالت له قريش في ذلك فقال و الله ماملكت من امري حين امرني : و قوله: و جزا اي موجزاً و وجيزاً اي سريعاً
جزت رحم عنا أسيداً و *** جزاء مسيء لا يؤخرعاجل
خفض عاجل علی الجوار، كجحر ضب خرب، وكقول العجاج:
(كان نسج العنكبوت المرمل)
و عثمان لم يربع علينا و *** و لكن أطاعا أمر تلك القبائل(1)
عثمان: من شيبة بن عبد الداروهم الحجبة جعل عبد المطلب ذلك اليه. فيروی أن خالد بن صفوان جلس بفناء الكعبة و جاء بعض الشيبين فاستخف به و لم يعرفه فحقره و لم يكلمه فقال له انا بعض الحجبة و انا وجه من قريش تفعل بي هذا يا كذا فلما شتمه قال تفخر علي بقريش و انت عبد دارها و كلب فزارها تفتح لها اذا و لجت و تغلق خلفها اذا اخرجت و قنفذ ابن عمر و بن اسد بن عبد العزی بن قصي و هؤلاء كلهم كانوا يعادون بني هاشم حسداً لشرفهم السالف و لمايروی في الكتب من شرفهم الاخر
اطاعا بنا الغاوين في كل *** و لم يرقبا فينا مقالة قائل(2)
كما قد لقينا من سبيع و *** و كل تولی معرضا لم يجامل(3)
فان يلقيا او يمكن الله منها*** نكل لهما صاعاً بكيل المكا يل
و ذاك ابو عمر و ابي غير *** ليظعننا في أهل شاء و جامل
ص: 55
ابو عمرو: بن امية و كان يقال إنه ابن امة عبد المطلب فاستكنر ابو طالب ان يكون ابن امة ابيه يفعل به هذا الفعل
ينا جي بنا في كل ممسی و *** فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل
المناجاة:الكلام في سر قال الراجز: ياقومنا لا تنجون إن مع النجوی الهون، نجاه ينجوه
و يقسمنا بالله ما إن يغشنا*** بلی قد نراه جهرة غير حائل
يريد: يقسم لنا تقول العرب هو يحلفك و يحلف لك
أضا ق عليه بغضنا كل تلعة*** من الارض بين أخشب فالا
أخشب مكة : جانبا ها و يقال جبلاها
و سائل أبا الوليد ما ذا حبو *** بسعيك فينا معرضاً كالمخاتل
يعنی الوليد بن المغيرة و كان يكسی أبا الوليد و له الوليد بن الوليد بن الوليد و سمع رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم رجلا منهم يقول الوليد بن الوليد فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِوَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)جعلتم الوليد حنانا(1) و قوله معرضا اي تجعلنا عرضاً و انت مختال بذلك من الكبر
و كنت امرءاً ممن يعاش *** و رحمته فينا و لست بجا هل
و عتبة لا تسمع بنا قول *** حسود كذوب مبغض ذي دغاول
عتبة بن ربيعة بن عبد شمس و الدغولة المنكرة
و قد خفت إن لم تزدجرهم و *** تلاقي و نلقی منك إحدی البلا بل
ص: 56
تزدجرهم تفتعلهم من الزجر و يروی الزلازل
و مر أبو سفيان عني معرضاً*** كانك قيل في كبار المجادل
يفر الی نجدو برد ميا هه*** و يزعم اني لست عنهم بغافل
و اعلم ان لا غافل عن *** كذلك العدو عند حق و باطل
فميلوا علينا كلكم إن ميلكم*** سواء علينا و الرياح بها طل
يخبرنا فعل المنا صح انه*** شفيق و يبغي عارقات الدوا خل
العارقات من عرقت العظم يعني مطعم بن عدي(1)
أمطعم لم أخذ لك في يوم *** و لا عند تلك المعظمات الجلاجل
و لا يوم قصم اذ أتوك لدة*** اولي جدل مثل الخصوم المساجل(2)يوم قصم! يريد تخالفوا علينا ان يخرجونا من مكة قصمهم الله، والدة ؛ جمع ألد قال رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم ان قريشا قوم لد إلا من اتقی الله منهم !المساجل! يتساجلون الكلام بينهم كتنازع السجال، قال الراجز(3):
يا سعد يا بن عمر ياسعد*** هل يروين ذودك نزع معد
و ساقيان سبط و جعد*** مرد و لا يرويك الا المرد
إذا هم تأ زروا و اشتدوا*** حسبتهم جناً إذا ماجدوا
كأن أنباح وثار تعد و*** أوب حساها و السجال مد
***
أمطعم إن القوم سا موك *** و اني متی أوكل فلست
ص: 57
بوائل(1)
جزی الله عني عبد شمس و *** عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة*** له شاهد من نفسه حق عادل(2)
لقد سفهت أخلاق قوم *** بني خلف قيضا بنا و الغياطل(3)
بني خلف: اراد رهط أمية!(4)والقيض المقايضة وهو الاستبدال و الغيطلة الشجرة قال الأصمعي إنما سميت البقرة غيلة لأنها تولد في الشجرة و اراد بقول الغياطل العيص بن أمية و العيص الشجر
و نحن الصميم من ذوابة هاشم*** و آل قصي في الخطوب الأوائل
و كان لنا حوض السقاية فيهم*** و نحن الذری منهم و فوق الكواهل
فما ادركوا ذحلاً و لا سفكوا *** و ما خالفوا إلا شرار القبائل
بني أمة مجنونة هندكية*** بني جمح عبيد قيس بن عاقل(5)
يقال: هندية و هند كية اذا نسبت إلی الهند و نصب عبيد علی الذم و قيس بن عاقل من حمير و كان استرعی رهطاً من بني جمح لابله
و سهم و مخزوم تمالوا و ابوا*** علينا العدی من كل طمل و خامل(6)
و شايظ كانت في لوي بن *** نفاهم الينا كل صقر حلاحل(7)
الوشيظة : ما تعلق بالقوم و ليس منهم .حلاحل: عظيم
ص: 58
و رهط نفيل شر من وطأ *** و الأم حاف من معد و ناعل
نصب:شر علی الذم
فعبد مناف أنتم خير قومكم*** فلا تشركوا في أمركم كل واغل(1)
فقد خفت إن لم يصلح الله *** تكونوا كما كانت أحاديث وائل
اراد : ان تكونوا كبكر و تغلب
لعمري لقد وهنتم و عجز تم*** و جئتم بأمر مخطئي للمفاصل(2)
و كنتم قديماً حطب قدر فانتم*** الآن حطاب أقدرو مراجل
ليهن بني عبد المناف عقوقها*** و خذلانها و تركها في المعاقل
اراد: في معاقل الجبال
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): اذا اقبلت الدنيا علی احد اعارته محاسن غيره ، و اذاادبرت عنه سلبته محاسن نفسه
ص: 59
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة السابعة.
30- ملا محسن المعروف بالفيض الكاشاني
لا يخفی ان ملا محسن المعروف بالفيض الكاشاني كان من كبار الفلاسفة الا انه ادعی في آخر عمره انه تاب من القول باقوال الفلاسفة و تراجع عن آراءهم و كتب كتاب الانصاف و جاء فيه:
«منهم من أولع بالنّظر الی كتب الفلاسفة ليس له طول عمره سواه و لا له في غيره هواه....و من هؤلاء من يتعلل بأن غرضه من ذلك تحصيل الإستعداد لفهم الحديث و القرآن و كذلك سولت له نفسه و الشيطان مع أنه لا يفرغ للحكمة العلمية لا المنقولة عنهم و لا النّبوية».
31- السيد محمد مهدي بحر العلوم قدس سره
ص: 60
قال رحمه الله في إجازته للعالم العامل السيد عبد الكريم بن السيد محمد بن السيد جواد بن العالم الجليل السيد عبد الله سبط المحدث الجزائري بعد كلام به في اعتناء السلف بالأحاديث و رعايتها دراية و رواية و حفظاً ما لفظه:
«ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات جانبوا العلم و العلماء و باينوا الفضل و الفضلاء عمّروا الخراب و اخلوا الی التراب نسوا الحساب و طلبوا السراب سكنوا البلدة الجلحاء و توطنوا القرية الوحشاء إطمانوا بمسرات الايام الممزوجة بالهموم و الالام و استلذوا لذائذها المعجونة بأقسام السموم و الأسقام فهم بين من اتخذ العلم ظهريا و العلماء سخرياً و اولئك هم العوام الذين سبيلهم سبيل الانعام فهم في غيهم يترددون و في تيههم يعمهون و بين من سمی جهالة اكتسبها من رؤساء الكفر و الضلالة المنكرينللنّبوّة والرّسالة حكمة و علماً و اتخذ من سبقه اليها أئمة و قادة يقتفي آثار هم و يتّبع منارهم يدخل فيما دخلوا و ان خالف نصّ الكتاب و يخرج عمّا خرجوا و ان كان ذلك هو الحق الصّواب فهذا من اعداء الدّين و السعاة في هدم شريعة سيد المرسلين و هو مع ذلك يزعم أنّه بمكان مكين و لا يدري انّه لا يزن عند الله جناح بعوض مهين و ثالث: رضي من العلم بادّعاءالعجائب في الذات و الصفات و الأسماء و الأفعال و الوصال المغني عن الأعمال المشوش لقلوب الرعاع و الجهال و هؤلاء هم الباطنيّة من أهل البدع و الأهواء المنتمين الی الفقر و الفناء و هم أضرّ شيء في البلاد علی ضعفاء العباد... و حسب هؤلاء القوم من تحصيلهم هذا دعاء أمير المؤمنين و إمام المتقين علي بن أبي طالب (علیه السلام) باعماء الخبر و قطع الأثر او بدقّ الخيشوم و جزّ الحيزوم . و قول رسول الله صلی الله عليه و آله :«من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء او يصرف به وجوه الناس اليه فليتبوّئ مقعده من النار». و كفاهم خزياً و ذلاً تشبيههم في كلام الملك الجبار تارة بالكلب و الأخری بالحمار الذي يحمل الاسفار ذلك الخزي الشنيع و الذلّ الفظيع أعاذنا الله و جميع الطالبين من موجبات الآثام و من اخلاق هؤلاء اللّئام».(1)
ص: 61
32- العلامة المحقق محمد اسماعيل بن الحسين المازندراني الخواجوئي
حيث قال:
«و مخالفة ما ذكرناه لقوانين الحكمة الفلسفية غير مضرة لانها نظريات لم تثبت ببرهان فالقول بها وهمي شعري لا يعارض ظواهر النصوص الجلية الشرعية»(1).
و قال في مبحث الطينة :
«و الأظهر ان المراد بالطينة هنا كم سبق شخص النطفة التي خلق منها الميت تبقی في القبر علی هيأة الكرة الی ان يعاد في القيامة و لا استبعاد في بقائها بحالها بالنظر الی قدرةالله القادر فلا حاجة الی تأويلها بالصورة البرزخية الباقية بعد الموت و لا الی القول بأنها انما لا تبلی لانها لا تقبل البلی لانّه خلاف الاظهر بل هو خلاف الشرع الانور لابتنائه علی القواعد الفلسفية.»
و قال في الرسالة التي كتبها في تفسير الآية الشريفة( و كان عرشه علی الماء)
ما ترجمته:
«من قال بوجود عقل مجرد ذاتا و فعلا فقد قال بقدمه و هو يستلزم القول بقدم العالم و القائل بقدم ما سوی الله – و ان كان من الامامية – كافر باجماع المسلمين»(2).
33- آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)
لا يخفی ان السيد الصدر كان من المخالفين لاعتقاد الفلاسفة حيث يقول حول عقيدة وحدة الوجود: لا شك في أن الاعتقاد بمرتبة من الثنائية التي توجب تعقل فكرة الخالق و المخلوق مقوم للإسلام، إذ بدون ذلك لا معنی لكلمة التوحيد. فالقول بوحدة الوجود إن كان بنحو يوجب عند القائل بها رفض تلك الثنائية فهو كفر...و عليه
ص: 62
فتارة...يدعی أنه لا فرق بينهما إلا بالاعتبار و اللحاظ، لأن الحقيقة إن لوحظت مطلقة كانت هی الواجب ، و إن لوحظت مقيدة كانت هي الممكن. و... هو الموجب للكفر.(1)
كما و أن كتاب فلسفتنا يختص بمناقشة الفكر الفلسفي الغربی يعنی مناقشة انكار العقل و قدرته علی كشف الحقائق المطلقه و قد تبنی فيه السيد الصدر رحمه الله بعض ارائ ملا صدرا كالقول باصالة الوجود الا انه عدل بعد ذلك عن هذا الرأي وقال اني سوف اجيب علی نظريات ملا صدرا كما نقل ذلك احدتلاميذته وهو سماحة آية الله السيد علی اكبر الحائري الا انه رحمه الله لم يمهله حزب البعث العفلقي الكافر لمواصلة ذلك.من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): خالطوا الناس مخالطة ان متم معها بكوا عليكم ، و ان عشتم حنوا اليكم
ص: 63
وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة
الحلقة السادسة
الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني
لا يخفی ان المستعمر الكافرهو الذي اوجد الوهابية والبابية والبهائية والشيخية لاجل تمزيق الاسلام وتشويه حقيقةالتشيع ويذكرفي بعض التقارير ان احمد الاحسائي وكاظم الرشتي كانا قسين من قساوسة النصاری تظاهرا بالاسلام لاغراض جاسوسيةولذا ارتات المجلةاظهارانحرافات الشيخيةحتی تحذر الامةافكارهم (المجلة)
المسألة الرابعة: الإمام علي(علیه السلام)و تعليم الملائكة و الأنبياء عليهم السلاممن جملة عقائد الشيخية تعليم علي عليه السلام علمهُ للملائكة و الأنبياء عليهم السلام و هذه مخالفة صريحة للضرورة من الدين، بل لما هو ضروري عند المسلمين بل عند جميع المليين ، و عند ذوي العقول من العالمين من كون علم الملائكة من الله سبحانه، و أما علم
ص: 64
الوصي و الخليفة فهو موروث و مستفاد من النبي صلي الله عليه و آله و سلم، و الخليفة رعية من رعاياه ليس له طريق الی العلم لشريعته و غيرها بدون تعليم النبي صلي الله عليه و آله و سلم له، و السنة بذلك متظافرة كثيرة الی الغاية، فالمخالف لهذه الضرورة ليس بمسلم قطعاً، فما ذكر في الخطبة التطنجية و غيرها من تعليم علي عليه السلام للنبي صلي الله عليه و آله و سلم ، دليل علی كون الخطبة المذكورة موضوعة بهذه الفقرة و هي قوله عليه السلام: «و علَّمني علمه و علَّمتهُ علمي». من حيث المخالفة لضرورة الدين و السنة الشريفة، و زعمهم بأن علم الرسول مجمل و علم الوصي مفصّل، فالتفصيل يأتي من الوصي الی النبي، و هذا قول باطل لما هو معلوم من فرعية علم الوصي علی علم النبي و المفصّل و المجمل مفهومان من مخترعاتهم في المقام فإن قصد بالمفصّل ما لم يعلمه الرسول قبل تعليم الوصي له حسبما نص عليه في عبايره و بياناته في المقام، فهو بهتان عظيم علی الله و رسوله و وصيه عليهم السلام ، لما عرفت من قيام الضرورةعلی كون علم الوصي من النبي صلي الله عليه و آله و سلم لقوله عليه السلام: علَّمني رسول الله ألف باب من العلم...» . و لو قصد به معنی غير ذلك كائناً ما كان فهو باطل بالضرورة لعدم تصور و صدق تحقق جهل الرسول بشيء و الوصي عليه السلام يعلّمه به، و ما زعمه السيد كاظم الرشتي من المقامات التي تعلّم الرسول العلم بها من الوصي عليه السلام. مبني علی مخالفاتهم للضروريات من الدين بل لضروريات الملل و العقول، فمنها كون علی عليه السلام هو المصوّر لحقائق الخلق علی فطرة التوحيد، و منها كونه هو المرسل للرسل الی الخلق، و منها كونه هو مادة الخلق، و منها كونه هو الفرقان العظيم، و ما لم نذكره منها و هذه هي حال فرقة الشيخية في المخالفة للضرورة، و العجب الغريب زعمهم بأن ما قالوه في حق علی عليه السلام دلَّ عليه الدليل العقلي و النقلي، فقلبربك، أي عقل و نقل يدل علی عدم صدور شيء من الله سبحانه. و بالجملة فالعاقل بعد معرفته مبنی هذه المخالفات يعلم علماً يقيناً بأن العقل و النقل مخالفان لهذه المبتدعات(1).
ص: 65
قال السيد كاظم الرشتي في شرحه للخطبة: «فعلی هذا تبين لك معنی قول علي عليه السلام علمّته علمي لأن علياً عليه السلام في مقام الولاية، و هي مقام التفصيل، فالأحكام التفصيلية ما وصل الی النبي صلي الله عليه و آله و سلم إلا بواسطةعلی عليه السلام .. فكل المقامات و المراتب التي فيها التعلق و التكليف و التوصيف و التعريف و التفريق و الامتياز لا يصل الی النبي صلي الله عليه و آله و سلم إلا بعلي عليه السلام و هو بابه فيما يصدر عنه الی غيره... الی أن قال: و أن علياً ولي الله و هذا التعليم و الإلهام في الكل إنما كان بعلي عليه السلام ... إما علمت أن جبرئيل سيد الملائكة قد علَّمهُ علی عليه السلام شرايع دينه و معرفته بربّه و اسمه، و هذا دليل علی أنه عليه السلام ما يمكنه أن يتعلم و يأخذ من الله سبحانه إلا بواسطةعلی عليه السلام ..»(1). فالسيد كاظم الرشتي يعتقد أن النبي صلي الله عليه و آله و سلم كان جاهلاً بما عندعلی عليه السلام من العلم بالأحكام التفصيلية و أن عليا عليه السلام هو الذي علّم النبي صلي الله عليه و آله و سلم تفصيل الأحكام، و لكن النبي صلي الله عليه و آله و سلم يقول: «أنا مدينة العلم وعلی بابها» و قال تعالی: [وَ مَا ينطِقُ عَنِ الْهَوَی* إِنْ هُوَ إلّا وَحْي يوحَی* عَلَّمَهُ, شَدِيدُ الْقُوَی](2)، فالقرآن العظيم صريح علی أن علم النبي صلي الله عليه و آله و سلم من الله سبحانه بواسطة الوحي، و هو جبرئيل عليه السلام ، و فرقة الشيخية خالفوا صريح القرآن، حيث قالوا إن علياً عليه السلام هو الذي علّم النبي صلي الله عليه و آله و سلم الأحكام الشرعية التفصيلية.و لم تكتف فرقة الشيخية بذلك، بل قالوا: إن الملائكة و منهم جبرئيل عليه السلام أخذوا علمهم من علی عليه السلام. بل جميع العباد أخذوا عن علی عليه السلام. قال الشيخ أحمد الاحسائي في شرح فقرة « و أعلاماً لعباده»:
«والمراد أنهم يهتدي بهم جميع العباد في طرق المعتقدات و الأحوال و الأعمال في كل شيء ، بل لا حقَّ إلا منهم عليهم السلام عند جميع الخلق، و قد تقدّم في أول هذا الشرح أنهم هم المعلّمون للملائكة تسبيح الله و تهليله و تكبيره و تحميده.
ص: 66
و روي أنَّ جبرئيل عليه السلام كان جالساً عند النبي صلي الله عليه و آله و سلم فأتی علي عليه السلام فقام له جبرئيل، فقال صلي الله عليه و آله و سلم: أتقوم لهذا الفتی، فقال: إن له علي حق التعليم، فقال النبي صلي الله عليه و آله و سلم كيف ذلك التعليم يا جبرئيل، فقال : لمّا خلقني الله تعالی سألني من أنت و ما اسمك و من أنا و ما اسمي، فتحيرت في الجواب، ثم حضر هذا الشاب في عالم الأنوار و علّمني الجواب، فقال: قل أنت ربي الجليل، و اسمك الجميل، و أنا العبد الذليل، و اسمي جبرئيل، و لهذا قمت له و عظّمته»(1).
قال الاحسائي: «فتأمل في قول جبرئيل طاوس الملائكة الذي هو معلّم الرسل والأنبياء عليهم السلام فإنه ما عرف ربه و ما عرف نفسه إلا بتعليم الإمام، فكيف ما سواه من الملائكة، و اذا كانت الملائكة كذلك فكيف سائر الخلق»(2).
أقول: قل لي بربك أيها الغيورعلی دينه و مذهبه، أي عاقل يعترف بمثل ما رواه الشيخ «الأوحد» المخالف للضرورة من الدين و العقل و ما ورد في الفرقان العظيم في قوله تعالی: [وَ عَلَّمَ ءَادَمَ الْأسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ علی الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِيبِأَسْمَآءِ هؤُلآءِ إن كُنتُمْ صَادِقينَ* قَالُوا سُبْحانَكَ لَا عِلَْمَ لَنَآ إلَّا ما عَلَمْتَنآ إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ](3).
فالتعليم كان من الله سبحانه لملائكته الكرام الكاتبين، لا من الإمام علی عليه السلام كما يعتقده الاحسائي. و قد تابعه في هذه العقيدة الباطلة تلميذه كاظم الرشتي، قال في شرحه للخطبة: «و من التعليم إنزال الملائكلة و حفظة الوحي و حملة الإلهام علی النبي صلي الله عليه و آله و سلم، فإن ذلك كان بالولي عليه السلام أما علمت أن جبرئيل سيد الملائكة، و قد علّمه
ص: 67
علی عليه السلام شرايع دينه و معرفته بربه و اسمه و هذا دليل علی أنه ما يمكنه أن يتعلّم و يأخذ من الله سبحانه إلا بواسطةعلی عليه السلام»(1).
و قال أيضاً: «و ذلك كجبرئيل و سائر الملائكة فإنهم يأخذون من غيبهم و يؤدون الی شهادتهم عليهم السلام لأن الملائكة روابط بين الغيب و الشهادة، و كذلك علی عليه السلام علّم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في مقام الشهادة»(2). فلو لم يعلّم الإمام علی عليه السلام الملائكة وعلی رأسهم سيدهم جبرئيل عليه السلام شرايع دينهم و معرفتهم بربهم سبحانه، لبقيت الملائكةعلی كفرهم و عدم معرفتهم بربهم في اعتقاد (الشيخية)، و بهذا خالفوا الضرورة من دين المسلمين، من أن الملائكة عباد مكرمون معصومون لا يسبقونه بالقول، و هم بأمره يعملون، لا بأمر الإمام علی عليه السلام. قال أميرالمؤمنين عليه السلام في وصفه للملائكة:«ثم خلق سبحانه لسكان سماواته... خلقاً بديعاٌ من ملائكته... جعلهم فيما هنا لك أهل الأمانةعلی وحيه و حملهم الی المرسلين ودائع أمره و نهيه و عصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته»(3).و قال إيضاً: و ملائكة خلقتهم و أسكنتهم سماواتك... هم أعلم خلقك بك و أخوف خلقك منك و أقرب خلقك إليك و أعلمهم بطاعتك...»(4).
و قال الشيخ الصدوق: « و الملائكة روحانيون معصومون لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون»(5).
قال السيد كاظم الرشتي في شرحه: «و من التعليم بعثة الأنبياء بالشرائع و السنن فإن الشرايع كلها من شريعة أبينا آدم عليه السلام الی شريعتنا الموجودة الآن كلها من حدود
ص: 68
القرآن كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، و قد علمت أن القرآن هو صفة الولي عليه السلام و تلك الشرايع صفة القرآن علی الحقيقة أو نسخة منه علی الظاهر فيرجع الی الولي عليه السلام أمرها، قال تعالی: [وَ إِلَيهِ يرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ] (1)، قال عليه السلام: إن الضمير يرجع الی الولي عليه السلام.... الی أن قال: و هذا التعليم و الإلهام في الكل إنما كان بعلي عليه السلام بمثاله في هوياتهم و في نبينا صلي الله عليه و آله و سلم لكونه علمه و لسانه ونفسه...»(2). فالسيد يعتقد أن القرآن هو صفة الولي عليه السلام سواء بألفاظه أو معانيه، و أياً كان فإن في ألفاظه لفظ الكلب و الخنزير و الدم المسفوح و الميتة و الزانية و الزاني و الكافر و المشرك و المنافق و فرعون و هامان و قارون و نمرود و إبليس و الشيطان و السارق و السارقة و الحمار و الضفادع و القمل و الإبل و البقر و الغنم و الزنيم و غيرها من الألفاظ القرآنية، و هكذا حل معانيها كما يعتقد السيد من أن الضمير في قوله تعالي: [وَ إِلَيهِ يرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ,] ، راجع الی الولي لا الی الله، و الآية مسبوقة بالله لا بغيره مطلقاً. و يعتقد أيضاً أن تعليم الأنبياء و إلهامهم عليهم السلام بعلي عليه السلام مع أنهم قد سبقوه في وجودهم، و يعتقدأن علياً عليه السلام علّم النبي صلي الله عليه و آله و سلم و ألهمه مع أن الضرورة قائمةعلی أن المعلّم للنبي صلي الله عليه و آله و سلم و لجميع الأنبياء عليهم السلام هو الله وحده(3). قال تعالی [... وَ أََنزَلَ اللُه عَلَيكَ الكِتابَ وَ اْلحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَالَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيكَ عظيماً] (4). و قال تعاليعلی لسان يعقوب عليه السلام [قَالَ أَلَمْ أقُل لَّكُم إنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ](5). و لم يقل: «إني أعلم منعلی عليه السلام» و قال تعاليعلی لسان
ص: 69
يوسف عليه السلام [رَبِّ َقدْ ءَاتَيتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ](1). و قال تعالی مخاطباً نبيه عيسی عليه السلام: [وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الحِكْمَةَ وَ التَّوراةَ وَ الإِنْجيلَ](2). و قال تعالی: [و إِنَّهُ, لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ الْنَّاسِ لا يعْلَمُونَ](3). و قال تعالی حكايةعلی لسان يوسف عليه السلام [ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي~](4). الی كثير من الآيات المصرحة من أن الأنبياء عليهم السلام يعلمون بتعليم من الله سبحانه عن طريق الوحي، و قد خالفت (الشيخية) هذه النصوص القرآنية مدعية أن الإمام علياً عليه السلام هو الذي علم الإنبياء و الملائكة عليهم السلام. قال الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي في شرحه لفقرة «محال معرفة الله». «إن كل معرفة عند أحد من الخلق إنما كانت صحيحة؛ لأنها أخذت عنهم، فهم محالّ معرفة غيرهم... و رابعها أن كل معرفة إذا لم تضف إليهم و تنسب كانت عدماً إذ لا وجود لشيء بدونفاضل وجودهم لأنهم علّة الإيجاد، يعني العلة المادية... فهذه الوجوه و غيرها في كلها هم عليهم السلام محال معرفة الله؛ لأن معرفة الله حينئذ عندهم و معهم و فيهم و بهم و إليهم و لهم»(5). و هذا بناءعلی ما يعتقده (الاحسائي) و من تابعه، من أنهم عليهم السلام هم العلة المادية و الفاعلية و الصورية و الغائية لجميع الخلائق، و من أجل ذلك قالوا: إنّ الإمام علياً عليه السلام هو الذي بعث الأنبياء و المرسلين كما ورد في خطبة (البيان ) المنسوبة إليه عليه السلام و أنه عليه السلام علّم الملائكة و الأنبياء شرايع دينهم، كما أنه عليه السلام علّم علمه للنبي صلي الله عليه و آله و سلم الی غير ذلك من المعتقدات الباطلة المخالفة لما عليه جميع المسلمين.
ص: 70
العدد الثالث
الادلة الروائية حول حرمة الموسيقی
ص: 71
الكليني عن عدّة من اصحابنا عن سهل عن احمد بن يوسف بن عقيل عن ابيه عن موسی بن حبيب عن علي بن الحسين عليه السلام قال لا يقدّس الله اّمة فيها بربط يقعقع، و ناية «فاية» تفجع(1).
سند الرواية: امّا الراوي المباشر موسی بن حبيب ممن لا دليل علی وثاقته. ذكره الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عنهم عليهم السلام و لم نر له غير هذه الرواية.
و امّا يوسف بن عقيل فقد قال النجاشي بشأنه: يوسف بن عقيل البجلي كوفي ثقة قليل الحديث. الخ.
و امّا احمد بن يوسف بن عقيل فلا دليلعلی وثاقته نعم هناك رواية في التهذيب(2). يرويها احمد بن محمد عن احمد بن يوسف بن عقيل فاذا كان المقصود هو احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي فيمكن القول بوثاقة الرجل. و امّا سهل بن زياد فهو محل كلام بين الاصحاب. هذا حال سند الرواية. وقبل ان نبحث في دلالة الرواية نذكر بعض مفرداتها:
جاء في الرواية – لا يقّدس الله فان الظاهر انه بمعنی لا يطهّر الله و ذلك لما جاء في الحديث ان محمّد بن مارد قال سمعت ابا عبدالله عليه السلام يقول: ما من مؤمنيكون في منزله عنزحلوب الاّ قدّس اهل ذلك المنزل و بورك عليهم، فان كانت اثنتين قدّسوا كلّ يوم مّرتين فقال رجل من اصحابنا: كيف يقدّسون؟ قال: يقال لهم: بورك عليكم و طبتم و طاب أمامكم قال: قلت: ما معنی قدّستم؟ قال: طهّرتم(3).
و جاء في المنجد: قَدُسَ يقدُس قُدساً، قدساً: طَهُرَ و تبارك، قدّس الله فلاناً: طهّره و بارك عليه.
ص: 72
كما ان الظاهر انه عليه السلام شبّه صوت البربط بصوت يكره الانسان سماعه و ذلك لان قعقع قعقعة: السلاح حسب ما جاء في المنجد بمعنی صوّت و القعاقع مفردها قعقعة: تتابع اصوات الرعد في شدّةٍ(1).
و ناية تفجع- هذا حسب ما جاء في ال وسائل الذي بايدينا- و بين القوسين فاية و امّا في الكافي حسب النسخة التي بايدينا و تاية و كذلك في الوافي-و قال المحدّث الكاشاني في الوافي في بيان الحديث: القعقعة الصوت و التيه بالكسر الصلف و الكبر و التفجّع الايجاع و كأنّه اشير بالتيه الی التفاخر الذي يؤتی به في النائحات(2)
و لعل الصحيح هو ناية لان النأي آلة من آلات الموسيقی و ينفخ فيها و صوتها حَزين و بهذا الاعتبار تفجّع اي توجّع و توجب تألّم الانسان و تنزل به الحزن و هي فارسية. و لا تستغرب استعمالها هنا فان البريط فارسية ايضاً و من آلات الموسيقی وعلی كل حتی لو قلنا باجماله فهو لا يضرّ بالمقصود لان الصدر و هو بربط كاف في افادة المطلوب.
و امّا الاستدلال بالحديث علی الحرمة فيبقی في ذمّة استظهار الحرمة من قوله عليه السلام لا يقدّس الله امة: نظير ما جاء في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما قدّست امة لم يؤخذ لضعيفها من قويها غير متتعتع(3).
ص: 73
5 - الكليني عن عدّة من اصحابنا عن سهل عن سليمان بن سماعة عن عبدالله بن القاسم عن سماعة قال: قال ابوعبدالله عليه السلام لما مات آدم شمت به ابليس و قابيل فاجتمعا في الارض فجعل ابليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم فكل ما كان في الارض من هذا الضرب الذي يتلذّذ به الناس فانما هو من ذلك(1).
و الرواية من ناحية السند ساقطة و ذلك لان سليمان بن سماعة لا توثيق بشأنه و عبد الله بن القاسم مشترك بين جماعة لم تثبت وثاقتهم بل ذكر النجاشي بشأن عبد الله بنالقاسم الحارثي انه ضعيف غال بل قال بشأن عبدالله بن قاسم الحضرمي المعروف بالبطل كذّاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه و لا يعتدّ بروايته.
و امّا الراوي المباشر فهو سماعة بن مهران فلا شك في وثاقته بل هو من اجلّ الرواة و معاريفهم. هذا حال سند الرواية.
و امّا من ناحية الدلالة: فقد يقال: اولاً: ان هذا التعبير لا يفيد الرحمة نعم يفيد انه فيه الحَزازة و هل يمكن ان يتمسّك علی حرمة الحُداء و النوح بما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله قال كان ابليس اوّل من ناح و اوّل من تغنّی و اوّل من حَدا، الحديث(2).
و ثانياً: ان غاية ما يستفاد من هذه الرواية هي حرمة الموسيقی التي توجب الأَلتذاذ، لا مطلق الموسيقی كالتي توجب الحزن.
و ثالثاً: لعل الالتذاذ بالمعازف و الملاهي شماتة بآخرين يكون محرماً لا مطلقاً- فتأمّل.
ص: 74
6 - الكليني عن علی بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبدالله عليه السلام قال: رسول الله صلي الله عليه و آله انهاكم عن الزفن و المزمار و عن كوبات و الكبرات(1).
و الرواية تامة سنداًعلی الاظهر لما ذكرناه مفصلاً في كتاب الغناء فراجع(2).
بيان مفردات الرواية:الزَفن: الرقص او الرقص و اللعب (سوف نتعرّض لحكمه في موضوع مناسب انشاء الله تعالی). و المزمار معروف.
و امّا الكوبات فهي جمع الكوبة و هي الطبل الصغير المخصَّرعلی ما جاء في المنجد و جاء في العين: و الكوبة: الشطرنجة و الكوبة: قصاب تجمع في قطعة اديم، ثم يخرز بها و يزمر فيها و سميت كوبةً، لان بعضها كوبعلی بعض الی أُلزِقَ.
و الكبرات جمع الكبر: الطبل (فارسية)علی ما جاء في المنجد.
و قال الفراهيدي في العين: الكَبَر: طبل له وجه بلغه اهل الكوفة.
و امّا من ناحية الدلالة: فالظاهر دلالة هذه الروايةعلی المنع مطلقاً غير قابلة للانكار لظهور النهي في الحرمة و الحظر.
7- الكليني عن محمد بن يحيی عن سلمة بن الخطّاب عن ابراهيم بن محمد عن عمران الزعفراني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: من انعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، و من اُصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها(3).
ص: 75
الروايةساقطة سنداً: لان سلمة بن الخطّاب ممن لم تثبت وثاقته بل قال النجاشي بشأنه: كان ضعيفاً في حديثه و قال ابن الغضائري: سلمة بن الخطّاب البراوستاني ابو محمد من سواد الري ضعيف. (لكن نسبة الكتاب الی الغضائري محل كلام). نعم روي عنه الاجلّاء كمحمد بن احمد بن يحيی و سعد بن عبد الله و احمد بن ادريس و الصفار.
و امّا ابراهيم بن محمد فهو مشترك بين من ثبتت وثاقته كابراهيم بن محمد الاشعري و ابي يحيی المدني و من لم تثبت وثاقته و من هو مجهول.و امّا عمران الزعفراني فلا دليل علی وثاقته بل صرّح الشيخ الطوسي في الاستبصار بان عمران الزعفراني مجهول. فالنتيجة سقوط الرواية من حيث السند.
و امّا من ناحية الدلالة: فيستدلّ بهاعلی الحرمة بعد وضوح كون كفران النعمة ذنباً و محرّماً فقد قال تعالی في كتابه الكريم(1) و اذا تأذّن ربّكم لئن شكرتم لازيدنّكم و لئن كفرتم انّ عذابي لشديد(2).
و جاء في الحديث عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلي الله عليه و آله اسرع الذنوب عقوبة كفران النعمة(3).
و لكن هناك مجال واسع للبحث عن الكفران من حيث مراتب الكفر و ضدّه الشكر و لا يناسب المقام ان نتعرّض له. و نحن بصورة اجمالية نشير اشارة عابرة فنقول: انّ كَفَرَ
ص: 76
الشيء في اللغة بمعنی ستره و غطّاه و كل شي غطّي شيئاً فقد كفره و كَفَرَ نِعَمَ الله و بنعم الله بمعنی جَحَدَها و تناساها و ذلك ضدّ الشكر. و للجحود و التناسي و الانكار و الكفران مراتب مشككّة. كما ان للتّذكّر و الشكر و الاعتراف بالجميل و الالتفات اليه درجات مختلفة.
و لكن السوال الذي يطرح نفسه هو انه: هل علی كل العبيد الابتعاد البات عن الكفران بجميع مراتبه و درجاته او يختلف باختلاف الناس حسب معرفتهم و مكانتهم التكوينية واستعدادهم من حيث الشعور و الادراك. و الاول من التكليف بما لا يطاق لاكثر الناس بل لجميعهم الا الاوحدي من عباده سبحانه. و هم الذين قال تعالی بشأنهم: رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله(1) و من اصطنعهم لنفسه جلّ و علا و هم الانبياء و المرسلون و الائمة المعصومون صلوات الله عليهم اجمعين.
و صفوة القول ان الكفران له مراتب مختلفة و درجات متعدّدة فبعض مراتبه فيه القبح الشديد و بعضه اخفّ من البعض و بعضه فيه الحَزازة و لعلها لا تصل الی مستوی الحرمة. و لذا جاء في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام قال : كفر بالنعم ان يقول الرجل اكلت طعام كذا وكذا فضرّني(2).
فهل ان هذا المستوی من كفران النعمة حرام بحيث انه يستوجب العقوبة و الموآخذة بعيد جداً.
فالنتيجةعلی هذا الاساس عدم دلالة الروايةعلی الحرمة نعم تدلّ علی الحزازة التي تنسجم مع الكراهة ايضاً.
و مما يمكن ان يكون مؤيداً لذلك ما جاء في ذيل الرواية حيث جاء فيها و من اصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها. لما ذكرناه في كتاب الغناء من جواز
ص: 77
النوح و عدم حرمته اذا كان لا يستبطن الاعتراض علی الله سبحانه و تعالی فراجع(1). اللهمّ الاّ ان تكون الرواية ناظرة الی المصاديق الشائعة في زمن الصدور لاَستبطانها الاعتراض علی الله سبحانه.
8- الكليني عن علی بن ابراهيم عن ابيه و عن محمد بن يحيی عن احمد بن محمد و عن عدّة من اصحابنا عن سهل بن زياد جميعاً عن ابن محبوب عن خالدبن جرير عن ابي الربيع الشامي قال سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الخمر فقال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله عزّوجلّ بعثني رحمة للعالمين و لأَمحق المعازف و المزامير و امور الجاهلية و الاوثان، الحديث(2).
و الرواية محل كلام سنداً من ناحية خالد بن جرير و الراوي المباشر. امّا خالد فلا دليل علی وثاقته الاّ رواية الحسن بن محبوب عنه و هو من اصحاب الاجماع و رواية جعفر بن بشير عنه لما جاء في ترجمته من انه روي عن الثقات وروا عنه. و امّا ابو الربيع الشامي و هو خليد بن اوفی فهو مجهول. فعلی الاقل ان الرواية ساقطة سنداً بالراوي المباشر.
و امّا من ناحية الدلالة فدلالتها تامةعلی الحرمة.
9- ما رواه الصدوق في اماليه عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن الهيثم بن ابي مسروق النهدي عن الحسن بن محبوب عن أبي ايوب الخزّار عن محد بن مسلم الثقفي قال سئل ابوعبد الله جعفر بن محمد الصادق عن الخمر فقال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان اوّل ما نهاني عنه ربي عزّوجلّ عن عبادة الاوثان و شرب الخمر و
ص: 78
ملاحاة الرجال. ان الله تبارك و تعالی بعثني رحمة للعالمين و لأمحق المعازف و المزامير و امور الجاهلية و اوثانها و ازلآمها و احداثها، الحديث(1).
و الرواية محل كلام سنداً بالهيثم بن ابي مسروق النهدي لانه لا دليل علی وثاقته و لكن الامر فيه سهل لما نری من رواية احمد بن محمد بن عيسی و سعد بن عبد الله و غيرهما من الاجلّاء عنه فان ذلك يورث الاطمئنان بوثاقة الرجل.و امّا من ناحية الدلالة: فدلالتهاعلی المنع واضحة و احتمال اتحادّها مع الرواية السابقة قوي جدّاً.
10- الصدوق باسناده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن آبائه عليهم السلام في وصيه النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام قال: ياعلی ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو و طلب الصيد و اتيان باب السلطان(2).
و الرواية ساقطة سنداً لان طريق الصدوق الی حماد بن عمرو و انس بن محمد ضعيف بعدّة من المجاهيل.
و امّا الراويان المباشران، فلا دليل علی وثاقتهما ان لم نقل بانهما من المجاهيل ايضاً بل انس بن محمد مجهول فلا اثر له في كتب الرجال.
و امّا من حيث الدلالة: فلا تدلّ الروايةعلی الحرمة كما هو واضح.
ص: 79
العدد الخامس
تصريحات و تلميحات بأنه نبي أو بمنزلته أو أعظم منه
* دعواه كونه شريكاً للنبي في الحكم!!
44- يتحدث إبن عربي عن نفسه و مقامه و مشاهدته ملكوت السماوات و الأرض قائلاً: «... شاهدته عند إنشائي هذه الخطبة في عالم حقائق المثال في حضرة الجلال مكاشفة قلبية في حضرة غيبية و لما شهدته (صلی الله عليه و اله و سلم) في ذلك العالم سيدا معصوم المقاصد محفوظ المشاهد منصورا مؤيدا و جميع الرسل بين يديه مصطفون و أمته التي هي خير أمة عليه ملتفون و ملائكة التسخير من حول عرش مقامه حافون و الملائكة المولدة من الأعمال بين يديه صافون و الصديق علی يمينه الأنفس و الفاروق علی يساره الأقدس و الختم بين يديه قد حشي يخبره بحديث الأنثی وعلی (صلی الله عليه و اله و سلم) يترجم عن الختم بلسانه و ذو النورين مشتمل برداء حيائه مقبل علی شأنه فالتفت السيد
ص: 80
الأعلی و المورد العذب الأحلی و النور الأكشف الأجلی فرآني وراء الختم لاشتراك بيني و بينه في الحكم فقال له السيد هذا عديلك و ابنك و خليلك...(1)
* يدعي أنه فوق الأنبياء:
45- قال ابن عربي: «فمنا من جهل في علمه، فقال:
«و العجز عن درك الإدراك إدراك، و منا من علم، فلم يقل مثل هذا، و هو أعلی القول، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز.
و هذا هو أعلی عالم بالله، وليس هذا إلا لخاتم الرسل، و خاتم الأولياء.و ما رآه أحد من الأنبيا و الرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، و لا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتی إن الرسل لا يرونه متی رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء. فإن الرسالة و النبوة، أعني نبوة التشريع و رسالته تنقطعان، و الولاية لا تنقطع أبداً.
فالمرسلون كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟
و إن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، و لا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون
أعلی...
و قد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أساری بدر بالحكم فيهم، و في تأبير النخل.
فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء، و في كل مرتبة، و إنما نظر الرجال الی التقدم في رتبة العلم بالله، هنالك مطلبهم...
و أما حوادث الأكوان، فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه ....(2)
ص: 81
* ابن عربي يدعي بأن أسري به الی السماء تسع مرات!!
46- ادعی في فتوحاته: أنه أسري به الی السماء تسع مرات...(1)
* ابن عربي يحمل بين كتفيه العلامة الدالةعلی أنه خاتم الولاية!!
47- قال شارح الفصوص: إنه بقي تسعة أشهر في الخلوة لم يأكل طعاماً، و بعدها بُشّر بأنه خاتم الولاية المحمدية، و قيل له: دليلك أن العلامة التي كانت بين كتفي الرسول الدالةعلی أنه خاتم النبوة، هي نفسها بين كتفيك، تدل علی أنك خاتم الولاية....(2)* ابن عربي ركن العالم
48- و يقول عن نفسه: «فكنا {الأربعة الأركان} التي قام عليها شخص العالم و الإنسان ....»(3).
* ابن عربي من الأوتادوله ركن الحجر الأسود!!
49- إنه يدعي لنفسه أنه من الأوتاد الأربعة، و ان له ركن الحجر الأسود(4).
* يتلقی معارفه من الروح الأمين!!
50- و مدائحه لنفسه في كتابه: «عنقاء مغرب»، كثيرة، و يذكر فيه أيضاً، أنه قد كتبه بأمر قد صدر له، و كانت تسميته بهذا الإسم بعد أخذ ورد، حتی لقد قال: «كل ما أبرزناه لعين الناقد البصير، إنما هو من تلقيات الروح الأمين الخ...»(5).
* ابن عربي و الوحي و الكتاب الذي أنزل عليه
ص: 82
51- و ذكر أيضاً: أن كتاب عنقاء مغرب، قد أنزله الله عليه، و أبرزه للعبادعلی يديه(1) ....
* تأليف «فصوص الحكم» بأمر النبي (صلی الله عليه و آله وسلم)!!
52- ادعی في سبب فصوص الحكم: أن رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلم)، هو الذي أمره به، و أنه إنما أودع فيه ما حده له...(2)* ثم يؤلف « الفتوحات المكية» بأمر ربه!!
53- و قال: «فالله تعالی رتب علی يدنا هذا الترتيب، فتركناه، و لم ندخل فيه برأينا، و لا بعقولنا. فالله يملي علی القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود، فإن العالم كتاب مسطور إلهي»...(3)
ابن عربي و الدفاع عن أئمة الضلال
* البدع التي شرعها غير رسول الله (صلی الله عليه و آله و سلم)، هي سنن مشروعة:
54- و هو يصرح بأن البدع التي شرعها غير رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، هي سنن مشروعة.
و كأنه من أجل أن يصحح بدعة التروايح، و غيرها، يقول:
«البدعةعلی قسمين: سنة أمر بها الرسول، و حرض عليها، أو فعلها بنفسه، و خير أمته في فعلها، و سنة أبتدعها و احد من الأمة، فاتبع فيها، فله أجرها، و أجر من عمل بها»(4).
* النبي (صلی الله عليه و آله و سلم) لم يستخلف أحداً بعده:
ص: 83
55- يقول: «مات رسول الله (صلی الله عليه (و آله) و سلم)، و لم ينص بخلافة عنه الی أحد، و لا عينه، لعلمه الخ...»(1).
* أقوال لعلي (عليه السلام) ينسبها لغيره زوراً!!
56- و يذكر قوله:
قال الصديق (رضي الله عنه): ما رأيت شيئاً، إلا رأيت الله قبله...
و قال الفاروق (رضي الله عنه): ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله معه...وروي عن عثمان (رضي الله عنه): ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله بعده ....
و منهم قال: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله عنده(2) ... الخ...
57- و في مثال آخر نجده ينسب الی عمر بن الخطاب، أنه هو الذي يقول: «لو كشف الغطاء، ما ازددت يقيناً».
مع أن هذا من كلام الإمام علی (عليه السلام).
و لكنه يبهم هذا الأمر في موضع آخر، و لا يصرح باسم أحد، فهو يقول مخاطباً نفسه:
«ألم تر الی الذي قال: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يفيناٌ؟! لعظيم الكشف»(3).
* إيمان فرعون و أنه الطاهر المطهر!!
58- و قال: «فقالت (إمرأة فرعون) لفرعون في حق موسی: إنه « قرة عين لي و لك»، فبه قرت عينها بالكمال الذي حصل لها كما قلنا.
و كان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهراً، ليس فيه شيء من الخبث، لأنه قبضه عند إيمانه، قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام، و الإسلام يجب ما قبله...
ص: 84
و جعله آيةعلی عنايته سبحانه من شاء، حتی لا ييأس أحد من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون...
فلو كان فرعون ممن يئس ما بادر الی الإيمان، فكان موسی كما قالت امرأة فرعون فيه: إنه قرة عين لي و لك، عسی أن ينفعنا، و كذلك وقع، فإن الله نفعهما به (عليه السلام) (1)».
* يجوز الإ قتداء بالفاسق و بالحجاج(2) !!59- «فلما رأينا أولياء الله يأتمون به (أي بالفاسق)، و ينفعهم ذلك عند الله (من أين علمت و رأيت أنه ينفعهم عند الله !!)، و يكون هذا الإقتداء سبباً في نجاتهم، صحت إمامته. و قد صلی عبدالله بن عمر خلف الحجاج، و كان من الفساق بلا خلاف المتأولين بخلاف.
فكل من آمن بالله، و قال بتوحيد الله في ألوهيته، فالله أجل أن يسمي هذا فاسقاً حقيقة مطلقاً، و إن سمي لغة، لخروجه عن أمرمعين، و إن قل.
و المعاصي لا تؤثر في الإمامة ما دام صاحبها لا يسمی كافراً»(3).
* معاوية صائب في بدعته و يستحق المديح برأي ابن عربي:
60- ثم يحاول إبن عربي أن يصوَّب معاوية في ما أحدثه في صلاة العيد، و أنه قد فهم أن ذلك جائز له، قال:
ص: 85
«و كذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول الله (صلی الله عليه (وآله) و سلم)، و صهره، خال المؤمنين، فالظن بهم (الصحابة) جميل رضي الله عن جميعهم، و لا سبيل الی تجريحهم، الخ...»(1).
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
الحلقة السادسة
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء
الفصل الثالث
فيما يدل على فساد الاعتقاد المذكور من الأحاديث والأخبار من أهل العصمة عليهم السلام وهي كثيرة جدا مؤيدة للوجوه العقلية دالة على اعتقاد المعصومين عليهم السلام بخلاف اعتقاد الصوفية إلا إنا نقتصر منها على اثني عشر.
الأول: ما رواه الكليني عن الرضا عليه السلام أن زنديقا سأله عن الله كيف هو وأين هو؟ فقال الرضا عليه السلام ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط وهو أين الأين بلا أين وكيف الكيف بلا كيف فلا يعرف بالكيفوفية ولا بالأينونية ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء(2).
ص: 86
الثاني: ما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام في احتجاجه على زنديق سأله عن الله عز وجل ما هو؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: هو شيء لا كالأشياء لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان إلى أن قال: والتشبيه صفة المخلوق الظاهر التركيب فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين وإن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها في ظاهرالتركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا ومن تثقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض ومن حال إلى حال ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية(1).
الثالث: ما رواه أيضا عن عبد الرحمن بن أبي نجران أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن التوحيد فقال: أتوهم شيئا فقال: نعم غير معقول ولا محدود فما وقع وهمك عليه من شيء فهو بخلافه لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام إنما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود(2). الرابع: ما رواه أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل بم عرفت ربك؟ قال: بما عرفني نفسه قيل: وكيف عرفك نفسه قال: لا يشبه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس قريب في بعده بعيد في قربة فوق كل شيء ولايق شيء فوقه أمام كل شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشئ داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشئ خارج من شيء سبحانه من هو هكذا ولا هكذا غيره(3). أقول: يأتي إن شاء الله تعالى ما يدل على أن المراد هنا بالدخول المثبت الدخول المجازي وبالخروج الحقيقي. الخامس: ما رواه أيضا عن أبي جعفر عليه السلام في حديث أن سأله فقال له: أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: ويلك إنما يق لشيء لم يكن متى كان إن ربي تبارك وتعالى كان ولم يزل حيا بلا كيف
ص: 87
ولا كان له أين ولا كان في شيء ولا كان على شيء ولا يشبه شيئا مذكورا ولا له حد ولا يعرف بشيء يشبهه أنشأ ما شاء حين شاء بمشيته لا يحد ولا يبعض ولا يفنى ولا تغشاه الأوهام ولا تنزل به الشبهات ولا يحار من شيء ولا تنزل به الأحداث ولا تأخذه سنة ولانوم(1) الحديث.
السادس: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب إليه رجل يسأله عن قول من يصف الله بالصورة وبالتخطيط فكتب إليه تعالى الله الذي ليس كمثله شيء عما يصفه الواصفون المشبهون لله بخلقه إلى أن قال فأنف عن الله البطلان والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه(2) السابع: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال: إن الله عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث إلى أن قال فالله تعالى داخل في كل مكان وخارج من كل شيء لا تدركه الأبصار وهو يدركه الأبصار (2)(3) أقول: تقدم توجيه مثله ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. الثامن: ما رواه أيضا عن أبي جعفر عليه السلام وقد سأله عمرو بن عبيد عن قوله تعالى (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى)(4)ما ذلك الغضب فقال: هو العقاب يا عمرو إنه من زعم أن الله قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق وأن الله تعالى لا يستفزه شيء فيغيره(5). التاسع: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما من شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله التغير والزوال وينتقل من لون إلى لون ومن هيئة إلى هيئة ومن صفة إلى صفة ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة إلا رب العالمين فإنه لم يزل ولا يزال بحالة واحدة هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر على ما لم يزل ولا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الإنسان
ص: 88
الذي يكون مرة ترابا ومرة لحما ودما ومرة رفاتا ورميما فتتبدل عليه الأسماء والصفاتوالله تعالى بخلاف ذلك(1).
العاشر: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إن الله لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال إلى حال(2)
الحادي عشر: ما رواه عن أبي إبراهيم في حديث قال: وأما قول من الواصفين من أنه ينزل تبارك وتعالى فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه به من نقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين(3). الثاني عشر: ما رواه عن الرضا عليه السلام في احتجاجاته على أبي قرة أنه قال يا با قرة كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغيير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين سبحانه وتعالى لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع المتغيرين ولم يتبدل مع المتبدلين(4). الفصل الرابع في بعض ما روي عن أهل العصمة عليهم السلام من الحكم ببطلان اعتقاد الحلول والاتحاد مع الإشارة إلى ما يصلح للاستدلال على فساده ونذكر من ذلك اثنا عشر حديثا: الأول: ما رواه الكليني عن أبي الحسن عليه السلام في جملة حديث قال: لو كان كما يقوله المشبهة لم يعرف الخالق عن المخلوق ولا المنشئ من المنشأ لكنه المنشئ فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئا إلى أن قال وأما الباطن من أسماء الله فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على معنى استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا كقول القائل بطنته أي خبرته وعلمت مكتوم أمره (سره - خ) والباطن منا: الغايب في الشيء المستتر فقد جمعنا الاسم
ص: 89
واختلف المعنى(1).
الثاني: ما رواه أيضا عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه وكل ما وقع عليه اسم فهو مخلوق ما خلا الله عز وجل(2).
الثالث: ما رواه أيضا عنه عليه السلام مثله وزاد فيه والله خالق كل شيء(3).
الرابع: ما رواه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن (قل هو الله أحد) فقال: نسبة الله إلى خلقه أحدا صمدا أزليا أبديا صمديا لا ظل له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلتها عارف بالمجهول معروف عند كل جاهل فردانيا لا خلقه فيه ولا هو في خلقه غير محسوس ولا مجسوس لا تدركه الأبصار، علا فقرب ودنا فبعد لا تحويه أرضه ولا تقله سمواته(4)
الخامس: ما رواه أيضا عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام في احتجاجه على بعض الزنادقة أن الزنديق قال له أفله رضا وسخط؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: نعم ولكن ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين وذلك أن الرضا حال تدخل عليه فتغيره (فتنقله خ م) من حال إلى حال لأن المخلوق أجوف معتمل مركب للأشياء فيه مدخل وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه لأنه واحد وأحدي الذات وأحدي المعنى فرضاه ثوابه وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال لأن ذلك من صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين(5).
السادس: ما رواه أيضا عنه عليه السلام قال: من زعم أن الله من شيء أو في شيء أو على شيء فقد كفر قلت فسره لي قال: أعني بالحواية من الشيء له أو بإمساك له أو من
ص: 90
شيء سبقه(1).
أقول: هذا كما ترى صريح في كفر من اعتقد الحلول.
السابع: ما رواه عليه السلام في رواية أخرى قال: من زعم أن الله من شيء فقد جعله محدثا ومن زعم أنه في شيء فقد جعله محصورا ومن زعم أنه على شيء فقد جعله محمولا(2).
الثامن: ما رواه أيضا عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى (ونفخت فيه من روحي) كيف هذا النفخ؟ قال: إن الروح متحرك كالريح وإنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح وإنما أخرجه على لفظ الريح(3) لأن الأرواح مجانسة للريح وإنما إضافة إلى اسمه (نفسه - خ) لأنه اصطفاه على ساير الأرواح كما قال لبيت من البيوت بيتي ولرسول من الرسل خليلي وأشباه ذلك وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر(4).
التاسع: ما رواه أيضا من جملة خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام قال: الحمد لله الواحد الأحد المتفرد الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان قدرة(5) بان بها من الأشياء وبانت الأشياء منه إلى أن قال وحد الأشياء كلها عند خلقه إبانة لها من شبهة وإبانة له من شبهها لم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال هو هو منها باين لكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها صنعه وأحاط بها حفظه (وأحصاها حفظه - خ م) لم تعزب عنه خفيات غيوب الهواء ولا غوامض مكنون ظلم الدجى ولا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السفلى لكل شيء منها حافظ ورقيب وكل شيء منها بشيء محيط والمحيط بما
ص: 91
أحاط منها، الواحد الأحد الصمد الذي لا تغيره صروف الزمان ولا يتكأده صنع شيء كان(1).
العاشر: ما رواه أيضا عنه عليه السلام وقد سئل هل رأيت ربك فقال كلاما طويلا من جملته لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان قبل كل شيء ولا يقال شيء قبله وبعد كل شيء ولا يقال له بعد، في الأشياء كلها غير متمازج بها، ولا بأين منها ظاهر لا بتأويل المباشرة متجل لا باستهلال رؤية، نأى لا بمسافة قريب لا بمداناة، لا تحويه الأماكن ولا تضمنه الأوقات(2). الحادي عشر: ما رواه أيضا عنه عليه السلام أنه قال في جملة خطبة له الدال على وجوده بخلقه وبحدوث خلقه على أزله وباشتباههم على أن لا شبه له لا تشمله المشاعر ولا تحجبه الحجب، الشاهد لا بمماسة والباطن لا باجتنان والظاهر البائن لا بتراخي مسافة، فمن وصف الله فقد حده ومن حده فقد عده ومن قال أين فقد غياه ومن قال علام فقد أخلى منه ومن قال فيم فقد ضمنه(3).
الثاني عشر: ما رواه أيضا عنه عليه السلام كلام يقول فيه لم يتقدمه زمان ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان ولا يوصف بأين ولا بم ولا بمكان الذي نأى من الخلق فلا شيء كمثله المتعالي على الخلق لا بتباعد ولا ملامسة منه لهم، والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال منه إليها لا تلمسه ولا تحسه حاسة(4).
الفصل الخامس فيما يترتب على هذا الاعتقاد الفاسد والمذهب الباطل من المفاسد الشنيعة واللوازم الفظيعة الدال بطلانها على بطلان ملزوماتها كما تقرر وقد ذكرنا بعض ذلك ونذكر منه هنا اثنى عشر. الأول: دعوى كثير منهم بل أكثرهم الربوبية وقد وقع من
ص: 92
جماعة من رؤسائهم
مثل الحسين بن منصور الحلاج كما مضى ويأتي إن شاء الله تعالى ومثل أبي يزيد البسطامي القائل ليس في جبتي سوى الله، والقايل سبحاني سبحاني ما أعظم شأني وقد تقدم من عبارات العلماء ويأتي في مطاعن الصوفية ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى وقد تقدم في أحاديث الباب الثاني ما يدل على عدم جواز تأويل أقوالهم. الثاني: دعوى أكثرهم الكشف والعلم بالمغيبات ومضاهاة أهل العصمة بل يدعون زيادة عن تلك الرتبة ويأتي إن شاء الله بيانه وإبطاله. الثالث: دعواهم سقوط التكاليف عند ذلك ويأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وإبطاله. الرابع: اتحاد الخالق والمخلوق والعابد والمعبود والفاعل والفعل أو المفعول وكل ذلك مما لا تقبله العقول. الخامس: عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل عدم جوازهما لأنه يحتمل في كل شخص أن يكون قد عرف الله واتحد به فلا يجوز أمره ونهيه والاعتراض عليه. السادس: عدم وجوب الجهاد كذلك وخصوصا مع من يظهر التوحيد. السابع: بطلان النبوة والإمامة لأن احتمال الحلول والاتحاد بهم راجح بل متعين لأنهم أعرف العارفين ومن الضروريات استحالة اجتماع النبوة والإمامة والربوبية. الثامن: عدم جواز لعن أحد ولو تظاهر بكل معصية لاحتمال الاتحاد فيسقط عنه التكليف مع كثرة وقوع اللعن في الكتاب والسنة عموما وخصوصا. التاسع: إمكان صدور القبائح والشر والظلم والكفر من الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن العارف لا يصل إلى حد العصمة ولا اشترطوها في الاتحاد. العاشر: عدم إمكان إقامة الحد على أحد واستحالة الحكم بالفسق على أحد الاحتمال المذكور.
الحادي عشر: فرض طاعة العارف على كل أحد حتى النبي والإمام أو عدم فرض طاعتهما على أحد من العارفين. الثاني عشر: كون الربوبية أمرا كسبيا يمكن تحصيله كما أن المعرفة كذلك أو كمالها وجميع اللوازم باطلة ضرورة فكذا الملزوم. الفصل السادس قد عرفت مما سبق وغيره أن اعتقاد الصوفية في هذا الباب يستلزم القول بالجسم والصورةوالتشبيه والجبر وما هو أعظم منه فجميع ما دل على بطلان هذه الاعتقادات الفاسدة صالح
ص: 93
للرد عليهم هنا ونحن نكتفي بالإشارة إلى ذلك لظهوره واستلزم نقل بعضه الإطالة والخروج عن موضوع الرسالة. الفصل السابع قد عرفت فيما سبق من كلام العلماء في الرد عليهم والإنكار لمذهبهم والإجماع على فساده والاتفاق على بطلانه بالوجوه العقلية والنقلية ما فيه كفاية ويأتي زيادة تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى.
العدد الاول
عن أبي بصير ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : يهلك أصحاب الكلام ، وينجو المسلمون إن المسلمين هم النجباء .
التوحيد- الشيخ الصدوق ص 458 وروي في بصائر الدرجات ص 541 عن الحضرمي عن ابي عبد الله عليه السلام وروي في مختصر البصائر ص 72 عن الحسين بن المختار عن ابي عبد الله عليه السلام .
تقديم
ص: 94
ارتبط الحديث عن العقيدة بعلم الكلام (1) منذ وقت مبكر من تاريخ الاسلام ثم ظهر المنهج الفلسفي ليعطي رؤية اخرى وفرت لعلم الكلام بعد مروره بقرون من البحث مادة ظن المتكلمون انهم دعموا بها الرؤية الكلامية بعد صراع طويل بين المنهجين الفلسفي والكلامي حتى وصلنا الى عصرنا الحاضر فوجدنا ان الكلام انما هو عرض لمعطيات الحكمة في شتى مدارسها فمن المتكلمين من حاول توضيف المنهج العقلي المشائي لدعم العقيدة , ومنهم من وضف منهج الحكمة المتعالية لنفس الهدف , ورغم الصراع النقدي مع المشاء الذي مثله الغزالي ومن تابعه من الاشاعرة , فان الاتجاه العقلي اخذ مأخذه من علم الكلام الذي تاثر جدا باصول تلك المدرسة , وقد اتفقت المدارس الكلامية الاسلامية على نقد الفلسفة(2) وعمد الحكماء للرد على المتكلمين
ص: 95
ص: 96
ان عندنا تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت ومصارعة الفلاسفة ومصارع المصارع هذا غير ما نقد به الحكماء اعتراضات المتكلمين في بحوثهم الفلسفية .
وهنا لابد من تسجيل نقطة مهمة وملاحظة لا يصح اغفالها للباحث المنصف وهي ان علم الكلام فيه مدارس تختلف فيما بينها عمقا واصالة وعلى هذا لابد من النظر الى انتقادات الفلسفة لعلم الكلام فان كانت للجامع المشترك المتمثل بالافكار المشتركة بين هذه المدارس صحت لمدعي انتصار الفلسفة(1) على علم الكلام دعواه , اما لو كان الامر انما هو ظهور حجة الفلسفي على الفكرة الكلامية التي تتبناها مدرسة دون اخرى فهذا لا يعني ضعف المنهج الكلامي , ومما يوضح هذه الفكرة ان بعض المدارس الكلامية تتفق مع المشاء دون الاشاعرة مثلا في مسألة عينية الصفات للذات المقدسة اتفق بعض متكلمي الامامية مع الفلاسفة فيها خلافا للاشاعرة ونجد الاشاعرة يؤاخذون الفلاسفة على هذه العقيدة كما في تهافت الفلاسفة , فتتوجه انتقادات الاشاعرة على القائل بها من الامامية(2) كما توجهت على الفلاسفة .
ونقطة اخرى لابد من تسليط الضوء عليها وهي ان علم الكلام ليس علما واهي الاساس , قائما على ظنون , او مؤسسا للدفاع عن ظواهر الشرع ، هذه الدعوى خلاف الانصاف وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في بحثنا هذا .
ولغرض استجلاء واقع علم الكلام ودوره في بيان العقيدة وحفظها والدفاع عنها نتكلم في محاور .
المحور الاول : ماهو علم الكلام :
ص: 97
دأب الباحثون في علم الكلام على تصدير بحوثهم بتعريف علم الكلام وربما اوردوا النقوض بعضهم على بعض ونحن لا نريد هنا الخوض في ما خاضوا فيه واطالة الكلام فيما لا يرجع الى محصل في ماهو المهم من غرض هذا البحث فنقول : ان دور التعريف هو اعطاء صورة واضحة اجمالية عن العلم تتوفر على بعض ما يميزه عن غيره حتى اذا اطلع على التعريف من لا يعرف العلم ولم يسمع به – مثلا – عرف مراد العلم والغاية منه لذا نجد ان التعريف يكون بالغاية من العلم أو لا اقل من دخول الغاية في التعريف لذا نقول ان علم الكلام هو العلم المتكفل ببيان العقيدة الاسلامية والدفاع عنها , فهنا دعامتان(1) اساسيتان لعلم الكلام :
الاولى : بيان العقيدة الاسلامية سواء منها اصول الدين او العقائد الاخرى وسواء في ذلك الحدود الاجمالية او العلم التفصيلي بحسب ما تقتضيه الادلة حينا او بحسب ما تقتضيه طبيعة المخاطب حينا آخر .
والثانية : الدفاع عن العقيدة امام الخصوم . فعلم الكلام هو المتكفل للدفاع عن اصل حقانية الدين امام اللادينية وحقانية الاسلام امام الاديان الاخرى وحقانية التشيع مثلا امام المذاهب الاخرى .
ص: 98
ولا يخفى ان نشؤ علم الكلام كعلم يوظف للدفاع عن العقيدة لا يلغي المهمة الاولى لذا نجد ان المتكلمين كما كتبوا في الدفاع عن العقيدة كتبوا في بيان معالمها الكثير, وشاهدنا لهذه الدعوى ان جملة وافرة من البحوث الكلامية كتبت كمقدمات لكتب الفقة ككتاب الكافي لابي الصلاح الحلبي ( قدس سره) واشارة السبق للشيخ ابي الحسن ابن ابي المجد الحلبي ( قدس سره) و كشف الغطاء للشيخ الاكبر شيخ جعفر كاشف الغطاء ( قدس سره) واخيرا بعض الرسائل العملية لمراجع التقليد , وهذه الموجزات الكلامية توفرت على بيان مفردات العقيدة وفق مذهب الامامية من الشيعة كما تكفلت بعض الكتب المطولة للدفاع عن اصل من اصول المذهب وفصلت في النقل كما في عبقات الانوار للمير حامد حسين الهندي اللكهنوي (قدس سره) الذي حامى فيه عن حريم الامامة وبين ادلة الشيعة عليها بما لا مزيد عليه
فكل من المهمتين اساسي في علم الكلام ولم يغفله الاعلام لكن طبيعة الدفاع قد تقتضي – لشراسة الخصم او لخفاء معالم العقيدة عن الوعي العام – ظهور الجانب الدفاعي اكثر من الجانب البياني .
هذا هو علم الكلام فيما نفهمه من واقع هذا العلم وتاريخه ودوره في استجلاء الحقيقة والدفاع عنها .
المحور الثاني : ادوار علم الكلام :
توطئة
مر علم الكلام كغيره من العلوم بادوار متعددة حاول اعلامه ان يصلوا به الى اكمل ما يرون من سبل العرض ووضوح الادلة .
وقد بدء علم الكلام مسائل متفرقة تملي الحديث فيها الظروف السياسية او الثقافية ولاجل استيضاح الامر هنا نقول : ان علم الكلام بمعنى المسائل التي تتكفل ببيان العقيدة الاسلامية في اسسها التي جعلت من المسلمين امة متميزة عن سواها عقائديا هي اول مااهتم الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله) ببيانه والدفاع عنه بل لا معنى للرسالة – لاسيما
ص: 99
في اول امرها – الا بيان العقائد الحقة حول الباري تعالى ووجوده وتوحيده والمعاد وآيات النبوة والامامة وعلى هذا يكون الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله) هو اول المتكلمين وسيدهم ثم الائمة الهداة (صلوات الله عليهم) وجمع من اعلام اصحابهم (رضوان الله عليهم) . ومنهجهم البياني هو المنهج الامثل المعتمد على إيقاظ الفطرة واثارة دفائن العقول(1) كما يقول مولى الموحدين (صلوات الله عليه) .
ان استجلاء هذه الحقيقة يعطي بوضوح ان المتكفل لبيان العقائد الحقة هو الرسول الاعظم واله الطاهرون (صلى الله عليه واله ) .
اما لو اردنا ان نبحث عن علم الكلام كعلم ناشئ في الاسلام له مدارسه واعلامه الكبار وكتبه المعروفة التي بين فيها علماء الكلام مسائل الاعتقادات ودافعوا عن مختاراتهم او ما تمليه عليهم المذاهب الناشئة في الاسلام لظروف سياسية او ثقافية معروفة ، فللحديث وجهة اخرى نقول في بيانها :يجد المتتبع لنشأة العلوم انها تبدأ كمسائل تفرض بيانها والبحث فيها الحاجة ومن هنا كانت مسألة الامامة من المسائل الكلامية الاولى التي اخذت من علماء هذا الفن قسطا وافرا من الجهد العلمي لارتباطها بواقع الحكم واشخاص من تولاه في العصر الاول سوى
ص: 100
الرسول الاعظم صلى الله عليه واله , سواء في ذلك من والى تلك الانظمة او من سلب عنها الشرعية واعتقد بانحرافها .
ويؤيد هذا ان اول من الف في علم الكلام و هو عيسى بن روضه ، كتب في الامامة كتابا مستقلا . قال السيد حسن الصدر (قده) : "ان عيسى بن روضه التابعي مولى بني هاشم صاحب ابي جعفر المنصور اول من صنف في علم الكلام وله كتاب في الامامة وكان وحيد عصره في علم الكلام وهو الذي فتق بابه وكشف نقابه" (1). انتهى كلامه رفع مقامه .
وكان المتكلمون من اصحاب الائمة الهداة (صلوات الله عليهم) يؤلفون في بيان العقيدة ويدافعون عنها بشتى السبل ولا نحتاج للاستدلال على ذلك بعد وضوحه بادنى اطلاع على تاريخ الائمة واصحابهم وما قيس الماصر و هشام بن الحكم وابو جعفر الاحول مؤمن الطاق وغيرهم الا نماذج مشرقة لذلك .
نعم لقد افرزت ظروف الانحراف وواقع الابتعاد عن آل البيت الطاهرين اناسا اخرين تصدوا لبيان ما يفهمونه من عقيدة الاسلام اما جمودا على ما احتطبوه من الروايات – غثها وسمينها – او اعتمادا على ما ادخله خلفاء الجور من الفكر اليوناني والهندي والفارسي بعد موجه الترجمة التي تولى كبرها الخلفاء من بني امية وبني العباس .
من هنا انشعبت الفرق وكانت المدارس الكلامية . ومن هنا قامت سوق البحث والبيان ودفاع كل مدرسة عما تتبناه من افكار واعتقادات مع وضوح امر لابد من التنبيه عليه وهوانهم جميعا كانوا يعرفون ان الحق واحد لا يتعدد بتعدد الرؤى وان الطريق اليه لابد ان يكون قطعيا .
وهذا هو الذي جعل الجدال عن المذاهب والمتبنيات يصل باصحابها الى تكفير بعضهم بعضا او تجهيله .
ص: 101
موقف الائمة الهداة صلوات الله عليهم من علم الكلام
من الواضح لمن راجع الروايات الواردة عن اهل البيت الطاهرين (علیه السلام) انهم نهوا عن علم الكلام وذموا المتكلمين(1) تارة ومدحوا بعض المتكلمين(2) وحثوهم على الكلام تارة اخرى وقد حاول بعض الاعلام(3) الجمع بين الروايات بانهم نهوا من ليساهلا للكلام ومدحوا وحثوا من هو اهل لذلك ونحن نقول ان هذا صحيح في الجملة(4)لكن
ص: 102
ملاك الذم انما هو لعدم الاقتباس من مشكاتهم(1) من متكلمي الفرق المخالفة الذين ساروا وفق مناهجهم الخاصة واصطلاحاتهم التي قد نجد ان الائمة (عليهم السلام) لم يوافقوا عليها او يرضوا بها مثل ما ورد عن ابي عبد الله (صلوات الله عليه) :"ويل لاصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد و...الخ" , وسنأتي على ذكر هذه الرواية الشريفة قريبا.
لذا نجد من الضروري استعراض بعض ما يدل على حث الائمة (صلوات الله عليهم) على تعلم الكلام ومدحهم للمتكلمين(2) ولعل في سيرة اعلام الشيعة من عصر الائمة
ص: 103
(صلوات الله عليهم) الى الان ما يجعل الناظر في التراث الكلامي يقطع بان علم الكلام ضرورة دينية فضلا عن ان يكون علما مشروعا تعلمه , فقد الف اعلام الطائفة والمنافحون عن حقية مذهب اهل البيت صلوات الله عليهم الكثير من الكتب على المنهج الكلامي اثباتا للحقيقة تارة ودفاعا عنها اخرى كما سبق منا بيانه .
واليك هذه الرواية الدالة على مدح الكلام
عن يونس بن يعقوب قال : كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من اهل الشام فقال : اني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة اصحابك ، فقال ابو عبد الله عليه السلام : كلامك من كلام رسول الله صلى الله عليه واله او من عندك ؟ فقال من كلام رسول الله صلى الله عليه واله ومن عندي ، فقال ابو عبد الله : فانت اذن شريك رسول الله ؟ قال : لا ، قال : فسمعت الوحي عن الله عز وجل يخبرك ؟ قال : لا ، قال : فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال : لا ، فالتفت ابو عبد الله عليه السلام عليه السلام الي فقال : يا يونس بن يعقوب هذا قد خصم نفسه قبل ان يتكلم ثم قال : يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته ، قال يونس فيالها من حسرة ، فقلت جعلت فداك اني سمعتك تنهى عن الكلام وتقول : ويل لاصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد ، وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله فقال ابو عبد الله عليه السلام : انما قلت : فويل لهم ان تركوا ما اقول وذهبوا الى ما يريدون .ثم قال لي : اخرج الى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فادخله ؟ قال : فادخلت حمران بن اعين(1) وكان يحسن الكلام ، وادخلت الاحول(2) وكان يحسن الكلام،
ص: 104
وادخلت هشام بن سالم(1) وكان يحسن الكلام ، وادخلت قيس بن الماصر(2) وكان عندي احسنهم كلاما ، وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين عليهما السلام فلما استقر بنا المجلس – وكان ابو عبد الله عليه السلام قبل الحج يستقر اياما في جبل في طرف الحرم في فازة له مضروبة – قال فاخرج ابو عبد الله رأسه من فازته فاذا هو ببعير يخب فقال : هشام ورب الكعبة ، قال : فظننا ان هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة له :قال فورد هشام بن الحكم(3) وهو اول ما اختطت لحيته وليس فينا الا من هو اكبر سنا منه
ص: 105
قال فوسع له ابو عبد الله عليه السلام وقال : ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ثم قال : ياحمران كلم الرجل ، فكلمه فظهر عليه حمران ، ثم قال : يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه الاحول ، ثم قال باهشام بن سالم كلمه ، فتعارفا ، ثم قال ابو عبد الله عليه السلام لقيس الماصر : كلمه فكلمه فاقبل ابو عبد الله عليه السلام يضحك من كلامهما مما اصاب الشامي (1). انتهى موضع الحاجة , وعلق عليها المجلسي ص14 قال (قدس سره) : "هذا ينقاد : يعنيانهم يزنون ما ورد في الكتاب والسنة بميزان عقولهم الواهية ، وقواعدهم الكلامية ، فيؤمنون ببعض ، ويكفرون ببعض كما هو دأب الحكماء واكثر المتكلمين ".
ادوار علم الكلام
نستطيع ان نميز اربعة ادوار لعلم الكلام في اطار مدرسة الشيعة الامامية(2).
الدور الاول : هو الدور الذي بدأ فيه اصحاب الائمة (علیه السلام) ببيان العقيدة والدفاع عنها ، فنجد ان قيسا الماصر ( كان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين ) كما في النص السابق
ص: 106
، ونجد على باب الامام ابى عبد الله الصادق (علیه السلام) مجموعة من اعيان اصحابه كلهم يحسن الكلام ونجد الرواية السابقة وغيرها تعطي للكلام موقعا مهما تجعل يونس بن يعقوب يتحسر عليه . ومن مميزات هذا الدور هو وجود الامام المعصوم بين المتكلمين فهو المرجعية الواضحة المعصومة منه يأخذ المتكلمون ما يشكل عليهم من تقاصيل هذا العلم وما يحتاجونه منه لاداء مهمتيه ، البيان والدفاع ، والامام عليه السلام يعتني بهم بل ويقوم بتقييم اصحابه فيقول في اخر النص السابق ( يا حمران تجري الكلام على الاثر فتصيب ، والتفت إلى هشام بن سالم فقال : تريد الاثر ولا تعرف ثم التفت إلى الاحول فقال : قياس رواغ ، تكسر باطلا بباطل ، لكن باطلك أظهر ، ثم التفت إلى قيس الماصر فقال : يتكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله أبعد ما يكون منه ، يمزج الحق بالباطل ، وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل ، أنت والاحول قفازان ، حاذقان ، قال يونس بن يعقوب : وظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما فقال : يا هشاملاتكاد تقع ، تلوي رجليك إذا هممت بالارض طرت ، مثلك فليكلم الناس ، اتق الزلة ، والشفاعة من ورائك ).
وهذا يعني ان هناك علم كلام اهتم الائمة برعاية طلابه(1) واعدادهم لبيان الحق وتوظيفهم للدفاع عن مذهب اهل البيت (صلوات الله عليهم) ولكننا لا نظن ان الاصحاب
ص: 107
قد تبلور لديهم أي شيء من الافكار يخالف(1) ما يريده الائمة (صلوات الله عليهم) وذلك لقرب العهد وسهولة الوصول و مرجعية الائمة الضاربة بجذورها في اعماق شيعتهم لذلك نجد ان كتب العقائد او ما وصلنا من الكتب المهتمة بالعقائد كانت عبارة عنروايات ولعل من اهمها كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار رحمه الله وكتاب بصائر الدرجات(2) لسعد بن عبد الله القمي الاشعري رحمه الله ومن امتدادات هذه المرحلة الشيخ الكليني رحمه الله في كتابه الكافي و شيخنا الصدوق (قده) وكتبهم العقائدية تمثل هذه المرحلة وتعطي للمتتبع تمثلا واضحا لطريقة اصحاب الائمة في علم الكلام والاعتماد بالدرجة الرئيسة على مرجعية اهل البيت العقائدية ، والتوحيد(3) ومعاني الاخبار واكمال الدين(4) وغيرها من الكتب شاهد على ذلك .
ص: 108
حكمة بالغة
قال (علیه السلام): اذا قدرت عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه
عند الإماميّة
العدد الرابع
الأحاديث الصريحة الدالّة على حدوث ما سوى اللّه تعالى
أمّا الروايات الدالة على وقوع التفكيك بينه تعالى وبين ما سواه وأنّ جميع ما سوى اللّه حادث بمعنى انتهاء أزمنة وجودها في الأزل إلى حدّ وينقطع وأنّها كائنة بعد أن لم يكن بعديّة حقيقية لا بالذات فقط فمتواترة جدّاً كما لا تخفى على العارف بالأخبار .
ص: 109
ونحن نذكر الآن جملة منها ، ولكن قبل سرد الروايات لابد من الاشاره إلى أنّ البحث الذي نحن الأن بصدد بيانه هو حول الدليل النقلي مع قطع النظر عن الدليل العقلي ، وإن كان بعض الأدلّة النقلية الآتية متضمنة للدليل العقلي أيضاً .
* روى الشيخ الطبرسي - ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن مسائل كثيرة..:
إنّه قال الزنديق : من أيّ شيء خلق اللّه الأشياء ؟ قال عليه السلام : « لا من شيءٍ » .
فقال : كيف يجيء من لا شيء شيء ؟ قال عليه السلام : « إنّ الأشياء لا تخلو ، إمّا أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء ، فإن كان خلقت من شيء كان معه ، فإن ذلك الشيء قديم ، والقديم لا يكون حديثاً ولا يفنى ولا يتغيّر . . » .إلى أن قال الزنديق : فمن أين قالوا إنّ الأشياء أزليةٌ ؟ قال : « هذه مقالة قوم جحدوا مدبّر الأشياء فكذّبوا الرسل ومقالتهم والأنبياء وما أنبأوا عنه ، وسمّوا كتبهم أساطير ، ووضعوا لأنفسهم ديناً بآرائهم واستحسانهم . . . لو كانت قديمة أزليّة لم تتغيّر من حال إلى حال ، وإنّ الأزلي لا تغيّره الأيام ولا يأتي عليه الفناء »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : بيان : « والقديم لا يكون حديثاً . . » ، أي ما يكون وجوده أزلياً لا يكون محدثاً معلولاً فيكون الواجب الوجود بذاته ، فلا يعتريه التغيّر والفناء .
وقد نسب إلى بعض الحكماء أنه قال : المبدع الأوّل هو مبدع الصور فقط دون الهيولى ، فإنّها لم تزل مع المبدع . . فأنكر عليه سائر الحكماء ، وقالوا : إنّ الهيولى لو
ص: 110
كانت أزليّة قديمة لما قبلت الصور ، ولما تغيّرت من حال إلى حال ، ولما قبلت فعل غيرها . . إذ الأزليّ لا يتغيّر(1) .
* عن إلامام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال : « الحمد للّه خالق العباد ، وساطع المهاد ، ومسيل الوهاد ، ومخصب النجاد ، ليس لأوليّته إبتداء ، ولا لأزليّته انقضاء ، هو الأوّل لم يزل ، والباقي بلا أجل . . »
إلى أن قال عليه السلام : « لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا من أوائل أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه وصوّر ما صوّر فأحسن صورته..»(2).
أقول : إنّ صراحة قوله عليه السلام : « لم يخلق الأشياء من أصول أزلية » واضحة ومبيّنة لحدوث العالم بشكل لا يقبل التأويل بأيّ وجه من الوجوه .* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي اسحاق اللّيثي ، قال : قال لي أبو جعفر محمدّ بن علي الباقر عليهماالسلام :
« يا ابراهيم ! إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً ، خلق الأشياء لا من شيء ، ومن زعم أنّ اللّه تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر ؛ لأنه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديما معه في أزليته وهويّته كان ذلك الشيء أزليّاً ، بل خلق اللّه تعالى الأشياء كلّها لا من شيء . . »(3).
ص: 111
* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي هاشم الجعفري قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله رجل فقال : أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه فأسماؤه وصفاته هي هو ؟
فقال أبو جعفر عليه السلام : « . . . إن كنت تقول : لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره ، بل كان اللّه ولا خلق ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرّعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره ، وكان اللّه ولا ذكر ، والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : هذا صريح في نفي تعدد القدماء ، ولا يقبل تأويل القائلين بمذاهب الحكماء(2).* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن جابر الجُعْفي قال : جاء رجلٌ من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر عليه السلام فقال : جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحداً يُفسّرها لي ، وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس فقال كلّ صنف غير ما قاله الآخر !
فقال أبو جعفر عليه السلام : « وما ذلك ؟ » فقال : أسألك ما أوّل ما خلق اللّه عزّوجلّ من خلقه ؟ فإنّ بعض من سألته قال : القدرة ، وقال بعضهم : العلم ، وقال بعضهم : الروح .
فقال أبو جعفر عليه السلام : « ما قالوا شيئاً ، أُخبرك أنّ اللّه علا ذكره كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزاً ولا عزّ ، لأنه كان قبل عزّه ، وذلك قوله : « سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ »(3)
ص: 112
وكان خالقاً ولا مخلوق ، فأول شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء » .
فقال السائل : فالشيء خلقه من شيء أو من لا شيء ؟ فقال عليه السلام :
« خلق الشيء لا من شيء كان قبله ، ولو خلق الشيء من شيء إذاً لم يكن له انقطاعٌ أبداً ، ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء ، ولكن كان اللّه ولا شيء معه فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء »(1).
وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله : هذا الخبر نصّ صريح في الحدوث ولا يقبل التأويل بوجه(2).
* ورواه الكليني مسنداً عن محمدّ بن عطية عن أبي جعفر عليه السلام قال :« . . . أُخبرك أن اللّه تعالى كان ولا شي غيره ، وكان عزيزاً ولا أحد كان قبل عزّه ، وذلك قوله : « سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ »(3)وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أوّل ما خلق من خلقه ، الشيء من الشيء إذاً لم يكن له انقطاع أبداً ولم يزل اللّه إذاً ومعه شيء ، ليس هو يتقدّمه ، ولكنه كان إذ لا شيء غيره ، وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه ، فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسباً يضاف إليه . . »(4).
ص: 113
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : توضيح : قوله عليه السلام : « ولو كان أوّل ما خلق . . » أي لو كان كما تزعمه الحكماء : كل حادث مسبوق بمادّة ، فلا يتحقق شيء يكون أوّل الأشياء من الحوادث ، فيلزم وجود قديم سوى اللّه وهو محال(1).
* عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال :
« لا تصحبه الأوقات ولا تَرْفِدُهُ الأدوات ، سَبَقَ الأوقاتَ كونُهُ ، والعدمَ وجودُه ، والابتداء أزله . . »
إلى أن قال عليه السلام : « لا يجري عليه السكون والحركة ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ ! إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتَجَزَّأَ كُنهه ولامتنع من الأزل معناه . . . »
إلى أن قال عليه السلام : « يقول لما أراد كونه : كن فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعلٌ منه أنشأهُ ومثَّلهُ ، لم يكن من قَبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً » .« لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع . . . »
إلى أن قال : « هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها واختراعها ، كيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلّدة أُممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى
ص: 114
إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها .
وإنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان ، عُدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات فلا شيء إلاّ اللّه الواحد القهار »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله في شرح قوله عليه السلام : « ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً . . » :
هذا صريح في أنّ الإمكان لا يجامع القدم ، وأنّ الإيجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم ، فالقول بتعدّد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين(2).
وقال في موضع آخر في شرح هذه الفقرة : يدلّ على أن القدم ينافي الإمكان ، وأنّ القول بقدم العالم شرك(3).وقال رحمه الله - في شرح قوله عليه السلام : « كما كان قبل ابتدائها . . » :
صريح في حدوث ما سوى اللّه تعالى ، وظاهره نفي الزمان أيضاً قبل العالم ، وعدم زمانيّته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعيّنة من الليالي والأيام والشهور والسنين ، ويدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود ، وهذا أيضاً ينافي القدم ، لأنهم أطبقوا على أنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وأقاموا عليه البراهين العقلية(4).
ص: 115
أقول : يتبيّن من قوله عليه السلام : « لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها . . . على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها » ، أنّ معنى الخلق هو الإيجاد بعد العدم ، وعلى هذا إنّ الأزلية والقدمة مختصة به تعالى ولايوجد شيء قديم سوى اللّه تعالى ، بل لكلّ ما سوى اللّه سبحانه ابتداء وأوّل وهو كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقة .
* روى الصدوق - مسنداً - عن الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال :
« اعلم علّمك اللّه الخير إنّ اللّه تبارك وتعالى قديم ، والقدم صفة دلت العاقل على أنه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديموميّته ، فقد بان لنا بإقرار العامّة مع معجزة الصفة أنه لا شيء قبل اللّه ولا شيء مع اللّه في بقائه .
وبطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه شيء ، وذلك أنه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له ؛ لأنه لم يزل معه فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه ؟ ! ولوكان قبله شيء كان الأوّل ذلك الشيء لا هذا ، وكان الأوّل أولى بأن يكون خالقاً للأول الثاني . . »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : لا يخفى أنه يدل على أنه لا قديم سوى اللّه ، وعلى أنّ التأثير لا يعقل إلاّ في الحادث ، وأنّ القدم مستلزم لوجوب الوجود(2) .
وقال أيضاً في بحار الأنوار : هذا الخبر صريح في الحدوث ومعلّل(3).
ص: 116
* روى الطبرسي عن صفوان بن يحيى ، قال : سألني أبو قرّة المحدث صاحب شبرمة أن أُدخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام ، فاستأذنته فأذن له فدخل فسأله عن أشياء من الحلال والحرام والفرائض والأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد ، فقال له : أخبرني - جعلني اللّه فداك - عن كلام اللّه لموسى ؟ . . .
وساق الكلام إلى أن قال : فما تقول في الكتب ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام :
« التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكلّ كتاب أنزل ، كان كلام اللّه أنزله للعالمين نوراً وهدىً ، وهي كلّها محدثة ، وهي غير اللّه . . »
قال أبو قرّة : فهل تفنى ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام :
« أجمع المسلمون على أنّ ما سوى اللّه فانٍ ، وما سوى اللّه فعل اللّه ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل اللّه ، ألم تسمع الناس يقولون : ربّ القرآن وإنّ القرآن يقول يوم القيامة يا ربّ هذا فلان - وهو أعرف به - قد أظمأت نهاره ، وأسهرت ليله فشفّعني فيه ؟وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وهي كلّها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شيء هدىً لقوم يعقلون ، فمن زعم أنّهن لم يزلن معه فقد أظهر أنّ اللّه ليس بأوّل قديم ولا واحد ، وأنّ الكلام لم يزل معه وليس له بدء وليس بإله »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : بيان : « وليس له بدء . . » أي ليس للكلام علة ؛ لأنّ القديم لا يكون مصنوعاً ، « وليس باله . . » أي والحال إنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع ، أو الصانع يلزم أن لا يكون إلهاً لوجود الشريك معه في القدم(2).
ص: 117
* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في خطبته الطويلة قال :
« أوّل عبادة اللّه معرفته ، وأصل معرفة اللّه توحيده ، ونظام توحيد اللّه نفي الصفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفةٍ وموصوفٍ مخلوق ، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث . . . سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله . . . له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم إذ لا معلوم ، ومعنى الخالق إذ لا مخلوق ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس منذ خَلَقَ استحق معنى الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية . . . كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث . . . »
« ليس في محال القول حجة ، ولا في المسألة عنه جواب ، ولا في معناه له تعظيم ، ولا في إبانته عن الخلق ضيمٌ إلاّ بامتناع الأزلي أن يثنّى وما لا بدء له أن يُبدأ . . »(1).قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : قد دلّت - أي هذه الخطبة - على تنافي الحدوث أي المعلولية والأزلية ، وتأويل الأزليّة بوجوب الوجود ، مع بعده يجعل الكلام خالياً عن الفائدة .
ودلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصّلناه سابقاً ، وظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانيّة عنه سبحانه وكذا قوله عليه السلام : « إلاّ بامتناع الأزلي أن يثنّي . . » يدلّ على امتناع تعدد القدماء وكذا الفقرة التالية لها(2).
ص: 118
* روى الصدوق رحمه الله - مسنداً - عن الحسن بن محمّد النوفلي ، أنه قال : قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ، ثمّ قال له : إنّ ابن عمّي عليّ بن موسى قدم عليّ من الحجاز وهو يحبّ الكلام . . .
إلى أن قال سليمان : فإنه لم يزل مريداً . قال عليه السلام : « يا سليمان فإرادته غيره ؟ » قال : نعم . قال : « فقد أثبتّ معه شيئاً غيره لم يزل » . قال سليمان : ما أثبتُّ .
فقال عليه السلام : « هي محدثة ، يا سليمان ! فإن الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً ، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً . . »
وجرى المناظرة إلى أن قال عليه السلام : « ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل ؟ »
قال : بل هي فعل . قال : « فهي محدثة ؛ لأن الفعل كله محدث » . قال : ليست بفعل . « قال : فمعه غيره لم يزل » . قال سليمان : إنّها مصنوعة . قال : « فهي محدثة » .وساق الكلام إلى أن قال : قال سليمان : إنما عنيت أنها فعل من اللّه لم يزل .
قال عليه السلام : « ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً ، وحديثاً وقديماً في حالة واحدة ؟ ! »
فلم يُحِر جواباً .
ثمّ أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام : « إنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً » .
قال سليمان : ليس الأشياء إرادة ، ولم يرد شيئاً .
ص: 119
قال عليه السلام : « وَسوَستَ يا سليمان ! فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه وفعله ؟ ! وهذه صفة ما لا يدري ما فعل ، تعالى اللّه عن ذلك . . »
ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام : « فالإرادة محدثة وإلاّ فمعه غيره »(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : حكم عليه السلام في هذا الخبر مراراً بأنه لا يكون قديم سوى اللّه ، وأنه لا يعقل التأثير بالإرادة والاختيار في شيء لم يزل معه(2).
* روى الصدوق رحمه الله - في ذكر مجلس الرضا عليه السلام مع أهل الأديان وأصحاب المقالات - فقال عمران الصابي : أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق ؟قال عليه السلام : « سألت فافهم . . ! أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك ، ثمّ خلق الخلق مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة ، ولا في شيء أقامه . . . »
إلى أن قال له عمران : يا سيّدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شيء غيره ولا شيء معه أليس قد تغيّر بخلقه الخلق ؟
قال الرضا عليه السلام : « لم يتغيّر عزّوجلّ بخلق الخلق ولكنّ الخلق يتغيّر بتغييره . . » .
إلى أن قال : يا سيّدي ألا تخبرني عن اللّه عزّوجلّ هل يوحّد بحقيقة أو يوحّد بوصف ؟
ص: 120
قال الرضا عليه السلام : « إنّ اللّه المبدى ء الواحد الكائن الأوّل لم يزل واحداً لا شيء معه ، فرداً لا ثاني معه لا معلوماً ولا مجهولا ولا محكماً ولا متشابهاً ولا مذكوراً ولا منسياً ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره ، ولا من وقتٍ كان ، ولا إلى وقت يكون ، ولا بشيء قام ، ولا إلى شيء يقوم ، ولا إلى شيء استند ، ولا في شيء استكنّ ، وذلك كلّه قبل الخلق إذ لا شيء غيره»(1).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : بيان :« لا في شيء أقامه . . » أي في مادّة قديمة كما زعمته الفلاسفة . . . « هل يوحّد بحقيقة . . » . . . فأجاب عليه السلام بأنه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا وهي مغايرة لحقيقته تعالى .وما ذكره أوّلاً لبيان أنه قديم أزلي والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة ، وكل شيء غيره فهو حادث .
وقوله عليه السلام : « لا معلوماً . . » تفصيل وتعميم للثاني أي ليس معه غيره ، لا معلوم ولا مجهول ، والمراد بالمحكم ما يعلم حقيقته وبالمتشابه ضدّه .
ويحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن ، فإن المحكم والمتشابه يطلقان على آياته(2).
أقول : يظهر ممّا ذكرنا من الروايات أنّ قوله : « ولا يزال كذلك . . » يرجع إلى قوله : « بلا حدود ولا أعراض » لا إلى مجموع ما تقدّم كي يوهم صحة تأويل قولهم صلوات اللّه عليهم : « كان اللّه ولا شيء معه»(3) بالمعيّة الرتبيّة .
ص: 121
وأضف إلى ذلك أنّ قوله عليه السلام : « ثمّ خلق . . » في الرواية التي مّر ذكرها يشير إلى الترتيب الزماني وان تقريره عليه السلام لقول السائل حينما قال : « اذا كان واحداً لاشيء غيره . . . » فيه اشاره الى الغيرية الحقيقية .
* في الاحتجاج والتفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد العسكري عن آبائه عليهم السلام قال :
« احتجّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم على الدهريّة ، فقال : ما الذي دعاكم إلى القول بأنّ الأشياء لابدء لها ، وهي دائمة لم تزل ولا تزال ؟ » .فقالوا : لأنّا لا نحكم إلاّ بما نشاهد ، ولم نجد للأشياء حدثاً فحكمنا بأنّها لم تزل ، ولم نجد لها انقضاءا وفناءا فحكمنا بأنّها لا تزال .
فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « أفوجدتم لها قدماً أم وجدتم لها بقاءا أبد الأبد ؟ »
« فإن قلتم إنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنّكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك ! »
« ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذّبكم العالمون الذين يشاهدونكم » .
قالوا : بل لم نشاهد لها قدماً ولا بقاءا أبد الأبد . . !
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « فلِم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائماً لأنكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضائها أولى من تارك التميّز لها مثلكم ، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لأنّه لم يشاهد لها قدماً ولا بقاءا أبد الأبد ، أولستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما قبل الآخر ؟ »
ص: 122
فقالوا : نعم . فقال : « أترونهما لم يزالا ولا يزالان ؟ » فقالوا : نعم . فقال : « أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار ؟ » فقالوا : لا . فقال صلى الله عليه و آله وسلم : « فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جارياً بعده » . قالوا : كذلك هو . فقال : « قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل ونهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا اللّه قدره » . ثمّ قال صلى الله عليه و آله وسلم : « أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه ؟ فإن قلتم : إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله . وإن قلتم : إنه متناه فقد كان ولا شيء منهما». قالوا : نعم . قال لهم : « أقلتم إنّ العالم قديم ليس بمحدث وأنتم عارفونبمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه ؟ » قالوا : نعم . قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر ، لأنّه لا قوام للبعض إلاّ بما يتّصل به كما ترى البناء محتاجاً بعض اجزائه إلى بعض ، وإلاّ لم يتّسق ولم يستحكم ، وكذلك سائر ما يُرى » . قال صلى الله عليه و آله وسلم : « فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوّته وتمامه هو القديم ، فأخبروني أن لو كان محدثاً كيف كان يكون ؟ وكيف إذاً كانت تكون صفته ؟ »
قال عليه السلام : « فبُهتوا وعلموا أنّهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلاّ وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنّه قديم . فوجموا وقالوا : سننظر في أمرنا »(1).
أقول : استدلّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم على حدوث العالم بثلاثة طرق :
الأوّل : بما يشاهد من الليل والنهار واختلافهما وتقدمهما وتأخرهما ، فإن التقدم والتأخر يلازمان الأوليّة والآخرية ، وهذا دليل الحدوث .
الثاني : بالحادث اليومي ؛ لأنّه إن كان متناهياً فهو مسبوق بعدمه وإلاّ يلزم اتصاف الحادث بآخر بلا اتصاف بأول ، مع أنهما متضائفان ، وتحقق أحدهما دون الآخر محال .
ص: 123
الثالث : بتذكّر أوصاف القديم والحادث ، فما يشاهد من التغيّر والتبدل والزوال والفناء والاحتياج فهو دليل على حدوثه ، وإلاّ فإن كان هذا المحتاج قديماً فكيف يكون لو كان حادثاً ؟ !* روى الكليني رحمه الله عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام . . . قام خطيباً فقال :
« الحمد للّه الواحد الأحد الصمد المتفرّد الذي لا من شيء كان ، ولا من شيء خلق ما كان . . . ولا يتكأده صنع شيء كان ، إنّما قال - لما شاء - كن فكان ، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ، ولا تعب ولا نصب ، وكلّ صانع شيء فمن شيء صنع ، واللّه لا من شيء صنع ما خلق . . »(1).
أقول : فرّق الإمام عليه السلام في هذا الحديث الشريف بين صنع اللّه تعالى الذي يكون لا من شيء وبين صنع غيره تعالى الذي يكون من شيء ، حيث قال عليه السلام : « كل صانع شيء فمن شيء صنع واللّه لا من شيء صنع ما خلق » .
ولا يخفى أنّ هذا الحديث نصّ في أنّ المراد من « خلق » و« صنع » و« أبدع » بالنسبة إليه تعالى هو المعنى المستفاد من ظاهر الآيات ، فهذه الكلمات ظاهرة في الخلق الابتدائي . . أي الخلق لا من شيء ، بل نصّ فيه بملاحظة الروايات المذكورة .
ص: 124
وعلى هذا : فإنّ استعمال هذه الكلمات في الخلق من شيء لابدّ وأن يكون مع وجود قرينة ، كما في قوله تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طين »(1) فإن قوله تعالى : « مِن طِين »شاهد على عدم كون الخلق ابتدائياً .
* روى الصدوق رحمه الله - مسندا - عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال :« المشيّة والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد »(2).
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله (3):
بيان : لعلّ الشرك باعتبار أنّه إذا كانت الإرادة والمشية أزليّتين فالمراد والمشييء أيضاً يكونان أزليّين ، ولا يعقل التأثير في القديم ، فيكون إلهاً ثانياً كما مرّ مراراً .
أو انّهما لمّا لم يكونا عين الذات ، فكونهما دائماً معه سبحانه يوجب إلهين آخرين بتقريب ما مرّ .
ويؤيّد الأوّل ما رواه في التوحيد - أيضاً - عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قلت له : لم يزل اللّه مريداً ؟ فقال : « إنّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه بل لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد »(4).
قال السيد الخوئي رحمه الله في بحث الإرادة :
ص: 125
إنّ قوله عليه السلام في الصحيحة المتقدمة : « إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه » إشارة إلى أنّ الإرادة الإلهية لو كانت ذاتية لزم قدم العالم وهو باطل ، ويؤيد هذا رواية الجعفري عنالرضا عليه السلام : « فمن زعم أن اللّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد » فانه صريح في أنّ إرادته ليست عين ذاته كالعلم ، والقدره ، والحياة .(1).
العدد الثالث
الفطرة في ايةفطرة الله التي فطر الناس عليها ليست بالمعنی المراد
فالدين فطرة له شرعية*** وصبغة الله علی البرية
وكل دين اهله الفاطر له*** فصار فطرة لهم وشاكلة
وذوالجلال فاطر الاسلام*** دينا قد اصطفاه للانام
فالدين فطرة له تعالی*** شرعة بجعله كمالا
وفطرة لنا اذ الشريعة*** صيرها طوعا لنا طبيعة
ص: 126
والدين فطرة بناه ربنا*** لا انه يكون فطريا لنا
فتهتدی النفس له جليا*** لو خليت وطبعها الفطريا
فالدين فطرة له تعالی، بمعنی كونه فاطره و جاعله و شارعه، فهي أيضاً فطرة شرعية و هو باعتبار آخر: صبغة الله التي قدرها علی البرية و كل دين أهله الفاطر و المبتدع له،فصار فطرة ثانوية لهم بطول مما رستهم و نموهم عليه؛ و صار أيضاً شاكلة لهم باعتبار تشاكلهم بشكل واحد. و ذو الجلال بنفسه فاطر الاسلام و جاعله ديناً قد اصطفناه للانام.
و قد تضاف الفطرة الی الخلق؛ كما قال تعالی: (فطر النّاس عليها)؛ كما ان الدين ايضاً يضاف إليهم، فيقال: ديني و دين الناس، فالفطرة إذن لها معنيان باعتبار الاضافتين؛ كما ان الدين كذلك، فالدين فطرة له تعالی؛ بمعنی انه شرعه بجعله كمالاً للبشر و فطرة لنا ايضاً باعتبار اضافته الينا؛ إذا الشريعة صيرها الله طوعاً و بالاختيار ، لا جبراً و بالاضطراب لنا طبيعة؛ فالدين شرعية و طبيعة ثانوية، طبع الله عباده عليه تشريعاً لا تكويناً.
الفرق بين الفطرة و الفطري
ثم إنه فرق بين الفطرة و الفطري، و الدين فطرة بناه ربنا و فطره ، لا انه يكون فطرياً لنا ، فتهتدي النفس له جلياً لو خليت و طبعها الفطريا يعني، انه الدين في ظاهرالاية محكوم بانه نفس الفطرة، باعتبار انه فطرة الله للناس، و بهذا الاعتبار، يسمی الاسلام «الفطرة»(1)، يقال: ولد علی الفطرة ای علی الاسلام، و يقال: المرتد الفطري؛ ای الذي ارتد عن الاسلام بعد ان ولد فيه، و كون الدين فطرة لايستلزم كونه فطرياً ، فلو فرض ان المراد بالدين هو
ص: 127
التوحيد خاصة ، فلا دلالة في الاية ايضاً علی كونه فطرياً. و الحاصل: إن الدين أو الدين أو الاسلام مسند إلی الفطرة(1) لا إلی الفطري.
و نسبة الفطري إليه لو *** أريد ان الدين مما فطرا
أو اله الفطري في القبول*** تقبلها الفطرة بالعقول
او هو طبعي بلا سخيمة*** يلائم الطبايع السليمة
و نسبة الفطري إليه لو تری في بعض الموارد ، اريد به احدی المعاني الثلاثة: اما ان الدين مما فطرا ای مما فطره الله و جعله فطرة للناس او انه الفطري في القبول تقبلها الفطرة بالعقول؛ يعني ، ان قبوله بعد ثبوت بالبينة من فطريات العقول فهو فطري القبول او هو طبعي بلا سخمية فيه يلائم الطبايع السليمة عن حب الشهوات او شوب الظلمات يعني ان الدين قد جعل فطريا اي طبعياً إذا الفطرة تأتي بمعنی الطبع ايضاً يعني انه روعي في صبغه و صوغه من القوانين و الاحكام ما يلائم الطباع و يوافقها حيث لم تكلف نفس الا وسعها و لم يجعل فيه عسر و حرج و غير ذلك. و الفرق بين الوجهين ظاهر، فان الاول بمعنی انه فطري القبول للعقول و الثاني انه فطري الطباع و مقبول الطباع. فافهم!
استشهاد القائلين بالفطرة بالاخبار و دفعها
و اما الاخبار فحملها علی*** ما قلت في الايات ليس مشكلا
واما الاخبار فحملها علی ما قلت في الايات ليس مشكلا للناظر فيها بعين التامل فلتحمل ايضاً علی فرض تماميتها علی احدی المعاني الثلاثة المذكورة لكنها غير تامه.
فمنها: ما استشهد فيه بقوله تعالی: ( ولئن سألتهم...) فعن ابي هاشم الجعفري عن ابي جعفر الثاني(علیه السلام) قال: قلت: «قل هو الله احد» ما معنی الاحد؟ قال (علیه السلام): المجتمع عليهم
ص: 128
بالوحدانية يقول: (و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض و سخر الشمس و القمر ليقولن الله) بعد ذلك له شريك و صاحبة»(1)و في رواية اخری له: «ما معنی الواحد؟ قال(علیه السلام): الذي اجتماع الالسن عليه بالتوحيد؛ كما قال الله – عزوجل- : ( و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله)(2).
وجه دلالتها علی مرادهم: أن المراد بالمجتمع عليه، اجتماع الكل من المنكر و المقر، ولايتم من المنكر الا بالفطرة ؛ ولكنه غير صريح في ذلك و لاظاهر؛ بل المراد اجتماع المقرين من المخلصين و المشركين. و يؤيده قول موسی بن جعفر(علیه السلام) في جواب هارون، حين سأله عن معنی الزنديق، فقال(علیه السلام):
«هو الراد علی الله و علی رسوله...، إلی ان قال: هم الملحدون عدلوا عن التوحيد إلی الالحاد...؛ إلی ان قال: اول من تزندق و الحد ابليس...، الی ان قال: و يشهدون ان لا اله الا الله كما وصفهم الله في قوله: (ولئن سألتهم من خلق السموات و الارض....)(3)؛ فانه صريح في ان المخاطب بالسئوال المقرون مع الانكار او المنكرون مع الاقرار بل قول أبي جعفر(علیه السلام) في رواية الاولی (: «...بعد ذلك شريك و صاحبة»؛ اي بعد الاقرار بأن خالق السموات و الارض هو الله ايضاً) ظاهر في ان جوابهم بالاعتراف في قوله تعالی: (ليقولن الله) ، شهادة عن الاعتقاد و الاقرار ، لا التفات إلی الفطرة بعد الانكار.
و منها: ما عن زرارة في عدة روايات عن الباقر و الصادق عليهما السلام في قوله تعالی: (فطرة الله التي فطر الناس...)(4) ، و قوله: (و اذا اخذ ربك من بني آدم...)(5)، و في بعضها. استشهاد أيضاً بقوله: (ولئن سألتهم...).
ص: 129
1-
فعنه (زرارة) عن الباقر(علیه السلام): ما الحنيفة؟ قال(علیه السلام): «هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطر الله الخلق علی معرفته.»(1)
2- و في اخری: «فطر هم الله علی المعرفة.»(2)
3- و في اخری، عن قوله تعالی: (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ، قال (علیه السلام) «فطر هم علی معرفة انه ربهم و لولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم و من رازقهم؟»(3)
4- و في اخری: «فطرهم علی التوحيد عند الميثاق علی معرفة انه ربهم. قلت: وخاطبهم؟ قال: فطأطأ رأسه، ثم قال: لولا ذلك لم يعلموا من ربهم و لا من رازقهم.»(4)
5- و في اخری قال: وسالته عن قول الله: ( و اذ اخذ ربك...) قال(علیه السلام): «اخرج من ظهر آدم ذريته الی يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم واراهم صنعه ولو لا ذلك لم يعرف احد ربه و قال: قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): كل مولود يولد علی الفطرة؛ يعني علی المعرفة بأن الله – عزوجل- خالقه فذلك قول: ( ولئن سألتهم من خلق السموات و الارض و سخر الشمس و القمر ليقولن الله).»(5) و برواية العياشي: «فعرفهم نفسه وراهم نفسه، و لولا ذلك، ما عرف احد ربه وذلك قوله: (ولئن سألتهم...).»(6) و ليس فيها الاستشهاد بحديث كل مولود.6- و في اخری عنه(علیه السلام) في اخذ الميثاق: «واخذ عليهم الميثاق بالربوبية و لمحمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالنبوة، ثم كفل لهم الارزاق، و انساهم رؤيته، و اثبت في قلوبهم معرفة.»(7)
ص: 130
7- و في اخری عن ابي عبدالله(علیه السلام)، قلت: كانت رؤية معاينة؟ قال(علیه السلام) : «ثبت المعرفة في قلوبهم وانسوا ذلك الميثاق و سيذكرونه بعد و لو لا ذلك لم يدر احد من خالقه و لا رازقه.»(1) هذا برواية العياشي و برواية المحاسن ، قال سألت ابا عبد الله(علیه السلام) عن قول الله تعالی:( و اذ اخذ ربك...) قال(علیه السلام): «ثبت المعرفة في قلوبهم ونسو الموقف و سيذكرونه يوماً؛ و لو لا ذلك، لم يدر احد من خالقه و لا من رازقه.»(2)
و هذه كلها روايات زرارة.
8- و عن ابن مسكان عن ابي عبدالله(علیه السلام) في الاية قلت: معاينة كان هذا؟ قال(علیه السلام): «نعم فثبت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه، و لو لا ذلك لم يدر احد من خالقه و رزاقه، فمنهم من اقر بلسانه و لم يؤمن بقلبه، فقال الله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل...}.»
9- و عن ابي هاشم الجعفري عن ابي محمد العسكري(علیه السلام) قال(علیه السلام): «ثبتت المعرفة و نسوا ذلك الموقف و سيذكرنه؛ و لو لا ذلك لم يدر احد من خالقه و لا من رازقه»و هذه الروايات كما تری، بعضها غير آب عن الحمل علی الفطرة التشريعية؛ كالاولی و الثانية في السؤال عن الحنيفية ، و البواقي إنما يتوهم ابائها عن ذلك لمكان قوله(علیه السلام): «و لو لا ذلك لم يدر احد»؛ و قوله(علیه السلام): «ثبتت المعرفة في قلوبهم»؛ و هذا ظاهر في ان الفطرة، فطرة قلبية؛ ولكن بعضها كالصريح في اختصاص ذلك بعالم الذر عند اخذ الميثاق كالرابعة.
و يؤيده ما عن ابي بصير، قلت لابي عبد الله(علیه السلام): كيف علموا القول حيث قيل لهم: {الست بربكم}؟(3)
ص: 131
قال(علیه السلام): «إن الله جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه؛ يعني، في الميثاق.»(1) و في اخری عنه (علیه السلام) في قوله: {الست بربكم}، قلت: قالوا بلی بالسنتهم؟ قال (علیه السلام): نعم و قالوا بقلوبهم. فقلت: و اي شيء كانوا يومئذ؟ قال(علیه السلام): صنع منهم(2) ما اكتفی به.»(3)
فهذا الجملة (ولولا ذلك...) لا يمنع من حمل جميعها علی الاختصاص بذلك الوقت، لانه تعالی اراد أن يسألهم و يأخذ منهم الميثاق، فلا بد ان يفطرهم بوجوه يعرفونه فيجيونه، إلا ان قوله(علیه السلام): «ثبتت المعرفة...»، ربما ينافي ذلك.
و هذه الجملة اظهر جملة فيها يتخيل شهادتها علی مراد المدعين ، لكنها لو ابقيت علی ظاهرها لزم منها الدعوی الكاذبة لان هذه الروايات تنبئ عن امر واقعي عام، فلا بد له من شاهد ظاهر في النفوس لانها تدعي ثبوتها لها مع انه شيء لا يجد المقر في نفسه و لا المنكر.المنكر فظاهر و اما المقر فلان احداً من المقرين لا يری في نفسه اسناد اقراره الی فطرته بل اما مستند الی تحقيقه و استدلاله او الی رسوخه فيه بحسب نشوه في اهل الاقرار فكيف يمكننا تصديق دعوی شيء علی انفسنا مع انا لا نری في وجداننا منه اثر؟ و لا مجال للحمل علی انها مخفية او منسية لان ظاهر قوله(علیه السلام): «فثبتت المعرفة و نسوا ذلك الموقف...» بل صريحه ان المعرفة غير منسية و ان المنسي هو الموقف و لازم ذلك الدعوی انهم ينكرون ما يعرفون و لازمه انحصار الانكار و الكفر في الجحود. و عليه فلا يبقی محل لطرو الألجاء و الاضطرار الا لاجل الالجاء إلی الاقرار فلا بد حينئذ من صرفها عن ظاهرها خروجاً من لزوم الكذب. و الوجه الصحيح ان تحمل علی ان الثابت هو التمكن من المعرفة لانفسها يعني، انه تعالی لما عرفهم نفسه واراهم صنعه و جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه و مكنهم المعرفة المقبول ثم استنطقهم فاجابوه و اخذ منهم الميثاق
ص: 132
فاطاعوه رفع عنهم تلك الاحوال و انساهم ذلك المشهد ولكن ابقی فيهم ذلك التمكن من تحصيل المعرفة و ادراكها و قبولها. فهذه الاخبار رد علی القائل بالجبر و منكر الاستطاعة.
و اما استشهاد الباقر(علیه السلام) في الحديث الخامس بقوله:{ولئن سألتهم...} فانه ايضاً لا يستقيم بظاهره؛ و يرد عليه ما اوردنا علی قوله(علیه السلام):«...ثبتت المعرفة...» فان المسئولين لو كانوا هم المشركين فقد عرفت ان اقرارهم ليس مستنداً الی الفطرة و لا عن تذكر الفطرة و لا عن كونهم مولودين علی الفطرة و لا عن انه اراهم في عالم الذر نفسه و صنعه و لو كانوا هم الغافلين.
فمع ان الحديث الثامن اثبت انهم لا يؤمنون و مثله روايات اخری في اخذ الميثاق ان منهم من آمن و منهم من جحد هناك لم يؤمن هنا فكيف يمكن نسبتهم الی الفطرة علی الاقرار؟ مع انهم لم يؤمنوا هناك لم يكن اقرارهم ايضاً لو اقروا مستنداً ای الفطرة قابل الی الاحتجاج و الاستدلال بعد السئوال . فلا بد لهذا الاستشهاد ايضاً من محمل و المحمل ايضاً ما ذكرنا و توجيهه انه (علیه السلام) اراد انه تعالی لما اراهم صنعه و عرفهم نفسه بماصنع منهم ما يعرفون ليعرفو الخالق عن غيره و لم يرفع ذلك عنهم حتی انهم ولدوا ايضاً علی هذه الفطرة من التمكن التمييز فلذلك لئن سألتهم يعني هؤلاء المشركين من خلق السموات و الارض؟ فمع انهم يعبدون الاصنام ليقولن الله دون الاصنام لانهم يتمكنون من معرفة الخالق و الرازق و تمييزه عن غيره فقوله(علیه السلام): «يعني علی المعرفة بان الله – عزوجل- خالقه في تفسير قوله(علیه السلام): «يولد علی الفطرة» يحمل علی التمكن علی المعرفة.
و منها: قوله(علیه السلام): «كل مولود يولد علی الفطرة حتی يكون ابواه يهودانه و ينصرانه»(1) و الظاهر من السيد المرتضی رحمه الله انه مما نقله العامة و الخاصة و هو ايضاً لا يدل علی مرادهم فان الفطرة هنا لا يراد بها فطرة معرفة الصانع بقرينة يهودانه و ينصرانه إذ اليهود و النصاری مقرون بالرب بل المراد بها الفطرة الاولية اي الطبيعة الساذجة الصرفة الخالية التي يتمكن معها من قبول الحق و تمييز الباطل.
ص: 133
و يؤيده(1) و ما في الكافي عن ابي عبدالله (علیه السلام) قال: «ان الله- عزوجل- خلق الناس كلهم علی الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون ايماناً بشريعة و لا كفراً بجحود ثم بعث الله الرسل تدعو العباد الی الايمان به فمنهم من هدی الله و منهم من لم يهد الله»(2)
و منها(3): خطبة الرضا(علیه السلام) بمحضر المأمون : «بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد معرفته و بالفطرة تثبت حجته...»(4) لكن هذه الخطبة توافق خطبةاميرالمؤمنين(علیه السلام) في اكثر العبارات و هذه العبارة بعينها في خطبته(علیه السلام) موجودة و فيها: «بالفكر تثبت حجته»(5) و عن جامع الاخبار ايضاً عن امير المؤمنين (علیه السلام): «و بالتفكر تثبت حجته» فاحتمال التصحيف في خطبة الرضا(علیه السلام) ظاهر مع ان ثبوت الحجة بالفكر اظهر و انسب من ثبوته بالفطرة. مع انه لا يبقی بعد قوله(علیه السلام): «بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد معرفته» للفطرة معنی و لا مجال خصوصاٌ انه(علیه السلام) قال(بلا فصل): «جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته» فلو كانت الفطرة ثابتة و بها تثبت الحجة فاي معنی بعدها لجعله الخلق دليلاً عليه و كاشفاً عن ربوبيته؟
و لو بنينا علی ان العبارة غير مصحفة فالفطرة قابلة للحمل علی الشرع و الدين فالمعنی ان يشرعه تعالی الدين كما قال تعالی:{شرع لكم من الدين ما وصی به نوحاً...}(6) ثبتت حجته كما قال:{لئلا يكون للناس علی الله حجة بعد الرسل...}(7). و يمكن ان تكون
ص: 134
الفطرة من الفطور بمعنی الحدوث؛ كقوله اي الرضا(علیه السلام) ايضاً: «مستشهد بكلية الاجناس علی ربوبيته و بعجزها علی قدرته، و بفطورها علی قدمته.»(1) فالمعنی ان بحدوث الاشياء الذي يری بالعيان ثبتت حجته فان الحدوث حجة علی ثبوت المحدث.
و منها: مكتوب الرضا(علیه السلام) الی فتح بن يزيد الجرجاني:«الحمد لله الملهم عباده الحمد و فاطرهم علی معرفة ربوبيته الدال علی وجوده بخلقه و بحدوث خلقه علی ازليته...»(2) و الفطرة هنا اما تشريعية: اي جعل معرفته فطرة و صبغة لهم فدعاهم اليها اوطبيعية و لكن الطبيعة الاطلاقية القابلة لكل شيء اي جعلهم مفطوراً علی قبول معرفته بالاستدلال كما قال(علیه السلام):«الدال علی وجوده بخلقه...»
و منها: خطبة امير المؤمنين(علیه السلام): «فبعث الله فيهم رسله و واتر اليهم انبيائه ليستأدوهم ميثاق فطرته...»(3) و الفطرة هنا ظاهرة في التشريعية و المراد بها الدين كله لا خصوص الاقرار بالصناع؛ اذ الانبياء لم يبعثوا لخصوص ذلك و كثير منهم بل اكثرهم انما بعثوا الی قوم مقرين فالمراد انهم بعثوا ليستادوا الناس ما اخذ الله ميثاقهم عليه مما جعل لهم فطرة و هو الدين كله. هذا مع ان سيرة الانبياء(علیهم السلام) كانت علی الاحتجاج و الاستدلال كما قال امير المؤمنين(علیه السلام): «الذي سئلت الانبياء عنه فلم تصفه بحد و لا ببعض بل وصفته بافعاله و دلت عليه بآياته...»(4) لا علی مطالبتهم بالتوحيد و ايكالهم الی فطرتهم.
فان قيل:«ان الاستدلال كالاضطرار نوع من كشف الغطاء عن الفطرة المغشية» قلت:«اذا كانت الفطرة بهذه الحيثية من الخفاء لكل احد حتی يحتاج في ازالتها الی الاستدلال فاي فائدة للفطرة؟ مع انه علی هذا لا وجه لتخصيص التوحيد بالفطرة كما تقدم؛ اذ كل شيء يرفع غطائه بالاستدلال فكل قضية إذن فطرية.
ص: 135
من طرائف الحكم
عن امير المؤمنين(علیه السلام): ان هذه القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكم
و قال(علیه السلام): الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله و لم يؤيسهم من روح الله و لم يؤمنهم من مكر الله.
و قال(علیه السلام): احذروا صولة الكريم اذا جاع و اللئيم اذا شبع.
ص: 136
و قال(علیه السلام):كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب و لا ضرع فيحلب.
ص: 137