«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثالثة: العدد الثامن 1389 هجرية شمسية 1432 هجرية قمرية
مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي
موقع مدرسة أهل البيت(علیهم السلام): www.aqayed.com
ص: 1
كلمة التحرير...3
علي امير المؤمنين (علیه السلام) هادي العالمين آية الله السيد علي البهبهاني(رحمه الله)...4
المعاد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...9
اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني...21
الرؤية الفلسفية نقد و تحليل آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...30
السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ...39
رسالة الی وزير الثقافة و الإرشاد الإسلامي... 51
بحث فقهي حول الموسيقی آية الله الاشكوري...55
مخالفة الوهابية لاجماع المسلمين العلامة الشيخ علي الكوراني...63
روائع من الأدب الإسلامي قصيدة لابي طالب (علیه السلام)...66
موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...72
الغلو و التفويض عند الشيخية الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...78
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...86
وجود العالَم بعد العدَم عند الإماميّة حجة الاسلام والمسلمين السيد قاسم علي الأحمدي ...92
لماذا لا يعتمد الشيعة علی ارباب الفتوی من العامة؟ ابو جعفر الكاظمي ...113
ابن عربي ملحد ام عارف؟ علاء فيصل ...124
هداية الامة الی معارف الائمة آية الله الشيخ محمد جواد الخراساني ...128
ص: 2
آلله خير امّا يشركون؟عن مولانا الامام الصادق عليه السلام : «من دخل في هذا الدّين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه ، ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة زالت الجبال قبل أن يزول ».
لايخفی ان الدين امر هام ومصيري لايستهان به لايؤخذ بالاهواء وعليه فلابد من اخذه من ركن وثيق الا وهو العقل والوحي ولايخفی ان الاعتماد علی الوحي انما هو اعتماد علی العقل باعتبار قيام الدليل و البرهان العقلي علی صحة و صدق الرسالة الاسلامية العظيمة فان ما جاء به النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من معاجز متعددة و التي قسم منها ماثل و باقٍ الی يومنا هذا كمعجزة القرآن الكريم كما يثبت لنا صدق الرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و انه من عند الله جل وعلا كذلك يثبت لنا واقعية كل ما جاء به من معارف حول الكون و الوجود و الحياة هذا مضافا أنه يصح الاستدلال بالآيات و الروايات بما تضمنته تلك الايات و الروايات من استدلال عقلي وبذلك تعرف قول الامام الصادق(علیه السلام)من ان من دخل في هذا الدّين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه ، ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة زالت الجبال قبل أن يزول.و من العجيب و المؤسف جداً أن نرى ثلّةً ممّن يتزيّن بزيّ العلم ويتشدّق بألفاظ المعرفة يقف ليفتح بابا ويحمل راية أمام مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم الإلهيّة ، يحدو به دواعي دنيويّة أو وساوس شيطانيّة أو أهواء نفسيّة ، أعاذنا اللّه من أمثال هذه النزعات الانحرافيّة والأفكار الشيطانيّة .
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) ولا علاقة لها بمدرسة التفكيك. نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
مصباح الهداية
من افادات آية الله علي السيد البهبهاني(رحمه الله)
في تفسير قوله تعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)(1)
عن بريد العجلي عن مولانا أبي جعفر (علیه السلام) في قول الله عز وجل :( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد )فقال : رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسلم المنذر ، ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ثم الهداة من بعده : علي (علیه السلام) ثم الأوصياء واحدا بعد واحد)(2)
وفي غاية المرام : إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة ،في كتاب فرائد السمطين في فضائل المرتضى وفاطمة والسبطين (علیه السلام) قال : أنبأنا شيخنا العلامة نجم الدين عثمان بن الموفق ، أنبأنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي إجازة ، أنبأنا الشيخ عبد الجبار بن محمد الجواري البيهقي ، أنبأنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ، قال : من الآيات فيها علي تلو النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)(3)
وذكر أيضا : عن إبراهيم الحمويني - مسندا إلى أبي هريرة الأسلمي - قال : سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: (إنما أنت منذر ) وضع يده على صدر نفسه ، ثم وضعها على يد علي (علیه السلام) ويقول: (لكل قوم هاد)(4)
ونقل فيه عن الثعلبي مسندا إلى ابن عباس ، قال: (لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يده على
ص: 4
صدره ، وقال: أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب علي بن أبي طالب (علیه السلام): أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون)(1)والروايات في هذا المعنى من الطريقين كثيرة مستفيضة ، بل الرواية عن خصوص ابن عباس في هذه الآية بهذا المعنى مستفيضة من الطريقين ، كما ذكره في غاية المرام.(2)
وقال ابن شهرآشوب : صنف أحمد بن محمد بن سعيد – يعني ابن عقدة - كتابا في قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) إنما نزلت في أمير المؤمنين (علیه السلام) .(3) أقول : ويدل على ذلك أيضا الروايات المتواترة من الجانبين في وصف العترة الطاهرة ، بأنهم : مع الكتاب ، لا يفارقهم ولا يفارقونه ، وأنه لاصون عن الضلالة إلا مع التمسك بهم.(4) والروايات المستفيضة من الطرفين ، في أن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق.(5) ووجه الدلالة واضح : إذ لو كان الهادي الذي أخبر الله تعالى به في كتابه من غير أهل بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لكان التمسك به مصونا عن الضلالة وسببا للنجاة ، وكان قرينا لكتابه المجيد ، مع أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يقرن مع الكتاب إلا أهل بيته وصرح بأنهما لن يفترقا ، أي لا يوجد علم الكتاب إلا عندهم ، وجعل جميع الأمة متمسكين بهم بقوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " وحصر النجاة في التمسك بهم بقوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : " ومن تخلف عنها غرق " .
وشعر حسان من أصحاب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) معروف مشهور:
إنما أنت منذر لعباد * وعلي لكل قوم هاد
واعلم أن الآية الكريمة تدل على احتياج الأمة إلى الهادي ، الذي جعله الله تعالى هاديا لهم ، لأنه
ص: 5
تعالى حصر وصف نبيه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في الانذار . ومن الواضح أن الدين والإسلام لا يكمل بالإنذار فقط ، لأن الانذار إنما يوجب تأسيس الأساس ، ومجرد التأسيس لا يوجب البقاء ، لأنه
معرض للزوال والنقصان ، فلا بد في إبقائه من وجود قيم وحافظ وهاد يهدي إليه في القرون الآتية ،فقال عز من قائل بعد ذلك : ( ولكل قوم هاد ) يعني أني كما جعلتك نبيا منذرا ، وأسست أساس الدين بك ، أكملته وأحكمته ، وأتممت نعمتي على الناس ، بأن جعلت لكل قوم في القرون اللاحقة هاديا ،
به يهتدي المهتدون ، وينفي عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . فدلت الآية الكريمة على أمور :
الأول : الاحتياج إلى هاد بعد النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في إبقاء الدين ، وصونه عن النقصان والزوال .
والثاني : أن منصب الهداية(1) كمنصب الانذار ، إنما هو من المناصب الإلهية التي لا يتطرق فيه اختيار الناس .
والثالث : أنه تلو النبوة ، لأن تأثير أحدهما في التأسيس والآخر في الابقاء ، فكلاهما من أصول الدين ، ويجب على الناس معرفة الهادي والاعتراف بمقامه ، واتباعه ، كما يجب عليهم معرفة المنذر ، والإقرار برسالته وإطاعته . وإذا اتضح لك : أن هذا المنصب من المناصب الرفيعة الإلهية اتضح
لك أن معرفة صاحبه لا تكون إلا بتوسط المنذر (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ولا سبيل للناس إلى
معرفته إلا من قبله (علیه السلام) فوجب عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) تعريفه لهم ، ولم يعرف في الروايات الواردة من الجانبين إلا مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) وأولاده الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، فدل ذلك على أنه المعني بالهادي قطعا ، مع أن حديث الثقلين المتفق عليه عند الفريقين ، " ومثل أهل بيتي مثل سفينة نوح " يدلان على أن الهادي إنما هو من أهل البيت ، ولم يخرج منهم .
ثم إن تنكير " هاد " متأخرا عن قوله تعالى " ولكل قوم " يدل على تعدد الهادي ، وأنه لكل قوم هاد
ص: 6
بعد هاد ، كما نبه عليه مولانا الباقر (علیه السلام) بقوله : ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ودلالة اللفظ على التعدد في مثل هذا التركيب واضحة ، ألا ترى أنه لا يصدق قولك : لكل قوم عالم ، ولكل شخص من هؤلاء دينار ، إلا مع تعدد العالم والدينار ، ولا ينافي ذلك ما في كثير من الروايات من تفسيره بمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) ونزول الآية في شأنه ، لأنه من جهة أنه (علیه السلام) أول المصاديق وأكملها . ومنه تبين أن ما نقله الطبرسي رحمه الله عن بعض المفسرين بالرأي من تفسير هاد به تعالى(1) باطل جدا ، مع أنه تعالى منذر وهاد بواسطة رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وخلفائه المعصومين ، فإن أريد أنه هاد بواسطة فهو كذلك . ولكن لا مجال للتفكيك حينئذ بين المنذر والهادي وإن أريد أنه هاد بلا واسطة فهو غلط ، لأنه تعالى أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها ، ولو هدى الله تعالى بلا واسطة لأنذر أيضا بلا واسطة . وبالجملة : دلالة اللفظ على التعدد في غاية الوضوح والظهور ولا ينبغي الارتياب فيه ومع ذلك أقول مزيدا للإيضاح :
إن الآية الكريمة دلت على احتياج الأمة إلى هاد بعد المنذر ، وهو رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ولو كان الهادي في قرن كافيا للأقوام الذين يأتون في القرون اللاحقة للزم عدم الحاجة إلى هاد بعده (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، لأنه كان (علیه السلام) هاديا في قرنه ، وهو خلف ، فعلم أن كل زمان وقرن لا بد له من هاد ، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون متعددا ، والهداة بعد مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) ليسوا إلا العترة الطاهرين ، الذين وصفهم النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأنهم مع القرآن والقرآن معهم ، وأنه لا يخلو الأرض منهم بقوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) " لن يفترقا حتى يردا على الحوض ".(2) وإذا تبين لك هذا المعنى تبين لك أن الولاية والإمامة لا تكون إلا لمولانا أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، لأن الإمامة تدور مدار الهداية ، ضرورة أنه لا يعقل أن يكون الهادي مأموما لمن لا يهتدى إلا به . قال عز من قائل : ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) .(3)فإن قلت : يجوز أن يقال إن ( هاد ) معطوف على منذر ، كما نقله الطبرسي رحمه الله عن بعض
ص: 7
العامة (1)، فيصير المعنى حينئذ أن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) منذر وهاد لكل قوم .
قلت : مع أنه خلاف ظاهر التركيب ، ومناف للروايات المفسرة من الجانبين ، يستلزم تعلق المجرور ب( هاد ) دون ( منذر ) ، إذ لو كان متعلقا بهما ، وكان من قبيل باب التنازع للزم أن يقال : إنما أنت منذر وهاد لكل قوم ، فيلزم حينئذ أن يكون النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هاديا لكل قوم ، ولم يكن منذرا كذلك وهو غلط ، إذ الانذار والهداية بلا واسطة يختص بهما من كان في عصره (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبواسطته تعمان كل عصر وكل قوم ، فلا مجال للتفكيك بينهما بتخصيص هدايته بكل قوم ، دون إنذاره ، فتعين أن يكون المجرور خبرا مقدما عن هاد ، والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة . والحمد لله الذي أوضح الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): كن في الفتنة كابن اللبون
لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب
ص: 8
من محاضرات الاستاذ
السيد جعفرسيدان العدد الثاني
انحصار المستند في مسألة المعاد بالأدلة النقلية:
بعد ما تبيين من عدم منافاة المدعى «يعني حشر الروح مع البدن الترابي» للعقل إلّا انّ الّذي يمكن أن يستند اليه في مثل هذه المسائل هي الادلة النقلية فهي لا غير تستطيع ان تبين لنا في هذه المباحث خصوصيات المسألة فانّ مسألة المعاد من المسائل الغيبية كما اعترف بذلك نفس ملاصدرا بأن لا طريق للعقل اليها وصرح ايضا بأنّ المسائل الّتي لا طريق للعقل اليها يلزم الاستناد فيها الى النقل وضرب لذلك مثالا بالانسان الاعمى الّذي لا يستطيع تشخيص الألوان والاشكال من خلال أذنه كذلك اولئك الّذين يريدون التكلم حول يوم القيامة بلا استناد إلى الآيات والروايات فلا شك في كون كلامهم غلط ولا اساس له.
يقول ملاصدرا في تفسير سورة يس حول ذلك:
«وإيّاك أن تستشرف الاطّلاع عليها من غير جهة الخبر والايمان بالغيب بأن تريد أن تعلمها بعقلك المزخرف و دليلك المزَّيف، فتكون كالأكمه الّذي يريد أن يعلم الألوان بذوقه أو شمّه أو سمعه أو لمسه، و هذا عين الجحود والإنكار لوجود الألوان؛ فكذلك الطمع في إدراك أحوال الآخرة بعلم الاستدلال و صنعة الكلام عين الجحود والإنكار لها، فمن أراد أن يعرف القيامة بفطانته المعروفة وعقله المشهور فقد جحدها و هو لا يشعر. فتأمل».(1)ولا ينقضي تعجبي من ملاصدرا حيث يعتبر مسألة المعاد من مسائل الغيب وانّه لابد فيها من الاكتفاء بالنقل ولكنه عملا لم يولِ اهمية للآيات والروايات وفي المجلد التاسع من كتاب الاسفار صوّر المعاد بشكل اخر وحاول تطبيق الآيات والروايات بما يتفق مع رأيه المختلق حول المعاد.
ص: 9
وعلى سبيل المثال انه بعد ما أنكر حشر الارواح مع هذا البدن الترابي اوّل الآية المباركة {أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}(1) وقال انّ المراد من القبور في هذه الآية الشريفة هو الابدان ونتيجة ذلك هو انّ الحشر يكون بالارواح دون الابدان في حين انه من الواضح جدا ما هو المراد من القبر.
ومن البديهي ان احسن المستمسكات والمستندات هو القرآن الكريم وكلما دققنا النظر في الآيات المباركة ازددنا علما بأنّ مقصود القرآن الكريم من الحشر هو الحشر مع هذا البدن العنصري المادي.
يقول ملاصدرا في تفسيره:
«ومواد اشخاص الآخرة هي التصورات الباطنية والتأملات القلبية لانّ الدار الاخرة ليست من جنس دار الدنيا لان هذه دار الشهادة وهي دار الغيب».(2)
ولكن القرآن الكريم يقول {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ولا تناسب ولا ارتباط لهذه الآية مع ما قال ملاصدرا ابدا فما أبعد كلام اللَّه جل وعلا من حصول الحياة لنفس هذه العظام البالية وبين من يقول بأن الجسم سوف لن يعود وانما الروح هي الّتي تنشأ لنفسها بدنا مثاليا!
تحقيق آراء العلماء
كلام الميرزا الآشتياني حول المعاد الجسماني:
يقول سماحة الميرزا احمد الآشتياني - احد الشخصيات العلمية في القرن الأخير وكان جامعا للمعقول والمنقول - في كتابه الاعتقادي لوامع الحقائق حول اختلاف الآراء حول كيفية حشر الناس:«انه بعد ما ثبت بحكم العقل والنقل لزوم المعاد ويوم الجزاء وقع البحث في أنّ ما ينتقل اليه الارواح في القيامة الكبرى ويوم الحساب هل هو عين الابدان الدنيوية البالية العنصرية بشمل شتاتها وجميع جهاتها بأمره تبارك و تعالى كما يقتضيه الاعتبار، حيث أنّ النفس خالفت أو اطاعت وانقادت لما كان بتلك الجوارح فحسن المجازاة وكمال المكافاة بان يكون المجازى عين من اطاع أو عصى أو
ص: 10
لا بل تنتقل الى صور المجردة التعليمية ذات امتداد نظير القوالب المثالية وصور المرآتية؟ ما وقع التصريح به في القرآن الكريم هو الاول»(1)
يعني ان الروح بهذا البدن المادي الدنيوي والّذي قد تلاشى في التراب سوف ترجع اليه بعد جمع اجزائه ثم أخذ في اثبات مدعاه فاستشهد بقضية النبي ابراهيم (علیه السلام)وشواهد قرآنية اخرى وقال:
«فانكار المعاد الجسماني و عود الارواح الى الاجسام (والعود هو الّذي يساعده العقل السليم) يخالف نص القرآن بل جميع الاديان وانكار لما هم ضروري الاسلام أعاذنا اللَّه تعالى من زلات الاوهام وتسويلات الشيطان »(2)
يعني انّ المعاد بهذا المعنى من ضروريات الاسلام بل جميع الاديان، وهذه العبارة صريحة جدا في ان من ينكر المعاد بهذا البدن العنصري والمادي فقد خالف القرآن والسنة وجميع الاديان وفي الحقيقة انكر امرا من ضروريات الدين وسوف يظهر لك قريبا ان ملاصدرا لا يقبل المعاد بهذا البدن العنصري والترابي وانه معتقد بأن الروح تنشأ لنفسها في يوم القيامة قالبا مثاليا وقد سمي ذلك القالب المثالي بالجسم.
مقالة آية اللَّه الخوانساري حول المعاد الجسماني:
يقول المرحوم آية اللَّه السيّد احمد الخوانساري:«ثم انّ البدن المحشور يوم النشور البدن العنصري كما هو صريح الآيات والاخبار وقد يقال ان المحشور ليس البدن العنصري بل البدن المثالي المنشأ بأنشاء النفس بأذن اللَّه تعالى والمختلف باختلاف الملكات الحاصلة في الدنيا».(3)
ومقصود من قوله «وقد يقال» هو ملاصدرا القائل بأن الروح تنشأ لنفسها بدنا مثاليا ولا يخفى انه هنالك من ينكر عود الابدان في يوم القيامة مطلقا ويقولون بأن المحشور هي الروح فقط بلا عودة
ص: 11
للبدن الدنيوي ولا البدن المثالي وبهذا يعتقد اكثر الفلاسفة المشائيين إلاّ ابوعلي ابن سينا فانّه وان كان من أبرز الفلاسفة المشائيين إلاّ انه قبل المعاد الجسماني متابعة للرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).(1)
من الممكن ان يسأل لماذا اختار ملاصدرا القول بالمعاد مع البدن المثالي في حين ان اكثر الفلاسفة قائلون بأنّ الروح تحشر لوحدها.
الجواب: هو ان ملاصدرا يرى ان انكار المعاد الجسماني مخالفة للشريعة واجماع الامة ولذا فلم يقل هو بالمعاد الروحاني المطلق يعني بلا جسم وبدن ومن جهة اخرى فهو يرى انّ المعاد الجسماني لا يخلو من اشكالات عقلية (حسب اعتقاده - المترجم) غير قابلة للحل ولذا قال بأنّ الروح هي الّتي تنشأ لنفسها بدنا وصورة مثالية وهذا البدن المنشأ من قبل النفس له طول وعرض إلاّ انه لا مادة فيه وهو يختلف باختلاف ملكات الاشخاص فاذا كانت الملكات حسنة فسوف يكون هذا البدن المثالي حسنا وان كانت الملكات قبيحة فسوف تكون هذه الصورة المثالية سيئة وقبيحة.
وقد سمّى ملاصدرا هذا البدن المثالي جسما وعلى هذا الاساس فهو يرى انّ المعاد جسماني، ولا يخفى انّ هذا الجسم المثالي حسب اعتقاد ملاصدرا لا ربط له بالجسم الدنيوي والعنصري الترابي اصلا.ومن الواضح انّ المعاد الجسماني الّذي جاء على لسان الشريعة المقدسة والّذي هو من الضروريات غير ما ابتكره ملاصدرا من المعاد.
فلا شك ان المعاد الّذي هو من ضروريات الدين انما هو حشر الروح مع هذا البدن الدنيوي ولذا فان ملاصدرا وان كان قائلا بالمعاد الجسماني لكن حيث ان مراده من الجسم ليس هذا البدن الدنيوي بل هو عبارة عن صورة مثالية فهو اذن من المنكرين للمعاد الجسماني ايضا طبقا لما قاله في المجلد التاسع من الاسفار.
ص: 12
مقالة ابن سينا حول المعاد الجسماني:
يقول ابن سينا: ليس لدنيا دليل عقلي على اثبات المعاد الجسماني لكن حيث أخبر الشارع المقدس ورسول الاسلام الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)بالمعاد الجسماني قبلناه وصدقناه به وهذه عين عبارته من كتابه الشفاء:
«يجب ان يعلم ان المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل الى اثباته إلّا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبي وهو الّذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج الى تعلّم وقد بسطت الشريعة الحقة الّتي اتانا بها سيّدنا ومولانا محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)حال السعادة والشقاوة الّتي بحسب البدن ومنه ما هو مدرك بالعقل... »(1)
مقالة الشيخ محمد تقي الآملي حول المعاد الجسماني:كان آية اللَّه الشيخ محمد تقي الآملي فقيها متبحرا وفيلسوفا معروفا يقول في تعليقته على شرح المنظومة المسماة بدرر الفوائد حول المعاد بعد أن وضّح قول ملاصدرا:(2)
«هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذه الطريقة لكن الانصاف انه عين انحصار المعاد بالروحاني لكن بعبارة اخفى فانه بعد فرض كون شيئية الشي ء بصورته وان صورة ذات النفس هو نفسه وان المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشي ء لا يحشر وانّ المحشور هو النفس غاية الامر امّا مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياما صدوريا مجردا عن المادة ولوازمها إلّا المقدار كما في نفوس المتوسطين من اصحاب الشمال أو اصحاب اليمين وامّا بدون ذلك ايضا كما في المقربين».(3)
يقول المرحوم الآملي في هذا المقطع من كلامه ان المعاد الّذي طرحه ملاصدرا وصاحب المنظومة ليس هو بالمعاد الجسماني ولو سمّوه بالمعاد الجسماني فانّ المعاد الجسماني الّذي هو من ضروريات
ص: 13
الدين هو حشر الروح مع هذا البدن الترابي ومقصود صاحب المنظومة وملاصدرا من المعاد الجسماني ليس هذا المعنى.(1)
يقول ملاصدرا - بناءً على انّ شيئية كلّ شي ء انما هي بصورته لا بمادته ولا شيئية للمادة - انه لا وجود لهذا البدن العنصري في عالم الاخرة والمحشور في الاخرة انما هي الروح لا غير ويقول ايضا: انّ الارواح على قسمين: ارواح النفوس المتوسطة والّتي تنشأ الروح لنفسها صورة مثالية تكون مرافقةللروح وامّا ارواح النفوس الكاملة فحيث ان الروح مندكة وفانية في الذات الالهية فليست لها صور مثالية.
أقول: مع التأمل في كلمات ملاصدرا وصاحب المنظومة نجد ان حقيقة المعاد الّذي يعتقدانه هي ان المعاد روحاني فقط وذلك فان المعاد للكاملين في رأي ملاصدرا يكون بالروح فقط ولغيرهم يكون بالروح مع بدن تنشأه الروح يشبه البدن الدنيوي لكنه ليس من جنس الماديات، وفي كلا الصورتين فلا وجود للبدن الترابي المادي في الاخرة ولا اثر له ولذا صرح المرحوم الآملي بأن الانصاف ان هذا عين المعاد الروحاني.
ويقول الآملي في اخر كلامه معلقا على رأي ملاصدرا:
«ولعمري ان هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعة السلام والتحية وأنا أشهد اللَّه وملائكته وانبياءه ورسله انّي اعتقد في هذه الساعة وهي ساعة الثلاث من يوم الاحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368في امر المعاد الجسماني بما نطق به القرآن الكريم واعتقد به محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)والائمة المعصومين صلوات اللَّه عليهم أجمعين وعليه اطبقت الامة الاسلامية».(2)
ص: 14
كلام سلطان المحققين خواجه نصيرالدين الطوسي والعلامة الحلي:
يقول المرحوم خواجه نصيرالدين الطوسي حول المعاد بعد ذكره لأدلة المعاد:
«والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)مع امكانه ».(1)
ونقول اولا: انّه من الّذي يدعي الضرورة؟ انّ الّذي ادعاه شخصية كشخصية المرحوم الخواجه الطوسي هو الّذي ادعى الضرورة فانه بعد ان عد المعاد الجسماني من ضروريات الدين قال: انّ المعاد الجسماني عقلا امر ممكن ثم أورد بعض الاشكالات على المعاد الجسماني وأجاب عنها.
وقال العلامة الحلي في شرح ذلك:«واستدل على ثبوت المعاد الجسماني بأنه امر معلوم بالضرورة في دين النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والقرآن دل عليه في آيات كثيرة مع انه ممكن».(2)
فقد استدل الخواجة نصيرالدين على جسمانيته انه من بديهيات دين النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والقرآن الكريم مضافا الى امكانه في نفسه ولا يخالف العقل ولو كان المعاد الجسماني مخالفا للعقل كان اللازم عليه أن يؤول ظاهر الآيات والروايات كما لو قيل بأنّ الواحد زائدا على واحد يساوي عشرة ففي مثل هذا لابد وان نقول انّ المقصود من الاثنين شيئا اخر أو انّ المراد من المساوي غير المساواة وانّ المراد من العشرة غيرها ايضا ويُردُ لو لم يقبل التأويل وذلك لانه خلاف ضرورة العقل كما وانه لوكان هنالك في الشرع المقدس ما يخالف العقل البديهي وغير قابل للتأويل فانه يطرح ويرد.
فعلى سبيل المثال فقد ورد في الشرع حول خلق آدم(علیه السلام){وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} فانه لو أخذنا بظاهر الآية فاللازم أن نقول انّ للَّه جل وعلى روحا قابلة للتقسيم وقد انفصل منها مقدار حل في النبي آدم(علیه السلام).
أقول: لا شك في كون هذه المطالب خلاف عقل جميع العقلاء وعليه فلابد من تأويل الآية من كون اضافة الروح إلى اللَّه عزّ وجلّ في الآية اضافة تشريفية كما في اضافة البيت والدار اليه تعالى وقد
ص: 15
جاءت الروايات مؤكدة ومؤيدة لهذا المعنى ايضا. وليست مسألة المعاد الجسماني مخالفة للعقل بل هي أمر ممكن اذا لا دليل ولا مبرر لتأويل ظواهر ونصوص الآيات والروايات الواردة في المعاد الجسماني.
مقالة الاستاذ السبحاني حول المعاد الجسماني:
لقد نقل الاستاذ السبحاني اقوال العلماء المختلفة حول المعاد من قبيل كلام العلامة المجلسي والعلامة الحلي وابن سينا وملاصدرا حيث قال:قال العلامة المجلسي: «اعلم انّ القول بالمعاد الجسماني ممّا اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج من عداد المسلمين والآيات الكريمة على ذلك ناصة لا يعقل تأويلها والاخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها».(1)
وقال العلامة الحلي: «اتفق المسلمون على اعادة الاجسام خلافا للفلاسفة».(2)
ثم ان بعد ان نقل هاتين العبارتين قال ويعتقد ملاصدرا بأن الروح تحشر بصورة مثالية وأخذ بتوضيح ذلك وتحليله قائلا:
«اذا كان الملاك في توصيف المعاد بالجسماني أو الروحاني هو كون المحشور هو الجسم الحي وحده أو الروح وحدها فالقرآن الكريم يصدق الاول وينكر الثاني وذلك ان من امعن النظر في الآيات الواردة حول المعاد يقف على ان المعاد الّذي يصر عليه القرآن الكريم هو عود البدن الّذي كان الانسان يعيش به هذه الدنيا ولا يصدق عود الروح وحدها فقط ويظهر ذلك من ملاحظة اصناف الآيات الواردة حول المعاد».(3)
ثم قسم الآيات الى اصناف مختلفة الدالة على المعاد الجسماني وذكر لكل صنف مجموعة من الآيات ونحن نكتفي بذكر بعض منها:
ص: 16
{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}(1)
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}(2)
{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(3){إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}(4)
الالهيات، المعاد الجسماني والروحاني،(5) كلام ملاصدرا حول انكار المعاد الجسماني واثبات المعاد المثالي:
عبارة ملاصدرا الاولى:
هنالك من يقول بالتناسخ وهؤلاء يقولون ان الروح تنتقل الى بدن اخر بعد مفارقتها للبدن فبناءا على هذه النظرية فلا حشر ولا معاد وقد رد ملاصدرا هذه النظرية وذكر انه من المحال تعلق الروح بالبدن مرة ثانية حيث قال:
«وليس لقائل ان يقول ما قررتم في ابطال النقل بعينه جار في تعلق النفوس إلى الابدان في نشئة الاخرة فانّ البدن الاخروي اذا استعدّ لتعلق نفس به فلابدّ أن يفيض عليه من الواهب نفس جديدة مدبرة اياه فاذا تعلقت هذه النفس المنتقلة عن الدنيا به لزم تعلق نفسين ببدن واحدة وهذا ممتنع فما هو جوابك فهو بعينه جوابنا، لأنا نقول: الابدان الاخروية ليست وجودها وجود استعدادي ولا تكونها بسبب استعدادات المواد وحركاتها و تهيئاتها واستكمالاتها المتدرجة الحاصلة لها عن اسباب غريبة ولواحق مفارقة بل تلك الابدان لوازم تلك النفوس كلزوم الظل لذي الظل حيث أنّها فائضة بمجرد ابداع الحق الاول لها بحسب الجهات الفاعلية من غير مشاركة القوابل وجهاتها الاستعدادية فكل جوهر نفساني
ص: 17
مفارق يلزم شبح مثالي ينشأ منه بحسب ملكاته واخلاقه وهيئاته النفسانية بلا مدخلية الاستعدادات وحركات المواد كما في هذا العالم شيئا فشيئا وليس وجود البدن الاخروي مقدما على وجود نفسه بل هما معا في الوجود من غير تخلل الجعل بينهما كمعية اللازم والملزوم والظل والشخص فكما انّ الشخص وظله لا يتقدم احدهما على الاخر ولم يحصل لاحدهما استعداد من الآخر لوجوده بل على سبيل التبعية واللزوم فهكذا قياس الابدان الاخروية مع نفوسها المتصلة بها، فان قلت: النصوص القرآنيةدالة على ان البدن الاخروي لكل انسان هو بعينه هذا البدن الدنياوي له قلنا: نعم ولكن من حيث الصورة لا من حيث المادة وتمام كلّ شي ء بصورته لا بمادته»(1)
عبارة ملاصدرا الثانية:
ويرد ملاصدرا على الاشكالات الواردة على نظريته بقوله:
«ثم لما كانت النفوس المفارقة عن الابدان الانسانية غير متناهية لزم مما ذكروا من اجتماع المفارقات كلها على جسم من اجسام العالم فيلزم اما نهاية تلك الجواهر وعدم نهاية ذلك وكلاهما محال، والجواب: ان التجرد الواقع في كلام المشكك ان أراد به التجرد عن الاجسام الحسية والاشباح البرزخية جميعا فليس الحال كذلك في نفوس الناقصين والمتوسطين لانها وان تجردت عن الحسية لم يتجرد عن المثالية وان أراد به التجرد عن الحسية دون المثالية فهو صحيح ولا فساد فيه كما سيجي ء بيانه في باب المعاد»(2)
عبارة ملاصدرا الثالثة:
وحول تأييد نظريته من عدم رجوع الروح الى البدن العنصري الدنيوي بعد الموت بل تتعلق بالصورة المثالية يقول:
«وممّا يؤيد ما ذكرناه من بطلان تعلق النفوس بعد الموت بجرم فلكي أو عنصري وينور ما قررناه من انّ الصور الاخروية التي بها نعيم السعداء وجحيم الاشقياء ليست هي التي انطبعت في جرم فلكي
ص: 18
أو غير فلكي بل هي صورة معلقة موجودة للنفس من النفس في صقع آخر مرتبة باعمال وافعال حدث عنها فى دار الدنيا واثمرت في ذاتها اخلاقا وملكات مستتبعة لتلك الصور المعلقة هو ما قاله قدوة المكاشفين محي الدين بن عربي عليك ان تعلم ان البرزخ الّذي يكون الارواح فيها بعد المفارقة من النشأة الدنياوية هو غير البرزخ الّذي بين الارواح المجردة والاجسام لان تنزلات الوجود ومعارجهدورية والمرتبة الّتي قبل النشأة الدنياوية هي من مراتب التنزلات ولها الاولية الّتي بعدها من مراتب المعارج ولها الاخرية»(1)
عبارة ملاصدرا الرابعة:
يقول ملاصدرا:
«فانها اذا فارقت هذا البدن فان كانت خيرة فلا محالة لها سعادة غير حقيقة من جنس ما كانت توهمته وتخيلّته وبلغت اليه همته وسمعت من أهل الشرائع من الحور والقصور والسدر المخضود والطلع المنضود والظل الممدود والاشجار والانهار وسائر ما يكون لذيذا بهيجا عنده وهذا مما لا اشكال في اثباته عندنا لأن الصور الاخروية المحسوسة حصولها غير مفتقر إلى موضوع ومادة كما أشرنا اليه».(2)
عبارة ملاصدرا الخامسة:
يرى ملاصدرا ان من اردء الاعتقادات في المعاد الجسماني وانزلها هو الاعتقاد بكون المعاد الجسماني عبارة عن حشر الارواح مع ابدانهاالترابية - وهو القول الّذي قال به المرحوم الآملي والاشتياني والخوانساري وسلطان المحققين وعموم علماء الامامية والّذي يرونه من ضروريات الدين - و يعتقد ملاصدرا ان عالم الاخرة غير عالم الدنيا وانه لا اثر في الاخرة للمادة ولا للمخلوقات المادية ولا لهذا البدن الترابي حيث يقول:
ص: 19
«وأنزل من هذه المرتبة من الاعتقاد في باب المعاد وحشر الاجساد اعتقاد علماء الكلام كالامام الرازي و نظرائه بناءا على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات اجزاء مادية لاعضاء اصلية باقية عندهم و تصويرها مرّة اخرى بصورة مثل صورة السابقة ليتعلق النفس بها مرّة اخرى ولم يتفطنوا بانّ هذا حشر في الدنيا لا في النشأة الاخرى وعود الى الدار الاولى دارالعمل والتحصيل لا الى الدار العقبى دار الجزاء والتكميل فأين استحالة التناسخ وما معنى قوله تعالى: {إِنَّا لَقَادِرُونَ} {عَلَى أَن نُبَدِّلَ خَيْراًمِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}وقوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}، {عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(علیه السلام) عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقوله تعالى: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} ولا يخفى على ذي بصيرة ان النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين وانّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع الى اللَّه أوالقرب منه لا العود الى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني».(1)
وقد استدل ملاصدرا بأنّ الموت والبعث هو ابتداء الحركة الى اللَّه عزّ وجلّ لا أن يعود الانسان إلى البدن الترابي الكثيف الظلماني.
للبحث صلة
ص: 20
معنی العلم
تقول المعرفة البشرية: العلم علی قسمين:
ألف) العلم الحصولي
ب) العلم الحضوريالحصولي هو حصول صورة الشيء في نفس العالم بصيرورتهما (أي النفس والصورة) واحدا عينا، وحينئذ فما صار معلوما بواسطة اتحاد صورته مع النفس هو المعلوم بالعلم الحصولي، وأما نفس الصورة المتحدة مع النفس فهو معلوم بالحضور أيضا كما يأتي.(1)
والحضوري، هو كون الشيء نفسه نفسه، وحضوره عند ذاته - أي عدم خروجه عن نفسه - أوكونه في إحاطة غيره - أي عدم خروجه عنه - ومآل القسمين إلی واحد.
أقول: أما تفسير العلم بالوجود، وكون الشيء في إحاطة غيره من حيث الوجود، فمما لا يمكن الخضوع له بل ينكره العقل والبرهان والضرورة والوجدان بل العرف واللغة.
مضافا إلی أنه:
ص: 21
1. حيث يكون معنی العلم الحضوري هو: حضور الشيء عند العالم أي وجوده في وجود العالم.
2. ومن البديهي أن وجود شيء في شيء (وهو نفس معنی الاتحاد وصيرورة شيئين شيئا واحدا) يكون محالا ذاتيا.
فبالنتيجة يصبح العلم الحضوري أمرا موهوما موضوعا.
ومن هنا تری أن القائلين به اضطروا إلی الاقرار بأن العلم الحضوري هو كون الشيء نفسه نفسه(1) وصرحوا باتحاد العالم والمعلوم، والتزموا بوحدة وجود الخالق والمخلوق، وبأن معنی كون اللّه تعالیعالما بالاشياء حضورا هو كونها متحدة في الوجود معه، وعدم خروج الاشياء بذواتها عن ذات خالقها!!
وهذا المعنی - مع غض النظر عن بطلانه في نفسه - يكون لعبا بل استهزاءا بحقيقة معنی العلم.
إن قلت: أفلا يكون علم الانسان بنفسه علما حضوريا؟!
قلت: إن العلم الحضوري يجب أن لا يعرضه الغفلة والنسيان والذهول، بل لا يمكن أن يعرضه التذكر به بأي وجه من الوجوه، كل ذلك بناءا علی تعريفه حيث لا معنی لخروج شيء عن ذاته وارتفاع وجوده عن نفسه بالبداهة، وحيث إن علم الانسان بنفسه يعرضه ذلك كله فلا يصدق عليه تعريف العلم الحضوري، والعجب من الذين غفلوا عن هذا الامر الواضح وتمسكوا لاثبات العلم الحضوري بذلك(2).
ص: 22
إن قلت: فما هو حكم ساير الوجدانيات كالارادة والكراهة والحب والبغض والخوف والرجاء والجوع والعطش و...
قلت: حيث إن كل ذلك يسلب عن النفس تارة ويحصل لها أخری فيمتنع أن يكون عين النفس - فضلا عن توهم تجردهما! - فلا معنی لادعاء كونها معلومة بالحضور حتی مع فرض قبول تعريف العلم الحضوري وغض النظر عن بطلانه موضوعاو لا ينبغي الغفلة عن ان ما سوی الخالق الواحد عزوجل متجزي مقداري عددي لا يمكن فرض اتحاد شيء منها مع غيره مطلقا .
ثم إن الفلسفة تقول في توجيه تخصيص العلم بالمجردات دون الماديات: إن الموجود المادي لا وجود جمعي له فلا يكون عالما ولا معلوما فمن شرط العلم هو التجرد.
ونقول: هذا الكلام باطل من أسه وأساسه وذلك أن الموجود إما خالق وإما مخلوق، فالخالق جل وعلا لا يوصف ذاته بالجمعية وغير الجمعية حيث إنهما من صفات الاقدار وملكاتها فلا يوصف بهما ما يخالفه، وأما المخلوق فإن كل فرد منه يتميز عن مثله بنفس أجزائه المحققة لوجوده كما أن كلجزء من أي فرد خاص منه يتميز عن جزئه الاخر بنفس كونهما جزئين متمايزين، وعليه ففرض الجمعيه لوجود أي شيء يكون محالا موضوعاً.
إن قلت: إن المادة والجسم يكون كل جزء منه غائبا عن جزئه الاخر غير حاضر عنده، فكيف يمكن أن يكون حاضرا عند غيره؟!
قلت: عدم حضور كل جزء منه عند جزئه الاخر يكون خروجا عن الفرض، بل حيث إن كل جزء منه موجود في نفسه وفي كل أجزائه يكون موجودا في ما يحيط به فيجب أن يكون معلوما لنفسه ولما يكون محيطا به بالعلم الحضوري بناءا علی التعريف.
فلا وجه لتوهم تلازم العلم والتجرد، بل حيث إن كل حجر ومدر يكون موجودا في نفسه، فيجب عليهم أن يلتزموا بأن كل شيء - حتی الماديات والاجسام - يكون عالما بنفسه بالعلم الحضوري بل علما وعالما ومعلوما، كما أنه يجب عليهم الالتزام بكون الاجسام والماديات بنفس وجوداتها المادية الجسمانية معلومة حضورا لخالقها، أي موجودة في ذاته!
ص: 23
ولهذا تری أنهم يلتزمون بذلك ويصرحون بأن كل موجود مادي فهو حاضر بنفس وجوده الجسماني في وجود علته.
إن اللّه لا يری
إن هاهنا مذاهب مختلفة:
منها: مذهب من يقول بأن اللّه تعالی يباين الموجودات المقدارية المتجزية بالذات وحيث إنه جل وعلا يكون متعاليا أن يكون ذا مقدار وأجزاء وأبعاض وأبعاد مكانية أو زمانية فلا يعقل أن يری مطلقاً وذلك لبداهة أن جواز الرؤية يتفرع علی كون المرئي ذا مقدار وأجزاء وأبعاض وجهة.
وأما ما ورد من النصوص السماوية الدالة علی رؤية اللّه تعالی فالمراد منه هو العلم واليقين الحاصل من دلالة خلقه تعالی وصنعه عليه، كما في قوله تعالی:
إني أراك من الجاهلين.
وكقول أمير المؤمنين (علیه السلام):فرأيت الصبر علی هاتا أحجی، فصبرت وفي العين قذی وفي الحلق شجی.
فإنه جل وعلا أحق وأبين مما تراه العيون، وذلك هو المراد من الرؤية القلبية كما في ما ورد عن:
...أبي جعفر (علیه السلام) اذ دخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أي شي ء تعبد؟ قال: الله. قال: رأيته قال لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان(1).
ومنها: مذهب من يقول: "إنه لا موجود إلا اللّه"، و"بسيط الحقيقة كل الاشياء"، وإن الاشياء مراتب وجود اللّه تعالی ولا يكون شيء خارجاً منه"، أو يقول: "إن الاشياء حصص وجود اللّه تعالی ولا مراتب هناك ولا تشكيك"، أو يقول: "إن اللّه هو الوجود اللامتناهي فما أبقی وجوده مجالا لوجود أيّ شيء آخر، أو: "إن الاشياء هي ظهورات ذات الحق وتجلياته وتطوراته لا غير".
وهم يستنتجون من ذلك أن كل ما نراه وندركه ونحسّه ونلمسه فلا يكون شيئاً غير اللّه تعالی وليس في دار الوجود غيره ديار!
ص: 24
ومنها: ما يقال: إن حقيقة الوجود - وهو اللّه عندهم لا غير - لا صورة لها تحكيه فلا يمكن أن تعرف بالعلم الحصولي وطريق العلم به ينحصر بالحضور، وعليه فاللّه تعالی يعرف بالوجدان والحضور، والحضور هو نفس عينية الواجد وما يجده، وهو اتحاد العقل والعاقل والمعقول.
ومنها: مذهب من يقول: إن لك علما حصوليا مسبوقا بعلم حضوري فحقيقة الاشياء ليست إلا ما يجده الانسان في نفسه، فحضور الانسان لذاته - وهو كون نفسه نفسَه - هو حضور جميع الاشياء عنده، وهذا العلم والحضور هو نفس علمه باللّه الذي لا يكون شيئاً غير نفسه، فمن وجد - بل هذا الوجدان أمر ضروري حيث إنه ليس المراد منه إلا كون الشيء نفسه - حقيقة نفسه فقد وجد اللّه بعينه حيث إنهما لا يكونان من حيث المصداق إلا واحداً.
وهذا المعنی هو المراد من قولهم: "إن اللّه يعرف بالعلم الحضوري"، أو: "لا طريق إلی معرفة الرب المتعال إلا الوجدان"، أو: من وجد نفسه متعرياً من كل التعينات والتصورات والتوهمات فقد وجد اللّه بعينه"، أو: "إن الانسان مقياس كل شيء وأما الخارج من وجود الانسان فإما أن لا يكون شيء أصلا وإما أن لا طريق إلی العلم به مطلقاً". أو: "إن اللّه لا يعرف ولا يدرك ولا يری إلا بالوجدان والمكاشفة والحضور والشهود"
ثمّ إن من الواضح أن المذهب الثاني والثالث هما نفس القول بوحدة وجود الخالق والمخلوق وإنكار تباينهما الذاتي، وحيث إن بطلان ذلك يكون غنياً عن البيان فلا ريب في أن الحق هو المذهب الاول، فلا يعرف اللّه تعالی ولا يدرك ولا يری لا بالحضورو لا بالوجدان ولا بالحصول ولا بالعين والبصر ولا بالشهود والمكاشفة و...
وطريق العلم بوجوده تعالی ليس إلا خلقه وصنعه وأما حقيقة ذاته جل وعلا فمحجوبة عن كل درك وعقل ووهم وبصر وحس ولمس ووجدان وكشف وشهود و...
الفاعل والمنفعل
قيل: إذا كان هناك فعل فالفاعل لا يكون منفعلا، والمنفعل لا يكون فاعلا، وذلك لبداهة استحالة اجتماع المتقابلين، وبطلان اتحاد العلة والمعلول بالبداهة، حيث إن الفاعل هو: "من يفعل الفعل" ويؤثر في غيره، والمنفعل هو: "ما يتأثر من الفاعل"، واستحالة اجتماعهما أوضح من أن يخفی.
ص: 25
إن قلت: إن الانسان منفعل من جهة أنه يكون مخلوقا للّه تعالی وموجودا بإيجاده، وفاعل من جهة أنه يفعل أفعاله الاختيارية، فكيف ذلك؟
قلت: إذا كان الانسان منفعلا في فعل - وهو كونه مخلوقا للّه تعالی - وكان فاعلا في فعل آخر - وهو فعله الاختياري - فلا يكون ذلك من مصاديق اتحاد وجود الفاعل والمنفعل والعلة والمعلول، وذلك أنه لا شك في أن الانسان حينما يخلقه اللّه تعالی يكون منفعلا وقابلا للوجود فقط وليس بفاعل مطلقا، وحينما يفعل أفعاله الاختيارية يكون فاعلا فقط غير منفعل.
ونقول: إن المتيقن من استحالة اتحاد الفاعل والمنفعل عقلا هو أن يكون شيء موجدا لنفسه - أو لمثله لان هذا أيضا يرجع إلی استحالة اتحاد الموجِد والموجَد - المستلزم منه تقدم الشيء علی نفسه، وأما احتمال أن يكون هناك فاعل يؤثر في نفسه بالتغيير والتبديل أولا، وفي غيره بعد ذلك وتوليدا بلمباشرة فلم أجد دليلا علی امتناعه، فإن كل موجب يكون منفعلا ولا دليل علی وجوب كون كل منفعل موجبا، بل يحتمل أن يكون هذا المعنی - أي فاعلية النفس المختارة المخلوقة المتجزية علی نحو تأثيره في نفسه بأن يغير نفسه اولا وبلا واسطة وفي غيره كتحريك يده ورجله مثلا إثر تغييره نفسه - نفس معنی القدرة والمشية والاختيار في المخلوق كفاعلية النفس الانسانية وتأثيراته الاختيارية في نفسه أولا وبلا واسطة، ثم في جسمه بعد ذلك مباشرة، حيث إن انتقال التأثر من نفسه إلي جسمه وبدنه يمكن أن يكون من سنخ تأثيرات العوامل الطبيعية المباشرية والتوليدية، وليس من ذلك تأثيره في جسمه وبدنه كتحريك يده إلا علی القول بأن الانسان الحي المكلف هو هذه الجملة المشاهدة كما ذهب إليه بعض المتقدمين.
هذا، ولا امتناع في أن يكون لكل الاشياء مما نعرفها باسم العوامل الطبيعية نفس مختارة ولكنها لا تعصي ما أمرها اللّه عز وجل به، ويحتمل أن يكون من موارد ظهور هذا الفعل الاختياري هو امتناع السكين عن ذبح إسماعيل، وعدم إحراق النار لابراهيم عليه وآله السلام وأمثالها. وعلی هذا فيمكن أن لا يكون في صفحة الوجود انفعال مطلق وفعل غير اختياري مطلقا الا ما اراده الله جل وعلا تكوينا والله العالم.
ص: 26
قال الله تعالی: حَتى إِذَا مَا جَاءُوهَا شهِدَ عَلَيهِمْ سمْعُهُمْ وَأَبْصرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (20). وقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شهِدتمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطقَ كلَّ شىْ ءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(1).
ثمَّ استَوَى إِلى السمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لهََا وَالارْضِ ائْتِيَا طوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طائعِينَ(2).
وأما الفرق بين فاعلية اللّه تعالی وبين هذه النفوس المختارة هو أن الثاني يكون متجزيا مقداريا منتقصا في ذاته عند أفعاله وتأثيراته فهو فاعل ومنفعل بخلاف اللّه جل جلاله وعظم شأنه حيث إنه تعالی فاعل فقط وليس بمنفعل أصلا وقد جاء في النصوص:كل معط منتقص سواه(3)..
وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكسهُ فى الخَْلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ(4).
الدليل على بعض مواضيع المباحث الاعتقادية في كتب أعلامنا المتقدمين.
حقيقة معنى العلم والمعرفة (وليس منها العلم الحضوري):
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره، 9 - 20؛ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 93؛ الكافي لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 45؛ قواعد المرام لابن ميثم البحراني قدس سره: 26؛ المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي قدس سره: 66؛ شرح الاحقاق: 1 / 147.
إنه تعالى لا يدرك:
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره: 19 - 42؛ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 87 - 92 - 93؛ الكافي لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 45؛ قواعد المرام لابن ميثم البحراني قدس سره: 47 -
ص: 27
75؛ البرهان على ثبوت الايمان للديلمي قدس سره: 48؛ المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي قدس سره: 66؛ شرح الاحقاق: 1 / 128.
الصانع تعالى يباين المصنوع ولا يشبهه شيء ذو مقدار وأجزاء وجهة:
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره: 17 - 18 - 20 - 24 - 38 - 44؛ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 68 - 70 - 71 - 69 - 78 - 79 - 82 - 83 - 86 - 87 - 88؛ الكافي لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 45 - 46؛ قواعد المرام لابن ميثم البحراني قدس سره: 47 - 75 - 68 - 75 - 72 - 73؛ عجالة المعرفة للراوندي قدس سره: 33؛ أعلام الدين للديلمي قدس سره: 35؛ البرهان على ثبوت الإيمانللديلمي قدس سره: 47 - 48؛ المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي قدس سره: 71؛ الصراط المستقيم للبياضى العاملي قدس سره: 1 / 20؛ شرح الإحقاق: 1 / 171 - 172
لا يكون الفعل إلا حادثا
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره: 47.
برهان وجوب وجود ماسوى الواحد تعالى بمحدث يباينه
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره: 21؛ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 67 - 70 - 83؛ الكافي لأبي الصلاح الحلبي قدس سره: 40؛ أعلام الدين للديلمي قدس سره: 35 - 36.
علم اللّه تعالى ومعناه وعمومه
الاقتصاد للشيخ الطوسي قدس سره: 18 - 34 - 50؛ نكت اعتقاديه للشيخ المفيد قدس سره: 24؛ عجالة المعرفة للراوندي قدس سره: 31؛ المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي قدس سره: 53؛ أنوار الملكوت في شرح الياقوت للعلامة الحلي قدس سره: 92.
ص: 28
قدرته تعالى ومعناها وعمومها
نكت اعتقاديه للشيخ المفيد قدس سره: 23؛ أعلام الدين للديلمي قدس سره: 35؛ المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي قدس سره: 53؛ أنوار الملكوت في شرح الياقوت للعلامة الحلي قدس سره: 92؛ الصراط المستقيم للبياضي العاملي قدس سره: 1 / 20.من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): ازری بنفسه من استشعرالطمع
و رضی بالذل من كشف عن ضره
و هانت عليه نفسه من امر عليها لسانه
ص: 29
العدد الاول
المقدمة
خلاصة من تاريخ الفلسفة
البراهميون
تتحدّث المصادر التاريخية حول ظهور الأفكار الفلسفية؛ من العقول و النفوس الكلّية- المثل و الأفلاك و غيرها- إن أول من عُرف بهده العقائد؛ هم (البراهميون). و هؤلاء يقسمون الأشياء الی؛ خير و شر، و الخير هو الوجود، و يقابله الشرالذي هو العدم. فالوجود تُسميه (براهما). و يعتقدون أن كلّهذه الموجودات؛ هي الله، و كل ما عداه فهو عدم محض. و كانوا يؤمنون بأن الله مستتر في هذا العالم المُشاهد، حالّ فيه. و بهذا القول- القول بالحلول- رسمت البراهميّه خط الإنسان في هذه الحياة، و حددت له تبعاً لذلك مهمته؛ و هي التخلّص من الشرّ و التقرّب من الخير. و الشرّ؛ ماله جسم، و الخير؛ هو الحال المستتر فيه، و هو براهما. و قد فسّره البراهميون خاصّة؛ بالعقل و الروح. فمهمة البراهمي في حياته تنحصر في أمرين: الأول؛ التقرّب الی العقل عن طريق التفكير، و الثاني: الإبتعاد عن مطالب الجسم – و هي الشهوات – بالمبالغة في الزهد ....(1).
وعلی المبالغة في الزهد يتوقف خلاص الإنسان من الشر الی حدًّ كبير، لأنها تُعجل بإفناء الجسم الذي هو مصدره، كما يتوقف عليها الی حدًّ كبير أيضاً صيرورة الإنسان براهما، أو عقلاً خالصاً، و بالتالی سعيداً تام السعادة.
ص: 30
و لذا يُعدّ مشروعاً في الديانة البراهميّة؛ كل وسيلة تحقق الإفناء؛ كالصوم لغير أجل معلوم. و ليست الصيرورة الی براهما إلا الإتحاد به، لأن الفرد من الإنسان مركّب من حالٍّ (براهما) و حالٍّ فيه و هو الجسم، أو من حالّ، و هو الوجود، و حالّ فيه؛ و هو العدم، أو من حالّ؛ و هو الخير المحض، و حالّ فيه؛ و هو الشر المحض.
فإذا حارب الشرّ المحض، و عمل علی إماتته و التخلص منه؛ فإنه حتماً يصير براهما، أو وجوداً محضاً، أو خيراً محضاً، لأن ذلك هو الباقي بعد تمام الإفناء و التخلص.(1)
الإيليونو جاءت المدرسة الإيليّة؛ و هي المدرسة الأولی من مدارس الإغريق الفلسفيّة الميتا فيزيقيّة تُردد قول البراهميين؛ بوحدة الوجود التي من رجالها (أكزيتوفان) إذ ينقل عنه أنه قال: «إله واحد هو الأكبر، وليس إلهاً خارجاً عن العالم، و لا فوقه، بل كعقل مطلق متّحد بهذا العالم، غير منفصل عنه و مدبّر له».
و الإيليّون كالبراهميين في الإيمان؛ بأن الوجود فقط لله، و يُقابله العدم، و هو العالم في نظرهم.
فلاسفة اليونان
إفلاطون: يقسم الوجود الی مطلق و مقيّد، و يصف العالم المشاهد بالمقيّد. و عندما يُعلل وجود هذا العالم المشاهد بما له من شبه بعالم المثل، و بأنه ظل له فحسب، يسلب الوجود الذاتي عنه، و يراه كأنه في نفسه عدم، أو لا شيء. و بهذا لا يختلف إفلاطون في الجوهر عن الإيليين، و إن اختلف عنهم في التعبير و الصياغة، و الوجود المقيد في نظر إفلاطون تعبيراً فرّ به عن العدم الذي آمن به الإيليون في وصف هذا العالم.
ص: 31
أما قول البراهميين، و بعض رجال المدرسة الإيلية بالحلول؛ فربّما يستعيض عنه إفلاطون بالربط بين العالمين؛ عالم المُثُل، و العالم المُشاهَد عن طريق اتصال النفس الكلّية التي هي من عالَم المُثل بهذا العالَم اتصال تدبير، و بوجود صورتها في أخصّ جزء من أجزائه؛ و هو الإنسان. و يجعل مردّ هذا العالم في نهايته الی عالم المُثل و بالدقّة إذ يجعل سعادة الإنسان في أن تعود نفسه الی عالم المثل؛ باعتباره منحدرها الإول و يجعل سبيله الی ذلك التفكير و التذكر مع كبت الرغبات و الشهوات. و لم ير اتحاداً كما رأی البراهميون و إنما وضع بدله؛ عودة و رجوعاً(1).
أرسطو: و هو أيضاً من المؤمنين بوحدة الوجود، و يری أنه إذا تطوِّر الإنسان في المعرفة، و وصل في مراتبها لأن يكون صورة إنسانية خالصة؛ أي عقلاً خالصاً، كما إذا وصل أي نوع الی صورته النوعية فقد صار شبيهاً بالصورة المحضة للعالم كله؛ و هي واجب الوجود.
أصحاب الإفلاطونية الحديثةو يعتبر (افلوطين) المؤسس لها، و هذه المدرسة أيضاً لا تختلف عن سوابقها؛ بالإيمان بوحدة الوجود، علی معنی أن الموجود الأول؛ و هو الطبيعة العليا الخيرية الكاملة متّصل بالمادّة التي يتكوّن منها هذا العالم، و غير منفصل عنها. و إن العالم تدرّج في وجوده عن هذا الأول، و اليه يردّ في النهاية و يتحد به(2) .
المسيحيون العقليون
لما أراد هولاء شرح النصوص الدينية الواردة في كتبهم؛ تأثروا بالفلسفة الإغريقية، فرأوا أن الوجود علی سبيل الحقيقة؛ هو الله، و أما العالم فليس وجوده علی سبيل الحقيقة. و من أجل هذه التفرقة علی هذا النحو؛ تراهم يجعلون عيسی (علیه السلام) الصلة بين الله و العالم؛ أي بين الوجود علی سبيل الحقيقة و
ص: 32
غيره، و هو في نظرهم ملتقی الله و العالم فيه كلمة الله. و مع ذلك هو إنسان؛ هو آخذ بطرف من الله؛ لأنه كلمته، و بطرف من العالم؛ لأنه إنسان.
و هنالك قسم من المسيحيين الذين شرحوا النصوص الدينية طبقاً للآراء الفلسفية، حاولوا التوفيق بين الفلسفة و الدين ففسّروا (الله) و (كلمة الله) و (روح القدس): بالوجود و العلم و الحياة، و سمّوها بالأقانيم الثلاثة؛ يعني الأصول، و تسميتها بالأصول يرجع الی أثر الفلسفة الإغريقية في تفلسف المسيحية. و تحديدها بثلاثة؛ يرجع الی المصدر نفسه، لأن مانراه هنا في المسيحية علی هذا الوجه؛ يذكّرنا بمُثل إفلاطون فقد جعلها أصول هذا الوجود المُشاهَد، و اعتبر هذا الوجود ظلاً لها و شبيهاً بها فقط. كما يذكرنا بثالوث إفلوطين المصري الذي يتمثل في؛ الواحد، العقل، نفس العالم(1).و لا تتضح الصلة بين الله و الوجود عند المسيحيين إلا بعد شرح الوجود كما شرحه فلاسفة الإغريق. و الوجود الفلسفي؛ هو الوجود المطلق، و الوجود المطلق يساوي الأول أو العلّة الأولی للوجود كلّه. و جاءت هذه المساواة نتيجة لمنهج الفلاسفة القدامی في بحث الموجودات(2).
و الصلة بين الكلمة و العلم صلة واضحة؛ لأن الكلمة تُطلق و يراد منها اللفظ و العبارة، و تُطلق كذلك يراد منها العقل. و العقل و العلم يؤول المراد منهما الی معنی واحد تقريباً.
وصلة روح القدس بالحياة صلة واضحة إيضاً إذا علم أن القوّة المدبّرة التي هي أساس معنی الحياة مأخوذ في معنی روح القدس(3).
بعد شرح الأقانيم الثلاثة و تحديدها هذا التحديد المجازي القائم علی التأويل؛ اختلف المسيحيون فيما بينهم فيها من جهة أخری فهل هي في واقع الأمر شيء واحد أم عدّة أشياء مستقلّة؟ و هل العلم و الحياة؛ هما عين الوجود أم هما شيئان آخران غيره؟:
فاليعاقبة: يرون أن الأقانيم أمور مستقلّة.
ص: 33
و النساطرة: يرون أن العلم ليس شيئاً وراء الوجود، و إن الحياة ليست شيئاً مستقلاً عنه كذلك.
الفلاسفة المسلمون
و جاء الفلاسفة من المسلمين – الذين تقبّلوا الفلسفة اليونانية كالبديهيات و المُسلّمات – يوفقون بين الفلسفة و بين العقيدة الإسلامية. و حاولوا تأويل الآيات و الروايات طبق الأفكار الفلسفية اليونانية، بل و أكثر من ذلك. فقد حاول الفارابي أن يصون أفكار أرسطو و إفلاطون من التناقض، و كتب كتاب (الجمع بين رأيي الحكيمَين).
و نلاحظ ابن سينا حينما يفسر الآية المباركة: «اللهُ نورُ السَماواتِ و الأرضِ مَثَلُ نورِهِ كَمِشكَاةٍ فيها مِصبَاحٌ المِصباحُ في زُجَاجَةٍ الزُجَاجَةُ كَأنَّها كَوكَبٍ دُرِّي يوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتونَةٍ لا شَرقيةٍ و لا غَربِيةٍ يكَادُ زَيتُها يضيءُ و لو لَم تَمسَسهُ نَارٌ نورٌ علی نور».يفَسِّر النور: بالخير؛ ليكون الله هو الخير. كما جعل افلاطون الخير؛ أعلی المُثل. و يفسر السماوات و الأرض: بالكل؛ و هو تعبير الفلاسفة عن العالم.
و يفسر المشكاة: بالعقل الهيولائي و هو أحد أقسام العقل عند أرسطو.
و يفسر المصباح: بالعقل المستفاد؛ و هو الثاني من أقسام العقل عند أرسطو.
و يفسر الزجاجة: بالواسطة؛ و هو العقل الفعّال الواسطة بين العقلين.
و يفسر الشجرة المباركة الزيتونة: بالقوّة الفكرية التي هي مادّة الأفعال العقلية.
و يفسر النار: بالعقل الكلِّي المدبِّر للعالم المُشاهَد؛ و هي النفس الكلِّية عند إفلاطون(1).
و الصوفية من المسلمين؛ آمنوا بوحدة الوجود و الموجود، و كلماتهم في ذلك معروفة و مشهورة. و من أقوالهم: (سُبحاني سُبحاني ما أعظم شاني، و رأيت الله في جبّتي، و أنا الحق) كما كان يتظاهر بذلك الحلاج، و قسم منهم يعتقد بالحلول.
و لقد كان الخطّ العام للأمّة الإسلامية- و منهم العلماء- يكفِّرون الصوفية و الفلاسفة اليونانيين، و يقفون أمام أفكارهم و معتقداتهم.
ص: 34
و في سنة الألف الهجري؛ جاء ملاصدرا الشيرازي كمجدد للفلسفة و كتب كتابه المعروف و هو (الأسفار في الحكمة المتعالية) و أخذت أفكاره الفلسفية مكانها في النفوس. فهو يری وحدة الوجود و الموجود في عين كثرتهما والكثرة وهمية لا حقيقية.
ففي تعليقة السبزواري علی الأسفار حيث ينقل هذا الرأي عن الشيرازي و يوضحه بقوله: «ثم أن الفرق بين طريقته (قده) و الطريقة المنسوبة الی ذوق المتألهين، إن المصنّف (قده) يقول بتكثر الوجود و الموجود معاً، و مع ذلك يثبت الوحدة في عين الكثرة؛ كما إذا كان إنسان مقابلاً لمرائي متعددة، فالإنسان متعدد.
و كذا الإنسانية؛ لكنها في عين الكثرة واحد بملاحظة العكسية و عدم الأصيلية، إذ عكس الشيء بما هو عكس الشيء ليس شيئاً علی حياله... فالوجودات إذا لاحظتها بما هي مضافة الی الحقّ سبحانهبالإضافة الإشراقية؛ أعني بعنوان أنها إشراقات نوره لم تكن خالية في ظهورها عن ظهوره. و إذا لاحظتها أموراً مستقلّة بذواتها؛ كنت جاهلاً بحقائقها، إذ الفقر ذاتي لها.
فالوجود عنده حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة بالشدّة و الضعف و نحوهما، و هذا التفاوت لا ينافي الوحدة؛ لأن ما به التفاوت عين ما به الإتفاق، بل يؤكد الوحدة...»(1).
و يقول ملا صدرا الشيرازي في موضع آخر من الأسفار: «قد تحقق و اتضح أن واجب الوجود إله العالم؛ بريء من أنحاء النقص، و وجوده الذي هو ذاته و حقيقته أفضل أنحاء الوجود و أتمّها، بل هو حقيقة الوجود و ماهيته و ما سواه؛ لمعة و رشح، أو ظلّ له. و لذلك قلنا إنه واجب الوجود من كل جهة، و إنه كل الوجود، إذ كله الوجود»(2).
و يقول في موضع آخر: « فالعالم كله صار بهذا الترتيب كشخص واحد؛ أوله الحق، و آخره الحق، و صورته الحق، بل تمامه الحق كدائرة واحدة؛ أولها النقطة، و آخرها النقطة»(3).
ص: 35
و يقول في الفصل الثاني عشر: « في أن واجب الوجود؛ تمام الأشيا، و كل الموجودات، و اليه ترجع الأمور كلها.. إذا تقرر هذا فنقول: إن العرفاء قد اصطلحوا في إطلاق الوجود المطلق و الوجود المقيد علی غير ما اشتهر بين أهل النظر. فإن الوجود المطلق عند العرفاء؛ عبارة عما لا يكون محصوراً في أمر مُعين محدوداً بحد خاص، و الوجود المقيد بخلافه؛ كالإنسان و الفلك و النفس و العقل. و ذلك الوجود المطلق؛ هو كل الأشياء علی وجه أبسط- الی أن يقول: و اليه الإشارة في الكتاب الإلهي: «إنَّ السَمَواتِ و الأرضَ كانَتَا رَتقَاً فَفَتقناهُما» و الرتق إشارة الی وحدة حقيقة الوجود الواحد البسيط و الفتق تفصيلها؛ سماءً و أرضاً و عقلاً و نفساً و ملكاً»(1).و حول القيامة يقول ملاصدرا الشيرازي: «والتحقيق في التوفيق بينها فهو؛ إن الأبدان الأخروية متوسطة بين العالمين، جاممة للتجرّد و التجسّم، مسلوب عنها كثير من لوازم هذه أبدان الدنيوية. فإن البدن الأخروي؛ كظل لازم للروح، و كحكاية و مثال له، بل هما متحدان في الوجود، بخلاف هذه الأبدان المستحيلة الفاسدة. و إن الدار الآخرة و أشجارها و أنهارها و غرفاتها و مساكنها و الأبدان التي فيها كلها صور إداركية؛ وجودها عين مدركيتها و محسوسيتها (2).
و يقول الفيلسوف الشهير ملا هادي السبزواري، صاحب المنظومة في تعليِقته علی المنظومة: «و لما كان العقل الكلي أمراً بالفعل جامعاً لجميع فعليات مادونه بنحو أبسط و أعلی، و أنحاء الفعليات المتشتتة أظلاله، و هو ظل الله تعالی: «ألَم تَرَ الی رَبِّكَ كَيفَ مدَّ الظِلَّ» كما أن الإستعدادات المتفرّقة في المواد؛ ترجع الی الهيولی، و الفعليات التي فيه بنحو اللف و الرتق أصلها، و الفعليات التي فيما دونه بنحو النشر و الفتق...»(3).
و يقول الآملي- شارح المنظومة- في شرحه علی المنظومة: «العقل الأول الذي هو الصادر الأول، المُعبَّر عنه بالحقيقة المحمدية و المراد بكليته؛ هو سعة وجوده، و جامعيته لجميع الموجودات»(4).
ص: 36
و ينقل آية الله العظمی السيد الخوئي (قده) عن الأسفار قول ملا صدرا؛ في الإيمان بوحدة الوجود و الموجود: «الآن حصحص الحق، و اضمحلّت الكثرة الوهمية ...»(1).
و حول العقول الطولية، يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في بداية الحكمة: «لما كان الواجب تعالی واحداً بسيطاً من جميع الجهات؛ امتنع أن يصدر منه الكثير؛ سواء كان الصادر مجرّداً؛ كالعقول العرضية، أو مادّياً؛ كالأنواع المادّية. لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، فأول صادر منه تعالی؛ عقلواحد يحاكي بوجوده الواحد الظلّي، وجود الواجب تعالی في وحدته ... لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل؛ بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلابدّ من صدور عقلٍ ثانٍ، ثم ثالث، و هكذا حتی تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال. فتبين أن هناك عقولاً طولية كثيرة، و إن لم يكن لنا طريق الی إحصاء عددها»(2).
و يعتمد المتصوفة، و في مقدّمتهم إبن عربي؛ في التوفيق بين الفلسفة و الدين بالإعتماد علی الشرح الرمزي، و جعل الآيات القرآنية كرمز للعقائد التي يعتقدونها. و قد جری علی ديدنهم الفلاسفة الإشراقيون.
يقول السيد محمد حسين الطباطبائي:« أما الذين تعمّقوا في الحقائق، و لهم القدرة علی فهم المعنی الباطني للقرآن الكريم، فهم يدركون الآيات القرآنية علی مستوی أرفع من العامّة. و القرآن الكريم يلوّح خلال تعابيره البسيطة أحياناً بالمعنی الباطني تلويحاً – الی أن يقول: - و سيأتي اليوم الذي تنتهي حركتها و سيرها- يعني الطبيعة، و الإنسان أحدها- و تفقد أنّيتها- يعني تحققها- و استقلالها كلّياً»(3).
و رأي إن الآيات التي تدلّ علی ذلك- يعني المعاد ممجرداً عن المادّة- و تُلوَح بالمعنی الباطني هي:
1- «إنَّ الی ربِّكَ الرُجعَی»
2- «ألا الی اللهِ تَصيرُ الأُمور»
ص: 37
3- «و الأمرُ يومَئذٍ لله»
4- «يا أيتُها النَفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجِعي الی رَبِّكِ راضِيةً مَرضِيةً فادخُلي في عِبَادي و ادخُلي جَنَّتي»
هذا ما أردناه من إلقاء نظرة سريعة علی المراحل التاريخية التي مرّت بها الأفكار الفلسفية من زمان ماقبل الفلسفه اليونانية، و حتی زماننا الحاضر. و يستطيع الباحث لاكتساب رؤية أوضح، و معلومات أكثر؛ مراجعة الكتب التاريخية من المصادر التي تعرّضت لنقل المفاهيم الفلسفية، منها:1- المِلل و النِحَل: للشهرستاني ج 2148 حول ورود الفلسفة بين المسلمين، و هناك يقول: «و مثل يعقوب بن إسحاق الكندي، و حنين بن إسحاق، و يحيی النحوي... و أبي نصر محمد بن محمد بن طرّخان الفارابي و غيرهم و إنما علّامة القوم؛ أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا. قد سلكوا جميعهم طريقة أرسطو طاليس في جميع ما ذهب اليه و انفرد به، سوی كلمات يسيرة ربّما رأوا فيها رأي إفلاطون و المتقدمين.
2- فهرست إبن النديم.
3- الجانب الإلهي: للدكتور محمد البهي.
4- الأسفار: لملا صدرا الشيرازي.
5- منظومة السبزواري.
ص: 38
في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني (رحمه الله)
مقدمة المترجم:
(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.
والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن
ص: 39
كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)
المحاضرة السابعة
تكميل الدليل النقلي الاول حول العينية
بقي شي ء من الدليل النقلي ففي ابتداء الامر نكمل ذاك الدليل ونستمر ايضا في بيان الدليل العقلي الثاني حول العينية، في المحاضرة السابقة قلنا: انّ العرفاء لاثبات مدعاهم استفادوا من هذه الآيةالمباركة (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍعَلِيمٌ)(1) حيث قال عدة منهم انّ اللَّه جلّ وعلا يريد ان ينبه على انه تعالی هو جميع الاشياء وذلك لانه قال (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ومعنى الآية هو انه جميع الاشياء، وهذا الاستنباط موجود في كثير من الكتب العرفانية ونموذجا لذلك يمكنكم الرجوع الى مقدمة القيصري على الفصوص . (2)
وفي جواب هذا الاستدلال قلنا انّ الآية المباركة بصدد بيان الاثنينية والبينونة فهي ناطقة بهذا المعنى وجاء في آخر الآية المباركة (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍعَلِيمٌ).
والحاصل انّه فرض في الآية الاثنينية كذلك أوضحنا: انه يقول في هذه الآية(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ولم يقل هو كلّ شي ء ولذا فالآية لا ظهور لها في مدعاهم ولابد في فهم معاني هذه الالفاظ من التدبر حتى يتضح المعنى وكذلك حينما نراجع الروايات الكثيرة حول ذيل هذه الآية نجد (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) فسرت بأشكال مختلفة وكلّ هذه المعاني ناطقة بحقيقة واحدة وهي انه ازلي وابدي
ص: 40
وهو لم يزل ولا يزال وهو لا اول له ولا نهاية له وبعد مراجعتنا بمظان تفسير هذه الآية وجدنا مجموعة كثيرة من الروايات ذكرت معنى الآية بشكل واضح نكتفي في هذا المجال بذكر رواية واحدة.(1)
معنى الظاهر في كلام الامام الرضا(علیه السلام):
قال ابوالحسن الرضا(علیه السلام): وأما الظاهر فليس من أجل انه على الاشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها ولكن ذلك لقهره ولغلبته الاشياء وقدرته عليها كقول الرجل ظهرت على اعدائي واظهرني اللَّه على خصمي، يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور اللَّه علی الاشياء ووجه اخر انه الظاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شي ء وانه مدبر لكل ما برأ فاي ظاهر أظهر وأوضح من اللَّه تبارك وتعالىلانك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من اثاره ما يغنيك والظاهر من البارز بنفسه والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى(2).
في هذه الرواية فسر الظاهر بالغالب، اذن الظاهر يعني الغالب وكذلك المعنى الآخر للظاهر ان كل من يريد معرفة اللَّه جلّ وعلا فالامر واضح وظاهر فالى أي شي ء نظرت فهو علامة له وكلّ شي ء له آية وكلّ شي ء يهدي اليه جلّ وعلا.
وعلى أي حال فهذا الحديث الشريف بيّن للظاهر معنيين:
1- بمعنى الغالب
2- بمعنى الظاهر والواضح ان اللَّه جلّ وعلا أظهر من كلّ شي ء
سؤال: وهذا هو دليل السنخية.
الجواب: لماذا؟
سؤال: لانه غالب على كلّ شي ء.
ص: 41
الجواب: هو شي ء غالب على كلّ شي ء اذن ثبتت الاثنينية وكلامنا في نفي العينية والغالب والمغلوب ينفيان العينية مضافا الى انه لا ربط له بالسنخية.
سؤال: لا يكون نفيا للشي ء
الجواب: نعم، نحن نريد اثبات ذلك وهو أنّ اللَّه جلّ وعلا شي ء وشي ء غالب.(1)
- ولازم ذلك التعدد بين الغالب والمغلوب فلا تستفاد العينية - المترجم.
سؤال: العينية ليست بالمعنى الذي تفسرونها من انّ كل شي ء هو اللَّه جلّ وعلا فلو راجعتم عبارة الاسفار فهي صريحة في هذا المطلب وهو قد أنكر ما ادعاه البعض من الصوفية وغيرهم من ان كل شي ء هو اللَّه جلّ وعلا ثم استغفر ولم يمجدهم.
الجواب: نعم هو وصفهم بجهلة الصوفية وقد طرحنا هذا الموضوع في المحاضرة السابقة فهل كنتم حاضرين فيها؟
سؤال: لا، انتم تبينون مطالب الاسفار وهذه المطالب بما يخالف القرآن والروايات.
الجواب: هذا هو الاشكال حيث انكم لم تكونوا في المحاضرة السابقة ولذا فمن الطبيعي أن يحصل لكم هذا الاشكال وقد أثبتنا نسبة هذا المطلب لملا صدرا، في المحاضرات السابقة في ثلاث منها فحينما طرحنا العينية فنحن طرحنا ذلك وذكر ما معنى هذا الكلام وهل به قائل؟ وجوابا لهذا السؤال فقد ذكرنا عبارات العرفاء في ثلاث محاضرات وأثبتنا هذا الامر لهم، لكن حيث انكم لم تكونوا في المحاضرة السابقة واستبعد انكم طالعتم الكراسات السابقة بدقة وقد اعترض عليّ بعض الاخوة وقال لي: لما ذا قرأت هذه العبارات مفصلا فانه يوجب الملل وهذه هي احدى الجهات(في قراءة تلك العبارات مفصلا) وحيث قد جاء في تلك العبارات الفرق بين جهلة الصوفية وغيرهم والكملين من الصوفية ونحن قد شرحنا الفرق بينهم، فاذا طالعتم الكراسات التي لها علاقة بالموضوع فسوف تحصلون على جوابكم ان شاء اللَّه تعالى.
ص: 42
سؤال: العرفاء يقولون: حقيقة واحدة وهي الوجود وهذا الوجود مثل الشمع حينما يستعمل منه اشكالا مختلفة بعناوين مختلفة كالشجرة والاسد و.... فتقال عليه هذه العناوين الاّ انّ الحقيقة هي الشمع الذي اتخذ اشكالا متعددة بدليل التطور والذي هو أمر اعتباري فالاشكال مختلفة الاّ انّ الحقيقة واحدة.
الجواب: بحثنا هذه المطالب في ثلاث محاضرات ولذا لا يمكن الجواب بجملتين أو ثلاث وأنا أجيبكم بعد المحاضرة وسوف يأتي البحث في خصوص بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشي ء منها.معنى الباطن في كلام الامام الرضا(علیه السلام) :
قال ابوالحسن الامام الرضا(علیه السلام): واما الباطن فليس على معنى الاستبطان للاشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك منه على استبطانه للاشياء علما وحفظا وتدبيرا كقول القائل: ابطنته يعني خبّرته وعلمت مكتوم سره والباطن منا الغائب في الشي ء والمستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.(1)
المقصود من الباطن هو انّ اللَّه جلّ وعلا خبير بالاشياء وبالنسبة الى الاشياء عليم وحفيظ ومدبر وليس المقصود من الباطن النفوذ في الاشياء نفوذ شي ء في شي ء بل العالم ببواطن الاشياء وخبير بكل شي ء وكل ما يتصور من معنى النفوذ في الممكنات فهو عنه جلّ وعلا منفي مثل انّ الماء نافذ في بطن التفاحة أو الدهن نافذ في بطن اللوز والنفوذ هنا محسوس ندركه وهذا المعنى المتصور من النفوذ في الاشياء منفي عن اللَّه جلّ وعلا.
معاني الاول والآخر والظاهر والباطن في دعاء الزهرا(س):
عن أبي جعفر(علیه السلام) قال: زارت فاطمة رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ذات يوم فقال: يا بنية الا ازورك؟ قالت: بلى يا رسول اللَّه. فقال: قولي: « اللَّه ربنا ورب كل شي ء منزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان، فالق الحب
ص: 43
والنوى، اعوذ بك من شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الاوّل فليس قبلك أحد وأنت الآخر فليس بعدك أحد وأنت الظاهر فليس فوقك أحد وأنت الباطن فليس دونك أحد...».(1)
في هذا البيان الشريف: الاول بمعنى الذي ليس قبله أحد (وليس له ابتداء) والآخر الذي ليس له نهاية (الازلي والابدي) والظاهر يعني ليس فوقه احد والباطن يعني الذي ليس شي أقرب منه. (2)نحن لابد أن نأخذ كلامنا من مكانٍ سنديتُه محل اتفاق الكل وهو كلام المعصومين(علیه السلام): وعلينا أن نتعقل كلامهم وذلك لان مكانة العقل ثابتة دائما الاّ انّ مراجعة كلماتهم في هذا المطالب انما هو تعلم من ذي علم وليس تعبديا صرفا.
سؤال: لا شك ان مرجعنا القرآن والسيرة والروايات الاّ انّ فهم الروايات ليس بالامر السهل بحيث يفهمها اي واحد فانّ فهم الروايات يحتاج الى مقدمات.
الجواب: كلامنا هو هذا ايضا لابد من تدبر وتعقل الروايات مع تحصيل كل المقدمات اللازمة وعلى اساس يقبله الجميع.
سؤال: لو كان المعنى الذي يذكره العرفاء حول قوله جلّ وعلا (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ظاهرا من الآية فماذا تقولون؟
الجواب: لا، لا ظهور للآية الشريفة في المعنى الذي يقوله العرفاء اصلا كما بيناه سابقا.
الدليل العقلي الثاني على العينية:
يقول في الفصل الثاني عشر من الاسفار تحت عنوان في« ان واجب الوجود تمام الاشياء وكل الموجودات واليه يرجع الامور كلها».
«هذا من الغوامض الالهية التي يستصعب ادراكه الاّ على ما آتاه اللَّه من لدنه علما وحكمة لكن البرهان قائم على انّ كل بسيط الحقيقة كل الاشياء الوجودية الاّ ما يتعلق بالنقائص والاعدام والواجب تعالى بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجود فهو كل الوجود كما ان كله للوجود.
ص: 44
اما بيان الكبرى: فهو انّ الهوية البسيطة الالهية لو لم يكن كل الاشياء لكانت ذاته متحصلة القوام من كون الشي ء ولا كون شي ء آخر فيتركب ذاته ولو بحسب اعتبار العقل وتحليله من حيثيتين مختلفتين وقد فرض وثبت انه بسيط الحقيقة هذا خلف»(1).
يتكون هذا الاستدلال من صغرى وكبرى.فالصغرى: واجب الوجود بسيط الحقيقة والكبرى: وكل بسيط الحقيقة كلّ الاشياء، والنتيجة: واجب الوجود كل الاشياء.
فانّ عبارة«واجب الوجود بسيط الحقيقة» كان مفروغا عنها ولا تحتاج الى استدلال حيث ثبت في محله انّ اللَّه تبارك وتعالى لا تركيب فيه وان واجب الوجود بسيط الحقيقة.
اما اثبات الكبرى:
لو قبلتم انّ واجب الوجود بسيط الحقيقة فاما ان يكون كل الاشياء فهو صحيح ولو لم يكن كل الاشياء فسوف تتركب هذه الحقيقة من شي ء ومن لا شي ء، من شي ء ومن عدم شي ء آخر ومن عدم اشياء آخر اذن مع هذا الاستدلال يثبت ان بسيط الحقيقة كلّ الاشياء.
سؤال: ويكون محدودا.
الجواب: نعم قلنا ذلك سابقا ولم تكونوا حاضرين، فلو لم يكن بسيط الحقيقة كل الاشياء مضافا الى انه يكون مركبا يكون محدودا و يستمر ملا صدرا فى كلامه قائلا ان هذا المطلب من الغوامض الاّ اننا نثبته بالبرهان وكل من يدرك البرهان فسوف يقبله واصل المسألة كما قالوا «طور وراء طور العقل» وانه بالكشف والمكاشفة يتم التشخيص، يقول ملاصدرا انه مضافا للمكاشفات الخاصة فالمسألة واضحة فانا نثبت المسألة بالبرهان لاولئك الذين هم من أهل البرهان حتى تثبت لهم بواسطة البرهان وحذاقة ملاصدرا هنا حيث يجعل المطلب في نظره استدلاليا وبرهانيا فالصغرى مورد اتفاق ولذا لابد من اثبات ان كل بسيط الحقيقة فهو كل الاشياء الوجودية والتعبير في كلمات ملاصدرا ب«البسيطة الالهية» لاجل تلك الجهة وهي ان البحث حول اللَّه جلّ وعلا والاّ فالبحث كلي يعني «كل بسيط الحقيقة كل الاشياء».
ص: 45
اذن هذا الدليل يعين لزوم كون بسيط الحقيقة كلّ الاشياء الوجودية طبعا الاعدام ليست شيئا وكل ما هو نقص فمن المعلوم انّه ليس بعدم (طبقا لمباني الفلاسفة النواقص ترجع إلى الاعدام) بل ضد العدم فهو شي ء بحقيقة الشيئية وجود بحقيقة الوجود وصرف الوجود وليس بعدم، اذن لا اشكال في كونه ليس بعدم لعدم لزوم التركيب هنا وذلك لانه يرجع إلى الوجود فليس بعدم نفي العدم لانه ليسشيئا آخر (ليس بشي ء آخر وليس باشياء اُخر) فهنا يلزم التركيب لاننا فرضنا شيئا آخر (العدم ليس شيئا اما نفي العدم فلا اشكال فيه) ولو نفينا شيئا آخر كانت النتيجة ان الذات المقدسة الالهية متحصلة من الشيئين ولو بالتحليل والتجزية العقلية وهذا يلزم منه الخلف اذن لابد وان نقول:
«الواجب بسيط الحقيقة وكل بسيط الحقيقة كل الاشياء بهذا الدليل ولكن بشي ء منها».
يعني لو لاحظنا الحد وحدود الاشياء والتطور والتشأن فمع حفظ هذا التعين والتطور فالاشياء ليست هي اللَّه جلّ وعلا واما مع حذف التطور والتعين فالاشياء هي اللَّه جلّ وعلا وقد قرأنا سابقا عبارة الاسفار في انّ التعين أمر اعتباري.
جواب الدليل العقلي الثاني
قبل الجواب عن هذا الاستدلال لابد في بيان مطلب مهم وهو انه لو كانت هنالك سنخية بين الخالق والكائنات وانهما مشتركان في حقيقة واحدة فالاستدلال كاملا صحيح.
سؤال: في جهة الوجود.
الجواب: نعم في جهة الوجود كما بحثنا ذلك سابقا، فلو كانت السنخية ثابتة في حقيقة الوجود فاللازم كما ذكر وذلك بناءً على السنخية لو لم تكن الذات الالهية المقدسة وجود الاشياء لم تكن واجدة للكمال وللزم فيها النقص والمحدودية، فلو كانت هنالك سنخية فالاستدلال صحيح مائة بالمائة.
لكنا أثبتنا في المباحث السابقة عدم السنخية عقلا ونقلا ولعلّي بينت هذا المطلب في المباحث السابقة الاّ انّه هنا نكتة مهمة أريد ان أذكرها وهي اننا حينما نقول كما انّ بسيط الحقيقة ليس بمعدوم لا(1)يوجب التركيب كذلك بسيط الحقيقة ليس بشي ء من الاشياء وليس بسيط الحقيقة باشياء فمع
ص: 46
ملاحظة عدم السنخية فلا يوجب التركيب كما لو قلنا ليس بمعدوم فالملاك واحد وذلك لانه لما لم تكن الاشياء مسانخه له جلّ وعلا اصلا ولا يمكن أن تكون في مرتبته جلّ وعلا وحينئذ فالملاك وهوالعدم - والذي ليس في مرتبته بل نقيضه - يكون موجودا كما في تباين العدم مع الوجود فالاشياء بناء على عدم السنخية مباينة للَّه جلّ وعلا، اذن حينما نقول «بسيط الحقيقة ليس بمعدوم» فالكلام صحيح ولا يلزم فيه جلّ وعلا، النقص ولا المحدودية كذلك حينما ننفي شيئا ليس من سنخ اللَّه جل وعلا، فنفس ملاك العدم - بناء على القول بالسنخية والذي بواسطة هذا الملاك ننفي العدم عنه جلّ وعلا - جارٍ هنا والحاصل كما ان بسيط الحقيقة ليس بمعدوم كذلك بسيط الحقيقة ليس بأشياء وكذلك الاشياء ليست من سنخه بدليل ان الملاك في الكل جارٍ ولا يلزم تركيب الذات الالهية المقدسة فله الكمال الكامل والتام وجميع الكمالات ولا ينتفي عنه اي كمال وهو خالق الكمالات وحيث ان الاشياء ليست من سنخه جلّ وعلا وهي غير الذات الالهية المقدسة فهي ناقصة ومحتاجة وفقيرة محضا لا كمال لها واذا كانت كمالا فبالنسبة الى الممكنات.
وأمّا بالنسبة الى اللَّه جلّ وعلا فليست كمالا فلذا تسلب عن اللَّه جلّ وعلا.
والحاصل اننا سلبنا النقائص عن اللَّه جلّ وعلا فانها كمالات الممكنات التي لا مجال لها في الذات المقدسة الالهية ونسبتها الى اللَّه غلط، نعم لو كان هناك تسانخ فكل وجود كمال ولذا يجب وجوده في اللَّه جلّ وعلا.
سؤال: هل يصح الاستدلال ببرهان الجمع بين النقيضين لرد استدلالهم؟ وذلك لان ملاصدرا يقول يلزم على الاقل من الشي ء واللاشي ء التركيب العقلي وفي الجواب نقول له: نفس هذا التركيب العقلي تعتمدونه في النهاية في مقام التطور الذي تقولونه والحال ان «بسيط الحقيقة كل الاشياء وليس بشي ء منها» أو ليس هذا تركيبا عقليا؟
الجواب: نعم هذا صحيح سنبحث عنه اذا سنحت الفرصة.
ص: 47
الادلة النقلية الاخرى حول العينيةلحد الآن بحثنا دليلين عقليين واجبنا عليها ودليل نقلي واحد وبينا آية واحدة وهنالك آيات اخرى حول هذه الموضوع مثل (فَأَيْنََما(1) تُوَلُّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ(2) وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمَى)(3)
ففي هذه الآيات نكتة، فصحيح أن يقال (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمَى) امّا لم تبين نسبة الرمي فهل يمكن أن يقال(وَلكِنَّ اللّهَ رَمَى) من هذا الباب وهو أنت اللَّه جلّ وعلا وجميع الاشياء هي اللَّه جلّ وعلا، أو من باب حصول المعجزة فجهة النسبة لم تبيّن ولذا عند التحقيق العقلي والنقلي لابد من الوصول الى جهة النسبة والاّ فأصل النسبة لا يمكن أن تكون دليلا على المدعى الذي هو أول الكلام.
اسئلة و أجوبة
سؤال: يقال في الفلسفة »الشي ء ما لم يتشخص لم يوجد« والاشياء تتحقق في الخارج مع الحدود والقيود فاذا قلنا انّ اللَّه جلّ وعلا واجدٌ لكمالات الاشياء وحذفنا التعين من الاشياء - والاشياء ليست بذاتها شيئا - فهذا من قياس الوجود بالعدم ولا معنى له، اذن لابد من التعينات وحينئذ فلا يمكن للَّه
ص: 48
جلّ وعلا أن يكون نفس الاشياء مع تعيناتها ولو حذفنا التعينات يبطل هذا الاصل (الشي ء ما لم يتشخص...)وعلى هذا فهذه الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ...) تصف الذات الالهية المقدسة لكنها ليست فيمقام بيان النسبة. فحينما يقول الامام السجاد(علیه السلام) : الحمد للَّه الاوّل بلا اوّل كان قبله« فهذا هو معناه(1) ونحن لا نستطيع أن نقيس اللَّه جلّ وعلا بالخلق فانه قياس مع الفارق.
الجواب: صاحب السؤال يقول حيث انّ العرفاء يقولون انّ الاشياء مع التطور والتشأن غيره جلّ وعلا ولو لم نلاحظ التطور والتشأن فلا شي ء موجود وهذا هو الذي يقوله العرفاء الاّ انّ اشكالكم هكذا ينبغي طرحه انه لوكان الامر كذلك فلابد لنا أن تسأل هل التطور أمر واقعي أم لا؟ فان لم تكن له واقعية فقولوا صريحا (العالم) هو اللَّه جلّ وعلا واذا كان للتطور واقعية اذن يلزم وجود حقيقة غير اللَّه جلّ وعلا.
سؤال: حول الآية المباركة لا كلام لنا عن معنى الأوّل والآخر وانّما تكون الالف واللام للحصر فانّ الخبر اذا كان محلّى بالالف واللام دلّ على الحصر في المبتداء.
الجواب: تريدون أن تقولوا (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ...) بواسطة الالف واللام الدالة على الحصر انّه تعالى منحصرا (بذلك) ومن هذا الانحصار تستفاد العينية والجواب: انّ المطلب على العكس ولم يفهم أحد من هذا الانحصار هذا المعنى والمستفاد من هذا الانحصار انّ شيئا واحدا هكذا فهو وحده الاول يعني انّ بقية الاشياء ليست بالاول بهذا المعنى «ليس شي ء قبله» يعني لا ابتداء له ولذا فأثبات هذا دليل على وجود شي ء آخر فلا يكون دليلا على العينية وكذلك معنى الظاهر.
وبالنسبة للاشياء حينما نقول ظاهر بمعنى الغالب وليس فوقه شي ء ولا يصدق هذا المعنى الاّ على اللَّه جلّ وعلا، والحاصل فهو وحده فوق كلّ شي ء.
سؤال: اذا كان هو الظاهر اذن لا يكون شي ء غيره ظاهرا.
الجواب: فسرّ الظاهر في الروايات بمعنى انّه فوق كلّ شي ء يعني الغالب المطلق.
سؤال: الظاهر في مقابل الباطن واذا كان الظاهر في مقابل الباطن فهذه قرينة على عدم كون المراد به هو الغالب.
ص: 49
الجواب: لا اشكال في كون الظاهر له معان متعددة ولذا لو كان الظاهر بمعنى الواضح فالمعنى يكون انه جلّ وعلا أوضح من كلّ شي ء يعني الواضح مطلقا فمع ملاحظة الاطلاق فهو له جلّ وعلا كمال الاولية وكمال الاخرية وكمال الظهور وكمال البطون.
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): البخل عار ، و الجبن منقصه
و الفقر يخرس الفطن عن حجته
و المقل غريب فی بلدته
ص: 50
الأستاذ الحاج عباس السليمي من قرّاء الجمهورية الاسلامية القدامی ومن خدّام القرآن الكريم. في ضمن رسالة له الی وزير الثقافة و الإرشاد الإسلامي يذكرفيها الوظائف الاساسيّة لوزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي من توسيع الثقافة القرآنية والاخلاق الإسلامية و الفضائل الإنسانية، ينتقد فيها بشدةاشاعة و ترويج الموسيقي في المجتمع وينتقد فيها ايضاً الكتاب المطبوع المشتمل علی تقديس الموسيقی، وما فيه من الأفتراء علی الأنبياء (علیهم السلام) و اهل البيت(علیهم السلام)و انهم من الراغبين و المروجين للموسيقی.
واليكم خلاصة من ترجمة هذه الرسالة والتي أرسل نسخة منها إلي جريدة الجمهورية الإسلامية،عددها المؤرخ:20/5/1389.
المجلة
جناب السيد محمد الحسيني/وزير الثقافة و الإرشاد الإسلامي المحترم
السلام عليكم؛ ربّما لا تكون حاجة لتوضيح و تفسير بعض الكلمات لكن اذكّر فقط ومن باب التذكرة و هو ان كلمة "وزير" علی وزن "فعيل" من ال-"وزر" بمعنی"الحمل الثقيل" و يسمّی الوزير وزيرا لأنّ الوزير يحمل قسماً من ثقل الحكومة، ف-"الوزارة" في نظام الجمهورية الإسلامية، مسؤولية خطيرة و وزرا ثقيلا. والتي هي مصداق قول النبي الأكرم ص:« ما من أحد من الناس أعظم أجرا من (وزير صالح) مع الإمام، يأمره بذات الله، فيطيعه».
مع هذه المقدمة أؤكد أن غرض كتابة هذه الرسالة، ليس تضعيفا و لا تخريبا و لا مقابلة و لا مجادلة، بل الغرض منها هو اداء التكليف الشرعي وها انا اذكّر بامورٍ:
ص: 51
· في أول صفحة من الموقع الرسمي للوزارة، تحت عناوين: الوظائف، السياسات، و... نلاحظ العبارات و الشعارات التي لو انها تحققت لصارت إيران قطعة من الجنة ولاشك ان ميزان تحقق هذه الوظائف و الأهداف في خلال 30 سنوات الماضية بيدك و بيد ساير الوزراء.
· من وظائفكم المهمة:
ترويج و إقامة الاحكام الإلهية و الوصول الی الفضائل الأخلاقية علی اساس الإيمان و التقوی، ونشر و تقوية الاخلاق الإسلامية و الفضائل الإنسانية علي اساس محورية الدين و الثقافة الدينية، وتعميق و نشر فضائل الثورة الإسلامية، وتبيين النموذج المطلوب للحياة الطيبة الفردية و الإجتماعية علي اساس المعارف و التعليمات القرآنية و تعليمات النبي الأكرم ص و اهل بيته الطاهرين(علیهم السلام)... و عدة من العناوين الأخر!· إذاً هذا الوظائف المنقولة محتاجة الی شرح و بسط الموضوعات و تشخيص المصاديق و من الواضح والذی لايقبل الإنكار هو الروح المعنوية الحاكمة في كل هذه الأهداف و الوظائف. و الأولوية المنطقية تكون لهذه المفاهيم: الإيمان و التقوی و الأخلاق الإسلامية و فضائل أهل البيت(علیهم السلام)و غيرها من الامور المقدسة الأخری ولم تكن الموسيقی من جملة هذه العناوين (نعم ان في نظر بعض المفسرين من خبرائكم أن هذه من جملة الفنون) علی أي حال ليس هذا العنوان (الموسيقی) من مسؤوليتكم و لا من وظائفكم ولا اولوية له اصلا(وعليكم بملاحظة شرح وظائفكم مرة أخری بدقة).
· نقل في الأخبار قولكم حول آراء بعض العلماء من تحريم الموسيقي: (لا نقبل هذا الكلام عموماً لانه يخالف رأی الإمام و مع احترامنا للشيوخ و العلماء،انه يجب علينا ان نجوّز نشاطات فرق الموسيقي في إطار القانون و قواعد النظام.
اقول: هذا الكلام مثير للدهشة! وذلك لأنه من الممكن ان تكون لتصريحات كبار مسئولي النظام آثار وتبعات خاصة وتستغل من قبل الاخرين.
· ولا تكن ايها الوزير قلقا ابداً لعدم ترويج الموسيقی في المجتمع ؛ فانه لايطلب منك ذلك في أول ليلة من القبر و لاتسئل عن عدم جهدك و سعيك لتعزير الموسيقی في نظام الشهداء يوم القيامة.
ص: 52
· وثانياً: أن الموسيقي و بفضل السياسة غير الاصولية في السنوات الماضية رائجة في كل مكان ففي الاسواق والشوارع انواع من الموسيقی وكذلك وسائل الإعلام نشيطة في ترويج الموسيقی مضافاً الی ألاشرطة في السيارات و الطائرات و جرس هواتف النقالة و مضافاً الی ما يجري في الحفلات و الدوائر و الحلقات الدراسية الحكومية و المؤسسات غير الحكومية و انواع الموسيقي في البرامج التلفزيونية و الأذاعية للأطفال وغيرهم و الأخبار و التحليلات السياسية( غير شبكات المعارف و القرآن"لو لم يميلوا الی الموسيقی تدريجا")هذا مضافاً الی نظريات بعض المدراء المتنفذين في التلفزيون حيث يری انه لايوجد خط أحمر حول الموسيقی!· وقد كتب الحاج سليمي، في قسم آخر من رسالته حول الكتاب المطبوع تحت عنوان:"صفحات من قصة الموسيقا الايرانية"تأليف شخص يدعي حسن رضا رفيعي و موضوعه الموسيقا الإيرانية و العربية و الموسيقا القرآنية! حيث قال:
· وهذا الكتاب علی القاعدة أخذ مجوزاً للطبع من الوزارة تحت مسؤوليتكم و من المحتمل انه يستفيد من الإعانات المأخوذة من الميزانية العامة للدولة.
وقد اشتمل الكتاب علی مطالب عجيبه لا اساس لها، من تقديس الموسيقی و نرسل لكم عدة من اوراق هذا الكتاب وها انا اطلعكم علی بعض عباراته:
1- انه جاء في صفحات 40و 345: نقل أن رسول الله ص يقرأ القرآن في الفجر بالحان الجرس أو النهاوند! و من المناسب ان تكون القراءة بالقرب من الصباح"رهاوي" و في الصباح"حسيني".
2- وفي صفحة 93: ان للموسيقی فائدة كبيرة جدا ولها تأثيرٌ في المحراب و استجابة الدعاء كما كان يفعله داوودحيث يعزف بالبربط في المحراب...
3- وفي صفحة 310: ان سكينة بنت الإمام الحسين كانت شاعرة و موسيقارة، ويمكن انها كانت من كبار حماة الموسيقي الإيرانية في الحجاز... اجتمع في منزل سكينة عدة من الموسيقيين و الشعراء و هواة الموسيقی وقد قامت سكينة في منزلها مهرجاناً كبيراً من الموسيقی وقد ازدحم الناس في المهرجان جدا حتی ان سقف بعض الدور انهار عليهم وعلی اثره مات واحد من عزاف الموسيقا تحت
ص: 53
الانقاض، و من الممكن ان تكون الموسيقي الكلاسيكية الايرانية رافعة للحزن و مسكنة لقلب سكينة الثكلی من كوارث كربلاء و قتل زوجها!!
4- وقد جعل في صفحة 90 هذا الكتاب اصحاب الموسيقی من العقلاء و تاركيها من الجاهلين. و الاتعس من ذلك في صفحة 412 من الكتاب قال بصراحة : كل من انكر السماع و الغناء و الرقص و الانشودة و قال بحرمته، فهو منكر لفعل النبی ص و هذا الاعتقاد يستلزم الكفر و الارتداد من الدين. جل الخالق.5- وفي صفحة 391 قال:ان ملا محسن الكاشانی احد الفقهاء المعروفين كانت له امة تغني له في حديقة منزله حين يصلي صلاة الليل و هو يبكی في ركوع صلاته.
6- خزعبلات واراجيف هذا الكتاب اكثر من هذه الموارد ففيه:
· الموسيقی حركة الی الكمال المطلق يعنی "الله" و هذا النوع من الموسيقی شرط لازم مثل الوضوء لقراءة القرآن.
· الموسيقی هو لسان الله و ما من مذهب ودين يستطيع العروج الی الله بدون الموسيقی...
· الحياة بلا موسيقی مجرد خطاٌ.
نعم سيدي الوزير، مع بذلكم الاهمية لهذا الموضوع الذي ليس له اولوية في مسؤوليتكم حتی وصل مجتمعنا الی مثل هذا الوضع و حتی اصبحوا يتهمون الانبياء(علیهم السلام) و اهل البيت(علیهم السلام)و يكفرون المؤمنين المخالفين للغناء و الرقص.
و تحت رعاية حقوق المرأة الايرانية يحضرون المرأة ضاربة للدفوف في قاعة اجتماع رؤساء الدول الاسلامية؛ و يفترون علی بنت الامام الحسين(علیه السلام) بانها اقامت مهرجاناً موسيقياً...
انا لا اقول يجب علی الجميع قراءة القرآن و صلاة الليل... و لكن اقول ان يراقب مسئولو الثقافة كلامهم و ان يكونوا حذرين كي لا يستفيد الافراطيون واهل البدع من كلامهم.
و في الختام أنا آسف من عدم وجود رقابة دقيقة علی الكتب فيطبع مثل هذا الكتاب و ايضا اني لآسف من انفاق اموال المسلمين لمثل هذا الكتاب و اؤكد انه يلزم محاكمة مؤلف هذا الكتاب.
· و اعلم انك لو لم تكن مسؤولاً في الدنيا فانت مسؤولٌ في الآخرة(و لتسئلن عما كنتم تعملون...)اسأل الله ان يجعل عاقبة امورنا خيرا.
ص: 54
ما هو حكم الموسيقی
من زاوية فقهية؟
آية الله السيد علي الحسيني الاشكوري العدد الثانيتقدم البحث في العدد الاول عن دليل الكتاب العزيز حول حرمة الموسيقی و يقع الكلام الان عن حكمها من حيث الاجماع و الروايات - المجلة
دليل الاجماع
وامّا الاجماع: فقد يدّعی قيام الاجماع بقسيمه (المنقول والمحصّل) عليه . ولايبعد ذلك بل يمكن دعوی ان المسئلة من ضروريات الفقه في الجملة.
ولكن يمكن الجواب عن ذاك: اولاً: ان حجيّة الاجماع عندنا انما تكون بنكتة الكاشفيّة كاشفيته عن رأی المعصوم (علیه السلام) وبما انه توجد روايات كثيرة فيكون الاجماع مدركيّاً وعلی الاقل محتمل المدركيّة.
وثانياً: ان الاجماع دليل لبيّ لا اطلاق لمعقده لكي يؤخذ باطلاقه فيحكم بحرمة الموسيقی بنحو مطلق بل القدر المتيقّن منه، الموسيقی التي تصدّ عن ذكر الله تعالی وتجرّأ العبد علی معصيته سبحانه وهذا المقدار هو مما قامت عليه الضرورة بين الامامية بل بين المسلمين وهذا غير ما نحن بصدده من اثبات حرمة الموسيقی بنحو مطلق وبعرضها العريض. ومما يؤيّد ذلك جوازها في الجملة في خصوص زفّ العرائس. فتأمل.
الادلة الروائية
وامّا ما يمكن ان يستدلّ به علی حرمة الموسيقی من الروايات فعلينا ان نستعرضها جميعاً لكي ننظر في سندها ومدی دلالتها وكيفيّة الاستدلال بها وفيها يلي نذكرها تباعاً:
ص: 55
ما رواه الكليني عن عدّة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسی، عن اسحاق بن جرير قال:سمعت اباعبدالله (علیه السلام) يقول: انّ شيطانا يقال له: القفندر اذا ضرب في منزل الرجل اربعين صباحا بالبربط ودخل الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه علی مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة فلا. يغار بعدها حتّی تؤتی نساؤه فلا يغار(1).وامّا الرواية من حيث السند: فمحل كلام بالراوي المباشر ومن قبله(2)
ص: 56
ص: 57
ص: 58
ص: 59
و اما من ناحية الدلالة: فقد يناقش في دلالة الرواية علی الحرمة بدعوی عدم وجود ما يدل عليها ولكن الظاهر انه من المكابرة الواضحة. فلامجال لهذه المناقشة و لكن هناك مجال لمناقشة اخری و هي: انه يوجد في الرواية احتمالان:
الاحتمال الاول: ان يكون المقصود من قوله (علیه السلام) و دخل الرجال اي ادخال الرجال علی النساء و ذلك بقرينة ما جاء في روايات زف العرائس (حيث قال (علیه السلام) التي يدخل عليها الرجال حرام و التي تدعی الی العرائس ليس به بأس و قوله (علیه السلام) و ليست بالتي يدخل عليها الرجال)(1) و لعل ذيل الحديث - فلا يغار بعدها حتی تؤتی نساؤه فلا يغار - مشعر بذلك.
الاحتمال الثاني: ان يكون المقصود منه انعقاد مجلس يضرب فيه بالبربط و آلات الملاهي و يدعی فيه الاصدقاء و الاشقاء. فعلی الاحتمال الاخير تدل الرواية علی حرمة الموسيقی بنحو مطلق. و لو لم يكن الاحتمال الاول هو الاقوی فلا الاقل انه يساوي الاحتمال الثاني فتكون الرواية مجملة فتدل الرواية علی حرمة الموسيقی في الجملة.
و لا يقال انه حتی علی الاحتمال الثاني تكون الرواية اخص من المدعی لان الممنوع هو انعقاد المجلس للموسيقی.
لانه يقال اننا لا نحتمل خصوصية في انعقاد المجلس للموسيقی الا اشتداد الحرمة.
ص: 60
2- الكليني عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسی او غيره عن ابي داوود المسترق قال: من ضرب في بيته بربط اربعين يوماً سلط الله عليهم شيطانا يقول له : القفندر فلا يبقی عضو من اعضائه الا قعد عليه فإذا كان كذلك نزع منه الحياء و لم يبال ما قال و لا ما قيل فيه(1).
و الرواية ساقطة سنداً علی الاقل بالارسال و فيها الاضمار كما هو واضح.
و اما من ناحية الدلالة : فيما ان مضمونها قريب جداً من الرواية السابقة يمكن القول بوحدة الروايتين : فيأتي فيها جميع ما قلناه هناك. و ان احتملنا تعدد الروايتين فبعد الفراغ عن ظهور هذا النمط من الكلام في الحرمة تدل الرواية علی حرمة ضرب البربط مطلقاً.
تنبيه: لا يقال: ان في هذه الرواية انما ذكر البربط فقط فلا تدل علی حرمة ما لم يذكر من سائر آلات الموسيقی. فانه يقال ان البربط في الحديث انما ذكر من باب المثال و بعبارة اخری لا نحتمل خصوصية في البربط بل انما ذكر لانه آلة الملاهي و الموسيقی.
3- الكليني عن عدة من اصحابنا عن سهل عن علي بن معبد عن الحسن بن علي الخزار عن علي بن عبد الرحمن عن كليب الصيداوي قال سمعت ابا عبدالله (علیه السلام) يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة.(2)
و جاء في حاشية الكتاب: ان في الفروع من الكافي فيه صوت العيدان. و لكن النسخة الموجودة بايدينا مطابقة مع ما في الوسائل و علی كل فهذا الاختلاف لا يؤثر شيئاً كما هو واضح.و اما الرواية من ناحية السند: فان الرواي المباشر و هو كليب بن معاوية بن جبلة الصيداوي الاسدي (و الصيداء بطن من بني اسد) فانه لم يذكر توثيق بشأنه و لكن مع ذلك يمكن توثيق الرجل لرواية صفوان و ابن ابي عمير و فضالة عنه.
ص: 61
و اما علي بن عبد الرحمن فهو مشترك بين الازدي و الخزاز و لم يذكر في كتب الرجال بمدح و لا قدح.
و اما الحسن بن علي الخزاز فهو يعرف بالوشاء . و قد قال النجاشي بشأنه خيّر.... و كان من وجوه هذه الطائفة . فلا يعبد استفادة التوثيق من هذا الكلام.
و اما علی بن معبد فلا دليل علی وثاقته . واما سهل بن زيادة فهو محل كلام بين الاصحاب . فعلی الاقل تسقط الرواية من حيث السند بعلي بن معبد و علی بن عبد الرحمن .
و اما من ناحية الدلالة : فلا يبعد ظهور قوله (علیه السلام) ضرب العيدان يثبت النفاق في القلب في الحرمة و فيه اطلاق يشمل جميع انواع الضرب و لا خصوصية للعيدان لانها من باب المثال و المقصود استخدام آلات المعارف و العيدان منها.
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام):العجز آفه ، و الصبر شجاعهو الزهد ثروه ، و الورع جنه
و نعم القرين الرضی
ص: 62
أجمع المسلمون على استحباب زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وقبور الأئمة من أهل بيته(علیهم السلام)، وقبور المؤمنين والأولياء.. وعلى ذلك جرت سيرتهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ، من صدر الإسلام إلى عصرنا هذا .
لكن جاء ابن تيمية في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين ، وقال لا يستحب زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ولاغيره ! وحكم بأن من نوى زيارته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ولو بخطوة ، ولو من داخل المسجد فهو عاص ! فإن كان ناوياً التوسل إلى الله بصاحب القبر فهو مشرك ، مهدور الدم ، واجب القتل!
قال الذهبي في سيرأعلام النبلاء:4/484 راداً على ابن تيمية مانصه: (فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلماً مصلياً على نبيه
فيا طوبى له فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب ، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط. فمن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشراً . ولكن من زاره صلوات الله عليه وأساء أدب الزيارة ، أو سجد للقبر أو فعل مالايشرع ، فهذا فعل حسناً وسيئاً ، فيُعَلَّم برفق والله غفور رحيم . فوالله ما يحصل الإنزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء ، إلا وهو محب لله ولرسوله ، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار ، فزيارة قبره من أفضل القرب ، وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء،
ص: 63
لئن سلَّمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه: (لاتشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فشد الرحال إلى نبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مستلزمٌ لشد الرحل إلى مسجده وذلك مشروعٌ بلا نزاع ، إذ لاوصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده ، فليبدأ بتحية المسجد ، ثم بتحية صاحب المسجد ، رزقنا الله وإياكم ذلك ) . انتهى.
وقال الحافظ الممدوح في كتابه (رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة) ص51-54: (كلام الأئمة الفقهاء في استحباب زيارة القبر الشريف:قال الإمام المجمع على علمه وفضله أبو زكريا النووي: (واعلم أن زيارة قبر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)من أهم القربات وأنجح المساعي ، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وينوي الزائر مع الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه . (المجموع:8 / 204) .
وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج: (إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لزيارة تربته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي، وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهماعن ابن عمر قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (من زار قبري وجبت له شفاعتي) (ص214) .
وعلق الفقيه ابن حجر الهيتمي على الحديث فقال في حاشية الإيضاح: الحديث يشمل زيارته (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى ، والآتي من قرب أو بُعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك وندب السفر للزيارة ، إذ للوسائل حكم المقاصد . انتهى. (214 حاشية الايضاح ) .وقال الإمام المحقق الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير: ( المقصد الثالث في زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات. وفي مناسك الفارس وشرح المختار: إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة، ثم قال بعد كلام مانصه: والأولى فيما يقع عند العبد الضعيف تجريد النية لزيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثم إذا حصل له إذا قدم زيارة المسجد ، أو يستفتح فضل الله سبحانه في مرة أخرى ينويهما فيها ، لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).
ص: 64
انتهى. ( :3 / 179 - 180 ) .
وقال محقق مذهب الحنابلة أبو محمد بن قدامة المقدسي: (ويستحب زيارة قبر النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):(من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) وفي رواية:(من زار قبري وجبت له شفاعتي) ، رواه باللفظ الأول سعيد ، ثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ) . انتهى كلام الحافظ الممدوح .
الأسئلة
1 - سيرة المسلمين عبر العصور إجماع عملي على زيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقبور الأنبياء والأولياء(علیهم السلام)والصلاة والدعاء عندها؟ وقد أقرها أهل البيت(علیهم السلام) والصحابة والسلف ، وزاروا هذه القبور المباركة وصلوا عندها ، فما حكم من خرج عن هذا الإجماع العملي للأمة ؟!
2 - عامة الأمة يقصدون الحج وزيارة قبر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فهل هم بسبب هذه النية كفارٌ أو ضُلاَّل ، ماعدا حفنة قليلة يقلدون ابن تيمية ؟!
3 - هل رأيتم أحداً مثلكم يكفر عامة المسلمين أو يضللهم ، ثم ينصب نفسه ناطقاً رسمياًباسمهم ، فيقول نحن أهل التوحيد وأهل السنة والجماعة؟!(1)
ص: 65
و أبيض يستسقی الغمام بوجهه من ديوان شيخ الابطح
ابي طالب(علیه السلام)
الحلقة الأولی
برواية أبي هفان عبد الله بن احمد المهزمي من عبدالقيس(1) حيث قال: ابوطالب و اسمه عبدمناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب مرة بن كعب بن لوي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، و أنشدني عمي خالد بن حرب عن عبدالله بن العباس رضي الله عنه بن الحسين ابن عبيدالله بن العباس بن علي بن ابي طالب رضوان الله عليهم أجمعين
ص: 66
خليلي ما أذني لأول عاذل*** بصغوآء في حق و لا عند باطل(1)
خليلي إن الرأي ليس بشركة*** و لانهنه عند الأمور التلاتل(2)
تلتل: فلان فلانا اذا هزه
و لما رأيت القوم لاود فيهم*** و قد قطعوا كل العری و الوسائل
و قد صارحونا بالعداوة و الأذی*** و قد طاوعوا أمر العدو المزايل
و قد حالفوا قوما علينا أظنة*** يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل(3)
صبرت لهم نفسي بسمراء *** و أبيض ماض من تراث المقاول(4)
و أحضرت عند البيت رهطي و *** و أمسكت من أثوا به بالوصائل
الوصائل: جمع وصيلة و هو ما وصل من شيء الی شيء
قياماً معاً مستقبلين رتاجه*** لدی حيث يقضي نسكه كل نافل
ص: 67
الرتاج: الباب
و حيث ينيخ الأشعرون ركابهم*** بمفضی السيول من أساف و نائل
اراد: اساف و نائله و هما صنمان
موسمة الأعضاد أو قصراتها محبسة بين السد يس و بازل(1)
تری الودع فيها و الرخام و *** باعنا قها معقودة كالعثاكل
و يروی: الرخامي و هو نبت، و العثاكل و العثكول العذق
أعوذ برب الناس من كل *** علينا بشر أو ملح بباطل
و من كاشح يسعی لنا بمعيبة*** و من مفتر في الدين ما لم نحاول
و ثور و من أرسی ثبيراً مكانه*** و عيروراق في حراء و نازل
و بالبيت ركن البيت من بطن *** و بالله إن الله ليس بغافل
و بالحجر المسود اذ يمسحونه*** اذا اكتنفوه بالضحی و الأصائل
و موطيء أبراهيم في الصخرة و *** علی قدميه حافياً غير ناعل(2)
و أشواط بين المروتين إلی *** و ما فيهما من صورة و تماثل
اراد: تماثيل و كانت علی الكعبة تماثيل و صور و أصنام فالقاها رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و معه علي فجعل كلما اومأ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الی صنم بيده تهافت، فقال عليٌ كنت اكتفي أن امديدي اليه
و من حج بيت الله من كل *** و من كل ذي نذر و من كل راجل
و بالمشعر الأقصی اذا عمد وا *** ألالاً الی مفضی الراج القوابل
الألال: الجبل الذي يقوم عليه الامام. و الشراج: ما يتعلق بعضه ببعض من الآكام واحدتها شرجة (و قوابل) متقابله
ص: 68
و توقافهم فوق الجبال عشية*** يقيمون بالأيدي صدور الرواحل
و ليلة جمع و المنازل من منی*** و ما فوقها من حرمة و منازل
و جمع اذا ما المقربات اجزنه*** سراعاً كما يفزعن من وقع وابل(1)
و بالجمرة الكبری اذا اصمد *** يأمون قذفاً رأسها بالجنادل(2)
و كندة إذترمي الجار عشية*** تجيز بها حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما احتلفا له*** وردا عليه عاطفات الذلائل(3)
الذليلة: بمنزلة المذيل
و حطمهم سمرالر ماح مع *** و انقاذ هم ما ينتفي كل نابل
و أنشد:« ما علتي و انا شيخ نابل»
و مشيهم حول البسال و سرحه*** و سلميه و خد النعام الجوافل
اراد: البيت الحر ام من البسيل و هو من الأضداد(و السرح و السلم) شجر« و الوخد مشي النعام خاصة و يستعار للجمال –و جوافل- مجتمعة مسرعة
فهل فوق هذا من معاذ لعائذ*** و هل من معيذ يتقي الله عادل
يطاع ثبا الأعداء و دوا لوا ننا*** تسد بنا ابواب ترك و كابل
اراد شد الاعداء و يروی عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) تاركو الترك ما تاركوكم
كذبتم و بيت الله نترك مكة*** و نظعن الا أمركم في بلابل (4)
ص: 69
كذبتم و بيت الله نبزی محمداً*** و لما نطاعن دونه و نناصل(1)
و انشد الرواة نناضل من النضال بالسهم و النبل و نناصل اجود الروايتين اي نقاتل بالمناصل و هي السيوف
و نسلمه حتی نصرع حوله*** و ندهل عن أبنائنا و الحلائل
(الحليلة) الزوجة، و الحليلة التي تحالك في منزل اوسفر و انشد
(و لست باطلس الثوبين يصبي*** حليلته اذا هجع النيام)
و ينهض قوم في الحديد اليكم*** نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
الصلصلة: بقية الماء و الروايا التي تحملها
و حتی يری ذوالبغي يركب ردعه*** من الضغن فعل الأنكب المتحامل
الردع: عظم العنق المتصل بالرأس، و انكب يمشي في جانب
و أنا لعمرالله إن جد ما أری*** لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
الأماثل:افاضل القوم
بكف فتیً مثل الشهاب سميدع*** أخي ثقة حامي الحقيقة باسل(2):هي البسالة و البسولة، و قالت امرأة من العرب في رجل هو ميساق الوسيقة، نسال الوديقة، حامي الحقيقة؛ ميساق؛ اي يجمعها لحذقه ور فقه؛ و نسل؛ من الشيء أخرج منه؛ و دقت؛ الشمس اي خرجت من الارض
شهوراً و اياماً و حولا مجرماً*** علينا و تاتي حجة بعد قابل(3)
و ما ترك قوم لا أباً لك سيداً*** يحوط الذمار غير ذرب مواكل(4)
ص: 70
ذرب: يريد ذرب اللسان بالشر، و مواكل يستأكل
و أبيض يستسقی الغمام بوجهه*** و بيع اليتامی عصمة للأرامل
ولمراد من هذا البيت هو الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و يروی ثمال اليتامی
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): العلم وراثه كريمه
و الاداب حلل مجدده ، و الفكرمرآه صافيه
ص: 71
تجاه الفلسفة والعرفان
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة السادسة.
27- المحقّق الميرزا رفيع النّائيني، المتوفّي 1082
قال (رحمه الله) ماترجمته:
«لابدّ أن يعلم إنّ من الضّروري في الشّريعة المقدّسة حدوث العالم- أي ما سوی الله- زمانا، بمعنی أنّ لوجوده ابتداء، وزمان وجوده من الابتداء إلی الآن متناه، فالقول بقدم العالم- أي المعنی المقابل لماذكرناه- كما ذهبت إليه الحكماء.. باطل وفاسد ... ومع هذا فقد ذهب في هذه الأعصار جمع من الجهّال، الفضلاء غير المطّلع بالشّرع أو المقيّد به تبعا للحكماء إلی قدم العالم وقد أشرت إلی حقيقة الحال لأن يحترز كلّ من كان مقيّدا بالدّين من متابعة هذه الفرقة الّتي لا دين لها »(1) .
28- الشّيخ البهائي (قدس سره)
قال في كشكوله:
ص: 72
«من أعرض عن مطالعة العلوم الدّينيّة وصرف أوقاته في إفادة الفنون الفلسفيّة، فعن قريب لسان حاله يقول عند شروع شمس عمره في الأفول:
تمام عمر با اسلام در داد وستد بودم *** كنون می ميرم و از من بت و زنّار می ماند(1)
و معناه: اني صرفت عمري مع الاسلام بالاخذ و العطاء و لم يبق لي عند الموت الا الصنم و آلة اللهو.
29- العلّامة الأعظم غوّاص بحار أئمّة الأطهار المولی محمّد باقر المجلسيّ أعلی الله مقامه
قال (رحمه الله) عند البحث عن حدوث العالم:
«المقصد الخامس في دفع بعض شبه الفلاسفة الدّائرة علی ألسنة المنافقين، والمشكّكين القاطعين لطريق الطّالبين للحقّ واليقين(2) .
«وفي قريب من عصرنا لمّا ولع النّاس بمطالعة كتب المتفلسفين، ورغبوا عن الخوض في الكتاب والسّنّة وأخبار أئمّة الدّين، وصار بُعدُ العهد عن أعصارهم (علیهم السلام) سببا لهجر آثارهم، وطمس أنوارهم، واختلطت الحقائق الشّرعيّة بالمصطلحات الفلسفيّة صارت هذه المسألة معترك الآراء ومصطدم الأهواء، فمال كثير من المتسمّين بالعلم المنتحلين للدّين، إلی شبهات المضلّين ، وروّجوها بين المسلمين فضلّوا وأضلّوا، وطعنوا علی أتباع الشّريعة حتّی ملّوا وقلّوا، حتّی أنّ بعض المعاصرينمنهم يمضغون بألسنتهم، ويسوّدون الأوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلّا خبر واحد هو «كان الله ولم يكن معه شيء» ثم يؤوّلونه بما يوافق آراءهم الفاسدة، فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات والاخبار المزيحة للشّك والارتياب، وقفّيتها بمقاصد أنيقة، ومباحث دقيقة، تأتي بنيان شبههم من قواعدها وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها، تشييدا لقواعد الديّن، وتجنّباً من مساخط ربّ العالمين، كما روي عن سيّد المرسلين (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : «إذا ظهرت البدع في أُمّتي فليظهر العالم علمه، وإلّا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين»(3) .
ص: 73
وقال في البحث عن حقيقة الملائكة:
«إعلم أنّه أجمعت الاماميّة بل جميع المسلمين إلّا من شذّ منهم من المتفلسفين الّذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم علی وجود الملائكة، وأنّهم أجسام لطيفة نورانيّة أولی أجنحة مثنی وثلاث ورباع وأكثر، قادرون علی التّشكّل بالاشكال المختلفة، وأنّه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الاشكال والصّور علی حسب الحكم والمصالح، ولهم حركات صعودا وهبوطا ، وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء (علیهم السلام). والقول بتجرّدهم وتأويلهم بالعقول والنّفوس الفلكيّة والقوی والطّبائع وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة تعويلا علی شبهات واهية واستبعادات وهميّة زيغ عن سبيل الهدی، واتّباع لأهل الجهل والعمی»(1) .
وقال (رحمه الله) بعد نقل كلام جالينوس في بيان تشريح الأعضاء وفوائدها، وأنّه بيّن الفرق في ما بين تشريح الأعضاء وفوئدها، وأنّه بيّن الفرق في ما بين إيمان موسی وإيمانه وأفلاطون وسائر اليونانيّين، فقال (قدس سره) :
«انتهی كلامه ضاعف الله عذابه وانتقامه. وأقول:قد لاح من الكلام الرّدی المشتمل علی الكفر الجليّ أمور :الأوّل:ماأسلفنا من أنّ الأنبياء المخبرين عن وحي السّماء لم يقولوا بتوقّف تأثير الصّانع- تعالی شأنه- علی استعداد الموادّ، ولاإستحالة تعلّق إرادته بإيجاد شيء من دون مرور زمان أو إعداد ،وله أن يخلق كلّ شيء كان من أيّ شيء أراد.
الثّاني: أنّ الحكماء لم يكونوا يعتقدون نبوّه الأنبياء ولم يؤمنوا بهم ، وأنّهم يزعمون أنّهم أصحاب نظر وأصحاب آراء مثلهم ، يخطئون ويصيبون، ولم يكن علومهم مقتبسة من مشكاة أنوارهم كما زعمه أتباعهم .
الثّالث: أنّهم كانوا منكرين لأكثر معجزات الأنبياء(علیهم السلام)، فإنّ أكثرها ممّا عدّوها من المستحيلات.
ص: 74
الرّابع:أنّهم كانوا في جميع الأعصار معارضين لأرباب الشّرائع والدّيانات كما هم في تلك الأزمة كذلك »(1) .
وقال (رحمه الله) في مبحث البرزخ وبقاء النّفس بعد الموت:
«لمّا كانت هذه المسألة من أعظم الأصول الإسلامية وقد أكثرت المتفلسفة والملاحدة الشُِّبَه فيها ورام بعض من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه تأويلها وتحريفها أطنبت الكلام فيها بعض الاطناب»(2) .
وقال في مبحث المعاد:
«إعلم أنّ القول بالمعاد الجسمانيّ مما اتّفق عليه جميع الملّيّين وهو من ضروريّات الدّين ومنكره خارج عن عداد المسلمين، والآيات الكريمة في ذلك ناصّة لايعقل تأويلها، والأخبار فيه متواترة لايمكن ردّها ولا الطّعن فيها ، وقد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسّكاً بامتناع إعادة المعدوم ولم يقيموا دليلاً عليه ، بل تمسّكوا تارة بادّعاء البداهة، وأخری بشبهات واهلية لايخفی ضعفها علی من نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين»(3) .وقال ايضاً:
«إعلم انّ الايمان بالجنّة والنّار علی ماوردتا في الآيات والاخبار من غير تأويل من ضروريّات الدّين، ومنكرهما أو مؤوّلهما بما أوّلت به الفلاسفة خارج من الدّين»(4) .
وقال (رحمه الله) في بيان تباين طريقتهم مع طريقة الأنبياء وعلّة إنتسابهم إلی مولی الموحّدين (علیه السلام):
«إعلم أنّ دأب أصحابنا رضي الله عنهم في إثبات فضائله صلوات الله عليه الاكتفاء بما نقل عن كلّ فرقة من الإنتساب إليه (علیه السلام) لبيان أنّه كان مشهورا في العلم مسلّما في الفضل عند جميع الفرق ، وإن يكن ذلك ثابتاً، بل وإن كان خلافة عند الإماميّة ظاهراً، كانتساب الأشعريّة وإبي حنيفة وأضرابهم إليه، فإنّ مخالفتهم له (علیه السلام) أظهر من تباين الظّلمة والنّور .
ص: 75
ومن ذلك مانقله ابن شهر آشوب (رحمه الله) من كلامه في الفلسفة، فإنّ غرضه أنّ هؤلاء أيضاً ينتمون إليه ويروون عنه ، وإلّا فلا يخفی علی من له أدنی تتبّع في كلامه (علیه السلام) أنّ هذا الكلام لايشبه شيئاً من غرر حكمه وأحكامه، بل لايشبه كلام أصحاب الشّريعة بوجه، وإنّما أدرجت فيه مصطلحات المتأخّرين، وهل رأيت في كلام أحد من الصّحابة والتّابعين أو بعض الأئمّة الرّاشدين لفظ الهيولی أو المادّة أو الصّورة أو الاستعداد أو القوّة؟ والعجب أنّ بعض أهل دهرنا ممن ضلّ واضلّ كثيراً يتمسّكون في دفع ما يلزم عليهم من القول بما يخالف ضرورة الدّين إلی أمثال هذه العبارات.وهل إلّا كمن يتعلّق بنسج العنكبوت للعروج إلی أسباب السّماوات؟!
أولا يعلمون أنّ ما يخالف ضرورة الدّين ولو ورد بأسانيد جمّة لكان مؤوّلاً أو مطروحاً؟ مع أنّ أمثال ذلك لاينفعهم فيما هم بصدده من تخريب قواعد الدّين،هدانا الله وإيّاهم إلی سلوك مسالك المتّقين، ونجّانا وجميع المؤمنين من فتن المضلّين»(1) .وقال (رحمه الله) في بيان قول اميرالمؤمنين (علیه السلام):«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبة» :
«و يحتمل أن يكون المراد به المنع عن مجالسة أرباب الشكوك و الشبهات الذين يوقنون الشبه في الدين و يعدونها كياسة و دقّة فيضلون الناس عن مسالك أصحاب اليقين كأكثر الفلاسفة و المتكلمين فمن جالسهم و فاوضهم لايؤمن بشيء من أمور الدين بل الشك و النفاق و لايمكنه تحصيل اليقين في شيءمن أمور الدين بل يعرضه إلحاد عقلي لا يتمسك عقله بشيء و لا يطمئن في شيء كما أن الملحد الديني لا يؤمن بملة فهم كما قال(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً).
و أكثر اهل زماننا سلكوا هذه الطريقة و قلما يوجد مؤمن علی الحقيقة أعاذنا الله المؤمنين من ذلك و حفظنا عن جميع المهالك»(2)
و قال في بيان حديث عن أبي عبدالله (علیه السلام):«من رقّ وجهه رقّ علمه»: و قيل : المراد برقّة العلم الاكتفاء بما يجب و يحسن طلبه لا الغلو فيه بطلب مالا يفيد بل يضر كعلم الفلاسفة و نحوه»(3)
ص: 76
و قال في مفتتح مرآة القول في ذكر السبب لتأليف هذا الكتاب:
«إنی لما ألفيت أهل دهرنا علی آراء متشتته و أهواء مختلفة قد طارت بهم الجهالات إلی أوكارها و غاصت بهم الفتن في غمارها و جذبتهم الدواعي المتنوعة إلی أقطارها و حيرتهم في فيافيها و قفارها.فمنهم من سمی جهالة اخذها من حثالة (1)من اهل الكفر و الضلالة المنكرين لشرائع النبوة و قواعد الرسالة حكمة و اتخذ من سبقة في تلك الحيرة و العمی ائمة يوالي من والاهم و يعادي من عاداهم و يفدي بنفسه من اقتفی آثارهم ويبذل نفسه في إذلان من أنكر آراءهم و أفكارهم و يسعیبكل جهده في إخفاء أخبار الائمة الهادية صلوات الله عليهم و إطفاء نورهم (و يأبی الله إلا أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون).
و منهم من يسلك مسالك أهل البدع و الأهواء المنتمين الی الفقر و الفناء ليس لهم في دنياهم و أخراهم إلا الشقاء و العناء فضحهم الله عند أهل الأرض كما خذلهم عند اهل السماء فهم اتخذوا الطعن علي اهل الشرائع و الاديان بضاعتهم و جعلوا تحريف العقائد الحقة عن جهاتها و صرف النواميس الشرعية عن سماتها بضم البدع إليها صناعتهم.»(2)
و قال في مرآة العقول في ذيل قول الكليني رحمة الله: باب حدوث العالم و إثبات المحدث:
« أقول:أراد بالعالم:ماسوی الله تعالی و المراد بمحدثه:كونه مسبوقا بالعدم و كون زمان وجوده متناهيا في جانب الأول و قد اختلف الناس فيه فذهب جميع المليين من المسلمين و اليهود و النصاری و المجوس الی أنتها حادثة بذواتها و صفاتها و أشخاصها وأنواعها و ذهب أكثر الفلاسفة الی قدم العقول و النفوس و الافلاك بموادها و صورها و قدم هيولی العناصر و إليه ذهبت الدهرية و الناسخية و لما لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين و كان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالبا في إثبات هذا المدعی بإثبات الصانع مع أنّه كان مقّررا عندهم أن التّأثير لا يعقل في القديم».
ص: 77
وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة
الحلقة الخامسةالدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني
المسألة الثالثة:
من اعتقادات الشيخية أنه: لا يجوز أن يقع علی الله شيء لا لفظ ولا معنی
و من ضرورات الدين عند كافة المسلمين حتی عرف ذلك منه من عاشرهم من فرق الكافرين من اليهود والنصاری والمجوس و غيرهم، أن لفظة(الله) الشريفة اسم لحقيقة المعبود بالحق تعإلی شأنه مختص به متی اطلق يستفاد منه المعبود الحق من دون ريب، والفرقان العظيم قد نطق بذلك، فمنه السورة المباركة، سورة التوحيد المسماة بنسبة الرب سبحانه قال فيها سبحانه:«الله احد- الله الصّمد- لم يلد و لم يولد»(1) فإن هذه الصفات غير منطبقة علی غيره سبحانه، و قال تعالی مخاطبا لرسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):«قد سمع الله قول الّتي تجادلك في زوجها و تشتكي إلی الله والله يسمع تحاوركما»(2) و قال تعإلی:«و تخشی النّاس والله احقّ أن تخشاه»(3) إلی غير ذلك مما يدل علی ما ذكرناه، و من السنة
ص: 78
كثير، منها ما ذكره(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في صلواته في التشهد بالشهادة لله سبحانه بالتوحيد و لنفسه بالعبودية والرسالة، و منها ما ورد من السنن المتظافره الناطقة بأنه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في دعائه لربه يناديه بقوله يا الله، و منها دعوته الناس إلی توحيد الله بهذه الكلمة الشريفة إلی غير ذلك، و قد نطق الفرقان العظيم بكثير من أسمائه الشريفة سبحانه، مثل: الرحمن الرحيم الحليم الغفور العظيم الحي القيوم، العليم القدير السميع البصير اللطيف الخبير البارئ المصوّر العزيز الحميد إلی غيرها، و قد وردت السنة من طرق الشيعة و من طرق أهل السنة، بأن للمعبود الحق الله سبحانه تسعة و تسعين اسما روی ذلك الكليني في الكافي و هو من الشيعة و غيره منهم صحيحا، و روی الترمذي ذلك في سننه والحاكم وابن حبّان و غيرهم من أهل السنة. و قد خالف الضرورة والقرآن الكريم والسنة المتظافرة الصحيحة «فرقة الشيخية» و شيخهم أحمدبن زين الدين الاحسائي وتلميذه سيد كاظم الرشتيو من تأخر عنهما من متابعيهما جاحدين و منكرين بأن يكون للباري تعالی، اسم وضع له يدل عليه مخالفين لضرورة الدين و للقرآن الكريم و لسنة خاتم المرسلين(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(1)
قال الشيخ أحمد الاحسائي في شرح فقرة«و أركانا لتوحيده»: «و انما قيل إن حقائقهم- أي الأئمة- أسماؤه تعالی لأن الاسم في الأصل علامة علی المسمی والعلامة كما تحصل في اللفظ تحصل بالمعنی... إلی أن قال:«لا يجوز أن يقع علی الله شيء لا لفظ ولا معنی... إلی أن قال: ولا يكون ذلك إلا في الأسماء الحسنی التي اختارها لنفسه فهي بما تضمنت من الدلالة الذاتية تدلٌ علی تلك المعاني القدسية التي هي معانيه صلی الله علی محمد و اله و لما كانوا هم الأسماء الحسنی التي أمر أن يدعا بها و هم معانيه....»(2) و قال في شرح فقرة«فما أحلی أسماءكم»:«و أما أسماء الخالق عزّ و جلّ فاعظمها ذواتهم و أسماؤهم عليهم السلام المعنوية لأن أسماءه المعنوية هي ذواتهم، و أسماءه تعالی اللفظية مسمياتها ذواتهم اذ ليس له تعالی أسماء الا أسماء أفعاله و هم معاني أفعاله».(3)
ص: 79
و قال في شرح فقرة«مقر بفضلكم»:«وليسوا عليهم السلام أسماء للذات البحت المقصودة بالعبادة لأن الذات البحت لم يكن لها اسم يقع عليها»(1)
و قال في شرح فقرة(و أركانا لتوحيده):«فقال تعالی:«ولله الأسماء الحسنی فادعوه بها و ذروا الّذين
يلحدون في اسمائه»(2) فأعلَم َ المكلفين أن له الأسماء الحسنی و أمرهم أن يدعوه بها.. إلی أن قال: وحيث لا يمكن أن يدعا بذته لعدم امكان ذلك تعين أن يدعا بالأسماء الحسنی فانحصرت العبادة التي هي فعل ما يرضی والعبودية التي هي رضی ما يفعل فيهم و بهم(علیه السلام)، لأن التسبيح والتقديس والتحميد والتكبير و التهليل والخضوع والخشوع والركوع والسجود و جميع الطاعات و انواع العباداتو كذلك العبودية كل ذلك أسماء معانيها تلك الذوات القدسية والحقائق الالهية التي خلقها الله لنفسه و خلق خلقه لها و هي أسماؤه الحسنی و أمثاله العليا و نعمه التي لا تحصی و هي التي اختص بها و أمر عباده أن يدعوه بها...»(3)
فالشيخ أحمد الاحسائي يعتقد أن التسبيح و هو(سبحان الله) والتحميد و هو(الحمدلله) و التكبير و هو(الله اكبر) والتهليل و هو(لا اله الّا الله) كل ذلك معانيها أهل البيت(علیه السلام)،
اقول: و جميع الناس يعلمون أن أهل البيت(علیه السلام) في طليعة المسبحين والحامدين لله والمكبرين والمهللين له والعابدين اياه، فإذا كانوا هم(علیه السلام) فلمن كانوا يفعلون ذلك كلّه؟، ثم هل لله حقائق ليكونوا هم(علیه السلام)؟ كما يعتقد الشيخ الاحسائي.
و قال في تفسير قوله تعالی:«الرّحمن علی العرش استوی»(4) أي وصف نفسه لعباده الصالحين بصفاته وسمّی نفسه لهم بأسمائه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ليعرفوه بها، و أسماؤه الذين سمّی نفسه بها و امر عباده أن يدعوه بها هم محمد و آله المعصومون(علیه السلام)»(5)
ص: 80
فالشيخ يعتقد هنا بأن الله سبحانه سمّی نفسه بهذه الأسماء و وصفها لعباده الصالحين بهذه الصفات حتی يعرفوه بها و أن أسماءه هذه التي أمر عباده أن يدعوه بها هي أسماء محمد و ال محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، نجده في عبارته المتقدمة يقول ان الله سبحانه لا يقع عليه لا لفظ ولا معنی، فإذا كان لا يجوز علی الله شيئ لا لفظ ولا معنی علی ما يعتقده الإحسائي، فما معنی قوله: وسمّی نفسه لهم بأسمائه ليعرفوه بها؟ ولا شك أن الاسم يدل علی المسمی و علامة عليه، و هذه مخالفة صريحة لكتاب الله سبحانه، حيث أطلق سبحانه علی نفسه المقدسة بعض الألفاظ و أراد بها ذاته تعالی، مثل لفظة الجلالة(الله) في قوله تعالی: «فاعلم انّهُ لا اله الّا الله»(1)و قال: قال تعالی: «ولله الأسماء الحسنی فادعوه بها»(2) فنقول: يا كريم، يا رحيم يا جواد، يا غفور إلی سائر أسمائه و هي هم عليهم السلام»(3) ولا شك في أن من أسمائه تعالی (الله)، فيعتقد الشيخ الاحسائي أنه إذا قيل: يا الله، يا رحمان، يا خالق، يا رازق، يا محيي، يا مميت، يا باعث، يا قيّوم، يا باقي، كان ذلك كله أهل البيت عليهم السلام ، فيكون المدعو بكلمة النداء في المنادی بهذه الأسماء هم عليهم السلام دون الله، فقوله تعالی:«و لله الأسماء الحسنی»، يعني في اعتقاد الشيخ (ولأهل البيت عليهم السلام الاسماء الحسنی) لا لله كما يقول القرآن. ثم ان أهل البيت في طليعة من يدعون الله بها، إذن لو كانوا عليهم السلام هم اسماء الله الحسنی، فلمن كانوا يدعون، أيدعون لأنفسهم بها؟(4) و لهذا جاء عن تلميذه السيد كاظم الرشتي كما في شرح الخطبه التطنجية أنه قال:«اختص اسم الله بالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و اسم الرحمان بالوصي (علیه السلام) »(5) فالسيد الرشتي يعتقد أنه إذا قال: يا الله فهو يعني يا محمد، و يا محمد يعني يا الله، و إذا قال: يا رحمان فهو يعني ياعلي، و يا علي يعني يا رحمان؛ لأن اسم الله مختص بمحمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و اسم الرحمان مختص بعلي(علیه السلام) في اعتقاده.
ص: 81
قال السيد مهدي الكاظمي القزويني في كتابه (بوار الغالين):«و قال- أي الاحسائي- في شرحه للزيارة في بيانه لمعنی و أركانا لتوحيده: لا يجوز أن يقع علی الله شيء لا لفظ ولا معنی، و نص علی ذلك في غير هذين الموردين من كتبه، فقال في الرسالة الطاهرية إن المعبود عزّوجل لا يقع عليه اسم ولا صفة ولا تعينه الاشارة، و إنّما يعرف و يقصد من باب اللزوم إلی آخر قوله إلی غيره، و قال تلميذه سيد كاظم الرشتي في شرحه للخطبه في أولها بعد بيانه لمعنی الحمد علی زعمه قال: والله اسم للظاهر بالألوهية و هي الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية إلی أن قال: فمن قال إن الله علم للذاتالمقدسة القديمة تقدّست و تعالت أخطأ الصواب، و قال في شرحه للقصيدة في بيانه لقوله: شاموا السّنا من قبتيك و عنده البيت في جملة مقال له و قوله تعالی:«الله نور السموات والارض»(1) فالمراد به الاسلام الأعظم لا الذات، فإنه سبحانه أجل من الاسم والتعبير»(2)
و قال أيضا:«و قال- أي كاظم الرشتي- في بيانه لبيت: بضجيع حضرتك الجواد محمد إلی آخره، لأن الذات البحت مقام اللاتعين لا اسم هناك ولا رسم ولا إشارة ولا عبارة، فالاسم نحو من التعيين.
و قال في بيانه لقوله في الخطبه: و أنا الآمل والمأمول، فهو في قل هو الله أحد اسم من أسمائه عزّوجل، و هو أعظم الاسماء، و ليس اسماً للذات، ولا إشارة إليها؛ لأنها تعالت عن المنال و عزّت، و يكفي في نسبة القول بالمخالفة إليه ما نقلناه عنه و له غيره مثل شيخه»(3)
و يؤكد ذلك، ما جاء في شرح الخطبة التطنجية من أن جميع الإشارات الواردة في كتاب الله سبحانه لا تعود إلی الله تعالی، بل تعود عليهم عليهم السلام ، لأن الله سبحانه لا يشار اليه بإشارة، قال السيد كاظم الرشتي:«و إذا أردت مقاماً أزيد من ذلك بشرط أن لا توهم الغلو... فنقول هم المراد من قوله تعالی:«لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»(4) و إليهم تتعلّق الإشارة، و هو سبحانه أجل من أن يشار
ص: 82
إليه بإشارة أو يعبّر عنه بعبارة أو يهتدي إليه سبيل»(1) فالسيد كأستاذه يعتقد بأن الله سبحانه لا يشار إليه ولا يعبّر عنه بعبارة ولا يجوز أن يقع علی الله شيء، لا لفظ ولا معنی، فكل ما ورد في كتاب الله من أسماء الإشارة التي تعود إلی الله سبحانه، فهي في الحقيقة باعتقاد الشيخية تعود إلی الأئمة(علیه السلام)، و لهذا ذكر السيد كاظم الرشتي كما ذكرنا، أن اسم الله سبحانه مختصّ بمحمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، و اسم الرحمان مختص بعلي(علیه السلام)، و بهذا خالفوا الضرورة من دين المسلمين وذلك باعتراف بعض مشايخهم حيث قال:«و من اعتقد أن الضمائر القرآنية الراجعة إلی الله ترجع إلی أمير المؤمنين(علیه السلام) أو إلی أحد من الأئمة، فذلك ضال مضل كافر مفتر، فمن يزعم أن الضمير في قوله تعالی:«اياك نعبُدُ و اياك نستعين»(2) يراد به أمير المؤمنين(علیه السلام) و هكذا غيره من الخطابات الإلهية التي في القرآن و غيره، لو أرجعها إلی أحد المخلوقين لاسيما أمير المؤمنين(علیه السلام) كل ذلك زخرف من القول وزور»(3)
و هذا القائل قد حكم علی مشايخه بالكفر والافتراء والضلال، فهل ينكر ما ورد في شرح الخطبة التطنجية قول السيد كاظم الرشتي: «و إليهم عليهم السلام تتعلق الإشارة و هو سبحانه أجل من أن يشار إليه بإشارة ذو يعبّر عنه بعبارة»؟، و هل ينكر قوله:«اختص اسم الله بالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و اسم الرحمان بالوصي»؟، و هل ينكر قوله:«و قال تعالی:«ولا يحيطون به علما»(4) أي بوليّه و هم الأولياء»(5)؟.حيث أرجع الضمير(به) الذي يعود إلی الله سبحانه، إلی الأئمة(علیه السلام). و هل ينكر قول السيد كاظم الرشتي:«و ضمير الهاء كما تقدم إشار بالإشارة عند الإشباع إلی علي(علیه السلام) و بالتلويح إلی محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، و إلی فاطمة(علیه السلام)»(6) و هل ينكر قول شيخه السيد كاظم الرشتي:«فضمير الهاء في كل المواضع القرآنية
ص: 83
يرجع إليهم(علیه السلام)»؟(1) أليست هذه عباير صريحة من أن الضمائر الموجودة في القرآن الكريم كلها تعود إليهم(علیه السلام) لا إلی الله باعتقاد فرقة الشيخية.
و هل ينكر ما قاله الشيخ أحمد الاحسائي في بيان معنی(و أركانا لتوحيده): لا يجوز أن يقع علی الله شيء لا لفظ و لا معنی، و نص علی ذلك في الرسالة الطاهرية، أن المعبود عزّوجل لا يقع عليه اسم ولاصفة ولا تعينه الإشارة، و انما يقع الاسم والصفة والإشارة علی المصنوع و كثير من عبايرهم تصرح أن الله سبحانه لا يشار إليه لا بالإشارة ولا بغيرها من الألفاظ.
هذا و قد حاول بعض مشايخهم الدفاع عن السيد كاظم الرشتي انتصاراً للباطل مع علمه أن السيد يذهب إلی ذلك في اعتقاده، قال:«من تأمّل العبارة الاولی لهذا السيد الممتحن عرف أنه كيف ابتلي بأهل عصره ورمي هذا المؤمن و افتري عليه بأمور يتبرئ منها كل اثني عشري... تقوّلوا عليه بأشياء عظام تكاد السماوات يتفطرن منها و تنشق الأرض و تخر الجبال هداً من أن المخاطب بإياك نعبد و إياك نستعين هو مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام).. و أن الضمائر القرآنية ترجع إليه(علیه السلام)... والأسف كل الأسف علی من يدعي الإيمان أو الفضل كيف ينسب إلی مؤمن مثله شيئاً ما له وجود في تأليفاته ولا له تلويح ولا إشارة ولا أثر في مقالاته بلا مدرك ولا أصل يستند إليه....»(2)
أقول للميرزا علي الحائري الاحقاقي، لماذا هذا التمويه و عدم الأمانة في النقل، و أنت تعلم علم اليقين، أن من رمی السيد كاظم الرشتي بما رماه، لم يكن إلا عن علم بما سطّره في مؤلفاته، أليس هو القائل في شرحه للخطبه التطنجية«فضمير الهاء في كل المواضع القرآنية يرجع إليهم(علیه السلام)» و قوله:«و إليهم تتعلق الإشارة و هو سبحانه أجل من أن يشار إليه بإشارة أو يعبّر عنه بعبارة»(3) ألم يقل:«اختص اسم الله بالنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و اسم الرحمان بالوصي(علیه السلام)» إلی غير ذلك من عبايره كما نقلناها من أهم كتبه و هو شرح الخطبة. فقولك«والأسف كل الأسف علی من يدعي الإيمان أو الفضل كيف ينسب إلی مؤمن مثله ما له وجود في تأليفاته ولا له تلويح ولا إشارة ولا أثر في مقالاته لا مدرك ولا أصل يستند
ص: 84
إليه...» قول من يريد الدفاع عن الباطل ليموّه علی العامة ما ذهب إليه هؤلاء من مخالفات صريحة لكتاب الله تعالی و ما أجمع عليه المسلمون، و قامت عليه الضرورة من الدين، أن الضمائر التي تعود إلی الله سبحانه لا يمكن أن تعود إلی غيره، و إن كان ذلك الغير هم أشرف من خلقه الله تعالی و هم محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و اله الأطهار عليهم السلام.و مجمل ما تقدّم أن فرقة الشيخيه تعتقد أن الله سبحانه لا يجوز أن يقع عليه لا لفظ ولا معنی، و أن جميع الضمائر المذكورة في الفرقان العظيم تعود إلی النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الأئمة عليهم السلام لأن الله سبحانه أجل من أن يشار إليه بإشارة أو يعبّر عنه بعبارة، وكما و أن جميع صفاته سبحانه تعود إليهم(علیه السلام)، فهم عليهم السلام صفاته و أسماؤه الحسنی، وبهذا خالف الشيخية كتاب الله سبحانه، و ما أجمع عليه المسلمون، و قامت عليه الضرورة من الدين، من أن هذه الأسماء هي أسماؤه المختصة به سبحانه، كما أن الضمائر تعود إليه سبحانه دون غيره.
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): صدر العاقل صندوق سره ، و البشاشه حباله الموده والاحتمال قبر العيوب وروی انه قال فی العباره عن هذا المعنی ايضا المساله خباء العيوب ، و من رضی عن نفسه كثر الساخط عليه
ص: 85
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
سماحة العلامة محمد بن الحسن الحرالعاملي (قدس سره)
الحلقة الخامسة:
الباب الثالث
في إبطال اعتقاد الحلول والاتحاد ووحدة الوجود،
اعلم: أن هذا المذهب القبيح والاعتقاد الباطل الشنيع لم ينسبه أحد من العلماء والمتكلمين إلا إلى الصوفية واتفقوا على بطلانه وأجمعوا على فساده ولا ريب أن الصوفية كلهم أو أكثرهم معتقدون له وإن كان منهم الآن ينكرون كونه اعتقادا لهم لظهور فساده وشناعته لكنه ظاهر واضح في كلامهم، وأشعارهم مصرح به في كثير من كتبهم واعتقاداتهم وقد اتفق العلماء على نسبته إليه ونقله عنهم وعلى كل حال فمحبة الصوفية للذين صرحوا بهذا الاعتقاد الباطل وحسن ظنهم بهم، وثناؤهم عليهم وميلهم إليهم أمر لا يمكن إنكاره وهو كاف في الرد عليهم وبه يظهر كذبهم في إنكاره، ثم اعلم أن الكلام في هذا الباب ينقسم إلى أقسام يحسن إفراد كل منها في فصل فههنا اثنا عشر فصلا.
الفصل الأول فيما يدل على بطلان ذلك الاعتقاد من جهة العقل ولنذكر من ذلك اثني عشر وجها: الأول: عدم ظهور دليل قطعي على صحته وقد عرفت في الباب الأول حجية هذا الوجه في مثل هذا المقام والعمل بالظن هنا غير معقول بل بطلانه اتفاقي ولم يذكروا لهذا الاعتقاد الفاسد دليلا في كتبهم
ص: 86
يمكن الالتفات إليه بل بعضهم أورد
شبهات ضعيفة واهية ظنية المتن أو السند أو هما، ويأتي وجه ذلك إن شاء الله تعالى.
الثاني: ما ذكره العلامة في كتاب كشف الحق ونهج الصدق حيث قال: البحث الخامس في أنه تعالى لا يتحد بغيره: الضرورة قاضية ببطلان الاتحاد، فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئا واحدا وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور فحكموا بأنه تعالى يتحد بأبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال إنه تعالى نفس الوجود وكل موجود فهو الله تعالى وهذا عين الكفر والإلحاد. الحمد لله الذيفضلنا باتباع أهل البيت دون الأهواء المضلة (الباطلة - خ) (انتهى)(1)
ولايخفى أن هذا الدليل الذي هو الضرورة دال على مجموع مطلوبنا هنا.
الثالث: ما ذكره العلامة أيضا في الكتاب المذكور حيث قال: البحث السادس في أنه تعالى لا يحل في غيره من المعلوم القطعي أن الحال مفتقر إلى المحل والضرورة قاضية بأن كل مفتقر إلى الغير ممكن فلو كان الله تعالى حالا في غيره لزم إمكانه فلا يكون واجبا وهذا خلف وخالفت الصوفية من الجمهور في ذلك وجوزوا عليه الحلول في أبدان العارفين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فانظر إلى هؤلاء المشائخ الذين يتبركون بمشاهدتهم (بمشاهدهم - خ) كيف اعتقادهم في ربهم وتجويزهم عليه تارة الحلول وتارة الاتحاد (انتهى) (2)وفيه دلالة على بطلان الاتحاد بطريق الأولوية في خصوص المادة.
الرابع: إنه تعالى إنما يحل في أبدان العارفين أو يتحد بها على زعمهم بعد وجودهم لا قبله
ص: 87
ضرورة، بل بعد المعرفة لا قبلها قطعا فلو حصل الحلول أو الاتحاد لزم تغير واجب الوجود وانتقاله عن حاله وهو باطل بالضرورة لمنافاتهما القدم ووجوب الوجود فإن كل متغير حادث والملازمة واضحة وكذا بطلان اللازم.
الخامس: إنه يلزم منه جواز الرؤية على الله تعالى في الدنيا والآخرة برؤية ما حل فيه أو اتحد به وذلك باطل قطعا إجماعا وأدلته محررة في أماكنها لمن احتاج فيه إلى دليل.
السادس: إن بطلان هذا الاعتقاد من ضروريات مذهب الشيعة الإمامية لم يذهب إليه أحد منهم بلصرحوا بإنكاره وأجمعوا على فساده وشنعوا على من قال به، فكل من قال به خرج عن مذهب الشيعة فلا تصح دعوى التشيع من القائل به وهو كاف لنا في هذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
السابع: إنه اعتقاد مخالف لما ثبت وتواتر من اعتقادات أهل العصمة عليهم السلام فلا بد من أن يكون أحدهما فاسدا ولا سبيل إلى الحكم ببطلان الثاني فتعين الأول ومعلوم أنه بعد ثبوت إمامتهم وعصمتهم يفيد قولهم اليقين مطلقا.
الثامن: إن هذا الحلول من الله على تقدير وقوعه يستلزم اجتماع القدم والحدوث والوجوب والإمكان في أبدان العارفين والاتحاد منه تعالى بهم على تقدير صحته يستلزم انقلاب القديم حادثا والواجب ممكنا أو بالعكس فيهما أو اجتماع تلك الأوصاف المتناقضة في ذات واحدة والملازمتان واضحتان لا تحتاجان إلى بيان وبطلان اللوازم بل الملزومات أوضح.
التاسع: إن ذلك على تقديره إما أن يكون كمال الله أو نقصا أو لا يكون أحدهما
وعلى التقديرين الأولين يلزم نسبة النقص إلى الله تعالى عن ذلك، أما على الأول فبعدم كماله قبل وجود العارفين أو كل واحد منهم وبعد موتهم أو موته وعلى الثاني يلزم النقص في زمان وجود كل عارف وعلى الثالث يكون عبثا فيستحيل عليه تعالى كما تقرر وثبت وإنما اتجه هذا الدليل، لأن هذا مما يتعلق بالذات فلا ترد الأفعال الخارجية نقضا.
العاشر: إن العارفين متعددون بالضرورة فيلزم من ذلك تعدد الواجب تعالى على تقارير اتحاده بكل عارف أو جماعة أو باثنين ويلزم انقسامه على تقدير الحلول فيهم وكل الحال في كل واحد بعض الذات الإلهية وتعدده على تقدير كون الحال الجميع واللوازم كلها باطله بالضرورة فكذا الملزوم
ص: 88
والملازمة ظاهرة.
الحادي عشر: إنه يلزم منه كون واجب الوجود مركبا أو جز مركب بل أجزاء من مركبات فيكون مركبا ومنقسما وهو باطل قطعا لأن كل مركب محتاج إلى أجزائه بالضرورة فيتوقف عليها فيكون حادثا قديما وهو ينافي وجوب الوجود. الثاني عشر: إنه حال الاتحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد، وإن صار معدومين فلم يتحدا بل وجد ثالث وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فلم يتحدا لأنالموجود لا يتحد بالمعدوم ولو حل في شيء لكان الحلول إما واجبا أو جائزا والأول باطل لوجهين. أحدهما: احتياجه إلى ذلك الغير وكل محتاج ممكن فيكون واجب الوجود ممكنا لذاته هذا خلف. الثاني: إن غير الله تعالى إما جسم أو عرض فيلزم من الحلول الحدوث في الواجب أو القدم في الجسم والعرض وهما محالان والثاني باطل لأنه إن لم يجب الحلول كان الله غنيا عنه ويستحيل عن الواجب التعبير عن حاله ثم إنه يستلزم جواز الحصول في الحيز وهو في حق الله تعالى محال فالحلول محال ذكر هذا الاستدلال بعض علماء المتكلمين وهو قريب من بعض ما تقدم.
الفصل الثاني فيما يدل على بطلان الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من الآيات الشريفة القرآنية وهي كثيرة جدا إلا إنا نقتصر على اثني عشر قسما.
الأول: سورة التوحيد فإنها دالة على الوحدانية والأحدية وعدم قبول القسمة والحلول والاتحاد كما عرفت يستلزمان التعدد والتركيب والانقسام ووحدة الوجود راجعة إلى الاتحاد.
الثاني: قوله تعالى (ليس كمثله شيء)(1) وعلى تقدير الحلول والاتحاد يلزم مساواته للأشياء ومماثلته للأعراض والأجسام.
الثالث: قوله تعالى: (ولا يحيطون به علما)(2) وعلى ذلك التقدير يمكن إحاطة العلم به البتة.
الرابع: قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (3)ولا ريب أنه على ذلك التقدير يصير مدركا بالبصر.
ص: 89
الخامس: قوله تعالى لموسى (لن تراني) (1)ومعلوم أن موسى قد رأى بدنه وأبدان العارفين في زمانه من الأنبياء وغيرهم فإما أن لا يكون أحد منهم قابلا لذلك ولا عارفا بالله أو يكون الحلول والاتحاد باطلين والأول محال قطعا وذلك ظاهر فلزم بطلان الاعتقاد وهو المطلوب.السادس: قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)(2) وقوله تعالى (الله لا إله إلا هو) (3)وغير ذلك مما يدل على الوحدانية والحصر والتقريب كما مر خصوصا مع الوصف بالوحدة في مثل قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو) (4)(فإلهكم إله واحد) (5)ونحو ذلك.
السابع: الآيات الدالة على الرد على المشركين ومن قال بالهين أو ثلاثة وهي كثيرة ففهم منها وحدة الواجب ووحدانيته ونفي الحلول والاتحاد الذي ادعاه اليهود والنصارى.
الثامن: الآيات الدالة على أن الله خلق الخلق وهي كثيرة صريحة في استحالة اتحاد الخالق والمخلوق.
التاسع: الآيات الدالة على الانكار على من أثبت لله شريكا أو ادعى إلها غيره كقوله تعالى (إله مع الله) (6)(هل من خالق غير الله) (7)(أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) (8)إلى غير ذلك والاستدلال ظاهر للمتأمل.
العاشر: الآيات الدالة على ذم الناس ونسبة النقص والضعف إليهم كقوله تعالى (خلق الإنسان
ص: 90
ضعيفا)(1) (إن الإنسان لفي خسر)(2) وغير ذلك والتقريب كما مر.
الحادي عشر: الآيات الدالة على عموم قدرة الله علمه كقوله تعالى (إن الله على كل شيء قدير)(3)(إن الله بكل شيء عليم) (4)(إن الله علام الغيوب)(5)
وغير ذلك وبعد الحلول والاتحاد إما أن يصير الله جاهلا عاجزا أو يصير العارف مساويا لله في عموم القدرة والعمل وكلاهما باطلان فذلك الاعتقاد باطل.
الثاني عشر: الآيات الدالة على استحالة الموت والنوم على الله كقوله تعالى: (الحي الذي لا يموت) (6)وقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)(7)إلى غير ذلك وصدق سلبهما عن أبدان العارفين محال وكذب سلبهما عن الله محال بالضرورة.
من احاديث نهج البلاغة
قال (علیه السلام): الصدقه دواء منجح
و اعمال العباد فی عاجلهم
نصب اعينهم فی آجالهم
ص: 91
قول المحقق الميرزا رفيع النائيني (المتوفى 1082)
قال ما ترجمته :
لابد أن يعلم إن الظاهر بل الضروري من الشريعة المقدسة حدوث العالم - أي ما سوى اللّه - زماناً ، بمعنى أنّ لوجوده ابتداء ، وزمان وجوده من الابتداء إلى الآن متناه ، فالقول بقدم العالم - أي المعنى المقابل لما ذكرناه - كما ذهبت إليه الحكماء . . باطل وفاسد . . .
ومع هذا فقد ذهب في هذه الأعصار جمع من الجهّال ، الفضلاء غير المطّلع بالشرع أو المقيّد به تبعاً للحكماء إلى قدم العالم .
ص: 92
وقد أشرت إلى حقيقة الحال لأن يحترز كلّ من كان مقيداً بالدين من متابعة هذه الفرقة التي لا دين لها(1) .
قول المولى محمّد صالح المازندراني (القرن الحادي عشر)
قال في باب حدوث العالم :المراد بالعالم : ما سوى اللّه ، وهو مع تكثّره منحصر في الجواهر والعرض ، وبحدوثه : أن يكون وجوده مسبوقاً بالعدم .
وقد اختلف الناس فيه ؛ فذهب المسلمون واليهود والنصارى والمجوس إلى أنّ الأجسام حادثة بذواتها وصفاتها ، وذهب أرسطوا وأتباعه إلى أنها قديمة بذاتها وصفاتها ، وذهب أكثر الفلاسفة إلى أنها قديمة بذواتها ومحدثة بصفاتها ، وقالوا لتوجيه ذلك ما لا طائل تحته ، وأمّا العكس فالظاهر أنه لم يقل به أحد لأنه باطل بالضرورة ، وذهب جالينوس إلى التوقف في جميع ذلك(2).
قول القاضي سعيد القمي (المتوفى 1107)
قال في شرح قوله عليه السلام : « وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع عن الحدث » :
هذا واضح بحمد اللّه وحاصله : أنّ الحدوث هو المسبوقية بالعدم مطلقا ، والأزل هو اللا مسبوقية به ، فكل حادث يمتنع أن يكون أزليّاً ، وكل أزليّ يمتنع أن يكون حادثاً بوجه من الوجوه ،
ص: 93
ومن ذلك قيل : إنّ أفلاطون الإلهي أنكر وجود حوادث لا إلى نهاية للزوم التناقض الذي ذكرنا ، فافهم(1).
وقال أيضاً :
اعلم إن طبيعة الموجود من حيث هو موجود يقتضي المسبوقية بالعدم ، إذ تلك الطبيعة من حيث هي هي معلوم الحقيقة ، وقد مضى أنّ كل معروف بنفسه مصنوع ، وكل مصنوع فقد سبقه عدمصريح لا محالة ، فكل ما يصدق عليه تلك الطبيعة المعلومة الحقيقة فهو بعد عدم واقعي بلا مرية ، فاللّه سبحانه موجود لا كالموجودات ولم يسبقه عدم . . (2).
قول العلاّمة المجلسي رحمه الله (المتوفى 1111)
قال في كتاب الاعتقادات :
لابد أن تعتقد أنّ العالم حادث . . أي جميع ما سوى اللّه ، بمعنى أنه ينتهي أزمنة وجوده في الأزل إلى حدّ وينقطع لا على ما أوّله الملاحدة من الحدوث الذاتي ، فإنّ على المعنى الذي ذكرنا إجماع جميع المليين والأخبار به متظافرة متواترة .
فالقول بقدم العالم . . وبالعقول القديمة . . والهيولى القديمة - كما يقوله الحكماء - كفر(3).
وقال في عين الحياة - ما ترجمته - :
ص: 94
لابد من الاعتقاد بأن كل ما سوى اللّه تعالى ينتهي وينقطع زمان وجوده في الأزل إلى حدّ وأمد ، ولكن اللّه تعالى قديم وليس لوجوده بداية ولا نهاية ، وحدوث العالم - بهذا المعنى - مما أجمع عليه أهل الأديان كافّة ، وهو قول كل طائفة دانت بدين وآمنت برسول ، ودلت على هذا آيات كثيرة وروايات متواترة . .
ولكن
جمعاً من الحكماء الذين لم يؤمنوا بنبيّ وما تديّنوا بدين وجعلوا مدار الأمور على عقولهم الناقصة قالوا : بقدم العالم ، وبالعقول القديمة ، وقدم الأفلاك ، وهيولي العناصر . . وهذا كفرصريح مع أنه مستلزم لتكذيب الأنبياء وإنكار كثير من الآيات القرآنية لقولهم بأنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه(1).
وقال في كتاب حق اليقين - ما ترجمته - :
المبحث الثامن : ليس للّه تعالى في القدم شريك ، وكل ما سوى اللّه تعالى حادث ، وعلى هذا اتفق جميع أرباب الملل ، وإن كان الحكماء أطلقوا الحدوث والقدم على معانٍ .
أمّا الذي اتفق عليه أرباب الملل هو أنّ ما سوى اللّه تعالى مبتدأ له أوّل ، وينتهي وينقطع أزمنة وجوده في الأزل إلى حدّ ، وليس موجود أزلي غيره تعالى ، فإن ذلك مما أطبق عليه المليون ودلّت عليه الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة الصريحة في ذلك .
ثم قال : وقد أوردت في كتاب بحار الأنوار ما يقرب من مأتين حديثاً في هذا الباب من الخاصة والعامة ، مع ما أقمت من أدلة عقلية وما أجبت به عن شبهات فلسفية .
وقد ورد في الأحاديث المعتبرة بأن من اعتقد بقديم غير اللّه تعالى فهو كافر(2).
ص: 95
وقال في بحار الأنوار :
اعلم إنه لا خلاف بين المسلمين - بل جميع أرباب الملل - في أنّ ما سوى الربّ سبحانه وصفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا ولوجوده ابتداء ، بل عدّ من ضروريات الدين(1).وقال أيضاً :
اعلم أنّ المقصود الأصلي من هذا الباب - أعني حدوث العالم - لمّا كان من أعظم الأصول الإسلامية - لاسيّما الفرقة الناجية الإمامية - وكان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلاّ إلى الدهريّة والملاحدة والفلاسفة المنكرين لجميع الأديان ، ولذا لم يورد الكليني رحمه الله وبعض المحدثين لذلك باباً مفردا في كتبهم ، بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع تعالى اتكالاً على أنّ بعد الإقرار بالحق جلّ وعلا لا مجال للقول بالقدم ؛ لاتفاق أرباب الملل عليه .
وفي قريب من عصرنا لمّا ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين ورغبوا عن الخوض في الكتاب والسنة وأخبار أئمة الدين ، وصار بعد العهد عن اعصارهم عليهم السلام سبباً لهجر آثارهم ، وطمس أنوارهم ، واختلطت الحقائق الشرعية بالمصطلحات الفلسفية ، صارت هذه المسألة معترك الآراء ومصطدم الأهواء ، فمال كثير من المتسمّين بالعلم ، المنتحلين للدين . . إلى شبهات المضلّين ، وروّجوها بين المسلمين ، فضلّوا وأضلّوا وطعنوا على أتباع الشريعة حتى ملّوا وقلّوا ، حتى أنّ بعض المعاصرين منهم يمضغون بألسنتهم ، ويسوّدون الأوراق بأقلامهم : أن ليس في الحدوث إلاّ خبر واحد هو : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » . . ! ثمّ يؤوّلونه بما يوافق آراءهم الفاسدة . .
فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات والأخبار المزيحة للشك والارتياب ، وقفّيتها بمقاصد أنيقة ومباحث دقيقة تأتي بنيان شبههم من قواعدها ، وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها تشييداً
ص: 96
لقواعد الدين ، وتجنباً من مساخط ربّ العالمين كما روي عن سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله وسلم : «إذا ظهرت البدع في أُمّتي فليظهر العالم علمه وإلاّ فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين »(1).
وقال في مرآة العقول ، في ذيل قول الكليني رحمه الله : باب حدوث العالم وإثبات المحدث :أقول : أراد بالعالم : ما سوى اللّه تعالى ، والمراد بحدوثه : كونه مسبوقاً بالعدم وكون زمان وجوده متناهياً في جانب الأوّل ، وقد اختلف الناس فيه ، فذهب جميع المليين من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس إلى أنّها حادثة بذواتها وصفاتها وأشخاصها وأنواعها ، وذهب أكثر الفلاسفة إلى قدم العقول والنفوس والأفلاك بموادّها وصورها وقدم هيولى العناصر . . وإليه ذهبت الدهريّة والناسخية .
ولمّا لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين ، وكان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالباً في إثبات هذا المدّعى بإثبات الصانع ، مع أنه كان مقرّراً عندهم أنّ التأثير لا يعقل في القديم .
ويحتمل أن يكون غرضه من عقد هذا الباب حدوث العالم ذاتاً واحتياجه بجميع اجزائه إلى المؤثر ، لكن هذا لا يدلّ على عدم قولهم بالحدوث الزماني ، بمعنى نفي عدم تناهي وجود العالم من طرف الأزل ، ولا على عدم ثبوته بالدلايل ، فانّ ذلك مما أطبق عليه المليّون ، ودلت عليه الآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة الصريحة في ذلك .
وعدم القول بذلك مستلزم لإنكار ما ورد في الآيات والأخبار من فناء الأشياء وخرق السماوات وانتشار الكواكب بل المعاد الجسماني ، وقد فصّلنا الكلام في ذلك في كتاب السماء والعالم من كتاب بحار الانوار ، وسنشير في ضمن الأخبار الدالة على هذا المطلوب عند شرحها إلى ذلك(2) .
ص: 97
قول المحقق المدقق ملا اسماعيل الخاجوئي (المتوفى 1173)
قال في الرسالة التي كتبها في تفسير الآية الشريفة « وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ »(1)ما ترجمته :من قال بوجود عقل مجرد ذاتاً وفعلاً فقد قال بقدمه ، وهو يستلزم القول بقدم العالم ، والقائل بقدم ما سوى اللّه - وإن كان من الإماميّة - كافر بإجماع المسلمين(2).
قول العلاّمة المحقق الفقيه الشيخ جعفر المدعو ب- : كاشف الغطاء رحمه الله (المتوفى 1228)
قاله في مقام ذكر الأقسام الأربعة من القسم الثاني فيما كان من الحيوان نجسا ، بعد أن ذكر الكافر وقسّمه قسمان ؛ أوّلهما الكافر بالذات ؛ وهو الكافر باللّه تعالى أوبنبيه أو المعاد . . إلى أن قال :
القسم الثاني : ما يترتب عليه الكفر بطريق الاستلزام ؛ كانكار بعض الضروريات الإسلامية والمتواترات عن سيّد البرية كالقول بالجبر والتفويض والإرجاء والوعد والوعيد وقدم العالم وقدم المجرّدات والتجسيم والتشبيه بالحقيقة والحلول والاتحاد ووحدة الوجود أو الموجود . . . أو أنّ الأفعال بأسرها مخلوقة للّه . . (3) .
وقال في موضع آخر منه : الكفر أقسام : الأوّل : ما يستحلّ به المال وتسبى به النساء والأطفال ، وهو كفر الإنكار والجحود والعناد والشك . . والقسم الثاني : ما يحكم فيه بجواز القتل ، ونجاسة السؤر ، وحرمة الذبايح والنكاح من أهل الإسلام دون السبي والأسر وإباحة المال ، وهو كفر من دخل في الإسلام وخرج منه بارتداد عن الإسلام ويزيد الفطري منه في الرجال بإجراء احكام الموتى ، أو كفر
ص: 98
نعمة من غير شبهة ، أو هتك حرمة ، أو سبّ لأحد المعصومين عليهم السلام ، أو بغض لهم عليهم السلام ، أو بادّعاء قدم العالم بحسب الذات ، أو وحدة الوجود ، أو الموجود على الحقيقة منهما ، أو الحلول ، أو الاتحاد ، أو التشبيه ، أو الجسميّة . . (1).
قول المحقق الميرزا القمي رحمه الله (المتوفى 1231) قال ما ترجمته :
إنه تعالى كان ولا شيء معه ، فليس له شريك في القدم ، كما عليه إجماع جميع أهل الأديان(2).
قول الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر رحمه الله (المتوفى 1266) قال في عداد كتب الضلال : . . ككتب القدماء من الحكماء القائلين بقدم العالم وعدم المعاد ، وكتب عبدة الأصنام ومنكري الصانع . . (3).
قول الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله (المتوفى 1281) قال : إجماع جميع الشرايع على حدوث العالم زماناً(4).
قول المحقق الشيخ محمّد تقي الآملي (المتوفى 1391)
قال : لابد لتصوّر مسبوقية وجود العالم عن عدمه الواقعي الفكّي الغير المجامع لوجوده من مخلص آخر ، إذ القول بحدوث العالم كذلك من ضروريات الدين ، بل المتفق عليه بين أهل الملل والنحل .فلا ينبغي القناعة في المقام بالقول بحدوث العالم ذاتاً - بمعنى تأخره عن العدم المجامع مع
ص: 99
وجوده كما عليه بعض الحكماء - لأنه مخالف مع قول المليين فتدبّر ودقّق النظر ؛ لأنّ المقام مزلّة الأقدام . . (1).
قول السيد أحمد الخوانساري رحمه الله (المتوفى 1405) قال بعد تصريحه بقوله : منع قدم العالم وعدم تناهي النفوس : إجماع المليين على الحدوث الزماني لا الحدوث الذاتي ولا الحدوث الثابت من جهة الحركة الجوهرية(2).
أقول : لبعض الأعلام ردود على القائلين بقدم العالم كالسيد المرتضى علم الهدى رحمه الله (3)، والمولى طاهر القمي(4)، والمحقق القمي(5)، والسيد الخوئي(6). . وغيرهم(7) من العلماء رحمهم اللّه تعالى ، فمن شاء فليرجع إليها ، واقتصرت هنا على اليسير منها خوفا من الإطالة وملل القاري ولحصول الغرض بذلك .
نتيجة البحث من الأقوال السابقة : على ضوء الأقوال التي ذكرناها نجد ان كلمة جميع أرباب الملل والمذاهب اتفقت على وقوع التفكيك بين الخالق والمخلوق ، وأنّ العالم - أي جميع ما سوى اللّه بجميع أجزائه وصفاته - حادث وكائن بعد أن لم يكن بعديةً حقيقيةً ، لا بالذات فقط ، حتى يقال : إنه في حدّ ذاته لا يستحقّ الوجود ، وأن وجوده متأخر عن عدمه بحسب الذات ، كما عليه الفلاسفة .
ص: 100
وإنّ اللّه تعالى قد أبدع وأحدث الأشياء بعد أن لم تكن موجودةً بعدّيةً حقيقيةً ، وأنّ للأشياء ابتداء وأوّلاً زمانيا ، وأنّ الأزلية والقدمة مختصة بذات الباري تعالى .
والعالم عندهم حادث بالذات والزمان ، والزمان عندهم أعمّ من الزمان الحادث والموهوم ، والدهر والسرمد ، بل التعبير بالزمان هنا من باب ضيق العبارة ومجرد اصطلاح ، إذ القائل بحدوثه بالمعنى المذكور قائل بحدوث الزمان أيضاً ، لأنه من أجزاء العالم .
والمقصود واضح وهو أنه تعالى أبدع وأحدث وأوجد الأشياء بعد أن لم تكن بعدية حقيقية كما هو مضمون الآيات والأخبار المتواترة ، والمخالف في المسألة هم الفلاسفة ، والمشهور منهم يقولون بأن ما سوى اللّه حادث بالذات وقديم بالزمان .
جواز الاستدلال بالادلة السمعية في المسائل الكلامية: قد يقال : إنّ المسألة - أي بحث حدوث العالم - من المسائل العقلية الكلاميّة التي لاينفع فيها التمسك بالإجماع ، لأنّ الإجماع الحجة ما كان كاشفا عن قول الإمام عليه السلام في المسائل الشرعية لا في المسائل العقلية إذ الاستكشاف المزبور إنما يتأتي فيما إذا كان شأن الشارع بيانه والحجة في المطالب العقلية هي العقل الحاكم فيها .
والجواب : هو أنّ كون المسألة عقلية كلامية لا يمنع عن التمسك بالإجماع وساير الأدلة السمعية فيها . فإنّه بعد إثبات وجود الخالق تعالى ونبوّة النبي صلى الله عليه و آله وسلم لو فرضنا أمرين ممكنين في أنفسهما وقد صرّح الشرع بتعيين أحدهما لوجب الاعتقاد به فضلاً عما إذا كان أحد الأمرين مستحيلاً في نفسه ، وهو القدم لغير اللّه . بل الاعتماد في كثير من المسائل الكلامية إنما هو عليه ، ألا ترى أنّ المحقق الدواني وسائر المتكلمين قد تمسّكوا في إثبات هذه المسألة - أي حدوث العالم زماناً وكونه مسبوقاً بالعدم غير المجامع - بإجماع المسلمين أو المليّين عليه ، كما وقد تمسّك بعضهم بالأخبار المتواترة فيه . وجعل العلاّمة المجلسي رحمه الله الدليل المعتمد في مسألة التوحيد هو مثل قوله : « قُلْهُوَ اللّه ُ أحدٌ » ولا إشكال في ذلك ، إذ بعد إثبات الصانع الواجب تعالى وكونه عالماً وقادراً وصانعاً وصادقاً ، وإثبات الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وكونه معصوماً ببرهان العقل . . يمكن التمسك
ص: 101
بقولهما على إثبات ساير الصفات التي لا تتوقّف عليها إثبات النبوّة ،(1)ولهذا نجد المحقق الطوسي رحمه الله ذهب في التجريد إلى إثبات المعاد الجسماني وثبوته بالسمع(2) ، وقد حكي مثله عن ابن سينا في بعض كتبه . ولا يخفى أنّ الموارد التي تمسّك فيها العلماء بالأدلة السمعية في المسائل الكلامية أكثر من أن تحصى ، وشأن الشارع كما هو بيان الأحكام الفرعيّة كذلك بيان الأحكام الأصولية أيضاً من وظيفته ، بل هذا الأمر يمتاز باهمية خاصة لأنّ شرف العلم بشرف معلومه ، وقد قسّموا الأحكام الشرعيّة في أوائل كتب الأصول إلى الأصولية الاعتقادية والأصولية العملية والفرعية .
فعلى هذا يكون في كلّ موضع لا يحكم العقل فيه بشيء كمسألة حدوث العالم على ما ادّعاه بعض الفلاسفة بل معلّمهم حيث ادّعى أنّ أدلّة الطرفين جدلية غير برهانية ، أو كالمعاد الجسماني على ما ادّعاه بعضهم من عدم حكم العقل به . . يكون الإجماع فيه كاشفاً عن الحكم التأسيسي للشارع .
وفي كل موضع يحكم العقل به يكون التمسك بالإجماع مثلاً إمّا من جهة كشفه عن الحكم الإمضائي للشارع ، أو مع قطع النظر عن الدليل العقلي .
نعم شأن الشارع ليس بيان الأحكام العقلية المحضة مثل : الكل أعظم من الجزء ، ولا وجه للتمسك بالإجماع فيها ولم يتمسك أيضاً أحد به فيها .
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله في عداد براهين التوحيد :
ص: 102
السابع : الأدلة السمعيّة من الكتاب والسنة ، وهي أكثر من أن تحصى ، وقد مرّ بعضها ، ولا محذور في التمسك بالأدلة السمعيّة في باب التوحيد ، وهذه هي المعتمد عليها عندي(1).
وقال أبو الصلاح الحلبي رحمه الله في عداد براهين التوحيد : طريقة أُخرى ، وهو علمنا من طريق السمع المقطوع على صحته :
إنّ صانع العالم سبحانه واحد لا ثاني له ، والاعتماد على إثبات صانع واحد سبحانه من طريق السمع أحسم لمادّة الشغب وأبعد من القدح ، لأنّ العلم بصحّة السمع لا يفتقر إلى العلم بعدد الصناع ، إذا كانت الأصول التي يعلم بصحتها صحة السمع سليمة ، وإن جوز العالم بها تكاملها لأكثر من واحد ، من تأمل ذلك وجده صحيحاً ، وإذا لم يفتقر صحة السمع إلى تميّز عدد الصناع أمكن أن يعلم عددهم من جهته ، فإذا قطع العدد بكونه واحداً وجب العلم به والقطع ينفي ما زاد عليه(2).
وقال الطبرسي النوري رحمه الله بعد نقل الكلام المتقدم للعلاّمة المجلسي ما ترجمته :
الحق
إنه كلام متين ، وقد تبع فيه قول اللّه تعالى وقول أمير المؤمنين عليه السلام المذكوران ، لأن من تأمل وعلم أنه تعالى أصدق الصادقين ، وتأمّل حقيقة المنزَل - أي القرآن - والمنزل عليه ، ولاحظ طهارته وعصمته لوجد أنّ أمتن الأدلة على التوحيد هو كلامهم عليهم السلام ولكن بعد تمامية السند والدلالة وثبوت أنه من كلامهم عليهم السلام ، كما أنّ أكثر الأدلة على التوحيد كذلك ، يعني إما من قبيل النصوص والمحكمات القرآنية وإما من قبيل الأخبار المحكمة المتواترة منهم عليهم السلام . ولا تصغ إلى مزخرفات بعض الحكماء والصوفية الذين يتعبدون بالقواعد والاستحسانات المنخرمة التي أكثرها أوهن من بيت العنكبوت ، وأوّلوا نصوص الكتاب والأخبار على خرافاتهم وليس طريقتهمإلا الإدبار عن كتاب اللّه تعالى والإعراض عن سنة سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله وسلم ، وليس هذا
ص: 103
إلا لعدم معرفتهم بحقيقة كلامهم ، وعدم معرفتهم بحق المنزِل والمنزَل والمنزل عليه . ومن المحال للموحّد المؤمن باللّه وبما جاء نبيّه صلى الله عليه و آله وسلم - بعد معرفة حقيقة كلامهم - أن لا يحصل له كمال الجزم واليقين بما أفادوا عليهم السلام من أصول الدين (1).
تنبيه : والعجب من صاحب الشوارق حيث قال - بعد تضعيف إجماع المتكلمين على الحدوث الزماني بأنه لا فائدة في هذا الاجماع - : ليس في أحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام التصريح بأحد الوجهين من الحدوث الذاتي والزماني(2).
والوجه فيه : إنه كيف يمكن نفي فائدة الإجماع على الحدوث الزماني وقد استدلّ هو نفسه بالإجماع على الحدوث الذاتي(3). فإن كان الإجماع غير مفيد فلا اعتبار له في المقامين ، وادعاء صحة الاستدلال به على الحدوث الذاتي دون الزماني تحكّم .وقد ذكرنا آنفاً جواز الاستدلال بالأدلة النقلية كالإجماع و . . . في المسائل الكلامية العقلية . وقلنا : يجوز اثبات كل صفة لا يتوقف عليها إثبات النبوة والإمامة بالدليل العقلي والنقلي بخلاف ما يتوقف عليه إثباتهما كالعلم والقدرة فلابد أن تثبت بالدليل العقلي .
فعلى هذا بعد إثبات الصانع تعالى وكونه عالماً وقادراً ، وإثبات الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وكونه معصوماً ببرهان العقل ، يمكن وأن يتمسك بقولهما في إثبات ساير الصفات .بل نقول : إنّ المقصود من الإجماع والاتفاق في المقام هو ادعاء الضرورة من الدين على أنّ ما سوى اللّه كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقية ، وأنّ للأشياء ابتداء ، وكان اللّه ولم يكن معه شيء ثمّ خلق الأشياء ، ولذا قال السيّد الداماد : القول بقدم العالم نوع شرك ، وإنه إلحاد .
ص: 104
وقال العلاّمة الحلي رحمه الله : من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف .
وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله : من قال بقديم غير اللّه فهو كافر . . وقد مرّ كلامهم .
وهذه الحقيقة واضحة لانّه يحصل لنا بإجماع المليّين القطع بالحكم كما يحصل ذلك من الآيات والأخبار المتواترة على الحدوث الزماني ، فعلى هذا كيف يمكن مخالفة ما تبيّن بالقطع والضرورة أنّه من الدين .
وأمّا إنكار صاحب الشوارق حدوث العالم - بالمعنى الذي ذكرناه من الروايات - فهو إمّا لعدم اطلاعه بما ورد من الأحاديث المتواترة الصريحة الواضحة كالشمس في رابعة النهار التي تنادي بأعلى صوتها على الحدوث الحقيقي . . بمعنى إيجاد الأشياء بعد أن لم تكن كما سنبيّن ذلك ، وإمّا لاعتماده على أصول الفلاسفة الفاسدة وآرائهم الباطلة .
فائ-دة :
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله : فإنّه ثبت بنقل المخالف والمؤالف اتفاق جميع أرباب الملل مع تباين أهوائهم وتضادّ آرائهم على هذا الأمر ، وكلّهم يدّعون وصول ذلك عن صاحب الشرع إليهم . وهذا ممّا يورث العلم العادي بكون ذلك صادراً عن صاحب الشريعة ، مأخوذاً عنه ، وليس هذا مثل سائر الإجماعات المنقولة التي لا يعلم المراد منها ، وتنتهي إلى واحد وتبعه الآخرون . ولا يخفى الفرق بينهما على ذي مسكة . .المقصد الثاني : في الأدلّة النقليّة
أمّا الآيات فعلى طوائف: منها ما فيها لفظ « خَلَقَ » كقوله تعالى :
ص: 105
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الاْءَرْضِ جَمِيعاً »(1).
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللّه ُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ والاْءَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »(2).
« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالاْءَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »(3).
« الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالاْءَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ »(4).
« أَوَلاَ يَذْكُرُ الاْءِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً »(5) .
« اللّه ُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ »(6) .
ومنها ما فيها لفظ « بَدأ » كقوله تعالى :
« إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »(7).
« قُلِ اللّه ُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »(8).« أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّه ُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »(9) .
ومنها ما فيها لفظ « بديع » كقوله تعالى :
« بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاْءَرْضِ »(10).
ص: 106
« بَدِيعُ السَّماوَاتِ وَالاْءَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ »(1).
ومنها ما فيها لفظ « انشأ » كقوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاْءَبْصَارَ وَالاْءَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ »(2).
« هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ »(3).
والحاصل : إنّ الآيات الدالّة على حدوث خلق السماوات والأرضيين و ما بينهما - عموماً و خصوصاً - كثيرة جدّاً .
ويتبيّن لكلّ من يتتبّع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب لغتهم أنّ أالفاظ « الخلق » و« الإبداء » و« الإبداع » و« الإيجاد » و« الإحداث » و« الفطر » و« الاختراع » و« الصّنع » و« الجعل » ، لاتُطْلق إلا على الإيجاد بعد العدم(4).وقال المحقق الطوسي في شرح الإشارات :
الصّنع : إيجاد شيء مسبوق بالعدم ، وفي اللغة : الإبداع الإحداث ، ومنه « البدعة » لمحدثات الأمور ، وفسّروا الخلق بإبداع شيء بلا مثال سابق (5).
ص: 107
كلام أهل اللغة في تفسير هذه التعابير القرآنية:
وجدير بنا أن ننقل كلام بعض أهل اللغة ليظهر لك حقيقة ما ذكرناه .
لفظ « بدأ » :
في أقرب الموارد : بَدَاتُ بالشيء بدأً وابتدأتُه وبه وتَبَدّأتُ به : افتتحتهُ .
البدأ : افتتاح الشيء والأوّل والابتداء(1).
وفي مجمع البحرين : بدأتُ الشيء : فعلته ابتداءا(2).
وفي لسان العرب : بَدأتُ الشيءَ : فعلته ابتداءا . البدء والبديء : الأوّل . البدء : فعل الشيء الأوّل . بدأ : في أسماء اللّه عزّوجلّ المُبْدئ : هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداءا من غير سابق مثال(3).لفظ : « خَلَقَ » :
في لسان العرب : الخلق في كلام العرب : ابتداع الشيء على مثال لم يُسْبَق إليه وكلّ شيء خَلَقَه اللّه فهو مبتَدِئه على غير مثال سبق إليه :
«أَلا لَه الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّه أَحْسَن الخالِقين» .
ابن سيده : خلق اللّه الشيء يخلقه خلقا ، أحدثه بعد أن لم يكن(4).
ص: 108
وقال في النهاية : في لغة خَلَقَ : في أسماء اللّه تعالى : الخالق ، وهو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة(1) .
وفي أقرب الموارد : خَلَقَ الشيء : أوجده وأبدعه على غير مثال سبق(2).
لفظ « أنشأ » :
في لسان العرب : أنشَأَه اللّه : خَلَقَه .
أنْشَأ اللّه الخلق أيْ ابتدأ خلقَهم .
وقال الزجاج في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ »(3): أي ابتدعها وابتدأ خلقَها(4).وفي مجمع البحرين : قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ » أي ابتدأكم وخلقكم وكل من ابتدأ شيئاً فقد أنشأه ، ومثله : أنشأ جنّات معروشات وينشئ السحاب الثقال(5).
وفي أقرب الموارد : أنْشَأ الشيء : أحدثه .
أنشأ اللّه الخلقَ : ابتدأ خلقهم .
أنشَأ اللّه الشيء : خلقه(6) .
ص: 109
وفي مجمع البيان : الإنشاء : إحداث الفعل ابتداءا لا على مثالٍ سبق ، وهو كالابتداع .
وقال في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ »(1) أي خلق وابتدع لا على مثال(2).
لفظ « بدع » :
في أقرب الموارد : بَدَعه وأبْدَعَهُ وابْتَدَعَهُ كلها بمعنى اخترعه لا على مثال .
البِدْعَةُ : ما اختُرع على غير مثالٍ سابق(3).
وفي لسان العرب : بدع الشيء يبدعُهُ بَدْعاً وابتدعه : أنْشَأه وبدأه .البديعُ والبِدْعُ : الشيء الذي يكون أوّلاً .
وفي التنزيل : « قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ »(4)أي ما كنتُ اوّل من أُرسِل ، قد أُرْسِلَ قبلي رُسُلٌ كثيرٌ .
فلانٌ بِدْعٌ في هذا الأمر أي أوّل لم يسبقه أحدٌ .
ابتدعتُ الشيءَ : اخترعتُه لا على مثال .
بديع السموات والأرض : أي خالقها ومبدعها فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثالٍ سابقٍ(5).
ص: 110
وفي مجمع البحرين : بدع : ما كنت بدعاً من الرسل ، أي ما كنت بدءاً من الرسل أي ما كنت أوّل من أُرسل من الرسل ، قد كان قبلي رسل كثيرة .
بديع السماوات والأرض . . : أي مبدعهما وموجد لهما من غير مثال سابق(1).
وفي كتاب العين : البدع : إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة .
واللّه بديع السموات والأرض : ابتدعهما ولم يكونا قبل ذلك شيئاً يتوهمهما متوهم ، وبدع الخلق .البدع : الشيء الذي يكون أولاً في كل أمر ، كما قال اللّه عزّوجلّ : « قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ »(2)أي لست أوّل مرسل(3).
والحاصل : إنّ المستفاد من كتب اللغة أنّ لفظ « بدع » مختص بالإيجاد الابتدائي أي الإيجاد بعد العدم ، ولا يستعمل في الإيجاد من شيء (4).
ص: 111
سائر الأَلفاظ :
ولا يخفى إنّ المعنى الذي ذكرناه في « بَدَءَ » و« خَلَقَ » و« بَدَعَ » هو نفس المعنى المستفاد من سائر الكلمات - أي « الإيجاد » و« الإحداث » و« الاختراع » . . . - على ضوء كتب اللغة .
وهذا المعنى هو الظاهر والمتبادر من هذه الكلمات بلا احتياج إلى قرينة وبالرجوع إلى كتب اللغة وموارد استعمالاتهم يحصل الاطمئنان بأنها لا تطلق إلاّ على الإيجاد بعد أن لم يكن . . أي الخلق الابتدائي ، وفهم المعنى الآخر يحتاج إلى قرينة .
فالمعنى الأوّل والمتبادر من هذه الكلمات هو الخلق الابتدائي أي الإيجاد بعد العدم .وسنذكر الأحاديث الكثيرة الصريحة في هذا المعنى وانّها تصدّق الظهور المستفاد من الآيات .
ولا يبقى ريب فيما قلناه لمن تتبع الآيات والأخبار ، كقوله عليه السلام : « لا من شيء فيبطل الاختراع ولا لعلّة فلا يصحّ الابتداع »(1)كما قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص الآتية بحيث لا تقبل التأويل ، وبانضمام بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد .
فعلى هذا إنّ التأمّل في الآيات المتظافرة والأحاديث المتواترة بأساليب مختلفة تسبّب حصول القطع بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه .
ص: 112
القسم الثاني
لماذا لا يعتمد الشيعة علی اصحاب الفتيا من العامةو أما اصحاب الفتيا فالشيعة معذورون في عدم الرجوع الی المشهورين من رجال الفتيا، واللوم كل اللوم علی أهل السنة لجهات:
الأولی: لا يوجد مسبب ولا سبب لاختصاص التقليد بأربع اشخاص مع و جود من هو أعلم منهم ممن تقدمهم و تأخر عنهم،
الثانية: بعض الشيعة لا يقولون بجواز تقليد الموتی كائنا من كانوا لادلة أقامو ها في علم الاصول لا تنهض دليلا علی المدعی الا من جهة، ترويج إلاجتهاد و عدم وجود دليل علی اختصاص تقليد بمجتهد دون آخر.
الثالثة: إن الاربع من أرباب الرأي و الفتوی لايصح الإعتماد عليهم بوجه من الوجوه، و التثبت للدين يقتضي نبذ أقوالهم و أقوال أمثالهم.
أما أبو حنيفة:النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، و سمي زوطي النعمان، و ماه كان يسمی المرزبان،و هو من أولادالمجوس، لان جده زوطي،كان أهل كابل، أونسا، أو ترمذ من بلاد ماوراء النهر، و كان مجوسيا، مسه الرق فاعتق و أولد ثابتا في الإسلام.
و رأی ثابت أبوه علياً و هو صغير، فإذا لم يكن بين أبي حنيفة و بين المجوسية إلا رجل واحد لا يصح الإعتماد عليه لا لتهمته في الدين بل لان التثبت لا يقتضي أن تسلم الفتيا إلاّ لابناء رسول
ص: 113
الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، و ان لا تسلم لمن دخل حديثا في الإسلام مع وجود أبناء رسول الله و التابعين و الصحابة، و من لهم الفضل و حسن السابقة.
يضاف الی ذلك أنه ما عرف أبا في قوله تعالی: «و فاكهة و أبا» مع أن بعدها «متاعاً لكم و لا نعامكم» فهو قرينة علی أن الاب متاع الانعام كالحشيش والقت.
و نقل عنه أن أبا عمر و ابن العلاء المقري النحوي سأله عن القتل بالمثقل هل يوجب القود أم لا؟ فقال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافا للشافعي،
فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق فقال له ابو حنيفة: و لو قتله بأبا قبيس،يعني الجبل المطل علی مكة،وسقطاته في العربية كثيرة(1) ويكفي ماذ كرنا شاهداً و مثالا و عذراً عن اتباعه، لان من لميكن من العرب و لم يعرف العربية فهو أجدر أن لا يفهم معاني القرآن و الاحاديث و أسرارها، فكيف يصح الاعتماد عليه و علی فتواه ؟!.
و كان أبوحنيفة: جاهلا بالتاريخ و السير، و من كان كذلك فهو أولی أن لا يعرف أسرار الفقه لتوقف كثير من الاحكام علی الالمام بالسير، و لا سيما سيرة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و سيرة أصحابه.
و من غريب أمر أبي حنيفة أنه لم يكن يعرف من سيرة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع قرب عهده أشهر الامور.
ذكر الدميري في كتاب «حياة الحيوان» عن أبي يوسف أنه مضی يوماً ليسمع المغازي و أخل بمجلس أبي حنيفة أياماً، فلما أتاه قال له:
يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت؟ فقال له أبو يوسف:أنك إمام و إن لم تمسك عن هذا سألتك علی رؤوس أيما كان اول وقعة بدر، أو أحد، فإنك لا تدري ذلك وهي أهون مسائل التاريخ، فأمسك عنه – أنتهی. وروی ذلك ابن خلكان أيضاً.
و من لم يحط بسيرة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لا ينبغي أن يسمی فقيهاً و هذا أمر واضح و إن عارضنا فيه الممارون.
و مما يوجب عدم الاعتماد علی فتاويه توغله في القياس،و قد ذكرله الشافعية سقطات كثيرة في القياس، و أن دين الله لا يصاب بالقياس.
ص: 114
و من المضحك مانقله ابن خلكان عن علي بن عاصم قال:دخلت علی أبي حنيفة و عنده حجام يأخذ من شعره فقال للحجام تتبع مواضع البياض فقال الحجام:و لا نرد ذلك، فقال: ولم؟
قال: لانه يكثر، قال: فتتبع مواضع السواد لعله يكثر.
و حكيت لشريك هذه الحكاية فضحك فقال:
لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام انتهی.
وقد بينا في كتبنا الاصولية ما يجره العمل بالقياس علی احكام الشريعة من تعطيل الاحكام و تضييع الحلال و الحرام كما يعمله علماء الحقوق اليوم و ليس هنا مورد ذكره.ولكن جملة القول أن من كان يعمل بالقياس يجب أن يرمی بالرد لانه يقول:
سأنزل مثل ما أنزل الله، و يتقول علی الشرع.
و هذا ما كان من أمر الإمام أبي خنيفة.
و إني لا أريد الطعن فيه، ولكن أريد رفعة الدين عن أن يوخذ إلا من معدنه.
و لذلك أغض النظر عما ذكره الخطيب في تاريخه، و الشهرستاني في كتاب «الملل و النحل» و غير هما من الطعن في دينه.
و استبعد ماذكروه، ولكن لا استهين بالدين فلا أسلمه الی كل أحد، و لا سيما إلی رجل بعيد عن العربية بحيث لا يعرف أوضح مسائلها.
و عن سيرة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علی حد أنه يجهل أشهر الوقايع، و قريب من القياس بحيث يقيس الشعر الاسود علی الابيض و يحسب أن كثرة الاسود تؤدي الی قلة الابيض.
لطيفة:
صعد فلاح الی أعلی نخلة لجذاذها فهاجت به الصفرة لفرط علو النخلة، ولم يستطع النزول، فأتی أهله الی عريف البلد ليأخذوا رأيه في إنزاله، فمضی معهم و استدعی حبلا طويلا و أمر أن يوصل الی الرجل المتحير في أعلی النخلة و يشد به وسطه شداً وثيقاً،فلما شده أمر عدة رجال أن يجروه بعنف فجروه فسقط الرجل و تكسرت عظامه و مات.
ص: 115
فقيل للعريف في ذلك فقال رحمه الله إن أجله كان قد حضر «و إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون.»
و إلا فإني أخرجت عدة رجال كانوا قد تردوا في الآبار بهذه الطريقة، و لم يمت منهم أحد أبدا.
فاقرؤوا الی روح ميتك الفاتحة.
و أما أحمد بن حنبل المروزي الخراساني فقد كان بعيد المولد عن مهبط الوحي و بلاد الإسلام، و في شيوخه كلام، و التحفظ يقتضي عدم الرجوع الی قوله وفتواه و حديثه، لبعد مروعن مركز بلاد الإسلام.و كذلك كثير من شيوخه لم يكونوا من أهل التقی و الورع.
و شيوخ مالك بن أنس:كذلك، لم يوثق كثير منهم.
و ذكر ابن خلكان و جميع أهل السير: أن أمه حملت به ثلاث سنين.
و هذا مما أوجب ابتعاد الشيعة عنه لانهم محتاطون في دينهم جداً، يتطلبون طيب المولد قبل كل شيء.
و نقل عن مالك أنه ندم أشد الندم علی فتياه بالرأي وقال:
لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليك
و ليتني لم أفت بالرأي انتهی.
ندم مالك علی فتواه برأيه عند موته،و ندمه دليل تردده في رأيه و الحكم يجب أن يكون مقطوعا به ولو في مأخذه، و من كان متردداً في نفسه فأجدر به أن لا يتبعه غيره.
و أما الإمام الشافعي: فبقاوه في بطن أمه أربع سنين كما اتفق عليه المؤرخون و أهل السير، صد الشيعة عن الاخذ برأيه تثبتاً في طهارة مولد من يتبعونه في حكمه، و يسلمون إليه مقاليد الشريعة.
واني لأرد علی من طعن في نسب مالك، و الشافعي لذلك و لا أريد إلا التثبت.
و أما محمد بن الحسن الشيباني،و أبو يوسف: يعقوب بن ابراهيم بن حبيب فهما صاحبا أبي حنيفة و تلميذاه، عنه أخذاأكثر فتاواهما، و ما قيل فيه من خطل الرأي لقياسه و عدم معرفته بالعربية يقال فيهما.
ص: 116
و يضاف الی ذلك تملقهما للملوك. و صحبتهما لهم.
فإن أبا يوسف صحب ثلاثة من الخلفاء، المهدي و الهادي، و الرشيد. و كان يفتي علی مقتضی ميلهم،و يتبع في فتواه أهواءهم.
ففي تاريخ بغداد: عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال:آويت ذات ليلة الی فراشي و إذا بالباب يدق دقا عنيفاً، فخرجت فإذا هرثمة بن أعين فقال: أجب أميرالمؤمنين، فركبت بغلتي و مضيت خائفاً الی أن وصلت الی دار أمير المؤمنين فإذا أنا بمسرور فسألته من عند أميرالمؤمنين؟ فقال:
عيسی بن جعفر، فدخل فإذا هو جالس و عن يمينه عيسی بن جعفر فسلمت عليه و جلست، فقال الرشيد:
أظن أنناروعناك. فقلت أي و الله و من خلفي كذلك فسكت ساعة، ثم قال:أتدري يا يعقوب لم دعوتك؟ قلت: لا قال:
دعوتك لاشهدك علی هذا أن عنده جارية و قد سألته أن يهبها لي فأبی، و الله لان لم يفعل لاقتلنه. قال:فالتفت الی عيسی وقلت له: مابلغ من قدر الجارية حتی أنك تمنعها من أميرالمؤمنين و تنزل نفسك هذه المنزلة من أجلها؟ ثم هي ذاهبة من يدك علی كل حال.
فقال: عجلت عليّ بالتوبيخ من قبل أن تعرف ما عندي. قلت:و ما هو؟ قال: إن عليّ يمينا بالطلاق و العتاق و صدقة ما إملكه لا ابيع هذه الجارية و لا أهبها.
فالتفت الی الرشيد فقال: هل لك في هذه من مخرج؟ قلت: نعم.
قال: و ما هو؟ قلت:يهبك نصفها و يبيعك نصفها،فيكون لم يهبها و لم يبعها.
قال عيسی:أيجوز ذلك؟ قلت: نعم.
قال: فاشهدوا اني و هبته نصفها و بعته نصفها الباقي بمئة ألف دينار.
فقال الرشيد: قد قبلت الهبة، واشتريت النصف بماة الف دينار.
ثم قال: عليّ بالجارية و المال،فأتی بالجارية و المال، فقال:خذها يا أميرالمؤمنين بارك الله لك فيها.
فقال الرشيد لابي يوسف:يا يعقوب بقيت واحدة. فقلت: و ما هي؟
ص: 117
فقال: إنها مملوكة و لابد أن تستبرأووالله لان لم ابت معها ليلتي هذه أظن أن نفسي تخرج. فقلت: يا اميرالمومنين تعتقها و تزوجها، فإن الحرة لاتستبراًقال: فإني قد اعتقتها فمن يزوجنيها؟ قلت له: أنا. فدعی بمسرور و حسين فخطبت و حمدت الله و زوجته بها علی عشرين الف دينار.
ثم قال: عليّ بالمال فجئني به فدفعه إليها، ثم قال لي يا يعقوب: إنصرف. و قال لمسرور: إحمل الی يعقوب «أي أبي يوسف» مائتي ألف درهم و عشرين تختاً من الثياب فحمل ذلك إلي انتهی. و ذكر ذلك الدميري في «حياة الحيوان» في لفظ البغل.
خالف ابو يوسف في هذه الفتوی صريح القرآن و السنة وروّج الزنا و الفسوق طمعاً بصحبة السلطان و المال.
و هذا هو السر في أن أبايوسف و الشيباني و أمثالهما حفظا و لم يحفظ غيرهم ممن لم يغيّر الشريعة، و لم يرتكب القبائح تبعاً لاهواء السلاطين.
كسعيد بن جبير الذي قتل، والشعبي الذي أخيف، و أحمدبن حنبل فإنه ضرب و حبس لرأي لم ينته عنه. و إن كان غير مصيب فيه.
و امّا مالك:فانه ضرب في المدينة سبعون سوطاً، و خلعت كتفه لفتوی أفتاها.
و كذلك أبو حنيفة حبس و ضرب الی أن توفي في حبس السندي بن شاهك و هو مصر علی رأيه و لم يكن متملقاً ولا صاحب سلطان.
لكن كان في أبي حنيفة مضافاً الی ماذكرناه سابقاً حب للشهرة كانت ربما توقعه في الافتاء علی ما يخالف الشريعة ليقال: إنه عالم فقيه لا يعجزه حل عقدة و إن أشكلت.
شكت إليه امرأة زوجها و طلبت الحيلة في فسخ عقد نكاحها فقال لها ارتدّي ينفسخ العقد.و له كثير مما يماثل ذلك من الحيل الشرعية و تبعه علی ذلك كثير من الحنفية حتی الفوا كتبا خاصة في الحيل و كلها فيها ردّ علی الله و رسوله و مسخ لاحكام الشريعة و تضييع لمصالح الاحكام مضافا الی مافيها من الدعوة الی الكفر كما في حيلة أبي حنيفة.
أو الفسق كما في حيلة أبي يوسف.
ص: 118
و كل ذلك كفر وفسق وظلم، «و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون» «هم الفاسقون »، «هم الكافرون».كما نطق به القرآن الكريم.
ولقد مسخ الله قوماً من اليهود قردة و خنازير لانهم تحيّلوا في حكم الله، و اعتدوا في السبت، إذ وضعوا مصائد السمك في الماء عشية الجمعة و دخلها السمك يوم السبت فأخرجوه يوم الاحد و قالوا: لم نشتغل يوم السبت.
و قد صرح القرآن الكريم بمسخهم لذلك مع أنهم لم يدعوا الی كفر ولا زنا، فكيف بهذه الحيل التي تجر الی الزنا و الكفر.
ولو أن المسلمين تجنبوا أمثال هذه الحيل لما شقوا،و لشملتهم السعادة التي كفلتها تلك الاحكام، و لا نجاة للمسلمين إلا بالتمسك بأحكام الشرع علی صراحتها.متجنبي التأويل والحيل، و لا يسلم ذلك للمسلمين إلا إذا تجنبوا أمثال إبي حنيفة وأبي يوسف وحيلهم وعدم معرفتهم بمواقع الحكم.
و كم رإينا في زماننامن علماء السوء من غرهم حب الرياسة و الدعة و العافية و صحبة السطان و الجاه الكاذب و حملهم علی التقول علی الشرع و تضييع الاحكام و مصالحها، و حرمان البشر من فائدة النبوة التي هي رحمة للعالمين و لايحظی بصحبة السلطان عالم إلا إذا ضيع في سبيل السلطان كل شيء من دين و شرف،و قبل لنفسه تزويج السلطان بالجارية في ليلة نقلها فيها من زوجها و هو مولاها، وهي المحلوف بجميع الايمان(علی رأي العامة) علی عدم نقلها، و في إيام عدتها أو استبرائها بلا عدة و لا استبراء.
قال اليوسفي ان أم جعفر زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد كتبت الی أبي يوسف: ماتری في كذا؟ واحب الاشياء الی ان يكون الحق فيه كذا،فأفتاها بما أحبت، فبعثت إليه بهدايا جزيلة، انتهی.
إن دين المتملق من العلماء المصاحب للسطان عرضة للبيع بالمال، و الحقيقة عنده معدومة، و الحق مضاع.
قيل لابي يوسف في قاض اعترض عليه فيه: اتولی القضاء مثل هذا؟
فقال: إنه أقام ببابي مدة يشكو الحاجة فوليته.
ص: 119
فما أشبه أبا يوسف بأمراء اليوم إذ لا يشترطون في تولية المناصب إلا التملق و الدنائة دون الاهلية و الكفائة.
قال تغلب في كتاب الفصيح:
إن الرشيد قال لابي يوسف بلغني أنك تقول: إن هؤلاء الذين يشهدون عندك و تقبل أقوالهم متصنعة.
قال: نعم يا أميرالمومنين، قال: و كيف ذاك؟
قال لان من صح سره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم نعرفه، و من ظهر أمره و انكشف خبره لم يأتنا و لم نقبله، و بقيت هذه الطبقة، و هم هؤلاء المتصنعة الذين اظهروا الستر و أبطنوا غيره.
فتبسم الرشيد و قال: صدقت.
هذه صفات من يصحب السلطان تجري علی فلتات لسانه.
و قد ذكرالخطيب في «تاريخ بغداد» و غيره لابي يوسف صفات و أعمالا لا يحسن ذكرها.
و فيما ذكرناه عذر للشيعة إذا لم يعتمدوا علی رأيه وروايته.
ولا غرض لنا في أكثر من ذلك، فالاجدر أن نتجنب الطعن في دينه و عمله.
قال محمدبن حرير الطبري عند ذكر أبي يوسف: تحامی حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه و تفريعه الفروع و الاحكام، مع صحبة السلطان، وتقلده القضاء انتهی.
ولو أضاف الی ذلك حبه الرياسة والمال والتملق لكان حسنا. إن أقل مايتطلبه صحبة السلطان مضافا الی تغيير احكام الله، و سلب الغيره، فليبتعد المسلمون عن كل عالم غرته صحبة السلطان. أوحب الرياسه.
قال عليه السلام: ما ذئبان ضاريان في غنم تفرق رعاؤها بأضرعلی الدين من حب الرياسة.
هذا شيء مما أوجب رد الشيعة أمثال من قدمنا من رجال الحديث و الرأي من أهل الهوی والقياس و أصحاب السلطان و الرياسة... او كان متهمافي مولده، أو يعذل من لم يقبل رأي أحد كائنا ماكان، و لا يروي الحديث إلاعن أهل بيت الوحي، وأعلم الناس بالقرآن و السنة و العربية و أساليبها.
والهداية لا تحصل إلا من حرية الرأي و ترك التقليد.
ص: 120
و التفاني في ترويج المصلحة، و عدم التأثر بالمحيط والعادات الذميمة، القول بالحق، و إن هان و تجنبب الباطل وإن عز، فلا عزة إلا لله و لرسوله و للمؤمنين، و تجنب الشهوات،و السخط علی السلطان، و البسالة و الشجاعة، و عدم الخوف إلا من غضب الرحمن.
الهداية تتطلب هذه الخلال، تثبتاً للدين و أخذا بالحائطة للاسلام و المسلمين.
إني أبعد الناس عن التعصب للعروبة، ولست أرد البخاري و أبا حنيفة و أمثالها لا نهم أعاجم.
و لا أقبل الباقر و الصادق و أمثالهم لانهم فخر العروبة، و سادات العرب بل أرد الاول و الثاني و أمثالهم لانهم متهمون، و لا أحكم عليهم بالفسق بل لم تتحقق عدالتهم و علمهم وعصمتهم.
و أقبل الآخرين لانهم مأمونون، ثبتت عدالتهم و علمهم و عصمهم. ولا غاية لي إلا الحق و الله الهادي. ولا بأس بذكر هذه القصة :
قال القراقي رحمه الله في كتابه: الاجوبة الفاخرة.
واعترف بذلك مجملا بعض مورخي النصاری، «كارا نسيت دي برتس» الالماني و غيره إن أعظم ثلمة وقعت في دين النصر إنية هي جناية «بولس» و يقال له تولس،فإنه أخرج النصاری من دينهم الاصلي كما تخرج الشعرة من العجين و أوقعهم في ظلمات الضلال و أليم الوبال، بسبب أنه كان يهوديا و كان شديد القتل والقتال للنصاری فلم يشف بذلك قلبه، فاعمل الحيطة فحفظ الإنجيل و عمد الی راهب عظيم فسأله خدمته فأجابه، و أظهر الاجتهاد و النصيحة و المبالغة في وجوه البر و الإحسان الی أن طال الزمان فاستيقظ في بعض الليالي وصاح و أظهر الهلع بما رآه في منامه فسأله الراهب فقال:
رأيت المسيح و نفث في فمي، و بارك علي و أنا أجد في نفسي كلاماً لا أدري ماهو من نفثته.
فذكر بعض الكلام فوجدوه من الإنجيل جملته فاعتقدوا أن ذلك بعناية المسيح و عظم بركته.
فقال الراهب: أنا أحق بالخدمة، و أنت أحق بالتصدير «كذا والظاهر بالتصدر» فتصدر و تقدم و اشتهر الی أن صار ملوك النصاری تزوره يوماً في السنة.
فلما تحقق تمكنه من قلوبهم قال لهم في بعض زياراتهم له:إن المسيح قد أمرني ان أنزل غداً من هذه القبة و اذبح نفسي في سفح الجبل قرباناً للمسيح، فعظم ذلك عند الملوك لفوات بركته و ألم مفارقته،يذبج نفسه بيده، و باتوا تلك الليلة و عيونهم ساهرة،
ص: 121
وقلوبهم من التجزع طائره، الی أن أصبح الصباح، ودخلوا للوداع فتقدم أكبر الملوك و أعلاهم رتبة، لينفرد بتوديعه، فقال لهم: «كذا ولعله بولس».
إني ذاهب الآن الی المسيح، و ان عندي سر عظيم «كذا ولعله سرا عظيما» أودعك إياه قبل الممات فاعلم مقداره، وارفع مناره، فقال له:
و ماهو أيها الاب القديس؟ فقال له: ان المسيح هو ابنالله فقالله: ابنالله؟ فقالله: ابنالله ولولا ذلك لم يظهر عليه ماظهر. فصممالملكعلیذلكولميكنسمعهقبلذلكاليوم.
ثم دخل عليه الملك الاوسط فقال له:
عندي سر عظيم، و إني ذاهب الی المسيح أوثرك به فاحفظه و اعمل به. فقال له : و ما هو؟ فقال له: مريم زوجة الله، فاعتقد الملك ذلك و لم يكن سمعه قبل ذلك الوقت.
ثم دخل عليه الملك الاصغر فهوّل عليه و طول مثل الاولين، و إودعه أن الله ثالث ثلاثة، ثم خرج عند تعالي النهار و الناس قيام ينظرون مايكون من أمر بولس، فخرج من قبته، و عليه ثياب القربان و معه سكين مرهفة، و نزل الی سفح الجبل و ذبح نفسه بيده، و العالم ينظرون إليه، فابتدره الملك الكبير بعد زهوق روحه و أخذه ليحمله الی وطنه لتكون بركته في مملكته، فنازعه الملكان الآخران فقسمه اثلاثا أخذ الثلث الذي فيه رأسه، فنازعه الملكان في ذلك الثلث لاشتماله علی أشرف الجسد، فاقتضی الحال أن أحرقوه و سحقوه و قسموه اثلاثا ليحصل العدل و التناصف ثم ذهبوا الی بلادهم فاظهر الملك الاكبر معتقده الذي كان اسره إليه و كذلك الملكان الآخران، فأنكر كل منهم علی صاحبه مقالته،و قال : أن الراهب بولس لم يقل هذا، و لاجائت به النبوات و الكتب فهو كفر و قاتل كل منهم الآخرديانة و تقربا، و صاربأسهم بينهم، و القتل فيهم بسيوفهم و سيوف اليهود و ذلك مراد بولس انتهی.ثم انه ذكر ان بولس تمكن بسببها من إبطال النصرانية المسيحية عن آخرها، و جاء بألعاب مخزية و خرافات مردية، حسبها النصاری دين المسيح جهلا، و المسيح (علیه السلام) منها بري، و حاشا لمثله أن يدعي لنفسه الالوهية... و الشريعة الإلهية منزهة عنه مهما كانت.
ص: 122
الإضطراب و الإختلال في النصرانية من جهة العقائد، و الإباحة المطلقة في الاعمال إنما كانت من پولس اليهودي.
و لم يأت بولس النصاری من طريق العدواة إنما جاءهم من طريق الصداقه و الرفاقة و المحبة، فإنه تظاهر بأنه نصراني، و التزم بالزهد و الورع تصنعاً حتی لم يشك النصاری في نصرانيته و لا في قدسه، و لا في أنه أكبر قديس، و بذلك تمكن من أبطال النصرانية، و فدی في سبيلها نفسه.
و عليه فمن النصف الحزم أن نجوّز علی أنفسنا ماجوزناه علی غيرنا، و نحتمل أن عدوا للاسلام قصد تخريبه و إهلاك المسلمين و حرمانهم من شريعتهم، فأظهر الإسلام ودان به تصنعاً، و حفظ الحديث ورواه ودس فيه ماشاء مما سولت له نفسه، و اشغل مقام الفتيا فافتی بما يخالف الشرع إضلالا للمسلمين، و أبطالاللدين.
و إذا جاء هذا الاحتمال يجب أن نأخذ بالحائطة الشديدة، فلا نأخذ الحديث و الفتوی إلا أذاكانت من منبع الوحي لا غير ليسلم لنا ديننا، و لئلا نقع في ماوقع فيه النصاری، ولو أنهم احتاطوا بالتحفظ من اليهود، و جعلوا عدواتهم نصب أعينهم لسلموا من مكر پولس اليهودي...
هذا رأي الشيعة: و خلاصته:عدم أخذ الدين إلا من أهل بيت الوحي و كلما يذكر في حفظ وورع و علم البخاري. و أبي حنيفة لا يبلغ مابلغه احتيال بولس. فلا يجدي شدة ورعهما لدفع هذا الاحتمال.
والدين أعز من أن يستهان به.
و لا شك أن جميع أخواننا المسلمين يوافقوننا علی ذلك.
و هذا الزمان لا يرضی غير العلم. ولا نجاة بالتعصب و الجهل، و أسأل الله التوفيق لي و لجميع المسلمين و جمع المسكلة علی الحق لنغسل بأعمالنا الآتية و ما كان قد لحقنا في الغابر. و من الله التوفيق.
ص: 123
العدد الرابع
احكام تناقض العقل السليم
و يعتبر المسارعة للمعصية فضيلة!!
35- ثم يصرح بأن الله هو من يقدر المعصية للعصاة قائلاً : «إن من عباد الله من يطلعهم الله علی ما قدر عليهم من المعاصي ، فيسارعون إليها من شدة حيائهم من الله (!!)، ليسارعوا بالتوبة، و تبقی خلف ظهورهم ، و يستريحون من ظلمة شهودها، فإن تابوا عادت حسنة، علی قدر ما تكون...(1)
36- وله تصريحات حول قبوله بنظرية الكسب في أفعال العباد(2).
و نظرية الكسب هي مقولة الأشعري الباطلة و التي لا تؤول الا إلی الجبر بل هي مما لا معنی له أبداً ... و هي كما فصولها في كتبهم (مثلاً راجع حق اليقين) و غيره.
الكفر هو سر الإسلام برأي ابن عربي!!37- من أهم الملامح العقائدية لفكر إبن عربي التي يرسمها في كتاب الفتوحات المكية هي:«تأويل العذاب بالعذب...
ص: 124
و الكفر بسر الإسلام..
و انخراط فرعون و هامان في المسلمين المؤمنين...
و القول بوحدة الوجود... أعني وحدة الموجود..
بل إن العابد عين المعبود..
و إن لذات أهل النار في النار، إذا استمر الخلود لا تنقص عن لذات نعيم أهل الجنة في الجنة...
التحسين و التقبيح شرعيان!!
38- و يعتقد : إن التحسين و التقبيح ثابتان في الشرع فقط...(1) مما يعني أن لا شيء قبيح في حد ذاته و لا شيء حسن في حد ذاته حتی العدل و الظلم مما يخالف بداهة العقل و ضرورة الأديان.
نعيم «من لم يعمل خيراً قط»!!
39- ثم إنه يستدل علی أن أهل التوحيد العقلي الذين لم يعملوا خيراً قط يُنَعَّمُون، بحديث عثمان المروي في صحاح أهل السنة..(2).
العاصي مأجور في عقيدة إبن عربي!!
40- ثم يصرح بالأجر علی العصيان: «فالأيمان أصل، و العمل فرع لهذا الأصل بلاشك. و لهذا لا تخلص للمؤمن معصية أصلاً، من غير أن تخالطها طاعة، فالمخلط هو المؤمن العاصي، فإن المؤمن إذاعصی في أمر ما ، فهو مؤمن بأن ذلك الأمر معصية، و الايمان واجب ، فقد أتی واجباً ، فالمؤمن مأجور في عين عصيانه، و الايمان أقوی من المعصية»(3).
مواقفه من أتباع أهل البيت عليهم السلام
بائع الجزريری «الرافضي» بصورة «كلب»!!
ص: 125
41- يروي عن الجماعة الذين يسميهم بالرجبيين: «و قد اجتمعنا برجل منهم في شهر رجب، و هو محبوس في بيته، قد حبسته هذه الحالة، و هو بائع للجزر و الخضر العامة، غير أتي سألته عن حالته، فأخبرني بكيفيتها علی ما كان علمي منها، و كان يخبر بعجائب..
فسألته: هل يبقی لك علامة في شيء؟
قال: نعم، لي علامة من الله في الرافضة خاصة، أراهم في صورة الكلاب، لايستترون عني أبداً.
و قد رجع منهم علی يده جماعة مستورون لا يعرفهم أهل السنة إلا أنهم منهم عدول. فدخلوا عليه فأعرض عنهم و أخبرهم بأمرهم فرجعوا و تابوا و شهدوا علی أنفسهم بما أخبر عنهم، مما ليس عند أحد من غيرهم خبره»(1).
و هذا رغم أن الإمام الشافعي يقول:
إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي
و رغم أن رسول الله صلی الله عليه و آله يقول من قبل: «يا علي أنت و شيعتك هم الفائزون».
بل إن الله تعالی يقول من قبل: ( و إِنَ مِن شيعَته لَإبراهيمَ)(2) (3)مصدر مجهول يری «الرافضي» بصورة «خنزير»!! و يعتبر ابن عربي ذلك حجة!!
42- و قال و هو يحدث عن الرجبيين أيضاً:
«لقيت واحداً منهم بدنيسير. من ديار بكر، ما رأيت منهم غيره و كنت بالأشواق إلی رؤيتهم و منهم من يبقی عليه في سائر السنة أمرما مما كان يكاشف به في حاله في درب، و منهم من لا يبقی عليه شيء من ذلك.
و كان هذا الذي رأيته ( في دنيسير) قد اُبقي عليه كشف الروافض ، من أهل الشيعة، سائر السنة فكان يراهم خنازير .
ص: 126
فيأتي الرجل المستور، الذي لايعرف منه هذا المذهب قط و هو نفسه مؤمن به يدين به ربه فإذا مرّ عليه يراه في صورة خنزير، فيستدعيه، و يقول له: «تب إلی الله! فإنك شيعي رافضي».
فيبقی الآخر متعجباً من ذلك.
فإن تاب و صدق في توبته، رآه إنساناً و إن قال له بلسانه: «تبت!» و هو يضمر مذهبه لا يزال يراه خنزيراً. فيقول له: «كذبت في قولك: تبت».
و إذا صدق يقول له: «صدقت»...
فيعرف ذلك الرجل صدقه في كشفه. فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضي(1)....
العاقل العادل عند ابن عربي هومن يری الروافض بصورة «كلاب»!!
43- يقول إبن عربي في موطن آخر: و قد جری مثل هذا مع رجلين عاقلين، من أهل العدالة من الشافعية ما عرف منهما قط التشيع و لم يكونا من بيت التشيع. غير أنهما أداهما إليه نظرهما . و كانا متمكنين من عقولهما ، فلم يظهرا ذلك و اصرا عليه بينهما و بين الله، فكانا يعتقدان السوء في أبي بكر و عمر و يتغالون في علي.
فلما مرا به و دخلا عليه أمر بإخراجهما من عنده. فإن الله كشف له عن بواطنهما في صورة خنازير و هي العلامة التي جعل الله له في أهل هذا المذهب.و كانا قد علما من نفوسهما أن أحداً من أهل الارض ما اطلع علی حالهما.
و كانا شاهدين عدلين، مشهورين بالسُنة. فقالا له في ذلك. فقال:
«أراكما خنزيرين، و هي علامة بيني و بين الله فيمن كان مذهبه هذا».
فأضمرا التوبة في نفوسهما، فقال لهما:
«إنكما الساعة قد رجعتما عن ذلك المذهب، فإني أراكما إنسانين» فتعجبا من ذلك ، و تابا إلی الله(2)...
ص: 127
العدد الثاني
آية الله محمد جواد الخراساني
«الكشف» ك«الرؤيه» *** و البحث عنه في المقام الثاني
و هو ثبوتيّ لدی من كشفه*** ك«الفطره» الّتي ادّعتها طائفة
دعوی علی ما لم يروا عيانا*** بأنّه لو كان كيف كانا
هب أنّ طفلا ما رای انسانا*** حتّی البلوغ اظهر الايمانا
او قد سمعتم عند الاضطرار*** شهادة المنكر بالاقرار
فعلّه الهم في ذا الحال*** او كان بالعقل و الإستدلال
ص: 128
منع طريقة «الكشف» . «الفطرة»
في مقام الاثبات و ابطال الفطرة هنا و الكشف في محله
«الكشف» عندنا ك«الرؤية» في البطلان و البحث عنه و عن ابطاله في المقام الثاني أي المقصد الثاني الذي هو في التحقيق عن ذاته و هو علی فرض صحته طريق ثبوتي لدی من كشفه ك«الفطرة» التي ادعتها طائفة.
توضيح ذلك : أن الطريق الی الواقع و الدليل عليه قد يكون ثبوتيا و فائدته مجرد ثبوت الواقع لدی من قام لديه الطريق و قد يكون اثباتيا و فائدته اثبات المدلول عليه في نفسه من دون اختصاص له بمن قام عنده فيمكن اثبات المدلول عليه علی الغير. و الاول كالعلم فإنه طريق الواقع و دليل مثبت له لكنه في نفس العالم فقط و لذلك يكون حجة له خاصة دون غيره و الثاني كالتواتر فإنه دليل اثباتي في نفسه يثبت الواقع في نفس الامر من غير اختصاص بشخص خاص.
و الكشف و الفطرة علی فرض صحتهما حالهما حال العلم في أنهما طريقان ثبوتيان لنفس الكاشف و صاحب الفطرة عند القائل بطريقيتهما معاً مشكل لاستلزام تخصيص كل منهما بمورد خاص قضاءً لحق البينونة. و الالتزام بالفرق بين الثبوت الحاصل بالكشف و الحاصل بالفطرة كالفرق الحاصل بين ما هو حاصل بالعقل أو الكشف.اللهم إلا أن يخصص الكشف ب«الجاهل الشاك» و الفطرة ب«الغافل» أو بالعكس و أن الثبوت بالفطرة اجمالي كالثبوت بالعقل و بالكشف تفصيلي و فيهما نظر.
ما هو المراد من الفطرة؟
ثم إن المراد بالفطرة دعوی مفطورية البشر علی التوحيد كمفطوريته علی فطرياته بحيث لو خلي و طبعه و لم ير انساناً حتی يكبر أقر بفطرته علی وجود الصانع و لكنها مغفول عنها بسبب الاختلاط بالأوهام و الشبهات أو المتابعة للشهوات و مع ذلك غير زائلة بالكلية بل هي مركوزة مغشية بالموانع فإذا ارتفعت الموانع (و ذلك عند الالجاء و الاضطرار و انقطاع الاسباب) ارتفع الغشاء وظهرت الفطرة من تحت الغطاء فاقرّت بإله السّماء.
انكار الصدوق رحمه الله دعوی الفطرةوقد وقعت هذه الدعوی من بعض القدماء و أنكرها الصدوق رحمه الله أشدّ الانكار و لكن بالرّغم من ذلك كثر ذكرها في هذه الأعصار علی الألسنة و الأفواه خصوصاً في زماننا حتّی صارت عند أهل زماننا من الاصول المسلمة التي يشنع علی منكرها و ذلك لغلبة التقليد في هذه الازمنة علی التحقيق.
و كيف كان فإنّ دعوی الفطرة علی الوجه المتقدم دعوی علی ما لم يروا عياناً بانفسهم و لم يشهدوه بأعينهم و مع ذلك ادعوا رجماً بالغيب: بأنه لو كان كيف كانا؟ كما قال الصدوق رحمه الله : «إن هذا الشيء لم يكن و هو اخبار بما لم يكن إن لم كان كيف كان يكون».
ص: 129
طريق لاثبات الفطرة
و إنا نقول: هب أن طفلاً ما رأی إنساناً حتی البلوغ ثم شهدتموه أنه حين بلغ أظهر الايمانا. أو أنكم قد شهدتم المنكر المضطر و سمعتم عند الاضطرار شهادة هذا المنكر بالإقرار فمن أين يظهر لكم أن هذه الشهادة من جهة زوال المانع عن الفطرة وانها من بروز الفطرة المودعة الكامنة؟ فعلّه اُلهِم في ذا الحال فكانت الشهادة بتوفيق خاص و عناية خاصة الهمه الله إياها في تلك الحالة و ارشد قلبه بالهام منه او كان اقراره عند ذلك بالعقل و الاستدلال فانه عند الالجاء و الاضطرار يفرغ القلب للاستدلال و تظهر الحجة عليه بلا ترديد و اشكال. او كان منكراً انكار جحود مع استيقان القلب للوجود فألجأه الاضطرار إلی الاقرار كما قال تعالی: (فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا ...).(1)
و إن يكن فذاك فرض نادر *** ليس حرياً في الطريق يذكر
ثم الثبوت لا يزيد للمقر*** شيئاً و لا يفيد إلزام المصرّ
فليس للبحث محصّل بلی*** من ابتلی يجد لها محصّلاً
و الحاصل: أن دعوی الفطرة لا طريق لهم إلی اثباتها و لا شاهد لهم علی ثبوتها بل هي مبنية علی دعويين اخريين: احداهما امر لم يتفق إلی الآن و الثانية، الدعوی علی قلب المتفق له او قلب من لواتفق له و هل هذا إلا تخرص بالغيب!؟ و إن يكن الامر واقعاً علی ما زعموا فذاك فرض نادر الوقوع و مثله ليس حرباً في الطريق يذكر بان يجعل احد الطرق المثبتة للصانع.
لا ثمرة مهمة لاثبات الفطرة
ثم الثبوت للفطرة و تسلمها لا تثمر ثمرة مهمة لان ثبوتها النفس الامري لا يزيد للمقرّ للصانع شيئاً في ايمانه و اعتقاده و لا يفيد إلزام المصرّ علی الانكار اما الاول فلأنّ المؤمن المقرّ موقن بالصّانع فهذا العلم بالثبوت أي الاعتقاد بثبوت الفطرة و ان التوحيد فطري للبشر لايؤثر فيه شيئاً بل هو مقرّ مذعن معترف بربه ثبتت فطرة للبشر أم لم تثبت خصوصاً انه إذا راجع وجدانه لا يری في نفسه اثراً من
ص: 130
الفطرة و لا ان اقراره و ايمانه الموجود من اثر الفطرة و اما الثاني فلانّ المنكر في حال انكاره غافل عن الفطرة بزعم مدّعيها و هي مذهول عنها من قلبه فكيف يمكن الزامه بأن التوحيد فطري لك و أنت الان لاتشعربه؟
ضرورة ابطال دعوی الفطرة
و علی هذا فليس للبحث عن ثبوت الفطرة محصل بلی من ابتلی و صار مضطراً يجد لها أي للفطرة محصلاً ان كانت هي ثابتة واقعاً كما يدعون . ففائدتها مخصوصة بالمضطّرين عند أنفسهم و مثل هذه الفائدة ليست مما يهتم بها فالاولی الاضراب عنها. الا ان الفطرة صارت اليوم من المسائل المهمة يهتمّون بها أكثر الاهتمام و يعتمدون عليها أكثر من الاعتماد علی الادلة و البراهين . و لذلك يكون مظنّة أن يصير الاعتقاد بالصانع موهوناً عند المنكرين المعطلين فيطعنون علی الموحدين زعماً بأن اعتمادهم في الدليل علی مثل هذا الطريق السقيم العليل و أنه ليس لهم الا الدعاوی علی الانفس و القلوب و شهادة الزور و القول بغير العلم علی السرائر. فلا بد من التنبيه علی بطلان هذه الدعوی لئلا يغترّ بها الآخرون.
استشهاد القائلين بالفطرة بالايات و الاخبار
فاعلم إن المثبتين للفطرة استشهدوا لثبوتها بالآيات و الأخبار و هذا من قصور فهم أو قلّة تأمل . فإنه مع الغض عن عدم تمامية دلالتها علی ما أرادوا و فرضها دالة علی ما استفادوا فإن أرادوا بها التأييدفغير مفيد و إن أرادوا بها الاستدلال فغير سديد. أما التأييد فإنك خبير بأنه فيما كان المطلوب المؤيد له في نفسه أمراً ثابتاً وجدانياً أو مثبتاً برهانياً ففي مثله إذا وردت آية أو رواية كانت مؤيدة له لثبوته في نفسه بدونها و قد عرفت أن الفطرة ليست إلا دعوی علی دعوی و لم يتم لها ثبوت في نفسها و لم تقع مبرهناً عليها مع أن التأييد بالامر التعبدي لما كان أصل المتعبد به في محل الانكار ليس إلاكالاستدلال.
و أما الاستدلال فهو بعكس التأييد إنما يصح فيما كان الاستشهاد بالاية او الرواية بنظر الاستقلال لتكون دليلاً مثبتاً للمطلوب و لا يكون ذلك الا اذا لم يكن المطلوب ثابتاً في نفسه. و حينئذٍ فالذي
ص: 131
يثبت بهما إنما هو ثبوت تعبدي و هو لا يفيد في مقام الدليل علی اثبات الصانع بحيث يجعل من أدلته الفطرة التي ثبتت بالتعبد هذا.
لا ثمرة لاستشهادهم بالايات و الروايات
و لكن التحقيق بعد عدم تمامية دعوی الفطرة في نفسها أنه لو تمت دلالة الايات و الروايات علی ثبوتها (مع أنها مغفولة مذهولة لا يجد المقر في وجدانه و لا المنكر في جنانه) لكان مفادها الحكاية عن الجعل بحسب الخلقة الاولية و الطينة الصرفة نظير الحكاية عن أن الارواح خلقت قبل الاجساد و أنها أقرت في عالم الذر بالتوحيد و غير ذلك مما لا علم لنا به إلا أنه لا يفيد إلا تعبداً محضاً نظير التعبد بأمثال تلك الامور. كل ذلك علی فرض تمامية دلالتها و لكن الكلام بعد فيها فلنذكر ما استدل به و ننظر في دلالته.
استشهاد القائلين بالفطرة بالآيات و الأخبار
ادلة الفطرة من الايات
و حيث أن المدعی قد *** دعوی علی الخالق و الخلق معاً
أشهد بالايات و الاخبار*** ليسند الامر بصنع الباري
و ليس في الايات من دلالة*** إذا بعضها ذم علی الرذالة
و حيث أن المدعي للفطرة قد ادعی دعويين أعني دعوی علی الخالق و الخلق معاً أما علی الخلق فلما مر و اما علی الخالق فلأن من يدعي الفطرة للبشر يدعي علی الله تعالی أنه مودعها فيه و جاعلها له و فاطره عليها فلا بدله في هذا الادعاء علی الله ايضاً من إقامة شاهد. فلذلك أشهد للدعويين بالايات و الاخبار معاً ليسند الامر بصنع الباري تعالی أيضاً و يستدل بها علی الثبوت أو يؤيده بها
دلالة الايات علی المدعی
و ليس لا في الايات من دلالة إذ بعضها ذم المقرين لا المنكرين علی الرذالة و الدنائة بالعتو و الطغيان و التضرع و الالتجاء في حالتي الامن و البلاء و الفاقة و الرخاء مثل قوله تعالی: (فإذا ركبوا
ص: 132
في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلی البر إذا هم يشركون)(1) و نظائره كثيرة كقوله: (و ما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضرّ عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون(2)) و قوله: ( و اذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه او قاعداً او قائماً فلما كشفنا عنه ضرّه مرّكأن لم يدعنا إلی ضرّ مسّه كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون)(3)
و لا صراحة في أمثال هذه الايات علی فطرة و لا إبهام و الاستدلال بها كأصل الدعوی مبني علی الدعوی ايضاً و هي دعوی أن المخاطب بها المنكرون فيختص بهم و المنكر الغافل المصر علی الانكار كيف ينقلب إلی الالتجاء لولا ظهور الفطرة في حال الاضطرار؟ و لعمري! إن هذه الدعوی علی مورد هذه الايات و حملها علی مورد الانكار من اظهر مصاديق «التفسير بما لا يرضی صاحبه».
و بعضها توبيخ من اشرك به *** معترفاً بربه و صاحبه
بحيث لو سألته: من خالقك*** و خالق السماء؟ أو من رازقك؟
قال: هو الله المفيض خيره*** فقل: لماذا تعبدون غيره؟
وبعضها توبيخ من أشرك به بعبادة الاصنام و غيرها مع أنه يكون معترفاً بربه و صاحبه كمشركي قريش فإنهم كانوا معترفين بأن ربهم و خالقهم الله و كانوا يقولون: أنشدك بالله و الرحم و كانوا يقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك و كانوا يعتذرون في عبادتهم الاصنام بقولهم: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلی الله زلفی...)(4) و قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(5).
ص: 133
فمثل هذا المشرك ليس منكراً لله و لا غافلاً عنه بل هو بحيث لو سألته من خالقك و خالق السماء؟ او من رازقك؟ قال: هو الله المفيض خيره علی الكائنات. فعند ذلك فقل: لامثال هؤلاء توبيخاً لهم علی الشرك كما علم الله نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):لماذا تعبدون غيره؟ هذا مضمون الآيات التي استدل بها مثل قوله تعالی: (و لئن سئلتهم من خلق السموات و الارض و سخّر الشمس و القمر ليقولنّ الله فأنی يؤفكون)(1)، و قوله: (و لئن سئلتهم من خلقهم ليقولنّ الله فأنی يؤفكون)(2)، و نظائره كثيرة . و هذه الايات ايضاً لا صراحة فيها علی الفطرة و لا ايهام و الاستدلال بها ايضاً مبني علی دعوی اختصاص الخطاب فيها بالمنكرين و هي كما تری بل ظهورها و ظهور سياقها قبلاً و بعداً ينادي بالمخاطبة مع المشركين.
تعميم المخاطبة لكل منكر لا يدل علی الفطرة
و لو تعمّ كل منكر له *** كان السؤال هكذا استدلاله
و «آية الفطرة» لم يُرَد بها*** اذعان كل نسمة بربها
بل هي كالقيم و الحنيف*** وصف لكل دينه الشريف
لذاك فسرت به تماما*** نبوة ولاية اسلاما
ولو فرضنا ان المخاطبة في هذه الايات تعم كل منكر له تعالی (سواء كان الانكار إنكاراً للربوبية أو الالوهية) فتكون الاية من حيث شمولها للمنكر الغافل دالة علی الفطرة بالتقريب المذكور كان السؤال هكذا يعني علی هذا النحو من خلق السموات و الارض؟ من يرزقكم...؟ استدلاله للصانع بعينه غاية الامر انه استدلال و برهان علی طريق السؤال. و حينئذٍ فالاقرار بعد ذلك و الاعتراف لا يكون إقراراً عن الفطرة بل هو إقرار عن الحجة و البرهان و ظهور الحق علی قلبه ظهور بعد البيان. فلو كان
ص: 134
مثل ذلك فطرة لما كان لاختصاصها بالتوحيد وجه بل الانسان علی هذا مفطور علی كل شيء حقيقة و كان منكراً له لشوب ذهنه لأنه يقبله و يُقِر به مع البينة و البرهان.
استدلالهم بآية الفطرة
و «آية الفطرة» التي استدل بها ايضاً و هي قوله تعالی: (فأقم و جهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لايعلمون)(1). و هي و إن كانت صريحة في لفظ «الفطرة » إلا أن الكلام، في معناها هنا و ما هو الموصوف بها. فإنه لم يرد بها فطرة التوحيد و إذعان كل نسمة أي مخلوق بربها خاصة بل هي كالقيم و الحنيف المذكورين فيهما وصف لكل دينه الشريف و تمامه لالخصوص معرفة الرب و الاقرار به لذاك فسرت آية الفطرة به تماماً أي بالدين بجميعه : نبوة ولاية إسلاماً.
ما ورد عنهم (علیه السلام) في تفسير آية الفطرة
فقد فسرت تارة: بالاسلام كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله(علیه السلام) قال: «سألته عن قول الله عزوجل: (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ما تلك الفطرة؟ قال(علیه السلام): هي الاسلام فطرهم الله حين اخذ ميثاقهم علی التوحيد فقال: (الست بربكم)؟ و فيهم المؤمن و الكافر»(2).
و اخری: بالولاية كرواية ابي بصير عن الباقر(علیه السلام) قال(علیه السلام) : «الولاية»(3).وثالثة: بالتوحيد خاصة كرواية زرارة و الحلبي و هشام بن سالم عن أبي عبد الله (علیه السلام) و قال(علیه السلام) : «التوحيد» (4) و قال (علیه السلام) : «فطرهم جميعاً علی التوحيد»(5).
و رابعة: بالتوحيد و النبوة و الولاية كرواية عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال:«التوحيد و محمد رسول الله و علي أمير المؤمنين»(6) و رواية الهيثم الرماني عن الرضا(علیه السلام) عن جده الباقر (علیه السلام) قال: « هو لا إله إلا الله و محمد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و علي أمير المؤمنين(علیه السلام) إلی هاهنا التوحيد(7).
ص: 135
فهذه التفاسير المختلفة شاهدة(1) علی أن المراد بها الدين لا خصوص التوحيد منه و ليس هذا الاختلاف مبنياً علی الباطن و التأويل بل هو علی مقتضی ظاهر التنزيل و من المعلوم أن النبوة و الولاية و الاسلام ليست فطريات و لم يدع أحد أنها فطرية.
فهذه التفاسير كظاهر الاطلاق شواهد علی أن الفطرة ليست بذلك المعنی فإن هذه الامور ليست مما تهتدي إليها النفوس عند تخليتها و بقائها علی صرافتها بل معنی الفطرة هنا حيث إنها وصف للدين إنما هو الشرعة و بهذا الاعتبار تضاف إلی الله فيقال: فطرة الله كما يضاف الدين إليه فيقال: دين الله....
ص: 136