«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
{نبارك للامة الاسلامیة جمعاء و قائدها الامام} {المهدی المنتظر عجّل الله فرجه الشریف بمیلادجده} {الامام موسی بن جعفر الكاظم علیه السلام }
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثالثة: العدد السابع 1389 هجرية شمسية 1432 هجرية قمرية
مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي
موقع مدرسة أهل البيت(علیهم السلام): www.aqayed.com
ص: 1
كلمة التحرير...4
مصباح الهداية آية الله السيد علي البهبهاني(رحمه الله)...5
السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان...10
اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني...25
أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...39
المعاد من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...45
كيف رد الشيعة غزو المغول العلامة الشيخ علي الكوراني ...57
روائع من الأدب الإسلامي قصيدة نظم مقتل الحسين(علیه السلام) ...60
موقف اصحاب الائمة(علیهم السلام) تجاه الفلسفة والعرفان...66
الغلو و التفويض وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...71
حكم الموسيقی من زاوية فقهية آية الله السيد علي الحسيني الاشكوري...79
لماذا لا يعتمد الشيعة علی مثل البخاري؟ ابو جعفر الكاظمي...86
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...92
وجود العالَم بعد العدَم عند الإماميّة حجة الاسلام والمسلمين السيد قاسم علي الأحمدي...104
هداية الأمة إلی معارف الائمة آية الله محمد جواد الخراساني(قدس سره) العدد الاول...116
ابن عربي عارف ام ملحد؟ علاء فيصل...132
ص: 2
ص: 3
آللهُ خَيرٌ أمَّا يُشرِكُون ؟
ان اعتقادات الشيعة ثابتة ومسجلة وليست مما يحتاج الى تحصيلها عن طريق الاخبار الضعيفة والمرسلة فقد سجل الشيخ المفيد فخر الشيعة قدس سره في كتابه القيم اوائل المقالات اعتقادات الشيعة ومتبنياتهم ومارفضوه ناقلاً في ذلك اجماعاتهم وعدم اختلافهم والايات والروايات المتواترة تدعم ما اتفقوا واجمعوا عليه وعليه فليس مذهب الشيعة مما يثبت بالاخبار الضعيفة والاحلام كما يصنع الجهال ويجعلون منها اعتقاداً.
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) ولا علاقة لها بمدرسة التفكيك بل لا تتبنی آرائها ونظرياتها.
ان مدرستنا مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 4
المسؤولية حول ولاية اهل البيت عليهم السلام
في تفسير قوله تعالی :{وقفوهم إنّهم مسؤولون}.(1)
في غاية المرام: ابن شهرآشوب من طريق العامة وغيرهم ، عن محمد بن إسحاق الشعبي، والأعمش، وسعيد بن جبير ، وابن عباس ، وأبو نعيم الإصفهاني ، والحاكم الحسكاني ، والنظيري (كذا )، وجماعة أهل البيت عليهم السلام : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) عن ولاية أهل البيت، وحبهم(2).
وقد روى الشيخ في أماليه بإسناده عن عبد الله بن عباس ، قال : ( قلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصني ، فقال : عليك بمودة علي بن أبي طالب عليه السلام ، والذي بعثني بالحق نبيا لايقبل الله من عبد حسنة حتى يسأله عن حب علي بن أبي طالب عليه السلام وهو تعالى أعلم ، فإن جاء بولايته ، قبل عمله على ما كان منه، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شئ ، ثم أمر به إلى النار )(3).
وقد استفاضت الروايات في هذا الباب، وفي عدم جواز العبد على الصراط ودخول الجنة إلا
ص: 5
بجوازمن أمير المؤمنين عليه السلام بولايته ، وولاية أهل البيت من الطريقين.وقد ذكر في غاية المرام - في هذا الباب - من طريقهم عشرين حديثا ، ومن طريقنا ثمانية عشر(1).
ومن جملة الروايات من طريقهم ما ذكره عن موفق بن أحمد من أعيان العامة في " كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام مسندا إلى الحسن البصري، عن عبد الله قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنة- وفوقه عرش رب العالمين ، ومن سفحه تتفجر أنهار الجنة، وتتفرق في الجنان، وهو جالس على كرسي من نور يجري من بين يديه التسنيم ، لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته ، يشرف على الجنة فيدخل محبيه الجنة ومبغضيه النار "(2).
أقول : ويدل ذلك على اختصاص الإمامة والخلافة بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم اختصاص من عداهم لها.
توضيح ذلك: أن مولانا أمير المؤمنين، والأئمة المعصومين من ذريته سلام الله عليهم أجمعين ، كانوا مدعين للإمامة بالضرورة، معلنين بأنها حق خاص لهم، إن أطاعتهم الأمة قاموا بها ، وإن منعوهم عنها ودفعوهم عن مقامهم صبروا على ذلك حتى يحكم الله لهم ، والمبايعة مع من عداهم لم تكن عن طوع ورغبة ، فإن شواهد مخالفة أهل البيت عليهم السلام مع المتصدين لأمرالخلافة واضحة لائحة .
منها : استنصار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من المهاجرين والأنصار ليلا ، واحتجاجه عليهم، وعدم بيعته مع أبي بكر إلا بعد ظهور الغدر منهم ، وعدم وفائهم بما وعدوه من نصرته إلا أربعة ، بل في صحيح البخاري أنه عليه السلام لم يبايع أبا بكر مدة حياة فاطمة عليها السلام وذكر أن مدة بقائها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر(3) .
ومنها : هجر القرآن مع تفسيره الذي ألفه ، وجمعه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بحيث لا يطلع
ص: 6
عليه أحد من المسلمين إلا أهل البيت عليهم السلام ، مع أنه عليه السلام أول من جمعه بأمر رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيته ، وأعلم الأمة باتفاقهم ، وأحد الثقلين الذي لا يفارق القرآن ولا يفارقه ، فردهم القرآن الذي ألفه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أنزل عليه أمين الوحي جبرائيل لا يكون إلا عن مخالفتهم معه عليه السلام.
لا يقال : إنما لم يقبلوا ما جمعه وألفه لأنه شاهد واحد ، ولم يشارك معه غيره ، والشاهد الواحد غير مقبول ، ولذا لم يقبلوا شرعا من غيره آية إلا إذا شهد به عدلان.
لأنا نقول : لم يكن عليه السلام شاهدا بل كان وصيا من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جمعه وتأليفه كما أنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم: " وقول الوصي نافذ " وإن كان واحدا ولا يعتبر فيه التعدد بالضرورة ، ولو تنزلنا وقلنا: إنه عليه السلام كان شاهدا وجب تنفيذ شهادته لعصمته وطهارته، بنص آية التطهير ، ولا يجوز رد شهادة من تبينت عصمته.
ومنها : تصرف فدك وعزل عمال فاطمة عليها السلام وإسناد الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنا معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقه ، ومخاصمتهم مع فاطمة عليها السلام ، ومطالبة البينة منها ، ورد شهادة مولانا أمير المؤمنين ، والحسن ، والحسين ، سلام الله عليهم أجمعين ، مع إثبات الحجة عليهم بأنه ليس لأحد أن يطالب بالبينة ممن نزلت في شأنه آية التطهير ، وشهد الله تعالى بطهارته وعصمته ، ولا رد شهادة من كان كذلك ، مع أن فدك كانت في يدها عليها السلام ، ولا يطالب ذو اليد بإقامة البينة ، فهل هذا إلا مخالفة بينة وهل يكون أمر أبين من هذا ؟
ومنها : دفن فاطمة الزهراء عليها السلام ليلا ، وإخفاء قبرها وامتناعه عليه السلام من حضورهما في تشييع جنازتها والصلاة عليها حسب وصيتها عليها السلام الكاشفة من عدم رضائها منهما.
ومنها : مناشدة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع أصحاب الشورى واحتجاجه عليهم(1) بفضائله ، ومناقبه التي لا تحصى بأن الحق كان من أول الأمر له خاصة ، وأن بيعته معهما لم تكن إلا عن كره وإجبار ، والمناشدة مفصلة وقد رواها الفريقان في كتبهم.
ص: 7
ومنها : شكايته عليه السلام من الخلفاء - قبله- في خطبه عليه السلام في مواطن كثيرة(1) حتى قال الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين عليه السلام : ( يا بن أبي طالب : ما منعك حين بويع أخو تيم بن مرة ، وأخو عدي ، وأخو بني أمية بعدهما أن تقاتل وتضرب بسيفك فإنك لم تخطبنا منذ قدمت العراق إلا قلت فيها : والله إني أولى الناس بالناس وما زلت مظلوما ، قال عليه السلام قد قلت فاستمع الجواب : لم يمنعني من ذلك الجبن ، ولا كراهة للقاء ربي ، ولا أن أعلم بما عند الله خير لي من الدنيا بما فيها ، ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهده إلی : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما الأمة [ صانعة بي ] بعده ، فلم أكن بما صنعوا حين عاينته بأعلم مني به ، ولا أشد يقينا به مني ، بل أنا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد يقينا لما عاينت وشاهدت ، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما تعهد إلی إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعوانا ، فانبذ إليهم وجاهدهم . وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة كتاب الله وسنتي أعوانا ، وأخبرني أن الأمة ستخذلني ، وتتبع غيري ، وأخبرني أني منه بمنزلة هارون من موسى ، وأن الأمة سيصيرون بعده بمنزلة هارون ومن تبعه ، ومنزلة العجل ومن تبعه ، فقال موسى : ( يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري )(2) قال : ( يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني )(3). ( وقال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي )(4).
وإنما يعني أن موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا ، ثم وجد أعوانا أن يجاهدهم ، وإن لم يجد أعوانا أن يكف يده ويحقن دمه، ولا يفرق بينهم ، وإني خشيت أن يقول أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرقت بين الأمة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعوانا فكف يدك
ص: 8
واحقن دمك ودم أهل بيتك وشيعتك ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام الناس إلى أبي بكر فبايعوه - وأنا مشغول - وآليت على نفسي أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ، ثم حملت فاطمة عليها السلام وأخذت بيد ابني الحسن والحسين عليهما السلام فلم أدع أحدا من أهل البدر ، وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ، ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من الناس إلا أربعة نفر : الزبير ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ) هكذا في غاية المرام عن كتاب سليم بن قيس(1).
ومنها : خطبة مولانا أبي محمد الحسن عليه السلام في مجلس معاوية ، والخطبة مفصلة ، وقد ذكر عليه السلام فيها جملة من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه عليه السلام ومناقب سائر أهل البيت سلام الله عليهم ، ثم قال بعد ذلك : " وإن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا فكذب معاوية - وأيم الله - لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله ، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، غير أنا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين ، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا ، ونزل على رقابنا ، وحمل الناس على أكتافنا ، ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفئ والغنائم ، ومنع أمنا فاطمة [ سلام الله عليها ] ما جعل لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخر الخطبة(2).
وبالجملة مخاصمة أهل البيت عليهم السلام مع المتصدين لأمر الخلافة والإمامة في استحقاق الخلافة واضحة لائحة ، فحينئذ يدور الأمر بين أن يكون أهل البيت عليهم السلام صادقين في دعواهم أو كاذبين ، والكاذب مبغوض عند الله تعالى ولا تكون ولايته وحبه واجبا مسؤولا عنها يوم القيامة . ومن كمال الإيمان به وبرسوله بحيث لا يجوز أحد على الصراط إلا بولايتهم ، وأخذ الجواز والبراءة منهم ، فتعين أن يكونوا صادقين ، وإذا ثبت أنهم صادقون ثبت [ اختصاص الإمامة والخلافة بهم ] .
ص: 9
في قم المقدسة في مدرسة آية الله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله
مقدمة المترجم:
[اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بناء علی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود وتحققه بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.
والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
ص: 10
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.]
المحاضرة السادسة
... في هذه المحاضرة نقرأ بعض العبارات المناسبة للبحث من كتابي درر الفوائد واصول الفلسفة وبعدها ننقل الادلة العقلية والنقلية التي ذكرت للعينية والاتحاد وإذا سمحت الفرصة نذكر الجواب على هذه الادلة والشواهد.
العينية في كتاب دررالفوائد:
يقول جامع المعقول والمنقول الآملي في درر الفوائد الذي هو تعليقة على شرح المنظومة:
«اعلم انّ القائل بالتوحيد اما يقول بكثرة الوجود والموجود جميعا ويختص فردا منها بالواجب وهذا هو الموافق لمذهب المشائين ومعتقد اكثر الناس الذين يتكلمون بكلمة التوحيد لسانا ويعتقدون بها اجمالا ويعبر عن هذا التوحيد بالتوحيد العامي لانّ اكثر الناس في هذا المقام وأما يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا قبال الطائفة الاولى بتمام المقابلة وهذا مذهب الصوفية وهم على طائفتين؛ الاولى ما يكون هو ظاهر كلامهم ويدور في السنة جهلتهم من ان للوجود مصداقا حقيقيا واقعيا وانه ليس الاّ واحدا وهذا الشي ء الواحد يتشأن بشئوون مختلفة ويتطور بأطوار متكثرة ففي السماء سماء وفي الارض، ارض وهكذا ليس له حقيقة اخرى مجردا عن تلك المجالي وهذه الكثرات لا تثلم بوحدته لانها امور اعتبارية وهذا هو المذهب المنسوب الى جهلة الصوفية.
والثانية وهم الاكابر منهم القائلون بأن للوجود حقيقة مجردا عن المجالي لكن الوجود بجميعه من المجرد عن المجالي وغيره واجب وليست مرتبته الواجبة عندهم مختصة بمرتبة المجردة عن المجاليالمعبر عنها بمرتبة بشرط لا بل الكل من الدرة الى الذرة والقرن الى القدم وجود الواجب مع كون ما
ص: 11
عدا تلك المرتبة البشرط اللائية مفتقرة إلى تلك المرتبة بل عين الفقر إليها وإذا سئلوا بأن الفقر ينافي الوجوب يجيبون بعدم المنافاة «لان هذا الفقر فقر إلى نفس الحقيقة والافتقار المنافي مع الوجوب هو الفقر إلى الغير لا فقر الشي ء إلى نفسه وهذا المذهب منسوب إلى الاكابر الصوفية ويظهر من صدر المتألهين ارتضاؤه في كتبه خصوصا في مبحث العلة والمعلول من الاسفار ويكون الوجود بجميعه واجبا من المجرد وغيره»(1).
وحول العينية وانّ جميع الاشياء عين الواجب هنالك رأيان يعني رأي جهلة الصوفية ورأي اكابر الصوفية.
يقول الآملي في تكميل هذه العبارات:
»واما يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا في عين كثرتها اي كثيرة الوجود والموجود وهو مذهب صدرالمتألهين والعرفاء الشامخين ويعبرون عنه بتوحيد أخص الخواص»(2).
يقول الاملي انّ لملاصدرا رأيين وهذا المطلب واضح بعد ملاحظة عبارات ملاصدرا التي نقلنا قسما منها في المحاضرات السابقة ومضمون عبارات ملاصدرا كالتالي:
نحن تحركنا وإلى الآن بناء على مسلك العلية ولكن بعناية اللَّه وصلنا إلى هذه النقطة وهي انّ في العالم حقيقةً واحدة لا اكثر (وغير تلك الحقيقة) تطور و تشأن تلك الحقيقة والتطور عين ذاته وهذا المطلب جاء هنا بتعبير (الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة)(3).العينية في اصول الفلسفة
ص: 12
وقد جاء في كتاب اصول الفلسفة: لا تجتمع علتان مستقلتان على معلول واحد(1) وكذلك العلةالواحدة مع وحدة عليتها وتأثيرها لا يمكن أن تؤثر في معلولين(2)وذلك لان العلاقة والسنخية بين وجودي العلة والمعلول يقتضي كون وجود المعلول مرتبة ضعيفة من وجود العلة وعلى هذا التباين الوجودي للعلتين المتباينتين فانه يقتضي مرتبتين ضعيفتين متباينتين،(3). كذلك التباين الوجودي لمعلولين متباينين يستلزم علتين متباينتين(4).
الثلاثة الاقوال المنقولة (من أربعة أقوال) تشهد للمدعى الذي بيناه يعني قول العرفاء لعينية الذات الالهية مع الكائنات وخلاصة هذه الاقوال الثلاثة كالتالي:
1- قول جهلة الصوفية الذي اتضح سابقا من كون الوجود شيئا واحدا وله تشأنات مختلفة ولهذا الوجود مرتبة غير متناهية ومن الواضح هذا القول نفس العينية.
2- لازم قول اكابر الصوفية الذي هو نفس العينية وذلك لان الوجود في نفس الوقت الذي لا يتناهى، هؤلاء يقولون بوجود مراتب اخرى وهذه المراتب فقيرة بل عين الفقر وصرحوا انّ كل هذه المراتب نفس واجب الوجود.3- الرأي الاخير وهو رأي ملاصدرا وهو كذلك نفس العينية ويعبر عن هذا التوحيد بأخص الخواص يعني حقيقة واحدة وهذه الحقيقة في نفس الوقت التي هي متكثرة بالكثرات المختلفة ومتطورة بالاطوار المتنوعة ولكن حيث ان هذا التطور امر اعتباري لذا يعبر بالوحدة في عين الكثرة
ص: 13
والكثرة في عين الوحدة ولكن كون الحقيقة واحدة امر مسلم والمطلب الذي قرأناه من اصول الفلسفة ايضا يدل على هذا المعنى بكامل الوضوح وهو انّ وجود المعلول مرتبة ضعيفة من وجود العلة يعني هنالك حقيقة واحدة فقط.
المستشكل: بعض من العرفاء ممن يسلك مسلك الصوفية في دفاعه عن المرتبة الضعيفة والمرتبة القوية يشبه هذه بمسألة الجهل والعلم مثل الذي لم يكن عالما لم يتعلم فيصبح عالما فحقيقة الانسان فاقد للعلم وهو شخص واحد والحقيقة شخصية واحدة وفي نفس الوقت لا عينية في البين.
وبعبارة اخرى المرتبة التي كان الانسان فيها طفلا وجاهلا مع هذه المرتبة التي صار فيها عالما يعني المرتبة الضعيفة للعلم مع المرتبة القوية للعلم فهنا مرتبتان، اما الحقيقة شخصية واحدة وفي نفس الوقت لا عينية في البين.
سؤال: يقول انّ البعض يقول ان عدة من المتصوفة يشبهون هذه المسألة بالطفل الذي له مقدار من العلم وبالتدريج تكامل الى أن وصل الى المرتبة العالية من العلم والمعرفة، فمع هذه المراحل التي طواها الطفل وحقيقة العلم والمعرفة واحدة وفي نفس الوقت لا عينية بل هناك تكثر.
المستشكل: ليس العلم والمعرفة شيئا واحدا بل الشخص الانساني شخص واحد الطفل حينما يكبر جاهل في ابتداء الامر ثم يصبح عالما لكن حقيقة شخصيته واحدة وفي عين التعدد هو واحد ولا تلزم العينية (مرتبة من الجهل والعلم).الجواب: طبعا ملاك التعدد (في هذا المثال) والوحدة هي الجهة العلمية الاّ أنها أخذت في شخص واحد تقولون شخص واحد الاّ أنّ ملاك التعدد والتكثر وملاك العينية تلك الجهة الخاصة (الجهة العلمية) وعلى كل حال فمع فرض وجود مثل هذا القول(1).
ص: 14
بالنتيجة يقال بانه هنالك حقيقة واحدة على كل حال يعني تعترفون بوجود حقيقة واحدة وهذا هو كلامنا والنتيجة مع كل هذه المسائل هو انّ اللَّه جلّ وعلا والكائنات حقيقة واحدة حسب اعترافكم.
هذا السؤال والجواب يحتاج الى توضيح كامل ولذا نقول: اذا كان المقصود التشبيه بالشخص في مراحله المختلفة من الطفولة والشباب والشيخوخة بانه في طول هذه المراحل له حقيقة انسانية واحدة ففي سن الطفولة هذه الحقيقة موجودة وفي سن الشباب وسن الشيخوخة كذلك نفس الحقيقة موجودة وفي نفس الوقت حقيقة المراتب مختلفة اذن الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة ولا مانع في البين وفي ما نحن فيه من البحث ايضا كذلك فيقال الحقيقة هي حقيقة الوجود ولها مراتب مختلفة بالحقيقة.
أقول: الفرض المذكور خارج عن محل بحثنا وذلك لان بحثنا حول وحدة الوجود الاطلاقي بمعنى عدم اختلاف الحقيقة في المراتب المختلفة بل تطور الحقيقة ونفس التطور أمر اعتباري وقد تكلمنا عن مسألة التشكيك في الوجود في المباحث السابقة في مسألة السنخية وذكرنا الاشكالات (واُجبنا عليها) واذا كان المقصود الاشكال في المراتب العلمية حيث ان حقيقة العلم واحدة ومراتبه مختلفة فهذا ايضا يرد عليه ما أوردناه على الفرض السابق من الاشكالات.
الادلة العقلية والنقلية للعينيةالدليل العقلي الاول: ان الغيرية والتكثر تحديد للذات الالهية وذلك لانه لولم يكن اللَّه جلّ وعلا عين وجود المخلوقات (بلا لحاظ التطور) فلا مجال لوجود اللَّه في المكان الذي تكون فيه الاشياء وبذلك يصبح وجوده محدودا وهذا خلاف اصل عدم تناهيه جلّ وعلا.
وبعبارة أخرى عدم تناهي الذات الالهية المقدسة مسلم عند الكل ولذا لو لم يكن وجود الاشياء وجودا للَّه جلّ وعلا اذن لا وجود للَّه جلّ وعلا عندها فيكون محدودا وكون وجوده محدودا مخالف لعدم تناهيه جلّ وعلا ولذا فلابد من كونه جميع الاشياء(1).
وجاء في عين اليقين:
ص: 15
«كيف لا يكون اللَّه سبحانه كل الاشياء وهو صرف الوجود الغير المتناهي شدة وقوة وغنىً وتماما؟ فلو خرج عنه وجود لم يكن محيطا به لتناهي وجوده دون(1) ذلك الوجود تعالى عن ذلك(2).»
في يوم ما (قبل 18سنة حدودا) كنت اتحدث مع أحد العرفاء المشهورين وكانت بيده سكينة فقال اذا لم يكن اللَّه هذا السكين (مع حذف حدود السكين) اذن لا وجود له هنا ويكون محدودا.
الجواب: انّ تحديد الذات من لوازم السنخية لا البينونة، فمع الدقة في المباحث المتقدمة يتضح الجواب على هذا الاستدلال وهذا الاستدلال حسن وجميل لكن بشرط السنخية يعني لوكان هنالك تسانخ بين الذات الالهية المقدسة والكائنات الاّ أنّ الذي اتضح لنا عقلا ونقلا هي البينونة وانّ العلاقة بين اللَّه جلّ جلاله والكائنات ليست بالعينية ولا بالسنخية بل هي البينونة، بينونة الصفة لا بينونة عزلة يعني لا افتراق في المكان كما لا قرب في المكان فليس هنالك مكان حتى تكون بين اللَّه جلّ وعلا والموجودات مسافة بل البينونة حقيقية يعني انّ الحقيقة الموجود بنفسه والذي يكون وجوب الوجود عين الذات لا يمكن أن تكون مسانخة للوجود الذي لا يقوم بذاته وحيث تقتضي ذاته عدم الوجوب فلا يمكن ان تكون هنالك سنخية والاّ لزم التناقض اذن مع ملاحظة المباحث السابقة لا تسانخ اصلاحتى يكون هنالك تمانع يقال ولو لم يكن اللَّه جلّ وعلا هذا الشي ء لكان محدودا فالاشياء لو كانت من سنخ الذات الالهية غير المتناهية لاوجدت حدا وتناهيا فيها اما لما لم تكن من سنخ الذات المقدسة فلا تمانع في البين حتى يقال ان هذا الشي ء حدد من وجود اللَّه جلّ وعلا، فالاشياء لا يمكنها أن تحدد الذات المقدسة لانها ليست من سنخ وجوده.
والنتيجة هي البينونة بمعنى «تنزه عن مجانسة مخلوقاته»، «كنهه تفريق بينه وبين خلقه«، »كنهه مبانيته اياهم» ولا يوجد اي تسانخ بأي معنى من المعاني للسنخية الحقيقية وعلى هذا فهذا الاستدلال لا اصل ولا اساس له مضافا الى ان التناهي وعدم التناهي لا معنى له بالنسبة للذات الالهية المقدسة الاّ بمعنى ان كلّ ما يتوهم (كما يتوهم للموجودات الامكانية) بالنسبة للَّه جلّ وعلا فلا مجال لذلك التوهم بالنسبة له جلّ وعلا (ولا يصدق عليه جلّ وعلا) لا انّه تبارك وتعالى شي ء له امتداد طولي حيث كلما تقدمنا
ص: 16
للامام كان موجودا فالتناهي وعدم التناهي لا يصدق على اللَّه جلّ وعلابهذا المعنى وهذه التقسيمات الفرضية من جهة ضيق الخناق والمسامحة لاجل التفهيم والتفاهم وهي غير قابلة للادراك، فالواقع انّ اللَّه جلّ وعلا حقيقة لا مجال لهذه التعابير من التناهي وعدم التناهي والتي لها علاقة بالاجسام والموجودات الممكنة في حقه.
الدليل النقلي: أحد الادلة النقلية التي أقيمت لاثبات العينية ما يستفاد من هذه الآية المباركة (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ)(1)
يعني بعد ما قالوا كلّ شي ء هو ولا وجود لغيره قالوا، كما قال اللَّه تبارك وتعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَ....) فحينما يقال هو الاوّل والآخر فمعناه انه كل الاشياء.
هنالك نكتة في الآيات المتعددة التي استدل بها حول الموضوع لابد من الالتفات اليها وهي انّ هذه الآيات بالشكل الذي ترفع هذا التوهم حيث ان الاثنينية والتعدد يستفاد من نفس الآيات مثلا جاء في هذه الآية (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ).اذن الآية تفرض وجود شي ء غير اللَّه جلّ وعلا واذا قيل بتوجيه وتأويل هذا الشي ء وانه نفس اللَّه جلّ وعلا فنقول انّ كلمة عليم الدالة على علمه بالاشياء زائدة لانه لا معنى لان يعلم نفسه حتى تطرح في الآية وعلى هذا ففي نفس هذه الآية المباركة جاء المطلب فانّ الذي يظهر منه الاثنينية غاية الامر في مقام التعريف بالذات الالهية المقدسة جاء قوله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ...) والذي لابد أن يحقق معناه كما انه يقال (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) قيل هو الاول والاخر و كما انه يقال «هو عليم» قيل «هو الاول والاخر» و... ولم تقل الآية انه كل الاشياء بل قالت هو الاول يعني له صفة الاولية وهو الآخر يعني له صفة الاخرية وهو الظاهر وهو الباطن يعني له هذه الصفات اما ما هو معنى هذه الصفات لابد من تحقيق ذلك اذن الآية المباركة لا ظهور لها في العينية حتى تحتاج الى التأويل.
وعلى هذا لو دققنا في نفس الآية لعرفنا انّ مسألة العينية غير مذكورة (في الآية) وبهذه القرينة حيث يقول تعالى (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) ومع ملاحظة انّ الآية بينت أربع صفات من صفات اللَّه جلّ وعلا ولم تقل انه كلّ الاشياء اذن بعد ذلك (بعد قبول الوحي) حينما نراجع الروايات نجد انّ الروايات
ص: 17
صريحة جدا في بيان هذا المطلب فقد جاء في الحديث «سمعت اباعبداللَّه علیه السلام وقد سأل عن الأوّل والآخر فقال: الاوّل لا عن أوّل قبله ولا عن بدء سبقه والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين ولكن قديم اول آخر لم يزل ولا يزول بلا بدء ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال الى حال خالق كل شي ء». فقد بيّن في هذا الحديث معان مختلفة ولا اشكال من ان(1)تكون جملة واحدة لها معان مختلفة يقول الامام الصادق علیه السلام في بيان «هو الاول والآخر»: (الاول لا عن اول قبله) يعني الاول كناية عن انه لم يسبق الذات الالهية شي ء يعني انه جلّ وعلا ازلي، والآخر بمعنى انه لا شي ء بعده وانه لا نهاية له يعني ابدي.وبعبارة اخرى «هو الاول والآخر» بمعنى الازلي والابدي، فكل موجود له اولية ونهاية ولكن اللَّه جلّ وعلا لا يتصور له اولية ولا نهاية ولذا بمراجعة الاحاديث يتضح انّ الآية لم تكن في مقام بيان العينية والاتحاد.
اسئلة وأجوبة
سؤال: ما جاء في آخر الآية هل هو العلم الحصولي أم الحضوري؟
الجواب: ما هو مقصودكم من العلم الحصولي والحضوري؟
صاحب السؤال: لو كان المراد العلم الحصولي فلا يتصور بالنسبة للَّه جلّ وعلا ولو كان المراد العلم الحضوري فبأي كيفية يتم التوجيه؟
الجواب: لا علم لنا في كيفية العلم الالهي(2).
صاحب السؤال: يعني انّ اللَّه عالم فهل علمه بالاشياء حصولي؟
الجواب: لا.
ص: 18
صاحب السؤال: لو كان علمه حضوريا اذن لابد أن يكون موجودا في كل مراحل الوجود.
الجواب: نحن نفهم الخطأ ونشخصه ان غلط اما كيفية العلم الالهي فلا نعلمها(1).
صاحب السؤال: اذا كان احد يبين شيئا لا يفهمه فلابد من تخطئته.الجواب: كان السؤال هكذا انّ علم اللَّه جلّ وعلا بالاشياء حصولي أم حضوري فالحصولي لا معنى له اذن هو حضوري والآن نحن نسأل ما هو مقصودكم من العلم الحضوري؟ وما هو العلم الحضوري؟ وكلامكم هذا انه جلّ وعلا محيط بجميع الاشياء.
صاحب السؤال: احاطة علمه بأي كيفية؟ تكوينية؟ اذا كانت تكوينية فالنتيجة كما يقول العرفاء.
الجواب: حيث ان احاطة اللَّه جلّ وعلا من سنخ لا نعلمه نحن ولذا لا نعلم كيفية احاطته بأي كيفية هي فأصل الاحاطة ثابت الاّ انّ كيفية الاحاطة لا نعلمها وذلك لعدم وجود السنخية فحينما لا يكون اللَّه جلّ وعلا من سنخ الموجودات فالسؤال عن احاطته من أي سنخ هي لا معنى له، اجمالا بالتعلم من ذي علم وبالادلة العقلية نفهم ان اللَّه جلّ وعلا له احاطة لكن لا نفهم كيفية احاطته نحن لانزال في عجز عن معرفة حقائق الاشياء وكل هؤلاء الاكابر يعترفون باننا لا نستطيع أن ندرك ونفهم حقائق الاشياء خصوصا قد نفهم بعض الاحيان انّ الذي فهمناه لم يكن صحيحا (بل كان جهلا مركبا) في زمان كانوا يوصفون الافلاك بكذا وكذا ثم اتضح بعد ذلك انّ الامر ليس كذلك فنحن اذا كنا بهذا الحال من الفهم فحينئذ نريد وبتعبير العلامة الجعفري ان نهندس العالم في الظلمة فتوقعنا من انفسنا كثير.
سؤال: ما هو المقصود من السنخية التي تتفضلون بها؟
الجواب: السنخية يعني الاشتراك في الوجود كما ذكرت هذا المعنى العبارة التي قرأناها من أصول الفلسفة يعني انّ وجود المعلول مرتبة ضعيفة من وجود العلة يعني نفس وجود العلة الاّ انه بالمرتبة الضعيفة وهذا هو معنى الاشتراك في الحقيقة وجواب سؤالكم انّ احاطة اللَّه جلّ وعلا قطعية الاّ انا لا نعلم كيفية الاحاطة ولو كانت هنالك سنخية فمعنى الاحاطة هي انّ وجود اللَّه جلّ وعلا هو نفس وجود الاشياء (بحذف جهة التطور) لاجل انه لو كان الشي ء موجودا ولا وجود للَّه جلّ وعلا فاللازم
ص: 19
أن يكون اللَّه جلّ وعلا فاقدا لما يعطيه وحينئذ يكون محدودا والحال انه غير متناه، اذن لابد وأن يكون عين الاشياء، اما لو لم يكن تسانخ بينه تعالى وبين المخلوقات فلا تكون الاحاطة بهذا المعنى(1).
سؤال: لو أدرك أحد هذه العلاقة في الوجود (بينه تعالى وبين الكائنات) بالكشف أو البرهان ونحن لم ندرك فهل نخطؤه؟
الجواب: لو ادرك ذلك فطوبى له ونحن لسنا حسودين فلو ادرك احد انه هو اللَّه فمبارك له! اذا ادعى احد ذلك فنحن لا نقبل منه لان ذلك مخالف للاصول العقلية واذا كان مخالفا لصريح الوحي فلا نقبل منه ذلك ولو لم يكن مغايرا للعقل والنقل فنبارك له فهمه جدا.
كان أحد الرجال في طهران من المعروفين في العرفان (العملي وكان فيه من الاقواء جدا وباصطلاح العرفاء كان من الكمّلين وكانوا يخضعون له لكنه لم يكن قويا في العرفان النظري) وقد أخبرني أحد بانا قد دعوناه لمجلس وأنتم ايضا مدعون للمجلس واني علمت من المدعو غرضه وما هي القضية فأستجبت الدعوة واستمعت لكلام العارف. فقال في المجلس صريحا كاشفا للامر: هو (يعني اللَّه تبارك وتعالى) يكون مالكا ويكون مملوكا يجلس الى جانب الزقاق يستعطي فاذا اعطيته نقودا وقعت النقود في يد اللَّه جلّ وعلا، والحاصل قال: كلّ شي ء هو اللَّه جل وعلا وشرح المسألة كاملا.
قلت: كان كلامكم جميلا جدا الاّ اني لدي ثلاثة اشكالات:
الاوّل: اذا كان الامر كذلك وكلّ شي ء هو اللَّه جلّ وعلا فما هو مصير التكليف؟ وما هو موقع الامر والنهي؟ و...
الثاني ما معنى التكامل؟ حينما يكون كلّ شي ء هو اللَّه جلّ وعلا فلا معنى للتكامل فانّ اللَّه جلّ وعلا كامل ولا معنى لان يصير هو هو؟
ص: 20
الثالث: لما ذا الادراك اني نفس اللَّه جلّ وعلا فانا احد الاشياء اذن لماذا الادراك اني نفس اللَّه تبارك وتعالى؟
فقال في جوابي: اما انك لا تدرك انك نفس اللَّه جلّ وعلا لانه من شدة ظهوره اختفى.
قلت: يخفى من شدة الظهور لو كان هنالك شيئان واشياء اخر، فيقال اختفى هذا الشي ء على هذا الشي ء كما لو قيل في هذا المجلس انا وأنت والمنضدة والكرسي و... في مثل ذلك يقول احد وههنا الضوء ايضا حينئذ يقال انّ الضوء من شدة ظهوره غفلنا عنه لكن لابد على الاقل من شيئين حتى يختفي أحدهما لشدة ظهوره، اما اذا كان كلّ شي ء هو نفس الشي ء فأي معنى للخفاء من شدة الظهور؟
وحينما وصل الكلام الى هنا قال: انّ عقلك مكابر (معاند ولا يقبل الحقيقة).
قلت: أنت أنا وأنا أنت وأنت أنت وأنتم أنا وانا وانتم كل وكل شي ء شي ء واحد فلا معنى بعد ذلك أن تقول عقلك مكابر.
وعلى هذا فلو أدرك أحد شيئا ولم يكن ذلك مخالفا للادلة الاصلية والوحي القطعي نقول طوبى له.
ثمّ حصل كلام من جانب المجلس انّ هذا العارف من أهل المكاشفة و... وحينذاك أصبحت مضطرا ان اقول وأنا ايضا من أهل المكاشفة، فنحن لا ننكر المكاشفات فأنا ادركت كثيرا من الامور بشكل على خلاف الطريقة المألوفة ولكن لابد من أن يكون الميزان بيد الانسان بأنّ كل ما ادركه لابد وأن يرى هل هو مطابق للموازين العقلية والموازين الشرعية فاذا كان مطابقا فهو صحيح والاّ فلا.
سؤال: المراد من العقل، العقل الذي أنا حاصله؟ فاذا ادركتم أنتم شيئا وأنا لم ادركه فهل يلزم علي تخطئتكم؟
الجواب: اذا تكلم معي أحد فاني سوف استعمل عقله من جملة(1)الامور التي امتاز بها (بفضل اللَّه جلّ وعلا) اني حينما أبحث مع أحد بحثا عقليا استعمل عقله يعني الزمه واجعل عقله هو الحكم والقاضي وفي هذا البحث كل من له استعداد للبحث معي فاني مستعد للبحث مع عقله.
سؤال: انك لا تستطيع مع عقله أن تقول شيئا.
الجواب: أقوم بعمل اجعله يعترف باشتباهه.
ص: 21
سؤال: قد تفضلتم سابقا انّ العينية يعني وجود حقيقة واحدة وهذه الحقيقة متطورة ومتشأنة ومع لحاظ التطور والتشأن نقول الاشياء ليست هو جلّ وعلا، ومع عدم لحاظ التطور والتشأن نقول الاشياء هو جلّ وعلا واليوم حينما ذكرتم الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍعَلِيمٌ)(1)
فمن الممكن أن يستفاد من الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) هو حقيقة الوجود بلا لحاظ تطوره وقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) تلك الحقيقة مع لحاظ التطور كما في تفسير (اللَّهُ الصَّمَدُ)(2) حيث قال نفس المعصوم ان سريان علم الباري تعالى ثابت في كل الوجود والاشياء ولا فرق بين علم صفات الذات أو (نفس) الصفات.
الجواب: تفضلتم بهذا الشكل انه لو قال أحد بان الآية المباركة بصدد بيان ما يقوله العرفاء والاستشهاد بقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) بانه مخالف لمطلبهم ليس صحيحا لانه بلحاظ التطور ذكر وبدون فرض التطور يقال (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ). لكنا قلنا في جواب استدلال العرفاء انّ الآية هي المتكفلة لجوابهم حيث ان اخر الآية تقول: (وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) وهذا المعنى شاخص في كل الآيات القرآنية المباركة حيث ان مبنى القرآن قائم على الاثنثنية يعني الغني بالذات والفقير بالذات والخالق والمخلوق والمخاطِب والمخاطَب.
ومن المعلوم انّ فرض الشي ء ليس بصحيح وذلك لانه من الممكن أن يقول احد انّ فرض الشي ء هو نفس فرض الشي ء مع لحاظ التطور والذي قد فرض سابقا بلا لحاظ التطور عين الذات المقدسة الالهية بانه الاول والآخر والظاهر والباطن وبعد التطور فهو ايضا عالم بنفسه وهذا مع ملاحظة انّ التطور اعتباري محض واضح وانه هو نفسه لا يوجد شي ء غيره ولذا فلا معنى لان يقال هو عالم بنفسه واللازم على هذا أن يقال (هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو العليم بنفسه) اذن اولا مع ملاحظة ان التطور أمر اعتباري فكون انّ اللَّه عالم بنفسه لا معنى له.وثانيا: انكم تطرحون ذلك من باب الفرض والحال ان نفس هذا الفرض اول الكلام يعني محلا للنزاع فلابد في اول الامر من اثبات هذا الفرض وبعد اثباته لوكان هنالك دليل نقلي ظاهر في هذا
ص: 22
المعنى فحسن، اما لوكان نفس الفرض اول البحث والكلام والآية المباركة لا ظهور لها اصلا بالنسبة لهذا الفرض وهذا الفرض ليس فرضا حتى انّ الانسان العاقل والفاهم والمتدبر في القرآن يتصوره وحيث لا يمكن استفادة هذا المعنى من الآية الشريفة اصلا فلا يمكن أن يجعل ذلك الفرض مبنى ويجعل له من هذه الادلة ارضية ومستمسك، ولا يمكن أن يتفق هذا المبنى مع ما عليه المذهب من اعلام الاثنينية والتكليف والامر والنهي والجنة والنار والثواب والعقاب والتوبة والمدح والذم و...
فكل هذه الامور لها معنىً اذا كانت هنالك اثنينية. اذن مثل هذه العينية والتي يكون التطور فيها أمر اعتباري لا تتفق مع جميع حقائق هذا المذهب وباعتراف عدة من مشاهير العرفاء لا دليل عقلي في البين وانما هو «طور وراء طور العقل» اذن لا يمكن أن يقال هذا المعنى من الآية المباركة.
سؤال: كان في كلام المستشكل السابق تناقض واضح، العينية هي من جهة الوحدة.
الجواب: صحيح ما يقوله، كلام صحيح واني أردت أن أبين ذلك في آخر كلامي، فالمطلب هو ان في العبارة تسامحا حيث ان الفرض اعتبار محض لو قلنا ان ذلك من باب التسامح فالتعبير لا اشكال فيه لكن حيث ان الكثرة اعتبارية فالقول بالكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة لا معنى له.
سؤال: لقد نسب الى الفلاسفة القول بالسنخية والظاهر انّ هذا باعتبار النتائج والاّ لو التفتنا إلى مبانيهم خصوصا مباحث الوجود والتي فيها الوجود لا جزء له لا غير له وأمثالها فمآل كلامهم ينجر الى العينية.
الجواب: هذا الموضوع سوف نبينه في الاستدلال العقلي والفرض انه يريدون في الفلسفة أن يقفوا عند التشكيك حتى لا ينتهوا إلى الاطلاق الاّ انّ العرفاء يوردون اشكالا وهو انّه لا محيص عن الوحدة الاطلاقية ولذا يقول ملاصدرا:«نحن ولحد الآن تحركنا وفقا لمسلك العلية ولكن العناية الالهية اوصلتنا إلى ان الحقيقة الموجودة واحدة وتطورها وتشأنها...»(1).
ص: 23
نعم يرد الاشكال ولا يمكن جوابه الاّ مع الوحدة الاطلاقية والاّ فنفس الفلسفة ومبانيها تكتفي بتكثر الموجودات ولا يصلون الى هذا الكلام والذي ينتهي الى وحدة الوجود هو التشكيك في الوجود والذي عنده يتوقفون ويريدون أن لا يصلوا الى الوحدة الاطلاقية ولكن الاشكال لا محيص عنه الاّ بالوحدة الاطلاقية.
سؤال: حول الاستدلال العقلي للعرفاء فقد تفضلتم في الجواب انه لا سنخية حتى يقع التمانع وينجر إلى المحدودية في النهاية وانما الاشتراك في مفهوم طارد العدم ولا شك ان مفهوم طارد العدم لا يخرج من حالتين اما أن يكون مفهوما اعتباريا محضا واما أن يكون مفهوما متأصلا فاذا كان مفهوما اعتباريا محضا فطرده للعدم لا محالة يكون بلا جهة ولابد من كون المفهوم متأصلا ذو حقيقة ولو وصل الى هذه المرتبة اذن سيكون في احدى مراتب ذي الحقيقة تسانخا بين الواجب تعالى والممكن وسوف يقع التمانع في هذه المرتبة ويلزم من ذلك المحدودية.
الجواب: لقد كان كلامكم دقيقا وحيث انك ملتفت اكتفي بكلمة واترك التوضيح: ان مفهوم الوجود والموجود من المعقولات الثانية حسب الاصطلاح الفلسفي وحيث انّ المعقول الثاني أمر انتزاعي يعني للعقل أن ينتزع مفهوما عقلانيا هكذا ولا نظر له للمصداق وانه واحد اصلا.
للبحث صلة
ص: 24
الوجود والماهية متساويان من كل لحاظ
إن الوجود هو وجود الماهية وثبوتها فهو وصف الماهية العينية وكونها، ولا معنی له وراء ذلك من جهة الخارج، ولا معنی لفرض ثبوت وتحقق وعينية له بنفسه، كما أن البياض هو وصف للماهية الثابته ولا معنی لفرض عينية وثبوت وكون لحقيقة البياض بنفسها، ويبطل بذلك قول القائل:
لما كانت حقيقة كل شيء هي خصوصية وجوده التي يثبت له، فالوجود أولی من ذلك الشيء بأن يكون ذا حقيقة، كما أن البياض أولی بكونه أبيض مما ليس ببياض وعرض له البياض. فالوجود بذاته موجود وسائر الاشياء غير الوجود ليست بذواتها موجودة، بل الوجودات العارضة لها.
الاوهام حول أصالة الوجود والماهية
أصالة الوجود والماهية (3)
قد يقال: إذا كان هناك حقايق موجودة عينية مجعولة ردّا للسفسطة فهي تكون أولا وبالذات وبلا واسطة في العروض وجودات الاشياء لا ماهياتها حيث إن الماهية من حيث هي ليست إلا هي ويسلب عنها الوجود فلا يمكن أن تكون موجودة عينية بلا واسطة في العروض فالماهية اعتبارية والوجود أصيل. ونقول:
الف) أن هذا البيان أجنبي من مراد القائلين بأصالة الوجود حيث ان الوجود عندهم وجود لذاته فلا يمكن وضعه ولا رفعه ولا جعله ولا نفيه.
ص: 25
هذا بعد صرف النظر عن أن توهمهم هذا ظاهر البطلان حيث إنه لا معنی لقولهم: "إن الوجود وجود لذاته"، بل الحق أن وجود الحقايق العينية والواقعيات الموجودة تكون ضرورة وجودها من الضرورةبشرط المحمول، وإلا مع صرف النظر عن هذا الشرط فما من شيء موجود ندركه ونجده بذاته إلا ويمكن رفعه إن كان موجوداً ويمكن وجوده إن كان معدوماً. وبهذه الاية تعرف أن الحقايق الموجودة والاشياء المشهودة لا محصل للقول فيها بأنها حقيقة الوجود بل هي اعيان وهويات واشياء قابلة للوجود والعدم بالبداهة.
ب) لم يقل أحد من مخالفي أصالة الوجود بأن الماهية من حيث هي التي ليست إلا هي تكون موجودة متأصلة في العينية والخارج. فالراد عليهم بهذا البيان لم يقف علی حقيقة مرادهم وطرح البحث خارجاًًًً عن محل النزاع.
ج) أن الماهية لها حيثيتان:
أحدهما حيثية نفسها من حيث هي مجردة عن الوجود والعدم وبهذه الحيثية لم يدع و احد أنها موجودة في العين حتی يرد عليهم القائلون بأصالة الوجود بما يردون ويقولون إنه يصح سلب الوجود عن الماهية.
وثانيهما حيثية الخارجية والعينية التي تكون بها الاشياء والهويات أعياناً خارجية، وهي بهذه الحيثية متحدة مع الوجود ولا يفترقان بوجه من الوجوه.
ولنذكر الذاهبين إلی أصالة الوجود والزاعمين أن سلب الوجود عن الماهية يدل علی اعتباريتها بأن للموجودات أيضا حيثية مجردة عن الوجود والعدم وذلك كما في قول السوفسطي: "الموجودات ليست بموجودات بل هي أوهام وخيالات" وكما نقول رداً عليهم: "إن الموجودات هي موجودات وليست بأوهام". فإن كانت صحة سلب الوجود عن الماهيات بهذه الحيثية دليلا علی اعتباريتها لكانت دليلة علی اعتبارية الوجود وبطلان أصالته بعين الدليل.
د) إن البحث عن أصالة الوجود أو الماهية راجعه إلی العينية والخارج، وحيث إن الوجود والماهية متحدان في الخارج ولا يفترقان بوجه من الوجوه فالبحث عن أصالة احدهما دون الاخر خلط واضح.
ص: 26
ه) هذا كله إذا جرينا في البحث مجری الباحثين عنه وقد ظهر بما قدمناه أن كل ذلك أجنبي عن محل النزاع وأبعد الاشياء عن مراد القائلين بأصالة الوجود والحق إن القول ب-: "أصالة الوجود" هو نفسالقول ب- "وحدة الوجود" وإن غفل عن ذلك الاكثرون، وزعموا أنه لا ملازمة بين القول ب- "أصالة الوجود"، والقول ب- "وحدة الوجود"، وذلك أن معنی أصالة الوجود هو:
إن الواقع العيني هو نفس حقيقة الوجود المحض الذي يساوق الوحدة - بمعنی عدم التناهي البتة - ولا يمكن فرض العدم لها لنفسها وأما غير ذلك من الحدود والماهيات المترائی منها الكثرات فهي اعتبارات محضة وأوهام بلا واقع عيني.
وهذا هو نفس القول ب- "وحدة الوجود" دون أي مغايرة بينهما إلا أن هذا تارة يسمی ب- "حقيقة الوجود" عند عنوان البحث ب- "أصالة الوجود"، وأخری ب-: "اللّه"، و"واجب الوجود"، وذلك عند ما يعنونون البحث باسم "وحدة الوجود"، وباسم: "الاشتراك المعنوي في الوجود" - وهو عند البحث عن كون الوجود مشتركا لفظيا أو معنويا.
وأما من قال في تقرير أصالة الوجود بأن:
"لا شك أن هناك حقايق عينية وكثرات واقعية ينتزع منها العقل مفهومين، أحدهما الوجود والاخر هو الماهية، والاصيل في التحقق العيني وما يتعلق به جعل الجاعل أولا وبالذات هل هو الوجود أو الماهية التي تكون اعتبارا ذهنيا فقط".
فلم يصل إلی حقيقة معنی أصالة الوجود في مغزی عقيدة القائلين بها، فإن هذا التقرير يكون مبنياً علی بطلان أصالة الوجود برأسها، حيث بينا:
ألف) أن القول بأن: "هناك حقايق عينية وكثرات واقعية" يتناقض مع معنی أصالة الوجود الّذي لا يجتمع مع أي كثرة واقعية أبدا.
ب) أن القول بأن هناك يكون جعلا وجاعلا ومجعولا يتناقض أيضا مع القول بأصالة الوجود وذلك حيث إنهم يصرحون بأن الوجود يكون وجودا بذاته ولا يقبل الجعل مطلقا.
والعجب من أعلام المعرفة البشرية يقررون مسألة أصالة الوجود علی هذا الوجه الظاهر البطلان البعيد عن مقاصد القائلين به حتی أنفسهم.
ص: 27
إن قلت: إن القائل بوحدة الوجود قد يصحح أمر الكثرات الواقعية من ناحية تشكيك الوجود وكونه ذا مراتب مختلفة.
قلت: الكثرة التشكيكية أيضا تكون اعتبارا محضا لا توجب أي كثرة واقعية أبدا، بل تكون حقيقة الوجود عند القائلين بها حقيقة واحدة دون أي كثرة واقعية ولا تكون مناطا لاي تعدد حقيقي مطلقا، وإنما تشبث بها لتكون ذريعة للاحتفاظ علی عقيدة وحدة الوجود النافية لاي فرق وبينونة بين الخالق والخلق، كما التزم به أعلام الفلسفة في نهاية أمرهم، ولم يبالوا بالتصريح به.
وعلی أي حال لا يخفی علی المتأمل أن هذا المعنی الّذي أحدثته المعرفة البشرية - وهو قولهم بأن هناك حقيقة عينية هي نفس الوجود وما دونها أوهام وخيالات - يكون شيئا ينكره العقل والبرهان والضرورة والوجدان.
يقول ملا صدرا:
قاعدة لدنية في تقسيم الموجود وإثبات أول الوجود
إن الموجود إما حقيقة الوجود أو غيرها ونعني بحقيقة الوجود ما لا يشوبه شي ء غير الوجود من عموم أو خصوص أو حد أو نهاية أو ماهية أو نقص أو عدم وهو المسمی بواجب الوجود.
فنقول لو لم تكن حقيقة الوجود موجودة لم يكن شي ء من الاشياء موجودا لكن اللازم باطل بديهة فكذا الملزوم أما بيان اللزوم فلان غير حقيقة الوجود إما ماهية من الماهيات أو وجود خاص مشوب بعدم أو قصور وكل ماهية غير الوجود فهي بالوجود موجودة لا بنفسها كيف ولو أخذت بنفسها مجردة عن الوجود لم يكن نفسها نفسها فضلا عن أن يكون موجودة لان ثبوت شي ء لشي ء فرع علی ثبوت ذلك الشي ء ووجوده وذلك الوجود إن كان غير حقيقة الوجود ففيه تركيب من الوجود بما هو وجود وخصوصية أخری وكل خصوصية غير الوجود فهو عدم أو عدمي... فيتسلسل أو ينتهي إلی وجود بحت لا يشوبه شي ء فظهر أن أصل موجودية كل موجود هو محض حقيقة الوجود الذي لا يشوبه شي ء غير الوجود فهذه الحقيقة لا تعتريها حد ولا
ص: 28
نهاية ولا نقص ولا قوة إمكانية... فلا... تشخص له بغير ذاته ولا صورة له كما لا فاعل له ولا غاية له بل هو صورة ذاته ومصور كل شي ء لانه كمال ذاته وهو كمال كل شي ءلان ذاته بالفعل من جميع الوجوه فلا معرف له ولا كاشف له إلا هو ولا برهان عليه إلا ذاته فشهد بذاته علی ذاته وعلی وحدانية ذاته كما قال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ لان وحدته ليست وحدة... إجتماعية توجد لعدة من الاشياء قد صارت بالاتحاد في الوجود أو الاجتماع شيئا واحدا ولا أيضا اتصالية كما في المقادير أو المتقدرات ولا غير ذلك من الوحدات النسبية كالتماثل والتجانس والتشابه والتطابق والتضايف أيضا كما ستعلم وإن جوزته الفلاسفة والتوافق وغير ذلك من أقسام الوحدات الغير الحقيقية بل وحدته وحدة أخری مجهولة الكنه كذاته تعإلی إلا أن وحدته أصل كل الوحدات كما أن وجوده أصل الوجودات فلا ثاني له وكذا علمه الوحداني نفس حقيقة العلم الذي لا يشوبه جهل فيكون علما بكل شي ء من جميع الوجوه وهكذا القول في جميع صفاته الكمالية.
قاعدة عرشية
كل ما هو بسيط الحقيقة فهو بوحدته كل الاشياء لا يعوزه شي ء منها إلا ما هو من باب النقائص والاعدام. (العرشية، 220-221).
ويقول:
لما كانت حقيقة كل شيء هي خصوصية وجوده التي يثبت له، فالوجود أولی من ذلك الشيء بأن يكون ذا حقيقة، كما أن البياض أولی بكونه أبيض مما ليس ببياض وعرض له البياض. فالوجود بذاته موجود وسائر الاشياء غير الوجود ليست بذواتها موجودة، بل الوجودات العارضة لها. (الاسفار، 1 / 38 / 39).
أقول: ليس هذا الاستدلال إلا كقول القائل:
إذا كان كل ضارب ضاربا بخصوصية الضرب فحقيقة الضرب أولی بأن يكون ضاربا!!
وإذا كان كل جالس جالسا بخصوصية الجلوس فحقيقة الجلوس أولی بأن يكون جالسا!!
ص: 29
وإذا كان هذا الاستدلال عجيبا غريبا بالعجابة والغرابة فحقيقة العجابة والغرابة أولی بأن تكون عجيبة غريبة!!ثمّ إن من الواضح أنه لا يثبت بهذا الاستدلال أن يكون هناك حقيقة هي الوجود، بل الثابت به هو: أنه إن كان هناك وجود لتلك الحقيقة فيجب أن تكون هي أيضا وجودا لا غير، ولكن إنّي يكون ذلك مقيدا ب- "إن" الشرطية من إثبات مدعاهم وراء الشرط المصرح به في كلامهم؟!!
ومما يشهد بالصراحة علی بطلان فرض أن هناك حقيقة عينية هي نفس الوجود أن القائلين بها قد عجزوا عن تفسيرها إلا ب-: "أن حقيقة الوجود هي كل الاشياء، وكل الاشياء هي نفس تلك الحقيقة! ولا أحدية في الكون إلا أحدية المجموع".
ويشهد لهذا العجز الواضح بامتناع أن يكون لحقيقة الوجود عينية وواقعية إن "كل الاشياء" يكون أيضا هو أشياء موجودة لا حقيقة الوجود المحض الموهوم، كما أنه إذا فسرنا حقيقة كل واحد من البياض والحرارة والبرودة و... بكونها كل ما يكون أبيض، وكل ما يكون حارا وكل ما يكون باردا و...، فقد أقررنا بأن الواقعية والعينية هي نفس الاشياء المبيضة والحارة والباردة و... ويصبح القول بأن هناك واقعية هي نفس حقيقة البياض والحرارة والبرودة من الاوهام المزيّنة بألفاظ شعرية وعبارات خطابية يجلّ شأن العلوم البرهانية عن أن تبتني علی أمثالها جدا.
للوجود والماهية اعتبارات مختلفة
الاول: الوجود بمعنی عام شامل لانواع الوجود الخارجي والذهني والواجبي والامكاني والمادي والمجردي و... كما أن للماهية ايضا عنوان كلي يشمل جميع انواع الماهيات الواجبة منها والممكنة والشجرية منها والحجرية والانسانية منها والحيوانية و...
الثاني: الوجود والموجود بخصوصية نوعية كالوجود الخارجي، أو الذهني، او المادي او ... كما ان للماهيات ايضا عناوين نوعيه شاملة لافراد كالشجر او الحجر او الانسان او الحيوان او ...
الثالث: المعنی المجرد عن الوجود والعدم كقولك: الموجودات بعضها معدوم كبحر من زيبق وبعضها موجود، وكقول السوفسطي الوجود ليس بموجود بل هو وهم وخيال. فان الوجود في
ص: 30
الموضوع لوحظ مجرداً عن الوجود والعدم وفي المحمول لوحظ بمعنی الخارجيه والموجودية العينيه. كما أن السوفسطي يقول ايضاً: الحقايق ليست بحقائق، والانسان ليس بانسان، والشجر ليس بشجر والخارجيات ليست بخارجيات، والهويات والماهيات ليست بماهيات وهويات بل كل ذلكاوهام. فإن الموضوع في كل هذه القضايا لوحظ مجرداً عن الوجود والعدم والخارجية وفي المحمول لوحظ بمعنی الخارجية والموجودية العينية.
الرابع: الوجود والماهية بمعنی نفس الخارجيه والعينية كما اذا جائك زيد فقلت: جائني وجود أو ماهية أو انسان تعني بذلك كله نفس المصداق العيني والخارجي الخاص المتشخص غير المشترك.
تنبيهات
1. قد يقال: مفهوم الوجود مشترك والماهية ليست بمشتركة بل هي جهة الامتياز.
و نقول ذلك قول باطل قد نشأ من خلط اعتبارات الوجود والماهية فإن الوجود في حكمهم بذلك قد اخذ في ذلك بالمعنی الاول والثاني والثالث والماهية اخذت بالمعنی الرابع والا فلا فرق بين الوجود والماهية من جهة كونهما مشتركين او مختصين إن لوحظت الاعتبارات المختلفه كما هي حقها.
2. قد يقال: مفهوم الوجود مشترك لانه يقسم إلی اقسام مختلفه كتقسيمه إلی الواجب والممكن والجوهر والعرض و... ولكن الماهية لا تقبل التقسيم فان الانسان أو الشجر أو الحجر او ... لا يقسم إلی اقسام.
و نقول: ذلك ايضا باطل نشأ من خلط اعتبارات الوجود والماهيه، حيث إن الماهية أيضا تقسم إلی أنواعها المختلفة بالمعنی الثاني كالوجود.
3. قد يقال: إن الوجود اصيل والماهية اعتبارية بمعنی ان الحقيقة العينية التي نثبتها بالضرورة هي الوجود لا الماهية وذلك لان الماهية من حيث هي ليست إلا هي تستوي نسبتها إلی الوجود والعدم ولا يخرج من حد الاستواء ولا يترتب عليه الآثار إلا بالوجود، فالوجود هو الاصيل.
و نقول: القول بذلك خطأ قد نشأ من خلط اعتبارات الوجود والماهية وإلا مع ملاحظة الاعتبارات كما هي حقها لا فرق بين الوجود والماهية ابداً. هذا كله مضافا إلی أن بحث الاصالة والفرعية لا يكون
ص: 31
إلا من حيث الخارج باتفاق الكل، والوجود والماهية من حيث الخارج متحدان من كل جهة بالاتفاق ايضا، فالفرق بينهما تناقض واضح.4. قد يقال: إن الشيء الواحد في العين ينتزع منه مفهومين متغايرين في العقل هما الوجود والماهيه فلابد وان يكون احدهما اصيلاً والآخر اعتبارياً.
و نقول: ان المعاني والمفاهيم المنتزعه عن الاشياء الخارجية لا تنحصر بما ذكر قطعاً بل تنتزع من كل شيء معاني ومفاهيم مستقله لا يرجع شي منها إلی الآخر - وذلك لوجوب تباين المفاهيم المتكثرة بالبداهه والا لم تكن مفاهيم متكثرة - وذلك كما انا تنزع مثلا من تفاحة واحدة انها موجود، وأنها هوية، وانها مخلوقه، وأنها متجزية، وأنها مكممة، وأنها كروية، وأنها مأكولة، وأنها فاكهة، وأنها شيئ، وأنها ...
و ارجاع بعض هذه المفاهيم إلی آخر إن كان من حيث المفهوم فباطل وان كان من حيث المصداق فالوجود والماهية ايضا كذلك.
5- هل الوجود بسيط ام متجزي ومركب
ان الوجود والموجود بالاعتبار الرابع يكون متجزيا مركبا في ما نراه من المصاديق وندركه وهذا حكم بديهي، وفي الخالق تبارك وتعإلی المتعالي عن الحس والوهم يكون غير متجزي.
و اما بالاعتبار الاول والثاني وهما من حيث المفهوم فيكون مركباً من عنوان عام وخاص بمنزلة الجنس والفصل عند من يكون للوجود عنده قابلاً للتعريف ويكون مفهوماً بسيطاً غير متجزء عند من يعد تعريف الوجود دوريا ويحسب تعريفه محالا.
فمن قال ان بسيط الحقيقة وهو الوجود غير المتناهي وهو واجب الوجود هو مصداق حقيقة الوجود وهو كل الاشياء ثم قال بان الواجب الوجود لا جزء مقداري له وهو بسيط قد خلط بين مفهوم الوجود ومصداقه حيث ان البساطة المدعاة راجعة إلی مفهوم الوجود وإلا فمصداق الوجود فيما نراه ونحسه ذو أجزاء مقدارية بالبداهة.
ص: 32
إن اللّه تعإلی قادر مختار
إن "الفاعل" - خالقا كان أو مخلوقا - لا يكون إلا قادرا مختارا، وذلك أن الفعل لا يتصور له معنی دون صدوره عن من يكون قادرا. مضافا إلی أن الفعل لا يكون إلا مخصَّصا بزمان ومكان وكم وكيفخاص، وتخصصه بذلك لا يمكن أن يكون إلا بالفاعل المختار، حيث إنه إن كان ذلك باقتضاء ذاته لزم ترجّح وجوده بحالة خاصة من بين وجوه متساوية من غير مرجح وهو محال.
وقد ظهر من ذلك أن تقسيم الفاعل إلی: "الموجب والمختار" يكون مسامحة، بل غلطا واضحاً، فإن الموجَب منفعل وليس بفاعل.
لا يقال: إن الفاعل الموجَب فاعل من جهة ومنفعل من جهة.
لانا نقول: بل الموجب منفعل مطلقا، وفاعله لا يكون إلا مختارا كما أوضحناه فلا تغفل.
هذا ولكن المعرفة البشرية لم تقنع بهذا التقسيم الباطل حتی حصرت الفاعلية والعلية بالايجابية! وأنكرت حقيقة معنی الفعل والاختيار مطلقا!
وأما الدليل علی كون الخالق تبارك وتعإلی قادراً مختاراً فهو نفس الدليل علی كونه خالقا لما سواه وقد بيناه.
إن اللّه تعإلی قدرة وعلم
إن الموجود إذا كان قادرا وكان متعاليا عن وجود الاجزاء والمقدار، فلا يمكن أن يكون واجدا للقدرة، أو ذاتا متصفة بها، بل إن كان فهو ذات القدرة والسلطنة (وليس بصفة ولا موصوف كما يأتي البحث عن ذلك مفصلا إن شاء اللّه تعإلی) وذلك لبداهة أن:
ألف) إن "الوجدان والفقدان" من صفات الاقدار والاشياء العددية ذوات الاجزاء.
ب) إن الصفة عارضة متبدلة، واستحالة اتحاد وجود العارض والمعروض وعينتهما من البداهة بمكان، فإن كل صفة يشهد أنها غير الموصوف، وكل موصوف يشهد أنه غير الصفة.
والفاعل - مطلقا - لا يكون إلا عالما، لان كل فاعل عالم، ومن ليس بعالم فهو ليس بفاعل بل منفعل موجب.
ص: 33
إن قلت: فما هو حكم النائم والساهي وهما فاعلان من غير علم؟!
قلت: إن النائم والساهي لا يكونان فاعلين بل هما منفعلان موجبان.ومن هنا يظهر أن تقسيم "الفاعل" إلی: "العالم وغير العالم" أيضا يكون مسامحة بل غلطا واضحا، فإن غير العالم لا يكون فاعلا بل هو منفعل موجب.
والمعرفة البشرية هاهنا أيضا غيرت حقيقة العلم عن معناه الواضح عند كل أحد، إلی معنی "الاحاطة الوجودية" وهو معنی "الجزء والكل" في الواقع.
ثم إن الموجود إذا كان عالما وكان متعاليا عن الاجزاء والمقدار، فلا يمكن أن يكون واجدا للعلم، أو ذاتا متصفة بها، بل إن كان فهو ذات العلم، والدليل علی ذلك هو نفس ما تقدم في إثبات كون اللّه تعإلی ذات القدرة، لا واجدا للقدرة ومتصفة بها.
إن اللّه تعإلی ليس بصفة ولا موصوف
إن الوجدان والفقدان من صفات الاقدار وملكاتها، وعليه فالموجود المتعالي عن المقدار والاجزاء يتعالي عن أن يتصف بأن يكون واجدا لشيء أو فاقدا له، فهو إذا كان عالما قادرا حيا سميعا بصيرا فهو ذات العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، لا ما يكون واجدا لهذه الاوصاف، ومتصفا بهذه الصفات، وذلك لشهادة كل صفة بأن لها خالقا ليس بصفة ولا موصوف.
واعلم أن ذات العلم والقدرة والحياة لا تكون شيئا قابلا للتصور والتوهم، فضلا عن أن يمكن تصورها متصفة بأوصاف، وذلك أن الصفة لا تعقل إلا عارضة علی الذات، قابلة للسلب عنها، وللتبدل بغيرها، وهذا هو معنی كون الخالق تبارك وتعإلی متعاليا عن الاتصاف بالصفات، وكونه ليس بصفة ولا موصوف. فلا صفة هناك ولا موصوف حتی يبحث عن كون تلك الصفات زائدة علی الذات أو عينها، بل مع فرض أن تكون هناك صفة وموصوفا فالحكم بكون الصفات عين الذات يكون خلاف ذات كون الصفة صفة والموصوف موصوف.
وبعبارة أخری إن الصفة إما أن تكون حكاية عن حالة خاصة لشيء يقبل الاحوال المختلفة - وهو ما ينحصر به معنی الصفة موضوعاً - فاللّه تبارك وتعإلی يجلّ عن نسبة ذلك إليه بالذات، وإما أن لا تكون
ص: 34
علی ذلك المعنی - وهي التي لا تعرف إلا بنفي ما يقابلها كما يأتي في محله إن شاء اللّه تعإلی - فهذه ليست من حقيقة معنی الصفة في شيء ولا إشكال في نسبة ذلك إليه تعالی. وهذا المعنی هو الذي اختلف في كونها نقلا أو مجازا أو...
كيف يوصف اللّه تعإلی وليس بصفة ولا موصوف؟!
قد وقع البحث في أن إطلاق الاسماء والصفات علی اللّه تعإلی وعلی خلقه هل يكون بمفهوم واحد - وهو المسمی عندهم ب-"المشترك المعنوي" - أم لا فيكون الاشتراك لفظيا؟!
أقول: إن مداليل الالفاظ والاوصاف في ما سوی اللّه تعإلی يشبه بعضه بعضا ولكن اللّه تعإلی لا يشبه شيئا منها أبدا، وذلك أنا إذا قلنا: إن زيدا عالم وقادر وحي ومريد وسميع وبصير و... فإن حقيقة تلك الاوصاف فيه يشبه ما يكون في غيره من المخلوقات، وهي من جهة أن كل واحدة منها تكون حقيقة مقدارية، عددية، قابلة للوجود والعدم والزيادة والنقصان والتصور والادراك بنفسها، وذلك بخلاف ما يوصف به منها خالق العلم والقدرة والحياة والصفة والموصوف و...
وهذا هو المراد من وجوب نفي التشبيه المصرح به في النصوص السماوية.
ومن هاهنا تقول: إنّ اللّه تعإلی هو عالم لا كعالم وهو قادر لا كقادر، وهو حي لا كحي، وهو...
وتقول أيضا: يجب إرجاع صفات اللّه تعإلی إلی نفي مقابلاتها فإن تلك الاوصاف المتعالية لا تعرف إلا كذلك حيث إن كل معنی ووصف نعرفه وندركه بنفسه يكون علی خلاف ما ينسب منه إلی اللّه تبارك وتعإلی بحيث إن لم نتصرف في أوصاف اللّه تعإلی بما بيناه - أي بأن نقول: " إن اللّه عالم لا كعالم" أو نقول:
"هو تعإلی عالم، أي ليس بجاهل" - لم نكن في الحقيقة من الموحدين، بل كنا في عداد المشركين الملحدين المشبهين اللّه تبارك وتعإلی بخلقه، أعاذنا اللّه تعإلی من ذلك.
وهذا في عين أنه لا يلزمنا أن نقول: "زيد قادر لا كقادر"، ولا أن نقول: "زيد عالم، أي ليس بجاهل"، بل إن قال قائل ذلك لم يفد كلامه أيّ فائدة دون الاختلاف في التعبير فقط مع غض النظر عن استهجان ذلك واستنكاره العرف له.
ص: 35
وبذلك تعلم وجه الخلل فيما قد يقال: إن مفاهيم أسماء اللّه تبارك وتعإلی وصفاته تكون مشتركا معنويا مع ما يوصف به خلقه وإنما التباين بينهما يرجع إلی المصداق فقط!
وجه البطلان هو أن من البديهي أن صفات الخلق من العلم والقدرة و... كل ذلك تكون حقايق مقدارية عددية قابلة للوجود والعدم والزيادة والنقصان والتصور والادراك بنفسه مفهوما ومصداقا، ولذا يجب عليك أن تقول في وصف اللّه تعإلی: "إن اللّه تعإلی عالم لا كعالم" و"هو قادر لا كقادر" وهو عالم وقادر أي ليس بجاهل ولا عاجز"، وليس ذلك إلا من جهة التباين المفهومي لا المصداقي فقط وإلا كان يلزمك أن تقول بذلك في وصف زيد وعمرو بتلك الصفات حيث إنه لا شك في أن زيداً وعمرواً ايضاً يتباينان مصداقا مع الاشتراك في مفاهيم تلك الاوصاف.
بل إن كان تباين أوصاف الخالق والمخلوق من حيث المصداق فقط دون المفهوم لما كان يجب علينا أن نقول بوجوب إرجاع صفات اللّه تعإلی إلی سلب مقابلاتها وتنزيهه عن أوصاف خلقه(1) مع أنا قد بينا أنه لو لم نفعل ذلك لوقعنا في التشبيه وخرجنا من عداد الموحدين المنزّهين للّه تعإلی من أن يشبهه شيء في ذاته وصفاته.
وبالجملة إن مفهوم الوجود الّذي يعرفه البشر في بادي أمره - وقد وضع له لفظ الوجود - هو وجود:
1) قد أخذ في حاق معناه كونه ذا كم وكيف معينين - وبذلك يكون قابلا لقبول مقابله وهو العدم - وعليه فلا يحمل إلا علی ما يكون قابلا للوجود والعدم لذاته، وهو كل ما يمكن تصوره من الاشياء البتة. فمعنی الامكان مأخود في مفهوم الوجود المحمول علی ما سوی الله تعإلی. ومن هاهنا يري الانسان تنافيا بيّنا بين أن يكون شيء موجودا من ناحية، ويكون بلا جزء ولا كل، ولا مقدار ولا عدد ولا حد، ولا تناه ولا عدم تناه، ولا شبح ولا صورة ولا غير قابل للعدم... من ناحية أخری.
وبعبارة أخری: إن صفة الوجود الّتي توصف بها المخلوقات هي صفة إحاطة وأما صفة الوجود المحمول علی الخالق تعإلی هي صفة إقرار فقط لا إحاطة، وذلك أن المخلوق الموصوف بالوجود يتصور بجميع أجزائه بين وصفي الوجود والعدم أولا ثمّ يوصف بأحدهما دون الأخری ثانيا، وأماالخالق المتعال فلا يمكن أن يتصور كذلك، بل يجد العقل أنه لا بد له عند الالتفات إلی وجود الخالق
ص: 36
تبارك وتعإلی أن يقر بأن هناك موجودا ليس بمعدوم لا يمكن له الاحاطة به بأن يتصوره قابلا للوصف بصفتي الوجود والعدم أولا، ثمّ الحكم بوجوده أو عدمه ثانيا.
إن قلت: إن هذا الاختلاف راجع إلی المصداق لا إلی الاختلاف في مفهوم الوجود.
قلت: بل إن المصداقين - الخالق والمخلوق - وإن تباينا بتمام الذات حيث إن الاول يكون ذا أجزاء والثاني يكون بخلاف ذلك، ولكن مفهوم الوجود المحمول علی الخالق المتعال يكون مباينا مع مفهوم الوجود المحمول علی الخلق بما بينّا أن الثاني يكون إخبارا عن نوع من الاثبات يختص بذات تقبل النفي والعدم والاول لا يكون كذلك. بل إن الوجود المحمول علی الخلق إن لم يكن في حاق معناه امكان تقابله مع العدم لم يكن حمل الوجود عليه يفيد شيئا أصلا. وكانت الهلية البسيطة منتفية بانتفاء فائدة السؤال بها دائماً.
إن قلت: فيلزم إذاً أن لا يفيد حمل الوجود علی الخالق المتعال شيئا، ويلزم أن يكون السؤال ب-: "هل البسيطة" عن وجوده تعإلی باطلا بانتفاء فائدته.
قلت: إن كنت تزعم أن إثبات وجود الخالق المتعال يفيد إثباتا لما يمكن نفيه فهو كذلك قطعا حيث إن إثباته تبارك وتعإلی لا يكون إثباتا مع إمكان النفي فيكون متعاليا عن إفادة هذا المعنی من الاثبات بل هو إثبات وتثبيت للثابت الذي لا يقبل النفي ثبوتاً وإقرار بأن هناك شيئا لا يمكن للملتفت إليه علی ما هو عليه - أي متعالياً عن المقدار والاجزاء - أن ينفي وجوده بالنظر إلی ذاته.
ومن هنا تعلم أن السؤال بأن: "ما هو المانع من انعدام الخالق تعإلی بعد إيجاده الخلق" لا موضوعية له أصلا حيث إن وجود الخالق المتعال وسنخ إثباته يجلّ عن شأنية أن يسأل عنه بهذا السؤال.
قد يقال: إذا قلنا بوجوب إرجاع صفات الخالق المتعال إلی نفي مقابلاتها فالامر لا يخلو من أن نفهم من تلك المقابلات معنی أم لا، فإن لم نفهم منها معنی أصلا يلزم التعطيل، وإن فهمنا منها معنی وكان هو نقيض المعنی المثبت له فقد يعود المحذور حيث إن نفي الجهل مثلا يلازم إثبات العلم وهو كرّعلی ما يفرّ منه، وإن لم يكن المعنی المنفي مناقضا للمعنی المثبت يلزم منه ارتفاع النقيضين وذلك أنا لا نعرف شيئا ثالثا بين الوجود والعدم.
ص: 37
نقول: هذا خلط بين المعاني والاوصاف الخلقية مع أوصاف الخالق تبارك وتعإلی حيث إن الأولی تكون قابلة للوجود والعدم والادراك بنفسها وأما الثانية تكون متعالية عن قبول الوجود والعدم وقابلية الادراك والمعرفة بنفسها فإن نفي الجهل عن زيد مثلا يساوي إثبات العلم له بمعناه المعلوم عند كل أحد ولكن نفي الجهل عن اللّه تبارك وتعإلی يكون لبيان تنزه الخالق عن مشابهة خلقه وإثبات أن هناك علما ليس بحصول ولا حضور ولا يعرف بنفسه ولا يشبه شيئا مما نعرفه وندركه من معاني الذوات والصفات، وليس لاثبات معنی العلم المقابل للجهل الذي يكون مقداريا عدديا قابلا للتصور والادراك بذاته حتی يعود المحذور الذي توهمه المستشكل فإنه قد غفل عن أن العلم المقابل للجهل المناقض له ان له مصداقين:
ألف) حقيقة وواقعية مخلوقة مقدارية قابلة للادراك بنفسها - وهذا المعنی لا إشكال في إمكان تصوره ومعرفته بنفسه ثم نسبته إلی موصوف قابل للمعرفة والادراك أيضا.
ب) حقيقة وواقعية أخری هي ذات العلم لا تعرف بنفسها ولا تتصور بذاتها، ولا يمكن العلم بوجودها إلا من غيرها، وليس يمكن إثباتها بعد تصورها بنفسها أو صفة لغيرها، فلا يمكن معرفتها إلا بأنها ليست بجهل فقط وإلا لدخلت تحت التصور وكانت مقدارية مخلوقة عددية، فتدبر جيدا حتی تفهم ولا تزلّ فتضلّ بتشبيه الخالق بالخلق، وينتهي أمرك لا محالة إلی أن تقول - كما قال غيرك -: إن اللّه تعإلی يكون عين غيره ذاتا ووصفا ووجودا وإنما التفاوت بينهما تكون من جهة أن أحدهما تكون محدودا والاخر هو نفس ذلك المحدود وما يفضل عليه بحيث لا ينتهي إلی نهاية أبدا و...
للبحث صلة
ص: 38
العدد السابع
بحث مختصر حول أصول التفكير الصحيح للوصول
إلى المعرفة الصحيحة
نداء الدين
لكنا نقول: إن الدين الإلهي خاطب و نادی البشر،
اولاً: برؤية معينة حول المبدأ و المعاد و اثبت واقعية هذه الرؤية بنوعين من الادلة بالاستدلالات العقلية و بالمعجزة الخارقة للعادة و التي هي بدورها دليل عقلي و لقد اثبت النبي بمعجزته نبوته و صحة كل ما جاء به فلم تكن معجزة النبي محصورة في اثبات النبوة فقط بل ولا معنی لذلك فانه لو ثبتت نبوته بالمعجزة ثبت كل ما جاء به و لا دور في الاستدلال كما قد يتوهم.
ثانياً: فقد نادی الدين ببطلان باقي المذاهب الاخری و ضلالتها و بعدها عن الحق و الواقع قال تعالی و إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله~ و حول الفلسفة
ص: 39
بالخصوص فقد نادی الدين بشكل صريح ببطلان المذهب الفلسفي و حذر منه فالامامالعسكري اخبر عن وقوع انحراف بعض العلماء من الشيعة في اخر الزمان بالانصياع وراء الفلسفة و العرفان و امر بالحذر منهم حيث يقول «.. علماؤهم شرار خلق الله علی وجه الأرض لأنهم يميلون إلی الفلسفة و التصوف، و أيم الله إنهم من أهل العدول و التحرف! يبالغون في حب مخالفينا و يضلون شيعتنا و موالينا... ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، و الدعاة إلی نحلة الملحدين، فمن ادركهم فليحذرهم و ليصن دينه و إيمانه منهم ».(1) و هنا يعبر الامام بأن الدعوة إلی الفلسفة دعوة إلی الالحاد و هذه الرواية مضافاً لصحة سندها انها اخبرت عن حوادث اخر الزمان و قد و قعت
تلك الحوادث كما اخبر فهي صحيحة حتی لو لم تكن صحيحة السند.
و عن الامام الصادق إنه قال: «كذب من زعم أنه من شيعتنا و هو متمسك بعروة غيرنا»(2).
و عنه أنه قال: « والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا و
إن من وافقنا خالف عدونا و من وافق عدونا من قول او عمل فليس
منا و لا نحن منهم»(3)
و عن الامام الكاظم انه كتب « و اما ما ذكرت ممن تأخذ معالم دينك، لاتأخذن معالم دينك من غير شيعتنا... (4)».
و عن الامام الرضا شيعتنا المسلمون لامرنا، الاخذون بقولنا، المخالفون لاعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا(5) ».
و عن الباقر أنه قال:«كل مالم يخرج من هذا البيت فهو باطل(6)»
ص: 40
و عن الحجة « طلب المعارف من غيرنا مساوٍ لانكارنا»
و عن الامام الصادق « فتباً و خيبة و تعساً لمنتحلي الفلسفة
كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتی انكروا التدبير و العمد فيها(1)».
وعن مولانا اميرالمؤمنين «المؤمن اخذ دينه عن ربه و لم يأخذه عن رأيه(2) »
فبعد هذه التحذيرات هل يصح لمن يؤمن بنبوة النبي و امامة الائمة المعصومين متابعة مسلك و مذهب الفلاسفة و هل يصح أن يقال إن الفلسفة مطابقة للدين و إذا كان الدين حقاً كما ثبت بالمعجزة فالمفروض بطلان مسلك الفلاسفة و ضلالته.
و لايخفی أن هذه الروايات غير قابلة للتوجيه و التبرير فعلی المخلص لمذهب اهل البيت عليهم السلام أن يقف مجاهداً في سبيل الله و أن يعلن براءته من كل هذه الضلالات و الانحرافات.
هذا و يكفي في انحراف الفكر الفلسفي و ضلالته مخالفة الفلسفة للدين حيث انكرت مجموعة من بديهيات الدين و ضرورياته فقد انكرت المعاد الجسماني و قالت إنه مستحيل في حين أن الايات و الروايات الدالة علی جسمانية المعاد متواترة و قطعية و ضرورية و قد انكرت الفلسفة معراج الرسول الاكرم و قالت انه بالتجرد لا بالجسم و انكرت عالم الذر الذي صرح به القرآن الكريم و استفاضت به الاخبار و انكرت حدوث العالم و الحال ان حدوثه من ضروريات الشرايع لاالدين الاسلامي فقط مضافاً لتواتر الاخبار نذكر اثنين منها ففي نهج البلاغة خطبة 162 «لم يخلق الاشياء من اصول ازلية و لا من اوائل ابدية...» و عن مولانا الرضا: حول الكلام
ص: 41
الالهي « فمن زعم انهن معه فقد أظهر أن الله ليس بأوّل قديم و لا واحد و ليس له بدء و ليس له باله».(1)و أنكرت فناء العالم و الدين يصرح بفناء العالم بكله و اجمعه ثم تجدد الخلقة من جديد يقول مولانا اميرالمؤمنين « ... هو المفني لها بعد وجودها حتی يصير موجودها كمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها باعجب من انشائها و اختراعها... و ان الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لاشيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكانٍ ولا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الاجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلا شيء الا الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها كان فناؤها...ثم يعيدها بعد الفناء...» (2)
و قد أنكرت الفلسفة الارادة و الاختيار الالهي و قالت إن المعلول يستحيل أن يتخلف عن علته و من لوازم كلامهم القول بالجبر كما هو معروف عنهم و أنكرت القدرة الالهية فادعت استحالة صدور الكثرة منه تعالی و أن الفاعل لهذه الكثرات إنما هي العقول فانكرت خالقيته تعالی و جعلت الخالقية للعقول و بنحو الاستقلال في حين أن من بديهيات الاسلام أنه تعالی فعال لما يريد و لا يمتنع عليه شيئ و أنه هو الخالق و لا خالق سواه لا بنحو الاستقلال و لا بنحو التفويض يقول مولانا الامام الرضا انه قال «ومن زعم ان الله عزوجل فوّض امر الخلق والرزق الى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك»(3) و هذه الرواية و غيرها من الروايات تنفي اي وساطة في الخالقية بينه تعالی و بين المخلوقات و كذلك تنفي القول بالجبر و أن من بديهيات التشيع عدم القول بالجبر .
ص: 42
هذا و من المضحك أن بعضهم ادعی أن العقل الاول الذي جعلوه علة للخلائق و واسطة بين الذات الالهية المقدسة و بين الخلائق هو الرسول الاكرم في حين أن هذا مخالف للقرآن و الروايات المتواترة و اجماع علماء الشيعة.
فالمؤمن بالدين وبمذهب اهل البيت كيف يمكنه الايمان بخط و مسلك خالف كل هذه الضروريات و البديهيات.العاشر
و اخيراً نذكر هنا من يريد أن يدرس و يبحث في المسائل الكلامية و الفلسفية بإمور:
1 ) ترك اتباع الهوی ، و معه سوف لا ينفع الأستدلال و لا البحث فمن يهوی شيئاً حتی لو أتيت له بألف دليل لا يقنع و لا يقبل.
2 ) ترك التعصب و هو كالأول؛ و قد أرشدنا القرآن الكريم و السنّة المطهّرة الی ذلك. فعن أمير المؤمنين قال: «أخوف ماأخاف عليكم اثنان؛ اتباع الهوی و طول الأمل، فأما اتباع الهوی؛ فيصد عن الحقّ و أما طول الأمل؛ فينسي الآخرة». و عنه :« من عشق شيئاً؛ أعشی بصره و أمرض قلبه».
3) و كذلك ترك التقليد، و الإغترار بالشخصيّات الفلسفيّة و غيرها فمن يريد الحقيقة يجب أن ينظر الی ماقال، و يحكِّم الدليل و البرهان، و لا ينظر الی من قال و إلا فلا فائدة من البحث و الاستدلال حينئذٍ.
4) و هناك نقطة مهمة أيضاً؛ و هي الشجاعة في قبول الحق و اتّباعه فما أكثر أولئك الذين يعرفون الحقّ و يخشون قبوله أو التفوّه به!. و هذا خلاف الأمانة و المسؤوليّة العقليّة و الالهيّة و العاقل مسؤول، و المسؤوليّة لا تنفك عن العقل. و علم المعرفة بحث في العقليّات من أجل تشخيص المسؤوليّات و احترامها و العمل بها. لذا لا تنفك العقليّات عن، الحكمة و سمّيت بالحكمة تسمية الملزوم باللازم.
و قد ورد في بعض الاخبار: (العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان). فالخوف و الجبن و اليأس و اتباع الهوی و التعصب و التقليد و الأغترار، و غيرها من الأمور التي تخرج الإنسان عن جادة التحقيق؛ كلها أمور تجعل طالب الحقيقة بعيداً عنها و تكون حاجياً بينه و بينها.
ص: 43
5)و نذكّر أيضاً بما مرّ في الأصل الثالث من أصول المعرفة إنه لابدّ من الإيمان بقيمة المعرفة، و إنها ممكنة(1) و إنه بلا أن تكون للمعرفة قيمة كشف الواقع مائة بالمائة فلا ثمرة و لا فائدة من البحث الكلامي و الفلسفي فالشئ الذي لا يفهم بالمرّة و لا بوجه من الوجوه لاقيمة له. فهنالك كلمات تخرج من أفوه العوام، و من بعض من يدّعي العلم و المعرفة إن هذه المسألة لايفمها أي أحد؛ و لا يمكن فهمها و يكسونها بالعظمة و اللغزّية و العمق في عين ادعائهم عدم فهمها.و هذا كلام مما يضحك الثكلی! و إلا كيف حكموا علی أمر مجهول؛ بهذه الأوصاف؟ و ما قيمة شيء لايفهم و لا يمكن فهمه لأي أحد؟.
علی أنه لو كان هنالك أمر مجهول و لا يمكن معرفته؛ فهو مورد ريب و شك ّ لامورد اعتماد و افتخار كما يفعل الجهّال. عصمنا الله من الحيرة و الضلال، و جعلنا من أتباع الحقيقة، و من المتمسكين بالنبي و الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة و السلام.
و في نهاية المطاف نقول: ليس صحيحاً لأجل الدفاع عن فيلسوف؛ أن ننسب للذات الإلهيّة المقدّسة بما لا يصح و لا يليق بها؛ لأجل تخريج مجموعة من كلمات الفلاسفة، أو ذلك الفيلسوف بالخصوص. فإن الأمور الأعتقادية لا تقليد فيها، و لا يُقبل فيها التقليد، فضلاً عن حرمته العقليّة و الشرعيّة و النهي المؤكد عنه. عصمنا الله و إيّاكم من الزلل.
ص: 44
المقدمة
المعاد، أحد المسائل المهمة والاصولية لكلّ دين وحيث ان المقصود في هذا الكتاب البحث عن المسائل الّتي هي مورد اختلاف وابتلاء فيما يرتبط بالمعاد ولذا فلا كلام لنا فى اصل المعاد لأنّه مما اتفقت عليه كلمة جميع الاديان والعلماء وهو من ضروريات الدين والمقصود من الكلام هنا هو
ص: 45
البحث عن كيفية المعاد فهنا ثلاث مسائل حول المعاد تكون محلا للابتلاء وقد وقع فيها الاختلاف وهي:
أولا: كيفية المعاد وانه جسماني أم روحاني.
ثانيا: حقيقة النعم في الجنة والآلام في جهنم.
ثالثا: ما هو المراد من الصراط وتطائر الكتب والميزان والعذاب وحقيقة الخلود.
فقد وقع البحث حول كلّ واحدة من هذه المطالب المتقدمة وقد تعددت فيها الآراء والنظريات ونحن نذكرها ونذكر المختار من ذلك بالاعتماد على ما يستفاد من الأدلة النقلية يعني ما جاءنا عن طريق الوحي الالهي.
ولا يخفى اننا ستذكر مفصلا في الفصل الأوّل شبهة الآكل والمأكول لاّنها مما تناسب ذلك الفصل.
الفصل الأوّلفي كيفية المعاد
خلاصة عن كيفية المعاد
بشكل عام هنالك ثلاث نظريات تطرح حول كيفية المعاد والحشر فهنالك من يرى ان المعاد روحاني فقط والروح لوحدها مجردة عن الجسم هي الّتي تحشر يوم القيامة وأمّا الجسم المادي والعنصري في هذه الدنيا فلا وجود ولا اثر له يوم القيامة وهنالك من يعتقد مثل ملاصدرا انّ المعاد روحاني وجسماني الاّ ان مرادهم من الجسم ليس هذا الجسم والبدن العنصري الدنيوي بل هي الصورة المثالية الّتي توجدها الروح وتصنعها لنفسها وفي عقيدة هؤلاء ان هذه الصورة المثالية والّتي تكون من صنع النفس مطابقة في المظهر والهيئة لهذا البدن الدنيوي ولكنها ليست مادية.
والمستفاد من الآيات والروايات هو: ان المعاد روحاني وجسماني وانّ روح الانسان - سواء كانت مجردة أم لا - سوف تحشر مع هذا الجسم المادي العنصري وهذا ما اختاره جميع علماء الامامية وانه من ضروريات دين الاسلام بل جميع الأديان.(1)
ص: 46
تحقيق آيات المعاد الجسماني
انّ من أهم المصادر العلمية لنا هو القرآن الكريم فمن اللازم في التحقيق عن كلّ المسائل العقائدية وبالخصوص الاختلافية الرجوع والاستناد اليه قبل اي مصدر اخر.
وما اوضح الآيات القرآنية الكريمة حول حشر الارواح مع الابدان واصرحها حتّى انّ كثيرا من الاعاظم والعلماء قالوا: انّ آيات القرآن نصّ في المعاد الجسماني حتّى نفس ملاصدرا ايضا ممن استفاد منها ذلك ولكنّه لأجل مخالفة تلك النصوص للادلة العقلية حسب زعمه قام بتوجيه تلك الآيات.
فلابد من النظر في ان رجوع الروح إلى البدن الترابي والعنصري هل هو مما يخالف الأدلة العقلية؟
وهل من اللازم أن نؤول ظاهر القرآن الكريم بل نصه وصريحه ونوجهه؟
الآية الاولى حول المعاد الجسماني{لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ* أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} (1)
يقول اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة: هل يتخيل الانسان أن لا نجمع عظامه بل نحن قادرون على ذلك حتّى ان خطوط منتهى اصابع الانسان يعني البنان فانّا قادرون على ارجاعه كما كان أولا والشاهد على المعاد الجسماني من هذه الآيات قوله تعالى: ذيل الآيات الشريفة {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} يفصح عن القدرة الالهية ولا تعرض له للاخبار عن المعاد الجسماني فلا يمكن بهذه الآية الشريفة اثبات المعاد الجسماني لأنه تعالى لم يخبر عن فعل ذلك جزما بهذه الآية ولا يخفى انّ الأدلة في مقام ردّ بعض الفلاسفة القائلين بأن اعادة اجزاء الانسان من موارد اعادة المعدوم وانه محال عقلي اذا لا تتعلق به القدرة وقد اجابت الآية المباركة على هذه الدعوى.{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ومن المعلوم ان الجمع متفرع على التفرق ولا يصح التعبير بالجمع إلاّ اذا كان هنالك تفرق حاصل فمن الواضح ان كلمة «نجمع» تصدق على البدن الترابي المتفرق ولا تصدق على الصورة
ص: 47
المثالية لأنّها ليست بشي ء حتّى تكون متفرقة ثمّ تجمع وذلك لأنّ ملا صدرا يعتقد انّ الصورة المثالية من صنع النفس ومما اوجدتها النفس ابتداء ولذا فان عقيدته ليست مطابقة الآية فحسب بل مخالفة لصريحها.
الآية الثانية حول المعاد الجسماني
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(علیه السلام) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} (1)
صراحة هذه الآية الشريفة حول المعاد الجسماني لا تقبل الانكار وذلك لانّ اللَّه سبحانه وتعالى يقول وبكلام واضح وبيّن انّ هذه العظام المتلاشية والّتي قد اصبحت رميما سوف نجمعها مرة أخرى ونعطيها الحياة.ولابد من توفر ثلاثة امور حتّى يتم جمع اجزاء الانسان المتفرقة وهي:
1- العلم بجميع الاجزاء
2- القدرة على جمعها
3- أن لا يكون جمعها محالا ذاتيا.
ومن الواضح بالبداهة ان جمع الاجزاء المتفرقة امر ممكن ولا استحالة فيه عقلا هذا ومن جانب اخر فاللَّه جلّ وعلا عالم بجميع الاجزاء وقادر على جمعها اذا فلا مانع من ذلك اصلا.
الآية الثالثة حول المعاد الجسماني
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامَكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ} (2)
ص: 48
وهذه الآية ايضا تصور لنا كيفية حشر الاجسام المتلاشية وهي من جملة الآيات الّتي تنص على المعاد الجسماني وقد كتب المفسرون انّ حضرة عُزَير(1) مرّ على قرية قد مات جميع اهلهاوتفرقت ابدانهم فطلب من اللَّه سبحانه وتعالى ان يريه كيفية حشر تلك الاجساد البالية فاستجاب اللَّه جلّ وعلا له فأماته مائة عام ثم احياه اللَّه عزّ وجلّ وقد اصبح حماره في تلك المدة ترابا إلّا انّ الطعام الّذي كان معه بقي سالما حتّى يعلم عُزير انّ اللَّه على كلّ شي ء قدير ثمّ احيا اللَّه بقدرته عزّ وجل حمار عزير امام عينيه وأراه كيفية جمع الأجزاء المتفرقة لذلك الحمار وقد اعطاها الحياة وفي الحقيقة انّ عُزير قد رأى بعينيه كيفية حشر الاموات وقد علم انّ اللَّه سبحانه وتعالى سوف يحشر الاموات يوم القيامة بهذه الطريقة بأن يجمع الابدان البالية ويعطيها الحياة،، وهذه احدى الموارد الّتي يأتي القرآن بشاهد محسوس وواقعي للمعاد الجسماني ولو أراد القرآن تصوير المعاد الجسماني فهل هنالك تصوير احسن من هذا التصوير؟الآية الرابعة حول المعاد الجسماني:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَّكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (2)
وفي هذه الآية نجد أيضا تصوير وتجسيم المحشر وكيفية الحشر، فقد قام نبيّ اللَّه ابراهيم(علیه السلام) بأمر من اللَّه جلّ وعلا بأخذ أربعة طيور وقطّعن ثمّ قسّمها إلى اربعة اقسام وجعل كلّ قسم منها على قمة جبل ثمّ دعاهنّ بأمر اللَّه جل وعلا وحينذاك رجعت الاجزاء المتفرقة والمخلوطة مع بعضها إلى ما كانت عليه وعادت الطيور الاربعة إلى الحياة.
وبهذا الشكل علّم اللَّه سبحانه وتعالى ابراهيم(علیه السلام)كيفية جمع اجزاء الإنسان المتفرقة من خلال تقطيع الطيور ودعوتهن، أَو ليست هذه الآية صريحة في المعاد الجسماني؟
الآية الخامسة حول المعاد الجسماني:
ص: 49
{ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} (1)
انّ السبب الاصلي في انكار المنكرين للمعاد الجسماني هو عدم ايمانهم برجوع هذا البدن البالي وهذه العظام المتلاشية مرة اخرى للحياة وقد نقل القرآن الكريم هذا الاشكال عن المنكرين والطريف في الامر ان نفس هذا الاشكال يطرح اليوم اما بصورة علمية وفنية ممن يؤمن بأصل المعاد
لا يخفى ان جواب القرآن الكريم للاستبعادات المطروحة على نحوين وذلك لأنّ منشأ الاشكال اما أن تكون شبهة تطرح بشكل علمي وعقلي وحينئذ يكون جواب القرآن بالشكل العلمي واما أن يكون السبب في الاشكال هو العناد واللاابالية وعدم التقيد بالقيم وحينئذ يكون الجواب من القرآن شديدا مثل الآيات من سورة القيامة: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ}فهنا نجد القرآن يجيب بقوة وشدة مع التهديد بالعقوبة امّا ما في آية {ءَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} فلان الشبهة قد طرحت بشكل علمي وبدون غرض لهذا فالقرآن يجيب عليها بالاسلوب العلمي ويقول: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (2)وحاصل جواب القرآن لمثل هذا: انّ اللَّه سبحانه وتعالى له القدرة على ذلك وانه عالم بجميع تلك الاجزاء المتفرقة ولا يخفى عليه شي ء وبعبارة اخرى انّ اللَّه سبحانه وتعالى عالم بكل ما يحصل في الدنيا من فعل وانفعالات ولذا فلا توجد اي مشكلة أو مانع من أن يجمع اللَّه جل وعلا اجزاء الانسان المتفرقة فلو لم يكن اللَّه عزّ وجلّ قادرا أو لم يكن عالما بأجزاء الانسان المتفرقة أو ان الاعادة كانت محالة بالاستحالة الذاتية لقلنا نحن أيضا بأن المعاد الجسماني محال وحيث انّ اللَّه جل وعلا قادر وعالم وانّ الاعادة ممكنة اذا فلا محذور عقلي أن
ص: 50
يكون المعاد بهذا البدن المادي والعنصري وقد أشار اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} إلى هذا الامر.(1)
الآية السادسة حول المعاد الجسماني:
{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (2)
في هذه الآيات المباركة يقول اللَّه سبحانه وتعالى بعد بيان مراحل خلقة الانسان: اليس اللَّه بقادر على احياء الاموات وتدقيق النظر في ملاحظة كلمة احياء الموتى يوضح لنا كاملا كيفية حشر الناس خصوصا مع ملاحظة ما نعلمه من كون الموت عبارة عن خروج الروح من البدن وعليه فالنتيحة الحاصلة من احياء الانسان هي عبارة عن رجوع الروح إلى البدن مرة ثانية ومن الطبيعي لعود الروح الى البدن من اعادة بناء البدن بعد ما تلاشى حتّى تتعلق به الروح وعليه فيكون مفاد الآية {أَلَيْسَ ذلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} هو اعادة بناء جسم الانسان من جديد وتعلق الروح به ايضا من جديدوهذه الآية لا تتناسب مع قول من يقول (ان الروح لوحدها تحشر) ابدا، ولا قول من يقول (ان الروح تحشر على صورة مثالية) وذلك لأنّ الآية تتكلم عن احياء الموتى والصورة المثالية (وهي نظرية ملاصدرا والّتي تنوجد وتصطنع بواسطة الروح) ليست بالموتى حتّى تحيى.
الآية السابعة حول المعاد الجسماني:
{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}(3)
يتكلم اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية عن رجوع الانسان، هذا الانسان الترابي فاللَّه يستطيع خلق هذا الانسان المخلوق من ماء واحيائه مرة ثانية.
ص: 51
الآية الثامنة حول المعاد الجسماني:
وفي هذه الآية يقول: {و قالوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً* أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً} (1)
الآية التاسعة حول المعاد الجسماني:
{َأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}(2) ومن البديهي انّ الّذي في القبر هو بدن الانسان.
الآية العاشرة حول المعاد الجسماني:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} (3)
ودلالة هذه الآيات المتقدمة على المعاد الجسماني والعنصري المادي في غاية الوضوح فكلّ من راجع القرآن مع ذهنية خالية عن الشوائب (صافية) سوف يعترف كاملا بأنّ القرآن جاء بالمعاد البدنيالعنصري المادي وذلك فانّ الّذي يخرج يوم القيامة من بطن الارض هي هذه الابدان البالية ولذا نجد اكابر العلماء مثل سلطان المحققين والآملي والخوانساري وعامة العلماء المسلمين يعتبرون المعاد الجسماني العنصري المادي من ضروريات الدين كما وانّ ابن سينا أخبر بتصديقه لما جاء به الرسول من كون المعاد جسمانيا عنصريا ماديا.
دفع ما يتوهم من تعابير «خلق جديد، امثالكم»
لقد جاء في الآيات الآتية التعبير بمثل: «خلق جديد، وامثالكم» قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}.(4)
ص: 52
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}.(1)
وقال تعالى: {عَلَى أَن نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِأَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (2)
وقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} (3)
لقد توهم البعض من هذه التعابير الواردة في هذه الآيات المتقدمة «خلق جديد» و «نبدل امثالكم» و «مثلهم» على أنّ الحاصل يوم القيامة بالنسبة للانسان هي الخلقة الجديدة والّتي مثل الخلقة الدنيوية صورة فقط ويرون ان هذه التعابير مؤيدة لما يراه ملاصدرا من كون النفس هي الّتي تصنع البدن المثالي لها والّذي يكون شبيها للبدن الدنيوي صورةً. إلاّ انّ هذا التوهم لا اساس له اصلا وباطل بالمرة وذلك لأن المقصود من الخلق الجديد هو خلق الانسان مرة ثانية بعد ما تلاشى وتفرقت اجزاؤه بحيثيكون معدوما بحسب الانظار وهذه الاجزاء معلومة عنداللَّه جلّ وعلا ويجمع اللَّه سبحانه جميع اجزاء بدن الانسان واصوله مرة اخرى ويعطي للانسان شكله وحياته.
قال الامام الصادق(علیه السلام)ارأيت لو أخذت لبنة فكسرتها وصيرتها ترابا ثم ضربتها في القالب أهي الّتي كانت؟ انما هي ذلك وحدث تغير اخر والاصل واحد.(4)
فقد شبه الامام (علیه السلام)اعادة الانسان مرة اخرى باللبنة الّتي انكسرت وتفتتت ثم جمعت مرة اخرى فاللبنة والّتي جمعت مرة اخرى واعيدت فهي من حيث المادة عين الاولى وأمّا من حيث الهيئة فهي غير الاولى لأنّ الأولى انعدمت والصورة الحاصلة جديدة إلّا انّه مع ذلك ليس معنى كونها جديدة أنها غير الاولى فقد مثل الامام (علیه السلام)انعدام بدن الانسان وتلاشيه باللبنة المتفتتة والّتي صنعت من جديد
ص: 53
كذلك بدن الانسان فانه بهذا الاعتبار حيث يصنع مجددا جديد، ومن هذا البيان يعلم انّ التعابير المتقدمة في الآيات المذكورة الاخر لاتنافي الآيات الصريحة في أن المحشور هو هذا البدن الترابي مثل آية {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ}(1) والآية الكريمة {مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنَّى يُحْيِيْ هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}(2) أو سؤال حضرة عُزير حيث قال: كيف يحيي اللَّه هذه الابدان المتلاشية وقد أراه اللَّه سبحانه أمام عينيه كيف انّه احيى حماره ومثلها قصّة حضرة ابراهيم (علیه السلام)وفي آية7 من سورة سبأ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)(3) حيث استهزء الكفار بظهور هذه الشخصية الّتي تقول برجوع الابدان المستحيلة ترابا والّتي قد تفرقت اجزاؤها مرة ثانية، وتعبر الآية بالخلق الجديد مع ملاحظة جملة (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) بمعنى تجديد الخلقة مرة ثانية وقد أثبت القرآن ما انكره هؤلاء منرجوع الابدان المتلاشية واحيائها مرة أخرى وفي الآيات رقم 78الى 81من سورة يس: ابتدء القرآن بذكر عظمة القدرة الالهية لإجل أن لا يتعجب احد من احياء هذه الابدان المتلاشية فاللَّه سبحانه وتعالى الّذي خلق السماء والارض لا يعجزه خلق الانسان مرة أخرى ولذا فالتعبير الوارد في الآيات بمثل «خلق جديد» و «مثل» لا يكون دليلا اصلا على تباين الخلقة الجديدة مع الخلقة الأوّلية، بل المراد من الخلقة الجديدة هو تجديد خلقة الانسان مرة ثانية والمراد من «المثل» المثلية في الهيئة وإلّا فالمادة هي نفس المادة الاولية كما في مثال اللبنة المتقدم حيث ان مادة اللبنة الاولى والجديدة واحدة كذلك خلقة الانسان الثانية فمادتها عين المادة السابقة.
تحقيق روايات المعاد الجسماني:
كان الكلام لحد الآن حول الايات الدالة على المعاد الجسماني والآن نذكر بعض الروايات الّتي هي نصّ في المعاد الجسماني:
ص: 54
الرواية الاولى: أورد المرحوم الخوانساري هذه الرواية في كتاب العقائد الحقة والّتي هي نصّ في المعاد الجسماني:
عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبداللَّه(علیه السلام):
قال اذا أراد اللَّه أن يبعث أمطر السماء على الارض اربعين صباحا فاجتمعت الاوصال ونبتت اللحوم وقال أتى جبرئيل رسول اللَّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)فأخذه فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى القبر فصوّت بصاحبه فقال قم بأذن اللَّه فخرج منه رجل ابيض الرأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول الحمد للَّه واللَّه اكبر فقال جبرئيل عُد بأذن اللَّه ثم انتهى به الى قبر اخر فقال قم بأذن اللَّه، فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرئيل عُد الى ما كنت بأذن اللَّه فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة والمؤمنون يقولون هذا القول وهؤلاء يقولون ما ترى.(1)
هل هنالك تصوير يمكن أن يكون للمعاد الجسماني أوضح من هذا؟ فكما ترون انّ هذا الحديث الشريف قد بيّن المعاد الجسماني بأجمل وأوضح ما يكون وقد اوضحت جملة«هكذا يحشرون يوم القيامة» طريقة حشر البشر بشكل سافر، وهذه الرواية بمثابة من الوضوح والصراحة حول مسألة المعادالجسماني والبدني بحيث لا يمكن لأحد تأويلها وتوجيهها وفي الحقيقة كيف يمكن القول بالمعاد الروحاني أو المعاد مع البدن المثالي في حين انّ جبرئيل عملا احيا شخصين بأذن اللَّه جلّ وعلا من الاموات الّذين قد تلاشت واضمحلت ابدانهم وقال بعدها هكذا يعني كهذين الشخصين يحشرون يعني الناس يوم القيامة يعني ان هذا البدن المضمحل والمتلاشي سوف يحيى مرة أخرى.
الرواية الثانية: من الروايات المؤيدة للمعاد الجسماني صريح كلام الامام السجاد 7حيث قال:
«فتنبت اجساد الخلائق كما ينبت البقل»(2)
ثم قال (علیه السلام)انه اذا كان في القبر قد دفن الف ميت وكلّهم اصبحوا رميما واختلطت تراب بعضهم مع البعض الآخر فانّ اللَّه سبحانه وتعالى يرجع ابدانهم المختلطة بعد فصل بعضها عن البعض الآخر وان كلّ ميت معلوم ومشخص عنداللَّه جل وعلا.
ص: 55
الرواية الثالثة: حديث اخر يناسب المقام نقله المرحوم الخوانساري في العقائد الحقة:
عن هشام بن الحكم «قال الزنديق للصادق(علیه السلام)انّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والاعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو صار ترابا بني به مع الطين حائط، قال(علیه السلام) : انّ الّذي أنشأه من غير شي ء وصوّرة على غير مثل كان سبق اليه قادر على أن يعيده كما بدأه. قال: اوضح لي ذلك. قال: انّ الروح مقيمة في مكانها روح المحسنين في ضياء وفسحة وروح المسيي ء في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من اجوافها فما اكلته ومزقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض ويعلم عدد الاشياء و وزنها وانّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطرت الارض فتربوا الارض ثم تمخضوا السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب والزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كلّ قالب فينتقل بأذن اللَّه تعالى الى حيث الروح فتعود الصور بأذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها فاذا قد استوى لاينكر من نفسه شيئا»(1)الرواية الرابعة:
«قال أميرالمؤمنين (علیه السلام)وأخرج من فيها فجددهم بعد اخلاقهم وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسائلتهم عن خفايا الاعمال»(2)
الرواية الخامسة:
قال اميرالمؤمنين (علیه السلام)قد شخصوا من مستقر الاجداث وصاروا الى مصائر الغايات لكل دار اهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها(3)
والحاصل انّ المستفاد من الآيات والروايات انّ المحشور هو هذا البدن العنصري الترابي وانّ هذه المسألة من قطعيات المذهب ومن ضروريات الدين.
ص: 56
المقدمة من كتاب
دراسة لدور المرجعين نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي في رد الغزو المغولي
علي الكوراني العاملي
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
ص: 57
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين .
وبعد ، فقد كان زحف المغول سريعاً وحشياً ، فقد اجتاحوا أكثر البلاد الإسلامية وعاثوا فيها فساداً ، وتسلطوا على مقدراتها ، وحكم منهم واحد وعشرون ملكاً لأكثر من قرن ونصف .
يقول ابن خلدون في تاريخه:7/726: (فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي وُلْد جنكيزخان من المُغُل ثم من الططر ، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز ، وأصبحوا وكأنهم في تلك الممالك خَلَفٌ من السَّلْجوقية والغُزّ ، واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد ). انتهى.
كان عدد جنودهم في أول زحفهم مئات الألوف، وسكنوا في بلاد المسلمين وتكاثروا فيها , ولم يرجع منهم الى موطنهم الأصلي برِّ الصين إلا القليل ، فما هو السبب الذي جعلهم يذوبون في بحر الأمة ، حتى أنك لاتعرف الآن أبناءهم إلا بصعوبة ، من مصادر التاريخ ، أو بما بقي من ملامحهم ؟!
يتفق العلماء والمؤرخون على قاعدة بديهية وسنة تاريخية هي أن الأمة الغالبة تفرض ثقافتها على الأمة المغلوبة ، ويتفقون على أن هذه القاعدة لم تنخرم إلا في الغزو المغولي لبلاد المسلمين ، فإن الأمة المغلوبة فرضت ثقافتها على المغول فأسلموا وتنازلوا عن ثقافتهم !أما سبب ذلك فهو جهود شخصيتين: إسم أحدهما محمد بن محمد بن الحسن ، المشهور باسم خواجة نصير الدين الطوسي(قدس سره)، والثاني يوسف بن المطهر ، المشهور باسم العلامة الحلي(قدس سره)! فقد واجه هذان المرجعان العبقريان المدَّ المغولي بحكمة وعمق ، في خطة موفقة ، حققت إنجازات عظيمة !
1- فقد ركَّز المرجعان عملهما على قادة المغول وأجادا معهم العلاقات والأساليب ، ابتداءً من طاغيتهم الأكبر هولاكو الى أبنائه وأحفاده ووزرائهم .
وقد أثمرت جهودهما بسرعة نسبية ، فأسلم على أيديهما وأيدي تلاميذهما أبناء هولاكو وكبار قادة جيشهم، وتغيرت نظرة المغول وشعورهم تجاه الإسلام وأمته ، وبعضهم حسن إسلامه ، وكان
ص: 58
أولهم إسلاماً أحمد بن هولاكو ، بل ستعرف أن هولاكو نفسه أسلم شكلياً .
2- أقنعا المغول أن لايحكموا بلاد المسلمين مباشرة ، وأن ينصبوا عليها حكاماً أكفَّاء من أهلها ويطلقوا أيديهم ، ولا يتدخلوا في أمورها الداخلية .
3- أقنعا المغول بتبني سياسة الحرية المذهبية والإعمار ، فكان ذلك برنامج الحكام المنصوبين ، وظهرت ثماره خاصةً في العراق ، وتعجَّب المؤرخون من نهضة الثقافة والإعمار فيه حتى صار أفضل مما كان في عهد الخلافة العباسية !
4- اهتم المرجعان بالبحث عن الكفاءات العلمية والإدارية والسياسية في طول البلاد وعرضها ، وقاما بجذبها وتعليمها ورعايتها، وإطلاق يدها في العمل والإبداع ، فظهر في مرصد مراغة وجامعتها ، وجامعات المستنصرية ، والنظامية والحلة ، وغيرها ، عشرات الأطباء والمهندسين والعلماء من كل نوع ، وأثْرَوْا بعملهم ومؤلفاتهم حياة الأمة ومكتباتها.
كان عمل هذين المرجعين وتلاميذهما عملاً واسعاً متنوعاً عميقاً:
واسعاً ، شمل المناطق التي احتلها المغول وهي أغلب العالم الإسلامي .
ومتنوعاً ، فيه البعد العلمي والإجتماعي والسياسي والإداري .وعميقاً ، في اختيار الكوادر ووضع الخطط ، وإقناع القادة والشخصيات بها ، وتوعية الرأي العام عليها !
وكان الجزء الأصعب فيه عطف أذهان ملوك المغول وقلوبهم من الوثنية الى الإسلام ، وتبديل تعطشهم الى الدماء والتدمير والسيطرة ، الى حب الهدوء والتقوى ! وهو أمرٌ لم يتمكن منه إلا المرجعان نصير الدين الطوسي وتلميذه العلامة الحلي رضوان الله عليهما بما آتاهما الله من شخصية جذابة حتى لأعدائها ! ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .
قد يرى البعض أن هذه الدراسة متحيزةً للشيعة والتشيع ، لأنها تخالف المعروف عند مؤرخي الخلافة من أن الشيعة هم الذين تآمروا مع المغول بشخص الوزير محمد بن العلقمي ، وشخص نصير الدين الطوسي العالم الشيعي والطبيب ، الذي كان مع هولاكو ، وصار
ص: 59
معتمده ، ووزيره الخاص !
بينما تقول الدراسة إن الخلافة العباسية بشخص الخليفة وبطانته وسلاطين دولته السلاجقة والخرازمة ، هم المسؤولون عن اجتياح المغول لبلاد المسلمين وإسقاط نظام الخلافة ، وإن هؤلاء بسبب فسادهم وظلمهم وسوء إدارتهم شركاء مع المغول فيما ارتكبوا من مجازر ودمروا من معالم ! وإن تهمة الشيعة بأن لهم يداً في غزو المغول كتهمة الذئب بدم يوسف(علیه السلام)، فإن الشيعة كانوا قارب النجاة للأمة من سوء أفعال الخلفاء وجهازهم السئ !
نعم ، إن هذه الدراسة تثبت أن نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، قاما بدور البطليْن المنقذيْن للإسلام وبلاد المسلمين من شر المغول ، واستطاعا تحويل بعض قادتهم من وحوش مدمرين مخربين ، الى مسلمين يتبنون سياسة الحرية المذهبية والعامة ، وسياسة الإعمار والمؤسسات الثقافية ، وسياسة تشجيع العلم والعلماء ، وأن الحكم المغولي بتبنيه مذهب التشيع حقق في مدة قصيرة ما عجز عنه حكم الخلافة المترفة المتعصبة ، في قرون طويلة !لذلك أنصح الذي تعوَّد من نعومة مفاهيمه على أن يتلقى من المؤرخين التابعين للخلافة المعادين للشيعة ويرفض ما خالفهم ، أن لايقرأ هذا الكتاب !
فهذا الشخص يحرص أن تكون الحقيقة في عينيه وعلى لسانه حلوة دائماً ، ولا يحبُّ قراءة الوجه الآخر ، بينما الخلافة العباسية ورواتها حقيقة مُرَّة ، لا حلاوةَ فيها إلا رؤيتُها على واقعها !
ص: 60
الشيخ حسن الدمستاني
الحلقة الثانية
فَاكتَفَی القَومُ عَنِ القَولِ بِتَكلِيم *** وَإذَا بِالطِّفلِ قَد خَرَّ صَرِيعاً لِليَدَين
فَالتَقَی مِمَّا هَمَی مِن مَنحَرَ الطِّفلِ دَمَا*** وَرَمَاهُ صَاعِداً يَشكُو إلَی رَبِّ السَّمَا(1)
وَيُنَادِی: يَا حَكِيمُ أنتَ خَيرُ الحُكَما*** فَجعَ القَومُ بهَذا الطِّفلِ قلبَ الوَالِدَينَ
وَأَغَارَ السِّبطُ لِلجلّی بمَأمونِ العِثَار*** إذ أثارَ الضُّمَّر العَثِيرُ بِالركض فَثَار(2)
يَحسَبُ الحَربَ عَرُوساً وَلَهَا الرُّوُس *** ذَكَّرَ القَومَ بِبَدرٍ وَبِأُحدٍ وَحُنَينَ
بَطَلُ فَردُ مِنَ الجَمعِ عَلَی الأبطَالِ *** أَسدِ يَفتَرِسُ الأُسدَ عَلَی الآجَآلِ جَال(3)
مَالَهُ غَيرُ الِهِ العَرشِ في الأَهوَالِ وَال*** مَا سَطَی في فِرقَةٍ إِلَّا تولَّت فِرقَتَين
مَالَهُ فِي حَومَةِ الهَيجَاء في الكَرِّ شَبِيه*** غَيرُ مَولاَنَا عَلِيٍّ ، وَالفَتَی سِرُّ أَبِيه
غَير أنَّ القَومَ بِالكَثرَةِ كَانوا مُتعِبِيه*** وَهوَ ظَامٍ شَفَتَاهُ أضحَتَا ناَشِفَتَين
عِلَّةُ الأيجَادِ بِالنَّفسِ عَلَی الأمجَادِ *** مَاوَنَی قَطُّ وَلاَ عن عِصبَةِ الاِلحَادِ حَاد
كَم لَهُ فِيهِم سِنَانُ خَارِقُ الأكبَادِ بِاد*** وَحُسَامُ يَخسِفُ العَين وَيَبرِی الأخذَ عَين
دَأبُهُ الذَّبُّ إلَی أَن شَبّ في القَلب *** وَحَكَی جِثمَانُهُ القُنفُذَ مِن رَشقِ السَّهَام
وَتَوالِی الضَّربُ والطَّعنُ عَلَی الليثِ الهُمَام*** وَعَرَاهُ مِن نزِيفِ الدَّمِّ ضَعفُ السَّاعِدَين
فَ-تَدَنَّی الغَادِرُ البَاغِي سَنَانُ بالسِّنَان*** طَاعِناً صَدرَ اِمَامِي فَهَوی وَاهِي
ص: 61
أَشرَقَت تَبِكي عَلَيه أَسَفاً حُوُر *** وَبَكَی الكُرسِيُّ والعَرشُ عَلَيهِ آسِفَين
مَا دَرَوا إذَ خَرَّ عنَ ظَهر الجَوَادِ *** أحُسَينُ خَرَّ أم بُرجُ السِّمَاكِ الرَّامِحِ(1)
أَم هُوَ البَدرُ وَقَد حَلَّ بَسَعدِ الذَّابِحِ*** أَم هُوَ الشَّمسُ وَأينَ الشَّمسُ مِن نُورِ
أَيُّ عَينَينِ بِقَانِ الدَّمعِ لاَتَنهَرِ قَان*** وَحَبِيبُ المُصطَفی فِي الترابِ مخضوباً (2)
دَمُهُ وَالطِّينُ في مَنحَرهِ مُختَلِطَان*** وَلَهُ قَدرُ تَعَالَی فَوقَ هَامِ الشَّرَطَين(3)
لَهفُ نَفسِي إِذ نَحَا أَهلَ الفَسَاطِيطِ ***ذَاهِلاً مُنفَجِعاً يَصهَلُ مَذعُورَ الجَنَان(4)
مَائِلَ السَّرجِ عَثُورَ الخَطوِ في فَضلِ *** خَاضِبَ المَفرَقِ وَالخَدَّينِ مِن نَحر الحُسَين
ايها المهرُ تَوقّف لا تَحُم حول *** و اترك الاعوالَ كي لايسمع الالُ الكرام
كيف تستقبلُهُم تعرٌ في فضل اللُّجَام*** وهُمُ ينتظرون الآنَ اقبال الحسين
مَرَقَ الُمهُر وَجِيعاً عَالِياً مِنهُ العَويل*** يُخبِرُ النِّسوَانَ أَنَّ السِّبطَ في البَوغَا(5)
وَدَمُ المَنحَرِ جَارٍ خَاضِب الجِسمِ يَسِيل*** نَابِعٌ مِن ثَغرِهِ النَّحرُ كَمَا تَتبَعُ عَين
خَرَجَت مُذ سَمِعَت زَينَبُ اِعوِالَ *** تَحسَبُ الِِّسبط أَتاهَا بالَّذي يَهوی
ص: 62
مَادَرَت أَنَّ أخَاهَا عَافِراً في بَطنِ وَاد*** وَدَمُ الأودَاجٍ مِنه خَاضِباً لِلمَنكَبَين
مَذ وَعَت مَالاحَ مِن حَالِ الجَوَادِ *** صَرَخَت مَازِقَة الجَيبِ بِلُبِّ ذَاهِلِ
وَبَدَت مِن دَاخِلِ الخَيمَاتِ آلُ *** مُحَرقَاتٍ بِسَوادِ الحُزنِ مِن فَقَدِ الحُسَين
وَغَذَت كُلُّ مَن الدَّهشةِ تَهوِي وَتَقُوم*** أَنجُمٌ تَهوي وَلَكِن مَاتَهَآوَت لِرُجُوم(1)
وَحَقِيقٌ بَعدَ كَسفِ الشَّمسِ أن تَبدُو *** يَتَسَابَقنَ إلی مَوضِعِ مَا خَرَّ الحُسَين
وَإذَا بِالشِّمر جَاثٍ فَوقَ صَدر الطَّاهِر*** يَهبُرُ الأودَاجَ مِنهُ بالحُسَامِ البَاتِرُِ(2)
فَتَساقَطنَ عَلَيهِ بِفُؤادٍ طَائر*** بافتِجَاعٍ قَائِلاَتٍ خَلِّ يا شِمرُ حُسَين
َرأسَ مَن تَقطَعُ يَا شِمرُ بِهَذا *** لَيسَ مَن تُفري وَريدَيهِ بِكَبشٍ جَاثِم(3)
اِنَّ ذَا سِبطُ النّبِي القَرَشِي الهَاشِمِي*** أبوَاهُ خِيرةُ الله فَذَا ابنُ الخِيرَتين
اِرفَعِ الصَّارِمَ عَن نَحر الاِمَامِ الوَاهِب*** عِصمَةُ الرَّاهِبِ في الدَّهرِ وَمَأوی الهَارب
كَيفَ تفري سِبطِ المُصطَفَی *** وَهوَ دأباً يُكثِرُ التَّقبِيلَ في نَحرِ الحُسَين(4)
كَانَ يُؤذِيهِ بُكَاهُ وَهوَ في المَهدِ *** بابنِهِ قِدماً فَداهُ وَهوَ ذُو الشَّأنِ الرَّفِيع
لَيتَهُ الآنَ يَرَاهُ وَهُوَ فَي التُّربِ صَرِيع*** يَتَلَظَّی بِظَمَاهُ حَافِصاً بِالقَدَمَين
كَم بِهِ مِن مَلَكٍ في المَلأ الأعلَی *** وَبِيُمنَاهُ يَسارُ لِدَمِ العُسرِ يُرِيق
وَعَلَی النَّاس لَهُ عَهدٌ مِن الله وَثيق*** إِنَّهُ الحُجَّةُ في الأرضِ وَمَولَی المَولَوين
مَاأَفَادَ الوَعظُ وَالتَّّّّّّّحذِيرُ *** وَانحَنَی يَفري وَريدَي ذَلِكَ النَّحرِ الكَرِيم
وَبَری الرَّأسَ وَعَلَّاه عَلَی الرُمحِ قَويمِ*** زَاهِراً يُشرِقُ نُوراً كَاسِفاً لِلقَمَرَين
ص: 63
شَمسُ أُفقِ الدِّين أضحَت في كُسُوف *** وَتَوارَت عَن عُيُونِ النَّاسِ في أرضِ
فَأَصابَ الشَّمسَ والبَدرَ كُسُوف*** لَكِنِ الأُفَق مُضيءٌ بِسَنَا رَأسِ الحُسَين
ذَبَحَ الشِّمرُ حُسَيناً لَيتَنِي كُنتُ وِقَاهُ*** وَغَدا الأملاَكُ تَبكِيِه خَصُوصاً عُتَقَاهُ
مَا دَرَی المَلعُونُ شِمرٌ أيَّ صَدرٍ قَد *** صَدرَ مَن دَاسَ فَخَاراً فَوقَ فَرقِ(1)
فَتَكَ العُصفُوِرُ بالصَّقرِ فَيَا لَلعَجَبِ*** ذَبَحَ الشَّمرُ حَسَيناً غِيرة الله اغضَبي
حَيدَرٌ آجَرَكَ الله بِعَالِي الرَّتَبِ*** أَدرَكَ االأعدَاءُ فِيهِ ثَارَ بَدرٍ وَحُنَين
أَعينٌ لَم تَجرِ في أيامِ عَاشورَاءِ بِمَا*** كُحِلت وَحيَاً أُماقِيهَا بِأَميَالِ العَمَا حُسَين
لأصُبَّنَّ اِذَا مَا أَعوَزَ الدَّمعُ دَمَا*** لأَجُودَنَّ بِدَمعِ العَينِ جُوَد الأَجوَدِين
عَجَباً مِمَّن رَسَا في قَلبِهِ حُبُّ الاِمَام*** كَيفَ عَاشُوا يَومَ عَاشُورَا وَمَاذَاقَوا الحِمام(2)
بَلَ أَری نَوحَهُمُ يَقصُرُ عَن نَوحِ *** أسَواء فَقَدُ فَرخَينِ وَفِقدانُ الحُسَين
كَيفَ لاَيَبكِي بِشَجوٍ لاِبنِ بِنتِ *** اِنَّهُ كَانَ سِراجاً للبرًايَا وَانطَفَا
حقَّ لَو في فَيضِ دَمعِ العَينِ اِنسَاني *** وَاغتَدَی الجَارِي مِن العَينِ عَقِيقاً لاَلُجَين
أَيَزيدٌ فَوقَ فَرشٍ مِن حرِيرٍ في سَرِير*** ثَمِلٌ نَشَوَانُ مِن خَمرٍ لَهُ السَّاقي يُدِير(3)
وَحُسَينٌ في صُخُورٍ وَسَعِرٍ مِن هَجير*** سَاغِباً ضمآنَ يُسقَی مِن نَجِيع الوَدَجَين(4)
حَطَمَ الحُزنُ فُؤادِي لِحَطِيمٍ فِي *** وَلَهّف القَلبِ صَادٍ وَذَبِيحٍ مِن قَفَا
وَلِعَارٍ فِي وِهَادٍ فَوقِهُ السَّافِي سَفَا*** صَدرُهُ وَالظَّهرُ مِنه أَصبَحَا مُنخَسِفَين(5)
ص: 64
وَلِرَأسٍ نَاضِرِ الوَجهِ بِرأسِ الذَّابِلِ*** وَلقَانِي فَيض نَخرٍ غَاسِلٍ لِلغاسِلِ(1)
وَلِعَانٍ هَالِكِ النَّاصِرِ وَاهِي الكَاهِلِ*** وَبَنَاتُ المُصطَفَی لَهفِي عَلَی عُجفٍ (2)
بَينَمَا زَينَبُ قَرحَی الجَفنِ وَلَهاء *** تَذرفُ الدَّمعَ وَفي أحشَائِهَا الحُزنُ يَجُول
تَندِبُ النَّدبَ بِقَلبٍ وَاجبٍ وَهيَ *** قَد أصَابَتنِي بِنُورِ العَينِ حُسّادِی بِعَين
وَاذِبيحاً مِن قَفَاهُ بِالُحِسَامِ البَاتِرِ*** وَاطريحاً بِعَرَاهلإ مَالَهُ مِن سَاتِرِ
وَاكَسِيراً صَلَوَاهُ بِصَلِيب الحَافِر*** وَارَضِيضَاً قَدَمَاهُ وَالقَوَی وَالمَنكَبَين(3)
وَاخَطِيبَاهُ جَمَالِي وَجَمَالُ المِنبر*** وَاقَتِيلاَهُ وَلكِن ذَنبُهُ لَم يُخبِرَ
وَاطَرِيحَاهُ ثَلاَثاً بالعَرَا لَم يُقبر*** وَاشهِيدَاهُ وَمَن لَلِمُصطَفَی قُرُّةُ عَين
يَا أخي قَد كُنتَ تَاجاً لِلمَعَالي *** مُقرياً للضَّيف والسَّيفِ نَفِيساً وَنُفُوسِ
كَيفَ أضحَی جِسمَكَ الشَّامِي لَهُ الخَيلُِ *** بَعدَمَا دِستَ عَلَی أَوج السُّهَی (4)
يَا أَخِي يَاتَاجَ عِزِّي لاَحِظِ البيضَ*** بَقَيت بَعدَكَ شُعثاً فِي كِلاَلٍ وَحِدَاد
قَطَنَت أَجفَانَهَا فَالقَلبُ كَالقَالَب صَاد*** أَشبَهُ الأشيَاء بالقُرآنِ بَين الدَّفَّتَين
حِزَبُ حَربٍ أَينَ أَنتُم مِنِ سَجَايا *** إذ عَفَوا عَنكُم وَقد كُنَتُم حَصِيدَ الصَّارِمِ(5)
إنّ فِي هَذَا لَسّراً بَيِّناً للفاَهِمِ*** إنَّ آثَآرَ القَبِيلَينِ عَصِيرُ العُنصُرَين(6)
جَدُّنَا عَامَلكُم في الفَتحِ بالصَّفحِ *** وَعَذَآبٌ مُستَطِيلٌ لَن يَزُولاَ خَالِدِين
ص: 65
سَادَتِي حُزني كَحُبِّی لَكُمُ بَاقٍ مُقيم*** هِبَةٌ مِن عِندِ رَبِّي وَهوَ ذُو الفَضلِ العَظِيم
حَسَنٌ مَا حَسَنٌ مِنهُ سِوَی حِفظُ *** وَوَلاَءٌ في بَرَاءٍ وَصَفَاءُ الاعتِقَاد
وَهوَ كَافٍ في أمَانِي مِن مَخاويف *** اِنَّمَا الخَوفُ لِمَن لَم يَعتَقِد فَضلَ الحُسَين
وَالتَّحِيَّاتِ الوَحِيَّاتُ وتَسلِيمُ السَّلاَم*** لِسُرَاةِ الخَلقِ في الدُّنيا وَفي دَارِ السَّلاَم
ذَائِبَاتٌ أَبَدَ الآبَادِ مَاتُمٌ كَلام*** أَو مَحَا الله ظَلاَماً بِضِيَاء النَّيِّرَين
ص: 66
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الخامسة:
17- الشّهيد الثّاني أعلی الله مقامه
قال(رحمه الله) :
« وبقي علوم أخر بعضها محرّم مطلقا، كالسّحر والشّعبذة وبعض الفلسفة، وكلّ ما يترتّب عليه إثارة الشّكوك . وبعضها محرّم علی وجه دون آخر كأحكام النّجوم والرّمل ، فأنّه يحرم تعلّمها مع اعتقاد تأثيرها و تحقيق وقوعها ، ومباح مع اعتقاد كون الأمر مستنداً إلی الله تعالی»(1) .وبعد أن ذمّ من اقتصر علی معرفة الفقه الأصغر وترك الفقه الأكبر قال (رحمه الله):« وإذا كان هذا مثال حال الفقيه العارف بشرع الله ورسوله و أئمّته ومعالم دين الله ، فكيف حال من يصرف عمره في معرفة عالم الكون والفساد الّذي مآله محض الفساد ، والاشتغال بمعرفة الوجود ، وهل هو نفس الموجودات أو زائد عليها أو غير ذلك من المطالب التي لاثمرة لها ، بل لم يحصل لهم حقيقة ماطلبوا معرفته فضلا عن غيره .
وإنّما مثالهم في ذلك مثال ملك اتخذ عبيدا ، وأمرهم بدخول داره والاشتغال بخدمته وتكميل نفوسهم فيما يوجب الزّلفی لدی حضرته واجتناب ما يبعد من جهته ،فلمّا أدخلهم داره ليشتغلوا بما أمرهم به أخذوا ينظرون إلی جدران داره وأرضها وسقفها حتّی صرفوا عمرهم في ذلك النّظر وماتوا ، ولم يعرفوا ما أراد منهم في تلك الدار، فكيف تری حالهم عند سيّدهم المنعم عليهم المسدي جليل إحسانه إليهم إحسانه مع هذا الاهمال العظيم لطاعته، بل الانهماك الفظيع في معصيته؟!
واعلم أن مثال هؤلاء أجمع مثال بيت مظلم باطنه ، وضع السّراج علی سطحه حتّی استنار ظاهره، بل مثال بئر الحش ، ظاهرها جص ، وباطنها نتن ، أو كقبور الموتی ظاهرها مزيّنة وباطنها جيفة، وكمثال
ص: 67
رجل قصد ضيافة الملك إلی داره فجصص باب داره ، وترك المزابل في صدر داره، وذلك غرور واضح جلي .
بل أقرب مثال إليه : رجل زرع زرعا فنبت، ونبت معه حشيش يفسده ، فأمر بتنقية الزّرع عن الحشيش بقلعه من أصله، فأخذ يجز رأسه ويقطعه، فلا يزال يقوی أصله وينبت ، لانّ مغارس النقائص ومنابت الرّذائل هي الأخلاق الذّميمة في القلب، فمن لايطهر القلب منها لم تتمّ له الطّاعات الظّاهرة مع الآفات الكثيرة.
بل كمريض ظهر به الجرب، وقد أمر بالطّلاء وشرب الدّواء: أمّا الطّلاء ليزيل ما علی ظاهره، والدّواء ليقلع مادّته من باطنه، فقنع بالطّلاء وترك الدّواء، وبقي يتناول ما يزيد في المادّة، فلا يزال يطلي الظّاهر،والجرب دائما يتزايد في الباطن إلی أن أهلكه. نسأل الله تعالی أن يصلحنا لأنفسنا،ويبصرنا بعيوبنا، وينفعنا بما علمنا ولايجعله حجّة علينا،فإنّ ذلك بيده، وهو أرحم الراحمين»(1) .
18- صاحب بن عبّاد (رحمه الله)
قال الذّهبي في سير أعلام النّبلاء:
«الصّاحب الوزير الكبير العلّامة الصّاحب، أبوالقاسم إسماعيل بن عبّاد بن عبّاس الطّالقاني الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيّد الدّولة بويه بن ركن الدّولة... وكان يبغض من يدخل في الفلسفة»(2) .
19- المحقّق الدّواني(رحمه الله)(3)
قال في أنموذجه:
«وقد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثّلاث، فإنّ أهلها مجمعون علی حدوثه بل لم يشذّ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلّا بعض المجوس، وأمّا الفلاسفة فالمشهور أنّهم مجمعون
ص: 68
علی قدمه علی التّفصيل الآتي، ونقل عن أفلاطون القول بحدوثه وقد أوّله بعضهم بالحدوث الذّاتي»(1) .
ثمّ قال:
«لايذهب عليك أنّه اذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم، وثبت بالتّواتر وإخبار الأنبياء الّذين هم أصول البرايا وأجماع أهل الملل علی ذلك، وقد نطق به الوحي الإلهي علی وجه لايقبل التّأويل إلّا بوجه بعيد تتنفّر عنه الطّبائع السّليمة والأذهان المستقيمة، فلا محيص عن إتّباع الأنبياء في ذلك والأخذبقولهم. كيف وأساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم وينسبون أصول مقالاتهم علی ما يزعمون أنّها مأخوذةمنهم، فإذن تقليد هؤلاء الأعاظم الّذين اصطفاهم الله تعالی وبعثهم لتكميل العباد، والإرشاد إلی صلاح المعاش والمعاد، وقد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولی وأحری من تقليد الفلاسفة الذّين هم معترفون برجحان الأنبياء عليهم السّلام عليهم، ويتبرّكون بالإنتساب إليهم.
ومن العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيّهم ويقولون أنّ كلام الأنبياء مؤوّل ولم يريدوا به ظاهره، مع أنّا نعلم أنّه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب الإعتقاديّة بوجه لايقبل التّأويل أصلا»(2) .
20- الشّيخ محمود بن محمّد بن علّي بن حمزة الاهمالي للسّيد الأمير معين الدّين محمّد ابن شاه أبوتراب(رحمه الله)
جاء في صورة إجازته الّذي ذكرها العلّامة في البحار:
«أمّا بعد: فإنّ أحكام الشرع إنما تنقل وتروی وتعرف وتدری بعد سيّد الأنبياء من آله النّجباء ، فأنّ أهل البيت بما فيه أدری. فلا محالة جهالة مالا يطابق طريقهم من وسوسة المتصوّفة، ومغالطة مالايوافق
ص: 69
سبيلهم من سفسطة المتفلسفة فضلاً عمّا يمثّل بالرّأي القايسون، ويسوّل بالأستحسان المستحسنون، من سلك غير الآل ألحد، وتزندق من بغير طريقهم تعبّد»(1) .
21- آغامحمّد بن محمّد باقر الهزار جريبيّ الغرويّ (رحمه الله)
قال الميرزا النّوري(قدس سره) :
«العالم الجليل آغامحمّد باقر الهزار جريبيّ الغرويّ. قال بحر العلوم في إجازته للسّيد حيدر اليزديّ: وما أخبرنا به بالوجوه الثّلاثة المذكورة شيخنا العالم العارف ، وأستاذنا الفاضل، الحائز لأنواع العلوم والمعارف ، جامع المعقول والمنقول ، ومقرّر الفروع والأصول، جمّ المناقب والمفاخر ، محمّد باقر بنمحمّد باقر الهزار جريبيّ ... قال في آخر إجازته المبسوطة لبحر العلوم طاب ثراهما-وهي موجودة عندي بخطّه الشّريف كسائر إجازات مشايخه (رحمه الله) بخطوطهم في مجموعة شريفة- وأوصيه أيّده الله بالكّد في تحصيل المقامات العالية الأخرويّة سيّما الجِدّ في نشر أحاديث أهل بيت النبّوة والعصمة صلوات الله وسلامه عليهم ، ورفض العلائق الدّنيّة الدّنيوية ، وإيّاه وصرف نقد العمر العزيز في العلوم المموّهة الفلسفيّة، فإنّها {كَسَرَابٍ بِقِيعِةٍ يَحسَبُهُ الظَّمآنُ مَاءً}(2) .
22- المحقّق أحمد بن محمّد المعروف بالمقدّس الأردبيلي
وعبارته(رحمه الله) في كتاب حديقة الشيعة باللغة الفارسية(3)
23- الشيخ حسن بن المحقّق الثّاني
قال(علیهم السلام) في كتابه«عمدة المقال فی كفر أهل الضّلال» :
«و الصوفيّة جوّزوا اتّحاده تعالی و حلوله فی ابدان العارفين حتّی تمادی بعضهم و قال: انّه سبحانه نفس الوجود وكلّ موجود فهو الله تعالی، والذين يميلون الی طريقتهم الباطلة يتعصّبون لهم و
ص: 70
يسمّونهم الاولياء ، ولعمري انّهم رؤوس الكفرة الفجرة، وعظماء الزّنادقة و الملاحدة ، وكان من رؤوس هذه الطّائفة الضّالّة المضلّة الحسين بن منصور الحلّاج وابويزيد البسطامي»(1) .
24- الشّيخ الحرّ العامليّ (قدس سره)
قال (رحمه الله) بعد نقل كلام عمدة المقال :
«إنّ بطلان هذا الإعتقاد (أي وحدة الوجود و ...) من ضروريّات مذهب الشّيعة الإماميّة لم يذهب إليه أحد منهم، بل صرّحوا بإنكاره و أجمعوا علی فساده و شنّعوا علی من قال به فكل منقال به خرجعن مذهب الشيعة فلا تصح دعوی التشيع من القائل به ، وهو كاف لنا في هذا المقام كما لايخفی علی ذوي الأفهام »(2)
25– الفاضل الورع ملّا عبدالله الشّوشتري (رحمه الله)
وعبارته(رحمه الله) قد نقلها البهبهاني في الخيراتيّة(3)
ص: 71
المساله الثانية: عقيدة الشيخية في خلق العالم
من الضروريات عند جميع المسلمين، بل و عند عامة المليين من اليهود و النصاری و الصابئين، بل من المعلوم حتی عند المشركين العابدين غير الله سبحانه، كون الخالق للعالم و العلة لوجوده هو اللهسبحانه، دل علی ذلك الكتاب المجيد و السنة الصحيحة و العقل الفطري، و لذلك قال تعإلی: (هَل مِن خالق غير الله)(1) و ذلك عندما سأل الكفار الرسل حسبما نزل به الفرقان العظيم عن خالق العالم، فأجابوهم: الله سبحانه خالق كل شيء. و قال تعإلی: (ولئن سألتهم من خلق السموت و الارض ليقولن الله»(2) و قال تعإلی: (و لئن سالتهم من خلق السموت و الارض و سخر الشمس و القمر ليقولن الله فاني يوفكون) و قال تعإلی: (امن يبدء الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء الارض أءله مع الله قل هاتو ابرهانكم ان كنتم صادقين»(3)
أليس كثير من الايات التي أسندت الخلق إلی الله سبحانه نعم جعل المجوس خالقين، خالقا للخير و خالقا للشر، فعندهم الهان خالقان.
ص: 72
و قد خالفت فرقه الشيخية جميع المليين لذهابهم إلی ما ذهب اليه بعض اليهود الذين قال في حقهم سبحانه: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان...)(1) لقولهم – اي الشيخية – بأن العلة الفاعلية للعالم بأجمعه هم اهل البيت عليهم السلام و هم باقي العلل علی ما زعمه اهل الحكمة من توقف وجود الممكنات خارجا عليها، و هي العلة الفاعلية، و المادية، و الصورية و الغائية، فزعمت فرقة الشيخية و علی رأسها شيخهم احمد بن زين الدين الاحسائي، بان النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و عترته عليهم السلام هم هذه العلل، و قد نصوا علی ذلك في مقامات كثيرة من كتبهم، كشرح الزيارة الجامعة، و احقاق الحق، (لموسی الاسكوئي الإحقاقي) و غيرها من كتبهم فقد نصوا فيها علی كونهم العلة الفاعلية لكونهم محال مشيئة الله، و العلة المادية لخلق الخلق من شعاع نور اجسادهم، و ذلك الشعاع قائم بنورهم قيام صدور كصدور القيام من زيد، و العلة الصورية لكون كلفرد من الخلق من الغيب و الشهادة و الجوهر و العرض، فإن كان طيبا فصورته من نور هياكلهم، و من نور هياكل هياكلهم إلی آخره، فإنهم رحمه الله، و ان كان خبيثا فصورته من عكس نور هياكلهم، و العلة الغائية، فان الله سبحانه خلق الخلق لهم و اليهم.
قال الشيخ احمد الإحسائي في شرحه لفقرة «الدعاة إلی الله»: «فحيث كانوا هم العلة الفاعلية لأنهم في ذلك محال مشيئة الله، و هم العلة المادية لان جميع الخلق خلقوا من شعاع أنوارهم و ذلك الشعاع قائم بأنوار هم قيام صدور، و هم العلة الصورية، لأن كل فرد من جميع الخلائق من الغيب و الشهادة الجواهر و الأعراض فصورته ان كان طيبا من أنوار هياكلهم او من انوار هياكل هياكلهم، و هكذا لأنهم رحمة الله و مظاهر رحمة الله و مظهروا رحمة الله و الأشباح تلوح علی أشباحهم و أشباح أشباح أشباحهم و هكذا، و هم العلة الغائية لأن الله سبحانه انما خلق الخلق لهم و إيابهم إليهم و حسابهم عليهم، و إن كان خبيثا فصورته من عكس أنوار هياكلهم...»(2)
ص: 73
و قال في شرح فقرة «الدعاة إلی الله»: «ثم لما كانوا – أي الائمة – في المقام الذي وضعهم الله سبحانه فيه انهم العلة الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية لجميع الخلائق»(1)
و في فقرة «و الأدلاء علی مرضاة الله»، قال: «... و لا يكون شيء من ذلك إلا بهم لما قلنا إنهم العلة الفاعلية لأنهم محال المشية و العلة المادية لأن جميع الأشياء موادها في كل كون من أشعه انوار هم و العلة الصورية لأن صور جميع الاشياء في كل عين من أشعة أشباحهم المعبر عنها بنور الرحمه وهيكل التوحيد، و من عكس ذلك للأعداء المعبر عنها بهياكل الغضب و السخط، و العلة الغائية، لأنهم هم لله سبحانه و خلق كل ما سواهم لهم»(2)و قال في شرح فقرة «و معدن الرحمة»: «و اتخذ الهادين عضدا، و معنی أنه سبحانه اتخذهم أعضادا لخلقه، ان الشيء لا يتقوم الا بمادته وصورته لتوقف وجوده علی العلة المادية و العلة الصورية، و لما خلق الله محمدا سراجا منيرا اشرق نوره حتی ملأ العمق الاكبر فخلق الله مواد الاشياء غيبها و شهادتها ماديها و غير ماديها و جواهرها و أعراضها من نور محمد، و لما خلق الله عليا قمرا منيرا اشرق نوره حتی ملأ العمق الاكبر فخلق سبحانه صور الاشياء غيبها و شهادتها و غير ماديها و جوهرها و اعراضها من نور علی فالماده هي الاب، و الصورة هي الام، و إلی هذا اشار: «انا و علی ابوا هذه الامة»(3)
و قال في شرح فقرة: «و اركان البلاد»: «بكونهم اركان البلاد، ان جميع الدنيا و ما فيها لولا وجودهم فيها لساخت، لأن وجودهم علة لوجود الموجودات، و وجود الموجودات قائم بوجودهم قيام صدور، لأن الشيء يتقوم بمادته و صورته و نفسه، فأما مادة جميع بلدان الدنيا و ما فيها من الانهار و الاشجار و الجبال وسائر ما فيها من الجمادات و النباتات و الحيوانات فمن فاضل شعاع أجسادهم... و اما صورها فمن فاضل شعاع أشباحهم....»(4)
ص: 74
و في فقرة «و اثاركم في الآثار»: فإنهم في ذلك كله المبدا و المعاد فالعلة الفاعلية بهم، و العلة المادية منهم، أي من شعاعهم و ظلهم، و العلة الصورية بهم علی حسب قوابل الأشياء من خير و شر، و العلة الغائية هم لأن الاشياء خلقت لأجلهم...»(1)
اما تلميذه السيد كاظم الرشتي فقد تابع أستاذه علی كون الموجِد للعالم هم الائمة عليهم السلام ذكر ذلك في مقامات من شرحه للخطبه التطنجيه قال: «فافهم المراد، فعلی هو مبدء العلة الصورية بظهوره،كما أن محمدا مبدء العلة المادية بشعاعه... و النبي محل المشية و الولي محل الإرادة ... و النبي مبدء العلة المادية و الولي مبدء العلة الصورية....»(2)
و قال أيضا: «فظهر أنه الطلسم الأعظم... و إثبت أنه العلة الأولی لإيجاد الأرض و السماء و كونه مكلم موسی في الشجرة عن الله إني انا الله لا اله الا انا فاعبدني»(3) و قال: «فإذا صح و ثبت أن محمدا و اهل بيته صلی الله عليهم اجمعين محال مشيه الله و السنة ارادته و تراجمة و حيه فلا يبرز شيء في الوجود إلا بهم و منهم و عنهم فهم المحيطون بكل دائرة الأكوان، و كلها عندهم كالنقطة في الدائرة، و كالدرهم بين يدي أحدكم، فالأنبياء لما خلقوا من شعاع أنوارهم كانت علومهم بالنسبة إلی علومهم نسبة المتناهي إلی غير المتناهي»(4)
و جاء في كتاب بوار الغالين للسيد مهدي الكاظمي القزويني أنه قال:«و تابعه تلميذه علی كون الموجود للعالم هو فعله سبحانه الذي هو الحقيقة المحمدية، حيث ذكر ذلك في شرحه للخطبه في مقامات منها في بيانه لقوله: انتجبه من البحبوحة العليا، نص علی الفاعل لكل حادث هو الرسول
ص: 75
المصطفی صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، و في بيانك و بحبه يوم القيامه نجاتكم، بين كون المصطفی و عترته العلة الفاعلية والصورية والمادية حيث قال: هم محال مشية الله و حملة قدرته إلی قوله: منهم العلّة الفاعلية...»(1)
و قد تابعهم في ذلك كل من تأخر عنهم من مشايخ الشيخيه، قال الميرزا موسی الاسكوئي الاحقاقي:«اعلم أن من المعلوم أنه لا يوجد شيء في الأرض ولا في السماء الا بعلل أربع: علّتان منها داخلتان، وهما: مادة الشيء وصورته، و علّتان خارجتان العلّه الفاعلية للشيء والعلّه الغائية له... إلی أن قال: والظاهر أنه لا اشكال في كونهم علیه السلام علّة مادية للأنبياء والشيعه من الأنس بمقتضی مفاد هذه الاخبار.. و انما الاشكال في كونهم علّه مادية لجميع آلمخلوقات من الأنبياء إلی الجمادات علیهذا الترتيب، يعني خلق الله سبحانه من شعاع نور محمد و اله الأنبياء، و من شعاع نور الأنبياء مؤمني الإنس، و من شعاع نورهم مؤمني الجن، و من شعاع نورهم الملائكه، ومن شعاع نورهم مؤمني الحيوانات، و من شعاع نورها مؤمني النباتات، و من شعاع نورها مؤمني الجمادات هذا فيالمؤمنين من كل طبقة و سلسلة، وأما كفار الطبقات غير الأنبياء والملائكة، خلقت مادة كفار كل طبقة منها من عكس شعاع مؤمني تلك الطبقة، ويسمي الشيخ الأوحد هذاالترتيب: (بالسلسة الطولية)...»(2)
و قال:«فاطلاق الشيعة اولا و حقيقة علی الأنبياء لأنهم خلقوا بلا واسطه من شعاع الحقيقة المحمدية و اطلاقها علی المؤمنين من الرعية مجاز...»(3) و قال ايضا:«.. أو ضحنا المراد من العلة الفاعلية في حق محمد و اله الطاهرين، فلنشرع الآن في بيان المراد من كونهم علیه السلام باقي العلل... و أما المراد من كونهم علّة مادية لجميع الموجودات من الأنبياء إلی الجمادات، فهو أن الله عزّ و جل خلقهم من شعاع نورالأنوار الأربعة عشر...»(4)
ص: 76
قال عبدالجليل الأمير:«فالكون حادث مخلوق، لابد من كون العلّة له حادثة مخلوقة مثله، لأن الأدوات تحد أنفسها و تشير الآلات إلی نظائرها، فعلة العلل هو محمد و آل محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ . فمن راجع الروايات في الكتب المعتمدة وجد ذلك واضحا علی أن أهل البيت هم العله في الايجاد»(1)
أقول: و فساد ذلك من أوضح الواضحات، فقوله:«فالكون حادث مخلوق، لابد من كون العله له حادثة مخلوقة مثله»، فقد رتب عبدالجليل الأمير التالي و هو كون العلة حادثة علی المقدم و هو كون الكون حادثا مخلوقا يحتاج إلی علّة حادثة مثله، فالنبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ الذي هو علّه العلل، اما أن يكون حادثا مخلوقا أو قديما، فان كان حادثا وجب أن تكون علّته، و هي الله سبحانه، حادثة و ليست قديمة،حسب زعمه، ان الحادث المخلوق تكون علّته حادثة، فالنبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ حادث ملخوق، فعلته حادثة مخلوقة، و هذا هو الكفر بعينه، لوجوب التسلسل و عدم وجود القديم سبحانه. و ان كانت علّه العلل و هي محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ قديمة، فقد جعلنا مع الله شريكا في القدم، و هذا هو الاشراك بالله تعإلی، و من هنا يظهر بطلان ما ذهب اليه عبدالجليل الأمير.
و مجمل ما تقدّم: أن فرقه الشيخيه تعتقد أن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والأئمة(عليهم السلام) هم العلّه الماديه والفاعليه والصورية والغائية في ايجاد الموجودات، و من المعلوم لمن نظر في القرآن العظيم بل حتی من سمعه يعلم علم اليقين من دون أن تدخل عليه شبهة بأن الفاعل للعالم الخالق مدبّر له هوالله، و أما السنة المطهرة، فهذه كتب المسلمين المعتمدة من الشيعة و أهل السنة مشحونة بما دل عليه كتاب الله العزيز، روی المجلسي في البحار عن الامام الصادق قال: من قال بانا خالقون بامر الله فقد كفر، وروی في الكافي عن سدير الصير في بعد ما قال للصادق: ان قوما يزعموم انكم آلهّة، فقال له: يا سدير سمعي و بصري و بشري و لحمي و دمي و شعري منهم بريء، قال سدير: قلت: فما أنتم؟ قال: نحن خزنة علم الله، نحن تراجمة امر الله، نحن قوم معصومون امر الله تبارك و تعإلی بطاعتنا و نهی عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة علی الناس» فانظر يا أخي إلی هذه الكلمات و تدبر فيها، فإنك تجد معانيها هي معاني ما ذكرناه من أن الخالق هو الله سبحانه، قال المجلسي في عقائده ما معناه: يحرم علی المسلم بأن يعتقد بأن الخالق للعالم النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و عترته علیه السلام المعصومون بأمر الله، فإنا قد نهينا عن القول بذلك بالسنن
ص: 77
الصحيحة الثابتة المروية عنهم، و ليس للمسلم أن يعتبر بما نقله شيخ رجب البرسي و غيره من أخبار منسوبة: إليهم ضعيفة(1) و مخالفة لصريح القرآن، قال تعإلی: (قل من رب السموات و الارض قل الله قل أفأتخذتم من دونه اولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرا قل هل يستوي الأعمی و البصير ام هل تستوي الظلمات و النور، ام جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار).بقي شيء يجب التنبيه عليه، و هو أن الشيخ أحمد الاحسائي و من تبعه جعل العلل المذكورة شرطا في وجود كل شيء، و ذلك باطل في حقه تعإلی، فإنه سبحانه خلق العالم من دون مادة، فهو سبحانه لكمال قدرته لم يفتقر إلی العلة المادية بإيجاده للعالم للزوم تعدد القديم لو فرض وجود مادة، منها قد خلق العالم من دون مادة، فهو سبحانه لكمال قدرته لم يفتقر إلی العلة المادية بإيجاده للعالم لزوم تعدد القديم لو فرض وجود مادة، منها قد خلق العالم بالضرورة من العقل و تعدد القديم باطل علی ما هومقرر في محله، فهو سبحانه خلقه من دون شيء كان قبل خلقه، فإن قيل خلقه من شيء حادث – كما قال عبدالجليل الأمير- و ذلك الحادث هو الحقيقة المحمدية علی ما قاله الشيخ أحمد و من تابعه، و الحقيقة المحمدية هي أول صادر بقول جميع المسلمين، و بقول شيخ أحمد – قلنا: في المقام بحثان، أحدهما كون مادة الخلق شيئا حادثا، و ثانيهما كونه الحقيقة المحمدية، فأما كون مادة الحادثات شيئا حادثا فهو مغالطة بينه، فإن معنی العلة المادية وجود شيء هي مادة لغيره مما يوجد بعده، و قد فرضت توقف وجود كل شيء علی المادة فيقال لك، فأي شيء صار مادة أول صادر، فإن قلت: خلقه الله سبحانه من غير مادة ثبت المطلوب، فيصير معناه خلقه سبحانه بنفسه الذي هو معنی خلقه من غير شيء و من غير مادة فالعلل ثلاثة في حقه سبحانه، فاعلية و هي نفسه تعالت و تقدست، و صورية و هي ما عليه المخلوقات من الهياكل المختلفة، و غائية التي هي معرفته سبحانه حسبما نطق بذلك الفرقان العظيم في قوله تعإلی:«و ما خلقت الجنّ والانس الّا ليعبدون»(2) فإن العبادة متفرعة عن المعرفة.. و ثانيهما، هو كون الحقيقة المحمدية هي المادة لجميع العالم العلوي والسفلي، و معنی المادة مثل الخشب
ص: 78
بالنسبة إلی السرير و مثل الذهب والفضة بالنسبة للخاتم، فالذي ورد في ذلك من السنة عن أهل البيت مخالف لما قاله الشيخية، ففي الكافي عن أبي عبدالله علیه السلام قال: ان الله خلقنا من علّيين و خلق أرواحنا من فوق ذلك و خلق أرواح شيعتنا من علّيين، و خلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا و بينهم و قلوبهم تحن إلينا،و... و عن أبي حمزه الثمالي قال: سمعت أبا جعفر يقول: أن الله خلقنا من أعلی علّيين، و خلق قلوب شيعتنا مما خلقنا، و خلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا لأنهاخلقت مما خلقنا... قال شيخهم في شرحه للعرشية في بيانه أول مشرق من مشارقها في جملة ما قال: الحقيقة المحمدية التي من شعاعها خلق مادة كل شيئ، فكل شيء قائم بها قياما ركنا كما هو شأن المادة إلی تمام مقاله، و حسب طالب الحق في معرفة مخالفة شيخ أحمد و من تابعه للحق في هذه المسألة ما نقلناه عن الكافي، فإنه قد دلّ صريحا علی كون قلوب الشيعة قد خلقت من الطينة التي خلق الله سبحانه منها جسوم أهل البيت علیه السلام ، لا كما ذهب اليه الشيخه في قولهم من أن أهل البيت هم مادة للشيعة، لأنهم خلقوا من شعاع نور أجسامهم كما مرّ عليك.(1)
ص: 79
ما هو
يالعدد الاول
مقدمة المجلة حول
مفاسد الغناء والموسيقی
لقد كتب سماحة السيد اية الله الاشكوري كتاباً فقهياً استدلالياً حول الموسيقی رأينا من المناسب نشر بعض ابحاثه ففي هذه الحلقة ننشر :
1 – معنی الموسيقی و تعريفها
2- ادلة حكم الموسيقی .
و قبل ذلك لابدّ من الإشارة الی بعض مفاسد الغناء والموسيقی؛ لأن الناس تداولوها وصارت كأنها من مقوّمات معيشتهم حتی ادّعوا أنها تعود بالنفع والفائدة علی الأبدان والعقول، فصار من الصعب قناعتهم بوجود الضرر والمفسدة فيها.
ولكن من زاول الطب وخَبَر أعمال الجهاز العصبي في الإنسان ؛ علم أنه لاشيء أضرّ علی الجهاز العصبي والدماغ من ادمان الغناء فانه يخل بسير الجهاز العصبي الطبيعي إخلالاً تامّاً حتی يخرِج المغني ومستمع الغناء عن حاله الطبيعي، ويسير سيراً معاكساً للإعتدال المطلوب منه؛ وهذا مايُسمونه الطرب.
ص: 80
وحقيقة الأمر؛ هو الخروج عن الإعتدال بما يقرب من الجنون. واذا دام الأمر علی ذلك يصير مدمن الغناء في حالة يعجز فيها عن مقاومة كوارث الطبيعة ، فيتسرّب إليه اليأس لأدنی حادثة، ويفقد تماسكه لأدنی هَول، ويضعف عن الوقوف أمام الصعوبات.
ولقد رأينا بعض المدمنين للغناء؛ بادروا للإنتحار لأدنی حادثة، ومنهم من ابتُلي بأمراض السل والسرطان؛ لشدّة تأثره من حوادث لو أصابت غير مُدمن الغناء لما أحدثت فيه تلك الأمراض.
ومنهم من عجز عن تحمّل أعباء المعيشة وترك عائلته وأطفاله جياعاً عُراة ولم يقم بشؤونهم؛ لأن الغناء أضعفه عن تحمّل المشقّات ، وأقعده عن التوجه الی من وجب عليه تفقده والقيام بشؤونه؛ حتی سهُل عليه ضياع أولاده وأطفاله .وفوق ذلك الخلل الإجتماعي؛ إذ أن مدمن الغناء مُلازم للخمر، والقمار، والإفتتان بالجمال، والإكثار من الشهوات؛ حتی يهون عليه هتك الأعراض ولايُبالي بها.
المجلة.
معنی الموسيقی و تعريفها
...و قد حان لنا ان نعرّف التعريف المختار فنقول ان الموسيقی هي الاصوات المتّزنة علی اساس الموازين الايقاعيّة التي تخرج من آلات الموسيقی.
و بعبارة أخری الموسيقی هي النغمات التي تخرج من اداة الموسيقی و تكون علی اساس قواعدها و هو المسمّی بالنوت.
و بعبارة ثالثة ان الموسيقی هي الالحان التي تخرج من اداة الموسيقی و تكون علی اساس التناسب و الموازين الايقاعيّة.
و في رأينا ان هذا التعريف هو التعريف الجامع و المانع للموسيقی حيث ان بقيد الاصوات المتزنة او النغمات او الالحان يخرج ما يوّثر في النفوس و لايكون من الموسيقی كبعض الرياحين و العطور و ان عبر عنه اسحاق بن يعقوب الكندي بالموسيقی كما مّر و كذلك يخرج- عن التعريف الاشعار و القصائد و المتون الفصيحة و البليغة.
و بقيد ان يكون علی اساس الموازين الايقاعية – يخرج الاصوات غير الموزونة.
ص: 81
و بقيد اداة الموسيقی يخرج الغناء بالمعنی الاخص و هو صوت الانسان الذي يكون علی اساس التناسب و الموازين الايقاعيّة.
و انما لم يقيد التعريف بشأنية الاطراب لوضوح صدق الموسيقی علی الاصوات المتزنة و النغمات التي تخرج من آلات الموسيقی حتی لو لم يوجب الاطراب و لم يكن له قابليّة الاطراب و ذلك لان الاطراب هو الوجد و اهتزاز النفس فرحاً او حزناً و لا يحصل الا من بعض اقسام الموسيقی لانه لا شك ان مجرد التأثير لا يطلق عليه الاطراب و مجرد قابليّة التأثير لا يطلق عليه قابليّة الاطراب.
حكم الموسيقی المستفاد من الادلة
و يمكن ان يستدل علی حرمة الموسيقی بالعقل و الكتاب الكريم و السنة (الاجماع و الروايات)اما العقل: فقد يقال: انه لا شك في ان الموسيقی في الجملة مما يخل بامر معاد العباد و معاشهم و من اسباب البطالة و الترف و تجراً العبد علی معصية الله سبحانه و تعالی و تحثه علی الاستخفاف بالدين الحنيف من التهاون في اداء الواجبات و التساهل في ارتكاب المحرمات فما يكون كذلك فلا شك ان العقل حاكم بقبحه و زاجر عن اقترابه و هذا من الامور التي يدركها كل العقلاء بما هم عقلاء.
بل نری ان المشرعين الوضعيين ايضاً لا يرخصون فيما يوجب الترخيص فيه هتك حريمهم و انتهاك قوانينهم لان في الترخيص انتقاض اغراضهم و مخالفة لمقاصدهم التي دعتهم الی التشريع و وضع القوانين و الدستور.
ولكن يمكن الجواب : اثنا لانشك في ان كل مصداق من مصاديق الموسيقی كانت بهذا المستوی و قد انطبق عليها عنوان الجراة علی المولی تعالی و سببت الاستخفاف بالدين فهي محرمة قطعاً و ممنوعة حتماً و هذا مما لا كلام فيه و انما السؤال انه هل بامكاننا بهذا البيان ان تثبت حرمة الموسيقی بنحو مطلق و بعرضها العريض و يبدو ان الجواب لم يكن ايجابياً و ذلك لانه في الحقيقة ان ما هو المحرم و الممنوع هو الجراة علی المولی سبحانه و انتهاك شريعته جل و علا و الاستخفاف بقوانينه تعالی ففي اي شئ تحقق فيكون حراماً و ممنوعاً و هذا غير ما نحن بصدده من اقامة الدليل علی حرمة الموسيقی بذاتها من دون انطباق عنوان آخر عليها.
ص: 82
نعم لاحد ان يقول ان بعض اقسامها مما يصد عن ذكر الله تعالی دائماً فتكون قبيحة بحكم العقل فتأمل.
و اما القرآن الكريم: فيمكن ان يستدل علی حرمة الموسيقی بقوله تعالی: (و اذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا اليها و تركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين(1).بيان الاستدلال: ان الله سبحانه و تعالی استنكر علی الذين ذهبوا الی اللهو لمشاهدته و استماعه فبالاولوية ان المبادرة الی نفس العمل اللهوي و هو ضرب الاوتار و الدفوف و نحوهما يكون محرماً.
و لكن يمكن الجواب عن ذلك: اولاً بان التأنيب و الادانة لتركهم الحضور في الصلاة من يوم الجمعة و انفضاضهم و تفّرقهم من حول الرسول الاعظم صلی الله عليه و آله حينما هو صلی الله عليه و آله قائم خطيباً يخطب خطبة الجمعة فلا تدل الاية الكريمة علی حرمة اللهو بنحو مطلق و لذا ذكر سبحانه و تعالی التجارة ايضاً حيث قال تعالی و اذا رأوا تجارة او لهواً الاية. و لا شك في ان التجارة ايضاً ليست في نفسها امراً محظوراً بل مرغوب فيها بل قد تكون واجبة و لكن لمزاحمتها مع خطبة الجمعة فقد نهي عنها و ان الاية الكريمة انما كانت ناظرة الی قضايا خارجية و حوادث معينة نعم لا يسفاد منها الخصوصية و الانحصار. بل ذكر التجارة و اللهو من باب المثال فان المقصود و الله العالم هو ترك كل ما هو مضاد مع صلاة الجمعة و مانع عنها و سبب لتركها سواء تمثل في التجارة او اللهو او النكاح او الدعاء او النوم او التفرج . و في كلمة شاملة جامعة كل ما يصد عن ذكر الله تعالی و في المقام هو صلاة الجمعة فانظر الی قوله تعالی: ( يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا الی ذكر الله و ذروا البيع)(2) هل تری خصوصية في البيع كلا بل انما يفهم من ذكر البيع المثالية و المصداقية لما يصد عن ذكر الله تعالی و لذا تری في مقام التطبيق علی الواقع
ص: 83
الخارجي و التأنيب و الادانة لم يكتف تعالی بذكر التجارة بل عطف عليها اللهو فقال و اذا رأوا تجارة او لهواً انفضوا اليها و تركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو و من التجا رة و الله خير الرازقين.
ثانيا: ان اللهو في الاية الكريمة فيه احتمالات:
1- ان يكون المراد من اللهو هو اي عمل لا يترتب عليه الاثر و الفائدة (ما يشغل الانسان عن اعماله الشخصية و الاجتماعية).
2- ان يكون المراد من اللهو هو اللعب.1- ان يكون المقصود ضرب الطنبور و الدف و المزمار و بكلمة جامعة الموسيقی.
2- خصوص الموسيقی في زفّ العرائس.
3- كناية عن اداة الاعلان – سواء كانت لا علان النكاح او لشيء اخر كمجيء قافلة التجارة و العبر.
و مما يؤيد الاحتمال الاخير ما جاء في عوالي اللئالي عن مقاتل بن سليمان قال: بينا رسول الله صلی الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة اذا قدم دحية الكلبي من الشام بتجارة و كان اذا قدم لم يبق في المدينة عاتق الا اتته و كان يقدم اذا قدم بكل ما يحتاج اليه الناس من دقيق و برّ و غيره ثم ضرب الطبل ليؤذّن الناس بقدومه فيخرج الناس فيبتاعوا منه فقدم ذات جمعة و كان قبل ان يسلم و رسول الله صلی الله عليه و آله يخطب علی المنبر فخرج الناس فلم يبق في المسجد الا اثنی عشر فقال النبي صلی الله عليه و آله لولا هولاء لسومت عليهم الحجارة من السماء و انزل الله الاية في سورة الجمعة(1).
و في مجمع البيان : و قيل انهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير يقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة «عن قتادة و مقاتل»(2).
ص: 84
و ما جاء في تفسير علي بن ابراهيم قال: كان رسول الله صلی الله عليه و آله يصلي بالناس يوم الجمعة و دخلت ميرة و بين يدها قوم يضربون بالدفوف و الملاهي فترك الناس الصلاة و مرّوا اينظرون اليهم فانزل الله و اذا رأوا تجارة او لهواً الاية(1).
و هناك روايات أخری وردت في شأن نزول الاية الكريمة تعزز هذا الاحتمال و ان شئت الوقوف فراجع الدر المنثور(2).و اما ما يؤيد الاحتمال الرابع و هو ان يكون المراد باللهو خصوص زفّ العرائس فقد جاء في الدر المنثور عن جابر بن عبد الله: ان النبي صلی الله عليه و آله كان يخطب الناس يوم الجمعة فاذا كان نكاح لعب اهله و عزفوا و مروا باللهو علی المسجد و اذا نزل بالبطحاء جلب- قال و كانت البطحاء بفناء المسجد الذي يلي بقيع الفرقد و كانت الاعراب اذا جلبوا الخيل و الابل و الغنم و بضائع الاعراب نزلوا البطحاء – فاذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا للهو و التجارة و تركوه قائماً فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلی الله عليه و آله فقال و اذا رأوا تجارة او لهواً انفضّوا اليها و تركوك قائماً(3).
و علی كل فعلی الاحتمال الاول يمكن ان يقال ان ترتب الفائدة علی عمل و عدم ترتب الفائدة بنظر العرف فاننا نری انهم يرون في كثير من اقسام الموسيقی فائدة مهمة. بل نری كثرة اهتمامهم بها(نعم للشارع ان يبغي بعضها او جلها او كلها و لكن ذلك اول الكلام و ما نريد اثباته).
و اما علی الاحتمال الثاني: فتكون الاية الكريمة اجنبية عن المقام و كذلك الامر بالنسبة الی الاحتمال الاخير.
ص: 85
و اما علی الاحتمال الثالث: فيتمّ الاستدلال بالاية الشريفة (بعد التنزّل عن الاشكال الاول) و لكن مع وجود سائر الاحتمالات لا يمكن الاستدلال بها لانه اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
و اما علی الاحتمال الرابع: و هو ان يكون المقصود من اللهو في قوله تعالی خصوص زفّ العرائس- فاولاً: تكون الاية اخصّ من المدعی.و ثانياً: انه في خصوص زف العرائس فقد ثبت جواز الغناء و الموسيقی فهو يمنع عن قبول هذا الاحتمال ( نعم لو كان هذا الاحتمال هو المتعين في الاية الكريمة سوف يكون الميزان هو الاية الكريمة و لا بد من رفض كل ما خالف الكتاب الكريم.)
و ثالثا: ان وجود احتمالات اخر في الاية الكريمة مانع عن الاستدلال بها حتی في زفّ العرائس هذا كله علی فرض عدم تماميّة الاشكال الاول و هو ان الاية الكريمة بصدد الردع عن كل ما هو مزاحم و مانع عن اقامة صلاة الجمعة و الا سوف لا تصل النوبة الی هذه الاحتمالات.
و زبدة الكلام انه لا يمكن الاستدلال بالاية الشريفة علی حرمة الموسيقی.
«و سيأتي الكلام في باقي الادلة الدالة علی حرمة الموسيقی.»
ص: 86
الحلقة الاولیإن الدين أهم شؤون الانسان لأنه الكافل بسعادة هذه الحياة الأولی، و اهم منها الحياة الابديةالتی لا زوال لنعيمها و لا انتهاءلعذابها و انما يضمن النعيم فيها و ينجي من العذاب الدين ، فيجب الاخذ له بالحائطة الشديدة ، و لا ينبغي أن يعتمد فيه الاعلی اهله ممن علم دينهم و صدقهم و ورعهم ، و الا لا يحصل الوثوق بهم ، فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال و المسلم يحمل فعله علی الصحة في نفسه اذا احتمل فيه الفساد و لكن لا يعتمد علی من احتمل فيه الفساد بان يستودعه العرض و الدين و المال.
و من اعتمد علی رجل يحتمل فيه الفساد فلا يلومن الا نفسه،كما صرحت به الآيات و الاحاديث، و اقتضاء صريح العقل، و كثير من كتب اهل الحديث و اهل الفتيا لا يوثق بهم.
ص: 87
فالبخاري ابو عبد الله محمد ابی الحسن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن الاحنف«يزذبه» او «يزدزبه» الجعفی بالولاء.
المتولد: في الليلة الثالة عشره من شهر شوال سن، أربع و تسعين و ماة.
وكان قد نفاه من بخاري الی خرتنك من أعمال ما وراء النهر خاليدن أحمد الذهلي أمير خراسان في خلافة المعتمد بن المتوكل لامور يطول ذكرها، و كان جده يزذبه، أو يزدز به مجوسيامات علی دين هو أسلم جده المغيره. هذا ما تقله علماء السير عن البخاري،ولا أريد الطعن عليه في دينه فقد قال تعالی:
«ولا تقولو المن القی إليكم السلام لست مؤمنا»
ولا سيما مثل،البخاري ، ولكن ترتيب أحكام الإسلام عليه لا يستلزم وجوب تسليم معالم الدين إليه بحيث يقبل كل ما روی و يعمل به.فالدين أعز وأمنع و أغلی و أعلی من أن يوخذ إلا من أهله و ليس هم إلا أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و مهبط الوحي،و خزان العلم لا البخاري و المروزي و الترمذي والنيسابوري و أمثالهم ممن لا يجب إلا الاعتراف بإسلامهم لا أخذ الوحي بواسطتهم.
هذا إذا لا حظنا البخاري بنفسه، فإذا أردنا مع ذلك أن نحقق و نبحث عن رواته فالخطب أشنع،لان رواة البخاري مثل:
مروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ، واللعين ابن اللعين، و الطريد ابن الطريد.
كما ورد متواترا عن النبي صلی الله عليه و آله و سيأتي، و هو القائل للحسن ابن علي علیه السلام انتم أهل بيت ملعونون.
ص: 88
و من رواته عمران بن حطان الخارجي و هو مادح ابن ملجم أشقی الآخرين كماورد عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ورواه الثقاة كالدميري في «حياة الحيوان» في قول النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لعلي علیه السلام :
إن أشقی الاولين عاقرناقة صالح، وأشقی الأخرين من يضربك علی هذا، و أشار الی رأسه و يخضب هذه منه، و أشار الی لحيته.
وراوي البخاري يمدح أشقی الآخرين في قتله علي عليه السلام، و ساب علّي في شعره.
و منهم: حريز بن عثمان الرحبي.
و قد نقل عنه صاحب التهذيب أنه كان ينتقص عليا و ينال منه.
و نقل عن أسماعيل بن عياش أنه عادل حريز بن عثمان من مصر إلی مكة و هو يسب عليا و يلعنه، و هو الذي غير حديث:«أنت مني بمنزلة هارون من موسی» فوضع لفظ قاورن مكان هارون.
و هو الذي روی علی ما حكاه الأزدي أن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لما ركب جاء علي فحل حزام البغلة ليقع النبي.
و قيل ليحيی بن صالح: لم لا تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتی يلعن عليا سبعين مرة.
و قال ابن حبان: كان يلعن عليا بالغدوة سبعين مرة و بالعشي سبعين مرة، فقيل له في ذلك، فقال:هو القاطع رؤوس آبائي.
ومع وجود أمثال هؤلاء الرواة كيف يصح الاعتماد علی صحيح البخاري، و ما الذي أوجب أن يقال: إنه أصح كتب الحديث؟
ص: 89
فإن كان هذا أصح كتب أحاديث أهل السنة فالاجدر أن لا يعتمد علی غير الاصح من كتب الحديث التي لا يعتمد عليها الشيعة.
قال الذهبي في ترجمة المصعبي: إنه أنصر أهل زمانه للسنة، ثم أطری عليه كثيراً، ثم قال: لكنه يضع الحديث.
و قال في ترجمة الجوزجاني:
إنه من الحفاظ الثقاة، و كان يتحامل علی علي علیه السلام و فيه انحراف عنه.
هؤلاء الرواة هم من أسباب عدم الاعتماد علی صحيح البخاري و إمثاله، يضاف الی ذلك أن ملوك العامة كانوا يجبرون الناس علی وضع الاحاديث كما تشتهيه أنفسهم، و يوحيه إليهم الهوی و يسول لهم الشيطان.صنف النسائي كتاب «الخصائص» في فضل الإمام علي و أهل البيت عليهم السلام و أكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، فطولب في جامع دمشق بجمع كتاب في معاوية مثل ذلك، فقال:
لا أعرف فيه ألاقول النبي صلی الله عليه (وآله) و سلم:لا أشبع الله بطنه.
وسئل عن معاوية، فقال:
أما يرضی أن يخرج معاوية، رأسا برأس حتی يفضل فضرب بالنعال و عصرت خصيتاه حتی مات.
و قيل أخرج الی مكة فمات بها.
و ذكر الذهبي في ترجمة السقا الواسطي أنه أملی حديث الطير فلم تحتمله عقولهم، فوثبوابه و أقاموه و غسلوا موضعه فمضی ولزم بيته، ولم يحدث أحداً من الواسطيين.
وقال في ترجمة يحيی بن كثير: أنه امتحن و ضرب و حلق لانه كان ينتقص بني أمية.
ص: 90
و قال أبو الفرج في خبر خندف بن بدر الاسدي: إنه قتل لانه روي فضائل أهل البيت في الموسم.
فأذا كان الرواة مضطرين الی إخفاء الاحاديث الصحيحة، و وضع الاحاديث الكاذبة فكيف يعتمد علی نقلهم، و قل من يثبت علی الدين و يرفع اليد عن الدنيا من أجله.
و من غريب أمر البخاري أنه احتج برواية مثل ابن العاص و حريز، و لم يحتج برواية جعفر الصادق عليه السلام مع أن باقي الصحاح إحتجوا بروايته و قد قيل في هذا المعنی:
قضية أشبه بالمرزئة*** هذا البخاري إمام الفئة
بالصادق الصديق مااحتج *** صحيحه و احتج بالمرجئة
و مثل عمران بن حطان أو*** مروان و ابن المرأة المخطئة
مشكلة ذات أوار الی *** حيرة أرباب النهی ملجئة
و حق بيت يمته الوری*** مجدة في السير او مبطئة
إن الإمام الصادق المجتبی*** بفضله الآي أتت منبئة
أجل من في عصره رتبة *** لم يقترف في عمره سيئة
قلامة من ظفر أقلامه*** تعدل من مثل البخاري مأة
بل تعدل قلامة ظفر الصادق(علیه السلام) و تفوق مالا يحصی من مثل البخاري كيف لا و البخاري ابن زودبة المجوسي، و الصادق ابن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ،
و يضاف الی ماسبق تمادي معاوية، و طواغيت بني امية في الغي و حملهم الناس علی وضع الاحاديث و اصطناعها و الترهيب و الترغيب في ذلك و بيدهم المال و السيف والسلطان.
و كثرت الاحاديث الموضوعة حتی قرت عين معاوية، و اعترف بذلك فيما كتبه الی عماله و حثهم علی جعل الاحاديث.
ص: 91
و سيأتي نقل كلام المدائني في ذلك، و عمال ملوك بني أمية في الغي و مخالفة رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ .
صرح الحجاج علی منبر الكوفة معترضاً علی من زارقبر النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ حاملا لهم علی أن يطوفوا بعبد الملك قائلا:
ألم يعلموا أن خليفة المرء خير من رسوله
وإصرار معاوية و ملوك بني أمية علی مخالفة صريح السنة، و نبذ الاحكام الشرعية بحيث لولا ما يخافونه من رد المعارضين لا علنوا إلغاء الإسلام جهاراً كما تشهد بذلك كتب السير،ورد بعض الصحابة و التابعين علی معاوية و بعض ملوك بني أمية مما يطول ذكره،و يذكر في غير هذا المورد، مما ملأ كتب السير و التاريخ.
فاذا تحققت هذا علمت أن ما ذهب إليه علماء الشيعة من عدم الاعتماد في الحديث إلا علی من خالف بني أمية في شهواتها و كان بعيداً عن ملوكها، ولم يسبق بعبادة و ثن أو شرك، و ليس هو إلا من كان فرع شجرة النبوة،
لا مثل البخاري و تلميذه الترمذي الذي شارك البخاري في كثير من شيوخه، مثل:
قتيبة بن سعيد، و علي بن حجر، و ابن بشار و غيرهم، وتوفي في ترمذمن بلاد ماوراء النهر سنة تسع و سبعين و مأتين، و مثل النسائي الخراساني وإن أتهم بالتشيع لانه كان بعيداً عن منبع العلم و الحديث، و معدن الوحي و التنزيل.
و مثل الدار قطني و إن كان بغداديا و أتهم بالتشيع لان شيوخه لم يكونوا ممن يعتمد عليهم، كأبي سعيد الإصطخري الشافعي، و محمدبن الحسن النقاش، وأبي سعيد القزاز، و محمد بن الحصين الطبري، وأبي بكر بن مجاهد.
ص: 92
هذا شيء مما أوجب عدم اعتماد الشيعة علی من لايوثق به من رجال الحديث، و ملخصه:
التثبت في نقل الحديث، و أخذ الحائطة للدين في عدم أخذه من أولاد المجوس البعيدين عن مهبط الوحي، و معدن التنزيل، و من أنصار بني أميه الذين تلاعبوا بالحديث و أحكام الدين و السنة،
هذا ما يعود الی الحديث.
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
العلامة الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي(قدس سره)
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمه الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء و هو يشتمل علی اثني عشر باباً و اثني عشر فصلاً و اليك ايها القارئ الكريم. الحلقة الرابعة من الكتاب وهي تكلمة ادلة ابطال التصوف وذمه عموماً من الباب الثاني :
الثاني عشر: ما رواه جماعة منهم الطبرسي في كتاب الإحتجاج عن الرضا عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته، وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويدا؟ لا يغرنكم فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخا لها فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا رأيتموه (وجدتموه - خ) يعف عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فإن شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من
ص: 93
ينبو(1)
عن المال الحرام وإن كثر ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا؟! لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقدة عقله فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده يجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة، حتى إذا قيل له: أخذته العزةبالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطله إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في حياته (طغيانه - خ) فهو يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقى (يتقى - خ) من أجلها فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا.
ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه متبعا لأمر الله وقواه مبذولة في رضى الله يرى الذل مع الخوف (الحق - خ) أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد وأن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة ولا تخيب له طلبة(2).
أقول: لا يخفى ما فيه من التعريض بمشايخ الصوفية والتصريح بذم تلك الطريقة الدنية فإنه لا يخرجون عن الأقسام المذمومة والله أعلم.
الثامن: إجماع الشيعة الإمامية وإطباق جميع الطايفة الاثني عشرية على بطلان التصوف والرد على الصوفية من زمن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام إلى قريب من هذا الزمان وما زالوا ينكرون عليهم تبعا لأئمتهم في ذلك فقد عرفت طرفا مما ورد عنهم وتقدم في الباب الأول ما يدل على ذلك أيضا ويأتي ما يدل عليه إن شاء الله تعالى فعلم قطعا أن الأئمة عليهم السلام داخلون في هذا
ص: 94
الاجماع فظهرت حجته وعلمت صحته وذلك معلوم علما يقينا من حال الشيعة الإمامية يعلمه كل من عرف أحوالهم أو طالع كتبهم ومع ذلك قد نقل بهذا الاجماع جماعة من أجلائهم وصرح به غير واحد من فضلا علمائهم وستقف إن شاء الله تعالى على بعض أسمائهم وموافقة الأئمة عليهم السلام لهذا الاجماع ظاهرة من الأحاديث السابقة وأمثالها حتى أن هذا الاسم لم يطلقه أحد عليهم ولا نسبه شيعتهم ولا غيرهم إليهم.
وقد روي العامة والخاصة عن شقيق البلخي أنه قال حججت فرأيت رجلا أسمر اللون منفردا ليسمعه شيء فقلت في نفسي هذا رجل من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس فنظر إلي وقال يا شقيق (اجتنبوا كثيرا من الظن أن بعض الظن إثم) فندمت وقلت هذا رجل صالح قد سماني وأخبرني بما في نفسي من غير أن أنطق به لاعتذرن إليه إذا رأيته فلما رآني مرة أخرى قال يا شقيق وإني لغفار لمن آمن وعمل صالحا ثم اهتدى فلما وصل إلى مكة سألت عنه فقيل لي هذا موسى بن جعفر عليهم السلام(1) .
أقول: فانظر إلى إنكاره على من ينسب إليه التصوف الذي لم يرد به الشرع ونهيه له عن ذلك وأمره إياه باجتناب هذه التهمة فلم يرض بهذه التسمية، ولما سماها بصالح الموافق لنصوص الشرع ونسب إليه هذا الاسم رضى بذلك وعده توبة منه وهداية وعملا صالحا فعلم أن النسبة الأولى ذنب وضلال وعمل سيئ، وذلك كله واضح ولا يظن أن الانكار لقوله: يريد أن يكون كلا على الناس لأنه لم يصرح بنفيه في مقام ذكر الصلاح ولو لم يرد ما قلنا لفسدت المقابلة، فظهر أن هذا الاسم غير معهود شرعا وكيف يجوز ذكر الصوفي في هذا المقام مع فرض عدم مدخليته في العام ثم يصرح الإمام بما صرح؟! وهل ذلك ح إلا إغراء بالجهل فعلم أنه هو المقصود، أوله مدخل تام فيه والمقابلة تقرب الأول.
واعلم - أن من جملة من نقل الاجماع السيد الجليل أبا المعالي محمد بن نعمة الله الحسيني رحمه الله في كتابه الذي صنفه في الملل والأديان في بحث مذهب الصوفية وأكثر أهل السنة والجماعة أنكروا الصوفية وجميع الشيعة أنكروهم ونقلوا عن أئمتهم أحاديث في مذمتهم إلى أن قال: وكل الشيعة على كفرهم والرد عليهم بطريق المبالغة العظيمة إلى وجه لم يجوزوا لغير الضرورة التسمية
ص: 95
بالصوفية ورووا بهذا المعنى أحاديث كثيرة عن أئمتهم عليهم السلام (انتهى).
ولنذكر في هذا المقام إشارة إلى بعض من رد عليهم من العلماء وقال: بكفرهم وصرح بضلالتهم وصنف في إبطال مذاهبهم المصنفات أو تعرض للرد عليهم في بعض المؤلفات ومن هنا يظهر انعقاد الاجماع ويرتفع النزاع مع ما هو معلوم من موافقة غيرهم وعدم ظهور مخالف لهم أصلا ولنقتصر من ذكر العلماء المشار إليهم على الاثني عشر.الأول: الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قدس سره فإنه قد صنف كتاب الرد على أصحاب الحلاج وقد نقل من هذا الكتاب كل من صنف في الرد على الصوفية وقد ذكروه في ترجمته وتعداد كتبه كما في فهرست النجاشي والشيخ وغيرهما وقد تقدم بعض ما نقل عنه ويأتي بعض آخر منه في موضع هو أنسب به إن شاء الله تعالى.
وقد نقل عنه بعض علمائنا أنه قال فيه: اعلم أيدك الله أن كثيرا من هذا العالم قائل بالإمامة على ظاهر من القول مليح وباطن من الفعل قبيح يعلن تقى وإيمانا ويبطن كفرا وعدوانا يأكل الدنيا بالدين ويدخل الشبه على المستضعفين من المؤمنين إلحادا في دين الله وعنادا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله ولما رأينا انهماك الحلاجية في إغواء ضعفاء الفرقة الناجية توجهنا إلى سد إضلالهم ورد أقوالهم لئلا يغيروا بإيهامهم في المغالاة ويعرضوا بإعراضهم عن مسلك النجاة كما مر في مقدمة الخبر الأول من هذا الكتاب المسمى بكتاب الرد على أصحاب الحلاج الذين نكبوا ونكسوا عن المنهاج والذين ألحوا في حب الله قولا ومكيدة وبالغوا في عداوته فعلا وعقيدة (انتهى).
ولأجل تأليف الشيخ المفيد لهذا الكتاب وسد ما فتحوه من هذا الباب ترى هؤلاء الصوفية يشنعون عليه ويطعنون فيه مع جلالة قدره ورفيع منزلته ويحسن هنا ذكر نبذة من ذلك توفية لبعض حقوقه وليظهر حسن حاله وجلالته وصحة اعتقاداته التي من جملتها بطلان التصوف وإذا ظهر حسن حاله قبح حال من أساء اعتقاده فيه.
قال الشيخ رئيس الطائفة المحقة أبو جعفر الطوسي في فهرست علماء الشيعة: محمد بن محمد بن النعمان يكنى أبا عبد الله المعروف بابن المعلم من أجلة متكلمي الإمامية انتهت رياسة الإمامية في وقته إليه في العلم وكان مقدما في صناعة الكلام وكان فقيها متقدما فيه حسن الخاطر دقيق الفطنة حاضر
ص: 96
الجواب له قريب من مأتى مصنف كبار وصغار توفي سنة 413 وكان يوم وفاته يوما لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف له ومن المؤالف (انتهى).
وقال الشيخ الجليل أبو العباس النجاشي في كتاب الرجال(1)
بعد ذكر اسمه ونسبه إلى قحطان ماهذا لفظه: هو شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم وذكر من جملة كتبه كتاب الرد على أصحاب الحلاج وكذا ذكره الشيخ كما أشرنا إليه.
وقال العلامة في الخلاصة: إنه أجل مشايخ الشيعة ورئيسهم واستادهم وكل من تأخر عنه استفاد منه وفضله أشهر من أن يوصف أوثق أهل زمانه وأعلمهم انتهت رياسة الإمامية في وقته إليه.
ثم ذكر جميع المدائح السابقة وزاد عليها وقصة رؤياه لفاطمة عليها السلام في المنام وقد أتت إليه بالحسنين عليهما السلام ليعلمهما فأتت من الغد فاطمة أم السيد الرضي والمرتضى إليه ليعلمهما مشهورة، ودلالتها على فضله ظاهرة مع ماله من الفضائل الواضحة. ومن جملتها ما ذكره الشيخ منتجب الدين علي بن الحسين بن علي بن بابويه في فهرسته فقال أبو الفرج المظفر بن علي بن الحسين الحمداني ثقة عين من سفراء الإمام صاحب الزمان عليه السلام أدرك الشيخ المفيد أبا عبد الله وجلس مجلس السيد المرتضى والشيخ الطوسي وقرأ عليه ولم يقرأ عليهما أخبرنا الوالد عن والده عنه (انتهى).
ثم ذكر مؤلفاته وهذه مرتبة جليلة له وقد نص عليه صاحب الزمان بما يقتضي جلالة القدر وعلو الشأن واختص منه بشهادات ودعوات لم يظفر بها أحد من أهل زمانه وذلك في توقيعاته إليه في الغيبة الكبرى مثل قوله عليه السلام في توقيعه إليه للأخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه.
وفيه أما بعد سلام الله عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين. وفيه ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق إنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك. وفيه هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي والمخلص في ودنا الصفي والناصر لنا الوفي حرسك الله بعينه التي لا تنام فاحتفظ به ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه بماله ضمناه أحدا وأد ما فيه إلى من تسكن إليه الخ.
ص: 97
وفي توقيع آخر من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق.
وفيه: وبعد فقد نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه وحرسك به من كيدأعدائه.
وفيه: ونعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك بنصره الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين.
وفيه: هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي بإملائنا وحظ ثقتنا الخ. وقد نقل ذلك الطبرسي في كتاب الإحتجاج وغيره وهذا عند التأمل كالنص على صحة اعتقادات الشيخ المفيد ومن أوضحها وأشهرها إنكار التصوف والمبالغة في الرد على أهله والحكم بكفرهم فقد ظهر موافقة صاحب الأمر له على ذلك.
وقد ذكر الشيخ محمد بن شهرآشوب في كتاب الرجال في ترجمة الشيخ المفيد إن صاحب الأمر عليه السلام لقبه بذلك وهذا ظاهر أيضا من التوقيع المذكور.
الثاني: الشيخ الجليل رئيس المحدثين أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه وقد عرفت أنه ولد بدعوة صاحب الزمان عليه السلام وفضائله أكثر من أن تحصى وقد بالغ في الرد عليهم في كتاب الإعتقاد وكتب الحديث مثل عيون الأخبار ومعاني الأخبار والتوحيد والعلل وغيره حيث روى الأحاديث في الرد عليهم وتقدم بعضها ويأتي بعض آخر منها إن شاء الله تعالى.
الثالث: السيد الأجل المرتضى ذو المجدين علم الهدى قدس سره فإنه ألف في الرد عليهم كتابا كما يأتي نقله إن شاء الله تعالى وقد ذكر ذلك جمع من علمائنا وقد بالغ في الرد عليهم أيضا في كتبه الكلامية في عدة مواضع.
الرابع: الشيخ الجليل رئيس الطائفة أبو جعفر الطوسي قدس سره فإنه ذكر في مواضع من كتبه ما يوافق ذلك وبالغ في الرد عليهم عموما وخصوصا في كتبه الكلامية وغيرها وفي كتاب الغيبة كما يأتي إن شاء الله تعالى.
الخامس: ابن حمزة رحمه الله وهو من أجلا علمائنا فإنه صنف كتاب الهادي إلى النجاة من جميع
ص: 98
المهلكات ونقل فيه أخبارا كثيرة في الرد على هؤلاء ومذمتهم عن الشيخ المفيد وغيره من المتقدمين ويأتي بعض ما نقل عنه إن شاء الله تعالى.
السادس: الشيخ الجليل المعتمد بن محمد الدوريسي رحمه الله في كتاب الإعتقاد فإنه بالغ في الردعليهم وخصوصا في أمر الحلول والاتحاد، ومن جملة ما نقل بعض ثقات الأصحاب عن ذلك الكتاب أنه قال: فيه العجب كل العجب من الذين يدعون الكياسة والفراسة أنهم يغترون بغرور الزراقية الذين هم أراذل فرق المبتدعة وأدنى شعب الحلاجية ولا يتأملون في أفعالهم القبيحة المخترعة وأفعالهم الردية الشنيعة ولا ينظرون إلى أنهم يجعلون التهليل لأنفسهم المزمار ويغنون كالجواري بالأشعار ويركبونها مع الأوتار والأذكار يرقصون كالدب في الجبل ويجرون المنافع من السفهاء بالحيل ولكن لا يتم لهم الأمر إلا بالدعوى (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)!؟.
السابع: العلامة الشيخ جمال الدين الحسن بن المطهر الحلي قدس سره في عدة مواضع من كتبه يأتي نقل بعض من عباراته فيها إن شاء الله.
وقد قال في كتاب الكشكول المشهور عنه في كلام طويل ما هذا لفظه: وإمامهم الذي يرجعون إليه ويختصون به لا يعرف إبليس من الدجال ولا يفرق بين الحق والمحال ولا يميز فريق الجنة من فريق السعير ولا يعرف فضل القليل من عباد الله على الكثير يرتاح إلى ذكر مشايخ القرى والجبال وكراماتهم، ويأنس بسماع فضائل المنقطعين في البراري والبلاد ويعدد ولاياتهم وينبسط إلى وصف معجزات النساء العابدات وإذا سمع كلام علي والأئمة عليهم السلام من ولده يتغير لونه وتضيق عينه ويحمر وجهه وتبيض شفتاه ويقول: خلونا من حديث الرافضة، والأخبار المتناقضة ولا يعلم ما حدث بين المهاجرين والأنصار وانضمام قريش على بني هاشم وهذا الفساد ثمرة ذلك الفساد.
وأما المتقشف عند الجهلة المتصنع بتطويل اللحية والعذبة المتصنع المتخشع المتقارب في خطوه يرى الغوغاء من أهل مذهبه أنه يصرع عند ذكر الله وجنته شوقا وذكر النار وعذابها خوفا، فيرمي بنفسه بينهم مجتوتا (مجنونا - ظ) تمردا وعيارة وعتوا يصفع هذا بيمينه ويلطم هذا بشماله ويبصق على هذا من فضل ما يرغى ويزيد من ريقه ويأكل مال هذا ويسخر بالحمقة ويشرب المسكر مع غلمانه ومريديه وتلامذته في وقته ورقصه وغنائه وأشياء لو تقصيناها في التهلك لقبح بنا تسطيرها، وإذا جرى ذكر
ص: 99
الاختلاف في مجلس يقول: نحن نتبع ولا نبتدع وليس لنا إلا التسليم والرضا لكل أفعال السلف (انتهى) ويأتي إن شاء الله من كلامه ما هو صريح في الحكم عليهم بالكفر.
الثامن: الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي رحمه الله وقد صنف في الرد عليهم كتابا سماهكتاب المطاعن المجرمية نقل فيه أخبارا كثيرة وأحاديث متعددة تدل على الرد عليهم وذمهم وكفرهم وذكر وجوها عقلية متعددة.
التاسع: ولده المحقق الشيخ حسن قدس سره في كتاب عمدة المقال في كفر أهل الضلال كفر أهل الضلال وقد نقل بعض ثقات الأصحاب عنه أنه قال فيه ما هذا لفظه: والصوفية جوزوا اتحاده تعالى وحلوله في أبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال: إنه سبحانه نفس الوجود وكل موجود فهو الله تعالى والذين يميلون إلى طريقتهم الباطلة يتعصبون لهم ويسمونهم الأولياء ولعمري إنهم رؤس الكفرة الفجرة وعظماء الزنادقة والملاحدة وكان من رؤس هذه الطايفة الضالة المضلة الحسين بن منصور الحلاج وأبو يزيد البسطامي.
وقد قال والدي رحمه الله نقلا عن ثقات الإمامية في كتابه الموسوم بمطاعن المجرمية في طعنها أخبارا كثيرا ولقد صنف الشيخ المفيد كتابا مبسوطا مشتملا على الدلائل العقلية والنقلية في ذمهم وبطلانهم وكفرهم وطغيانهم (انتهى).
العاشر: مولانا الأجل الأكمل ملا أحمد الأردبيلي قدس سره فإنه صنف كتاب حديقة الشيعة ونقل فيه أشياء كثيرة نقلنا بعضها وفضله أشهر من أن يذكر ومع ذلك ترى هؤلاء الصوفية ينقصون من قدره ولا يميلون إلى ذكره بل يسمونه الفقيه الأردبيلي على وجه الاستهزاء به والاحتقار للفقهاء.
وقد نقل عنه بعض ثقات الأصحاب إنه نقل من فرقهم إحدى وعشرين فرقة وإنها ترجع إلى فرقتين حلولية واتحادية وهما الأصل وذكر لكل فرقة منهم ما يطول ذكره من القبايح والمنكرات وقد نقل عنه أيضا إنه ذكر في جملة الطعون على الصوفية إنهم كالملاحدة يأولون الآيات والأحاديث ويفسرونها بما يوافق رأيهم ومدعاهم ويقولون بالجبر والتشبيه والتجسيم والصورة والرؤية، ويدعون علم الغيب ويسمونه كشفا وإن المتقدمين من علماء الإمامية أكثروا الذم والطعن عليهم والتصنيف في ذلك، ونقلوا أحاديث كثيرة في الرد عليهم وتكفيرهم وقال: إن ابن بابويه والشيخ المفيد وابن قولويه
ص: 100
قائلون إن هذه الطائفة الضالة المضلة من الغلاة وقال إن الشيخ محي الدين بن عربي والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي قائلون بوحده الوجود وإن كل موجود فهو الله تعالى نعوذ بالله من هذهالاعتقادات؟!!
الحادي عشر: السيد الجليل أبو المعالي محمد بن أحمد بن عبد الله الحسني(1) فإنه قد صنف كتابا سنة 475 في بيان الملك والأديان بالفارسية فقال فيه ما معناه ذكر مذاهب الصوفية هؤلاء لهم أسماء متكثرة وبناء مذهبهم من أبي هاشم الكوفي تابع بني أمية وفرقهم متعددة ويدعي بعضهم ترك النفس وإنها باطلة وإنه مستغرق في الحق ويقولون: كلنا الحق، ورووا عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني ما أعظم شأني وأولوا هذا الكفر بنفي نفسه.
ومن هذه الطبقة الحسين بن منصور الحلاج ادعى الإلهية وعبادتهم وطاعتهم التفكر ويرجحونه على الصلاة الواجبة وهو أكبر الطاعات عندهم وأتعبوا أنفسهم في الرياضات.
وبعضهم يسمون ملامية لفعلهم المعاصي جهارا ليلومهم الناس ووقعوا في السماع واللهو والتحير والإغماء ويقولون: إنهم في الباطن من الحق وفي الظاهر بغيره ويقولون: نحن عارفون وينشدون الشعر ويرقصون ويسمونه شوقا، ويسمون أنفسهم عشاقا وكلامهم كله عن العشق ويتركون التكسب ويلزمون الراحة ويدعون علم الغيب والفراسة.
ومنهم بزعمهم زهاد لا يتزوجون وكثير من البله والعوام يغترون بهم ويميلون إلى طريقتهم ويظهرون النظافة واحترام بعضهم بعضا وبعضهم يؤدي الفرائض في وقتها ليعتقدوا فيها وإن لم يكن معتقدا وشغفهم بالسماع ويظهرون الوصول إلى مرتبة عدم الشعور، وليس له أصل وأكثرهم من أهل السنة. - منهم النورية يقولون: المحبة نور أزلي وقع في القلب وبرز منه فصار صافيا والحلولية يقولون: جز الهي حل فيهم لتركهم الشهوات حتى وصلوا إلى كونهم كلهم الحق وأكثر أهل السنة والجماعة أنكروا الصوفية وجميع الشيعة أنكروهم ونقلوا عن أئمتهم أحاديث كثيرة في مذمتهم وصنف علماء الشيعة كتبا كثيرة في ردهم وكفرهم.
ص: 101
منها كتاب الشيخ المفيد في الرد على أصحاب الحلاج وذكر فيه أن الصوفية في الأصل فرقتانحلولية واتحادية وكل الشيعة على هذا القول فيهم إلا القليل فإنهم جعلوا الحلولية والاتحادية فرقة واحدة وأكثر أهل السنة يجعلونهما أيضا فرقة واحدة وكل الشيعة على كفرهم والرد عليهم بطريق المبالغة العظيمة إلى حد لم يجوزوا لغير ضرورة التسمية بالصوفية ورووا بهذا المعنى أحاديث كثيرة عن أئمتهم (انتهى).
الثاني عشر: شيخنا الجليل الشيخ بها الدين قدس سره فقد عرفت ما نقله في الكشكول من الحديث الشريف في مذمتهم وتكفيرهم وقد صرح بالإنكار عليهم في مواضع متعددة في الكتاب المذكور وغيره.
وأما ما نقله عنهم أحيانا شيئا يتعلق بالزهد ونحوه فلا منافاة فيه وكذا ما تضمن تفاوت درجات الناس في المعرفة ولا يخفى صرف عمره في علوم الشريعة قراءة وبحثا وتحقيقا وتأليفا وكذا القول في شيخنا الجليل الرباني الشهيد الثاني وذلك ينافي طريقة التصوف قطعا.
وأعلم أن جماعة من علماء العامة ومحققيهم قد أنكروا التصوف وبالغوا في ذم أهله ولننقل بعض عباراتهم.
قال الشيخ الطيبي في شرح المشكاة: وأما ما أحدثه المتصوفة من السماع بالآلات فلا خلاف في تحريمه وقد غلب على كثير ممن ينسب إلى الجبر وعموا عن تحريمه حتى ظهر على كثير منهم أفعال المجانين قيرقصون بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وزعموا أن تلك الأمور من البر وهذا زندقة.
وقال الدميري صاحب كتاب حياة الحيوان نقلا عن السيوطي عن أبي بكر الطرطوشي أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرأون شيئا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويضربون بالدف هل الحضور معهم حلالا أم لا؟
فقال: مذهبه الصوفية بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذوا عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان مجلس النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه كأنما على رؤسهم الطير من السكينة والوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد
ص: 102
وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم وهذا مذهبالشافعي ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين.
وقال الشيخ عزيز النسفي في كتاب تصفية القلوب كلاما طويلا في مذمتهم من جملة أن قال: وإنهم شياطين العصر في دكاكين التلبيس وأشقياء في لباس الأتقياء قد سخروا الأنعام وهم غيلان الدين وكل واحد ارتكب حيلة لتسخير العوام شعارهم الفتنة والفساد، ودثارهم الزندقة والإلحاد ودينهم البدعة وترك السنة وزينتهم الرقص واللعب افتخارهم بصحبة الظلمة ومباهاتهم بتحصيل الخرقة واللقمة عبادتهم النغمات والغنى وعشقهم الضلال والإضلال والجهال بتلبيساتهم قد ضلوا، فريضتهم البدعة والغواية والإباحة عندهم طريقة وحقيقة، قد بعدوا عن أحكام الدين والله سائل الحكام وأهل الإسلام عن تغافلهم في دفع فسادهم ليس لهم نصيب في علوم الدين، مذهبهم الفجور وزينتهم الدعوى والسرور قد تركوا أمر الله ورسوله وراء ظهورهم وصاروا في أسر الهوى والشياطين واشتغلوا بالمجادلات والهزليات والفلسفة وجعلوها وسيلة الشهرة والجاه لا جرم قد ضلوا وأضلوا وانتشر أمرهم في الدنيا وقوى أمر زندقتهم وانطفت أنوار أحكام الدين.
وقال العلامة الزمخشري في الكشاف(1) عند قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)(2) (2) قال: وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيده مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله؟! وما تصفيقه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله ودعاها ربه ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها وربما رأيت المنى قد ملأ إزاره عند صعقته وحمقى العامة حوله قد ملأوا أردائهم بالدموع لما رققهم من حاله (انتهى) وقد ذكر في مواضع أخر منه نحو هذا الكلام.
واعلم أيضا أن علماء الإمامية الآن قد وافقوا المتقدمين منهم في الرد على الصوفية والإنكار عليهم وألفوا كتبا ورسائل في ذلك بالعربية والفارسية فمما قاله بعض المحققين منهم أن قال: إعلم أن سيرة الصوفية إنما سرت إلى الشيعة في هذا الزمان وما قاربه وكان في أول الأمر من يفرق بين الغث
ص: 103
والسمين فكان من يميل إلى طرف من مقالهم يختار من اللباب أما لأنه مأخوذ من كلام الأنبياءوالأوصياء فإنهم كانوا ينقلون مثل ذلك في كتبهم ليحسن الظن بهم ثم يأولونه تدريجا بما يوافق مطالبهم فيستدرجون بذلك من لم يتأمل ومن تأمل أمسك عنان فكره عن التروي في مثله وقد كان من يختار شيئا من ذلك يجعله وسيلة إلى تزكية النفس ومع ذلك فالمطلب الأقصى عنده سلوك سبيل الشرع كما يظهر من حال الشيخ زين الدين والشيخ بهاء الدين وغيرهما فلا يزيغ ولا يميل إلى طريق النواصب ثم تلاشى الأمر ووصل إلى ارتكاب ما سلكوه والاعتماد على ما قالوه وأولوه من غير تمييز وفرق إلى أن وصل الأمر إلى التنفير من الشرع وأهله ودخل تحت اسم التصوف من تسمى به فاقتصر المدعى عليه واكتفى المريد به، ولو بقي الاسم الذي لا يقبل الغش وورد به الشرع من مثل الصالح والتقي والزاهد والورع ونحو ذلك لم يتطرق هذا الغش ولا ترتبت هذه المفاسد على لفظ التصوف ومعناه حتى صاروا يقضون العمر فيما لا يتعلق بعلوم الدين ولا يميلون إلى من يشم منه رايحة المتشرعين ولا يتصورون النظر إلى كتاب يشتمل على ذلك وقد قيل لبعض رؤسائهم: لم لا تطالع كتب الفقه؟ فقال: أخاف على نفسي الارتداد، وقيل لآخر مثل ذلك، فقال كيف يحصل لي اليقين في الدين بحديث يرويه مثل محمد بن مسلم وكان هذا قد حصل له اليقين من كلام الحكماء والفلاسفة ونحوهم (انتهى).
التاسع: ما ظهر من مشايخهم ورؤسائهم وساداتهم وكبرائهم من القبائح والفضائح والتعصب والضلال وخبث الاعتقاد والأعمال وسيأتي بعض ذلك إن شاء الله تعالى، فكيف يجوز لعاقل يخاف الله أن يقتدي في دينه بمن هذا شأنه ويميل إلى طريقته ويحسن الظن به ويتقرب إلى الله بمحبته؟! وقد علم أنهم اخترعوا هذه الطريقة فما الفرق بينهم وبين الشافعي وأبو حنيفة وإذا كان هذا حال الأصول فما ظنك بالفروع؟!
العاشر: ما ظهر من الرؤساء والأتباع من نفورهم عن الشرع وأهله وإظهار عداواتهم ومجانبة طريقتهم وتغيير كثير من أحكامهم وقد صرحوا بعدم حجية الأحاديث الصحيحة المروية في الكتب المعتمدة فلا يلتفتون إليها ولا يعولون عليها بل اخترعوا أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان وأشياء لففوها ليس لهم عليها برهان مثل العشق والوجد والرياضة والشلة والرقص والفتل والغناء وترك الحيوانيات
ص: 104
والكشف والوصول والحال والاتحاد ونحو ذلك ما لم يرد الشرع إلا بمذمته.الحادي عشر: ما هو معلوم من أن رؤسائهم كلهم كانوا من أعداء الأئمة عليهم السلام في كل زمان وطريقتهم مخالفة لطريقتهم إلى الآن فكيف يجوز للشيعة الاقتداء بهم؟!
الثاني عشر: ما هو معلوم منهم من اعتقاد سقوط التكاليف عند حصول الكشف والوصول وأكثرهم إن لم يكن كلهم يدعي حصول ذلك له بملازمة الخلوة أربعين يوما أو أقل مع أن بطلان ذلك ضروري شرعا كأمثاله وقد صرح جميع من أعيانهم بأنهم لا يصلون إلا للتقية والله أعلم.
العدد الثاني
قول السيّد رضي الدين بن طاووس(رحمه الله) (المتوفى 664)
قال : إنّ الفلاسفة قالت : إنّ الهيولى قديمة ، وانها أصل العالم ، وإنّ اللّه ليس له في وجود الهيولى قدرة ولا أثر ، لأنهم ذكروا أنّها لا أوّل لوجودها ، وهي عندهم مشاركة للّه في القدم ، وقالوا :
ص: 105
إنّ اللّه يصوّر منها الصور ، فليس له إلاّ التصوير فحسب ، وقد بطل قولهم بما ثبت من حدوث العالم وحدوث كل ما سوى اللّه تعالى . . (1).
قول المحقق الطوسي(رحمه الله) (المتوفى 672)
قال في كتاب الفصول :
أصل : قد ثبت أنّ وجود الممكن من غيره ، فحال إيجاده لا يكون موجوداً ، لاستحالة إيجاد الموجود ، فيكون معدوماً ، فوجود الممكن مسبوق بعدمه وهذا الوجود يسمّى : حدوثاً ، والموجود : محدثاً ، فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث ، واستحالة الحوادث لا إلى أوّل - كما يقوله الفلسفيّ - لا يحتاج إلى بيان طائل بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها .
ثمّ قال :
مقدمة : كل مؤثر إمّا أن يكون أثره تابعاً للقدرة والداعي أو لا يكون ، بل يكون مقتضى ذاته ؟ والأوّل يسمّى : قادراً ، والثاني : موجبا ، وأثر القادر مسبوق بالعدم ، لأن الداعي لا يدعو إلاّ إلى المعدوم ، وأثر الموجب يقارنه في الزمان ؛ إذ لو تأخّر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر ، فإن لم يتوقّف على أمر غير ما فرض مؤثرا تامّاً كان ترجيحاً من غير مرجّح ، وإن توقف لم يكن المؤثّر تامّاً ، وقد فرض تامّاً ، وهذا خلف .
ثمّ قال :
نتيجة : الواجب المؤثر في الممكنات قادر ؛ إذ لو كان موجباً لكانت الممكنات قديمة ، واللازم باطل - لما تقدّم - فالملزوم مثله(2).
ص: 106
وقال رحمه الله في تجريد الاعتقاد :
وجود العالم بعد عدمه ينفي الإيجاب .
وقال العلاّمة الحلي رحمه الله في شرحه :
لمّا فرغ من الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في الاستدلال على صفاته تعالى وابتدأ بالقدرة ، والدليل على أنه تعالى قادر : أنا قد بيّنا أنّ العالم حادث ، فالمؤثر فيه إن كان موجباً لزم حدوثه أو قدم ما فرضناه حادثاً ، أعني العالم ، والتالي بقسمية باطل .
بيان الملازمة ؛ ان المؤثر الموجب يستحيل تخلّف أثره عنه ، وذلك يستلزم إما قدم العالم وقد فرضناه حادثاً ، أو حدوث المؤثر ويلزم التسلسل ، فظهر أنّ المؤثر للعالم قادر مختار(1) .
قول الشيخ أبو إسحق النوبختي رحمه الله
قال في كتاب الياقوت في علم الكلام :
مسألة : الأجسام حادثة ؛ لأنها إذا اختصّت بجهة فهي : إمّا للنفس ويلزم منه عدم الانتقال ، أو لغيره ، وهو إمّا موجب أو مختار ، والمختار قولنا والموجب يبطل ببطلان التسلسل ؛ ولأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة لعدمها المعلوم ، والقديم لا يعدم ، لأنه واجب الوجود ، إذ لو كان وجوده جائزاًلكان إمّا بالمختار وقد فرضناه قديماً ، أو بالموجب ويلزم منه استمرار الوجود ، فالمقصود أيضاً حاصل(2) .
ص: 107
وقال العلاّمة الحلي ؛في شرحه :
هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم ومدار مسائله كلها عليها ، وهي المعركة العظيمة بين المسلمين وخصومهم .
واعلم؛ إنّ الناس اختلفوا في ذلك اختلافاً عظيماً وضبط أقوالهم: إنّ العالم إمّا محدث الذات والصفات، وهو قول المسلمين كافّة والنصارى واليهود والمجوس، وإمّا أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو، وثاوفرطيس، وثاميطوس، وأبي نصر، وأبي عليّ بن سينا. . فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها وصفاتها إلاّ الحركات والأوضاع ، فإنها بنوعها قديمة ، بمعنى أنّ كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى .
وإما أن يكون قديم الذات، محدث الصفات، وهو مذهب انكساغورس، وفيثاغورس، والسقراط ، والثنوية . . ولهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر.
وإما أن يكون محدث الذات ، قديم الصفات؛ وذلك مما لم يقل به أحد لاستحالته ، وتوقّف جالينوس في الجميع(1) .
قول العلاّمة الحلي رحمه الله (المتوفى 726)قال في الجواب عن سؤال السيد المهنّا : مايقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة لكنّة يقول بقدم العالم؟ ما يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ بيّن لنا ذلك،أدام اللّه سعدك وأهلك ضدّك.
ص: 108
قال:من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف ؛ لأن الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع(1).
وقال السيد المهنّا: ما يقول سيدنا في المثبتين القائلين بأن الجواهر والأعراض ليست بفعل الفاعل، وأنّ الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود؟ فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد الظاهر البطلان موجبا لتكفيرهم، وعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة، وعدم قبول شهادتهم، وجواز مناكحتهم؟ أم لا يكون موجباً لشيء من ذلك وأي شيء يكون حكمهم في الدنيا والآخرة؟ وما الذي يجب أن يعتقد المكلف في معتقد هذه المقالة المتدين بها، المناظر عليها ، مع ظهور فسادها. . أوضح لنا ذلك غاية الإيضاح.
فأجاب العلاّمة الحلي رحمه الله:
لا شك في رداءة هذه المقالة وبطلانها ، لكنّها لا توجب تكفيرا ولا عدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة، ولا ردّ شهادتهم، ولا تحرم مناكحتهم، وحكمهم في الدنيا والآخرة حكم المؤمنين، لأن الموجب للتكفير إنّما هو اعتقاد قدم الجواهر وهم لا يقولون بذلك، لأن القديم يشترط فيه الوجود وهم لا يقولون بوجوده في الأزل . .(2).وقال العلاّمة الحلي رحمه الله في شرح كلام المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد: « ولا قديم سوى اللّه تعالى »:
قد خالف في هذا جماعة كثيرة؛ أمّا الفلاسفة فظاهر لقولهم بقدم العالم . . .
إلى أن قال:
ص: 109
وكل هذه المذاهب باطلة ؛ لأنّ كلّ ما سوى اللّه ممكن، وكل ممكن حادث(1).
وقال رحمه الله في كتاب نهاية المرام في علم الكلام:
قد اتفق المسلمون كافّة على نفي قديم غير اللّه تعالى وغير صفاته، وذهبت الإمامية إلى أنّ القديم هو اللّه تعالى لا غير.
وقال فيه أيضاً:
القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة:
الأوّل: أن يكون العالم محدث الذات والصفات وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء.
الثاني: أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وجماعة من القدماء، ومن المتأخرين قول أبي نصر الفارابي والرئيس، قالوا: السماوات قديمة بذواتها وصفاتها إلاّ الحركاتوالأوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها ، والعناصر الهيولى منها قديمة بشخصها ، وصورها الجسميّة قديمة بنوعها لا بشخصها ، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها . .(2).
وقال رحمه الله في كتاب واجب الاعتقاد:
ص: 110
يجب على المكلف أن يعرف أنّ اللّه تعالى موجودٌ ؛ لأنه أوجد العالم بعد أن لم يكن، إذ لو كان قديما لكان إمّا متحركاً أو ساكناً . . والقسمان باطلان . .(1).
قول المقداد بن عبد اللّه السيوري رحمه الله (المتوفى 826)
قال في أنه تعالى متكلم:
المقام الرابع: في قدمه وحدوثه، فقالت الأشاعرة بقدم المعنى ، والحنابلة بقدم الحروف، وقالت المعتزلة بالحدوث ، وهو الحقّ لوجوه :
الوجه الأوّل: أنه لو كان قديماً لزم تعدّد القدماء وهو باطل؛ لأنّ القول بقدم غير اللّه كفر بالإجماع ، ولهذا كفرت النصارى لإثباتهم قدم الاُقنوم . .الى آخر كلامه رحمه الله(2).
قول العلامة البياضي رحمه الله (المتوفى 877)
قال : ولابد من قدرته للزوم قدم العالم أو حدوثه تعالى عند فرض ايجابه . . إلى آخره(3).قول المحقق الدواني (المتوفى 908)
قال في أُنموذجه: وقد خالف في الحدوث الفلاسفة أهلَ الملل الثلاث ، فإن أهلها مجمعون على حدوثه ، بل لم يشذّ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلاّ بعض المجوس ، وأمّا الفلاسفة فالمشهور أنّهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي .
ص: 111
ونقل عن أفلاطون القول بحدوثه ، وقد أَوّله بعضهم بالحدوث الذاتي .
ثمّ قال : فنقول : ذهب أهل الملل الثلاث إلى انّ العالم - ما سوى اللّه تعالى وصفاته من الجواهر والأعراض - حادث ، أي كائن بعد أن لم يكن ، بعديّة حقيقيّة لا بالذات فقط ، بمعنى أنها في حدّ ذاتها لا يستحقّ الوجود ، فوجودها متأخّر عن عدمها بحسب الذات - كما تقوله الفلاسفة - ويسمّونه : الحدوث الذاتي ، على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخّر الوجود عن العدم من بحث دقيق أوردناه في حاشية شرح التجريد .
وذهب جمهور الفلاسفة إلى أنّ العقول والأجرام الفلكية ونفوسها قديمة ، ومطلق حركاتها وأوضاعها وتخيّلاتها أيضاً قديمة . .(1).
وقال المحقق الدواني في كتاب شرح العقايد العضديّة :
المتبادر من الحدوث الوجود بعد أن لم يكن ، بعديّة زمانيّة ، والحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من الفلاسفة .وقال : والمخالف في هذا الحكم الفلاسفة ، فإنّ أرسطاطاليس وأتباعه ذهبوا إلى قدم العقول والنفوس الفلكيّة ، والأجسام الفلكيّة بموادّها وصورها الجسميّة والنوعيّة وأشكالها وأضوائها ، والعنصريات بموادّها ، ومطلق صورها الجسيمّة لا أشخاصها ، وصورها النوعيّة ؛ قيل بجنسها ، فانّ صور خصوصيّات أنواعها لا يجب أن تكون قديمة ، والظاهر من كلامهم قدمها بأنواعها .
ثمّ قال : ونقل عن جالينوس التوقّف ، ولذلك لم يعدّ من الفلاسفة لتوقّفه فيما هو من أصول الحكمة عندهم(2).
ص: 112
قول المحقق السيد الداماد (المتوفى 1041)
قال في القبسات :
القول بقدم العالم نوع شرك .
وقال في موضوع آخر منه : إنه إلحاد .
وقال أيضاً :
عليه - أي على الحدوث - إجماع جميع الأنبياء والأوصياء(1) .
قول الملا صدرا (المتوفى 1050)
قال في رسالة حدوث العالم :فمن العقلاء المدققين والفضلاء المناضرين ، من اعترف بالعجز عن هذا الشأن من إثبات الحدوث للعالم بالبرهان قائلاً : العمدة في ذلك الحديث المشهور والإجماع من المليين ، وأنت تعلم أنّ الاعتقاد غير اليقين . .(2) .
وقال : القول بقدم العالم إنما نشأ بعد الفيلسوف الأعظم أرسطو بين جملة رفضوا طريق الربانيين والأنبياء ، وما سلكوا سبيلهم بالمجاهدة والرياضة والتصفية وتشبثوا بظواهر أقاويل الفلاسفة المتقدمين من غير بصيره ولا مكاشفة ، فأطلقوا القول بقدم العالم .
ص: 113
وهكذا أوساخ الدهرية والطبيعية من حيث لم يقفوا على أسرار الحكمة والشريعة ، ولم يطلعوا على اتحاد مأخذها واتفاق مغزاهما .
ولشدّة رسوخهم فيما اعتقدوا من قدم العالم وزعمهم أن هذا مما يحافظ على توحيد الصانع وانثلام الكثرة والتغيير على ذاته ، وأنّ قياساتهم مبتنية على مقدمات ضرورية هي مبادي البرهان ، لم يبالوا بأن ما اعتقدوا مخالف لما ذهب إليه أهل الدين بل أهل الملل الثلاث من اليهود والنصارى والمسلمين من أنّ العالم - بمعنى ما سوى اللّه وصفاته وأسمائه - حادث . . أي موجود بعد أن لم يكن بعدية حقيقية وتأخراً زمانياً ، لا ذاتياً فقط ؛ بمعنى أنه مفتقر إلى الغير متأخر عنه في حد ذاته ، كما هو شأن كل ممكن بحسب حدوثه الذاتي وهو لا استحقاقية الوجود ولاعدم من نفسه .
ومنهم ، وإن كان ممن التزم دين الإسلام لكنّه يعتقد قدم العالم ، ويظنّ أنّ ما ورد في الشريعة والقرآن واتفق عليه أهل الأديان في باب الحدوث للعالم ، إنما المراد منه مجرد الحدوث الذاتي والافتقار إلى الصانع .وذلك القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء من حيث لا يدري ، ولا يخلص قائله ، ولا يأمن من التعذيب العقلي والحرمان الأبدي ، لأن الجهل في الأُصول الإيماني إذا كان مشعوفاً بالرسوخ يوجب العذاب الروحاني في دار المآب .
ثمّ تأويل ما ورد في نصوص الكتاب والسنة إنما هو لقصور العقول عن الجمع بين قواعد الملة الحنيفة والحكمة الحقيقة ، وإلاّ فألفاظ الكتاب والسنة غير قاصرة عن إفادة الحقائق وتصوير العلوم والمعارف المتعلقة بأحوال المبدأ والمعاد حتى يحتاج إلى الصرف عن الظاهر للأقاويل وارتكاب التجوز البعيد والتأويل .
وهكذا فعله أبو نصر فارابي في مقالة التي في الجمع بين الرأيين والتوفيق بين مذهبي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ، حيث حمل الحدوث الزماني الوارد في كلام أفلاطون حسب ما اشتهر منه ودلت
ص: 114
عليه الألفاظ المأثورة منه على الحدوث الذاتي ، وهذا من قصور في البلوغ إلى شأوا الأقدميين الأساطين(1) .
أقول: يستفاد من كلامه أمور :
منها : إنّ الفلاسفة لم يبالوا من مخالفة الشريعة فيما ذهبوا إليه من القدم الذاتي .
ومنها : إنهم أوّلوا نصوص الكتاب والسنة ، وما اتفق عليه أهل الأديان في باب حدوث العالم ، وقالوا : إنّما المراد منه مجرد الحدوث الذاتي والافتقار إلى الصانع ، وهذا القول في الحقيقة تكذيب للأنبياء ومستلزم للعقاب الأبدي .ومنها : ألفاظ الكتاب والسنة غير قاصرة عن إفادة الحقائق كي تحتاج إلى صرفها عن ظواهرها ، وارتكاب التجوزات البعيدة فيها ، فالمستفاد من الكتاب والسنة ليس إلاّ الحدوث الزماني ؛ بمعنى مسبوقية العالم للعدم وإنّ له أوّلاً وابتداء .
ولا يخفى أنّ قوله هذا اعتراف وإقرار بما ذكرناه من اتفاق الآيات والأخبار والمليين على حدوث العالم زماناً . . أي مسبوقيته بالعدم الصريح .
ثم إنّ ما نسبه ملا صدرا إلى الفلاسفة من التأويل ، وعدم الفهم ، والقصور في الإدراك ، وتكذيب الأنبياء ، ومخالفة الضرورة . . وأمثالها يشمل نفسه قبل أن يشمل غيره ، كيف لا وهو يقول :
إنّ العقول المفارقة خارجة عن الحكم بالحدوث لكونها ملحقة بالصقع الربوبي ، لغلبة أحكام الوجود عليها ، فكأنها موجودة بوجوده تعالى لا بإيجاده وما سوى العقول من النفوس والأجسام وما يعرضها حادثة بالحدوث الطبعي - أي الزماني -(2).
ص: 115
فليس
حكم الحدوث عنده سارياً بالنسبة إلى جميع أجزاء العالم ، لخروج العقول عنده عن هذا الحكم ، بل فيما يجري فيه الحركة الجوهرية وهو عالم الطبايع والأجسام وما يتعلق بها.
وقال أيضاً :
الفيض من عند اللّه باق دائم ، والعالم متبدّل زائل في كلّ حين ، وإنما بقاؤه بتوارد الأمثال كبقاء الأنفاس في مدّة حياة كل واحد من الناس ، والخلق في لبس وذهول عن تشابه الأمثال ، وبقائها على وجه الاتصال(1).والحاصل : إنه قد سلّم بعدم تناهي سلسلة الحوادث من حيث البدء ، وقال بأزليتها وعدم انقطاع وجودها في الأزل إلى حدّ(2) .
ثم إنّ هذا الكلام على خلاف ما ذهب إليه المليون ، ودلّت عليه الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة كما سيأتي قريبا بيانه إن شاء اللّه تعالى.
مضافاً إلى أن ما فيه من مفاسد أُخر . . لا تخفى.
والمقصود في المقام: إنه مع توغّله وتبحّره في المباحث الفلسفيّة، والتزامه بقواعدهم العقلية . . أقرّ بصراحة الكتاب والسنة واتفاق المليين على الحدوث الزماني للعالم.
ص: 116
الحمدلله الذي عرفنا*** معارف الحق بها شرفنا
معارف الحق لذي من *** من المواهب التي لا توصف
اقدم نعمة به الحمد يتم*** اعظم منة ولكن لا تعمُ
قاوجب الحق علی ذي *** ثناء ربه علی هذي الصفة
ص: 117
قال الناظم بعد البسملة:
الحمد لله الذي عرفنا (معاشر الشيعة) معارف الحق. فيه مضافاً إلی براعة الاستهلال، اشارة إلی العلة الباعثه علی الثناء؛ و هي انه تعالی،عرفنا معارف الحق.
و انما خصصت هذه العلة من بين العلل بالايجاب مع انها كثيرة، كما قال تعالی: (و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها)(1)
وفقا لمقاصد الكتاب، و اظهاراً و لما شملتنا العناية الالهية بهذا الشرف الخاص؛ كما قلت: بها شرفنا. و اي نعمة ابهی، و اي شرافة اعظم من معرفة المعارف الحقة، كما قلت: معارف الحق لذي من يعرف قدرها او يكون عارفاً بالامور، يعرف الخيرات من الشرور، ولا يكون عامياً عنالفضائل،جاهلا بالكمالات،من المواهب الكمالية الالهية التي لا توصف قدرا شأناً و فضلاً و احساناً؛ اذ ليس بعد الحق تعالی شيء، ولا بعد حق المعرفة به كمال، (فماذا بعد الحق إلا الضلال)(2).
ثم هي بعد ذلك، اقدم نعمة و أسبق نعمة من حيث وجوب الحمد و الشكرلها(3)؛ إذ بها الحمد يتم، لانه لولا المعرفة، لا يصح الحمد و لا يقع علی وجهه، وهي أيضاً أعظم منة عند أهل المعرفة به تعالی، من الله بها عليهم ولكن لا تعم. بل خص بها أهله تفضلاً، (يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم)(4). و لأجل ذلك، فأوجب الحق و الزم الحقوق أداء علی ذي المعرفة و من خصه الله بهذه الكرامة، ثناء ربه علی هذي الصفة. فيحب عليله قبل الحمد علی كل شيء، حمده تعالی علی كرامته اياه،لصفة المعرفة. فيقول: (الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)(5). و لأچل ذلك كررت حمده علی هذه الموهبة العظمی فقلت:
فحمدك اللهم حمد *** بما وهبتنا من المعارف
ص: 118
حمدأ لمن علمنا معارفه*** وحيا فاعنانا عن المجازفة
و بعده الاحق بالثناء له*** دليله الذي هدانا سبيله
إذ هو قد عرفنا دليله *** دليله عرفنا سبيله
لم يشكر الخالق من لم ***دليله الهادي سبيل الشاكر
صل علی دليلك المويد*** خير البرايا المصطفي محمد
ثم علی الائمة الاثني عشر*** هم الادلاء علی خير و شر
فالحمد ثانيا علی دلالته إلی مؤدي وحيه رسالته
فحمدك اللهم حمد العارف بك و بضل موهبتك هذه؛ فإن حمد العارفين، إفضل من حمد غيرهم، بما وهبتنا من المعارف الحقة،و خصصتنا (معاشر الإمامية) من بين كل طائفة و فرقة، حمدا لمن علمنا معارفه، وحيا علی لسان اوليائه،فاغنانا عن المجازف، التي وقع فيها سائر الفرق، بإعراضهم عن إهل بيت الوحي (علیه السلام).
و بعده تعالی، فالإحری و الأحق بالثناء له، دليله الذي هدانا سبيله؛ إذ هو تعالی و تقدس- قد عرفنا دليله الذي إلينا بما أعطاه من الفضل والعلم والكمال، وأجری علی ييده المعجزات الباهرات. وإنما كان دليله، هو الذي عرفنا سبيله، فوجب علينا إذن ثناوه، شكراً لإفضاله، والا لم يشكر الخالق، من لم يشكر دليله الهادي سبيل الشاكر والحامد؛ فانه لولا هدايته،لم يعرف شاكر سبل شكره، ولا حامد طريق حمده؛ وقد ور عنه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ : «من لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق»(1)؛ فوجب علينا إذن، طلب الرحمة له.
قلذلك،بعد افتتاح الكلام بحمده تعالی،اتبعته بالصلاة علی رسوله، فقلت:صل علی دليلك المويد من عندك بروح القدس،و بغيره من العصمة و الفضائل الخلقية الكمالية في نقسه،خير البرايا، المصطفي محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ . ثم علی الأئمة علیه السلام
الإثنا عشر، لانهم هم الادلاء للناس بعده، علی كل خير و شر.
ص: 119
ثم إنه تعالی،قد استوجب علينا بسبب إرشاده إيانا إلی رسوله و إلی اوصياء رسوله من بعده، حمدين آخرين؛ كما فلت: فالحمد ثانيا علی دلالته لنا وارشاده إيانا إلی مؤدي وحيه و رسالته، و هم رسوله وإوصياوه. وطريق دلالته إليهم علیه السلام ،ما ذكر في اجراء المعجزات علی إيديهم و تخصيصهم بالكمالات النفسية؛ و يزداد في خصوص الأوصياء إيضأ، ما أنزل فيهم من الآيات وورد عن رسوله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ من الروايات.
والحمد ثالثا علی الهامه*** قلوبنا تهوي إلی اعلامه
لولا هداه منة علينا*** إلی الأدلاء لما اهتدينا
كنا كغيرنا نوالي امما*** صما وبكما يعمهون في
وخص عني ربنا هدية*** إمامنا الغائب بالتحية
و اردد عليّ منه في *** ارشاده للحق و الصواب
والحمد ثالثا علی الهامه، قلوبنا وقذفه محبتهم فيها، بحيث تهوی إلی أئمته علیه السلام و أعلامه؛ كما قال ابراهيم علیه السلام : (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)(1). وهذه منة أخری خاصة، غير تلك المنة التي هي عامة ببعثهم مع الآيات و البينات؛ و هذه المنة، أعظم من الأولی؛ وهي الفرقان الذي يحصل منها الافتراق، فضل من ضل،واهتدی من اهتدی. فإنه لولا هداه من، علينا إلی الأدلاء، لما اهتدينا إليهم علیه السلام . فأنه أيضأ، مما يدخل في قوله تعالی: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)(2). بل لولا هداه تعالی،كنا كغيرنا من الفرق؛ نوالي مثلهم أمما، و نجعلهم أئمة نقتدي بهم، فنكون أذن مثلهم، صماً و بكماً و نَعمَه كما يعمهون في العمی.
وحيث أن أهل كل زمان لا بدلهم من ذكر إمامهم في الخطب و غيرها، و الثناء عليه و الدعاء له، ، اختصصت امام زماننا بذكر خاص؛ فقلت:
ص: 120
و خص عني ربنا هدية خاصة، زيادة علی ما تشمل الجميع، أمامنا الغائب بالتحية (من الصلاة و السلام)، واردد عليّ منه في الجواب، لأن رد الحية من الكرم؛ كما قال تعالی: (و إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)(1). وليكن ردّ الجواب منه علی، ارشاده إياي للحق و الصواب فيما أردت من نظم المعارف و في غيره من المعارف
و بعد الحمد و الصلاة، فالمدعو الملقب بالجواد، المشتهر به، يقول:
وبعد، فالمدعو بالجواد*** يقول يا شيعة خير الهادي!
يا طالبي حقائق العرفان!*** للشيعة الخلص في الإيمان
يا شيعة خير الهادي! يصح أن يراد به الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، فإن شيعة الأئمة علیه السلام شيعته أيضأ، بل ليس له في الحقيقة تابع ألا شيعتهم علیه السلام ، و أن يراد به أمير المؤمنين علیه السلام لما ورد في قوله تعالی: (أنما أنت منذر و لكل قوم هاد)(2)، إن المنذر رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، و الهادي أمير المؤمنين علیه السلام .
يا طالبي حقائق العرفان! لا مسماه و لا الأوهام المتخيلة التي يعدها أهل كل فرقة عرفانأ، و حقائق العرفان، هي التي للشيعة الخلص في الإيمان، لا الفرق المنتسبة إليهم، و لا المنتحلة للتشيع؛ و إن اقروا بحميع إئمتهم و تظاهروا بسيرتهم، بل و إن دانوا بفروعهم و طريقتهم؛ كالمتفلسفة من المتشيعة و بعض المتصوفة و من يتسمی بالعرفان دون التصوف كالشيخية و غيرهم. فأن هولاء لو يعدوا من الشيعة حقيقة، فلا يعدون من الخلص تشيعاً و ايماناً.
ولكن عندي، أن الافتراق بينهم و بين الشيعة الحقيقية، في أصل التشيع و حقيقته(3)؛ و اطلاق الشيعة عليهم عندي،غير جائز. وقول القائل منا احيانأ في انتسابهم: «انهم من فرق الشيعة»، تسامح. فإن
ص: 121
الشيعة الحقيقية لا فرقة لها؛ و إنما يريد منها معنی عاما يشمل الكيسانية و الزيدية و غير هم ممن لا يقول إلا بأمامة ثلاثة أو أربعة.
و الحق عندي، أن يقال لأمثال هولاء (لامقرين بالجميع مع مخالفتهم للشيعة في الطريقة أو الاعتقاد)، «المتشيعة» أو «المنتحلة» للتشيع،لا الشيعة، حذرا عن الفتنة و التلبيس، و لئلا يشيع الفساد في الذين آمنوا. وظني بل يقيني، أن اطلاق الشيعة عليهم علی الحقيقة،بل علی الاطلاق من دون القرينة،من الذنب الذي لا يغفر. والله أعلم و أبصر.
خذوا فهذي الحنيفة*** معارف الائمة الشريفة
واعتصموا بحبل أهل *** فإنهم أدری بما في البيت
دروا التي ابدعها المنحرفة*** من هذه الطرائق المختلفة
نظمت ما صنفت فيها اولا*** والنظم للحفظ يكون اسهلا
سميته «معارف الائمة»*** و أسأل الله لأن يتمهُ
و كيف كان، أيها الطالبون لحقيقة العرفان التي عليها الشيعة الخالصة الخاصة في الاقتداء و الإيمان! خذوا فهذي المعارف الحقة الحنيفة عن كل شرك و باطل ووهم؛ وهي، معارف الأئمة الشريفة، الذين شرفهم الله،فجعلهم هداة لخلقه و أدلاء علی صراطه، وجعلهم حبلا ممدودأ بينه و بين عباده، فخذوا بها. واعتصموا بحبل اهل البيت علیه السلام ، فإنهم أدري بما في البيت؛ فلا تميلوا ولا تتفرقوا عنهم؛كما أمر الله تعالی نبيه علیه السلام بالتمسك بهم جميعا قولا واحدا، و لا تتخذوا طرائق قدداً. وذروا التي أبدعها الفرق المنحرفة التي ابتدعها أهلها: (ما أنزل الله به من سلطان...)(1)، غير أنهم (يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد)(2).
ص: 122
ثم اعلم، إني نظمت من هذه المعارف الحقة، ما صنفت فيما إولاً، و سميته، «معارف الشيعة» و النظم للحفظ يكون أسهلاً، سميته؛ أي النظم أو المنظوم، «معارف الإئمة» لانه موضوع لتقرير مذهبهم في المعارف. وأسال الله لإن يتمه، و هو خير مسوول و خير مأمول.
تقرير المعارف ومقاصد الكتاب اجمالاً
معارف الاله خمس فادكر*** بها مقاصد الكتاب، تنحصر
أثباته و الذات والذاتي له*** افعاله و آختم بالاسماء تكملة
حصر المعارف الالهية في خمسة
معارف الإله؛ اي جهات معرفة الله تعالی خمس، فادكر؛ أي فاجعله في ذكرك و خاطرك بها؛ أي فيما مقاصد الكتاب و مطالبه تنحصر، فالمباحث إذن خمسة:
الاول: البحث عن اثباته تعالی؛ أي اثبات وجوده؛
والثاني: البحث عن ذاته و انه ما هو في ذاته؛
والثاث: البحث عن ذاتيه؛ أي ماله من الذاتيات؛
والرابع: البحث عن أفعالة؛
والخامس: البحث عن أسمائه الحسني؛
و قد أشرت إلی الخمسه بقولي:
أثباته إلی آخره؛ يعني، أن المعارف الخمسة: إثباته تعالی؛ أي معرفة (1) اثباته و معرفة ذاته و ذاتبه، وأفعاله و أسمائه؛و معرفة الأسماء خاتمة المعارف و تكملة المباحث. والوجه في تخصيص المباحث،وقوع الحث عنها جميعاً. و أما وضعها بهذا الترتيب، فهو مقتضي البحث عن كل شيء طبعاً؛ و مع ذلك، فهو متخذ أيضاً من كلام الصادق علیه السلام للمفضل؛ حيث قال علیه السلام :
ص: 123
«الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء، هو أربعة أؤجه:
أولها: أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود؟
و الثاني: أن يعرف ما هو في ذاته و جوهره؟
و الثالث:أن يعرف كيف هو وما صنعتة؟
و الرابع: أن يعلم لماذا هو ولاي علة...؟».
إلی أن قال علیه السلام :«و إما لماذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لإنه – جل شأنا – علة كل شيء، و ليس شيء بعلة له.»(1)
و الظاهر من قوله علیه السلام «العلة»،هي العلة الغائية؛ لانه تفسر لقوله «لماذا هو» فإنه تعالی ليس غاية لشيء، بل هو غاية الغايات. و حيث سقط هذا الوجه في حقه، جعلت مكانه، البحث عن أفعاله، ويصح ادخاله في الثالث، بتنويع الصفة: إلی صفة الذات وصفة الفعل. فهذه الوجوه الأربعة، ظاهرة من نص هذا الحديث. ثم إني أضفت إليه، الوجه الخامس، (و هو النظر في اسمائه تعالی) تكميلاً للبحث ولكلام ولما فيها بالخصوص من العناية و الاهتمام.
ص: 124
ص: 125
للناس في المعارف *** وما عدا الواحد منها هالك
إذ ليس للحق من اختلاف*** فالا ختلاف آي الاعتساف
و ذلك الحق بلا ارتياب*** مسلك أهل الوحي والكتاب
طريقهم وحي و علم لدني*** فما به ريب ولا من موهن
واختار غيرهم «كلاما» *** أو «مسلك العرفان» إسما لا
و آعتبروا من الطريق *** «العقل» و «لنقل» و «كشف
يذكر فيها مسالك القوم في باب المعرفة و طرقهم إليها و تقرير مسلك إهل البيت علیه السلام و تقديمه علی غيره، ثم بيان ما هو الطريق عندهم علیه السلام لغيرهم.
للناس في المعارف الالهية مسالك: أي مذاهب شتی: وما عذا لواحد منها هالك بالعقل و النقل. إما العقل، فلان الحق الواحد و الحقيقة الواحدة، لا يحتمل الإختلاف، فلايكون الحق إلا مع أحد المختلفين(1)؛ كما قلت:
إذ ليس للحق الواحد من اختلاف، فالاختلاف آي الاعتساف و علامة المشي عل غير الطريق(2)؛ و أما النقل، فللمتواتر من قوله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ :«ستفترق أمتي علی ثلاث وسيعين فرقة»(3)، مضافا إلی قوله تعالی: (ومامن إله إلا اله واحد(4))، وقوله: (إن يتبعون إلا اطن و إن أنتم إلا تخرصون)(5).
ص: 126
دليل حقانيه مسلكهم علیه السلام
فالحق أذن، ليس ألا واحد من المسالك، وذلك الحق بالا ارتياب و ترديد للمتأمل، مسلك أهل الوحي والكتاب؛ لصحة طريقهم بالقطع واليقين و عدم احتمال الخطأفيه اصلاً. إذ ليس طريقهم من الطرق العاديه البشرية، بل إنما هو وحي وعلم لدني؛ أما الوحي، فباعتبارين: إلهامه تعالی إياهم وقذفه في قلوبهم و علمهم بالوحي المنزل علي الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بتمامه و كماله،بل ليس علمهم إلا علم الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و لا طريقهم الا طريقه؛ وأما اللدني: فهو العلم الذي أشار إليه تعالی بقوله:(وآتيناه من لدنا علما.)(1).
وإلی أحد هذين او اليهما معأ أشار أميرالمومنين علیه السلام بقوله جوابأ عن «الجاثليق»، حيث قال له:
«عرفت الله بمحمد أم عرفت محمداً بالله؟ قال علیه السلام : «ما عرفت الله بمحمد ولكن عرفت محمدا بالله – عزوجل- حين خلقه و احدث فيه الحدود من طول و عرض، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال و الهام منه وارادة؛ كما ألهم الملائكة طاعته و عرفهم نفسه بلا شبه و لا كيف.»(2) و قوله علیه السلام جوابا عن القائل له: «بم عرفت ربّك؟» قال علیه السلام : «بما عرفني نفسه»(3)
و حيثما كان طريقهم في المعرفة، الوحي والالهام، فما به ريب ولا من موهن.
هذا مسلك أهل البيت علیه السلام .
اما الكلام،فهو ذو مشارب*** لان أهله أولوا مذاهب
كل علی مذهبه قد اقتصر*** بالعقل عذة و بالنقل أخر
و «العقل» مطلقا طريق *** و «الكشف» حسبه طريق
و عند أهل البيت كسب *** طريقه العقل و ما قد وصفه
ص: 127
قالعقل في مجرد الإثبات*** و هو مع الوصف لما للذات
واختار غيرهم: إما «كلاما» أو «فلسفة» أو «مسلك العرفان» إسما لاصفة؛ فانه ليس بعرفان حقيقة، بل هو اسم اصطلاحي؛ كما سميت الفلسفة عند أهلها ب «الحكمة». و هؤلاء أرباب المسالك الثلاثة،آعتبروا من الطريق الموصول إلی المعرفة، ثلاثة(1): «العقل» و «النقل» و «كشف الواصل» إلی الحقيقة بزعم مدعيه.ثم اختار كل من اصحاب المسالك شيئاً من الثلاثة و تفصيله؛ كما قلت:
أما الكلام فهو ذو مشارب، لأن أهله أولوا مذاهب؛ فمنهم أهل الحديث و الرواية، و منهم أهل العقول و الدارية، و منهم القائل بهما. و لأجل ذلك،كل علی مذهبه قد اقتصر بالعقل عدة، و بالنقل أخر.
والعقل مطلقاً طريق الفلسفي، كان هناك نقل أم لم يكن، عارضه نقل إم واقفه؛ فهو المعول عندهم وحده بالاستقلال؛ فإن وافقه نقل، كان مويداً له، و إن عارضه يؤول إليه إن أمكن،ولا سقط عن الاعتبار.
والكشف حسبه طريق العارف، يعتمد عليه و يقدمه علی كل شيء.
و عند اهل البيت علیه السلام تكسب المعرفه؛ اي لغيرهم(فانّ معرفتهم، غير كسبيّه بل الهاميه أو فطرة) طريقه العقل و ما قد وصفه الله تعالی به نفسه؛ اما في كتابه أو بلسان اهل وحيه، ولكن لكّل مهما مقام. فالعقل في مجرّد الاثبات الاجمالي من غير تفصيل؛ فانّه من مقام العقل لا غير، و هو مع الوصف لما للذات من الذّاتيات؛ و هي الصّفات الذاتيّه و كذا الصفات الفعليه له. فانّ اثبات ذلك، ليس من مقام العقل فقط، بل لا بدّ فيه من رعايه كل الأمرين: العقل و ما وصف به نفسه. و انّ وقع من وقع في الخلاف في جهه الاقتصار علی أحدهما أو عدم رعايه ما هو شرط الاعتبار فيهما و تفصيله كما بيّنت.
تقرير محدوديه«العقل» في المعارف و غيرها، و بيان حدّه
ص: 128
والعقل محدود عن التحقيق*** و منطلق في الحكم والتصديق
اذ ليس مدركا بالاستقلال*** كلا ولا بعون الاستدلال
والعقل محدود عن التحقيق للأشياء بنفسه؛ أي عن تثبيتها و ادراكها، و أما تحقيقها بمعنی الوصول إلی حقيقتها والكشف عنها، فانّه أمر خارج عن طوره، و غير مراد هنا. والمراد بالمحدوديه، تحديد دائرة اطلاقه، و تضييق سعه استقلاله في الادراك، و قصره علی حدّ محدود؛ فلا استقلال له في ادراكجميع الأشياء علی الاطلاق. ولكنّه مطلق في الحكم والتصديق من دون تقييد ولا تحديد؛ فانّ له الحكم في كلّ قضيه والتصديق في كلّ واقعه؛ كما عن ابن السّكيت عن الرضا علیه السلام قال:
فما الحجّه علی الخلق اليوم؟ فقال علیه السلام : «العقل، تعرف به الصادق علی الله فتصدقه، والكاذب علی الله فتكذبه». فقال ابن السّكيت:«هذا والله هو الجواب.»(1)
و قال موسی بن جعفر علیه السلام :
«يا هشام! انّ لله حجتين: حجة ظاهرة و حجّة باطنة؛ فأما الظاهرة فالرّسل والانبياء و أما الباطنة العقول.»(2)
هذا في حكمه علی الاطلاق،و اما في خصوص المعرفة، فقد قال اميرالمؤمنين علیه السلام : بنصع الله يستدل عليه وبالعقول تعتقد معرفته، و بالفكر تثبت حجّته.»(3)
و قال الرضا علیه السلام أيضا مثله، الّا أن في روايته، « وبالفطره تثبت حجّته»(4) و سيأتي النَظر فيه. و قال علیه السلام أيضا:«بالعقول يعتقد التصديق بالله و بالاقرار يكمل الايمان به.»(5)
لكن له القضاء والتصديق*** في كل ما نبهه الصديق
ص: 129
كذا تميز صحه الدليل*** له عن الفاسد و العليل
فليس له محدوديّه في هذا المقام، و انّما محدوديّته في مقام الادراك. اذ ليس مدركا بالاستقلال بنفسه كلا؛ اي كلّ الاشياء ينحو الضروره والبداهة ولا بالاكتساب، بعون الاستدلال؛ و ذلك ظاهر لمن راجع وجدانه. فانّا لا نعقل الأشياء كلّها لا بالفطرة ولا بالاكتساب، و انّ مجهولاتنا أكثر من معلوماتنا،لكن له آلقضاء؛ أي الحكم والتصديق في كلّ ما نبهه الصديق، فيحتاج إلی منبّه و معلّم؛ كالطفل الذي له استعداد التّعلم، فيتعلّم الأشياء من معلّمها شيئا فشيئا.
فالعقل بنفسه لا يدرك كثيرا من الأشياء، و ان خاض فيها خوضا و أتعب فيها طولا و عرضا؛ لكن اذا نبّهه و علّمه معلّم صدّيق، كان له شأنّبة الحكم والتّصديق، فهو غير محدود من هذه الجهة . و كما أن له مقام الحكم، كذا تميز الصحة الدليل له عن الفاسد والعليل؛ فهو في هذا المقام أيضا مطلق من غير تحديد.
ثمّ أنّ من تحديد العقل ايضا، أنه لا يدرك الجزئيات الخارجيّه بلا واسطة، كما يأتي.
معرفة«الصّانع» من طريق العقل
والوصف، غيابيّة، اجماليّه، اثباتا و توصيفا
اعلم، انّ المعرفه بالشيء، قد تكون«شهوديّه»: «و هي أن تكون مشهودا بالعيان أو محسوسا باحدي الحواس الظّاهرة»؛ و أخری غيابيّه:«و هي أن لا يكون مشهودا ولا محسوسا.»
و معرفه الصّانع عنه الجميع، غيابيّه، الّا عند من يجوّز الرّؤيه. والقائلين بالكشف آيضا ينكرون الغيابيّه، لكنّهم يسمّون كشفهم بالغيب،«شهودا»؛ فهم يدّعون مرتبه بين المرتبتين؛ اعني الغياب والشهود.
ثمّ المعرفه الغيابيّه، قد تكون اجماليّه:« و هي العلم بوجود الشيئ و ثبوته اجمالا». و هذا لا نسميّه«معرفه» في الاصطلاح، بل هو العلم بالشّيء؛ و أخری تفصيليّه:«و هي العلم بخصوصيّاته و صفاته». و قد تقدّم أنّ آلمعرفة الاثباتيّه، ليست ألا من شأن العقل فقط؛ و اما التفصيليّه، فهي بالعقل والوصف معا.
ص: 130
ولكنّ الذي عندنا. أنّ المعرفه في باب الصّانع(سواء كانت بالعقل أو بالوصف) تفصيلها ايضا اجمال. أما الوصف، فظاهر؛ فانّ غايه ما يظهر من الآيات والرّوايات أنه تعالی مثلا: عالم، قادر، حكيم، لطيف و أمّا أنه كيف يكون عالما أو قادرا أو حكيما أو لطيفا؟ فليس الّا معرفه إجماليّه، بل صريح عدّه من الرّوايات ذلك؛ كما ستعرف في«باب انّه تعالی لا يعرف يكنهه» و «باب أنّ صفاته عين ذاته» و «باب معاني الأسماء»
والعقل غير مدرك بالذّات*** للخارجيّات من الذّوات
و انّما يدرك بالحواس*** أو صدق كليّ او القياس
فكلّ شيء غاب عن حسّ *** لا يهتدي اليه الّا بالاثر
والله غائب عن الحواس*** فلا طريق غيره للنّاس
و أما العقل، فبيان الحال فيه ما ذكرت: والعقل غير مدرك بالذّات من غير وساطة للخارجيّات من الذّوات العينيّه؛ و انما يدرك الخارجيّات بالحواسّ الظاهره، أو بواسطه صدق كليّ عليها، او بواسطه القياس والتمثيل. و علی هذا، فلكّل شيء غاب عن حسّ البشر، من المحسوس و غيره، لا يهتدي العقل اليه الّا بالأثر، اذ لا طريق للعقل اذن إلی العلم به و معرفته الّا الآثار؛ والله تعالی غائب عن آلحواس، فلا طريق غيره؛ أي غير الأثر للناس.
فيكون طريق معرفتهم ايّاه منحصره، بالآثار. و اذا ثبت انحصار طريق العقل باالآثار، فلا محاله يكون ادراكه محدودا بما تؤديّ الاثار اليه. و من المعلوم:
أوّلا: انّ الآثار ليست الّا أفعالا معدودة.
و ثانيا: أنها غير وافيه بجميع خصوصيّات المؤثّر تفصيلا؛ نظير ما اذا رأيت كتابا، فانّك بمجرّد النّظر اليه، تعلم اجمالا أنّه له مؤلّف، ثم اذا نظرت فيه و تصفّحته، تعرف أنه كان فصيحا، بليغا، شاعراً، ماهرا و غير ذلك علی حسب ما فيه من الآثار. و أما أنه كيف كان فيما فقدت فيه الآثار من الأوصاف، أو كيف كان في اتّصافه بالأوصاف الّتي تؤدّي اليها الآثار؟ فلا سبيل اليه الّا الاجمال.
و ثالثا: أنّ الآثار مع اجمال مؤادها، انّما تؤدّي الی الأوصاف، لا إلی كنه الذّات وحقيقته.
ص: 131
و علی هذا، فمعرفة الصّانع من طريق العقل، ليست الّا مجمله، اثباتا و هو ظاهر، و توصيفا لما بيّناه، ولا يكاد يصل العقل إلی كنه الذّات. و إلی هذا التّفصيل أشرت بقولي:
والعقل لا يدرك بالأفعال*** الّا وجوده علی الإجمال
أو مع شيء من صفات *** لانّ الآثار تؤدّي مهملة
تعرّف الرسوم لا الماهية*** اذ هي غير الذّات في الهويّة
فانحصر الطريق *** بالعقل ثمّ العقل بالآيات
والعقل لا يدرك بالأفعال، الا وجوده علی الاجمال؛ اذ الأفعال( و هي الآثار)، لا تثبت الّا صرف الوجود، أو مع شيء من صفات مجملة اذا نظر إلی الأفعال بعين التأمل والتّدبّر؛ فيري فيها اثر العلم والقدرة والحكمة واللّطف مثلا، فيثبتها له ايضاً اجمالا، فهذا التفصيل ايضاً اجمال. و انّما هو تفصيل بالنّسبة إلی صرف الوجود، و انّما صارت تؤدّي مجمله، فأنّ الاثار لا تؤدّي إلی مؤثّرها إلّا مهمله، كالقضايا المهملة الّتي لا تؤدّي الّا جزئيه. و ذلك، لأنّ الآثار، إنّما تعرّف الرّسوم لا الماهيّه، فهي معرّفات رسميه، لا حديّه؛ اذ هي غير الذّات في الهويّه، مبائن لها في الجنسيّه، بل السّنخيّه عندنا هنا ايضا. اذ ليست من باب العلّه والمعلول و لو فرض، فالمعلول، أيضا مبائن للعلّة بمقتضی الآثنينيّه، والمبائن لا يصير حدّا تامّا للمبائن أصلا، فلا يكون معرّفا لكنه الذّات و هويّته أصلا.
و حيث قد تمّت هذه المقدّمات، ظهر لك أمران، اشترت اليهما بقولي: فانحصر الطريق في مقام الاثبات، بالعقل دون النّقل والكشف؟ اذ ليس المقام من التعبّد ولا معرفه الّا غيابيّه محضه. ثمّ انحصر طريق ادراك العقل بالآيات والآثار، لا بالستقلال بنفسه، لأنّ المطلوب جزئي خارجي و و قد ورد عنهم علیه السلام ما يدّل علی كلا الانحصارين.(1)
ص: 132
ص: 133
عقائده في العدل
العدد الثاني
و ينسب لله معاقبة البريء!!28- ثم ينسف العقيدة بالعدل الإلهي في حديثه: إن معاقبة البريء ليست ظلماً، و أنه يصح نسبة ذلك إلی الله، لأنه هو المالك الحقيقي...(1).
و يصرح بالجبر...بل يصرح بأن الله موجد للمعصية!!
29- و قال: «فما في الوجود طاعة و لا عصيان، و لا ربح و لا خسران..و لا..ولا..إلا و هو مراد للحق تعالی. و كيف لا يكون مراداً له، و هو أوجده...»...«فالكفر و الإيمان،و الطاعة و العصيان ، بمشيئته، و حكمته، و إرادته»(2).
30- يقول إبن عربي: «و ليس بيد العبد فيه (أي في التصرف) شيء . و إنما العبد مصرّف ، فهو بحسب ما يقام فيه ، و يراد به.
و ما الإنسان في تركه و عدم تركه للشيء ، فعل. بل هو مجبور في اختياره، إذا كان مؤمناً، فإنا قيدنا «الغضب» أن يكون لله، و أما الغضب لغير الله، فالطبع البشري يقتضي الغضب و الرضا، يقول رسول الله صلی الله عليه (و آله) و سلم: إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، و ارضی كما يرضی البشر الخ..»(3)
ص: 134
تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً!!
31- يعتقد إبن عربی: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً ، و الأفضع أنه يدعي بأن عاين ذلك مشاهدة و نقلاً...(1)
عقائده في المعاد و شؤون الآخرةلا خلود في النار، بل فيها النعيم!!
32- يصرح إبن عربي بأن : «و لا بد لأهل النار من فضل الله و رحمته في نفس النار، بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساس بالآلام في نفس النار، لأنهم ليسوا بخارجين من النار، فلا يموتون فيها و لا يحيون، فتتخدر جوارحهم بإزالة الروح الحساس منها..
و ثمة طائفة يعطيهم الله بعد موازنة المدد بين العذاب و العمل نعيماً خيالياً ، مثل ما يراه النائم و جلده، كما قال تعالی: (كلما نضجت جلودهم)..هو كما قلنا : خدرها.
فزمان النضج و التبديل يفقدون الآلام لانه إذا انقضی زمان الانضاج خمدت النار في حقهم فيكونون في النار كالأمة التي دخلتها، و ليست من أهلها ، فأماتهم الله فيها إماتة ، فلا يحسون بما تفعله النار في أبدانهم...»(2).
و هو بذلك يناقض و بصراحة غريبة محكمات الذكر الحكيم في قوله تعالی (كلما ارادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) و قال (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب) و (اولئك اصحب النار هم فيها خالدون).
33- و يقول: «و أما أهل النار فمآلهم إلی النعيم و لكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب، أن تكون برداً و سلاماً علی من فيها ، و هذا نعيمهم.
فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه عليه السلام تعذب برؤيتها، و بما تعوّد في علمه و تقرر الخ..»(3).
ص: 135
و كلامه هذا خلاف الضروري من الدين بل إنه خلاف الضرورة لدی كل الأديان...كما أن كلامه هذا أو أشباهه فيه التشجيع الكبير علی المعاصي بل علی الكفر و محادّة الله و رسوله.32- و يصرح قائلاً: «إن صاحب السجلات لا يدخل النار، مع أنه من أهل الكبائر، إذ ليس معه سوی قول: لا إله إلا الله، في طول إسلامه مدة حياته في الدنيا»(1).
المشرك موحد و منعم في الجنة!!
34- و يقول : «لو لا النص الوارد في المشرك و في من سن الشرك لعمت الشفاعة كل من أقر بالوجود و لم يوحد فإن المشرك له ضرب من التوحيد أعني توحيد المرتبة الإلهية العظمی فإن المشرك جعل الشريك شفيعاً عند الله. يقولون: (هؤلآء شفعاؤنا عند الله) كما قالوا: (ما نعبد هم إلا ليقربونآ إلی الله زلفی)...
فوحد هذا المشرك الله في عظمته و ليست للشريك عنده هذه المرتبة إذ لو كانت له ما اتخذه شفيعاً . و الشفيع لا يكون حاكماً...
فلهم (أي للمشركين) رائحة من التوحيد. و بهذه الرائحة من التوحيد و إن لم يخرجوا من النار لا يبعد أن يجعل الله لهم فيها نوعاً من النعيم، في الاسباب المقرونة بها الآلام.
و أدنی ما يكون من تنعيمهم أن يجعل المقرور في الحرور، و نقيضه الذي هو المحرور يجعل في الزمهرير حتی يجد كل واحد منها بعض لذة كما كانت لهم هنا بعض رائحة من التوحيد...و ما ورد نص يحول بيننا و بين ما ذكرناه من الحكم فبقي الامكان علی أصله في هذه المسألة. و في الشريعة ما يعضده من قوله: (و رحمتي وسعت كل شيء)... و قوله: «رحمتي سبقت غضبي...(2)»
ص: 136
و العجيب أنه إبن عربي يبتر الآيات كما يحلو له و يقطعها فهو كمن يقول قال الله «لا إله » و يترك «إلا الله» و برهان ذلك بتر قوله تعالی (و رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزّكوة و الذين هم باياتنا يؤمنون)
ص: 137