مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 6

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

مدرسة أهل البيت(علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة الثانية:العدد السادس 1389 هجرية شمسية 1431 هجرية قمرية

مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي موقعنا علی الانترنت:www.aqayed.com

ص: 1

الفهرس

كلمة التحرير مسؤولية حفظ التشيّع...3

الغدير في القرآن...5

ولاية اهل البيت (علیهم السلام) ركن الايمان آية الله السيد علي البهبهاني (رحمة الله)...10

آيات العقائدآية قول النصاری ان المسيح هو الله تعالی الاستاذ السيد جعفر سيدان...15

اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني...32

أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...40

السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ...46

التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء العلامة الشيخ علي الكوراني...54

زواج المتعة في الاسلام ابوجعفر الكاظمي...67

شريط تاريخي لجهاد الشيعة من أجل سنة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) العلامة الشيخ علي الكوراني العاملي...71

روائع من الأدب الإسلامي نظم مقتل الحسين(علیه السلام)الشيخ حسن الدمستاني...84

وجود العالم بعد العدم حجة الاسلام السيد قاسم علي احمدي...90

موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...105

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...110

وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة...116

في حكم و اسرار الزكاة والخُمس...117

ابن عربي ملحدٌ عارف ام ملحد علاء فيصل...119

ص: 2

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...127

التعريف بالكتب العقائدية...135

كلمة التحرير مسؤولية حفظ التشيّع

هنا لك اتهامات متعددة للشيعة منها انهم دخلاء على الاسلام. و ان الاسلام لاربط له بالتشيع و انه وليد احقاد المجوس على الإسلام و لا شك ان هذه الاتهامات لاصحة لها و ان التشيع انما هو عين الاسلام و عين ما امر به الرسول الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقد امر (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالتمسك بالثقلين كتاب الله و العترة الطاهرة(علیهم السلام)و هذا الحديث متواتر بين الفريقين و الشيعة انما يتمسكون بالقران و بالائمة المعصومين(علیهم السلام)و هم العترة الطاهرة و لا يأخذون دينهم من غير هذين الطريقين و قد وقفوا على طول التاريخ امام الانحرافات التي حصلت في ما بين المسلمين فما اكثر البدع التي جاء بها الاخرون و ادخلوها في الدين و قد وقف علماء الشيعة منها الموقف المخالف و لانريد الكلام حول هذا الموضوع و الذي نريد بيانه ان التشيع عين الاسلام الذي جاء به الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و هو محارب من قبل الكافرين و المنافقين و لذا نجد الاستعمار يحرك اذنابه في المناطق التي يتواجد فيها ابناء السنه و العامة بتكفير الشيعة و الدعاية ضدهم لتمزيق وحدة الامة الاسلامية و ابعادها عن الاسلام الاصيل الا و هو التشيع لآل البيت(علیهم السلام).

و قد جهد في محاربة هذا المذهب الحق لما يمتاز فيه من خصوصيات حقة و جوانب اقتداريّة فكل من تعرّف على التشيع احبه و تفانى من اجله و تحمل كل المصائب من ورائه و افتخر به فعلينا اذن تن-زيه التشيع من اي شائبة توجب وهنه و ضعفه و اتهامه .

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت

لغرض

ص: 3

الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.رئيس التحرير

نبارك لصاحب الامر والزمان الإمام الحجة ابن الحسن العسكري

والامة الاسلامية بمناسبة عيدي الاضحی والغدير.

عن رسول الله ((صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)):

يَومُ غَدير خُم افضَلُ اعياد اُمتي

* روی القطب الراوندي في لب اللباب عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه قال : انّ الله ابدلكم بيومين يومين، بيوم النيروز والمهرجان الفطر والاضحی(1)

ص: 4


1- 1- مستدرك الوسائل ، المحدث النوري ج6 ص15

* عن المفضل بن عمر قال قلت للصادق(علیه السلام) كم للمسلمين من عيد فقال أربعة أعياد الجمعة والأضحى والفطر والغدير.(1)

الغدير في القرآن

قال تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس}(2).

وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(3).

وقال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ}(4).

وقد دلنا الكثير من علماء التفسير بما ثبت لديهم من الأحاديث الحاكية لقصة يوم الغدير على المراد منها وإنَّها نزلت بخصوص ذﻟﻚ الشأن, فهذا الواحدي يقول في كتابه (أسباب النزول) ص150 إن هذه الآية {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ...} نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهذا السيوطي في (الدر المنثور) ص298 من الجزء الثاني عن أبي سعيد الخدري إنَّ الآية نزلت على رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب((علیه السلام)).

ص: 5


1- 2- الخصال للصدوق ص/264مؤسسة النشر الاسلامي1403ه- ق
2- - المائدة: 67 .
3- - المائدة: 3 .
4- - المعارج: 1-3.

وقال الرازي في تفسيره الكبير ج3 ص636.

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوهاً إلى أنْ قال : (العاشر) نزلت هذه الآية في فضل علي بن أبي طالبA, ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال (من كنت مولاه فعلي مولا, اللَّهُم وال من والاه, وعاد من عاداه) فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولي كلّ مؤمن ومؤمنة, وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . وقال النيسابوريفي ج6 من تفسيره المطبوع بهامش ابن جرير ص194 إنَّ هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه يوم (غدير خم) وذكر ما ذكره الرازي حرفاً بحرف.

وقال الآلوسي في تفسيره ج6 ص172. عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أنْ يخبر النَّاس بولايته فتخوف رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنْ يقولوا حابى ابن عمه وأنْ يطعنوا في ذﻟﻚ عليه فاوحی الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم (غدير خم) وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام (من كنت مولاه فعلي مولاه, اللَّهُم وال من والاه, و عاد من عاداه) وذكر ما ذكره السيوطي في (الدر المنثور) إلى آخره.

وفي الجزء6 من تفسير المنار المنسوب إلى الشيخ مُحمَّد عبده ص463 إنَّها نزلت يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب (علیه السلام) ذكره عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر ثُمَّ ذكر رواية ابن عباس وإنَّ الآية الشريفة نزلت عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في (غدير خم) كما ذكرها الآلوسي.

أما آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... } .

ففي الجزء الثاني من الدر المنثور ص259 من طريق ابن مردويه وابن عساكر إلى أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياً (علیه السلام) يوم (غدير خم) فنادى له بالولاية, هبط جبرئيل (علیه السلام) بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .

ص: 6

ومن طريقهما وطريق الخطيب إلى أبي هريرة قال: لما كان يوم (غدير خم) وهو يوم ثمَاني عشر من ذي الحجَّة قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فأنزل الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .

وفي الباب الثاني عشر من فرائد السمطين للحمويني بسنده المتصل بأبي سعيد إنَّ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دعا النَّاس يوم (غدير خم) إلى عليA فأخذ باصبعه فرفعها حتَّى نظر النَّاس إلى بياض إبطي رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثُمَّ لم يتفرقوا حتَّى نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الله أكبر على إكمال الدينوإتمام النعمة ورضاء الربّ برسالتي والولاية لعلي((علیه السلام)) من بعدي, ثُمَّ قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, وأخذل من خذله) .

وفي الجزء الثاني من تاريخ اليعقوبي ص32.

وقد قيل إنَّ آخر ما نزل عليه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}, وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) (بغدير خم).

وهكذا ذكروا في شأن (آية المعارج) وإنَّها نزلت بحق علي (علیه السلام) ففي ص75 من كتاب نور الأبصار قال: ونقل الإمام الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينة سئل عن قول الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فيمن نزلت فقال للسائل: (لقد سألتني عن مسئلة ما سألني عنها أحد قبلك, حدثني جعفر بن مُحمَّد (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) إنَّ رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لمَّا كان (بغدير خم) نادى النَّاس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (علیه السلام) فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذﻟﻚ في أقطار البلاد, وبلغ ذﻟﻚ الحارث بن النعمان الفهري, فأتي رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) على ناقته فأناخ راحلته ونزل عنها, وقال: يا مُحمَّد أمرتنا عن الله أنْ نشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله فقبلناه منك, وأمرتنا أنْ نصلي خمساً فقبلناه منك, وأمرتنا بالزكاة فقبلناه, وأمرتنا أنْ نصوم رمضان فقبلناه, وأمرتنا بالحجِّ فقبلناه, ثُمَّ لم ترض بهذا حتَّى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا شئ منك أم من الله؟ فقال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (والله الذي لا إله إلا هو, إنَّ هذا من الله عزَّوجل) فولّی الحارث يريد راحلته وهو يقول: (اللَّهُم إنْ كان يقول مُحمَّد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب اليم)

ص: 7

فما وصل إلى راحلته حتَّى رماه الله بحجر سقط على هامته ... , فأنزل الله عزَّوجل هذه الآية: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} .

وفي الباب الخامس عشر من فرائد السمطين بسنده عن الإمام أبي الحسن الواحدي قال: قرأت على شيخنا الأُستاذ أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينه سئل عن قول الله عزَّوجل إلى آخر ما ذكره في نور الابصار.

وحكاه ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة ص27- 26 (قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد أحمرت عيناه والله الذي لا إله إلا هو, إنَّه من الله وليس مني قالها ثلاثاً إلى آخر الحديث) .

وقال أبو السعود في تفسيره المطبوع بهامش تفسير الفخر ج 8 ص292. وقيل هو الحارث بن النعمان الفهري وذﻟﻚ إنَّه لمَّا بلغه قول رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في علي (علیه السلام) (من كنت مولاه فعلي مولاه...).

وفي الجزء الثاني ص209 من نزهة المجالس للصفوري.

قال رأيت في تفسير القرطبي في سورة ( سأل ) لمَّا قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال النضر بن الحارث لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (أمرتنا بالشهادتين عن الله فقبلنا منك, وأمرتنا بالصلاة والزكاة ثُمَّ لم ترض حتَّى فضلت علينا ابن عمك (الله) أمرك بهذا أم من عندك) فقال: (والله الذي لا إله إلا هو إنَّه من عند الله ...).

وهل بعد التدبر بسبب نزول ﺗﻠﻚ الآيات والإحاطة بمن اعتمد على تفسيرها بذﻟﻚ الشأن يتسع المجال لقائل أو يصدق التشكيك لمتوهم أنْ يقول (والشيعة) روت نزولها في علي (علیه السلام)! وهل يصح ذﻟﻚ من مثل الآلوسي في موضع آخر من تفسيره الذي تابعه فيه الشيخ مُحمَّد عبده أنْ يقول: بأنَّ الشيعة روت ذﻟﻚ في علي (علیه السلام) من غير حجَّة تقضي باختصاص الرواية فيهم, وبان ينسبها إليهم وحدهم وكيف بعد أنْ اعتمدها وخرجها مثل الخطيب البغدادي والسيوطي والحمويني وكثير غيرهم تسوغ نسبة اختصاص الرواية فيهم مع إنَّ الآلوسي نفسه روى عن ابن عباس وغيره إنَّها في علي (علیه السلام) وروى ذﻟﻚ الشيخ مُحمَّد عبده كما مر على القارئ وذﻟﻚما يؤكد بأنَّها في علي (علیه السلام) يوم (غدير خم) وإنَّه لم تروه الشيعة فقط نعم, يوشك أنْ يكون وهماً أو غفلة.

ص: 8

إذاً فلا شكَّ ولا ريب في نزول هذه الآيات بشأن علي (علیه السلام) في (غدير خم) من هذه الطرق التي لا تتصل بالشيعة وكفى بها دليلاً وبرهاناً على ولايته التي بها رضى الربّ وكمل الدين, وحسبك ما خرجه أئمة الحديث وأصحاب السنن وما ذكره أرباب التاريخ ودونه أهل السير, فهم بين من خرج نص حديث (يوم الغدير) بطرقه المعتبرة وبين من أرسله إرسالاً فحذف منه سنده إختصاراً أو إشتهاراً.

وقصاري القول إنَّ حديث الغدير, حديث متواتر مجمع عليه عند الفريقين بأسانيده الصحاح المعتبرة التي لا شكَّ فيها ولا ريب, ولا ينكر حديث الغدير إلا مكابر معاند لا برهان له في إنكاره ونكرانه, بعد ما رأيت ما ذكرناه وهو غيض من فيض, ولو أردنا استقصاء الكلام في الغدير لاحتجنا إلى مجلد بل مجلدات ضخام.

وكيف يخفي نور الشمس رائعة النهار أو تحجب بالغربال ولكن العناد والتعصب على الحقّ للباطل ينكر الوجود ويحيله إلى العدم, والبغض يعمي ويصم. أعاذنا الله من كتمان الحقّ وجنبنا طريق الضالين.

ص: 9

مصباح الهداية

ولاية اهل البيت (علیهم السلام)ركن الايمان آية الله السيد علي البهبهاني رحمه الله

في تفسير قوله تعالی: {وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدی} .(1)

في غاية المرام : أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، فيي المحاسن، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسی- فيما أعلم- عن يعقوب بن شعيب، قال : «سألت أباعبدالله(علیه السلام) من قول الله عزّوجلّ{وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدی} قال: «إلی ولايتنا والله ، أما تری كيف اشترط الله عزّوجلّ » .(2)أقول : ويدّل علی ذلك(3) أيضاً أنّ الذي يعتبر في قبول التوبة والإيمان والعمل الصالح إنّما هو ولاية أهل البيت (علیهم السلام) ، علی ما تواترت فيه روايات الفريقين.

ص: 10


1- - طه: 82 .
2- - غاية المرام ص 333. المحاسن ص142 .
3- - توضيحه : أنّ عطف «اهتدی»ب- «ثّم» دون الواو يدّل علی أنّ هذا الاهتداء مترتّب علی التوبة والإيمان والعمل الصالح، والاهتداء المترتّب عليها المعتبر في قبولها ليس إلّا الاهتداء بولاية أهل البيت . والحاصل أنّه لو كان معطوفاً بالواو لاحتمل أن يكون من قبيل عطف السابق علی اللاحق كقوله تعالی: {وكذلك يوحی إليك وإلی الذين من قبلك} ويكون المراد منه الاهتداء إلی التوحيد والإيمان بالله تعالی وبرسوله |، ولكنّ العدول عنه إلی العطف ب- «ثمّ» صريح في أنّ العطف من قبيل عطف اللاحق علی السابق ، والاهتداء علی الإيمان والعمل الصالح ، فالمعتبر في قبولهما أنّه هو الاهتداء بولاية أهل البيت ، ضرورة عدم اعتبار ماعدا الولاية في قبول الإيمان والعمل الصالح باتّفاق المسلمين . وبما بينّاه تبيّن سرّ تغيير السياق في المتعاطفات وعطف«اهتدی»ب- «ثمّ» دون «آمن وعمل» . كما تبيّن أنّ تفسير الاهتداء بلزوم الإيمان إلی الموت ، أو عدم الشكّ في إيمانه ، أو الأخذ بالسنّة وعدم سلوك سبيل البدعة، في غير محلّه ، لأنّ مرجع الأوّلين إلی بقاء الإيمان لا إلی اهتداء مترتّب عليه وعلی العمل الصالح كما أنّ مرجع الثالث إلی الثالث وهو العمل الصالح . ثمّ أنّه اختير «ثمّ» علی الفاء؛ لأنّه أوفی وأبلغ بخصوصيّة المقام من الفاء ، إذ قد تأتي للتفريع ومع احتمال ارادته لايستفاد أنّ الاهتداء أمر آخر وراء الإيمان والعمل الصالح ، بخلاف لفظة «ثمّ» فإنّها لعدم تطرّق التفريع فيها صريحة . (في أنّ ما بعدها أمر مستقلّ مترتّب علی ما فبلها) . وما يكون لاحقاً علی الإيمان والعمل الصالح بحيث يتحقّق بتحقّقه الاهتداء وبفقده الضلالة ، ولم ينفعه إيمانه وماعمله من الصالحات إلّا بقبوله ، ليس إلّا ولاية أهل البيت ، ضرورة عدم اعتبار ما عدا الولاء . منه «رحمه الله» .

من أنّه لايكمل الإيمان ، ولايقبل عمل صالح إلّا بولاية مولانا أميرالمؤمنين، والائمّة المعصومين من ذرّيته سلام الله عليهم أجمعين(1) .

وإنّ معرفة الله لاتتمّ إلّا بمعرفتهم وولايتهم(2) .ولو أنّ رجلاً قال ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف(ولاية) وليّ الله فيواليه ، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ماكان علی الله عزّوجلّ حقّ في ثوابه ، ولاكان من أهل الإيمان ، (ثمّ قال) أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنّة (بفضل رحمته)(3).

والروايات فيه من طريق الفريقين كثيرة جدّاً ، وإلی ذلك اشار مولانا الصادق(علیه السلام) حيث قال بعد ان قال :اهتدی الی ولايتنا والله ، «أما تری كيف اشترط الله عزّوجلّ» ومعناه: أنّ الشرط المعتبر في

ص: 11


1- - غاية المرام ص 250 الباب 46 و 47 . الكافي 1/180 .
2- - غاية المرام ص 253 .
3- - الكافي 2/19 . غاية المرام ص 257 .

كمال الإيمان وقبول العمل الصالح الموجب للغفران ليس إلّا ولايتنا أهل البيت (علیهم السلام) ،(1) وهذا واضح لمن نظر في روايات الفريقين.

ومن جملة روايات العامّة أنّه قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «من مات علی حبّ آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات شهيداً، ومن مات علی حبّ آل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات مغفوراً له ، ألا ومن مات علی حبّ آل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات تائباً ، ألا ومن مات علی حبّ آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات علی حبّ آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومن مات علی حبّ آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات علی السنّة والجماعة ، ألا ومن مات علی بغض آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات علی بغض آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مات كافراً، ألا ومن مات علی بغض آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يستشمّ رائحة الجنّة».(2)

والحمد الله الذي هدانا لمحبتّهم وولايتهم ، ورزقنا البراءة من أعدائهم ، وماكنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله .ويدلّ علی ذلك أيضاً أنّ الله تعالی جعل لكلّ قوم هادياً من آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علی ما استفاضت روايات الفريقين ، بل كادت أن تكون متواترة من أنّ قوله عزّوجلّ :{إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد}،(3) إنّما نزل في شأن مولانا أميرالمؤمنين والأئمة المعصومين(علیهم السلام) وأنّه لكلّ قوم هاد بعد هاد من آل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ولا تخلوا الأرض منهم .(4)

ومن المعلوم أنّ من جعله تعالی هادياً لاُمّة محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يجب الاهتداء إليه بمعرفته وولايته أوّلاً ، ثمّ الاهتداء به ثانياً ، فهذا الاهتداء الذي بعد التوبة والإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح ، ليس إلّا الاهتداء بالهادي الذي جعله الله هادياً .(5)

ص: 12


1- - غاية المرام ص 333 .
2- - الكشاف 4/220 . غاية المرام ص 252 .
3- - الرعد : 7 .
4- - الكافي 1/191 . بصائر الدرجات ص 29 . مناقب آل أبي طالب 3/83 . العيّاشي 2/203 . غاية المرام ص 235 .
5- - ثمّ إنّ تغيير السياق في المتعاطفات وعطف «اهتدی»ب- «ثمّ» دون «آمن وعمل » لعلّه لأجل التنبيه علی أمرين: الأوّل : أنّ آخر ما يعتبر في الغفران الذي لايتحقّق كمال الإيمان وقبول العمل الصالح إلّا به هو الاهتداء إلی ولاية أهل البيت ^ ولاشيء بعده . والثاني : تراخي الاُمّة عن الاهتداء دون المتعاطفين الآخرين فإنّه لم يكن أمر أشقّ عليهم من الاهتداء بولاية أهل البيت ^ كما يظهر لمن كان له أدنی تتبّع في حالات الصحابة وروايات الفريقين .

ثمّ إنّ تغيير السياق فيي المتعاطفات، وعطف اهتدی ب-«ثمّ» ،(1) دون «آمن وعمل» يدّل علی أن الإيمان والعمل الصالح لايوجب الاهتداء والخروج عن الضلالة ، بل الخروج عنها والاهتداء إلی الحقّ يحتاج إلی أمر آخر ؛ لأنّ كلمة «ثمّ» تدلّ علی أنّ ما بعده مترتّب علی ما قبله بتراخ ، فلو كان الإيمان والعمل الصالح كافياً في الاهتداء والخروج عن الضلالة لم يكن مجال للعطف بكلمة «ثمّ» ، ولا ضلالة بعد الإيمان والعمل الصالح علی طريقة أهل السنة؛ لأنّ الخلافة عن الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عندهم من فروع الدين ، ولذا تتحقّق عندهم بالبيعة ، فعدم الخروج عن الضلالةبالإيمان والعمل الصالح إنّما يتمّ

علی طريقة الشيعة الامامية من ان معرفة الامام والخليفة من اصول الدين ولاتثبت الخلافة والإمامة إلّا بالنصّ من الله تعالی ومن رسوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقد ورد من الطريقين : «أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهليّة» .(2)

وأمّا المفسّرون بالرأي فقد فسّروا الاهتداء مرّةً بلزوم الإيمان واستمراره إلی موته ، واُخری بأن لايشكّ في إيمانه ، وتارةً بأن كان عاملاً بالسنة وتاركاً للبدعة.

وقد ذكر في مجمع البيان كلاً من هذه الوجوه ، ونسب كلاً منها إلی قائل .(3)

وفيه أنّ الوجه الثالث راجع إلی العمل الصالح ، فلا مجال لترتيبه عليه ، وعطفه بكلمة «ثمّ»، والوجهين الأوّلين إلی وجه واحد ، وهو استمرار الإيمان ، وثباته عليه إلی موته، وهو مناف لكلمة «اهتدی» الدالّ علی قبول الهداية ، الملازم لعدم خروجه عن الضلالة ، فبل قبوله الهداية ؛ لأنّ قبول

ص: 13


1- - وقد يستعمل «ثمّ» إيذاناً بحاجة السابق إلی المعطوف به مع أنّ الظاهر في بدو النظر عدم الحاجة إليه ، والمقام من هذا القبيل ، فإنّ الظاهر أنّ الإيمان مع العمل الصالح بعد التوبة كاف في الغفران ، فنبّه بالإتيان ب- «ثمّ» علی وجود الحاجة إلی أمر آخر؛ وهو الاهتداء إلی الهادي الذي نصبه تعالی شأنه للعباد . منه «ره» .
2- - الكافي 1/378 . المحاسن ص153 . مناقب آل أبي طالب 1/246 . البحار 68/339 .
3- - مجمع البيان 7/23 .

الهداية مسبوق بالضلالة ، واستمرار الإيمان مسبوق بالإيمان الذي هو أساس الهداية ، فلا مجال لتفسير أحدهما بالآخر .

وأيضاً المتميّز بكلمة «ثمّ» الدالّة علی التراخي، لعلة لأجل التنبيه علی تراخي الاُمّة عن الاهتداء ، دون المتعاطفين الآخرين ، فإنّه لم يكن أمر أشقّ عليهم من الاهتداء بولاية أهل البيت (علیهم السلام) كما يظهر لمن كان له أدنی تتبّع في حالات الصحابة ، وروايات الفريقين .

وقد أسند في غاية المرام إلی أنس بن مالك أنّه قال : «رجعنا مع رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قادمين من تبوك ، فقال لي في بعض الطريق : ألقوا إلي الأحلاس والأقتاب ففعلوا ، وصعد رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فخطب فحمد الله وأثنی عليه كما هو أهله ثمّ قال : «معاشر الناس مالي إذا ذكر آل إبراهيم تهللت وجوهكم، وإذا ذكر آل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كأنّها تفقأ في وجوهكم حبّ الرمان، فوالذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ، ولم يجئ بولاية عليّ بن أبي طالب لأكبّه الله عزّوجلّ في النار » .(1)

أقول : ويكفي في بغض آل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) تقديم غيرهم عليهم، ومتابعة أمرهم ، وتنفيذ أحكامهم ، والمراجعة إليهم دون آل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كما نطقت به الروايات ، ووجهه واضح ، لأنّ المحبّ لايعرض (2)حبيبه ، ومحقّق لما حقّقه، و مبطل لما ابطله .

ومن الواضح البيّن الذي لاريب الذي لاريب فيه : أنّ مولانا أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين(علیهم السلام) من ذرّيته يرون انّ الخلافة والولاية تختصّ بهم ، وأنّ الناس منعوهم عن حقّهم ، فمن تابع مانعيهم ، وأنفذ أمرهم ، ويری أنّ لهم حقّاً : مكذّب لآل محمّد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وكاذب في دعوی محبّتهم قطعاً .

ص: 14


1- - أمالي الشيخ الطوسي1/314 الباب 11 . غاية المرام ص 257 .
2- - كذا في النسخة المطبوعة والظاهر : عن حبيبه .

من وحي القرآن

آيات العقائد آية قول النصارى انّ اللَّه جلّ وعلا هو المسيح من محاضرات الاستاذ السيد جعفرسيدان

قال اللَّه تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ}(1) .

الآية المباركة المذكورة حول نبي اللَّه عيسى المسيح (علیه السلام) واعتقاد المسيحيين بالنسبة للمسيح البعيد عن التوحيد وحيث ان مبنى القرآن على محو الشرك ومحاربة الكفر ولذا لأجل أهمية الموضوع ولأجل إبطال عقائد المسيحية ودفع الشبهات التي اوجدوها فقد تعرضت سور متعددة لشرح حال المسيح وأمّه مريم (علیه السلام)ولعقائد النصارى الباطلة ومن جملة تلك الآيات هذه الآية المباركة من سورة المائدة فقد اعلنت كفر من يعتقد ان المسيح بن مريم هو اللَّه.

عيسى في القرآن

ص: 15


1- - المائدة/17

لقد كان للنبي عيسى المسيح (علیه السلام)أمران خاصان أحدهما اكتسابي والآخر اختصاصي وقد أشار إليهما السيد الطباطبائي في الميزان(1)

اللَّه جلّ وعلا يعرّف بشخصية عيسى (علیه السلام)

قال الحكيم:

{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(2)

وهو أحد الأنبياء الخمسة (اولي العزم) وهو صاحب شريعة وله كتاب { شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى}(3) وكذلك ما جاء في آية 7من سورة الأحزاب و آية 46من سورة المائدة من الإشارة إلى ذلك وانه من المقربينوانه وجيها في الدنيا والآخرة {الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(4) وهو في زمرة الصالحين {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}(5)

التعريف بشخصية عيسى بتوسطه هو (علیه السلام)

وقد عرف نفسه بأنّه: عبداللَّه ورسوله وقال عن نفسه: انّ اللَّه جعله مباركا وانّ اللَّه جلّ وعلا اوصاه بالصلاة والزكاة وهما تكليفان من تكاليف اللَّه على عباده واوصاه بالبرّ بوالدته ولم يجعله اللَّه جلّ وعلا جبارا شقيا {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً}(6)

ص: 16


1- - الميزان، 310 - 309/3
2- - النساء/171
3- - الشورى/13
4- - آل عمران/ 45
5- 85- الانعام / [2]
6- - مريم/32 - 30

ونختم هذا القسم بتعريف اللَّه جلّ وعلا له:

{ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}(1)

عيسى عند المسيحين

لقد اختلف المسيحيون بعد عيسى في شأنه وتفرقوا إلى فرق يقول السيد الطباطبائي في الميزان في ذيل آية 79و آية :80لقد انقسم المسيحيون إلى اكثر من سبعين فرقة والمذكور منهم اكثر من هذه الفرق الثلاثة (الملكاتية والنسطورية واليعقوبية) ولم يتعرض القرآن الكريم لجزئيات هذه المسالك المختلفة وكان كل ما اهتم به القرآن هو محو الشرك وتطهير العقائد غير التوحيدية للمسيحين ثم ذكر عند ذاك السيد الطباطبائي خمسة آيات من الآيات التي تطرح العقائد الكفرية والشركية للمسيحين حول اللَّه جلّ وعلا والمسيح حيث قال:هذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذات مضامين(2) ومعان متفاوتة ولذلك ربما حملت على اختلاف المذهب في ذلك كمذهب الملكاتية القائلين بالبنوة الحقيقية والنسطورية القائلين بأنّ النزول من قبيل اشراق النور على جسم شفاف كالبلور، واليعقوبية القائلين بأنّه من الإنقلاب وقد إنقلب الاله سبحانه لحما ودما.(3)

والفرق المسيحية المعاصرة ثلاثة ايضا يمتاز بعضها عن الآخر: البروتستان، والكاثوليك والارتدكس وهذه الفرق الثلاثة هل هي نفس الفرق السابقة؟ الأمر يحتاج إلى تحقيق، وكلها قائلة بالوهية المسيح وانه هو اللَّه سبحانه وتعالى عما يقولون.

ومن هذه الفرق الثلاثة خصوصا الكاثوليكين والارتدكسيين لا يرون الموحد مسيحيا وأساس هذه العقيدة جملات مسجلة في انجيل يوحنا وهي ابتداءً كان العالم كلمة وهذه الكلمة عنداللَّه واللَّه

ص: 17


1- 36 - 34- مريم/[4]
2- - الميزان، 311/3
3- - المصدر السابق.

هو الكلمة وحيث ان لفظ الكلمة اطلق على المسيح فمعنى عبارة (اللَّه هو الكلمة) هو (اللَّه المسيح)(1)وقد نفى القرآن هذه العقيدة الباطلة للمسيحين حيث قال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.... }

لقد كتب يوحنا في اواخر عمره بعد الحاح واصرار انجيله يعني انه كتبه بعد المسيح ولذا فهو غير قابل للاستناد والإعتماد واغلب الأناجيل مكتوبة بهذا الشكل وانّ المسيح يتألم من هذا القول الباطل والشنيع من كونه متحدا مع اللَّه سبحانه وتعالى فانّه دائما كان داعيا لتوحيد اللَّه جلّ وعلا ووحدانيته.

(عيسى هو اللَّه!! لا، ابن اللَّه!! لا، لا! شريك اللَّه!! لا بل الكل هو ذلك! )

1- هنالك قسم من المسيحين يعتقدون انّ المسيح هو اللَّه وقد حُكمَ بكفرهم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.... }(2)

في حين انّ المسيح قال: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَرَبِّي وَرَبَّكُمْ وقد أخبرهم عن عاقبة المشركين حيث قال: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مَنْ أَنْصَارٍ

2- من جملة العقائد الباطلة والإنحرافية لقسم آخر من المسيحيين هو إعتقادهم بأنّ المسيح ابن اللَّه سبحانه وتعالى كما قال ذلك قبلهم اليهود بالنسبة إلى عُزيز انه ابن اللَّه سبحانه وتعالى وقال بذلك قبلهم أقوام آخرون وحول هذا الموضوع يقول القرآن (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ) عيسى ابن مريم لا ابن اللَّه جلّ وعلا قال تعالى:{إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(3)

ص: 18


1- - تفسير الخسروي،370/2س11
2- - المائدة/72
3- - آل عمران/45

وقال من عز قال: {وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}(1)

لقد عبر القرآن في ستة عشر موضعا عن النبي عيسى بجملة عيسى بن مريم عمدا حتى يعلم أهل العالم ومن جملتهم المسيحيون انّ عيسى بشر وانه قد تولد من أم اسمها مريم إذن لا يكون الها ومعبودا فهو وامه كسائر ابناء البشر انسانان وهما من فوقهما إلى ما تحتهما محتاجان للالطاف الإلهية وانهما مولودان يأكلان الطعام ويمشيان ويموتان و... يعني أنهما يحملان صفات المخلوقين ولو كان عيسى ابن اللَّه فاللازم أن يكون مسانخا للَّه وهذا من المحال بأدلة متعددة.

تنزه اللَّه جلّ وعلا عن اتخاذ الإبن

قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}(2)وكذلك ينزه اللَّه نفسه عن ذلك حيث قال: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}(3)

ويقول عز من قال فى آية اخرى: {إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ}(4)

وكذلك في آيات كثيرة قد نزه سبحانه وتعالى نفسه من هذا النقص(5).

ويعتقد البعض الآخر انّ عيسى وجبرئيل كلاهما معاونان وشريكان للَّه جلّ وعلا وقالوا بثلاثة الهة وهذا شرك وبماهية الكفر ويعتقدون ان اللَّه أحد هذه الثلاثة وانه ثالث ثلاثة كما جاء ذلك مشروحا في الآية: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ} (6)

ص: 19


1- - النساء/ 171
2- - البقرة/116
3- - مريم/35
4- - النساء/171
5- - الانعام/ 100والتوبة/ 3 10
6- - المائدة/73

تفسير الامثل

لقد اوضح تفسير الامثل عقيدة التثليث عند المسيحيين كالتالي:

انّ هؤلاء الالهة الثلاثة في عين تعددهم الحقيقي هم وجود واحد والذي يعبر عنه في بعض الأحيان بالوحدة في التثليث وهذا ماوردت الإشارة إليه في الآية السابقة حيث قالوا: انّ اللَّه هو المسيح عيسى بن مريم وعيسى بن مريم هو اللَّه وهما مع روح القدس وجود واحد حقيقي وفي نفس الوقت هم ثلاثة ذوات متعددة وعلى هذا فكل ركن من اركان التثليث والذي هو اكبر الإنحرافات في المسيحية فقد جاء الكلام عنه في واحدة من آيات القرآن الكريم وقد ابطله القرآن بكل شدة(1).

ولذا فهذه العقيدة باطلة وبأي عبارة من العبارات التالية عبر عنها فهي كفر وممتنعة: «اتحاد اللَّه جلّ وعلا مع المسيح»، «حلول اللَّه جلّ وعلا مع المسيح»، «تجلى اللَّه جلّ وعلا في المسيح».يقول السيد الطباطبائي بعد ما ذكر مختصرا عن عقائد فرقهم الثلاثة: «لكن الظاهر انّ القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة وانما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعا وهي البنوة وان المسيح من سنخ الاله سبحانه وما يتفرع من حديث التثليث وان اختلفوا في تفسيرها اختلافا كثيرا... »

و يجيب السيد الطباطبائي عن ادعاء جمع من المسيحيين الذين يقولون ان بنوة عيسى ليست حقيقة ويقولون هذه النسبة نسبة تشريفية (يعني من باب اعطاء الشرف لعيسى سُمّى ابن اللَّه) هذه خلاصة مطالعاته حول هذا الموضوع بعد ان أورد جملا من عيسى في إنجيل متى ولوقا ويوحنّا ونقل مذاكراته بينه وبين مريم الجدلية ويسوع لوقا وفيلپس.(2)

ويقول في الجواب: ظواهر هذه الأقوال (المنقولة في الأناجيل الثلاثة) لا تتفق مع حملها على النسبة التشريفية والذي يقولونه بالنسبة إلى ابوة اللَّه جلّ وعلا وبنوة عيسى فانما على سبيل الحقيقية.

ص: 20


1- - تفسير نمونه(تفسير الامثل)آية الله مكارم شيرازي324/4.
2- - كل هذه المطالب نقلها السيد الطباطبائي عن كتب العهد باللغة العربية طبع سنة 1811الميلادي.

الفخر الرازي

بعض من المفسرين كالفخر الرازي فهمه لبعض الآيات غير صحيح فانه يقول: انّ قدماء المسيحيين لم يصرحوا بهذا الرأي ولم يظهروا الإعتقاد باتحاد اللَّه جلّ وعلا مع المسيح. وهذا الكلام منه لأجل عدم احاطته الكافية بكتب المسيحية وإلّا فانّ المصادر المسيحية تصرح بالوحدة في التثليث.(1)

محصل ماقالوا به(2) حول الأقانيم الثلاثة

عند ذاك أخذ السيد الطباطبائي بالتحقيق على عقيدة التثليث وابطاله تحت عنوان محصل ما قالوا به وقال:ومحصل ما قالوا به (وإن كان لا يرجع إلى محصل معقول) ان الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث والمراد بالاقنوم هو الصفة التي هي نحو ظهور الشي ء وبروزه وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف والاقانيم الثلاث هي: اقنوم الوجود والذي هو الأب أو رب الأب واقنوم العلم وهو الكلمة (أو عيسى بن مريم) واقنوم الحياة وهو الروح.

وهذه الاقانيم الثلاث هي: الأب والإبن وروح القدس: والأول اقنوم الوجود والثاني اقنوم العلم والكلمة والثالث اقنوم الحياة، فالإبن وهو الكلمة واقنوم العلم نزل من عند أبيه وهو اقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس وهو اقنوم الحياة.(3)

ثم أورد السيد الطباطبائي الآيات التي تعرضت لعقيدة المسيحيين وما ذكره القرآن الكريم فيهم وأخذ النتيجة فقال: (كل ذلك يرجع إلى معنى واحد وهو تثليث الوحدةهو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانية). (4)

ص: 21


1- - تفسير نمونه (الامثل) ، 324/4
2- - الميزان ج3 ص314و315
3- - الميزان،315/3
4- - المصدر السابق: 315

ثم يفصل الكلام عن طريقين في إبطال التثليث لسنا نحن بصدد بيانه.

ليس عيسى(علیه السلام) وامّه الهين

لم يدعُ المسيح(علیه السلام) الناس إلى نفسه اصلا وكل ما نسب إليه فهو لم يدعيه يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1)

إذن عيسى في محكمة العدل الإلهية يعترف بعبوديته للَّه ويقر بوفاته ويتبرء من الإتهامات التي اتهم بها.عيسى(علیه السلام) يخبر عن موته

الآية التالية الذكر تخبر عن قول عيسى عن ثلاث صفات من مختصات المخلوقين وهن: الولادة والوفاة والبعث، قال تعالى:

{وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً}(2)

ويخبر اللَّه جلّ وعلا في جملة من الآية التي هي مورد بحثنا عن إمكان هلاك عيسى (...فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً... )

الولادة والوفاة أو الهلاك صفتان من الصفات الخاصة بالمخلوقين والتي أخبرت هذه الآيات عن وجود مثل هذه الخصائص في عيسى إذن الموجود الذي يحمل خصائص المخلوقين كيف يمكن أن يكون خالقا والهً ومعبودا (تعالى اللَّه عما يقولون).

ص: 22


1- - المائدة/ 118 - 116
2- - مريم/ 15

حاصل هذا القسم

حاصل هذا القسم حول الآية المذكورة هو التحقيق في نظريات المسيحيين الإنحرافية العجيبة وذكرنا آيات في مقام الجواب عنها وابطالها.

أمّا الأعجب «من عقائد المسيحيين ومن عقيدتهم الجسورة والكافرة من قولهم انّ المسيح بن مريم هو اللَّه سبحانه وتعالى» هو قول بعض الفلاسفة بتبع العرفاء - إصطلاحا - وهذا القول نوع من انواع وحدة الوجود وخلاصته هو:

صدق الذين قالوا انّ اللَّه هو المسيح بن مريم ولم يكن كفرهم من هذه الناحية بل كفرهم من جهة حصرهم للَّه سبحانه وتعالى بالمسيح حيث قال اللَّه هو المسيح والمسيح هو اللَّه في حين انه ليس عيسى هو اللَّه وحده بل كل شي ء هو اللَّه سبحانه وتعالى.

بيان ورد هذه العقيدة

نحقق ونشرح هذه العقيدة الباطلة العرفانية من عرفان امثال ابن عربي في كلام اكبر الشارحين للفصوص.

1- شرح القيصريابن عربي فادى فيه إلى القول بالحلول وانه هو اللَّه بما احيا به الموتى ولذلك نُسبوا إلى الكفر وهو الستر لأنّهم ستروا اللَّه الذي احيى الموتى بصورة بشرية عيسى (علیه السلام).

يقول القيصري (اي فادى نظر بعضهم فيه إلى القول بالحلول فقالوا: انّ اللَّه حل في صورة عيسى فاحيى الموتى وقال بعضهم: انّ المسيح هو اللَّه ولما ستروا اللَّه بالصورة العيسوية المقيدة فقط نُسبوا إلى الكفر).

ابن عربي: فقال اللَّه تعالى( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ... ) فجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كله. يقول القيصري اي جمعوا بين الكفر وهو ستر الحق بالصورةالعيسوية وبين الخطأ وهو حصر هوية اللَّه في كلمة العيسوية والمراد بقوله: «في تمام الكلام» اي بمجموع قولهم: (إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) جمعوا بين الكفر والخطأ.

ص: 23

ابن عربي «لا بقولهم هو اللَّه ولا بقولهم ابن مريم».

يقول القيصري: (لأنّ قولهم هو اللَّه أو اللَّه هو صادق من حيث هوية الحق هي التي تعينت وظهرت بالصورة العيسوية كما ظهرت بصورة العالم كله وقولهم (المسيح بن مريم) ايضا صادق لانه ابن مريم بلا شك لكن تمام الكلام ومجموعه غير صحيح لانه يفيد حصر الحق في صورة عيسى وهو باطل لأنّ العالم كله غيبا وشهادة صورته لا عيسى فقط).

ابن عربي: «فعدلوا بالتضمين من اللَّه من حيث احيى الموتى إلى الصورة الناسوتية بقولهم: ابن مريم وهو ابن مريم بلا شك».

يقول القيصري: من اللَّه متعلق بقوله فعدلوا والباء في قوله بالتضمين بمعنى مع اي فعدلوا من اللَّه إلى الصورة البشرية مع تضمينه فيها من حيث انه احيى الموتى فقالوا: المسيح ابن مريم وهو ابن مريم بلاشك كما قالوا لكن جعلوا اللَّه في ضمن صورته وهو القول بالحلول.(1)2-شرح مؤيد الدين جَند ي(2)

قال : فأدى بعضهم فيه« اي عند احيائه الموتى »إلى القول بالحلول« يعني نسبوا الأحياء إلى اللَّه حال حلوله في صورة عيسى »وانه هو اللَّه بما احيى به الموتى ولذلك نُسبُوا إلى الكفر وهو الستر لأنّهم ستروا اللَّه الذي احيى الموتى بصورة بشرية عيسى (علیه السلام). فقال: هو اللَّه ولما ستروا اللَّه بالصورة العيسوية المقيدة فقط نُسبوا إلى الكفر.

ص: 24


1- - شرح فصوص الحكم للقيصري مع تعليق الآشتياني ص 865 - 864وقد علق جلال الدين الآشتياني في تعليقته الرابعة والعشرين على الفص العيسوي من فصوص الحكم وقال وأعلم ان تقيد المطلق اي حقيقة الوجود وتعينها لا يوجب تقيدها واقعا لأن المطلق الذي هو حقيقة الوجود ليس بخارج عن الموجودات الخاصة بل هي اطواره وشؤونه، ص 2 886
2- - شرح فصوص الحكم مؤيد الدين جندي المتوفى 690ص 534 - 533ولأجل المزيد من الإطلاع على شرح حاله مختصرا أنظر ص 4من شرح القيصري مع مقدمة جلال الدين الآشتياني.

ابن عربي: «فقال اللَّه تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...) فجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كله».

بعد قولهم ان اللَّه هو وقال: « لا بقولهم هو اللَّه» يعني لم يكفروا بقولهم: انّ اللَّه هو فان اللَّه هو لنفسه هو« وبقولهم: المسيح ابن مريم» بل بما حصروا اللَّه في هوية عيسى ابن مريم بقولهم: انّ اللَّه هو حملا لهوية عيسى على اللَّه إذ هوية عيسى مع هوية العالم محله هو اللَّه المتجلي بوجوده الحق في جميع العالم ابدا كما مر ولكن كفروا بوصفهم هوية اللَّه في صورة ابن مريم على التعيين.

قال(علیه السلام) : فعدلوا بالتضمين من اللَّه من حيث احيى الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية بقولهم: ابن مريم وهو ابن مريم بلاشك فتخيل السامع انهم نسبوا الإلهية للصورة وجعلوها عين الصورة وما فعلوا بل جعلوا الهوية الالهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم ففصلوا بين الصورة والحكم لا انهم جعلوا الصورة عين الحكم.

يعني انهم قالوا: ان اللَّه هو المسيح ابن مريم، ففصلوا بين الصورة المسيحية المريمية وبين اللَّه بالهوية ولم يقولوا: اللَّه المسيح بن مريم فتخيل السامع انهم نسبوا الالوهية القائمة بذات اللَّه إلىالصورة المسيحية وما فعلوا ذلك بل فصلوا بالهوية بين الصورة العيسوية وبين الحكم بحمل اللاهوت على الهوية فاقتضت حصر الالهية في عيسى ابن مريم.

قال« بل جعلوا الهوية الالهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم».

اي جعلوا اللَّه بهويته موضوعا وحملوا الصورة عليه فحددوا الهوية الالهية وجعلوها محصورة في صورة الناسوت المعينة وهي غير محصورة بل له هوية الكل فجمعوا بين الكفر بأنّ اللَّه هو هذا فستروا الهوية الالهية في عيسى وبين الخطأ بانه ليس الاّ فيه - أي هي هي هو لا غير وقد كان هو عين الكل - ولا في البعض بل مطلقا في ذاته عن كل قيد واطلاق كما عرفت(1).

ص: 25


1- - شرح الفصوص (جندي) 535 - 534

3- شرح ممد الهمم (حسن زاده الآملي)

فادى بعضهم فيه إلى القول بالحلول وانه هو اللَّه بما أحيى به من الموتى ولذلك نُسبوا إلى الكفر وهو الستر لأنّهم ستروا اللَّه الذي احيى الموتى بصورة بشرية عيسى (علیه السلام)فقال اللَّه تعالى:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...) فجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كله ولا بقولهم ابن مريم فعدلوا بالتضمين من اللَّه من حيث احيى الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية بقولهم: ابن مريم وهو ابن مريم بلاشك.

والمقصود هو: انّ هوية الحقّ تعينت وظهرت في صورة عيسى كما ظهرت بصورة العالم كلّه إذ لا مؤثر في الوجود إلاّ اللَّه إذن انّ اللَّه مؤثر في هذه الكلمات.

لقد صدق الذين قالوا: اللَّه هو المسيح ابن مريم وذلك من جهة تعيّن هوية الحقّ بالصورة العيسوية وكذلك عيسى هو المسيح ابن مريم أيضا هو كلام صادق إلاّ انّ حصر الحق تعالى في صورة عيسى ليس بصحيح وباطل وذلك لأنّ العالم كلّه غيبه وشهوده صورة الحقّ لا عيسى فقط.إذن الكفر بمعنى انّ صورة عيسى (علیه السلام)غير هوية الحقّ صدق اما الجملة الإسمية التي خبرها محلى بالألف واللام تفيد حصر المحكوم عليه اللَّه في المحكوم به المسيح فهو أمر باطل(1).

النتيجة واحدة:

بعد التحقيق الدقيق، في هذا الشروح الثلاثة كانت النتيجة وللأسف كما بينا سابقا هي: انّ كفر العيسويين الذي جاء في الآية المباركة( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...) حسب رأي هؤلاء لا من باب انهم قالوا انّ المسيح هو اللَّه بل من جهة انهم لماذا قالوا عيسى فقط هو اللَّه في حين انّ العالم كله صورة للَّه سبحانه وتعالى.

ولأجل ان نثبت ان مراد هؤلاء هو هذا المعنى الذي قلنا لا غير فلاحظوا هذه العبارات من كتاب ممد الهمم:

ص: 26


1- 357،356 ممد الهمم: -[1]

واعلم انه لو صنعنا من الشمع مائة شي ء وبالضرورة صار لها مائة شكل ومائة اسم ولكل شي ء اسامٍ متعددة( فصنعنا شكل الأسد وللأسد اسماء متعددة مثلا الرأس والأذن) لكن العاقل يعلم ان لا وجود لشي ء غير الشمع وهذه جملة الأسامي التي ظهرت كلها اسامٍ للشمع جائت فيها الجهات المختلفة والأضافات والإعتبارات، يقول الشاعر:

بأي لون تريد ان تلبس الثوب*** إلاّ اني أعرف طول رعنا

واعلم ان الخلق صفة من صفات هذا الوجود والحياة احدى الصفات من صفات هذا الوجود والإرادة والقدرة وجملة الصفات كلها كذلك والسماء صورة من صور هذا الوجود والأرض صورة من صور هذا الوجود والجماد صورة من صور هذا الوجود والنبات والحيوان وجملة الصور كلها كذلك واللَّه اسم المجموع والجامع لصور وصفات هذا الوجود وهذا هو معنى لا إله إلاّ اللَّه(1).ومثال الشمع من عزيز الدين النسفي. وتأييدا لما ذكرنا فاستمعوا لكلام فيلسوفيين لاشك في فيلسوفيتهما العلامة الذي لا نظير له محمد تقي الجعفري والشيخ علامة الفلسفة المطهري حيث يبينان فهمهما للعقائد الفاسدة لهذه الفرقة.

فاسمع لكلام العلامة الجعفري:

1- لو أردنا أن نختصر الكلام فلابد أن نقول ان اللَّه في نظر هؤلاء عين الموجودات والموجودات عين اللَّه و قد بيّنوا هذه الوحدة بشكل من اللفافية واللف والدوران والرمزية والتشبيه بالشمع والتربة ومختلف الاساليب - كل ذلك لأجل اسباب الموافقة أو المخالفة - بحيث أنها خرجت عن جانبها العلمي والفلسفي ولا يمكن تحقيقها بالقوانين المتعارفة العقلية والقلبية....(2)

لو القينا كل المجاملات والتعصبات التي لا مجال لها وحققنا الحقيقة بعيدا عن الاغراض فسوف نصل بلا شك ولا ترديد إلى انّ البعض يعتقد باتحاد المبدأ وكل الموجودات بتمام المعنى بل لو أردنا أن نؤول بجدية فوق العادة وبمثابرات غير مباشرة كلمات هؤلاء فلاشك انّ عبارات وكلمات

ص: 27


1- - ممد الهمم: 39
2- - المبداء الاعلى: 2-71

عدة منهم غير قابلة لأي تأويل وتصحيح يعني سوف نقع في الحقيقة في تناقضات ومهزلة عبارات نفس القائلين بتلك العبارات.(1)

ونذكر خلاصة مقصودهم بعبارتين: اللَّه عين الموجودات والموجودات عين اللَّه يعني في الحقيقة والواقع لا يوجد أكثر من موجود واحد وهذا المنفي سواء كان اللَّه (كما في نظر الماديين) أو سائر الموجودات غير اللَّه (كما في نظر القائلين بوحدة الوجود) أو انّه اسمه اللَّه في نظر القائلين بوحدة الوجود أو اسمه المادة في نظر الماديين، إذن هنالك حقيقة واحدة والنزاع انما هو لغوي حقيقة نظير اختلاف اللَّه، خدا، تارى، گاد... وغيرها الذي يكون من جهة اللفظ فقط.(2)طريق القائلين بوحدة الوجود يختلف عن طريق الأنبياء والسفراء الحقيقيين للمبدأ الأعلى فهما طريقان تقريبا لا يرتبط أحدهما بالاخر وذلك فانّ الانبياء دائما يبلغون ويدعون إلى اللَّه الواحد الذي هو ماوراء سنخ هذه الموجودات المادية والصورية ويجعلون المعبود غير العابد والخالق غير المخلوق.

ونحن نبحث وباختصار هنا عن قسم اخر عن خواص هذا المذهب:

الف: من خواص هذا المذهب انهم يعتبرون انّ العقل والفهم والعلم والمعرفة كلها حجب مظلمة وان اكبر العلماء وفلاسفة عالم البشرية حسب رأي هذا المذهب أمثال الحيوانات التي لا تعقل.

ب - انّ العبادات والتكاليف انما هي وظائف لأجل تنظيم معاش البشر الدينيوي أو لأجل الوصول والإتحاد بالذات الإلهية ولو أنّ أحدا وصل إلى ذلك المقام فانه سوف تسقط عنه كل التكاليف الإلهية ويستدلون بهذه الآية (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) على ذلك في حين ان اي نبي من الانبياء اللَّه الحقة لم يرَ نفسه غير مكلف الى اخر نَفَس من حياته وكان يعمل بالشريعة إلى آخر عمره مضافا إلى ان هؤلاء الواصلين العظام قد اعترفوا بالشك والجهل غالبا عدا الحالات التجسميّة كما سيأتي بيانه.

ص: 28


1- - المبدأ الأعلى: 3-72
2- - المبدأ الاعلى: 4- 72

ج - انّ اختلاف العقائد في عالم البشرية لا معنى له عند هذا المذهب كما نقل هذا الشعر عن مشاهير هذا المذهب.

عقد الخلائق في الاله معتقدا*** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

فعبادة الأصنام وعبادة الشمس وعبادة النجوم وعبادة النار وعبادة فرعون وعبادة العجل وعبادة الحيوان وعبادة المادة وكل شي ء والكل في نظر هذا المذهب حق ومطابق للواقع وذلك لأنّ تمام هذه المفاهيم اجزاء مختلفة من اللَّه...(1)

كلام الشيخ المطهري

وإليك كلام علامة الفلسفة المطهري فاسمعه:يرجح العرفاء دائما السكر - بالمعنى الذي يقولونه - على العقل. انّ هؤلاء لهم كلام خاص فالتوحيد عند هؤلاء له معنى اخر فتوحيدهم هو الوحدة في الوجود فلو ان الإنسان وصل إلى ذلك فكل شي ء يظهر على شكل (كلام)آخر.

(ففي هذا المذهب الإنسان الكامل يصير في النهاية عين اللَّه، اصلا الإنسان الكامل الحقيقي هو اللَّه كل انسان حينما يصير انسانا كاملا فانه يفنى من ذاته ويصل إلى اللَّه)(2).

لقد سمعتم هذه الخزعبلات وقد أجبنا عنها في محاضرات مستقلة حدودا محاضرتان اختصت برد وابطال(اصالة الوجود و وحدة الوجود والتشكيك في الوجود والوجود الاطلاقي) وقد اشكلنا على ادلتهم وابطلنا مبانيهم واصولهم بشكل واضح وبيّنا تلك المباني التي هي خلاف الفطرة ولا دليل عليها من العقل بل منافية للعقل.

وقد سمعتم في كلمات العلامة الجعفري حيث قال ان من خصوصيات هذا المذهب انهم يعتبرون العقل والفهم والعلم والمعرفة كلها حجب.

ص: 29


1- - المبداء الأعلى: 74
2- - الإنسان الكامل( المطهري): 126

وحينذٍ نسأل القائلين بوحدة الوجود: أنتم في مذهبكم هذا حيث ترون كلّ شي ء حقيقة واحدة إذن فلا يُعلم كفر ولا كافر ولا مكّفِر؟ يقولون: طور وراء طور العقل يعني لا تفهم هذه الحقائق بالعقل ويسنخدمون لغة أنتم لا تفهمون وأمثال ذلك ولا يجيبون على هذا السؤال.

يقول الشاعر بالفارسية:

چونكه بى رنگى اسير رنگ*** شد موسى با موسى در جنگ شد

(ومعناه اللفظي: ان عدم اللون صارا اسيرا للون، فموسى صار في حرب مع موسى، والمراد هو الكناية عن ان كل شي ء هو شي ء واحد لا غير).

يريدون ان يقولوا ان حقيقة الوجود شي ء واحد وفي الواقع ان فرعون وموسى وجود واحد وحيث ان اللون تعيّن صار موسى وفرعون شيئا واحدا.ولانّ كل شي ء يخرج عن تعينه فهو ليس اكثر من شي ء واحد، ولا شك انّ هذه الكلمات غير صحيحة ومخالفة لأصول الوحي ولذا نؤكد دائما ان نجعل كلمات المعصومين في رديف الاراء البشرية على الأقل (والعياذ باللَّه) ونذهب نستمع إليها حتّى لا نقع في هاوية الظلمات ولا نقع في تلك الضلالات الإعتقادية العميقة والموحشة.

وضمناً علينا أن ننصب أمام اعيننا كلام مولانا أميرالمؤمنين (علیه السلام)حيث قال: ارجعوا إلينا فانّ اللَّه جلّ وعلا أمرنا بأن نخرج الناس من الظمات إلى النور إستنادا إلى الآية الأولى من سورة ابراهيم (لتخرج الناس من الظمات إلى النور) فقد حول هذه المسؤولية إلى محمّد وآل محمّد :

«ودققوا النظر في كلمات نهج البلاغة النيرة حيث قال: فالتمسوا ذلك من عند أهله فانهم عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق ».

انّ الائمة الاطهار(علیهم السلام): منبع العلم بهم تحيى البشرية وهم سبب لنفي الجهل والموت والهلاك هؤلاء الذين هم أركان الهداية والشهداء على الخلق ولا علم إلاّ عن طريقهم بل هم معدن الخير وعليكم بالالتفات إلى هذا الحديث:

ص: 30

عن محمد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر الثاني(علیه السلام) فاجريت اختلاف الشيعة فقال يا محمد ان اللَّه تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا الف دهر ثم خلق جيمع الأشياء فأشهدهم خلقها واجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاءوا إلاّ أن يشاء اللَّه تبارك وتعالى، ثمّ قال يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق ومن تخلف عنها محق ومن لزمها لحق خذها اليك يا محمد(1).وعلى هذا فمع هذه الروايات الكثيرة الامرة بالاعتصام بمحمد وآل محمد(علیهم السلام) فالمفروض أن لا نبتعد عن القرآن الكريم وعترة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الطاهرة وان لا نجفوهم.

ص: 31


1- (المترجم: ان المراد من هذا الخبر هو التفويض فيما يرجع الی امور الدين و بقرينة قوله× فهم يحللون...يعني ما يرتبط بامور الهداية و الحاكمية و قد اورد الكليني هذه الرواية في باب تفويض امر الدين للائمة^ لا التفويض في الخلق و الرزق و... الذي قالت به فرقة المفوضة و الا لو كان المراد ذلك فالرواية مخالفة للقرآن الكريم وللروايات الكثيرة و لاجماع الشيعة مع ضعف سندها فان الراوي للرواية هو محمدبن سنان وقد ضعفه ابن الغضائري قائلاً فيه «ضعيف غال يضع لايلتفت اليه»[1] وضعفه الشيخ في رجاله وقال في الفهرست «له كتب وقد طعن عليه وضعف الى- وجميع ما رواه والاّ ما كان فيه تخليط او غلو اخبرنا بها » وقال النجاشي عنه «وهو رجل ضعيف جداً لايعوّل عليه ولا يلتفت الى ما تفرّد به» وقال المفيد عنه «ومحمدبن سنان مطعون فيه لاتختلف العصابة في تهمته وضعفه ومن كان هذا سبيله لايعتمد عليه في الدين» وقال المفيد في كتاب له اخر في الجواب عن سؤال اخبار الاشباح «ان الاخبار بذكر الاشباح تختلف الفاظها وتباين معانيها وقد بنت الغلاة عليها اباطيل كثيرة وصنفّوا كتباً لغواً فيها واضافوا ماحوته الكتب الى جماعة من شيوخ اهل الحق وتخّوضوا في الباطل باضافتها اليهم من جملتها كتاب سمّوه «كتاب الاشباح والاظلة» نسبوه في تأليفه الى محمدبن سنان ولسنا نعلم صحة ما ذكر في هذا الباب عنه فان كان صحيحاً فان ابن سنان قد طعن عليه وهو متهم بالغلو فان صدقوا في اضافة هذا الكتاب اليه فهو ضلال لضلاله عن الحق» وقال الشيخ في الاستبصار «ومحمدبن سنان مطعون عليه ضعيف جداً وما يختص بروايته ولايشركه فيه غيره لايعمل عليه» ونقل الكشي عن حمدويه انه كتب احاديث محمدبن سنان عن ايوب بن نوح وقال لا استحل ان اروي احاديث محمدبن سنان ونقل ايضاً بسنده عن صفوان بن يحيى انه قال: ان محمدبن سنان كان من الطيارة فقصصناه وايضاً بسنده عن الفضل بن شاذان انه قال «لا استحل ان اروي احاديث محمدبن سنان» وذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه «ان من الكذابين المشهورين ابن سنان- قاموس الرجال ج9ص307»

اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني

تشكيك الوجود (1)

قالت الفلسفة اذا كان عندنا خط طوله متر واحد فمرتبة منه عشرة سانتيمتر ومرتبة اخری منه عشرون سانتيمتر وهكذا.

واذا كان عندنا خط بلا نهاية فكل طول محدود لحظت منه تكون مرتبة منه محاطة به والخط غير المتناه محيط بكل مراتبه.

واذا كان عندنا نور غير متناه فكل نور مفروض تكون مرتبه من مراتب ذالك النور غير المتناهية ويمكن فرض وجود نور في عرض ذالك النور غير المتناهية بل كل المراتب محاط بذالك النور غير المتناهية والنور غير المتناهية محيطة بكل المراتب المفروضه. وليست المراتب المختلفة من النور مركبة من نور وظلمة بل تكون مركبة من وجود وعدم ووجدان وفقدان اي من وجود مرتبة نفسها وعدم المراتب المحيطة بها كما ان موجاً من الماء واجد لمرتبة نفسه ولا يكون واجدا للماء المحيطة به وبغيره من الامواج ثم قس علی هذا كله امر الوجود وقل:

ان الحقيقة العينية التي تكون نفس العين الخارجية حقيقةً واحدةً غير متناهيه - وهي المسماة بصرف الوجود والوجود المحض والحقيقة البسيطة وبسيط الحقيقة، كل ذلك بمعنی الوجود غير المتناه الشامل لكل شيء المحيط بكل واقعيته وعينية - ولا شيء ولا موجود في حياله إلا انه مرتبة او حصة او جزء منه علی بعض التعابير - من ذلك الوجود غير المتناهي وهذا هو معنی تشكيك الوجود حيث إن كل مرتبة من مراتب ذلك الوجود غير المتناهي تشارك غيرها من المراتب في اصل الموجودية وتفارقها من حيث السعة الوجودية التي تسمی بشدة الوجود وعلی هذا كله فتكون كل

ص: 32

مرتبة من المراتب الضعيفة واجدة لنفس مرتبتها ومركبة من وجود نفسها وعدم ما فوقها من المراتب التي تكون اوسع منها الی ان يصل الی أعلی المراتب التي يكون شاملا وواجداً لكلالمراتب التي دونه بنحو اعلی واتم اي بنحو يشتمل عليه وعلی ما يفضل عليه. وهو واجب الوجود وما دونه من المراتب هو ممكن الوجود.

تشكيك الوجود (2)

لا شك في تغاير وجود كل شيء عيني ذي أجزاء - وهو كل ما سوی اللّه تعالی من مخلوقاته ومصنوعاته - مع مثله من سائر الاشياء المتجزية بنفس أجزائه المحققة لوجوده، كما أنه لا شك في تغاير وجود كل شيء مع كل جزء من أجزائه المحققة لوجوده بالاحاطة الوجودية والسعة والشمول والزيادة والنقصان.

وقالت المعرفة البشرية: إن هناك نوعا آخر من الغيرية توجد في تكثر الافراد في الحقايق البسيطة؛ يقولون: إن النور حقيقة بسيطة وله أفراد متعددة، بعضها أشد من بعض، وتباين كل فرد مع آخر يكون بنفس حقيقته البسيطة، وذلك حيث إن النور بسيط لا يمكن أن تتعدد أفراده بغير نفس حقيقة النور، فهي مشككة.

ويقولون: كذلك حقيقة الوجود، حيث إنه:

ألف) لا شك أن هاهنا تعددا وكثرةً.

ب) إن التحقق والعينية يكون لنفس حقيقة الوجود، وغيره لا يكون إلا اعتبارات وأوهام وخيالات.

ج) إن الوجود لا جزء له ولا خارج.

ويستنتجون من ذلك أنه لا بد وأن يكون تعدد أفراد الوجود بنفس حقيقة الوجود، فهي تكون ذات مراتب بعضها أشد من آخر، ويكون كل مرتبة شديدة هي الضعيفة بعينها مع زيادة وإن هذه المراتب لا تنتهي الی حد، فالمرتبة اللامتناهية المحيطة بكل المراتب هو: "اللّه الواجب الوجود". وهذا هو معنی تشكيك الوجود عندهم. ولكنهم كلما جهدوا أن يصوّروا عقيدتهم علی نحو يتمايز

ص: 33

عن الغيرية بالزيادة والنقصان عجزوا عن ذلك، وإنما ألجأهم الی هذه العقيدة الباطلة أيضا هو نفس اعتقادهم ب-"وحدة وجود الخالق والمخلوق" في مرحلة سابقة.فنقول:

1- إن المراد من البساطة إن كان هو بساطة المفهوم فلا ربط بين ذلك وبين نفي الكثرة عن الحقايق العينية الموجودة، وإن كان المراد منها هو بساطة مصاديق الوجود فيشهد العقل والبرهان بل ضرورة الحسّ والوجدان بخلافه، وذلك أنه لا معنی لادعاء بساطة ما بأيدينا من ذوات الاشياء والموجودات وهي متجزية مركبة قطعا، ولا ينكر ذلك إلا من يأتي بأوضح سفسطة في ما هو من أبده البديهيات، وكأنه خلط بين مفهوم الوجود - الذي يعتقد بساطته - وبين مصداقه العيني الواقعي الذي يقول بأصالته وإطلاقه وعدم تناهيه.

إن قلت: إن المراد من وحدة الموجودات هو كون كل حصة منها واحدة في عين أن وجودها متجزئ مركب غير بسيط ولا واحد.

قلت: هذا هو إقرار صريح ببطلان ادعاء: "كون مصاديق الاشياء والوجودات العينية واحدا بسيطا حقيقة لا اعتبارا".

2- إن القول "بأن هناك تعددا وكثرات واقعية"، لا يوافق مباني القائلين بوحدة الوجود، ولذا تراهم يصرحون في نهاية الامر بأن تعدد مراتب الوجود لا يكون أمرا حقيقيا بل هو أمر اعتباري صرف، فأين هذا من وجود المراتب المتكثرة المتعددة حقيقةً.

3- اجتماع التعدد والبساطة محال، حيث إن موضوع التعدد هو المقدار والاجزاء بالبداهة، والمتجزي لا يكون بسيطا لاستحالة اجتماع النقيضين.

4- إن "ما لا حدّ له يُنتهی إليه")من الموجودات المقدارية كالاجسام)(1)يكون محدوداً دائما، ولا توجد له مرتبة غير متناهية أبدا (وهو ما يسمّی ب- "اللا متناهي اللا يقفي")حتی نسمّيه "واجبا" أو "ممكنا" أو "إلها" أو "مألوها" أو غير ذلك.

ص: 34


1- - لايخفي ان الذات الالهية المقدسة لاتقاس بالحد لانها فوق الحد والنهاية وعدمها من صفات الاجسام والموجودات المقدارية- الناشر.

5- إذا فسرت "غيرية أفراد الوجود الطولية" ب-: "كون الوجود ذا مراتب في الطول، فبمَ تفسر" تعدد أفراد الوجود العرضية" (كتعدد أفراد ماهية نوعية)، وهي كلها في مرتبة واحدة؟!

إن قلت: إنما يفسّر ذلك أيضا ب-"التشكيك العرضي".

قلت: هذا جواب ينشأ من سوء فهم معنی التشكيك، وذلك أن معنی التشكيك هو كون ما في المرتبة العالية محيطا بما يكون في المرتبة الضعيفة، ولا يعقل إحاطة وجود فرد علی مثله الذي يكون موجودا في عرضه وفي مرتبته.

ولقائل أن يقول: حيث إن نفس معنی الشدة والضعف يفسر عندهم بالسعة الوجودية فحديث تقسيم الكثرة الی الطولي والعرضي موهوم من أصله وأساسه.

وهذا إشكال واضح علی القائلين ب- "اعتبارية الماهية" في مقابل القائلين بأصالتها ودليل قطعي علی بطلان القول ب-"أصالة الوجود" التي توهمته المعرفة البشرية، ولا مفرّ لهم عن هذا الاشكال بوجه من الوجوه.

هذا، وإن كنا نعتقد بأن بحث أصالة الوجود والماهية مشوب بأوهام كثيرة من أساسه كما يأتي إن شاء اللّه تعالی.

6) إنه لا معنی لاشتداد الوجود وكون بعض أفراده أقوی وأشد من البعض، بل كل ما سوی اللّه تعالی يجوز له الوجود والعدم علی حد سواء بلا ترجيح لاحد طرفي الوجود والعدم بالنسبة إليه بالذات، إلا أن تفسر الشدة والضعف بالزيادة والنقصان والكل والجزء وهو اعتراف صريح ببطلان كلّ ما أسسوه.

انتزاع مفاهيم متعددة عن مصداق واحد

إن للنفس أن تنتزع مفاهيم مختلفة عن أمر واحد، فلها أن تحمل مفاهيم ومعاني الوجود والماهية والوحدة والكثرة والامكان والمخلوقية و... علی شيء واحد، حيث إن مصداق ذلك كله امر واحد في الخارج وتلك الاوصاف متعددة متغايرة في العقل.

فإنه اذا جائك زيد فلك أن تقول:

ص: 35

جائني زيد، أو وجود، أو موجود، او ماهيه، او انسان، او واحد، أو كثير (بمعنی شخص ذو اجزاء متكثرة)، أو ممكن، أو مخلوق او ... وكل ذلك يشير الی مصداق واحد كما قلنا واما من حيث العقل فكل من هذه العناوين يفيد معنی غير المعنی الآخر. ونستنتج من ذلك كله بطلان قول الفلاسفة بان كل شیء ينتزع منه مفهومان فقط و هما الوجود و الماهية فضلاً عن قولهم بان الاصيل منهما يجب ان يكون احدهما!

ليس الوجود إلا الثبوت

الجعل اما تأليفي واما بسيط، الاول كما انك تجعل شيئاً موجوداً شيئاً آخر مثلاً تجعل العجين خبزاً والثاني هو نفس جعل الشيء وإيجاده لا جعل شيء شيئاً آخر وذلك كان يفرض أن يجعل جاعل ويوجد موجد شيئاً بلا سابقه وجودية وبلا مادة ومدة وحينئذ فالوجود هو نفس الثبوت والحصول في الخارج والعين لا جعل الشيء الموجود موجوداً وإلا لزم تقدم الشيء علی نفسه المحال. وعليه فالوجود ليس قيام شيء بشيء بل هو نفس الحصول والثبوت، واما من قال بان الوجود هو ما يثبت به الوجود لمكان اصالته واعتباريتها فقد خلط الماهية من حيث هي بالماهية العينية التي هي عين الوجود والموجود في الخارج ولا يتعددان إلا في العقل.

حقيقة مراد الباحثين من بحث الاشتراك اللفظي والمعنوي

قيل: إن بحث الاشتراك اللفظي والمعنوي علی النحو الذي قررناه يكون بحثا لفظيا وليس البحث اللفظي من شأن الفيلسوف، بل يكون مراد الفيلسوف من ذلك: أن الوجود في متن الواقع ليس إلا حقيقة واحدة محضة وليس هناك وجودات متباينة مختلفة بالحقيقة والواقعية.

قلت: هذا حق حقيق بالقبول ولكنه يخبرنا ذلك عن اللعب بالالفاظ والمعاني بل بالعلم والمعرفة مرة أخری وقد فعلوا ذلك مرارا عديده وذلك حين حرّف معنی العلة والمعلول الی غير حقيقتهما من الوجود الربطي وكون الشيء جزءا لغيره في الواقع دون كونه معلوله ومخلوقه الحقيقي، وحين أوّل

ص: 36

حقيقة معنی العلم الی الوجود، والارادة الی العلم والرضا والابتهاج، والخلقة الی الصدور أو التجلي والظهور، و... وفي النهاية غيّر اسم "وحدة الوجود" الی "أصالة الوجود".ردت الفلسفة علی القائلين بالاشتراك اللفظي بين مفهوم الوجود المحمول علی الخالق والخلق بلزوم التعطيل في معرفة اللّه.

ونقول: إنّه لم يتأمل في كلام القائلين بالاشتراك اللفظي حق التأمل حتی حمل كلامهم علی هذا الوجه السخيف الجاري علی لسان الرادين عليه، مع أن القائلين بالاشتراك اللفظي قد بينوا مرادهم منه بأوضح بيان، فإنهم قد صرحوا بتباين مفهوم الوجود المحمول علی الخالق والخلق من جهات بينوها ولكنهم في نفس الوقت صرحوا أيضا بأن الوجود علی أي معنی كان فهو يدل علی طرد العدم والنفي والبطلان. ومن البديهي أنه يكفي في بطلان القول بالاشتراك المعنوي وصحة ادعاء كون الاشتراك لفظيا هو وجود الاختلاف بين المعنيين بوجه من الوجوه. فلا وجه لالزام القائلين بالاشتراك اللفظي - وإن لم نكن نحن موافقين لهم ولنا مذهب ثالث في ذلك بيناه - بشبهة لزوم التعطيل، بل توهم ورود ذلك عليهم ناش إما من عدم المراجعة الی كلامهم، أو عدم التأمل فيه.

وعلی أي حال ليس للفيلسوف القائل بأصالة الوجود ووحدة حقيقته ان يبحث عن الاشتراك اللفظي والمعنوي أصلا بل هذا البحث يكون عنده منتفيا بانتفاء موضوعه حيث إن الموجود ليس له عنده الا مصداق واحد حقيقي والكثرات تكون عنده أوهاما واعتبارات.

هل للوجود غير ام لا

ان الوجود لا غير له اصلاً ان اخذ بالمعنی الاول الشامل لكل وجود وموجود وله غير بالبداهة ان اخذ بالاعتبار الرابع فمن حكم بانه لا غير للوجود مطلقاً قد غفل عن بعض الاعتبارات بالبداهة.

هل الشيئية تساوق الوجود ام لا؟

الشيئية تساوق الوجود بالمعنی الرابع والشيئية والوجود اعم من الشيئية والوجود بالمعنی الرابع فمن حكم بان الوجود يساوق الشيئية قد ذهل عن ملاحظة الاعتبارات المختلفة كما هي حقها.

ص: 37

و حيث إن الوجود والشيئية تساوي وتساوق الثبوت العيني والوجود الخارجي فقول المعتزلة بالواسطة بين الوجود والعدم المسمی بالثبوت باطل لانه لا واسطه بين الوجود والعدم بالبداهة وكذاقول العرفاء حيث يقولون بالاعيان الثابتة وثبوت الماهيات دون وجودها او عدمها وكذا القول بالثبوت النفس الامري الاعم من الوجود والثبوت الخارجي.

المراد من الماهية ومعانيها المختلفة

في مساوقة الوجود والماهية والشيئية

كل شيء ماهيته انيته وانيته ماهيته بالمعنی الرابع ضرورة اتحاد الوجود والماهية خارجاً وعينا واما بالمعنی الثالث فكل شيئ وماهيته غير وجوده اي ماهيته مجردة عن الوجود والعدم غير وجوده عيناً وخارجاً.

و اما الخالق تبارك وتعالی فلا ماهية له بالمعنی الثالث كسائر الاشياء اصلاً حتی يصح فرض غيرية وجوده وماهيته.

ثم اعلم ان ذاته عز وجل يتعالی عن الوجدان والفقدان ويمتنع ان ينسب اليها جهات متعددة فمن الباطل قول القائل: الواجب بالذات واجب من جميع الجهات وغير خال من جميع الكمالات!

في اصالة أو اعتبارية الوجود والماهيه (1)

إن صدق المفاهيم والاوصاف علی الذوات والأشياء تارة يكون اولاً و بالذات ودون الواسطة في العروض فهو صدق ووصف واستعمال حقيقي وقد يمثل لذلك بحركة السفينة في البحر، وقد يكون علی نحو المجاز ومع الواسطة في العروض وقد يمثل لذلك نسبة الحركة الی الجالس في السفينة حيث انه ليس متحركاً إلا بواسطة حركة السفينة فالاتصاف مجازي وليس حقيقتاً.

ثم انا قد نحكم علی الاشياء الخارجية تارة بانها حجر وشجر وانسان ومثلث وتفاح و... مثلاً وتارة اخری نحكم عليها بأنها موجود وثابت ومحقق، وحينئذ فلنا ان نسأل هل الحكم الاول حقيقة والثاني مجاز او الثاني حقيقة والاول مجاز ام كلاهما حقيقة ام كلاهما مجاز.

ص: 38

قد يقال الحمل الذي يكون اولا وبالذات ودون الواسطة في العروض فهو حقيقة والحكم الآخر مجاز وحيث ان الوجود يحمل علی الاشياء العينية اولاً وبالذات وعلی نحو الحقيقة فالوجود اصيلوحيث ان الحكم بان الشي حجر او شجرة ويكون ثانيا وبالعرض وعلی نحو المجاز فالماهية اعتبارية.

و نقول: الف) لا ربط لهذا البيان والتقرير بمراد الباحثين عن اصالة واعتبارية الوجود والماهية كما سيتضح ذلك عند التقرير الثاني عن البحث.

ب) الفرق بين الحكمين بالاصالة والاعتبارية والحقيقة والمجاز لا اصل له بل كل ذلك حقيقة ولا مجاز هناك اصلاً.

في اصالة أو اعتبارية الوجود والماهية(2)

هل إن مصداق الوجود وحقيقتة العينية منحصر في امر واحد غير متناه موجود لذاته غير قابل للانعدام لذاته وهو باعتبار عدم تناهيه ليسمي واجب الوجود وباعتبار كل مرتبة او حصه او جزء منه ليسمي ممكن الوجود؟ فيكون الوجود اصيلاً والماهية اعتبارية حيث إنه تفسر الماهية علی هذا المبني بتطورات الوجود التي ليست شيئاً بحيال الوجود أم ان مصداق حقيقة الوجود أفراد متكثرة متعدده متباينة حقيقة وواقعاً بحيث يكون وجود كل منها لا يرتبط بوجود وانعدام فرد آخر وعدم كل فرد منها لا يرتبط بوجود أو عدم فرد آخر منها ولكل أفرادها خالق غير كلها ومتعال عن وجود جميعها بحيث إن انعدم الجميع لا يضر بوجود الخالق شيئاً وذلك في عين انه علی الفرض الاول لا يمكن انعدام أي مرتبة او حصة او جزء من حقيقة الوجود غير المتناهية لانها مرتبة من مراتب وجود الله تعالی و علی المذهب الثاني فيكون لكل موجود عيني اصالته وتكون ماهيته ايضا عين وجوده.

الحق هو الثاني بلا ريب اقتضاء لأدلة اثبات تعالی وجود الخالق المتعال عن خلقه ومخلوقية ما سواه تعالی وكونه موجوداً بايجاده وقابلاً للانعدام باعدامه جل وعلا.

ص: 39

اصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد السادس

بحث مختصر حول أصول التفكير الصحيح للوصول

إلى المعرفة الصحيحة

الثالثة: حول الوجود الرابط و المستقل فنقول: إن الفلسفة ادعت ان العالم ظل الله جل وعلا و أنه مظهر وجوده تعالی؟ والجواب كالتالي: اماالتعبير بان العالم مظهر وجوده تعالى فاما ان يكون على سبيل الحقيقة واما

ان يكون على سبيل المجاز فان كان على سبيل المجاز بمعنى ان المعلول يدل على العلة فلا اشكال فيه فان الدخان علامة على وجود النار ومظهَرُ لوجودها وان الاثر علامة على وجود المؤثر وهكذا فانه تعبير سائغ عرفاً ولغةً.

واما لو كان هذا التعبير على سبيل الحقيقة (بمعنى ان الله سبحانه عزوجل ظهر بشكل انسان وسماء وارض وملك و...) او ان العالم بالنسبة لله جل وعلا كالظل بالنسبة للشخص وأن الظل قائم بذي الظل وتابع له والوجود حقيقة لذي الظل فقط دون ظله فلابد من النظر في صحة هذين المعنيين وقد وقع التعبير بكل من المعنيين في كلام الفلاسفة فتارة قالوا ان العلة حقيقة والمعلول مجاز وانه لاعلة ولامعلول بل ان الله سبحانه عزوجل لما كان في حالة القبض كان واحداً وحينما يكون في حالة البسط يكون سماءً وارضاً و و و او يُعبّر عن ذلك بالفتق والرتق وان حالة الظهور على شكل انسان وشجر وبقر هي الفتق وخلافها هو الرتق وتارةً قالوا: بان العالم وجوده وجود تعلّقي و رابطي

ص: 40

وقسموا الوجود الى المستقل والرابط فكما ان وجود النسبة بين طرفي القضية لا وجود له الا بطرفيه من الموضوع والمحمول فكذلك وجود المعلول انما هو قائمٌ بالعلة ولا وجود له حقيقة فهو كالظل للشخص.اقول: اما المعنى الاول وهو انه تعالى تمظهر(1) وتجلّى حقيقةً بهذه المخلوقات فنقول: هل تمظهر بغير وجوده ام بوجوده؟ فان تمظهر بغير وجوده نسأل ونقول هل تمظهر بوجودٍ غير وجوده ام بالعدم؟

والاول:«يعني ان تمظهر و تجلی بوجود غير وجوده» يستلزم وجود موجود غيرالله عزوجل وانه جل وعلا استمدّ منه وانه محتاج لغيره وبتعبير الفلاسفة يلزم تعدد القدماء وخروج الواجب عن كونه واجباً غنيّاً عمن سواه وكل ذلك باطل.

والثاني:«يعني ان تمظهر و تجلی بالعدم » فجوابه ان العدم ليس شيئاً حتى يتمظهر به مضافاً الى استحالة انقلاب العدم الى الوجود.وعلى كلا الفرضين يكون الله جل وعلا متغيراً ومحلاً للحوادث وهو باطل.

واما لو انه جل وعلا تمظهر و تجلی بوجوده لا بوجود غيره ولا بالعدم فمعناه ان كل ما في الوجود فهو وجوده ولازم ذلك ان جميع هذه الموجودات هي الله « جل وعلا » وحينئذٍ لا شيء غيره فليس في دار الوجود ديّار غيره على حد تعبير صاحب الاسفار(2) وهو معلوم البطلان كما تقدم بيانه.

واما المعنى الثاني وهو ان العالم ظل الله جل وعلا فهو مبني على القول بالوجود الرابط وفسّروه: بالذي يكون وجوده عين التعلق والربط ولا ينتزع منه انه ثابت وموجود بل هو نفس ثبوت

ص: 41


1- - كلمة تَمَظهَر يراد منها الاظهار يعني « استغفرالله» ان الله جل وعلا اظهر ذاته بهذه المخلوقات فتبدلت ذاته واصبحت سماءاً وارضاً وانساناً وشجراً وملكاً «والعياذ بالله»
2- - عارف وصوفي چه مي گويند(ماذا يقول العارف والصوفي)ميرزا جواد الطهراني ص118طبع بنياد بعثت ناقلا عن الاسفار لصدر الدين الشيرازي (ملا صدرا)ص184 المجلد الاول

شيء لشيء ونفس تعلق شيء بشيء لا ثبوت الموجود نفسه فلا يكون هذا الثبوت ثابتاً لغيره بل الذي يصح ان يقال: ان الثابت لغيره هو ذلك الشيء المضاف اليه الثبوت لا نفس الثبوت.(1)قالوا: ولو كان ثبوت الشيء الذي هو معنى الوجود الرابط يستدعي ان يقال له انه ثابت لغيره فهذا يحتاج الى ربط بينه وبين الغير الثابت له و ننقل الكلام الى هذا الربط الاّخر وهو ايضاً يستدعي ان يكون ثابتاً للغير فيحتاج الى ربط ثالث وهكذا فيذهب الى غير النهاية(2).

وذكروا ايضاً ان الوعاء الذي يتحقق فيه الوجود الرابط هو الوعاء

الذي يتحقق فيه وجود طرفيه(3) وان الوجودات الرابطة لاماهية لها لان الماهيّات هي المقولة في جواب ما هو فهي مستقلّة بالمفهوميّة والوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلاً بالمفهومية(4) و انّ من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد كوجود المعلول بالقياس الى علته(5) وان نشأة الوجود لاتتضمن الاّ وجوداً واحداً مستقلاً هو الواجب والباقي روابط ونسب و اضافات(6).

والدليل على الوجودات الرابطة بالمعنى المتقدم هو انّ هناك قضايا خارجيّة تنطبق بموضوعاتها و محمولاتها على الخارج كقولنا: زيد قائم والانسان ضاحك مثلاً وايضاً مركبات تقييديّة مأخوذة من هذه القضايا كقيام زيد و ضحك الانسان نجد فيها بين اطرافها من الأمر الذي نسميّه نسبة و ربطاً ما لانجده في الموضوع وحده ولا في المحمول وحده ولا بين الموضوع وغير المحمول ولا بين المحمول وغير الموضوع فهناك امر موجود وراء الموضوع والمحمول وليس منفصل الذات عن

ص: 42


1- - الفلسفة الاسلامية للمظفر صفحه 37 الطبعة الاولى الناشر: مؤسسة دارالكتاب-الجزايري
2- - المصدر السابق
3- نهاية الحكمة صفحه 29
4- المصدر السابق صفحه 30
5- المصدر السابق صفحه 30
6- المصدر السابق صفحه 31

الطرفين بحيث يكون ثالثهما ومفارقاً لهما(1)» والحاصل انه كما في قضيّة الانسان ضاحك ثلاثة اشياء وهي الموضوع والمحمول والنسبة القائمة فيهما وهي موجودة بوجود هما لا بوجود مستقلعنهما فكذلك زيد الذي هو معلول للذات الالهية المقدّسة فهو لا وجود له مستقل وانما وجوده تعلقي والوجودلله جل وعلا ووجوده مجرد نسبة واضافة ورابط واذا كان الرابط في القضايا الخارجية يحتاج الى موضوع ومحمول فهو لايحتاج الى طرفين في ما اذا كان الرابط معلولاً بل يحتاج الى طرف واحدة وهو العلة.

والدليل على ذلك هو وجود النسب والروابط في القضايا الخارجية المشتملة على الموضوع والمحمول واجاب الاستاذ مصباح اليزدي على هذا الدليل بقوله: لكن يُلاحظ عليه انّ ثبوت الموضوعات والمحمولات في الخارج لا يكفي دليلاً على ثبوت الرابطة كنوع من الوجود العيني والرابطة في القضايا ان دلّت على شيء خارجيّ فانّما تدل على اتحاد مصداق الموضوع والمحمول وهو اعم من ثبوت امر رابط بينهما فانّ اتحاد الجوهر والعرض او اتحاد المادّة والصورة في الخارج مثلاً لا يستلزم وجود رابط بينهما بل يكفي كون احدهما من مراتب وجود الاخر او كون احدهما رابطّياً بالنسبة الى الاخر والحاصل انّه لا يمكن بمثل هذا البيان اثبات الوجود الرابط في الاعيان(2)» وذكر ايضاً ان اللازم من كون المعلولات روابط و نسب واضافات لاماهية لها هو: نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً فقال: « فشمول هذا الحكم » يعني انها لا ماهية لها (للوجودات الامكانيّة العينيّة التي هي روابط بالنسبة الى الواجب جل وعلا مشكل جداً لاستلزامه نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً)(3)

اقول: ويكفي في بطلان فكرة الوجود التعلقي والربطي جواب الاستاذ مصباح اليزدي ونضيف على ما قال :

ص: 43


1- نهاية الحكمة صفحه 28
2- تعليقه على نهاية الحكمة صفحه 58
3- المصدر السابق صفحه 61

اولاً: لو ثبت الوجود الربطي في القضايا الخارجية « و هو محل خلاف عند العلماء » فايّ ارتباط له في كون ثبوت المعلول للعلة ربطيّاً وتعلقيّاً.ثانياً: انه قياس مع الفارق حيث ان الوجود الربطي في القضايا الخارجية انما هو في عالم الاعتبار وثبوت المعلول للعلة تابع لعالم التكوين والواقع وفرق بين العالَمين فعالم الواقع تابع لقوانين العقل وعالم الاعتبار تابع لجعل المعتبر وهو اوسع من عالم التكوين والواقع .

ثالثاً: ان الرابط في القضايا الخارجية قائم بطرفين هما الموضوع والمحمول فكيف قام هنا المعلول بطرف واحد وهو العلة؟ وما الدليل؟ اليس ذلك مجرد ادعاء بلابرهان؟

رابعاً: ان الوجود الرابط لا استقلال له بالمفهومية ولا ماهية له في حين ان وجود الممكنات واستقلالها بالمفهومية من اوضح البديهيات .

خامساً: ان الوجود الربطي مبتنٍ على السنخيّة بين العلة والمعلول وان وجود المعلول انما هو قطعة من وجود العلة وقد عرفتَ بطلان السنخيّة بين الذات الالهية المقدسة ومعلولاتها.

الاصل السابع

إن طبيعة الأحكام العقليّة، البديهيّة انها لا اختلاف فيها و لا تحتاج الی دليل و لا برهان فهل يعقل حصول الخلاف فيها، و إذا حصل فما هو الحلّ؟.

الجواب واضحٌ فأما أن تكون من البديهيات فالمفروض بمجرد تصورها أن تحظی بالقبول، و أما أن تكون غير بديهية؛ فلابد من البرهان عليها بالإعتماد علی البديهيّات و إلافهي غير ثابتة أو غير صحيحة. ولكن مع ذلك فقد وجدنا في الأمور البديهيّة حصول الإختلاف بين أكابر العلماء. و ادعی بعضهم ضرورية بعض القضايا و أنكر الآخرون، فما هو المخرج حينئذ؟.

نقول: إنه بالرجوع الی العرف العقلي، يعرف البديهي من غيره و العقلي من الوهمي.

ص: 44

و توضيحه: إنه يمكن الإختلاف بين اثنين في بداهة أمر معيّن، لكن لا يمكن أن يقع هذا الاختلاف بين عموم العقلاء. و لو كان هنالك اختلاف بين العقلاء حول بداهة أمر معيّن؛ يعلم أنه ليس من البديهيات، إذاً فبالرجوع اليهم يُفهم الحقّ و تعرف الحقيقة.

و لعله الی ذلك أشار القرآن الكريم في أكثر من آية في خطابه للبشر في كثير من الآيات ب- €أفلا تعقلون~.الاصل الثامن

لو دلّت ظواهر القرآن الكريم، و السنّة الشريفة؛ علی خلاف

مايحكم به العقل فالحكم للعقل، و يؤوَّل الظهور القرآتي. أما لو كانت دلالة القرآن أو السنّة الشريفة؛ قاطعة و صريحة، و غير قابلة للتأويل، و علی خلاف حكم العقل (فرضاً) فأيهما المتَّبع؟ علماً بأن القرآن الكريم قامت المعجزة علی صدقه و مطابقته للواقع، و هو برهان عقلي. و من هنا تعرف أن القرآن الكريم و السنّة الشريفة؛ هي المتَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّبعة و يشكّ في الحكم العقلي ، بعد تكذيب القرآن الكريم له. و يعلم أنه مما لم يحكم به العقل.

و الحقيقة ان وجود بعض الأوهام و الخيالات المدعی أنها من حكم العقل؛ صارت سبباً لحصول ما حصل من التضارب بين دلالة القرآن القطعية، و الحكم العقلي الوهمي حقيقةً.

الاصل التاسع

إنه بعد ثبوت المرسل و الرسول؛ يصح الإستدلال بلاشك و لا شبهة بالقرآن الكريم، و السنّة الشريفة لكشف الحقيقة و معرفة الواقع، لاسيما تلك الامور التي مما لا يصل إليها العقل.

و قبل ثبوت الرسول و المرسل؛ هل يمكن الأستدلال بهما (القرآن و السنّة)؟.

و الجواب يكون ايضاً بنعم باعتبار الاعجاز الذي يحظی به القرآن الكريم و هو دليل عقلي و علی فرض التنزل فليكن القرآن مرشداً و هادياً و مضيئاً للعقل الطريق.

ص: 45

السنخية ام العينية والاتحاد ام التباين؟ من محاضرات القاها الاستاذ السيد جعفر سيدان

في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله

مقدمة المترجم:(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:

الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.

الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.

والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.

الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس

ص: 46

وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)

المحاضرة الخامسة

... لقد وصل البحث بنا الى انه هل يوجد قائل بالاتحاد والعينية بين الخالق والمخلوق بالشكل الذي وضحناه أم لا؟ وهل في عرفان ابن عربي واتباعه من يقول بالعينية والاتحاد أم لا؟

المسائل التي لابد من تحقيقها حول بحث العينية العرفانية:

1- تثبيت هذه النسبة

2- الادلة العقلية للاتحاد والعينية

3- الادلة النقلية للاتحاد والعينية4- الاجابة على الادلة العقلية والنقلية والنتيجة هي نفي الاتحاد والعينية، ففي المحاضرات السابقة قد أثبتنا العينية للعرفاء من طريقين:

1- من خلال عباراتهم الصريحة في الاتحاد والعينية.

2- وعن طريق مسألة قوسي الصعود والنزول.

قسم آخر من عبارات العرفاء حول الاتحاد والعينية:

في هذه المحاضرة ارى من اللازم قراءة بعض العبارات الاخر لاجل اثبات هذه النسبة طبعا لابد من ملاحظة انّ كثيرا من الشخصيات المطلعة على الفلسفة والعرفان فهموا هذا المعنى من عبارات وكبار هذا الفن(العرفان) يرونه مخالفا للمعارف والمباني الالهية.

ففي مسألة العينية روح المطلب هو انه هنالك حقيقة واحدة فقط وهذه الحقيقة هي الوجود وحقيقة الوجود تتطور باطوار مختلفة وتتشأن بشئوون متنوعة وتتعين بتعينات متعددة فمع لحاظ التعين والتطور والتشأن لا يطلق عليها اسم الذات الالهية ولكن مع حذف لحاظ التطور والتعين والتشأن، فهي هو والتشأن والتعين والتطور امور اعتبارية.

وكلما حققنا اكثر وصلنا الى هذا الامر وان حقيقة ومحتوى وروح كلامهم هو انه هنالك حقيقة واحدة متطورة باطوار مختلفة مثل الانسان والحيوان والشجر والارض والقمر والملك و... ومع لحاظ

ص: 47

التطور والتعين فهي ليست هو وذلك لانه جلّ وعلا حقيقة سارية في الاشياء ولكن مع غض النظر عن هذا اللحاظ فهو جلّ وعلا قد تطور بهذه الاطوار مع تصريحهم ايضا بانّ التطور امر اعتباري.

العينية في كتاب ممد الهمم في شرح فصوص الحكم

لقد جاء في شرح فصوص الحكم: «وهذه الموجودات التي نراها هي مجموعة صفاته واسمائه ففي كلّ مكان وضعنا قدما فهنالك لمعة واشراقة تظهر منه بمعنى ان كل المراتب والمنازل والمراحل حقيقة واحدة والتشكيك في ذات المراتب».(1)وقال ايضا في توضيح عبارة ابن عربي »فاذا شهدناه شهدنا نفوسنا«ثم ان الحق وصف نفسه لنا بواسطة ومعونة صفاتنا فاذا نظرنا اليه رأينا أنفسنا وذلك لان ذواتنا بحسب الوجود عين ذاته(2) ولا تغايربين هذين الاثنين»ذواتنا واللَّه تبارك وتعالى« الاّ بالتعين والاطلاق حيث ان التعين في مراتب الممكنات من العقل الاول حتى الهيولى الاولى والاطلاق لجناب الوجود الذي (وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُحِيطٌ (3)).

فشمس الحقيقة تشرق على كلّ العالم وكانت التعينات الامكانية مثل المنافذ واذا شهدنا شهد نفسه وحيث انّ الحق يشاهدنا فانه يرى ذاته المتعينة الظاهرة فينا «فقل انه يرى نفسه فينا وذلك لاننا مرآة ذاته وصفاته »(4).

ص: 48


1- - ممد الهمم/1يكون التعبير في بعض الاحيان بالمرتبة وأخرى يقع التعبير بالتطور ولكن التعبير الغالب طبقا للقول بالوحدة التشكيكية هوالمرتبة وطبقا للقول بالوحدة الاطلاقية هو التطور والمقصود واضح على كلّ حال.
2- - والذي هو غيره نفس التطور والذي يعبر عنه بالماهية.
3- - البروج/ 20
4- - ممد الهمم/45يعني الفرق من جهة الاطلاق والتقييد ولذا تطرح هذه الاسئلة: هل للتطور والتعين واقعية بحيث يكون حملا للتكليف والامر والنهي أم لا؟ فاذا كان له واقع فالنتيجة انّ للوجود واقعيتين أحدهما واقعية الآمر والاخرى واقعية المأمور واذا لم يكن للتطور واقعية كما صرحوا بذلك وانما هو امر اعتباري فحينئذ يكون الحاصل هو انّ اللَّه جلّ جلاله يتظهر بهويات مختلفة ومتنوعة.

وايضاً يقول في شرح عبارة الفصوص «واما حكمة وصيته في نهيه اياه (لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) والمظلوم المقام حيث نعته بالانقسام وهو عين واحدة فانه لا يشرك معه الاّ عينه وهذا غاية الجهل»(1).هذا تنبيه لابنه ولكل من يسمع هذا الكلام بانتفاء الشريك في نفس العين (عين الوجود)(2) وذلك لان أمر الواحد الاحد ظاهر في جميع الصور اذن جعل احدى الصورتين شريكة للصورة الاخرى وجعل الشي ء شريكا مع نفس ذات الشي ء انّ هذا لظلم عظيم.(3)

وعلى هذا فالمطلب واضح والعبارات المتقدمة ناطقة به.

العينية في كتاب بيان السعادة

قد تجاوز البعض في تطبيق العينية الحدود حيث شرح العينية بشكل خاص لا يناسب ذكره حيث طرح العينية مع جزئيات قبيحة.(4)

ففي تفسير المنير المعروف ببيان السعادة حول تفسير الآية الشريفة (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)(5) يقول: »ولما كان اجزاء العالم مظاهرا للَّه الواحد الاحد القهار بحسب اسمائه اللطيفة والقهرية

ص: 49


1- - لابد من الدقة أكثر حتّى نفهم هذه العبارة فهي تقول ان مقصود القرآن الكريم (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) يعني لجهل عظيم وحيث ان المشرك يجعل عين الشي ء شريكا مع الشي ء ولا يمكن أن يكون عين الشي ء شريكا معه لانّه هو، هو، فمشرك الصنم و(كل من يعبد غير اللَّه) فقد جعل للَّه شريكا وجهله من جهة ان ذلك الشريك ليس شريكا للَّه جلّ جلاله بل هو عين اللَّه، فان الشي ء الذي جعل شريكا للَّه جلّ وعلا هو ذات الحق وعين هويته المتطورة بهذا الشكل ولذا فالشي ء الذي هو هو اذا ما اعطي اسم الشريك فانّه جهل (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) اي لجهل عظيم لانّ الشي ء الذي جعله المشرك شريكا هو عين الحق والحاصل انّ هنالك ظلما حصل للمقام وذلك لان المقام لا يتسع للشراكة لانه في كل مكان وكلّ شي ء هو لا انه له شريك، ففي الشرك قسم المقام الى الحق وشريكه في حين انه شي ء واحد، اذن المشرك لم يجعل له شريكا الاّ هو وهذا نهاية الجهل لذا فهو »ظلم عظيم« يعني جهل عظيم.
2- - حينما يكون شي شريك شي ء فمعناه انّ كل واحد منهما له حصة لا توجد في الآخر ولكن ههنا كلّ شي ء هوهو.
3- - ممد الهمم/ 508
4- - طبعا عبارة «فانّ العارف من يرى الحق في كلّ شي ء يل يراه عين كلّ شي ء» شرح القيصري على فصوص الحكم، الفص الهاروني/ 1096يشمل كل شي ء لكنه طرح ذلك بصورة عامة.
5- - الاسراء/ 23

كان عبادة الانسان لاي معبود كانت عبادة للَّه اختيارا ايضا.... فالانسان في عبادتها اختيارا للشيطان كالابليسية وللجن كالكهنة.... والملائكة كأكثر الهنود وللذكر والفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الانسان وفرجه... كلهم عابدون للَّه من حيث لا يشعرون، لانّ كل المعبودات مظاهر له باختلاف اسمائه ولذا قيل:

اگر مؤمن بدانستى كه بت*** چيست يقين كردى كه دين در بت پرستى است

ترجمته:لو كان يعلم المؤمن ما هو*** الصنم لتيقن انّ الدين عبادة الصنم

لكن تلك العبادة لما لم تكن بأمر تكليفي من اللَّه لم يستحقوا الاجر والثواب عليها بل استحقوا العقوبة والعذاب.(1)

طبعا ذكر هذا المعنى بشكل آخر الاّ انّه لم يذكر بهذا الشكل من الجزئيات مثلا في بيان القيصري والذي هو شرح لفصوص الحكم قد جاء بهذا الشكل:

«فالعالم باللَّه ومظاهره يعلم انّ المعبود هو الحق في اي صورة كانت سواء كانت حسية كالاصنام أو خيالية كالجن، أو عقلية كالملائكة»(2).

اعتبارية التطورات

ومن جانب آخر صرحوا بأنّ التطور أمر اعتباري لا انه حقيقة واقعية فلو كان حقيقة فهو حسن(3) يعني لو كان هذا التطور واقعيا وكان هنالك أمران واقعيان الآمر والمأمور فحسن جدا، فان هذا هو كل ما نريد ان نقوله من البينونة لكن في العرفان لا توجد واقعيتان بل تطورات وهي أمور اعتبارية وقد جاء في الاسفار:

ص: 50


1- -تفسير المنير، ذيل آية23سورة بني اسرائيل،422/1لكن حيث ان التشريع منع من هذا العمل فلا يصح هذا العمل والاّ فالواقع هو هذا وهنا تناقض بين الصدر والذيل سوف نذكره بعد ذلك
2- - شرح فصوص الحكم للقيصري، فص نوح/ 524
3- - وهذا يوجب بطلان كل مباني الفلاسفة والعرفاء.

«والثالث ملاحظة نفس تعينها المنفكة عن طبيعة الوجود وهو جهة تعينها الذي هو اعتباري محض(1)»

وهذه العبارات تثبت العينية والاتحاد التي نسبناها للعرفاء في المحاضرات السابقة.

نسبة العينية للعرفاء في كلمات بعض اكابر الفلسفة

يقول استاذ الفلسفة الشيخ المطهري في كتاب الانسان الكامل:«في هذا المذهب الانسان الكامل في النهاية يصير عين اللَّه اصلا الانسان الكامل الحقيقي هو نفس اللَّه(2)».

يقول آية اللَّه السيد محسن الحكيم حينما ينقل اقوال العرفاء:

«أقول: حسن الظن بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحة المأمور به شرعا يوجبان حمل هذه الاقوال على خلاف ظواهرها والاّ فكيف يصح على هذه الاقوال وجود الخالق والمخلوق والامر والمأمور به والراحم والمرحوم»(3).

فمن الواضح انه ايضا فهم العينية والاتحاد من عبارات العرفاء ويتضح هذا الامر من عبارات الاخرين انهم فهموا العينية من كلمات العرفاء، يقول العلامة الشيخ محمد تقي الجعفري(4) في كتابه المبداء الاعلى - وهو كتاب جدير بالمطالعة نوصي بمطالعته - :

«لو القينا المجاملات والتخطيات والتعصبات التي لا محل لها وحققنا الحقيقة المقصودة من نافذة بعيدة عن النوايا المغرضة في اثبات الاتحاد بين المبداء والموجودات بكامل المعنى فسوف لا يحصل لنا اي ترديد ان في افكار البعض من هذه المجموعة هذا الاعتقاد ولو أردنا تأويل كلمات

ص: 51


1- - الاسفار، 321/2
2- - الانسان الكامل/ 126طبعا ان الشيخ هنا ينقل هذا المطلب عن العرفاء.
3- - مستمسك العروة الوثقى، 391/1
4- - وهو قد بين كثيرا من المطالب حول هذا الموضوع في كتاب المبداء الاعلى بأشكال مختلفة فتارة بالاستدلال وأخرى بالمزاح ولديه هزليات من جملتها حيث يقول:«لوكان اعتقادك للاصل انه بالوحدة الشخصية للوجود والموجود فأنت اعلم اهل العصر ولو كنت لا تشخص الالف من الباء.... وبالعكس لو أظهرت رأيك حول وحدة الموجود فأنت من أجهل الناس ولو كنت أعلم أهل العصر» المبداء الا على/ 108و111فهو عنده هذه الهزليات ولكنا لا نطرح المطالب بهذه الكيفية بل بالشكل العلمي نحققها.

هؤلاء بجدية اكثر ومثابرة غير مباشرة فلا شك اننا سوف لا نستطيع بأي وجه من الوجوه تأويل وتصحيح كلمات عدة منهم وفي الحقيقة اننا سوف نبتلي بتناقضات وسخرية عبارات الناطقين بها...وحاصل مقصودهم يتم بيانه بكلمتين اللَّه عين الموجودات والموجودات عين اللَّه يعني في الحقيقة والواقع لا يوجد اكثر من موجود واحد»(1).

ويقول ايضا: «عباد الصنم وعباد الشمس وعباد النجم وعباد النار وعباد فرعون وعباد العجل وعباد الحيوان وعباد المادة والكل في اعتقاد هذا المذهب حق ومطابق للواقع»(2).

الحق خلق بالاجمال والخلق حق بالتفصيل.

ينقل العلامة الجعفري عن عبدالرحمن الجامي هذا الرباعي:

چون حق به تفاصيل و شئوون گشت*** عيان مشهود شد اين عالم پر سود و زيان

چون باز روند عالم و عالميان*** در رتبه اجمال حق آيد به ميان

الترجمة: حيث انّ الحق ظهر بالتفاصيل والشئوون، فاصبح مشهودا هذا العالم مملو بالنفع والضرر، وحيث يذهب العلم واهله، يرجع الحق الى رتبة الاجمال.

ويقول بعد ذلك:

في هذا الرباعي يتصور لواجب الوجود(اللَّه)حالتان: حالة الاجمال وحالة التفصيل، ففي حالة الاجمال هو اللَّه الذي يعبر عنه في بعض الأحيان بمقام الجمع وفي حالة التفصيل هو سائر الموجودات التي تلازم التعينات والتشخصات الامكانية.(3)

ص: 52


1- - المبداء والمعاد/ 72
2- - نفس المصدر/ 74
3- - المبداء الاعلى/ 57ويقول ايضا وبعض هؤلاء يفشون الاسرار احيانا «عقد الخلائق في الاله عقائدا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوا» المبداء الاعلى/84ويقول ابن عربي «فاياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم بالامر على ما هو عليه... فالكل مصيب وكل مصيب مأجور... ». اياك اياك حول اللَّه أن تعتقد عقيدة خاصة لانه غير محدود وان كل صاحب عقيدة فهو مصيب - شرح القيصري على فصوص الحكم فص هود/ .745 طبعا العلامة الجعفري تابع كلامهم بجدية وقال: كلام العرفاء في النهاية يطابق كلام الماديين. المبداء الاعلى/ .72 من المناسب ان يُتحقق عن صحة هذا الكلام وعدم صحته فاننا حينما ننقل كلاما من كتاب ليس بهذا المعنى ان كل ما يقال ويكتب فهو صحيح وذلك فانّ كلام غير المعصوم قابل للخطاء والاشتباه.

اذن المطلب واضح يعني النسبة الى العرفاء قد اتضحت من عبارته كما وقد وصلنا الى هذه النتيجة من جهات مختلفة وكذلك لو أردنا متابعة هذه المباني فالنتيجة الحاصلة هي هذه النتيجة يعني مسألة اصالة الوجود، وحدة الوجود، الاطلاق في الوجود - التي هي قسم من المباني - كلها تصل الى هذه النتيجة.

وصية وطلب:

أيّها الاعزاء مع ملاحظة الذي ترون من المناسب جدا ان تهتموا وتجددوا النظر في تحقيق المطالب فلو كانت المطالب غير الذي استفدناه وفي أي مكان فهمنا اننا اشتبهنا فمع كامل الاعتذار والشكر نرجع عما قلنا ولكن المطلب هو هذا وليس غيره واذا كان الحال كما ترون فعليكم بالاهتمام اكثر باحياء الطريقة التي بيناها وهي طريقة التعقل في الوحي وأن لا يكون حالنا بأن نكتفي باسم اهل البيت: بل لابد من الاهتمام بالمطالب وهل أنها تتفق مع مذهب أهل البيت بكل ابعادها أم لا؟

فلو كان المطلب واضحا فعلى الانسان أن يهتم اكثر، ولا تكفي المشاركة فقط والاستماع بل المهم هو تثبيت طريق التحقيق، طريقة التحقيق لابد وأن تكون على اساس العقل(1) الاّ أن مذهب الوحي لا يتنافى مع العقل وكل مكان كانت هنالك مطالب مثل جاء ربك و... فالوحي قبل الكل وأحسن من الكل قد بين هذه المطالب وأوضحها ولذا مع الحفاظ على مكانة العقل لابد وأن يعتنى بالوحي بالشكل الصحيح وأن يؤنس بالوحي حقيقة وبعد ذلك لا مانع من الذي نفهمه، نحن نعتقد انه استفاد من الوحي والاصول العقلانية(2) ثم تحرك نحو المسائل فسوف يصل الى الحق في اكثر المطالب.

ص: 53


1- - لقد أكدنا الآف مرات على مكانة وحجية العقل حتى لا يلصق بنا اننا القينا العقل الى جانب ولقد كررنا القول انه يجب أن تكون الحركة على اساس العقل وذلك لانا نعتقد ان مذهب الوحي لا يتنافى مع العقل.
2- - بالنسبة للاستفادة العقلانية من الوحي يجب ان لا نفسر كلمة عند الاستفادة من الآيات والروايات بالمعنى المضاد لها لغة وكذلك يحب أن لا يكون المبنى بالشكل الذي يكون البحث في (لا جبر ولا تفويض...) سالبة بانتفاء الموضوع حيث لا وجود لزيد حتى يكون هناك جبرا وتفويض.

التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء العلامة الشيخ علي الكوراني

المسألة: 15

ما هو موقفكم من الحشوية ؟

يرى بعض الباحثين أن الحشوية هم الحنابلة المجسمون ، ولهم قصص في التجسيم ، وفي جمع الإسرائيليات ونشرها ، وقد وصلت مزاعمهم إلى أن بعضهم رأى الله تعالى في الدنيا ، وأنه شاب أجعد الشعر ، أو رآه راكباً على جمل أحمر !

قال أبو زهرة في المذاهب الإسلامية:1/232: (قال ابن الجوزي في ذلك:

( رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح... فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب! ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة، ووجهاً زائداً على الذات ، وفماً ، ولهوات ، وأضراساً ، وأضواء لوجهه ويدين وإصبعين ، وكفاً ، وخنضراً ، وإبهاماً ، وصدراً ، وفخذاً ، وساقين ، ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من صفات الحدث .

ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا لانحملها

ص: 54

على توجيه اللغة ، مثل اليد على النعمة والقدرة ، ولا المجئ والإتيان على معاني البر واللطف ، ولا الساق على الشدة ، بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين! والشيء إنما يحمل على حقيقته إن أمكن ، فإن صرف صارف حمل على المجاز . ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة !! وكلامهم صريح فيالتشبيه ) .

الأسئلة

1 - ما رأيكم فيما قاله ابن الجوزي الذي هو من أئمة الحنابلة ؟

2- ما رأيكم فيما قاله ابن عساكر عن أجدادكم المجسمة الحشوية:

قال في كتابه تبين كذب المفتري:1/310:

( إن جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة مالم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد ، ولا تجوز به قادح في أصل الشريعة ، ولا معطل ، ونسبوا كل من ينزه الباري تعالى وجل عن النقائص والآفات ، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات، ويقدسه عن الحلول والزوال ، ويعظمه عن التغير من حال إلى حال وعن حلوله في الحوادث وحدوث الحوادث فيه ، إلى الكفر والطغيان ، ومنافاة أهل الحق والإيمان !!

وتناهوا في قذف الأئمة الماضين وثلب أهل الحق وعصابة الدين ، ولعنهم في الجوامع والمشاهد ، والمحافل والمساجد ، والأسواق والطرقات ، والخلوة والجماعات ، ثم غرهم الطمع والإهمال ومدهم في طغيانهم الغي والضلال ، إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى ، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية ، وترقوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمة الله عليه وأصحابه ، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القسم القشيري(رحمة الله)من مكة حرسها الله ، فدعا الناس إلى التوحيد وقدس الباري عن الحوادث والتحديد ، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل والسادة الأماثل .

وتمادت الحشوية في ضلالتها ، والإصرار على جهالتها ، وأبوا إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنه ينزل بذاته ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط ،

ص: 55

وعليه تاج يلمع ، وفي رجليه نعلان من ذهب ! وحفظ ذلك عنهم وعللوه ، ودونوه في كتبهم وإلى العوام ألقوه، وأن هذه الأخبار لاتأويل لها ، وأنها تجري على ظواهرها ، وتُعتقد كما ورد لفظها ، وإنه تعالى يتكلم بصوت كالرعد كصهيل الخيل ! وينقمون على أهل الحق لقولهم إن الله تعالى موصوف بصفات الجلال ، منعوت بالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة والكلام ، وهذهالصفات قديمة وإنه يتعالى عن قبول الحوادث ، ولا يجوز تشبيه ذاته بذات المخلوقين ، ولا تشبيه كلامه بكلام المخلوقين.

ومن المشهور المعلوم أن الأئمة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفروع كانوا يصرحون بهذا الإعتقاد ويدرسونه ، ظاهراً مكشوفاً لأصحابهم ومن هاجر من البلاد إليهم ، ولم يتجاسر أحد على إنكاره ، ولاتجوز متجوز بالرد عليهم ، دون القدح والطعن فيهم ، وإن هذه عقيدة أصحاب الشافعي ، يدينون الله تعالى بها ). انتهى. فما رأيكم ؟!

3 - ما هو موقفكم من الحشوية أول من سموا أنفسهم (أهل السنة) هل ترون أنهم أسلافكم من أهل السنة ؟!

4 - إذا كان اعتقادكم بالصفات الحسية لله تعالى اجتهاداً منكم ، فلماذا تحرمون الإجتهاد على غيركم ، وتحكمون بكفر أو ضلال من ينزه الله تعالى عن الصفات الحسية ؟!

المسألة: 16

يحرمون التأويل ويرتكبونه..وينفون المجاز ويستعملونه !!

قام مذهب ابن تيمية في التجسيم على أساس باطل هو تحريم تأويل صفات الله تعالى ووجوب حملها على ظاهرها الحسي المادي ! فقال إن يد الله في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(1) معناها أن الله تعالى له يد وهي جارحة كأيدينا ! وخالف بذلك المسلمين الذين قالوا إن معنى(يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) قدرته فوق قدرتهم , تعالى الله أن يكون حسياً له جوارح حسية مثلنا !

ص: 56


1- - سورة الفتح: 10

لكنك تراهم يرتكبون التأويل الذي حرَّموه عندما يضيق بهم الدليل ، خاصة عندما يصلون إلى فضائل أهل البيت (علیهم السلام)الذين لايحبونهم ، أو إلى مطاعن بني أمية الذين يحبونهم !

وقد اضطروا بسبب هذا الأساس الباطل إلى إنكار وجود المجاز في القرآن والسنة ، فكلالألفاظ بزعمهم يجب أن تحمل على معناها اللغوي المادي ، ولايجوز أن تحمل على معان مجازية ، أو تؤوَّل !

فعندما يقول القرآن أو الحديث (يد الله ، أو عين الله ، أو وجه الله) فمعناه عندهم أن الله تعالى له يد وعين ووجه حقيقةً لامجازاً ! وعندما يقول (كل شئ هالك إلا وجهه) فمعناه عندهم أن الله يفنى ويبقى وجهه فقط !!

لكن عندما يقول النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):(ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى. فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):من كنت مولاه فعلي مولاه). تراهم يحملون عليها مساحيهم ومعاول تأويلهم ، لكي يميعوا معناها !!

قال شيخهم ابن باز في فتاويه:4/382: (الصحيح الذي عليه المحققون (من هم هؤلاء المحققون؟!) أنه ليس في القرآن مجاز على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة ، وكل ما فيه فهو حقيقة في محله ) . انتهى .

الأسئلة

1 - نزل القرآن باللغة العربية وهي مبنية على الحقيقة والمجاز والكناية والتشبيه والإستعارة ، وغيرها من وسائل البلاغة وأساليبها ، وهذا من مالها وأسرار بلاغتها، فعن الإمام الصادق(علیه السلام) قال:(نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة).(1)وروي عن ابن عباس أنه قال:(نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة). (2)

وسأل المأمون الإمام الرضا(علیه السلام)عن قوله تعالى لنبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):{عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ

ص: 57


1- - ( الكافي:2/631 ) .
2- - (عصمة الأنبياء الفخر الرازي ص 112) .

لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}(1) فقال(علیه السلام): هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته ، وكذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَىالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين}.(2) فما هو دليلكم على نفي المجاز في القرآن ؟!(3)

2 - يلزم على قولكم بنفي المجاز في القرآن والسنة لوازم كثيرة باطلة ، لايمكنكم الإلتزام بها ! فكيف تفسرون قوله تعالى:{وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاهُوَ كُلُّ شَئٍْ هَالِكٌ إِلاوَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(4) ؟

هل تقولون والعياذ بالله إن الله يفنى إلا صورة وجهه ؟!!

3 - إن كنتم تعتقدون بحرمة التأويل فتحرمون تأويل الآيات المتشابهة! فلماذا تناقضون أنفسكم فترتكبون تأويل الآيات المحكمة التي تنفي التشبيه والتجسيم، ولا تأخذون بها بظاهرها ، وتحملون المتشابه على المحكم كما يفعل عامة المسلمين ؟!

من هذه الآيات المحكمة قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شئ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍْ وَكِيلٌ. لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. (5)

{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.(6)

ص: 58


1- - (سورة التوبة: 43) .
2- - (سورة الزمر:65) .
3- - (عيون أخبار الرضا×:2 /180) .
4- - (سورة القصص: 88) .
5- [4]- (سورة الأنعام: 102 - 103) .
6- - (سورة الشورى: 11) .

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلايُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}. (1)

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَالثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.(2)

{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}. (3)

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .(4) {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً}. (5)

{وَقَالَ الَّذِينَ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً}. (6)

{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}(7)

ص: 59


1- - (سورة ط-ه: 110) .
2- - (سورة البقرة: 22) .
3- - سورة الأعراف: 143 .
4- - سورة البقرة: 55 .
5- - سورة النساء: 153 .
6- - سورة الفرقان: 21 .
7- - سورة الاخلاص:4.

فلماذا تقولون إن التأويل حرام ، ثم تؤولون كل ذلك بالتشبيه ؟!

4- إذا كان القرآن كله حقيقة والتأويل فيه حرام ، فالسنة أيضاً كلها حقيقة والتأويل فيها حرام ! فما بالكم لا تتركون حديثاً للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)يخالف رأيكم إلا أعملتم فيه معول التأويل ؟!

5- ما دام التأويل عندكم حراماً منكراً ، فما ينتج عنه حرام ومنكر ! فكيف تستندون فيتفسيركم للقرآن والسنة الى تأويلكم أو تأويل المتأولين ، وتبنون مذهبكم على الحرام والمنكر ؟!

6- ما دام التأويل عندكم حراماً منكراً ، فلا فرق بين أن ترتكبوه أنتم أو يرتكبه غيركم ، فما بالكم تبحثون عن شخص أول الآية أو الحديث فتستندون اليه ؟! أليس مثلكم في ذلك كمن أفتى بتحريم ذبيحة ثم بحث عمن يحللها لكي يأكل منها ؟! وهل سمعتم بالطلمنكي المؤول الذي وجده إمامكم ابن تيمية وإمامكم ابن باز؟! قال ابن باز في فتاويه:1/148: (قال أبو عمر الطلمنكي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى ( وهو معكم أين ما كنتم ) ونحو ذلك من القرآن أنه علمه ، وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كما نطق به كتابه ). انتهى .

فقد استند ابن باز كإمامه الى تأويل الطلمنكي ، والى إجماع المسلمين عليه ، الذي ادعاه الطلمنكي !

فإن صح إجماعهم فهو إجماع على التأويل ينقض تحريمكم له ، وإن لم يصح ، فلا ينفعكم تأويل الطلمنكيين ! فما رأيكم ؟!

المس--ألة: 17

ما رأيكم في هذه الأحاديث الموضوعة ؟

أما نحن وعامة المنزهين من المسلمين ، فنعتقد أنها أحاديث وأقوال موضوعة لتأييد مذهب كعب الأحبار ، وأمثاله من المشبهين والمجسمين ، وإن صح شبيه لها فلا بد من تأويله ، لأن القاعدة اللغوية تقول يحمل اللفظ على معناه الحقيقي ، حتى يمنع مانع لفظي أو عقلي فيحمل على المجازي:

قالوا: إن الله تعالى له سمع وبصر كسمع الإنسان وبصره .

ص: 60

وقالوا: رأى النبي ربه شاباً أجعد واقفاً على أرض خضرة، يلبس نعلين من ذهب!

وقالوا: له عينان سالمتان ، أما الدجال قعينه عوراء .

وقالوا: له أيدي وأعين ورجلان ... وأعضاء .وقالوا: قد يكون له أذن وقد يكون بلا أذن ، لكن له جنب وحقو .

وقالوا: إنه يمشي وقد يركض ويهرول .

وقالوا: إنه تعالى يرى بالعين في الدنيا .

وقالوا: إنه يلبس قباء وجبة ويركب على جمل .

وقالوا: إنه فتى أمرد جعد الشعر يلبس نعلين من ذهب .

وقالوا: إنه يغضب كغضب الانسان وإنه يضحك في الدنيا والآخرة .

وقالوا: إنه يظهر لعباده ضاحكاً .

وقالوا: إنه ضحك لطلحة وسعد .

وقالوا: إنه يضحك .. ويظل يضحك .

وقالوا: منطقه كالرعد ، وضحكه كالبرق .

وقالوا: يظهر متجسداً لأبي بكر خاصة .

وقالوا: يجلس على العرش ولعرشه أطيط وصرير وأزيز من ثقله .

وقالوا: إنه تعالى أثقل من الحديد .

وقالوا: الشمس تذهب كل يوم إلى تحت العرش .

وقالوا: حملة العرش حيوانات كما في التوراة .

وقالوا: حملة العرش ملائكة صوفية يتكلمون الفارسية .

وقالوا: جالس على كرسيه وغائب عن العالم ، وحوله الأنبياء على كراسي .

وقالوا: يجلس أبو بكر على كرسي عند العرش .

وقالوا: يجلس صاحب أحمد بن حنبل على سجاد العرش .

وقالوا: جنة عدن مسكن الله تعالى وعرشه فيها .

ص: 61

وقالوا: يرى بالعين في الآخرة وإن رؤيته بالعين من أكبر اللذات .

وقالوا: يكشف عن ساقه بل عن ساقيه ، ويعفو عن المنافقين .وقالوا: إنه يجلس على الجسر ويضع رجله على الأخرى .

وقالوا: لاتمتلئ النار حتى يضع الله رجله فيها .

وقالوا: إن الله تعالى جسم ينزل إلى الأرض كل ليلة .

وقالوا: إنه تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان ، ويوم عرفة....!!

إلى آخر مقولاتهم وافترائهم... !!

الأسئلة

1- ألا ترون أن أحاديث التشبيه والتجسيم إنما يرويها المتأثرون بالثقافة اليهودية ، الذين سماهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(المتهوكون) وحذر المسلمين منهم؟!

2 - ما الذي تقبلونه من هذه النصوص ، وما الذي تكذبونه ؟

3 - عندما ينزل الله إلى الأرض بزعمكم ، هل يصعد أم لا ؟

4 - تزعمون أن معبودكم ينزل كل ليلة ، والأرض دائماً عليها ليل ، فبأي توقيت ينزل ؟

المسألة: 18

قولهم بالثنائية بين ذات الله تعالى وصفاته

صفات الله الذاتية عندنا عين ذاته سبحانه وتعالى ولا اثنينية بينهما ، بينما قال المخالفون إن صفاته غير ذاته ، ويلزم من قولهم أن تكون الذات الإلهية المقدسة مركبة من جزءين ، لأن الصفات شئ والذات شئ آخر !

قال الصدوق(رحمة الله)(1) ، عن هشام بن الحكم من حديث الزنديق مع الإمام الصادق(علیه السلام)، فكان من قوله(علیه السلام)أن قال له:

ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلا بد من فرجة بينهما حتى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما ،

ص: 62


1- -كتاب التوحيد ص243 .

قديماً معهما ، فيلزمك ثلاثة ! فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الإثنين ، حتى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً ، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثره ) !!وقال(1) : ( أن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه ، قالوا يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين(علیه السلام): دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لايجوزان على الله عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه ، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لايجوز ، لأن مالا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال ( ثالث ثلاثة ).

وقول القائل: هو واحد من الناس ، يريد به النوع من الجنس ، فهذا ما لايجوز عليه لأنه تشبيه ، وجل ربنا عن ذلك وتعالى.

وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا ، وقول القائل: إنه عز وجل أحديُّ المعنى ، يعنى به أنه لاينقسم في وجود ولاعقل ولاوهم . كذلك ربنا عز وجل ) . انتهى.

وقد نتج من قولهم بالإثنينية أنهم قالوا إن القرآن كلام الله فهو جزء من ذاته تعالى ، وهو قديم غير مخلوق ولا محدث !

ورد عليهم أئمة أهل البيت(علیهم السلام)بأن القرآن كلام الله تعالى وهو محدث مخلوق ، وليس معنى كونه كلام الله تعالى أنه جزء من ذاته ، بل معناه أنه تعالى خلقه وارتضاه ونسبه إلى نفسه .قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}.(2)

الأسئلة

1 - مادامت صفات الله تعالى غير ذاته عندكم ، فأيهما كان قبل الآخر ؟

2 - إذا كانت صفات الله تعالى غير ذاته يلزم أن يكون تعالى مركباً من أجزاء ، فهل تلتزمون

ص: 63


1- - ص83 .
2- - (سورة الأنبياء:2) .

بلوازم ذلك ؟3 - كيف تفسرون قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}.(1)

المسألة: 19

ما هو موقفكم من علماء المذاهب الأربعة وأتباعهم ؟

وقف أئمة المذاهب قديماً ، ثم في عصرنا ، ضد مقولة التشبيه والتجسيم التي ظهرت في الحنابلة ، وضد ابن تيمية الذي أحياها . وقد ألفوا في تنزيه الله تعالى ونفي تشبيههم كتباً متعددة ، ومن أشهر مؤلفيهم من غير الشيعة: البيهقي ، والسبكي الشافعي ، وابن الجوزي الحنبلي ، والفخر الرازي الأشعري، والمهدي ابن تومرت المالكي ، وغيرهم ، وغيرهم .

الأسئلة

1 - هل تحكمون بكفر أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم أو بضلالهم ، لأن أكثرهم أشعرية ، وبعضهم معتزلة ؟

2 - وهل تحكمون بكفر علماء الأشاعرة ، لأنهم قامت عليهم حجتكم ، وبكفر عوام الأشاعرة إذا قامت عليهم حجتكم فلم يقبلوها ؟!

3- ما رأيكم في الأحاديث الكثيرة التي تبطل مذهبكم في التشبيه ، والتي رواها البيهقي في كتابه الأسماء والصفات وغيره ، هل تردونها أم تؤولونها ؟!

المسألة: 20

إسقاطهم لعقيدتهم بالتشبيه والتجسيم على الشيعة !

قال ناصر القفاري في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية:2/527:

الفصل الثالث :عقيدتهم في أسماء الله وصفاته .

للشيعة في هذا الفصل أربع ضلالات :

ص: 64


1- - (سورة الأنبياء: 2) .

الضلالة الأولى: ضلالة الغلو في الإثبات ، وما يسمى بالتجسيم .الضلالة الثانية: تعطيلهم الحق جل شأنه من أسمائه وصفاته .

الضلالة الثالثة: وصف الأئمة بأسماء الله وصفاته .

الضلالة الرابعة: تحريف الآيات بدافع عقيدة التعطيل للأسماء والصفات .

وسأتوقف عند كل مسألة من هذه المسائل الأربع وأبين مذهب الشيعة فيها من خلال مصادرها إن شاء الله .

المبحث الأول: الغلو في الإثبات (التجسيم):

اشتهرت ضلالة التجسيم بين اليهود، ولكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الروافض، ولهذا قال الرازي(؟): اليهود أكثرهم مشبهة ، وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم الجواليقي ، ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر الأحول(1).

وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الإثنا عشرية في الطليعة من شيوخها ، والثقات من نقلة مذهبها (2) . . . وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال:(وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم). (3)

وقبل ذلك يذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن أوائل الشيعة كانوا مجسمة ، ثم بين مذاهبهم في التجسيم ونقل بعض أقوالهم في ذلك إلا أنه يقول بأنه قد عدل عنه قوم من متأخريهم إلى التعطيل.(4)

وهذا يدل على أن اتجاه الإثني عشرية إلى التعطيل قد وقع في فترة مبكرة ، وسيأتي ما قيل في تحديد ذلك.(5)

وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. يقول عبد القاهر البغدادي: زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه...(6) .

ويقول: إن هشام بن سالم الجواليقي مفرط في التجسيم والتشبيه لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان... وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان.(7) وكذلك ذكر أن يونس بن عبد الرحمن

ص: 65

القمي مفرط أيضاً في باب التشبيه ، وساق بعض أقواله في ذلك.(8) وقال ابن حزم: ( قال هشام إنربه سبعة أشبار بشبر نفسه ).(9) انتهى .

وقال في هامشه: (1) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 97 . (2) أنظر محسن الأمين/ أعيان الشيعة:1/106 . (3) منهاج السنة :1/20 . (4) أنظر :مقالات الإسلاميين:1/106 – 109 .(5) في المبحث الثاني . (6) الفرق بين الفرق ص65. (7 ) المصدر السابق :ص 68 69 . (8 ) السابق ص 70 . (9) الفصل :5/40 .

الأسئلة

1 - وعد القفاري أن ينقل نصوص عقائد الشيعة من مصادرهم ، فلماذا لم ينقل أي نص من مصادرهم ؟!

2 - ما حكم الشيخ الذي يكذب ؟ فالمصدر الشيعي الوحيد الذي نقل منه القفاري هو كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ، وعند مراجعته وجدناه لايتعلق بالموضوع أبداً ؟!

3 - ما حكم الشيخ الذي يدلس؟ فيقول: (قال الرازي) ، فيوهم أنه الفخر الرازي المعروف ، لأنه هو المتبادر إلى الذهن من اسم الرازي مجرداً ، فهل تعرف من هو الرازي الذي نقل كلامه في اتهام الشيعة ؟!

4 - ما هو الفرق بين(توحيدكم)وما نسبتموه الى هشام بن الحكم وتلاميذه من التشبيه والتجسيم؟!

ص: 66

زواج المتعة في الاسلام ابوجعفر الكاظمي

نكاح المُتْعة (بضم الميم وسكون التاء) ومعنى المتعة: الإنتفاع واللذّة، وذلك لأن الغرض الأصلي من النكاح؛ طلب النسل وله شُرِّع النكاح الدائم.

وقد يضطر الرجل والمرأة في أحوال خاصّة الى المعاشرة والمراودة واستفادة أحدهما من الآخر والإنتفاع واللذّة، ولاسيما؛ في الأسفار، ولمن لايستطيع تهيئة بيت وتشكيل عائلة؛ لفقر أو اشتغال، أو لايرغب في ذلك، وفي حال المرض والحاجة الى ممرضة لايقوم مقامها رجل.

ومن أجل هذه الحاجات شُرِّع نكاح المتعة، وفي تشريعه جرى مع الطبيعة، ومَنْعُه مُعاكَسَة لها. وقد عرفت في أول باب النكاح أن القوانين الصالحة ماسايرت الطبيعة وأصلحتها، والضارّة ماخالفتها وعاكستها .

ص: 67

فتشريع نكاح المتعة من أفضل القوانين التي تعود على البشر بالصلاح والسعادة، وتجلب له اللذّة، وتدفع عنه الأضرار البدنيّة والإجتماعيّة؛ لأن الولد المتولّد من نكاح المتعة كالمتولِّد من النكاح الدائم؛ تجب على أبيه تربيته ونفقته ويرثه، بخلاف المتولد من الزنا فإنه عار على أبيه وأمّه؛ لامربّي ولامنفق ولا إرث له، مُفْتَقَر مُهان مُحتقَر دون أن يكون قد جنى جناية أو اقترف إثماً.

والمقصود من المتعة أن لايقع المسلمون في الزنا، وفي الزنا؛ شيوع الأمراض الزهريّة وهي من أضرّ أنواع الأوبئة المهلكة. وليس ذلك في نكاح المتعة؛ لِمكان العدّة، وهي مانعة عن تولّد الأمراض الزهريّة، وموجبة لبروزها في المبتلاة بها مدّتها فيُتحرَّز منها.

غاية الأمر أن عدّة المتمتَع بها أقل من عدّة المطَلَّقة بعد النكاح الدائم. فإن عدّة المتمتَع بها مقدّرة بقدر مايُحتاج اليه من دفع الضرر وإختلاط النسل؛ وهي حيضتان لمن تحيض، وخمسة وأربعون يوماً لمن لاتحيض وهي في سن من تحيض. وهذه المدّة كافية لمنع اختلاط المياه الموجب للأمراض الزهريّة، وعدم معرفة أب الولد، ولبروز الحمل؛ فتمتد العدّة الى وضعه، فيُكلّف أبوه بالقيام بشؤونه.والنكاح الدائم لايفكّه إلا الطلاق، فتكون الزوجة أسيرة بالعقد لا اختيار لها، محبوسة عند الزوج وإن كرهت معاشرته. وفي نكاح المتعة؛ لاسبيل للزوج على الزوجة بعدّ المدّة، فهي أملك لنفسها بعد إنقضائها؛ إن شاءت تزوّجت به ثانية، وإن شاءت فارقته .

فنكاح المتعة حِفْظٌ لحقوق المرأة وحرّيتها، وإن كان في الدائم وجوب نفقة الزوجة على الزوج. ومن النساء مَن تُقدّم الإحتفاظ بالحريّة والإختيار على الإنتفاع المالي، حتى أن بعض النساء لايرغبن في الزواج حذراً من هذا القيد؛ فتُحرَم اللذّة والولد. وفي نكاح المتعة مندوحة لمن هذا شأنها من النساء.

وقد يرغب الزوج والزوجة بإختبار كلٌّ صاحبه مدّة طويلة، قبل الوقوع في قيد النكاح الدائم. ولهما في نكاح المتعة أن يشترطا عدم الوطي في تلك المدة إلا مع الرضا، وينتفعان بما سواه من أنواع المعاشرة والإستمتاع .

والمدّة في نكاح المتعة غير محدودة؛ فيمكن أن تكون ساعة أو يوماً أو شهراً أو أكثر، بقدر ما يرغبان فيه زمن المعاشرة. والمهر لابدّ أن يسمى فيه وإن قلَّ، ولو لم يُسمّ بطل؛ لأن الغرض منه

ص: 68

الإنتفاع فهي كالأجيرة، بخلاف الدائم؛ فإن الغرض منه الولد، لذلك يصحّ مع عدم تسمية المهر، كما سيأتي في فصل المهور.

لهذه المصالح شُرِّع نكاح المتعة: فنصّ عليه القرآن الكريم، وحثّت عليه السنّة من طريق أهل البيت عليهم السلام، حتى ورد فيها؛ أن سقوط قطرات ماء المغتسل من المتعة مغفرة لذنوبه، وأن الله حرّم الخمر على هذه الاُمّة وأباح لهم بدلها نكاح المتعة؛ أي حرّم عليهم لذة فاسدة مُفسدة وشرّع بدلها لذّة صالحة مُصلِحة.

ومن عجيب حال الإنسان أن نراه؛ متناقضاً في الرأي، مختبطاً في الفكر، مُخلِطاً في الأحكام! نرى قوماً يضجّون من مفاسد الزنا، ومع ذلك يُحرِّمون تعدد الزوجات، والطلاق، ونكاح المتعة! وإن تحريم هذه الثلاثة يوجب الوقوع في الزنا قهراً. ويستحيل مع طبيعة الإنسان وحاجاته؛ أن يُرفع الزنا المشين إلا بإباحة الطلاق وتعدد الأزواج ونكاح المتعة .والذين يعترضون على نكاح المتعة يُجرونه بأسماء أخر، وقلّ من لايختص بإمرأة في (أوربا، وأمريكا) ويُسمونها (مترس) وأعجب من هذا؛ حال بعض المسلمين وهم يقرأون القرآن، وينظرون في أحاديث أهل البيت(علیهم السلام) المتواترة، ويرون مفاسد الزنا، ومع ذلك يُحرِّمون نكاح المتعة، ويطلبون أمراً محالاً؛ وهو رفع الزنا مع المنع من نكاح المتعة! مع أنهم يعترفون أنه كان مباحاً زمن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، والخليفة الأول الى أواسط حكم الخليفة الثاني؛ حيث حرّمه ومتعة الحج. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة من غير طريق أهل البيت(علیهم السلام) أيضاً، وكان ذلك إجتهاداً منه؛ لأن الله لم يُطلعه على شي ء من الغيب، كما أطلع رسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). فلم يكن يعلم بتطور الزمان وشدّة الحاجة في مثل هذا العصر الى نكاح المتعة، بل توقُّفُ المصلحة الإنسانيّة عليه. فما كان يرى إلا ماحضر؛ فحرَّم ما أحلّه الله تعالى على لسان رسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)... (والمصلحة الانسانية توجب جوازه-الناشر) وسدّ دور البغاء العلنيّة والسرّية، ومنع المتاجرة بالرقيق الأبيض. تلك الأعمال التي شوّهت وجه الإنسانيّة وجعلتها ترزح تحت عب ءٍ ثقيل، لاتنجو منه إلا بإلغائه أو الهلاك .

والأجدر بروّاد المصلحة وطالبيها للأنسان أن يملكوا من حريّة الرأي ماملكه إبن عمر؛ فإنه كان يُكثر من التمتّع بالنساء، فقيل له في ذلك وذُكر له تحريم أبيه إيّاها فقال: إنّما أخذت بقول أبي؛ لأنه

ص: 69

قال: متعتان كانتا مُحللَتين على عهد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأنا محرّمهما، ومعاقب عليهما. فأنا آخذ بروايته وأترك له رأيه.

هذا القول من مثل إبن عمر يجب أن يُعتبَر؛ فيجري عليه العلماء(من ابناء العامة) فلا يُقلّدوا ذا رأي مهما كان، بل يأخذوا بقول الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بعد القرآن، ولايقودهم التعصّب لشخص الى نبذ الحديث والكتاب، وتضييع المصلحة وجلب المفسدة. فإن هذا لايليق بإنسان، ولاسيّما بأهل العلم، ولئن كان بعض أهل القرون الوسطى على ذلك، فالواجب أن يُنزّه عن مثله أهل هذا العصر؛ الذي أصبح لحريّة الرأي فيه أعظم قيمة.... و لمّا أعلن المأمون إباحة المتعة، وخاطب عمر بقوله من أنت ... حتى تُحرّم ما أحلّه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟ قام يحيى بن أكثم(المعروف بالانحراف) في وجهه وصار يطوف البلاد، ويحرض عليه الناس، ويعيب عليه تحليله ما حرّمه عمر، وإن أحله رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وهذا الجمود والتعصب مما يُذهب المصلحة ويجلب المفسدة ويُنافي خاتمية رسالة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للرسالات والنبوّات؛ لأن معنى الخاتميّة أهلية الشريعة لإدارة البشر وسدّ حاجاتهم، وإن تطوروا وتبدلت أحوالهم وتغيّرت إجتماعاتهم، فعلى العلماء أن يكونوا كابن عمر غير مقلِّدين، يفتون بما وافق الكتاب والسنّة وإن خالف آراء آبائهم، ولا يكونوا من الذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على اُمّة وإنّا على آثارهم مهتدون. وعلى اُمراء المسلمين أن يملكوا من الجرأة في سبيل المصلحة ما ملكه المأمون، فَيُقِرّوا القوانين الصالحة المتّخذة من الكتاب والسُنّة وإن خالفت قوانين مَن تقدَّمهم؛ وبذلك يتم الصلاح ويُنفى الفساد. وإن حرمان البشر من مصالح نكاح المتعة إحدى سيئات سدّ باب الإجتهاد، وحصر التقليد في أربعة(مذاهب).

وصيغة عقد المتعة، أن تقول المرأة للرجل: زوّجْتُكَ نفسي مدّة كذا على مهر كذا، قاصدة للإنشاء، فيقول الرجل: قبِلتُ؛ قاصداً للإنشاء، ولو بدَّلَتْ لفظ زوّجتُكَ بلفظ أنكَحتُكَ او متَّعتُكَ صح؛ بل لو قصَدَت الإنشاء بكل لفظ مُفهِم ولو بغير العربية وعيَّنَت المدة والمهر فالعقد صحيح.

والحمد لله الذي أغنانا بحلاله عن حرامه وعرَّفنا بعض أسرار أحكامه.

ص: 70

ويترتب على نكاح المتعة من حُرمة الأنساب والمصاهرة والرضاع كل ما يترتّب على النكاح الدائم .

وليُعلم إن الذين حرّموا نكاح المتعة أجمعوا على أنه كان مُحللاً بدء النبوة، وإدّعوا نسخه زمن الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولم يُقيموا عليه دليلاً. ثم أنهم أباحوا المُحلِّل، وهو: أن يتزوج الرجلُ المُطلّقَةَ ثلاثاً؛ لتحلّ لزوجها بعد أن يُطلّقها المُحلِّل. وهذا نكاح موقت أباحوه، وحرّمه مُحللو المتعة؛ لأنهم اشترطوا في المُحلِّل النكاح الدائم، ولأن شرط العود الى الزوج منافٍ لمقتضى العقد من الدوام.

شريط تاريخي لجهاد الشيعة من أجل سنة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) العلامة الشيخ علي الكوراني العاملي

«لقدكان اذان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بحي علی خير العمل

فحذفها عمر و زاد في الاذان من صلاة الصبح

الصلاة خيرمن النوم وقدانكر ذلك امير المؤمنين علي(علیه السلام)

و قال: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه(1).م»

كافح الشيعة عصوراً طويلة من أجل هذا الفصل من الأذان ، حتى صار الأذان بحيَّ على خير العمل علامةً للإمامية والزيدية والإسماعيلية، وشعاراً يرفعه الثوار على الحكومات ! وهذا شريط

ص: 71


1- - نيل الاوطارباب 1/11، باب صفة الاذان، ذيل ح490-2/39.

تاريخي يوضح إصرار الشيعة على سنة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وإصرار أتباع الخلافة على فرض سنة عمر بدلها !

في سير الذهبي:15/164: (قلت: ظهر هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية ، وبالعراق والجزيرة والعجم بيني بويه ، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه، ثم ضعف بدنه وأصابه فالج وخرس فعزلوه وأقاموا ابنه الطائع له ، وله السكة والخطبة وقليل من الأمور ، فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن... وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل . فلله الأمر كله ).

وفي النهاية:12/96: (وأعادت الروافض الأذان بحي على خير العمل ، وأذن به في سائر نواحي بغداد(في مساجدهم)في الجمعات والجماعات ، وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي على منابرها وغيرها، وضربت له السكة على الذهب والفضة وحوصرت دار الخلافة).

وفي النجوم الزاهرة:5/281:(وهي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فيها أزال السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب دمشق من حلب الأذان بحي على خير العمل وسب الصحابة بها ، وقال: من عاد إليه قتلته ، فلم يعد أحد).

أقول: لم يكن الشيعة يسبُّون الصحابة ، نعم كانوا وما زالوا يلعنون ظالمي أهل البيت(علیهم السلام)، وهو مبدأ متفق عليه ، فقد لعن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ظالمي أهل بيته الطاهرين بأحاديث صحيحة عند الجميع ، بل لعنهم الله تعالى في صريح قرآنه بقوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ! أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. (محمد:22-23) ، وقد استدل أحمد بن حنبل بهذه الآية على لعن يزيد ، وروى كبار محدثيهم تفسيرها ببني أمية ، لكن بمجرد أن يقول الشيعي لعن الله ظالمي آل محمد ، يقولون له إنك تقصد أبا بكر وعمر ! إنك تلعن وتسب وتشتم الصحابة ، ويصورون الشيعة كأن شغلهم الشاغل في ليلهم ونهارهم شتم الصحابة ! وغرضهم من هذا

ص: 72

التهريج أن يمنعوهم من لعن ظالمي أهل بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ومضطهديهم وقاتليهم !

وصف أبو الفرج في مقاتل الطالبيين/297 ، حركةً للعلويين في المدينة المنورة فقال: (فاجتمعوا ستة وعشرين رجلاً من ولد علي(علیه السلام)، وعشرةٌ من الحاج ، ونفرٌ من الموالي ، فلما أذَّن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا: أحد ، أحد ، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التيعند رأس النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذِّنْ بحيَّ على خير العمل ، فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها ، وسمعه العمري(حاكم المدينة من قبل المنصور العباسي) فأحس بالشر ، ودهش وصاح: أغلقوا البغلة(يقصد الباب)وأطعموني حبتي ماء ! قال علي بن إبراهيم في حديثه: فوُلده إلى الآن بالمدينة يُعرفون ببني حبتي ماء) !

وقال ابن الجوزي في المنتظم:5/28: (وفي أول يوم من شوال حضر الموكب النقباء والأشراف والقضاة والشهود ، فنهض بعض المتفقهة وأورد إخباراً في مدح الصحابة وقال: ما بال الجنائز تمنع من ذكر الصحابة عليها بمقابر قريش وربع الكرخ؟ والسنة ظاهرة ويد أمير المؤمنين قاهرة؟! فطولع بما قال فخرج التوقيع بما معناه: أنهيَ ما ارتكب بمقابر قريش من إخمال ذكر صاحبي رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وتورطهم في هذه الجهالة ، واستمرارهم على هذه الضلالة ، التي استوجبوا بها النكال واستحقوا عظيم الخزي والوبال ، وإنما يتوجه العتب في ذلك نحو نقيب الطالبيين ، ولولا ما تدرَّع به من جلباب الحكم وأسباب يتوخاها ، لتقدم في فرضه ما يرتدع به الجهال ، فليؤجر بإظهار شغل السنة في مقابر باب التبن ورَبْع الكًرْخ من ذكر الصحابة على الجنائز ، وحثهم على الجمعة والجماعة ، والتثويب بالصلاة خير من النوم ، وذكر الصحابة على مساجدهم ومحاريبهم أسوة بمساجد السنة ، والتقدم بمكاتبة ابن مزيد(الشيعي حاكم الحلة والمشهدين النجف وكربلاء)ليجري على هذه السيرة في بلاده ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

أقول: أنظر الى أسلوب الخلافة العدواني وأن حيثية هذا المرسوم الخلافي هو: إخمال ذكر الصحابة ، ومعناه أن الشيعة في مساجدهم ومناطقهم يذكرون أهل البيت(علیهم السلام)، ولا شغل لهم بغيرهم ، فاعتبر ذلك إخمالاً لذكر أبي بكر وعمر وعثمان الذين يجب إحياء ذكرهم ! فحيثية المرسوم أن

ص: 73

ذكر أبي بكر وعمر واجب (والسنة ظاهرة ويد أمير المؤمنين قاهرة)؟! أي قادرة على إجبار الشيعة على مذهب الحكومة ! ومعناه أنه كلما أمكن الإجبار بالقوة وجب ! وهذه سياسة أتباع أبي بكر وعمر وبني أمية ، الى يومنا هذا !ولا تعجب من ذلك فقد كانت سياسة الخلافة عدوانية ضد الشيعة وكانت تحرك لها الغوغاء ومؤرخوها يغطون جرائمها ويبكون من ظلم الشيعة لهم !

قال ابن الجوزي في المنتظم:6/217: (ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة.. وظهر في هذه الأيام من الروافض أمر عظيم من ذكر الصحابة وسبهم ، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحول العين ضربوه) ! (ومثله الذهبي في تاريخه:39/5)

أقول: يقصد هذان الناصبيان أن الشيعة في مجالس عزائهم على الإمام الحسين(علیه السلام)يلعنون ظالمي آل محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وقاتليهم ! ولم يبينا لماذا كان بعض الشيعة يضربون مكحول العين إذا دخل الى محلاتهم في الكَرْخ أو غيرها ! وهذا أسلوب أتباع الخلافة فهم يُغَطُّون جريمة المجرم ويظهرونه مظلوماً ويبكون عليه ! والقضية أن الشيعة يتخذون أيام عاشوراء أيام حزن ويلبسون السواد ويعقدون مجالس النوح والرثاء وذكر فضائل أهل البيت(علیهم السلام).

وكان أتباع الخلافة يعملون لتعطيل تلك المراسم ، بل كانوا يُظهرون الفرح ويلبسون الثياب الجديدة ويتخذون تلك الأيام عيداً ! ولم يكتفوا بذلك في بلادهم ومحلاتهم بل كانوا في بغداد والشام يلبسون الثياب الجديدة ويكتحلون ويذهبون الى محلات الشيعة ليغيضوهم بذلك ! فمن الطبيعي أن يواجه شباب الشيعة النواصب المكحَّلين والمكحَّلات الذين يَتَحَدَّوْنَهم !

ومن العجيب أن الدولة العباسية (الهاشمية) لم تمنع الشماتة والفرح بقتل الإمام الحسين(علیه السلام)الذي ثارت باسمه ، بل كانت تشجع النواصب على إظهار الفرح لإغاضة الشيعة ، ثم تدافع عنهم وتدعي أنهم مظلومون !

قال البكري في إعانة الطالبين:2/301، وهو من كبار علماء السنة : (يكره الكحل يوم عاشوراء ، لأن يزيداً وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم ! وقيل بالإثمد لتقرَّ عينهما بفعله . قال العلامة

ص: 74

الأجهوري: ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل وطبخ الحبوب ولبس الجديدوإظهار السرور فقال: لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي ولا عن أحد من الصحابة ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين).انتهى.وهذا يدلك على أن عداءهم لأهل البيت(علیهم السلام) دفعهم الى تعمد الكذب على رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لتصحيح عمل يزيد وابن زياد وشيعتهما وجعل إظهار الفرح بيوم عاشوراء جزءً من الإسلام !

قال ابن حجر في الدراية:1/280: (قوله: وقد ندب النبي إلى الإكتحال يوم عاشوراء وإلى الصوم فيه. أما الإكتحال فأخرجه البيهقي في الشُّعب في الثالث والعشرين منه ، من طريق جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس رفعه (يعني الى النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)): من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً ! وهو إسنادٌ واهٍ . (لأن الضحاك لم يلق ابن عباس) وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من هذا الوجه ، ومن حديث أبي هريرة بسندين فيه أحمد بن منصور الشونيزي ، فكأنه أدخل عليه ، وهو إسناد مختلف لهذا المتن قطعياً).انتهى. الى آخر كلامهم في فقههم !

لكن لا تغترَّ بما تقرؤه في كتب فقهائهم وعلمائهم مما يتعلق بأهل البيت(علیهم السلام) والصحابة ، فهم نظرياً ينفون صحة أحاديث التكحل والفرح بنصر يزيد والتبرك بيوم عاشوراء ،ولكنهم عملياً يطبقونه، وقد يطبقه فقيههم أكثر من عوامهم !

وكذلك تراهم ينفون صحة حديث (أصحابي كالنجوم) ويحكمون بأنه موضوع مكذوب، ولكنهم يستشهدون به في الفقه والأصول والتفسير والعقائد ، ويقمعون به من لا يقدس صحابتهم المفضلين،ويطبلون به في إعلامهم حتى يكون الحديث الموضوع عملياً أقوى من الحديث الصحيح!

وفي تاريخ أبي الفداء/503:(وفيها(سنة 441)وقعت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق وشرع أهل الكرخ في بناء سور عليهم محيطاً بالكرخ ، وشرع السنية من القلابين ومن يجري مجراهم في بناء سور على سوق القلابين ، وكان الأذان بأماكن الشيعة بحي على خير العمل ، وبأماكن السنية الصلاة خير من النوم ).

ص: 75

وفي كامل ابن الأثير:9/576 ، في أحداث سنة443، قال: (وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرْخ شرعوا في عمل باب السمَّاكين وأهل القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود ، ففرغ أهل الكرخ وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب محمد وعلي خير البشر ، وأنكر السنية ذلك وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر ! وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا ، فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العباسيين ونقيب العلويين وهو عدنان بن الرضي لكشف الحال وإنهائه ، فكتبا بتصديق قول الكرخيين فأمر حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال فلم يقبلوا !

وانتدب ابن المذهب القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد أن يحمل العامة على الإغراق في الفتنة فأمسك نواب الملك الرحيم(آخر السلاطين البويهيين)عن كفهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة ، ومنع هؤلاء السنية من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه فعظم الأمر عليهم وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف وصبوا عليه ماء الورد ، ونادوا الماء للسبيل فأغروا بهم السنية !

وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا خير البشر وكتبوا بدل ذلك عليهما السلام فقالت السنية لانرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لايؤذن بحيَّ على خير العمل ! وامتنع الشيعة من ذلك ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول...

قصدوا(الحنابلة)مشهد باب التبن فأغلق بابه فنقبوا في سورها وتهددوا البواب فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ذلك ، ونهبوا ما في الترب والدور وأدركهم الليل فعادوا !

فلما كان الغد كثر الجمع فقصدوا المشهد وأحرقوا جميع الترب والأراج واحترق ضريح موسى وضريح ابن ابنه محمد بن علي والجوار والقبتان الساج اللتان عليهما)!!

تاريخ الذهبي:30/9:(سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة... فلما كان في ربيع الآخر خطب(وزير

ص: 76

الخليفة)بجامع براثا مأوى الشيعة ، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ودق الخطيب المنبر بالسيف ، وذكر في خطبته العباس) . انتهى.

لاحظ فعل الخطيب بحضور وزير الخليفة متحدياً الشيعة في مسجدهم الكبير في العاصمة: (ودقَّ الخطيب المنبر بالسيف) ! إنها أخلاق خلافة قريش في القهر والإجبار واضطهاد من خالفها في الرأي حتى في مسجده وعبادته ووضوئه وصلاته ، وحتى في نيته في قلبه ! فهي خلافة عصا القبيلة وسوط رئيسها ، وليست خلافة النبوة والإسلام!

في النجوم الزاهرة:5/59: ( وهي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة . فيها عم الوباء والقحط بغداد والشام ومصر والدنيا . وفيها أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ بالصلاة خير من النوم على رغم أنف الشيعة ! وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل).

وفي المواعظ للمقريزي/1677: (وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيراً من أهل البيت ، فوثبت إليه العامة(عوام الحكومة وغوغاؤها) فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين ! ومازال أمر الشيعة يقوى بمصر إلى أن دخلت سنة خمسين وثلاثمائة ، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف والنوح قتل فيها جماعة من الفريقين ، وتعصب السودان(غلمان الحكومة)على الرعية(المصريين)فكانوا إذا لقوا أحداً قالوا له: من خالك فإن لم يقل معاوية وإلا بطشوا به وشَلَّحُوه ! ثم كثر القول معاوية خال علي ! وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامة يناديان في كل يوم جمعة في وجوه الناس من الخاص والعام: معاوية خالي وخال المؤمنين وكاتب الوحي ورديف رسول الله ! وكان هذا أحسن ما يقولونه، وإلا فقد كانوا يقولون معاوية خال علي من هاهنا ويشيرون إلى أصل الأذن...! وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، أخذ رجل يعرف بابن أبي الليث الملطي ينسب إلى التشيع ، فضرب مائتي سوط ودرة ، ثم ضرب في شوال خمسمائة سوط ودرة ، وجعل في عنقه غِلٌّ وحُبس ، وكان يُتفقد في كل يوم لئلا يخفف عنه ، ويبصق في وجهه ، فمات في محبسه! فحمل ليلاً ودفن فمضت جماعة إلى

ص: 77

قبره لينبشوه ، وبلغوا إلى القبر فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية فأبوا) !

فانظر الى سياسة الخلافة وقمعها الوحشي لهذا المؤمن الملطي ، أي الذي أصله رومي مسيحي(رحمة الله)، وملطية مدينة رومية في تركية (معجم البلدان:5/193) ويظهر أن الروم بنوها على إسم جزيرة مالطة الأوربية.

في المواعظ للمقريزي/1546، وسلك الدرر للمرادي/887:(وكان أول تأذينه بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، قاله الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة، ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه حي على خير العمل (وكتبوا على مساجدهم-ظ) ومحمد وعلى خير البشر إلى أيام نور الدين محمود ، فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها فجاء ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم:مُرُوهم يؤذنوا الأذان المشروع، ومن امتنع كُبُّوهُ على رأسه! فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمر الأمر على ذلك!

وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم إلى أن استبدَّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية ، في سنة سبع وستين وخمسمائة ، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ، فأبطل من الأذان قول حي على خير العمل ، وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة ، وفيه تربيع وترجيع الشهادتين ، فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضاً على رأيهم ، وما عدا ذلك فعلى ما قلنا ). (ونحوه المواعظ للمقريزي/1547) .

أي أن قوة الأتراك في مصر أجبرت صلاح الدين على إعطائهم الحرية المذهبية في مؤسساتهم فرضخ وأعطاهم ! وبقيت المذاهب الأخرى مضطهدة !

ص: 78

حلب بالحضور في ميدان باب العراق ، فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد إليهم وتباكى لديهم وحضَّهم على قتال صلاح الدين ، وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين ، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد ، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل وأن يذكَّر في الأسواق (بذكر فضائل أهل البيت(علیهم السلام))وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي ، وأن يُذكر أسماء الأئمة الإثني عشر بين يدي الجنائز ، وأن يكبروا على الجنازة خمساً ، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبي طاهر بن أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني فأجيبوا إلى ذلك كله ! فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل).

وفي النجوم الزاهرة:5/120: (وكان بدر الجمالي أرمني الجنس فاتكاً جباراً قتل خلقاً كثيراً من العلماء وغيرهم وأقام الأذان بحي على خير العمل ، وكبر على الجنائز خمساً ، وكتب سب الصحابة على الحيطان . قلت: وبالجملة إنه كان من مساوئ الدنيا جزاه الله . وغالب من كان بمصر في تلك الأيام كان رافضياً خبيثاً ، بسبب ولاة مصر بني عبيد ، إلا من ثبته الله تعالى على السنة ).انتهى.

أقول: هذا ظلم صريح لقائد الجيش المصري الملك الأفضل الجمالي، الذي شهدوا له بالعدل والنزاهة والشجاعة الفائقة ، فقد قاتل الصليبين بجدارة في مصر والشام وفلسطين ، وحقق عليهم انتصارات وعزاً للمسلمين ، ثم جاء بعده صلاح الدين فقاتلهم قليلاً لكنه ضعف وصالحهم وأعطاهم إمتيازات ومناطق لم يحلموا بها زمن القائد الشيعي بدر الجمالي(رحمة الله). ولا مجال للتفصيل.

وفي رحلة ابن جبير/51: (وللحرم أربعة أثمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية . وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل إثر قول المؤذن حي على الفلاح ، وهم روافض سبابون والله من وراء حسابهم وجزائهم ، ولايُجَمِّعُون مع الناس إنما يصلون ظهراً أربعاً ، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها).

ص: 79

قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها ، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر).

وفي تاريخ الذهبي:42/127: (صالح بن عيسى بن عبد الملك الفقيه الصالح.... لما زالت دولة العبيديين كان يخرج إلى البلاد المصرية ويخطب بها ، وينسخ ما كان بها من الأذان بحي على خير العمل ، ثم ينتقل إلى بلد آخر احتساباً) .

أقول: لابد أن هذا الشيخ كان معه شرطة تفرض على قرى مصر أذان الدولة!

وفي سير الذهبي:20/276: (البلخي الذي تنسب إليه المدرسة البلخية بباب البريد ، هو الإمام أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي ، نزيل دمشق ومدرس الصادرية . وعظ وأقرأ وجعلت له دار الأمير طرخان مدرسة ، وثارت عليه الحنابلة لأنه نال منهم ، وكان ذا جلالة ووجاهة ويلقب بالبرهان البلخي . درس أيضاً بمسجد خاتون وأبطل من حلب الأذان بحي على خير العمل).

وفي النجوم الزاهرة:6/103: (وفيها دخل سيف الإسلام أخو صلاح الدين إلى مكة ومنع من الأذان في الحرم بحي على خير العمل).

وفي تاريخ أبي الفداء/604:(ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة، فيها قتل أبو علي بن الفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين الله العلوي،وكان أبو علي المذكور قد حجر على الحافظ وقطع خطبة العلويين وخطب لنفسه خاصة، وقطع من الأذان بحي على خير العمل،فنفرت منه قلوب شيعة العلويين(وهم اهل مصر)وثار به جماعة من المماليك وهو يلعب الكرة فقتلوه ونهبت داره).

وفي اليواقيت لأبي الفداء/58: ( وغيَّر سعد الدولة الأذان بحلب وزاد فيه: حي على خير العمل(وكتبوا على مساجدهم-ظ) محمد وعلي خير البشر . وقيل: إنه فعل ذلك في سنة369 ، وقيل: سنة58

ثمان وخمسين وثلاثمائة) .

ص: 80

وفي النجوم العوالي للعصامي/1436: (واستولى الزيدية على غالب حضرموت ، ثم في سنة سبعين استولى على حضرموت كلها ، وأمرهم أن يزيدوا في الأذان حي على خير العمل ، وترك الترضي عن الشيخين) .

وفي كامل ابن الأثير:9/592: (وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل ، وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر ، وجرى القتال بينهم وعظم الشر ).

وفي سير الذهبي:15/159:(هو المعز لدين الله، أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم، العبيدي المهدوي المغربي، الذي بنيت القاهرة المعزية له، كان صاحب المغرب وكان ولي عهد أبيه. وليَ سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وسار في نواحي إفريقية يمهد ملكه فذلل الخارجين عليه... وساروا في أول سنة ثمان وخمسين في أهبة عظيمة وكانت مصر في القحط فأخذها جوهر، وأخذ الشام والحجاز. ونفذ يعرِّف مولاه(المعز)بانتظام الأمر، وضربت السكة على الدينار بمصر وهي: لا إله إلا الله محمد رسول لله علي خير الوصيين. والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ . وأعلن الأذان بحيَّ على خير العمل، ونودي: من مات عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت. فهذا رأي هؤلاء).

وفي أعيان الشيعة:9/91: (جاء البساسيري بجيش عظيم من مصر إلى بغداد وقبض على الخليفة وسجنه في الحديثة، وفي بغداد جعل الخطبة والسكة مدة عأمين باسم المستنصر الذي كان خليفة الإسماعيلية في مصر،وفي النهاية علم طغرلبك بذلك فأسرع من خراسان وقصد البساسيري في جيش جرار وقبض عليه وقتله،وأخرج الخليفة من السجن وأعاده إلى بغداد، وأجلسه على عرش الخلافة).

ويقول ابن كثير في النهاية12/96 ، عن هاتين السنتين: (وأعادت الروافض الأذان بحي على خيرالعمل ، وأذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات والجماعات وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي على منابرها وغيرها ، وضربت له السكة على الذهب والفضة ، وحوصرت دار الخلافة).

أقول: هذا يدل على أن شعبية الخلافة الفاطمية في بغداد كانت أكثر من شعبية الخلافة العباسية ، وأن عدد الشيعة في بغداد أكثر من السنة .

ص: 81

وفي نهاية الإرب/5257: (وفي سنة اثنتين وستين ورد رسول صاحب مكة... وأسقط خطبة صاحب مصر وترك الأذان بحي على خير العمل ، فأعطاه السلطان(ألب السلجوقي)ثلاثين ألف دينار وخلعاً نفيسة ، وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار).

وفي النجوم الزاهرة:5/89: (السنة السابعة والثلاثون من ولاية المستنصر معد على مصر وهي سنة أربع وستين وأربعمائة . فيها بعث الخليفة القائم بأمر الله الشريف أبا طالب الحسن بن محمد أخا طراد الزينبي، إلي أبي هاشم محمد أمير مكة بمال وخلع وقال له: غيِّر الأذان وأبطل حي على خير العمل ، فناظره أبو هاشم المذكور مناظرة طويلة ، وقال له: هذا أذان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام)، فقال له أخو الشريف: ما صح عنه وإنما عبد الله بن عمر بن الخطاب روي عنه أنه أذن به في بعض أسفاره ، وما أنت وابن عمر ؟! فأسقطه من الأذان ) !

وفي الدرر الكامنة:2/8: (ثم تزوج بنت بيبرس فتضاعفت حرمته ، ولما كانت وقعة شقحب انهزم هزيمة قبيحة فغضب منه السلطان ثم عفا عنه بشفاعة الأمراء فأمره على الحج سنة702، فأبطل الأذان بحي على خير العمل، وجمع الزيدية ومنعهم من الإمامة بالمسجد الحرام ).

وفي صبح الأعشى:4/171:(ثم تغلب عليها أتسز بن أرتق الخوارزمي، أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي في سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وقطع الخطبة بها للمستنصر الفاطمي وخطبللمقتدي العباسي ، ومنع من الأذان بحي على خير العمل ولم يخطب بعد ذلك بالشام لأحد من الفاطميين) .

وفي نهاية ابن كثير:12/137: (قلت: الأقسيس هذا.. وهو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين وأزال الأذان منها بحي على خير العمل بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق وسائر الشام مائة وست سنين ، كان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة رضي الله عنهم(يقصد لعنة ظالمي آل محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!)فأمر هذا السلطان المؤذنين والخطباء أن يترضوا عن الصحابة أجمعين ونشر العدل وأظهر السنة ).

انتهى.

ص: 82

أقول: لاحظ أن مطلب الشيعة كان دائماً حريتهم في مساجدهم ، وأن يكتبوا في مساجدهم أو محلاتهم محمد وعلي خير البشر(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ويقولوا في مجالسهم اللهم العن ظالمي آل محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ويكتبوها شعاراً دينياً . فكل مطلبهم حرية عبادتهم وعقيدتهم في مناطقهم ، ولا يريدون فرضها على أحد !

بينما سياسة مخالفيهم أن يفرضوا عليهم في مساجدهم ومناطقهم حذف (حي على خير العمل) والترضي على أبي بكر وعمر وعثمان ومدحهم !

والنص التالي لابن كثير يشهد بأن السلاجقة أول ما سيطروا على بغداد ألغوا الحرية المذهبية التي كانت في زمن الدولة البويهية الشيعية ، وفرضوا مذهبهم بالإجبار والقتل ! قال في النهاية:12/86: (وفيها أُلْزِمَ الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل ، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر ، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ! وذلك أن نَوْءَ الرافضة اضمحل لأن بني بُويَهْ كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهبت دولتهم ، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم ، والله المحمود أبداً على طول المدى. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض لمَا كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ).انتهى. وهكذا يحمدون الله تعالى على توفيقهم لمصادرة حريات الناس وإكراهم على الأذان والعبادة حسب مذهب الحكومة ، وعلى توفيقهم لقتل أحد علماء الشيعة أمام دكانه ، واضطرار مرجع الشيعة وكبير علماء بغداد الشيخ الطوسي الى الهرب من بغداد الى النجف ! ويتأسفون لأنهم لم يقتلوه لكنهم عوضوا عن ذلك بنهب داره ومكتبته ، وقتل آخرين !

وفي مقابل هذا الجوْر القاسي من الخلافة ، لم يسجِّل أحد من الرواة أن الشيعة أجبروا أحداً على أذانهم ومذهبهم ، ولا قتلوا أحداً من علماء السنة من أي مذهب، طيلة دولة السلاطين البويهيين

ص: 83

الشيعة ، ودولة الخليفة الناصر العباسي الشيعي ، ودولة السلاطين المغول الشيعة ، بل كان علماء المذاهب محترمين مقربين من الحكام الشيعة ، ومن علماء الشيعة . وبهذا صح قول ابن الصيفي(رحمة الله): (وكل إناء بالذي فيه ينضحُ)(1) .

الرابع:(من انجازات السلطان محمد خدابنده بعد تشيعه علی يد العلامة الحلي (رحمة الله))انه أعاد (حَيَّ على خير العمل) الى الأذان ، وهذه الفقرة لها أهمية وتاريخ ، فقد حذفها عمر بن الخطاب من الأذان وهدد من يقولها ، وأصرَّ عليها أهل البيت(علیهم السلام)وشيعتهم عبر العصور(2)

روائع من الادب الاسلامي نظم مقتل الحسين(علیه السلام)العالم الاديب الشيخ حسن الدمستاني(قدس سره)

الحلقة الاولی

صاحب هذا النظم العالم الاديب الشيخ حسن الدمستاني(قدس سره) و هو من علماء البحرين «كان عالماً فاضلاً فقيهاً محدثاً رجالياً محققاً مدققاً ماهراً في علمي الحديث والرجال اديباً شاعراً»(3)

نص القصيدة

أَحرَمَ الحِجَّاجُ عَنَ لَذَّاتِهِم بَعضَ*** وَأَنا المُحرِمُ عَنَ لَذَّاتِهِ كُلَّ الدُّهُور

ص: 84


1- - كيف رد الشيعة غزوالمغول علي الكوراني العاملي ص 203 الی217
2- - كيف رد الشيعة غزوالمغول علي الكوراني العاملي ص 193
3- - اعيان الشيعة السيد محسن الامين العاملي (ج23، ص 166)

كَيفَ لاَ أُحرِمُ دَأباً ناحِراً هَديَ *** وَأَنا فِي مشعَرِ الحُزنِ عَلَی رِزءِ(1)

حَقَّ لِلشَّارِبِ مِنَ زَمزَمِ حُبِّ *** أَن يَرَی حَقَّ بَنِيهِ حَرَماً مُعَتَكَفَا

وَيُوَاسِيهِم وَالآحَادَ عَن بَابِ الصَّفَا*** وَهوَ مِن أَكبَرِ حُوبِ(2) عِندَ ربِّ الحَرَمَين

وَاشتِعَالُ القَلبِ أَحزاناً تُذِيبُ *** وَقَلِيلُ تُتلفُ الأَروَاحَ في رِزءِ الحُسَين(3)

لَستُ أنسَاهُ طَريداً عَن جِوارِ *** لاَئِذَاً بِالقُبَّةِ النَّورَاء يَشكُو أُسَفَا

قَائِلاً يَا جَدُّ رَسمُ الصبرِ مِن قَلبِي (4)*** بِبَلاءٍ أنقَضَ الظَّهرَ وَأَوهَی المَنكَبَين

صَبَّت الدُّنيَا عَلَينَا حَاصِباً(5) مِنَ *** لَم نَذُق فيهَا هَنِيئاً بُلغَةً(6) مِن بُرِّهَا

هَا أَنا مَطرُودُ رِجسٍ فَاجِرٍ فِي بَرِّهَا*** تَارِكاً بِالرَّغم مِنِّي دَارَ سُكنَی الوَالِدَينَ

عِندَك يَاجَدَّاهُ فِي هَذَا الضَّرِيح عَفَی(7)***عَلَّنِي يَا جَدُّ مِنَ بَلوَی زَمَاني أستَرِيح

ضَاقَ بِي يَا جَدُّ مِن فَرط(8)- طود: الجب العظيم العالي.(9)- نيدك :أي يستوي وينفرش وينكبس وصار سهلاً.(10)- الدكتين: مثنی الدكة وهو المستوي من المكان، بعد ان كبس التراب .(11)- بالأكدار:جمع ، ومفرده الكدر وهو الأمر الملوث، وهنا الأمر المتعب والمنغص والمحنة والمصاب.§ِ شِيب(12) عَفَی(13) وَأشَابَ الهَمُّ رَأسِي قَبلَ أُبّانِ(14) المَشِيب

ص: 85


1- - رزء : مصيبة .
2- - حوب: و هو اكبر اثم والحزن والوحشه .
3- - جاء في روضة الواعظين (ص 169 ) عن الأمام الرضا انه قال « ان يوم قتل الحسين اقرح جفوننا و اسبل دموعنا و اذل عزيزنا » .
4- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .
5- - الحاصب : ما ترفيه الريح الشديدة من التراب و صغار الحجارة .
6- - بلغة : ما يكتفی به أو ما يتبلغ به من العيش .
7- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .
8- - فرط: الحين والحال .§ِ الأَسَی كُلُّ *** فَعَسَی طَودُ
9- الأَسَی يَندَكُّ
10- بَينَ الدُّكَّتَين
11- جدُّ صَفوُ العَيشِ مِن بَعدك بِالاكدَار
12- - شيب: اختلط.
13- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .
14- - أبّان: موعد ، وحين.

فعَلا مِنِ دَاخِلِ القَبرِ بكَاءُ وَنَحِيب*** وَنِدَاءُ بِافتِجَاعٍ : يَا حَبِيبِي يَا حُسَين

أَنتَ ياَ رَيحَانَةَ القَلبِ حقِيقُ بِالبَلاَ (1)*** إنما الدُّنيا أُعِدَّت لِبَلَاء النُّبَلاَ

لِكَن المَاضي قَلِيلُ في الَّذي قَد *** فَاتَّخِذ دُرعَين مِنَ صَبرٍ وَحَزم سَابِغَين(2)

سَتَذُوقُ المَوتَ ظُلماً ضَامِياً في(3)*** وَسَتَبقَی في ثرَاهَا عَافِراً(4) مُنجَدِلاَ

وَكأنَّي بِلَئِيمِ الأَصلِ شِمرٍ قَدَ عَلاَ*** صَدرَكَ الطَّاهِرَ بِالسَّيفِ يَحُزَّ الوَدَجَين(5)

وَكَأنّي بالأيَامَی(6) مِنَ بَنَاتِي ***سُغَباً تستَعطِفُ القَومَ وَقَد عَزَّ المُغِيث

قَد بَرَی أجسَامَهُنَّ الضَّربُ وَالسَّيرُ *** بَينَهَا السَّجَّاَدُ في الأصفَادِ(7) مَغلُولَ اليَدَين

فَبَكَی قُرَّةُ عَينِ المُصطَفَی وَالمُرتَضَی(8)*** رَحمَةً لِلاَلِ لاَسُخطاً لَمِحتُومِ القَضَا

بَل هُوَالقُطبُ الَِذِي لَم يَخطُ عَن *** مُقتَدَی الأُمّةِ وَالي شَرقِهَا وَالمَغرِبَين

حِينَ نَبَّا الَهُ الغُرَّ بِمَا قَالَ النَّبِي*** أَظلَمَ الأُفقُ عَلَيهِم بِقَتَامِ الكُرَبِ

ص: 86


1- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .
2- - سابغين:من السغب وهو الجوع.
3- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .
4- - عافراً:أي مترباً ، ومنجدلاً: أي مطروحاً علی أرضها.
5- - الودجين: مثنی الودج، وهو العرق الذي في العنق والذي ينتفخ عند الغضب.
6- - الاُيامی: من لازوج لهنّ.
7- - الأصفاد: القيود والأغلال.
8- - رسم : الاثر ، عفی : انمحی .

فَكَأن لَم يَستَبِينُوا مَشرقاً مِن مَغربِ*** غَشِيَتهُم ظُلُمَاتُ الحَزنِ مِن أَجلِ الحُسَين

وَسَرَی بِالأَهلِ وَالصَّحبِ بِمَلحُوبِ(1) *** يَقطَعُ البَيدَا(2) مُجدّاً قَاصِدَ البَيتِ العَتِيق

فَأَتتهُ كُتُبُ الكُوفَةِ بِالعَهدِ الوَثيق*** نَحنُ أنصَارُك فَاقدِم سَتَری قُرَّةَ عَين

بَينَمَا الِّسبطُ بِأهلِيهِ مُجدّاً في المَسِير*** فإِذَا الهَاتِفُ يَنعَاهُم وَيَدعُو وَيُشِير

إِنَّ قِدَّامَ مَطَايَاهُم مَنَايَاهُم تَسِير*** سَاعَةً إِذ وَقَفَ المُهرُالَّذي تَحَت الحُسَين

فَعَلا صَهوَة ثَانٍ فَأبَی أَن يَرحَلا*** فَدَعَا فِي صَحبِهِ يَا قَوملإ مَا هَذِي الفَلاَ

قِيل هَذِي كَربَلاء ، قَالَ: كَربُ وَبَلَا*** خَيِّموا إِنَّ بِهَذِي الأرضِ مَلقَی العَسكَرَين

هَا هُنَا تُنتَزَعُ الأَروَاحُ مِن أَجسَادِهَا*** بِظُبی(3) تَعتَاضُ بالأجسَادِ عَن أغمَادِهَا

وَبِهَذي تُحمَلُ الأمجَادُ في أَصَفَادِهَا*** في وِثَاقِ الطُّلَقَاء(4)- الأدعياء: الذي ينتسبون لغير آبائهم.(5)- تيأم: وهي لغة لبعض العرب وتعني اليتم.(6)- تهاوی: تساقط بعضها إثر بعض.(7)- ابراجها: مكانها العالي او المضيء البين معلوم.(8)- البوغاء: التربة الرخوة او دقاق التراب او ما ثار منهما وهو توصيف لارض المعركة.§ِ مَحجُوبَات(9)

وَأَظَلَّتهُمُ جُنُودُ كالجَرادِ المُنتَشِر*** مَعَ شِمرَ وابنِ سَعدٍ كُلّ كَذَّابٍ أَشِر

ص: 87


1- - ملحوب :واضح وسهل، وهو اسم موضع.
2- - البيدا: الصحرا والفلاة.
3- - الظبی: جمع الظبة و هي حد السيف او السنان ونحوها، تعتاض: تبحث عن عوض لها .
4- - الطّلَقاء: جمع طليق وهم الاسری الذين خلی عنهم الرسول| يوم فتح مكة ولم يسترقهم ومنهم معاوية وابوسفيان (المصطلحات :ص 1651)§ِ الأَدعِيَاءِ
5- وَبِهَذي تَيامُ
6- الزَّوجَاتَ مِن *** وَبِهَذِي تَشرَبُ الأبطَالُ مِن أَودَاجِهَا وَتَهَاوَی
7- أَنجُمُ الأبرَارِ عَن
8- *** غَائِبَاتٍ في ثَرَی البَوغَاء
9- - محجوبات بين: الذي لايمكن رؤيته.

فَاصطَلَی(1) الجَمعَانُ(2) نَارَ الحَربِ في يَومٍ *** وَاستَدَارَت في رَحَی الهَيجَاء أَنصَارُ

يَحسَبُون البِيضَ(3) إذ تَلبَسُ فَيضَ(4)*** بِيضَ أُنسٍ يَتَمَايلن بِحُمرِ الحِلَلِ

فَيَذُوقُونَ المَنَايَا كَمَذَاقِ العَسَلِ*** شَاهَدُوا الجَنَّةَ كَشفاً وَرَأَوهَا رَأي عين

بِأَبِي أنجُمَ سَعدٍ في هُبُوطٍ وَصُعُود*** طَلَعَت في فَلَكِ المَجدِ وَغَابَت في اللُّحُود

سَعِدَت بِالذَّبحِ(5) والذَّابِحِ مِن بَعضِ*** كَيفَ لاتَسعَدُ في حَالِ اقتِرَانٍ بِالحُسَين

(6) أَقمَارَ تُمِّ(7) خُسِفَت(8) بَينَ *** وُشُمُوساً مِن رُؤوسٍ في بُرُوجٍ مِن رِمَاح

وَنُفُوساً مُنِعَت أَن تَرِد المَاءَ المُبَاح*** جُرِّعت كَأسَ أُوام(9)- نمار: تقال في وصف السباع.§ِ

فَاتِحاً مِنَ مَجلِسِ التَّودِيعِ للأحبَابِ *** فَاحتَسَوا مِن ذَلِكَ التَّودِيعِ لِلأوصابِ

ص: 88


1- - فاصطلي: اي استدفأ ، وهنا تشبيه بعملية الرفع التي تفعلها النار للبرودة في حال الاستدفاء بها.
2- - الجمعان: اشارت الی طرفي الحرب .
3- - البيض: تطلق علی الخوذة التي هي من آلات الحرب لوقاية الرأس او السيف .
4- - فيض: الكثرة.
5- - الذابح اسم نجم.
6- - بأبي: تقال للتأوه والفداء.
7- - تُمّ: الشيء التام.
8- - خسفت: ذهب ضوءها .
9- - اوام: العطش.§ٍ وَحَمَامٍ قَاتِلَين عِندَهَا ظَلَّ حُسَينُ مُفرَداً بينَ *** يَنظُرُ الآلَ فَيُذرِي مِن أَمَاقِيهِ الدُّمُوع فَانتَضَی لِلذَّبِ عَنهُمُ مُرهَفَ الحَدِّ *** غَربُهُ يُعرِيهِ بِالضَّربِ نِمَار

مُوصِيَِ الأُختِ الَّتي كَانَت لَهَا الآدَآبُ *** زَينَبُ الطُّهرِ بِأَمرٍ وَبنَهيٍ نَافِذَين

أُختُ يَازَينَبُ أُوصِيكِ وَصَايَا *** إِنَّني في هَذهِ الأرضِ مُلاَقٍ مَصرَعِي

فَاصبرِي فَالصَّبرُ مِن شِيَمِ كِرامِ ***كُلُّ حَيِّ سَيَنحيهِ عَنِ الأحيَاء حِين

فِي جَلِيلِ الخَطبِ ياَ اُختُ اصبرِي الصَّبرِ *** إنَّ خَيرُ الصَّبرِ مَاكَانَ عَلَی الخَطبِ الجَلِيل

وَاترُكِي اللَّطمَ عَلَی الخَدِّ وَاِعلاَنَ *** ثَم لاَ أَكرَهُ أَن يَسقِيَ دَمعُ العَينِ وَرَدَ

اِجمَعَي شَملَ اليَتَامَی بَعدَ فَقدي *** أَطعِمي مَن جَاعَ مِنهُمُ ثُمَّ أَروِي مِن

وَاذكُرِي أَنِّي في حِفظِهِم طُلِّ(1) *** لَيتَنِي بيَنَهُمُ كَالأنفِ بَينَ الحَاجِبَين

أُختُ آتِيني بِطِفلي أرَهُ قَبلَ الفِرَاق*** فَأَتت بِالطِّفلِ لاَيهدَأُ وَالدَّمعُ مُرَاق

يَتَلَظَّیَ ظمأَ وَالقَلبُ مِنه في احتِرَاق*** غَائِرَ العَينَينٍِ طَاوِيَ(2) البَطنٍِ ذَاوِيَ(3)

فَبَكَی لَمَّا رَآهُ يَتَلَظَّی(4) بِالأوَام (5)*** بدُمُوعٍ هَامِيَاتٍ(6) تُخجِلُ السُّحبَ

وَنَحا القَومَ وَفي كَفَّيهِ ذيَّك الغّلَام*** وَهُمَا(7) مِن ظَمَأٍ قَلَباهُمَا كَالجَمرَتَين

فدَعَا في القَومِ يِالله ِ لِلخَطب الفَظِيع*** نَبِّئُوني أَأَنا المُذنبُ أُم هَذَا الرَّضِيع

ص: 89


1- - طُل: اي هدر دمي.
2- - طاوي: اي جائع من عدم الاكل، او خالي البطن.
3- - ذاوي: ذابل.
4- - يتلظی: يلتهب.
5- - الأوام: حر العطش.
6- - هاميات: سائلات من السيل والسيلان.
7- - وهما: اللإمام الحسين× وابنه عبد الله الرضيع .

لاَحِظُوهُ فَعَلَيهِ شَبَهُ الهَادِي الشّفِيع*** لايَكُن شَافِعُكُم خَصماً لَكُم في النَّشأَتين

عَجِّلُوا نَحوِي بِمَاء أسقِهِ هَذَا الغُلَام*** فَحَشَاهُ مِن أوَامٍ في اضطِرَامٍ وَكُلاَم

وجود العالَم بعد العدَم عند الإماميّة حجة الاسلام و المسلمين السيد قاسم علي احمدي

العدد الاول... هذه رسالة في إثبات حدوث العالم ووجوده على نحو الحدوث الحقيقي ، أي المسبوقيّة بالعدم الصريح ونفي أزليّة ما سواه تعالى.

ولمّا كان هذا البحث من أعظم الأصول الإسلاميّة - لاسيّما عند الفرقة الناجية الإمامية - وعدم القول بذلك يستلزم فساد العقيدة والدين، كتبت هذه الرسالة تبصرة لنفسي ورجاءا لانتفاع غيري من طالبي العلم والدين بها.

ورتّبتها على مقدّمة، وأربعة مقاصد ، وخاتمة:

أمّا المقدمة: ففي بيان معاني الحدوث والقدم.

وأمّا المقاصد:

فالمقصد الأوّل : في تحقيق الأقوال في حدوث ما سوى اللّه تعالى .

ص: 90

المقصد الثاني : بيان الأدلّة النقلية .

المقصد الثالث : بيان الأدلّة العقلية .

المقصد الرابع : التعرّض لبعض الشبهات وجوابها .

وأمّا الخاتمة : ففي الإشارة إلى بعض المفاسد المترتبة على القول بقدم العالم .

هذا ، ونستمدّ من العليّ القدير ان يسدّد خُطانا ، ويُخْلص اعمالنا ، ويجعل قادم ايامنا خيرا من ماضيه ، ويُرضي موالينا سلام اللّه عليهم عنّا ...المقدّمة

تعريف الحدوث والقدم

القدم والحدوث عند الفلاسفة زماني وذاتي .

أمّا الحدوث الزماني : فهو كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ وهو حصول الشيء بعد أن لم يكن ، بعديّة لا تجامع القبلية ، ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الزماني الذي هو عدم كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ .

وأمّا الحدوث الذاتي : فهو كون وجود الشيء مسبوقاً بالعدم المتقرّر في مرتبة ذاته ، والقدم الذاتي خلافه(1) .

ص: 91


1- - نهاية الحكمة : 231 - 232 .

وبعبارة أُخرى : الحدوث الزماني هو مسبوقية وجود الشيء بالعدم الزماني ، ويقابله القدم الزماني ؛ وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم الزماني . والحدوث الذاتي هو مسبوقية وجود الشيء بالعدم في ذاته ، ويقابله القدم الذاتي ؛ وهو عدم مسبوقية الشيء بالعدم في حدّ ذاته(1) .

وأشار إلى هذه الأقسام المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد حيث قال : الموجود إن أُخذ غير مسبوق بالغير أو بالعدم فقديم وإلاّ فحادث(2) .

ولا يخفى أنه أشار بقوله : بالغير . . إلى تعريف القدم الذاتي ، وبقوله : بالعدم . . إلى تعريف القدم الزماني ، على ما عليه الحكماء .وتقدير كلامه : الوجود إن أُخذ غير مسبوق بالغير فقديم ذاتي ، أو بالعدم فقديم زماني ، وإلا . . أي وإن لم يؤخذ غير مسبوق بل مسبوقاً بالغير فحادث ذاتي ، أو بالعدم فحادث زماني على أن يكون المراد بالعدم هو الزماني المقابل للوجود ، وهذا الكلام يوافق الأقسام الأربعة التي ذكرها الفلاسفة على اصطلاحهم .

وأمّا المتكلّمون ؛ فلم يقسّموا الحدوث والقدم إلى الذاتي والزماني ، بل هما ليسا عندهم إلاّ زمانييّن ، فالقديم عندهم هو اللّه تعالى والحادث هو العالم .

هذا ، ولا نجد ثمة ضرورة في البحث والمناقشة في هذه التعريفات ؛ لعدم دخلها في المقصود ، بل الذي نحن بصدد إثباته لا يتوقّف على تحقيق هذه الأمور ، فانّ الذي ثبت باجماع أهل الملل والنصوص المتواترة هو : حدوث جميع ما سوى اللّه سبحانه وتعالى ؛ بمعنى أن أزمنة

ص: 92


1- - بداية الحكمة : 115 .
2- - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 34 في المسألة الثلاثة والثلاثين في القدم والحدوث ، ط قم المصطفوي .

وجوده في جانب الأزل متناهية وفي وجوده ابتداء ؛ والأزلي القديم - بمعنى ما لا أوّل له ولم يكن مسبوقاً بالعدم - هو اللّه سبحانه(1).وبعبارة أُخرى : نحن بصدد إثبات الحدوث الزماني لجميع ما سوى اللّه ، بمعنى : أنّ الزمان والزمانيات كانت معدومة مطلقا قبل خلق العالم ، بل هي نفي صرف .

وبعبارة ثالثة : إنّ الزمان والزمانيات وسلسلة الحوادث كلّها متناهية في طرف الماضي ، وإنّ جميع الممكنات تنتهي في جانب الماضي إلى عدم مطلق ولا شي بحت ، لا امتداد فيه ولا تكمّم ولا تدريج ولا قارّية ولا سيلان ؛ ولم يكن شيء قبل ابتداء الموجودات إلاّ الواحد القهّار .

والتّعبير ب- :« تنتهي الموجودات إلى عدم مطلق » وكذا : « قبل ابتداء الموجودات » من ضيق العبارة ، إذ لا يمكن تصوّر القبلية والانتهاء بالنسبة إلى العدم حقيقة .

ص: 93


1- - لا يخفى عليك انه تعالى منزّه عن الزمان والزمانيات ؛ لأنّ الزمان حقيقته تجدّد شيء وتقضي شيء وتصرّمه ؛ والتجدّد والتقضي والتصرّم من الحوادث ، وهو محال على اللّه تعالى . وببيان آخر: إنّ الزمان حقيقة مقدارية عددية، وكل مقدار متناه حادث معلول مخلوق كما يدل عليه العقل والنقل . وكذلك القول بالنسبة إلى المكان ، فإنّه تعالى متعال عن الزمان والمكان ، و التّعابير التي توهّم خلاف ذلك تحمل على ضيق العبارة و . . والدليل على ما ذكرناه - مضافاً إلى ما مرّ من حكم العقل - هو الأخبار المتواترة عن الأئمّة عليهم السلام المصرّحة بعدم كونه سبحانه زمانيا ؛ كقوله عليه السلام : « إنّ اللّه تعالى لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان » ، « لا تصحبه الأوقات » ، « سبق الأوقات كونه والابتداء أزله . . » إلى قوله : « كيف يجري عليه ما هو اجراه » ، « لا يزال وحدانياً أزلياً قبل بدو الدهور وبعد صرف الأمور » ، « لا يقال له متى ولا يضرب له أمد بحتّى » ، « انه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ، كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان » كما يأتي تفصيله .

وبالجملة : إنّ الزمان وجميع الموجودات الممكنة في جانب الماضي لا يتصور فيها امتداد اصلاً ، لا «موجود» كما زعمت الفلاسفة ، ولا « موهوم » كما توهّمه بعض المتكلمين ، فلا يمكن أن يكون فيها حركات ؛ كما استدلّ به الحكماء على عدم تناهي الزمان ، بل لا شيء مطلق وعدم صرف .

ومن هنا يتّضح أنّ التعبير ب- :الحدوث الزماني إنّما هو لأجل ضيق العبارة ، إذ القائل بحدوثه - بالمعنى المذكور - قائل بحدوث الزمان أيضاً ؛ لأنه من أجزاء العالم .

المقصد الأوّل :

في تحقيق الأقوالنذكر كلمات الأعلام في المقام حتى يظهر أنه لا خلاف بين المسلمين - بل جميع أرباب الملل - في أنّ ما سوى اللّه سبحانه وتعالى حادث بالمعنى الذي ذكرناه ، ولوجوده ابتداء . . بل قد عدّ ذلك من ضروريات الدين .

قول المحدث الجليل الشيخ الكليني (رحمة الله)

(المتوفى 328 أو 329)

قال في الكافي في باب جامع التوحيد بعد ذكره الحديث الأوّل :

هذه الخطبة من مشهورات خطبه(علیه السلام) حتى لقد ابتذلها العامة ، وهي كافية لِمَن طلب علم التوحيد إذا تدبّرها وفهم ما فيها . . .

إلى أن قال : ألا ترون . . . إلى قوله : « لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان » فنفى بقوله : «لا من شيء كان » معنى الحدوث ، وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا

ص: 94

أصل ولا مثالٍ ، نفياً لقول من قال(1) : إنّ الأشياء كلّها محدثة بعضها من بعض ، وإبطالاً لقول الثنويّة الذين زعموا أنه لا يُحدث شيئاً إلا من أصل ولا يدبّر إلا باحتذاء مثالٍ ، فدفع(علیه السلام) بقوله : «لا من شيء خلق ما كان » جميع حُجَج الثنوية وشبههم ، لأنّ أكثر ما يَعْتَمِدُ الثنوية(2) في حدوث العالم أن يقولوا لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء ، فقولهم : من شيء خطأ ، وقولهم من لا شيء مناقضة وإحالة لأنّ «مِنْ» توجب شيئاً «ولا شيء» تنفيه فأخرج أمير المؤمنين(علیه السلام) هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ وأصحّها ، فقال : « لا من شيء خلق ماكان . . » فنفى « من » إذ كانت توجب شيئاً ، ونفى الشيء إذ كان كلّ شيء مخلوقاً محدثاً لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية : أنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثالٍ(3).

قول الشيخ الصدوق (رحمة الله) (المتوفى 381)

قال : الدليل على أنّ اللّه - تعالى عزّوجلّ - عالمٌ حيٌّ قادرٌ لنفسه لا بعلمٍ وقدرةٍ وحياةٍ هو غيره : أنّه لو كان عالماً بعلمٍ ، لم يخل علمه من أحد أمرين إما أن يكون قديماً أو حادثاً ، فإن كان حادثاً فهو - جلّ ثناؤه - قبل حدوث العلم غير عالم ، وهذا من صفات النقص ، وكلٌّ منقوصٍ محدثٌ بما قدّمنا ؛ وإن كان قديماً وجب أن يكون غير اللّه - عزّوجلّ - قديماً ، وهذا كفرٌ بالإجماع . . إلى آخركلامه(4).

ص: 95


1- - قال العلاّمة المجلسي رحمه الله . .أي من الحكماء والدهرية والملاحدة ، حيث يقولون بقدم الأنواع وان كلّ حادث مسبوق بآخر لا إلى نهاية . مرآة العقول : 2/91 .
2- - وعلق هنا في المرآة بقوله : لعلّ المراد بالثنوية غير المصطلح من القائلين بالنور والظلمة ؛ بل القائلين بالقدم وأنه لا يوجد شيء إلاّ عن مادّة ؛ لأن قولهم بماّدة قديمة إثبات لإله آخر ، إذ لا يعقل التأثير في القدم . مرآة العقول : 2/91 .
3- - الكافي 1/136-137 حديث 1 ، مرآة العقول 2/91 .
4- - التوحيد : 223 .

وقال - في عداد اسمائه تعالى - : القديم : معناه أنه المتقدّم للأشياء كلّها ، وكلّ متقدمٍ لشيء يسمى قديماً إذا بولغ في الوصف ، ولكنّه سبحانه قديم لنفسه بلا أولٍ ولا نهايةٍ ، وسائر الأشياء لها أولٌ ونهايةٌ ، ولم يكن لها هذا الإسم في بدءها فهي قديمةٌ من وجه ومحدثةٌ من وجه .

وقد قيل : إنّ القديم معناه : إنه الموجود لم يزل ، وإذا قيل لغيره عزّوجلّ : إنّه قديمٌ كان على المجاز ؛ لأنّ غيره محدثٌ ليس بقديمٍ(1).

وقال أيضاً في موضع آخر منه :

إنّ المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن ، والقديم هو الموجود لم يزل ، والموجود لم يزل يجب أن يكون متقدّماً لما قد كان بعد أن لم يكن . . .إلى أن قال في آخر كلامه :

هذه أدلّة أهل التوحيد الموافقة للكتاب والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم والأئمة(علیهم السلام) (2) .

قول الشيخ المفيد (رحمة الله) (المتوفى 413)

قال في المسائل العكبرية في المسألة السابعة عشرة :

قال السائل : اعترض فلسفي فقال : إذا قلتم إنّ اللّه وحده لا شيء كان معه ، فالأشياء المحدثة من أيّ شيء كانت ؟

ص: 96


1- - التوحيد : 209 .
2- - التوحيد : 303 - 304 .

فقلنا له : مبتدعة لا من شيء .

فقال : أحدثهما معاً أو في زمان بعد زمان ؟ !

قال : فإن قلتم : معاً ، أوجدناكم انها لم تكن معاً وانها حدثت شيئاً بعد شيء . وإن قلتم : أحدثها في زمان بعد زمان ؛ فقد صار معه شريك وهو الزمان !

( قال الشيخ المفيد (رحمة الله)) :

والجواب - وباللّه التوفيق - : إنّ اللّه لم يزل واحداً لا شيء معه ولا ثاني له ، وانه إبتدأ ما أحدثه في غير زمان ، وليس يجب إذا أحدث بعد الأوّل حوادث أن يحدثها في زمان ، ولو فعل لها زماناً لما وجب بذلك قدم الزمان ، إذ الزمان حركات الفلك أو ما يقوم مقامها مما هو بقدرها فيالتوقيت ، فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديماً إذا لم توجد الأشياء ضربةً واحدةً ، لولا أنه لا يعقل معنى الزمان ؟ . . إلى آخره(1) .

وقال :

القول بأنّ أشباحهم(علیهم السلام) قديمة فهو منكر لا يطلق ، والقديم في الحقيقة هو اللّه تعالى الواحد الذي لم يزل وكلّ ما سواه محدث مصنوع مبتدأ له أوّل . والقول بأنهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم كالأول في الخطأ ، ولا يقال لبشر إنّه لم يزل قديماً(2) .

وقال - في الجواب عن قول السائل : إذا صحّ أنّ الأنوار قديمة ، فما بال ابراهيم قال : « رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ . . . »(3) :

ص: 97


1- - المسائل العكبرية : 65 المجلد السادس من مصنفات الشيخ المفيد .
2- - المسائل العكبرية : 27 المجلد السادس من مصنفات الشيخ المفيد رحمه الله .
3- - البقرة : 129 .

إنا غير مصحّحين لقدم الأنوار التي ذكرها السائل(1) .

وقال في موضع آخر في ضمن جوابه :

قوله : إنّ الأشباح مخلوقة قديمة فهو باطل ، وكلام متناقض ، اللهم إلاّ أن يريد بذكر القدم تقدم الزمان الذي لا ينافي الابتداء والحدوث ، فذلك ممّا يسلم به الكلام من التناقض ، إلاّ إنا لسنا نعلم ما أراد بقوله : الأشباح قديمة ومخلوقة ، ولا ما عناه بذلك ؟ ! فيكون كلامنا بحسبه ، والقول بأنالأشباح قديمة بدع من القول ، لم يثبت عن صادق عن اللّه سبحانه فيما نعرفه إلاّ من كلام طائفة من الغلاة وعامّة لا معرفة لهم بمعاني الكلام(2).

وقال في تصحيح الاعتقاد :

المفوّضة صنف من الغلاة ، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة(علیهم السلام) وخلقهم ونفي القدم عنهم ، وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم ، ودعواهم أنّ اللّه سبحانه وتعالى تفرّد بخلقهم خاصّة وأنه فوّض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال(3) .

وقال أيضاً :

ويكفي في علامة الغلو نفي القائل به عن الأئمة(علیهم السلام) سمات الحدوث وحكمه لهم بالإلهية والقدم . . إلى آخره(4).

ص: 98


1- - المسائل العكبرية : 30 .
2- - المسائل العكبرية : 67 .
3- - تصحيح الاعتقاد : 112 .
4- - تصحيح الاعتقاد : 114 .

وقال (رحمة الله) - في الردّ على القول بالحال - :

فكره أن يثبت الحال شيئاً فتكون موجودة أو معدومة ، ومتى كانت موجودة لزمه - على أصله وأصولنا جميعا - أنها لا تخلو من القدم والحدوث ، وليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم فيخرج بذلك عن التوحيد ويصير به أسوء حالاً من أصحاب الصفات(1).

وساق الكلام إلى أن قال :. . ومن دان بالهيولى وقدم الطبيعة(2) أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذرٌ . ولا عذر للجميع فيما ارتكبوه من الضلال لأنهم يقولون : إنّ الهيولى هو أصلُ العالم ، وإنه لم يزل قديماً ، وإنّ اللّه تعالى هو محدث له كما يُحدث الصائغ من السبيكة خاتماً والناسج من الغزل ثوباً والنجار من الشجرة لوحاً(3) .

قول الشيخ أبي الصلاح الحلبي (رحمة الله) (المتوفى 447)

قال : وإرادته فعله ، لاستحالة كونه مريداً لنفسه مع كونه كارهاً ؛ لأنّ ذلك يقتضي كونه مريداً كارهاً لكل ما يصحّ كونه مراداً ، وذلك محال ، ولأن ذلك يوجب كونه مريداً لكلّ ما تصحّ إرادته من الحسن والقبح . . وسنبيّن فساد ذلك .

أو بإرادة قديمة ، لفساد قديم ثان ؛ ولأنّ ذلك يقتضي قدم المرادات ، أو كون إرادته عزماً . . وكلا الأمرين مستحيل .

ص: 99


1- - الحكايات في مفاسد القول بالحال : 55 المجلد العاشر من مصنفات الشيخ المفيد رحمه الله .
2- - في بعض النسخ : الطينة .
3- - المصدر : 61 .

وكونها من فعل غيره من المحدثين محال ؛ لأنّ المحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره ، لاختصاص إحداثها بالابتداء وتعذّر الابتداء من المحدث في غيره ، ويستحيل وجود قديم ثان على ما نبيّنه ، فلا يمكن تقدير احداثها به(1).

وقال أيضاً :

إذا تقرّر ما قدّمناه من مسائل التوحيد ، وعلمنا صحّتها بالبرهان ، لزم كلّ عاقل اعتقادها أمناً من ضررها ، قاطعاً على عظيم النفع بها . . وفساد ما خالفها من المذاهب ، وحصول الأمان من معرّتها، ونزول الضرر بمعتقدها من حيث كان علمه بحدوث الأجسام والأعراض يقتضي بفساد مذاهب القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم . .

إلى أن قال :

وعلمنا بتفرّده سبحانه بالقدم والصفات النفسية التي عيّناها يبطل مذاهب الثنوية والمجوس وعبّاد الأصنام و . . . والغلاة والمفوّضة والقائلين بقدم الصفات زائداً على ما تقدّم(2).

قول الشيخ أبي الفتح الكراجكي (رحمة الله) (المتوفى 449)

قال الكراجكي - تلميذ السيد المرتضى - في كتاب كنز الفوائد :

اعلم - أيدك اللّه - إنّ من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث ومحدثها ويقولون : إنه لا أوّل لوجودها ولا ابتداء لها ، ويزعمون : أنّ اللّه سبحانه لم يزل يفعل ولا يزال كذلك ، وإنّ أفعاله لا أوّل لها ولا آخر ؛ فقد خالفونا في قولهم : إنّ الأفعال لا أوّل لها . . إذ كنّا نعتقد إنّ اللّه تعالى ابتدأها وإنه

ص: 100


1- - تقريب المعارف : 85 ، تحقيق تبريزيان .
2- - تقريب المعارف : 92 .

موجود قبلها ، ووافقونا بقولهم : لا آخر لها ؛ لأنهم وإن ذهبوا في ذلك إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه واستمرار الأفعال فيها وإنه لا آخر لها .

فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر ، وهو تقضّي أمر الدنيا وانتقال الحكم إلى الآخرة، واستمرار الأفعال فيها من نعيم الجنة الذي لا ينقطع عن أهلها ، وعذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلّدين فيها ، فأفعال اللّه عزّوجلّ من هذا الوجه لا آخر لها .

وهؤلاء - أيدك اللّه - هم الدهرية القائلون : بأن الدهر سرمديّة لا أوّل له ولا آخر ، وإنّ كل حركة تحرّك بها الفلك فقد تحرّك قبلها بحركة من غير نهاية وسيتحرّك بعدها بحركة بعدها حركة لا إلى غاية ، وأنه لا يوم إلاّ وقد كان قبله ليلة ولا ليلة إلاّ وقد كان قبلها يوم ، ولا إنسان إلاّ أنيكون من نطفة ولا نطفة تكوّنت إلاّ من انسان ، ولا طائر إلاّ من بيضة ولا بيضة إلاّ من طائر ، ولا شجرة إلاّ من حبّة ولا حبّة إلاّ من شجرة . .

وإنّ هذه الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك ، ليس للماضي فيها بداية ولا للمستقبل فيها نهاية ، وهي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها وحكمة من لم يوجد قبلها ، وإنّ الصنعة والصانع قديمان لم يزالا . . !

تعالى اللّه الذي لا قديم سواه وله الحمد على ما أسداه من معرفة الحق وأولاه ، وأنا بعون اللّه أُورد لك طرفاً من الأدلة على بطلان ما ادّعاه الملحدون وفساد ما تخيّله الدهريون(1) .

وقال الكراجكي أيضاً :

اعلم إنّ الملاحدة لمّا لم تجد حيلة تدفع بها تقدّم الصانع على الصنعة ، قالت : إنه متقدم عليها تقدّم رتبة لا تقدّم زمان(2).

ص: 101


1- - كنز الفوائد 1/33 الطبعة الاولى قم ، تحقيق : الشيخ عبد اللّه نعمه .
2- - كنز الفوائد 1/41 .

قول شيخ الطائفة الطوسي (رحمة الله) (المتوفى 460)

قال في كتاب الاقتصاد - :

فصل : في أنه تعالى واحد لا ثاني له في القدم :

لو كان مع اللّه تعالى قديم ثانٍ لوجب أن يكون مشاركاً له في جميع صفاته ، لمشاركته له في القدم التي هي صفة ذاته التي باين بها جميع الموجودات لأن جميع أوصافه من كونه عالماًوقادراً وحيّاً وموجوداً ومريداً وكارهاً ومدركاً - يشاركه غيره من المحدثات قديماً ، ولا يشاركه في القدم فبان أنه يكون قديما(1) يخالف المحدثات .

والشيء إنما يخالف غيره بصفته الذاتية ، وبها يتماثل ما تماثله ، كما أنّ ما شارك السواد في كونه سواداً ، ويخالف غير السواد من أنّ السواد يخالف البياض والحموضة وغيرهما أيضاً بكونه سواداً .

فعلم بذلك أنّ الاشتراك في صفة الذات يوجب التماثل ، وكان يجب من ذلك مشاركة القديمين في كونهما قادرين عالمين حيّين وفي جميع صفاتهما .

. . إلى أن قال :

فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين ، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، وبطل قول المجوس القائلين باللّه والشيطان ، وبطل قول النصارى القائلين بالتثليث(2).

ص: 102


1- - ما بين المعكوفين موجود في بعض النسخ .
2- - الاقتصاد : 44 .

وقال أيضاً في رسالة الاعتقادات :

والدليل على أنّ اللّه تعالى قديم أزلي : لأن معنى القديم والأزلي : هو الذي لا أوّل لوجوده ، فلو كان الباري تعالى لوجوده أولاً لكان محدثاً ، وقد ثبت أنه تعالى واجب الوجود ، فيكون قديما أزلياً .

والدليل على أنه تعالى قادر مختار لا موجب ، لأن القادر المختار هو الذي يصدر عنه الفعل المحكم المتقن مع تقدّم وجوده ويمكنه الترك ؛ والموجب هو الذي يصدر هو وفعله دفعة واحدة ،فلو كان الباري تعالى موجباً لزم قدم العالم ، وقد بيّنا أنه قديم فيكون الباري تعالى قادراً مختاراً وهوالمطلوب(1).

قول الشيخ محمّد بن الفتال النيسابوري (رحمة الله) (المستشهد 508)

قال : وقوله تعالى : « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاْءِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ »(2) فإذا ثبت ذلك فكل ما يفعله اللّه تعالى من الآلام والتكاليف وخلق المؤذيات والحشرات والسباع حسن ، لأنه ثبت أنه لا يفعل القبيح وإن لم نعلم وجه حسنها على وجه التفصيل ، وكلام اللّه تعالى محدث ، لأنه لو كان قديماً لكان معه قديم آخر ولا يجوز عليه الزوال لو كان قديماً(3).

وقال أيضاً بعد ذكر أدلة حدوث العالم :

ص: 103


1- - الرسائل العشر ، رسالة في الاعتقادات : 104 مؤسسة النشر الاسلامي .
2- - الذاريات ( 51 ) : 56 .
3- - روضة الواعظين 1/27 ، الطبعة الأولى سنة الطبع 1368 .

اعلم ان اللّه تعالى قد ذكر في القرآن أدلة كثيرة على حدوث العالم وعلى إثباته وإثبات صفاته وما لا يجوز عليه وما يجوز أكثر مما ذكرنا ، وإنما لم نورد جملتها مخافة التطويل ، وفي هذا القدر كفاية إن شاء اللّه .

فينبغي للعاقل أن يتأمل في هذه الآيات وينظر فيها ليحصل له العلم باللّه تعالى ، ويعلم أنّ ما قاله المتكلمون ليس بخارج من القرآن والآثار الصحيحة . . إلى آخره(1).

قول الشهرستاني (المتوفى 548)قال الشهرستاني صاحب الملل والنحل في كتاب نهاية الأقدام وصحّحه المحقق الطوسي(رحمة الله)(2) :

مذهب أهل الحق من الملل كلّها أنّ العالم محدث مخلوق له أوّل ، أحدثه الباري تعالى وأبدعه بعد أن لم يكن ، وكان اللّه ولم يكن معه شيء ، ووافقهم على ذلك جمع من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة ، مثل ثاليس ، وإنكساغورس ، وإنكسيمايس من أهل ملطية ، ومثل فيثاغورس ، وإنباذقلس ، وسقراط ، وأفلاطون من أهل آثينيّة ويونان جماعة من الشعراء والأوايل والنسّاك .

وإنما القول بقدم العالم وأزليّة الحركات بعد إثبات الصانع ، والقول بالعلّة الاولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس ، لأنّه خالف القدماء صريحاً وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنّها حجّة وبرهاناً ، وصرّح القول فيه من كان من تلامذته مثل الاسكندر الافروديسيّ ، وثامسطيوس ، وفرفوريوس ، وصنّف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتاباً أورد فيه هذه الشبهة(3).

ص: 104


1- - المصدر 1/18 .
2- - أي صحح المحقق الطوسي نقل صاحب الملل والنحل في مصارع المصارع .
3- - بحار الأنوار 54/239 .

موقف أصحاب الأئمة عليهم السلام من الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في الحلقة الرابعة:14- الشّيخ أبو عليّ الطّبرسي (قدس سره)

قال في تفسير سورة الفيل:

«وفيه حجّة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين، المنكرين للآيات الخارقة للعادات ، فإنّه لايمكن نسبة شئ ممّا ذكره الله تعالی من أمر أصحاب الفيل إلی طبع وغيره ، كما نسبوا الصّيحة، والرّيح العقيم ، والخسف ، وغيرهما مما أهلك الله تعالی به الأمم الخالية، إلی ذلك ، إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطّبيعة إرسال جماعات من الطّير معها أحجار معدّة مهيّأة لهلاك أقوام معيّنين ، قاصدات إيّاهم دون من سواهم، فترميهم بها حتّی تهلكهم ، وتدمر عليهم ، حتّی لايتعدی ذلك إلی غيرهم ، ولايشكّ من له مسكة من عقل ولبّ، أنّ هذا لايكون إلّا من فعل الله تعالی ، مسبّب الأسباب، ومذلّل الصّعاب . و ليس لأحد أن ينكر هذا، لأنّ نبيّنا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لما قرأ هذا السّوره علی أهل مكّة، لم ينكروا ذلك ، بل أقرّوا به ، وصدّقوه مع شدّه حرصهم علی تكذيبه ، واعتنائهم بالرّدّ عليه . وكانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل ، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة وأصل ، لأنكروه وجحدوه ،

ص: 105

وكيف وأنّهم قد أرّخوا بذلك كما أرّخو ببناء الكعبة، وموت قصيّ بن كعب، وغير ذلك. وقد أكثر الشّعراء ذكر الفيل ، ونظموه ، ونقلته الرّواه عنهم»(1) .

وقال في تفسير قوله تعالی :{ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلمِ}:

«قيل فيه وجوه: ... والآخر :أنّ المراد علم الفلاسفة كانوا يصغَرون علم الأنبياء إلی علمهم.

وعن سقراط أنّه قيل: ائت موسی عليه السلام وكان في زمانه ، فقال: نحن قوم مهذّبون، فلا حاجة بنا إلی من يهدينا»(2).

15- المحقّق خواجه نصير الدّين الطّوسي (رحمة الله)

قال في كتاب الفصول :«أصل: قد ثبت أن وجود الممكن من غيره ، فحال إيجاده لايكون موجودا، لاستحالة إيجاد الموجود، فيكون معدوما، فوجود الممكن مسبوق بعدمه وهذا الوجود يسمّی: حدوثا، والموجود: محدثا، فكلّ ما سوی الواجب من الموجودات محدث، واستحالة الحوادث لاإلی أوّل- كما يقوله الفلسفيّ- لايحتاج إلی بيان طائل بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها»(3) .

16- العلّامة الحلّي(قدس سره)

قال (رحمة الله):

«البحث الخامس فی أنّه تعالی لايتّحد بغيره ؛ الضّرورة قاضية ببطلان الاتّحاد فانّه لايعقل صيرورة الشّيئين شيئا واحدا، و خالف فی ذلك جماعة من الصّوفيّه من الجمهور فحكموا بانّه يتّحد بابدان العارفين حتّی تعدی بعضهم فقال انّ الله تعالی نفس الوجود فهو الله تعالی وهذا عين الكفر والالحاد الحمد لله الذي فضّلنا باتّباع اهل البيت دون الاهواء المضلّة»(4) .

ص: 106


1- - تفسير مجمع البيان ، الشّيخ الطّبرسي:10/447.
2- - تفسير جوامع الجامع ، الشّيخ الطّبرسي: 3/254 .
3- - عنه بحار الأنوار:54/245 .
4- - نهج الحقّ وكشف الصّدق ، العلّامه الحلّي:57 .

وقال أيضاً في بيان أحكام تعلّم أنواع العلوم:

«العلم إمّا فرض كفاية أو مستحبّ أو حرام . فالأوّل: العلم بإثبات الصّانع تعالی وصفاته وما يجب له و يمتنع عليه ... والحرام: ما اشتمل علی وجه قبح، كعلم الفلسفة لغير النّقض، وعلم الموسيقی وغير ذلك ممّا نهی الشّرع عن تعلّمه ، كالسّحر ، وعلم القيافة والكهانة وغيرها»(1) .

وقال في نهجّ الحق في الجواب عن شبهة

الجبر بأنّ الشّيء ما لم يجب لم يوجد وشبهة لزوم علم الباري الجبر:

«فقد ظهر من هذا أنّ هذين الدّليلين آتيان في حقّ الله تعالی، وهما إن صحّا لزم خروج الواجب عن كونه قادراً، ويكون موجباً، وهذا هو الكفر الصّريح ، إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة هو هذه المسألة...والحاصل : أنّ هؤلاء إن اعترفوا بصحّة هذين الدّليلين لزمهم الكفر ، وإن اعترفوا ببطلانها سقط احتجاجهم بهما . فلينظر العاقل من نفسه: هل يجوز له أن يقلّد من يستدلّ بدليل يعتقد صحّته ، ويحتجّ به غدا يوم القيامة؟ وهو يوجب الكفر، والإلحاد؟

وأيّ عذر لهم عن ذلك؟

وعن الكفر والالحاد؟

فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا؟

هذه حجّتهم تنطق بصريح الكفر علی ما تری. وتلك الأقاويل الّتي لهم قد عرفت أنّه يلزم منها نسبة الله سبحانه إلی كلّ خسيسة ورذيلة، تعالی الله عن ذلك علوّاً كبيراً . وليحذر المقلّدون، وينظروا كيف هؤلاء القوم الّذين يقلّدونهم ، فإن استحسنوا لأنفسهم بعد البيان والإيضاح إتّباعهم كفاهم بذلك ضلالا، و إن راجعوا عقولهم ، وتركوا إتّباع الأهواء، عرفوا الحقّ بعين الإنصاف ، وفّقهم الله لإصابة الثّواب»(2) .

وقال(رحمة الله) في الجواب عن سؤال السّيّد المهنا:

ص: 107


1- - تذكرة الفقهاء، العلّامة الحلّي: 9/36 و37 .
2- - نهج الحقّ وكشف الصّدق، العلّامة الحلّي:124 .

«ما يقول سيّدنا فيمن يعتقد التّوحيد والعدل والنّبوّة والإمامة لكنة يقول بقدم العالم؟ ما يكون حكمه في الدّنيا والآخرة؟ بين لنا ذلك، أدام الله سعدك وأهلك ضدّك .

قال: من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف ، لأنّ الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفّار بالإجماع».

وقال السيّد المهنا: ما يقول سيّدنا في المثبتين القائلين بأنّ الجواهر والأعراض ليست بفعل الفاعل ، وأنّ الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود؟ فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد الظّاهر البطلان موجبا لتكفيرهم، وعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصّالحة، وعدم قبول شهادتهم ، وجواز مناكحتهم؟ أم لا يكون موجبا لشيء من ذلك وأيّ شيء يكون حكمهم في الدّنيا والآخرة؟ وماالذّي يجب أن يعتقد المكلّف في معتقد هذه المقالة المتديّن بها، المناظر عليها، مع ظهور فسادها.. أوضح لنا ذلك غاية الإيضاح .

فأجاب العلّامة(رحمة الله) : لاشكّ في رداءة هذه المقالة وبطلانها، لكنّها لاتوجب تكفيرا ولاعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصّالحة، ولاردّ شهادتهم، ولاتحرم مناكحتهم، وحكمهم في الدّنيا والآخرة حكم المؤمنين ، لأنّ الموجب للتّكفير إنّما هو اعتقاد قدم الجواهر وهم لا يقولون بذلك، لأنّ القديم يشترط فيه الوجود وهم لايقولون بوجوده في الأزل»(1) .

وقال العلّامة الحلّي(رحمة الله) في شرح كلام المحقّق الطّوسي (رحمة الله) في التّجريد: «ولا قديم سوی الله تعالی»:

«قد خالف في هذا جماعة كثيرة، أمّا الفلاسفة فظاهر لقولهم بقدم العالم ... إلی أن قال :وكلّ هذه المذاهب باطلة، لأنّ كلّ ما سوی الله ممكن ، وكلّ ممكن حادث»(2) .

وقال (رحمة الله) في كتاب نهاية المرام في علم الكلام :

« القسمة العقليّة منحصرة في أقسام أربعة: الأوّل: أن يكون العالم محدث الذّات والصّفات وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء . الثّاني أن يكون قديم الذّات

ص: 108


1- - أجوبة المسائل المهنائيّة، العلّامة الحلّي:89-88 .
2- - شرح التّجريد:57 .

والصّفات، وهو قول أرسطو وجماعة من القدماء ، ومن المتأخرين قول أبي نصر الفارابي والرّئيس ، قالوا: السّماوات قديمة بذواتها وصفاتها إلّا الحركات والأوضاع فإنّها قديمة بنوعها لابشخصها ، والعناصر الهيولی منها قديمة بشخصها ، وصورها الجسمية قديمة بنوعها لابشخصها ، والصّور النّوعية قديمة بجنسها لابنوعها ولا بشخصها »(1) .

وقد جاء في ترجمته أنّ من جملة مصنّفاته:«الأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة من الحكمة والكلام والمنطق ، ثلاثة أجزاء ، موجود في المكتبة الحيدرية بالنّجف الأشرف ، يردّ به علی الفلاسفة ، ألّفه باسم هارون بن شمس الدّين الجوينيّ، توجد نسخة أيضاً في مكتبة السيد الحكيم العامّة بالنّجف الأشرف ويظهر أنّها بخطّ العلّامة ، تقع في 460 صفحة»(2) .

ص: 109


1- - نهاية المرام في علم الكلام، عنه بحار الانوار:54/248 .
2- - صفاء الدّين البصريّ في مقدّمة منتهی المطلب:39 .

الغلو و التفويض الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني

وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة

الحلقة الثالثة:

يظهر مما تقّدم فساد و بطلان مزاعم الميرزا موسی في قوله: «ليت شعري ما بال أقوام إذا قيل لهم :ان ميكائيل يقسم الارزاق وعزرائيل يميت وجبرائيل يخلق و إسرافيل يحيي بإذن الله، و لا يستوحشون و يقبلون بقبول حسن، مع أنهم عبيد و خدّام لهم عليهم السلام؟ و إذا قيل عليّاميرالمؤمنين ولي الله يخلق و يرزق و يحيي و يميت بإذن الله ، يصعدون الی السماء تارة و ينزلون إلی الأرض أخری ، كأنه خولط بعقله»(1).

أقول: من قال للميرزا، أن ميكائيل يقسّم الأرزاق، و عزرائيل يميت، و جبرائيل يخلق، و إسرافيل يحيي؟، و الله يقول في محكم كتابه: الله الذي خلقكم ثمَّ رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شیءٍ سبحانه و تعالی عما يشركون(2). فالآية صريحة علی حصر الخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة بالله سبحانه وحده لا شريك له، و قد حكمت الآية المباركة علی كل متقوّل بغير دليل بالشرك علی من يدّعي أن غير الله يفعل ذلك. و قال تعالی: و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن خلقهن العزيز العليم(3). و قال تعالی: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين(4).

ص: 110


1- - موسی الاحقاقي: إحقاق الحق-ص 396.
2- - سورة الروم، الآية: 40.
3- - سورة الزخرف، الآية: 9.
4- - سورة لقمان، الآية: 11.

و قال تعالی: ام جعلو لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شیءٍ و هو الواحد القهار(1). و قال تعالی: امن يبدؤا الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء و الأرض أءلهً مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين(2). و قال تعالی : الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر له إن الله بكل شیءٍ عليم (3). و قال تعالی: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين(4). و قالتعالی قل هل من شركائكم من يبدؤ الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنّی تؤفكون(5). إلی كثير من الآيات التي تنص علی أن الخلق و الرزق من فعل الله سبحانه لا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته، لا من ملكٍ مقرب ، و لا من نبي مرسل.

و قد أعرض عنها الميرزا موسی ، و تمسّك ببعض الروايات الضعيفة التي تروی في كتب الغلاة من أمثال رجب البرسي. و لو أنه رجع إلی الآيات القائلة بأن الخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة من صفاته سبحانه ، لما وقع فيما وقع فيه من التجاوز للحد و الخروج عن القصد. قال محمد حسين آل كاشف الغطاء في معنی التوحيد كما ذكرنا : «و الاعتقاد بوحدانيته في الألوهية و عدم شريك له في الربوبية، و اليقين بأنه هو المستقل بالخلق و الرزق و الموت و الحياة و الإيجاد و الإعدام بل لا مؤثر في الوجود عندهم- اي الشيعة – إلا الله ، فمن أعتقد ان شيئاً من الرزق أو الخلق أو الموت أو الحياة لغير الله فهو كافر مشرك خارج عن ربقة الإسلام»(6) وهذا القول من (كاشف الغطاء) يبطل مزاعم (موسی الاسكوئي) من ان بعض الملائكة الذين ذكرهم و قاس عليهم الأئمة عليهم السلام بمفهوم الأولوية من أنهم عليهم السلام يخلقون و يرزقون و يحيون و يميتون ، و هذا القول فساده واضح لمن له أدنی تدبر في الآيات القرآنية و الروايات الصحيحة

وأقوال علماء الشيعة . وقد جاء عن

ص: 111


1- -سورة الرعد، الآية: 16.
2- -سورة النمل، الآية: 64.
3- -سورة العنكبوت، الآية: 62.
4- -سورة الأعراف، الآية: 54.
5- - سورة يونس، الآية: 34.
6- - محمد حسين آل كاشف الغطاء، اصل الشيعة ص 61 .

الإمام الحجة : «. . إن الله تعالی هو الذي خلق الأجسام ، وقسّم الأرزاق، . . ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأما الأئمة(علیهم السلام)،فإنهم يسألون الله تعالی فيخلق ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقهم»(1) .

هذا ويقال لموسی الاسكوئي: إنك لو تتبعت الآيات القرآنية لوجدتها تسند الموت إلی الله سبحانه وحده ، وأما مَلَكُ الموت أو الملائكة ، فاختصاصهم توفي الأنفس حين موتها ، فالميرزا (موسی) لم يفرق بين الموت الذي هو من فعل الله تعالی، وبين التوفي ، وهو القبض والاستلام . فإسناد التوفيفي جميع الآيات تارة يكون إلی الله ، وأخری إلی الملائكة ، وثالثة إلی ملك الموت ، لأن التوفي ، كما قلنا ، معناه استلام وقبض الأرواح بعد الموت ، وخروج الروح من البدن ، والعروج بها إلی بارئها . قال تعالی: {اللهُ يَتَوَفَّی الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا} (2). فذكُر الموتِ بعد التوفي يوجب المغايرة ، وإلا كان المعنی: (الله يميت الأنفس حين موتها ) ، وهو باطل ، فالمعنی ، أن الله سبحانه يستلم الأنفس ويقبضها إليه بعد موتها وخروجها من البدن ، وهذا المعنی لم يلتفت إليه (موسی الاسكوئي) . وقال تعالی: {قُل يَتَوفَّكُم مَّلَكُ المَوتِ الذي وُكِّلَ بِكُم ثُمَّ إِلَی رَبِّكُم تُرجَعُونَ}(3) . فأسند الله سبحانه إلی ملك الموت التوفي ، وهو قبض الروح ولم يسند إليه الموت . وقال تعالی: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ المَلَائكَةُ ظَالِمِی أَنفُسِهِم}(4) . فأسند إلی الملائكة التوفي دون الموت . وقال تعالی: { حَتَّی إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ المَوتُ تَوَفَّتهُ رُسُلُنَا وَهُم لَا يُفَرِطُونَ}(5) . وهذه الآية صريحة علی أن الموت غير التوفي ، فبعد أن يميت الله سبحانه الإنسان ويخرج روحه من بدنه ، تتوفاه رسل الله وهم الملائكة الموكلون بقبض الأرواح والصعود بها إلی حيث يأمرهم الله بها. وقال

ص: 112


1- - الطبرسي: الاحتجاج ، ج- 2 ص 471 .
2- - سورة الزمر ، الآية : 42 .
3- - سورة السجدة ، الآية : 11 .
4- - سورة النساء ، الآية : 97 .
5- - سورة الأنعام ، الآية : 61 .

تعالی:{حَتَّی إِذا جَآءَتهُم رُسُلُنَا يَتَوفونَهُم}(1) . أي تقبض أرواحهم بعد موتهم وخروج الروح من البدن .

هذه طائفة من الآيات التي أسندت التوفي إلی الملائكة ، ولم تسند الموت إليهم .

وأما استدلال الميرزا برواية «الملكين الخلّاقين» اللذين يدخلون في رحم المرأة فيصوران الأولاد ، فنحن في غنی عن فساد مستند هذه الرواية لمخالفتها لصريح القرآن العظيم من أی المصوّر في الأرحام هو الله سبحانه وحده لاشريك له مطلقاً . قال تعالی : {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُم فِی الأََرحَامِكَيفَ يَشَآءُ . . }(2) وقال تعالی: { الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِی أَیِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}(3) . وقال تعالی: { خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم وَإِلَيهِ المَصِيرُ }(4) . وقال تعالی : { اللهُ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ قَرَاراً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَركُم }(5) . وقال تعالی: { هُوَ اللهُ الخَلِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسمَآءُ الحُسنَی}(6) . فالميرزا موسی أهمل الآيات القرآنية الصريحة الداّلة علی أن المصوّر في الأرحام هو الله سبحانه ، وتمسَّك برواية ضعيفة مخالفة لصريح القرآن ، وما عليه جميع المسلمين ، كي يتجاوز الحد في تقديس الأئمة من آل محمد(علیهم السلام) إلی درجة الغلو فيهم (علیهم السلام) ، وتفويض الأمر إليهم (علیهم السلام) . فإذا كان الملكان الخلّاقان يصوران المخلوق وهو في رحم أمه ، فما بالك بالأئمة (علیهم السلام) وهم خلق فوق خلق الخلق وأفضل من الملائكة ، ولهذا نسب تلك الصفات إليهم(علیهم السلام) .

ص: 113


1- - سورة الأعراف ، الآية : 37 .
2- - سورة آل عمران ، الآية : 6 .
3- - سورة الانفطار ، الآيتان : 7-8 .
4- - سورة التغابن ، الآية : 3 .
5- - سورة غافر ، الآية : 64 .
6- - سورة الحشر ، الآية : 24 .

وليس غريباً من موسی الاسكوئي أن يعتقد بذلك ، لأنه يؤمن بأن أميرالمؤمنين (علیه السلام) بيده تصوير جميع المخلوقات ، لأنه(علیه السلام) هو العلّة المادية والفاعلية والصورية والغائية، فلا غرابة إذن من أن يقول إن ملكين خلّاقين يصوران الأولاد في رحم أمهاتهم، وهذا من أعجب ما يؤمن به الشيخية ، فتارة يزعمون أن الأئمة هم العلّة الصورية لجميع الخلائق ، وأن العالم وما فيه ومن فيه من شعاع نور أجسادهم، تراهم يرون رواية الملكين الخلّاقين ، وهذا يكشف عن فساد معتقداتهم .روی رجب البرسي عن سلمان وأبي ذر عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال فيها: « . . وأنا العلي العظيم، يا سلمان . . ولايعطي هذا الروح إلا من فوّض إليه الأمر والقدر ، وأنا أحيي الموتی . . »(1) . وجاء في خطبة البيان عن أميرالمؤمنين(علیه السلام): « . . أنا منشئ الملكوت والكون، وأنا البارئ المصور في الارحام . .»(2) . ومن أجل ذلك تؤمن فرقة الشيخية أن المصور في الارحام هو اميرالمؤمنين (علیه السلام) وليس الله سبحانه ، مخالفين للضرورة من الدين، وما نطق به الفرقان العظيم .

وأما ما ذكره الميرزا موسی عن الإمام الحجة في قوله(علیه السلام) : «أما بعد فإنا صنايع الله ربنا والخلق بعد صنايعها» ، فكلامه صريح علی أن المراد من الصنع هنا بقرينة ما سبقه ، هو الخلق والإيجاد ، لا التربية والتعليم ، فجميع الخلق باعتقاده من خلق وإيجاد الأئمة(علیه السلام) بقرينة العموم ، لأن النكرة المعرفة بالألف واللام تفيد العموم والشمول . ويؤكد هذا المنی ما ورد في كلمات الميرزا حسن الحائري الاحقاقي في بعض أبيات من شعره المشطر في وصفه لبعض الأئمة (علیهم السلام):

فهذا الخلق منا إلينا لنا*** المُصطَفَی علينا يكون حساب الجميع

و ينفخ في الصور من أمرنا*** و منا المنادي و منا السميع(3)

وهذا يؤكد علی أن الخلق من فعلهم وصنعهم وإليهم ولهم، فهم(علیهم السلام) خلقوا الخلق ، وإليهم(علیهم السلام) يرجع الخلق كلّه ، ويؤيد ذلك ما قاله موسی الاسكوئي: «والظاهر أنه لا إشكال في كونهم (علیهم السلام) علّة مادية للأنبياء والشيعة من الأنس بمقتضی مفاد هذه الأخبار . . إلی أن قال : وإنما الاشكال في كونهم

ص: 114


1- - رجب البرسي: مشارق أنوار اليقين – ص 161 .
2- - كاظم الشتي: شرح الخطبة - ص 349 ،350 .
3- - الأنوار اللامعة من حياة ميرزا حسن الحائري: منشورات مكتبة الإمام الصادق- ص61 ،62 .

علة مادية لجميع المخلوقات من الأنبياء إلی الجمادات علی هذا الترتيب ، يعني خلق الله سبحانه من شعاع نور محمد و آله الأنبياء . . »(1) ، فالميرزا لايشك في كونهم (علیهم السلام) هم العلّة المادية لجميع المخلوقات ، وإنما الاشكال في الترتيب الذي ذكره لاغير . وهذا لا غرابة فيه ما دام الأئمة (علیهم السلام) هم العلل الأربع للمخلوقات ، فالعلّة الفاعلية بهم ، والعلة المادية منهم ، أي من شعاعهم وظلّهم ، والعلية الصورية بهم علی حسب قوابل الأشياء من خير وشر . والعلّة الغائية هم لأن الأشياء خلقت لأجلهم كما يقول الشيخ الأوحد(2) .

قال كاظم الرشتي: «لو قال قائل أن محمداً وآله من أعظم الأسباب والشرائط لإيجاد العالم وأهله في خلقهم ورزقهم وحياتهم ومماتهم ، كما أن الملائكة كذلك في التدبيرات الجزئية علی القطع واليقين، فأي ضرر يخافه؟ وأي محذور يخشاه؟ وأي غلو وكفر يلزمه؟»(3) . وفساد ذلك بيَّناه فيما تقدَّم .

ومجمل ما تقدّم، أن فرقة الشيخية قالت بأن الله فوِّض أمر العالم من الخلق والرزق والإحياء والإماتة لأوليائه (علیهم السلام). وبيَّنا ذلك ببعض ما ورد من كلمات مشايخهم والخطب التي نسبوها إلی أميرالمؤمنين(علیه السلام) . ومن أجل ذلك لايسعهم أن ينكروا مانسب إليهم من عقيدة التفويض، وأنه تفويض مشيئة لا تفويض استقلال أو شراكة ، ومع ذلك فالأئمة (علیهم السلام) قد أنكروا كل نوع من أنواع التفويض . ما عدا تفويض الأحكام ، بمعنی إن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والأئمة(علیهم السلام) قد فوّض الله سبحانه لهم تبليغ وتطبيق الأحكام الشرعية من الحلال والحرام ، لا أنه سبحانه فوّض لهم تشريع الأحكام ، فهذا داخل أيضاً في التفويض المنهي عنه . قال تعالی : {أَلَا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ }(4) علی وجه الحصر .

ص: 115


1- - ميرزا موسی: إحقاق الحق – ص270 ،271 .
2- - الاحسائي: شرح الزيارة – ج- 1 – ص 204 ،205 .
3- - الطالقاني: الشيخية- ص 288 .نقلًا عن كشف الحق : مجموعة رسائل 2/54 .
4- - سورة الأعراف ،الآية :54 .

موقف الأئمة (علیهم السلام) من الغلاة

والمفوضة :

كان موقف الأئمة (علیهم السلام) من الغلاة والمفوضة شديداً ، حتی وردت روايات كثيرة في ذمّهم ولعنهم وطردهم وعدم مجالستهم . قال الطبرسي في احتجاجاته : «وقد روی عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) من ذم الغلاة والمفوضة وتكفيرهم وتضليلهم والبراءة منهم وممن والاهم ، وذكر علّة ما دعاهم إلی ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل . وكذلك روی عن آبائه وأبنائه (علیهم السلام) في حقّهم والأمر بلعنهم والبراءة منهم وإشاعة حالهم والكشف عن سوء اعتقادهم ، كي لا يغتر بمقالتهم ضعفاء الشيعة ولايعتقد من خالف هذه الطائفة أن الشيعة بأسرهم علی ذلك ، نعوذ منه وممن اعتقده وذهب إليه »(1) .

وقال الإمام الصادق (علیه السلام) : «ما نحن إلا عبيد الله الذي خلقنا واصطفانا ، والله ما لنا علی الله حجة ولا معنا من الله براءة ، وإنا لميتون وموقوفون ومسؤولون ، من أحب الغلاة فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبنا ، الغلاة كفّار ، والمفوضة مشركون ، لعن الله الغلاة . . »(2) .

وفي عيون أخبار الرضا (علیه السلام) عن أبي هاشم الجعفري قال : «سألت أباالحسن الرضا (علیه السلام) عن الغلاة والمفوضة ، مشركون ، فقال : الغلاة كفّار والمفوضة مشركون ، من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاورهم ، أو واصلهم أو زوجهم أو تزوج منهم ، أو أمّنهم ، أو ائتمنهم علی أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عزَّوجل وولاية رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وولايتنا أهل البيت »(3) .

وفي الخصال، قال أميرالمؤمنين (علیه السلام) : «إيّاكم والغلو فينا ، فقولوا إنا عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم »(4) . وعن أبي محمد العسكري (علیه السلام) : « أن أبا الحسن الرضا(علیه السلام) قال : إن من تجاوز بأميرالمؤمنين (علیه السلام) العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضّالين »(5) .

ص: 116


1- - الطبرسي: الاحتجاج – الأعلمي للمطبوعات – بيروت- ط2 ، 1989- ج-2 – ص 437 .
2- - أحمد الوائلي: دفاع عن الحقيقة- ص42 – نقلًا عن بحار الأنوار – ج-3 – ص51 .
3- - الصدوق : عيون أخبار الرضا – مؤسسة الأعلمي- بيروت- ط1-19 - ج-1 – ص219 .
4- - عبدالرسول الغفّار: شبهة الغلو عند الشيعة – ص70 .
5- - الطبرسي: الاحتجاج – ج-2 - ص 438 .

قال السيد محمد مهدي الكاظمي القزويني في كتابه (بوار الغالين) : « . . وقد وصف حضرته القديمة جلَّت وعظمت بقوله سبحانه ، (خالق كل شيء) وهل جعل قدرته عند الحقيقة المحمدية وفوَّض إليها الخلق وغيره من رزق وموت وحياة، وذلك باطل من دون ريب لمخالفته لما ورد عن أهل البيت من السنن الصحيحة التي من جملتها ما مضی نقله ومن جملته ما نقله شيخ أحمد (الاحسائي) بنفسه ، ففي بيانه لفقرة (ومفوّض في ذلك كله إليكم ) نقل عن عيون أخبار الرضا حديثاً فيه ، «ومن زعم أن الله عزَّوجل فوَّض أمر الخلق والرزق إلی حججه ، فقد قال بالتفويض والقائل بالتفويض مشرك ، ونقل من الكتاب المزبور وغيره بمعناه مثل ما روی عن العيون بنفسه في شرحه للفقرة المذكورة عن ياسر الخادم عن الرضا (علیه السلام) . . » ، هذا ما ورد عن الأئمة (علیهم السلام) في نهيهم الشديد وموقفهم من الغلاة والمفوضة ، سواء عن طريق الاستقلال أو التصرف في ملك الله تعالی المعبر عنه في عصرنا الحاضر عند بعض الناس (بالولاية التكوينية) بإذنه ومشيئته وأرادته ، كل ذلك قد نهی عنه الأئمة (علیهم السلام) بعبارات صريحة ، بالإضافة إلی حكومة العقل القاطع والآيات القرآنية التي تنفي الخلق والرزق والإحياء والإماتة عن غير الله تعالی . ومن أراد المزيد فعليه بكتابنا (الولاية التكوينية والتشريعية في ضوء الكتاب والسنة وأقوال العلماء) ففيه الكفاية لطالب الحق والهداية .

في حِكَمِ و اَسرَارِ الزكاة والخُمس

والمراد بذلك إنفاق مَنْ وفَّر الله عليه في سبيل الخير جزءاً من ماله (بداعي التقرب الى الله تعالى).

والزكاة من أهم الأحكام التي يترتب عليها؛ قوام العالم ونَظْمُ مجتمع بني آدم، والثواب الجزيل في الآخرة، وبدونها؛ لا قَوام للبشرية، ولا نظام لهم في الدنيا، ولا أجر في الآخرة. ونرى في هذه الأيام اُمور الناس مختلَّة أشد الخلل، والناس منقسمون إلى قسمين .رأسماليين أشحَّة على الخير لا يرحمون فقيراً ولا يؤون يتيماً أوغروا في احتكارهم واستئثارهم، قلوب الفقراء .

وشيوعيين قضوا على حرية افراد البشر، فجعلوهم كالبهائم يكدّون ويكدحون، ولانصيب لهم من كدّهم وكدحهم، إلا قوتاًيقتاتونه، كالحمار الذي يكّد طول نهاره ولا نصيب له من عمله إلا قبضة من شعير، وبإلغاء المِلْكِيَّةِ سلبوا الرغبة في العمل، فلا يعمل العامل عندهم إلا خوفاً ورهبة، والإلحاد

ص: 117

وإنكار الله وكُتبِه ورسله صار من شعائرهم، وما بعد ذلك إلا فساد الأرض وأهلها والبوار والدمار إذا لم يعتقد الإنسان أنه مسؤول عن عمل الشر في الآخرة، وبين الفريقين تطاحن وتنازع واستعداد لحرب فيها خراب الأرض وفناء أهلها، ولايجد الفريقان حلاً عادلاً لمشكلات الإقتصاد بحيث يتفق مع مصلحة البشر.

والإسلام - قبل حدوث هذه الغوائل، والكوارث، والمشاكل في المعيشه بألف واربعمائة سنة تقريباً حلَّ هذه المشاكل وأوجد طريقاً عادلاً يَسْعَد مَن سلكه، وحفظ للإنسان حرية التملك في كل ما يمكن أن يملكه، وجعل التجاوز عليها واعتقاد لغوها كفراً؛ وأوجد للفقراء والمصالح العامة في مال الأثرياء حقاً عُدَّ منعه من أكبر الكبائر، حتى أنه يستحق مانعه القتل، إن تكرر منه ثلاثاً؛ واعتقاد عدم وجوبه كفراً وخروجاً عن الأسلام. فجمع بين مصالح الرأسمالية والشيوعية، ونفى المفاسد المترتبة عليهما بهذا الحكم العادل والميزان المستقيم.

ولما كان قوام البشر ونظم مجتمعهم موقوفاً على هذا الحكم حثَّ عليه في القرآن الكريم أشد الحث، فذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مقترِنَين في آيات عديدة، وجعل منع الزكاة من صفات المشركين، والسُنّة أكدته أشد التأكيد وما في الواجبات بعد الصلاة بأفضل من الزكاة، ولولم يكن في الشريعة الإسلامية إلا هذا الحكم لكفى معجزة على صدق الرسالة والتوحيد.

ص: 118

ابن عربي عارف ام ملحد علاء فيصل

العدد الثاني

عقائده في الله تعالی

التجسيم الإسرائيلي في عقيدة إبن عربي!!

1- يحدثنا إبن عربي عن العرش والكرسي ، والقدمين في مواطن عدة. . . (1) .

2- وكذلك الحال عندما يؤول حديث : «كلتا يديه يمين» . تبارك وتعالی . . .(2)

.

3- وأيضاً في تأويله لحديث خلق الله آدم علی صورته ، تبارك وتعالی . . . (3) .

4- ثم يقول : بأن ضرس الكافر في النار مثل أحد ، وكثافة جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار، و...(4)5- ثم يذكر ما يدعی أنه «صحيح» عن رسول الله من الأخبار التي وصف فيها ربه وفيها ربه وفيها صفات البشر من الفرح ، والضحك ، والتعجب ، والتبشبش ، والغضب ، والتردد ، والكراهة ، والمحبة ، والشوق . . . (5) .

ص: 119


1- 1- الفتوحات المكية ج2 ص362 و...
2- 2- فصوص الحكم ص144 والفتوحات المكية ج11ص184 .
3- 3- فصوص الحكم ص199 والفتوحات المكية ج11ص258 .
4- 4- الفتوحات المكية ج1 ص 98 .
5- - الفتوحات المكية ج3 ص251 ج1 ص190 وج7 ص199 وج13 ص129 و130 .

6- ثم يصرح في موضع آخر : «إن الشارع ما أنكر إطلاقها في جناب الحق : من استواء ، ونزول ، ومعية ، وضحك ، وفرح ، وتبشبش ، وتعجب ، الخ . . » (1) .

الله جسم وهو يراه !!

7- يصرح إبن عربي في كتابه «الفتوحات المكية» بأنه قد رأی ربه في عالم الرؤيا ، وهو يقول له : إنصح عبادي .ثم يؤكد علی هذه الرؤيا في مواطن عديدة من الكتاب(2) .

إله إبن عربي يهرول!!

8- ثم يصرح بصحة الحديث الذي ينسب الهرولة إلی الله جل وعلا، ثم يقرر : أن المراد هو إثبات هذه الصفة له حسب ما يليق بجلاله ، لأنه المجهول الذي لا يعرف .

ويستطرد قائلاً : «وأما معقولية الهرولة ، فما خاطب الله أهل اللسان إلا بما يعقلونه .

فالهرولة معقولة ، وصورة النسبة مجهولة ، وكذلك جميع ما وصف الله به نفسه مما توصف به المحدثات »(3) .

ومن القائلون بمثل هذا الكلام هم الحشوية والوهابية .

نزول الله إلی سماء الدنيا!!

9- وهو أيضاً يؤيد ما ورد من الأحاديث الموضوعة ويصرح قائلاً : إن الله تعالی ينزل إلی سماء الدنيا في كل ليلة ، في الثلث الباقي من الليل(4) .

يمكن رؤية الله في الآخرة حسب عقيدة إبن عربي!!10- ويصرح : «أن الله تعالی سيتجلی في يوم القيامة للخلائق ، فيقول : أنا ربكم» .

فيقولون : نعوذ بالله منك . هذا نحن منتظرون حتی يأتينا ربنا . .

ص: 120


1- - الفتوحات المكية ج1 ص211 .
2- - الفتوحات المكية ج1 ص334 و658 .
3- - الفتوحات المكية ج1 ص 345 .
4- - الفتوحات المكية ج2 ص 629 .

فيقول لهم جل وعلا : هل بينكم و بينه علامة تعرفونه بها ؟

فيقولون : نعم .

فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها يتلك العلامة ، فيقولون : أنت ربنا .

فيأمرهم تعالی بالسجود ، فلا يبقی من كان يسجد لله إلا و سجد ، ومن كان يسجد اتقاء ورياء جعل الله ظهره طبقة نحاس ، كلما أراد أن يسجد خر علی قفاه ، وذلك قوله تعالی : { يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقِ وَيُدعَونَ إلَی السُّجُودِ فَلَا يَستَطِيعُونَ} . . »(1) .

11- يتحدث إبن عربي في أكثر من ومورد عن رؤية الله تعالی في الآخرة ، ثم يذكر تفاصيل مختلفة لذلك لم يأت بها من سلطان (2).

تصريحاته ب- «وحدة الوجود» وأن كل شيء هو «الله» تعالی !!

12- قال ابن عربي في كتابه «فصوص الحكم» تحت فصل الفص اللقماني : «إن الله لطيف ، فمن لطفه ولطافته أنه في الشيء المسمی كذا المحدود بكذا عين ذلك الشيء ، حتی لايقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح ، فيقال : هذا سماء ، وأرض ، وصخرة ، وشجرة ، وحيوان ، وملك ، ورزق ، وطعام ، والعين واحدة من كل شيء ، وفيه تقول الأشاعرة : إن العالم كله متماثل بالجوهر ، فهو جوهر واحد . فهو عين قولنا : العين واحدة الخ . . »(3) .

ويدافع عن «فرعون» ويعتبره عين «الله» تعالی!!

13- ثم يصرح في فصوص الحكم إن فرعون عين الحق ويقول :

«فصح قوله : {أَنَا رَبُّكَمَ الأَعلَی} ، وإن كان عين الحق ، فالصورة لفرعون ، فقطع الأيدي والأرجل بعين حق في صورة باطل ، لنيل مراتب لاتنال إلا بذلك الفعل »(4) .

ص: 121


1- - الفتوحات المكية ج1 ص 314 .
2- - فصوص الحكم ص87 و184 و...
3- - فصوص الحكم ص188
4- - فصوص الحكم ص211

14- ويقول في الفتوحات المكية : «سبحان من أظهر الأشياء ، وهو عينها »(1) .

ويقول «العجل » ، «إله» فلنتنبه لذلك ونتعلمه !!

15- قال إبن عربي في الفصوص : «أنظر إلی إلهك » فسماه إلهاً بطريق التنبيه وللتعليم ، لما علم أنه بعض المجالي الإلهية(2) .

الحكمة ليست من صفات الله تعالی !!

16- ويعتقد بأن: لايجب علی الله رعاية الأصلح . . .(3) .

عقائده في الأنبياء

يدعي أن الملائكة أفضل من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!

17- وقال: «وأما المسألة الطبولية ، التي بين الناس ، واختلافهم في فضل الملائكة علی البشر ، فإني سألت عن ذلك رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في الواقعة ، فقال لي : إن الملائكة أفضل .

فقلت له : يا رسول الله ، فإن سُئِلت : ما الدليل علی ذلك ، فما أقول ؟!

فأشار إلي : أن قد علمتم أني أفضل الناس ، وقد صح عندكم ، وثبت وهو صحيح أني قلت عن الله تعالی، أنه قال : «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ».

وكم من ذاكر لله تعالی ذكره في ملأ أنا فيهم، فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملأ الذي أنا فيهم.

فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة الخ . . »(4)

النبي الأعظم لبنة في حائط وأبن عربي لبنتان!!

ص: 122


1- - الفتوحات المكية ج2 ص 459 .
2- - فصوص الحكم ص192 .
3- - الفتوحات المكية ج1 ص 40 .
4- - الفتوحات المكية ج2 ص 61 .

18- كما يقول: «ولما مثَّل النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) النبوة بالحائط من اللبن ، وقد كَمُل سوی مَوضع لبنَ ، فكان (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) تلك اللبنة .وأما خاتم الأولياء ، فلا بدله من هذه الرؤيا ، فيری ما مثله به رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، ويری في الحائط موضع لبنتين . واللبن من ذهب وفضة ، فيری اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما، وتكمل بهما : لبنة ذهب ، ولبنة فضة ، فلابد أن يری نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين ، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط . . .

والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر ، وما يتبعه فيه من الأحكام .

كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بالصورة الظاهر متبع فيه ، لأنه يری الأمر علی ما هو عليه ، فلا بد أن يراه هكذا ، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن ، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ، الذي يوحي به إلی الرسول . .

فإن فهمت ماأشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء .

فكل نبي من لدن آدم إلی آخر نبي ، ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين ، وإن تأخر وجود طينته ، فإنه بحقيقته موجود ، وهو قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) :كنت نبياً وآدم بين الماء والطين . وغيره من الأنبياء ماكان نبياً إلا حين بعث ...(1)

يدعي النبوة العامة للأولياء

19- يعتقد إبن عربي بثبوت النبوة العامة للأولياء ، وأنها لم تنقطع(2) .

كرامات العرفاء لاتقل عن معجزات الأنبياء!!

ص: 123


1- - فصوص الحكم ص 63
2- - الفتوحات المكية: ج12 ص 147 و148و 149 و185 و186 و317 و318 و336 و337 و338 و339 و340 و341و 342 و344 و345 و424 و425 . وج11 ص251 حتی ص 255 و358 و391 و398 وج10 ص119 .

20- وقال: «إن أبا يزيد (احد العرفاء) نفخ في النملة التي قتلها فحييت ، فكان عيسوي المشهد »(1) .

النبي بشر لايتبع إلا إذا أمر!!21- وهو لايری لزوم اتباع النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، إلا إذا أمر بذلك ، قال : «فإنه (علیه السلام)بشر ، يتحرك كما يتحرك البشر، ويرضی كما يرضی البشر ، ويغضب كما يغضب البشر ، فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلا إن أمر بذلك »(2) .

أما «الولي» فهو فوق ذلك كله . . . كما تدل تصريحاته الآخری . . . كما أن كلامه هذا خلاف صريح قوله تعالی {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَی إِن هُوَ أِلَّا وَحیُُ يُوحَی} .

ويدعي خلق النبي آدم (علیه السلام) من تراب وطؤه إبليس !!

22- ثم يصرح أبن عربي : «لما أمر الله تعالی بقبض القبضة التي خلق منها آدم (علیه السلام)، فهبط ملك الموت لذلك . وكان إبليس في الأرض ، قد استخلفه الله تعالی فيها مع جملة من الملائكة ، وقد مكث زماناً طويلاً يعبد الله .

فقبض ملك الموت القبضه من سائر الأرض . وكان إبليس يطؤها بقدمه .

فلما عجنت طينة آدم ، وصورته من تلك الطينة ، جاء خلق النفس من التراب الذي وطأه إبليس ، فاكتسبت النفس ما فيها من الخبث ، والأوصاف المذمومة من ملامسة وطأة قدم إبليس .

ومن هنا جعلت النفس مأوی الشهوات ، وعيشه وسلطانه عليه ، لوطئه لها . ومن هنا جعل إبليس التكبر علی آدم.. الخ..»(3) .

ويساوي بين آدم وإبليس

ص: 124


1- - فصوص الحكم ص 142 .
2- - الفتوحات المكية: ج2 ص 165 .
3- - شجرة الكون ص82 و 83 .

23- ويقول: «لما اقتحم آدم وإبليس المعصية ، هذا بترك ما أمر به ، وذاك بفعل ما نهي عنه، جميع بينهما القدر إذ قدر، لأنه تعالی أمر وأراد خلاف ما أمر، فما وهبه الأمر سلبته الإرادة..الخ..»(1)

تعليق : إن القول بوحدة الوجود الذي يذهب إليه ابن عربي يضطره إلی القول بالجبر ، فإن الخلق إذا كان عين الحق تعالی حتی ان فرعون كان من تجلياته تعالی ، فيكون جميع ما يصدر منه مستنداً إلی الله سبحانه . . بل لدی التحقيق فإن وحدة الوجود هي أكثر تطرفاً من الجبر لأن نظرية الجبرتقول بوجودك ووجود فعل لك إلا إنك مجبور فيه أما وحدة الوجود فتقول بأنك عين الله وفعلك فعل الله فلا جبر بل عينه !!

النبي إبراهيم يكذب ثلاث مرّات!!

24- وهناك كلامه حول ما يرويه أهل السنة من كذبات النبي إبراهيم الثلاث(2) وغير ذلك مما يتعلق بمعاصي الأنبياء ، التي ينسبونها إليهم ، وحاشاهم صلوات الله علی نبينا وآله وعليهم .

25- ويذكر أن كذبات ابراهيم الثلاث قد أثرت عنده يوم القيامة فاستحی أن يطلب من الله فتح باب الشفاعة(3) .

إبراهيم (علیه السلام) أفضل من محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

26- ويقول عن الحديث الذي يقول : قولوا: اللهم صل علی محمد و علی آل محمد ، كما صليت علی إبراهيم وآله إبراهيم:

«يظهر من هذا الحديث فضل إبراهيم علی رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، إذ طلب من الله أنّ يصلي عليه مثل الصلاة علی إبراهيم»(4).

عيسی(علیه السلام) هو ختم الولاية العامة وليس محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

ص: 125


1- - شجرة الكون ص80 وفصوص الحكم ص 146 .
2- - الفتوحات المكية ج2 ص497 .
3- - الفتوحات المكية ج2 ص50 .
4- - الفتوحات المكية ج1 ص545 .

26- ثم يدعي أن ختم الولاية علی الإطلاق هو عيسی(علیه السلام) ، وأما ختم الولاية المحمدية، فهو لرجل من العرب، أكرمها أصلاً ، وبدءاً . .

ثم يستطرد قائلاً: إن ختم الولاية الخاصة له (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، إنما تكون لرجل يواطئ اسمه اسمه ، وما هو بالمهدي المسمی المعروف المنتظر ، فذلك من عترته ، وسلالته الحسِّية ،والختم ليس من سلالته الحسِّية ، ولكن من سلالة أعراقه وأخلاقه ، وقد ذكر القيصري : أنه يقصد بذلك كله نفسه . . .(1)

ص: 126


1- - شرح فصوص الحكم للقيصري- ص255 .

رسالة الاثنی عشرية الحر العاملي

في الرد علی الصوفية(و العرفاء)هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمة الله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء و هو يشتمل علی اثني عشر باباً و اثني عشر فصلاً و اليك ايها القارئ الكريم. الحلقة الثالثة من الكتاب وهي تكلمة ادلة ابطال التصوف وذمه عموماً من الباب الثاني :

الخامس : ماذكره ايضاً فی الكتاب المذكور(حديقة الشيعة) قال : وردت أحاديث كثيرة فی الطعن علی الصوفية .

منها : في ابي هاشم الكوفي الصوفي واضع مذهب الصوفية ورد الطعن فيه من عدة طرق .

منها : مارواه علي بن الحسين بن بابويه القمي في قرب الاسناد الذی صنفه عن سعد بن عبدالله عن محمد بن عبد الجبار عن العسكري(علیه السلام) انه قال سئل الصادق (علیه السلام) عن حال ابي هاشم الكوفي الصوفي فقال : انه فاسد العقيدة جداً وهو الذی ابتدع مذهبا يقال له التصوف وجعله مفراً لعقيدته الخبيثة(1).

ورواه ايضاً بسند آخر وقال فيه وجعله مقراً لنفسه الخبيثة .

قال مؤلف الحديقة: ان الشيخ والمفيد وابن بابوية وابن قولويه يقولون : ان هذه الطائفة الضالة من الغلاة وان الشيخ محي الدين بن عربي والشيخ عزيز النسفي وعبدالرزاق الكاشي قائلون بوحدة الوجود وان كل موجود فهو الله تعالی نعوذ بالله من هذه الاقاويل؟! .

السادس: مارواه ايضاً فی حديقة الشيعة قال : نقل السيد المرتضی عن الشيخ المفيد عن احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن ابيه عن سعد بن عبدالله عن محمد بن عبدالجبار عن العسكري (علیه السلام) انه كلم أبا هاشم الجعفري فقال يا با هاشم سيأتي علی الناس زمان وجوههم ضاحكة مستبشرة

ص: 127


1- - حديقة الشيعة ص564 .

وقلوبهم مظلمة منكدرة السنة فيهم بدعة والبدعة فيهم سنة ، المؤمن بينهم محقر والفاسق بينهم موقر ، امرأوهم جاهلون جائرون وعلماوهم فی ابواب الظلمة سائرون اغنياؤهم يسرقون زاد الفقراءواصاغرهم يتقدمون علی الكبراء كل جاهل عندهم خبير وكل محيل عندهم فقير لايميزون بين المخلص والمرتاب ولايعرفون الضأن من الذئاب علماؤهم شرار خلق الله علی وجه الارض لانهم يميلون الی الفلسفة والتصوف وايم الله انهم من اهل العدول والتحرف يبالغون فی حب مخالفينا ويضلون شيعتنا وموالينا وان نالوا منصبا لو يشبعوا من الرشا وان خذلوا عبدوا الله علی الريا لانهم قطاع طريق المؤمنين و الدعاة الی نحلة الملحدين فمن ادركهم فليحذرهم وليصن دينه وايمانه ثم قال : يا ابا هاشم بهذا حدثني ابي عن آبائه عن جعفربن محمد(علیهم السلام) وهو من اسرارنا فاكتمه الاعن اهله(1) .

السابع : مارواه شيخنا الاجل الافضل الشيخ بهاء الدين محمد العاملی (قدس سره) فی كتاب الكشكول قال النبی(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لاتقوم الساعة علی امتي حتی يخرج قوم من أمتی اسمهم صوفية ليسوا مني وانهم يهود أمتي يحلقون للذكر، ويرفعون اصواتهم بالذكر يظنون انهم علی طريق الابرار بل هم اضل من الكفار وهم اهل النار لهم شهقة كشهقة الحمار وقولهم قول الابرار وعملهم عمل الفجار وهم منازعون للعلماء ليس لهم ايمان وهم معجبون باعمالهم ليس لهم من عملهم الا التعب .

أقول: هذا فی معناه كامثاله صريح مشتمل علی غاية المبالغة فی الرد عليهم والنص علی فساد اعتقادهم وبطلان مذهبهم والحكم بكفرهم وخروجهم من الامة فان الجار متعلق بيخرج والالتناقض الحديث . علی ان كونهم من الامة مع الحكم عليهم بما حكم يدل علی كونهم من الفرق الهالكة لو ثبت ان الجار غير متعلق بالفعل المذكور .

الثامن : ماوراه الشيخ الجليل رئيس الطايفة ابو جعفر الطوسی فی كتاب المجالس والاخبار .

ورواه الشيخ الجليل الزاهد النبيل ورام بن ابی فراس فی كتابه فی حديث طويل يتضمن وصية النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لابی ذر رضي الله عنه يقول فيها يا اباذر يكون فی آخر الزمان قوم يلبسون الصوف فی

ص: 128


1- - الحديقة: ص 562 .

صيفهم صيفهم وشتائهم يرون الفضل لهم بذلك علی غيرهم اولئك تلعنهم ملائكة السماء والارض(1).

التاسع : ماوراه ورام وغيره ايضا من مواعظ عيسی(علیه السلام) انه قال بحق أقول لكم ان شر الناس لرجل عالم آثر دنياه علی علمه فاحبها وطلبها وجهد عليها حتی لواستطاع ان يجعل الناس فی حيرة لفعل وماذا يغنی عن الاعمی سعة نور الشمس وهو لايبصرها كذلك لايغنی عن العالم علمه اذ هولم يعمل به، مااكثر ثمار الشجر وليس كلها ينفع ولايؤكل! وما اكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم وما أوسع الارض وليس كلها تسكن ، وما اكثر المتكلمين وليس كل كلامهم يصدق فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم ثباب الصوف منكسوا رؤسهم الی الارض يزورّون الخطايا يرمقون من تحت حواجبهم كما ترمق الذئاب وقولهم يخالف فعلهم وهل يجتنی من العوسج العنب ومن الحنظل التين؟! وكذلك لايثمر (يؤثر- خ ) قول العالم الكاذب الازوراً وليس كل من يقول يصدق(2).

أقول : هذا ايضاً صريح في المطلوب فانه قدم تلك المقدمات ثم قال : فاحتفظوا الخ والفاء اما للاستيناف او للتفريع فعلی الاول كأنه قال فما علامة العلماء الذين يجب التحفظ منهم ؟ وعلی الثاني يكون بياناً لمن وصفهم وذكر حالهم فكانه قال : وهم كذا فاحتفظوا منه وقد ذكر علامتهم المختصة بهم وهي لبس الصوف ومعلوم ان الاختصاص بلبسه علامة القول بالتصوف وفيه كما تری نهاية الذم ولاهله.

العاشر : مارواه الكليني في باب دخول الصوفية علی ابي عبدالله (علیه السلام) واحتجاجهم عليه فيما ينهون الناس عند من طلب الرزق وقد أورده الطبرسي في الاحتجاج وغيره باسانيدهم أنه دخلسفيان الثوري علی ابي عبدالله(علیه السلام) فرآی عليه ثياب بياض كأنها غرقی البيض(3) فقاله له : ان هذا ليس من

ص: 129


1- - ص370 ط الناصری .
2- - تحف العقول ص380 ط النجف .
3- - الغرقئ – كز برج: القشرة الملتزمة ببياض الببض او البياض الذی يؤكل .

لباسك فقال(علیه السلام) اسمع مني و عِ(1) ماأقول فانه خير لك عاجلا وآجلا ان انت مت علی السنة والحق ولم تمت علی أخبرك أن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان في زمان مقفر خشن (جدب – خ م ) فاذا اقبلت الدنيا فأحق اهلهابها ابرارها لافجارها و مؤمنوها لامنافقوها ومسلموها لاكفارها فما أنكرت ياثوري فوالله انني لمع ماتری ما أتی عليّ منذ عقلت صباح ولامساء ولله في مالي حق أمرني أن اضعه موضعا الا وضعته .

قال : ثم اتاه قوم ممن يظهرون التزهد ويدعون الناس ان يكونوا معهم علی مثل الذي هم عليه من التقشف(2) فقالوا : ان صاحبنا حصر(3) عن كلامك ولم تحضره حججه فقال لهم : هاتوا حججكم ، فقالوا: أن حججنا من كتاب الله قال لهم فادلوا بها(4) فانها أحق ما اتبع وعمل به ، فقالوا : يقول الله تبارك و تعالی مخبراً عن قوم من اصحاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) «و يؤثرون علی انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون»(5) فمدح فعلهم وقال فی موضع آخر «ويطعمون الطعام علی حبه مسكيناً و يتيماً و اسيراً»(6) فنحن نكتفي بهذا فقال لهم رجل من الجلساء : أنا رأيناكم تزهدون فی الاطعمة الطبيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتی تمتعوا أنتم منها ؟ فقال ابوعبدالله(علیه السلام) : دعوا عنكم مالا ينتفع به أخبروني ايها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذی في مثله ضل من ضل و هلك من هلكمن هذه الامة فقالوا له أو بعضه فاما كله فلا فقال لهم : من هيهنا أتيتم(7) وكذلك أحاديث رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(8) فاماما ذكرتم

ص: 130


1- - ع: فعل أمر من وعی يعی مثل وقی يقی .
2- - التقشف : محركة – قذرالجلد ورثاثة الهيئة وسوء الحال وترك النظافة والترفه
3- - حصر : ای عجز
4- - وادلی بحجته : ای اظهرها
5- - الحشر- 10
6- - الدهر: 8
7- - بالبناء للمفعول ای دخل عليكم البلاء واصابكم مااصابكم
8- - ای فيها ايضاً ناسخ و منسوخ ومحكم ومتشابه وانتم لاتعرفونها – مرآة العقول -

من اخبار الله ايانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحاً جايزاً ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه علی الله وذلك ان الله جل وتقدس أمر بخلاف ماعملوا به فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهي الله تبارك و تعالی رحمة منه للمؤمنين ونظراً لكيلا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لايبصرون علی الجوع فان تصدقت برغيفی ولارغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً فمن ثم قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): خمس تمرات أو خمس قرص اودنانير أودراهم يملكها الانسان وهو يريدان يمضيه فأفضلها ماأنفقه الانسان علی والديه ثم الثانية علی نفسه وعياله ثم الثالثة علی قرابته واخوانه المؤمنين ثم الرابعة علی جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها قدراً .

وقال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) للانصاري حين اعتق عندموته خمسة اوستة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله اولادصغار لواعلمتموني امره ماتر­­­­­­­­­­­­­­­­كتكم تدفنونه مع المسلمين ترك صبية صغاراً يتكففون الناس.

ثم قال : حدثني ابي ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال : ابدأ بمن تعول الادنی فالادنی ثم هذا مانطق به الكتاب رداً لقولكم ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم قال تعالی : « والذين اذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(1)» افلاترون ان الله تبارك وتعالی قال غيرما أراكم تدعون الناس اليه من الاثرة علی انفسهم وسمی من فعل ماتدعون الناس اليه مسرفا وفی غير آية من كتاب الله يقول «ان الله لايحب المسرفين »(2) .فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين امرين لايعطی جميع ما عنده ثم يدعوالله ان يرزقه الله فلايستجيب له للحديث الذی جاء عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ان اصنافاً من امتي لايستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو علی والديه ، ورجل يدعو علی غريم ذهب له بماله ولم يكتب عليه ولم يشهد عليه و رجل يدعو علی امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده و رجل يقعد في البيت ويقول: يارب ارزقني ولايخرج ولايطلب الرزق فيقول الله عزوجل عبدی أو لم اجعل لك السبيل الی الطلب والضرب فی الارض بجوارح صحيحة لتكون قد أعذرت فيما بينی وبينك في الطلب لإتباع أمري

ص: 131


1- - الفرقان : 67
2- - الانعام :141

ولكي لاتكون كلاً علی أهلي فان شئت رزقتك وان شئت قترت عليك وانت معذور عندي، ورجل رزقه الله مالا كثيراً فانفقه ثم اقبل يدعو يارب ارزقني فيقول الله عزوجل : ألم ارزقك رزقا واسعا فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك عن الاسراف؟! ورجل يدعو في قطيعة رحم .

ثم علّم الله نبيه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من ذهب فكره أن تبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شي وجاءه من يسئله فلم يكن عنده مايعطيه فلامه السائل واغتم هو حيث لم يكن عنده مايعطيه وكان رحيما رفيقا فادّب الله تعالی نبيه بأمره اياه فقال : «ولاتجعل يدك مغلولة الی عنقك ولاتبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا(1)» يقول ان الناس قد يسئلونك ولايعذرونك فاذااعطيت جميع ما عندك قد حسرت من المال .

فهذه احاديث رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين و قال ابوبكر عند موته حيث قيل له أوصِ فقال اوصی بالخمس والخمس كثير فان الله تعالی قد رضی بالخمس فأوصی بالخمس وقد جعل الله له الثلث عند موته ولو علم ان الثلث خير له أوصی به . ثم من قد علمتم من بعده فی فضله وزهده سلمان وابوذر رضي الله عنهما فاما سلمان فكان اذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتی يحضر عطاؤه من قابل فقيل له : يا اباعبد الله انت في زهدك تصنع هذا وانت لاتدري لعلك تموت اليوم اوغداً فكان جوابه ان قال : مالكم لاترجون ليالبقاء كما خفتم عليّ الفناء أو ماعلمتم يا جهلة ان النفس قد تلتاث علی صاحبها اذا لم يكن لها من العيش ماتعتمد عليه فاذاهی احرزت معيشتها اطمأنت.

وأما ابوذر فكانت له نويقات و شويهات يحلبها ويذبح منها اذااشتهی أهله اللحم او نزل به ضيف او رای باهل الماء الذين هم معه خصاصة نحرلهم الجزور أو من الشياه قدر مايذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لايتفضل عليهم ومن ازهد من هؤلاء وقدقال فيهم رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ماقال ولم يبلغ من أمر هما أن صادرا لايملكان شيئاً البتة كما تأمرون الناس بالقاء امتعتهم وشيئهم ويؤثرون به علی أنفسهم وعيالاتهم .

ص: 132


1- - الاسراء : 31 .

واعلموا ايها النفر انی سمعت ابي يروي عن آبائه ان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال يوماً ماعجبت من شي كعجبي من المؤمن ان قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له وان ملك مشارق الارض ومغاربها كان خيراً له فكل ما يصنع الله به كان خيراً له فليت شعری هل يحيق فيكم ما قدشرحت لكم منذ اليوم ام ازيدكم أوماعلمتم ان الله جل اسمه قد فرض علی المؤمنين فی اول الامر ان يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين وليس له أن يولیِِّ وجهه عنهم ومن ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار ثم حولها من حالهم رحمة منه لهم فصارالرجل منهم عليه ان يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عزوجل للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة واخبروني ايضاً عن القضاة أجوَرة هم حيث يقضون علی الرجل منكم نفقة امرأته اذا قال أني زاهد وانه لاشي لي ؟ فان قلتم جورَة ظلمتم (ظلمكم -خ) اهل الاسلام وان قلتم بل عدل خصمتم انفسكم وحيث تردون صدقة من تصدق علی المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.

أخبرونی لو كان الناس كلهم كالذين تريدون زهاداً لاحاجة لهم في متاع غيرهم فعلی من كان يتصدق بكفارات الايمان والنذور والصدقات من فرض الزكوة من الابل والغنم والبقر وغير ذلك من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما قد وجبت فيه الزكوة من الابل والبقر والغنم وغير ذلك اذا كان الامر كما تقولون لاينبغي لاحدان يحبس شيئاً من عرض الدنيا الاقدّمه وان كانت به خصاصة فبئسما ذهبتم اليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله وسنة نبيه واحاديثه التي يصدقها الكتابالمنزل وردكم اياها لجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والامر والنهي .

وأخبرونی عن سليمان بن داود(علیه السلام) حيث سال الله ملكاً لاينبغي لاحد من بعده فاعطاه الله ذلك وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم نجدالله عزوجل عاب ذلك عليه ولااحد من المؤمنين ، ثم داود النبي(علیه السلام) قبله في ملكه وشدة سلطانه ، ثم يوسف النبي(علیه السلام) حيث قال لملك مصر : «اجعلني علی خزائن الارض اني حفيظ عليم » (1) انتهی كلامه صلوات الله عليه وسلامه(2) . وكفی بما تضمنه

ص: 133


1- - يوسف: 56 .
2- - الكافی ج5 ص65 .

هذا الحديث الشريف واعظا لمن تدبره وزاجراً لمن تأمله واعتقد في الناطق به فان فيه ما يقمع رأس الضلال ويقلع اصل التمويه والخيال ويقطع عن اهل الانصاف مادة القيل والقال فان فيه نسبة الصوفية الی الجهل والابتداع وترك الانقياد للقرآن وعدم الاتباع والاعراض عن أهل العصمة والميل الی الاختراع واعتقادهم حجية قول ابي بكر وفعله لرغبتهم عن العلم الصحيح واهله وانكارهم لما اوجبه الله واستحلالهم ما حرم الله وجرأتهم علی الائمة(علیهم السلام) ونسبتهم له الی مخالفة الشرع وحب الدنيا والجهل وغير ذلك مما بعضه كاف فی التنفير عنهم والتحذير منهم لعمري لقد ايقظت من كان نائماً واسمعت من كانت له أذنان .

الحادی عشر : مارواه الصدوق فی عيون الاخبار ومعانی الاخبار(1) وغيرهما ورواه الطبرسي في الاحتجاج(2) وجماعة من اصحابنا عن الصادق(علیه السلام) انه قال :من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتصفه فاحببت لقاءه من حيث لايعرفني لاعرف مقداره ومحله فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامة فوقفت منتبذاً عنهم مغشی (متغشيا – خ) بلثام انظر اليه واليهم ، فمازال يروغهم حتی خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر ، فتفرقت العوام عنهلحوائجهم و تبعته اقفو أثره فلم يلبث ان مربخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معامله ثم مربعده بصاحب رمان ، فمازال به حتی تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة ثم لم ازل اتبعه حتی مربمريض فوضع الرغيفين والرمانين بين يديه ومشی (ومضی- خ) فتبعته حتی استقرفی بقعة من صحراء فقلت له : ياعبدالله فقد سمعت بك فأحببت لقاءك فلقيتك لكنی رأيت منك ما شغل قلبی وانی سائلك عنه ليزول عني به شغل قلبي .

قال: وما هو؟ قلت:رأيتك مررت بخباز فسرقت منه رغيفين ثم بصاحب الرمان فسرقت منه رمانتين.

قال : فقال لی قبل كل شیء : حدثنی من أنت ؟ قلت : رجل من اولاد آدم من أمة محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: حدثنی ممن انت ؟ قلت : رجل من أهل بيت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال : اين بلدك ؟ قلت المدينة قال : لعلك

ص: 134


1- - معانی الاخبار ص29 النجف .
2- - الاحتجاج ج2 ص129 .

جعفر بن محمد بن علی بن الحسين بن علی ابن ابی طالب(علیه السلام) قلت: بلی قال فما ينفعك من (شرف- خ) اصلك مع جهلك بما سرقت به(1) وتركك علم جدك وابيك فتنكر مايجب أن يحمد ويمدح فاعله؟!.

قلت: وما هو؟ قال : القرآن كتاب الله قلت: وما الذی جهلت منه ؟قال قول الله عزوجل : «من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلايجزی الا مثلها(2) وانی لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فهذه اربع سيئات فلما تصدقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة فانتقص من اربعين حسنة اربع سيئات فبقی لی ست وثلثون .

قلت: ثكلتك امك انت الجاهل بكتاب الله أما سمعت الله عزوجل يقول : «انما يتقبل الله من المتقين»(3) انك لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فلما دفعتها الی غير صاحبها بغير امر صاحبها كنت انما اضفت اربع سيئات الی اربع سيئات ولم تضف اربعين حسنة الی اربع سيئات فجعليلاحيني(4) فانصرفت وتركته قال الصادق(علیه السلام): بمثل هذا التأويل القبيح المستنكر يَضلون ويُضلون-«الحديث» .

اقول : لايخفی ان المذكور من الصوفية والجماعة المذكورين مريدون له وليس من العلماء قطعاً لما ظهر من حاله والحديث صريح فی بطلان طريقته وطريقة امثاله والحكم بضلالهم وضلاله فان مدار أمرهم تأويلات من هذا القبيل ولاريب ان من كذب بالتأويل كمن كذب بالتنزيل وعلی تقدير عدم كونه صريحاً فان فيه تعريضا واضحا وتلويحاً والله اعلم .

التعريف بالكتب العقائدية

الاحتجاج للعلامة الطبرسي (قدس سره)

كتاب يضم مجموعة كبيرة من احتجاجات الائمة(علیهم السلام) مع ارباب المذاهب والملل كاليهود والنصاری والمجوس والصابئة والفلاسفة وعلماء العامة في المجالات العقائدية و غيرها.

وهو وثيقة تاريخية في المسائل العقائدية يكشف عن الموقف الشيعي من تلك المذاهب والملل .

ص: 135


1- - نسخة الاحتجاج ومعانی الاخبار . بما شرفت به .
2- - الانعام: 160 .
3- - المائدة :27 .
4- - الملاحاة : المجادلة

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109