مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد 5

هویة الكتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة الثانية: العدد الخامس 1389 هجرية شمسية 1431 هجرية قمرية

مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي

موقعنا علی الانترنت: www.aqayed.com

ص: 1

الفهرس

كلمة التحرير...4

كونوا مع الصادقين آية الله السيد علي البهبهاني(رحمةالله) ...6

آيات العقائد من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...9

في إبطال الكشف بما يستفاد من الآيات والأخبارالعلامة السيد قاسم علي احمدي...16

اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني...28

أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...39

السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ...46

التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء العلامة الشيخ علي الكوراني...65

الصلاة معراج المؤمن...74

مصحف فاطمة (علیها السلام) اللجنة الثقافية لأهل البيت (علیهم السلام)...75

التقيّة عند الشيعة الامامية ابوجعفر الكاظمي...83

روائع من الأدب الإسلامي...89

الغلو و التفويض وموقف الأئمة منهم الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...94

الولاية التكوينية آية الله السيد كاظم الحائري...102

رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...107

المسؤولية العقلية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...116

موقف اصحاب الائمة(علیهم السلام) تجاه الفلسفة والعرفان...123

ابن عربي عارف أم ملحد؟ علاء فيصل...127

التعريف بالكتب العقائدية...135

ص: 2

ص: 3

كلمة التحرير

مسؤولية حفظ الدين

لايخفی علی ذوي البصيرة ان الاستعمار البريطاني قبل ثلاث مائه ستة بعد تأسيس وزارة المستعمرات افتعل للامة الاسلامية مذاهب متعددة لتمزيقها فأوجد مذهب الوهابية بين ابناء السنة من العرب و اوجد مذهب البابيه والبهائية والشيخية للشيعة وهؤلاء هم الذين يروجون هذه الافكار الضالة والمنحرفة في زماننا فراجع كتبهم مثل ارشاد العوام وشرح الزيارة للشيخ احمدالاحسائي الذي لم يكن احسائياً ولاعربياً بل كان روسياً ويتكلم بلهجة قريبة للكيلكية وقيل انه قس من قساوسة النصارى وقد اختفى بعد ما حكم عليه الشهيد الثالث بالكفر وهو الملا محمدتقي البرغماتي القزويني وقد قتل من قبل الشيخية لاجل هذه المسألة.

وعلی هذا فليس من الصحيح ان نقف مكتوفي اليدين امام هذه المؤامرات الاستعمارية التي تريد تدمير الامة الاسلامية بتمزيقها وتشويه حقيقة الاسلام وحقيقة التشيع فتحرك اذنابها باظهار التشيع مظهر التخلف والخرافة كما في ترويجهم للضرب على الرؤوس -القامات- باسم الشعائر الحسينيّة وباظهار

ص: 4

التشيع مظهر التأليه للائمة المعصومين(علیهم السلام) وكذلك اظهاره بمظهر الصوفية وترويج الفكر العرفاني باسم الاسلام والتشيع كما في ترويجهم افكار ابن عربي و المولوي الرومي ومن جانب آخر يحرّكون ابناء العامة بان الشيعة كفار وخارجون عن الاسلام وانهم يحل قتلهم كما نجد ذلك منايجادهم أخُصُّ المستعمرين لفرقة الوهابية قديماً وللطالبان وجيش الصحابة اخيراً ولايخفى ان الاستعمار يخشى من التشيّع اشد خشية لما يمتاز به التشيع من جوانب متعددة من كونه مدعوماً بالدليل والبرهان و من كون الادلة على حقانيته متوافرة في كتب الشيعة والسنة ومما يمتاز به من جوانب اقتداريّة فان كل من تعرف على التشيع احبه وتفانى من اجله وبما يمتاز به علماء الشيعة من قوة علمية ومهابة قلبيّة وشجاعة روحيّة فقد ادرك الاستعمار كل ذلك ولذا جنّد شياطينه لمحاربة التشيع وتشويه حقيقته ومحاربة علمائه المجاهدين وعليه فالمطلوب من علماء الحوزة العلمية ومراكز التبلغ والارشاد ان يحافظوا على نزاهة التشيع وجماله وحقانيته وان يقفوا امام كل ما يوجب وهنه واتهام اتباعه بالانحراف والكفر وان يرفعوا كل الموانع التي تمنع من تعرف الملايين من المسلمين غير الشيعة عليه خصوصاً مع ملاحظه كثرة الدعايات عليه في مختلفه المناطق خصوصاً المناطق التي لا يتواجد فيها الشيعة.

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت (علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 5

كونوا مع الصادقین آية الله السید علي البهبهاني(رحمةالله)

مصباح الهداية

من افادات آية الله السید علي البهبهاني(رحمةالله)

كونوا مع الصادقين

في تفسير قوله تعالی : (يا أيها الذين آمنوا الله و كونوا مع الصادقين)(1)

في الكافي عن مولانا الباقر (علیه السلام) : «إيّا نا عنی»(2)

و عن مولانا الرضا (علیه السلام) «الصادقون هم الائمة الصديقون بطاعتهم ».(3)

و في الإكمال عن مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال في جميع من المهاجرين و الانصار:«أسألكم بالله أتعلمون أنّه لّما نزلت هذه الآية قال سلمان لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): عامّة هذه الآية أم خاصّة؟ فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): أمّا

ص: 6


1- - سورة التوبة:120.
2- - الكافي 1/208.
3- - الكافي 1/208.

المأمورون فعامّة المؤمنين اُمرو بذلك ، وأمّا الصادقون فخاصّة لأخي وأوصيائي من بعده إلی يوم القيامة ، قالوا: اللّهم نعم(1).

وقد استفاضت الروايات من طريقنا وطريق العامّة:أنّ الصادقين هم أهل بيت النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) المطهّرون.وقد ذكر في غاية المرام عشرة أخبار من طريقنا ، وسبعة أخبار من طريق العامّة .(2)

اقول : ويدّل علی اختصاص الصادقين في الآية الكريمة، بالأئمة المعصومين الطيّبين من آل محّمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وعدم إرادة مطلق الصادقين منه ، كما دلّت عليه الروايات المستفيضة من الطرفين: أنّه لو كان المراد بالصدق مطلق الصدق الشامل لكلّ مرتبة منه ، المطلوب من كل مؤمن ، وبالصادقين المعنی العام ، الشامل لكلّ من اتّصف بالصدق في أيّ مرتبة كان ، لوجب أن يعبّر مكان «مع» بكلمة «من» ، ضرورة أنّه يجب علی كلّ مؤمن أن يتحرّز عن الكذب ، ويكون من الصادقين ، فالعدول عن كلمة «من» إلی«مع» يكشف عن أنّ المراد بالصدق مرتبة مخصوصة، وبالصادقين طائفة معيّنة .

ومن المعلوم أنّ هذه المرتبة مرتبة كاملة ، بحيث يستحقّ المتّصفون بها أن يتّبعهم سائر المؤمنين جميعاً، وهذه المرتبة الكاملة التي تكون بهذه المثابة ليست إلاّ العصمة والطهارة، التي لم يتطرّق معها كذب في القول والفعل ، إذ في الاُمّة من طهّره الله تعالی ، وأذهب عنه الرجس، وهم أهل بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، بنصّ آية التطهير ، واتّفاق جميع المسلمين ، فلو اُريد من الصادقين غير المعصومين لزم أن يكون المعصومون مأمورين بمتابعة غير المعصومين المتطرّق فيهم الكذب ولو جهلاً أو سهواً ، وهو قبيح عقلاً ، فتعيّن أن يكون المراد الصادقين المطهّرين ، الحائزين جميع مراتب الصدق قولاً وفعلاً ، ولايصدق ذلك إلّا علی أهل بيت النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وإليه يشير قول مولانا الرضا (علیه السلام): «هم الأئمّة الصدّيقون بطاعتهم» .(3)

ويدّل علی كونهم أئمّة كما نبّه عليه مولانا الرضا(علیه السلام) في هذه الرواية أمره سبحانه وتعالی جميع المؤمنين- بعد أمرهم بالاتّقاء عن محارمه- بأن يكونوا مع الصادقين ، ولايصدق الكون معهم إلّا بأن

ص: 7


1- - إكمال الدين ص 265 . البحار 33/149 .
2- - غاية المرام ص248 .
3- - في المصدر :«والصديّقون بطاعتهم» فراجع .

يكونوا تحت طاعتهم ، متحرّزين عن مخالفتهم ، وليس للإمامة معنی إلّا افتراض طاعة الإمام علی المأموم من قبله تعالی ، بل لاتعبير أقرب إلی معنی الإمامة من أمير المؤمنين بأن يكونوا معه ، إذ حقيقة الائتمام عبارة عن متابعة المأموم إمامه ، وعدم مفارقته عنه .

فإن قلت : افتراض الطاعة لايكشف عن الإمامة ، إذ يجب علی الولد طاعة والده ، وعلی الزوجة طاعة زوجها ، مع عدم الإمامة لهما .

قلت : افتراض طاعتهم علی جميع المؤمنين- كما يقتضيه عموم الموصول- من دون استثناء لافي مدلول الموصول ، ولافي الطاعة يلازم الإمامة، بخلاف افتراض الطاعة علی شخص مخصوص بعلاقة الاُبوّة أو الزوجيّة، وهكذا في جهات خاصّة محدودة، فإنّه لايلازم الإمامة كما هو ظاهر .

ويكشف أيضاً عن عموم الأمر بالكون مع الصادقين لجميع المؤمنين :أنه تعالی أمرهم بالاتّقاء عن محارمه ، وعطف عليه الأمر بالكون مع الصادقين، فإنّ الأمر بالتقوی يعمّ الجميع ، ولايحتمل فيه تخصيص وتقييد ، فعطفه تعالی شأنه الأمر بالكون مع الصادقين علی الأمر بالاتّقاء تصريح بالعموم، فليس لأحد أن يتقدّم علی الصادقين من آل محمّد: عليّ وأولاده الطيّبين الطاهرين ، صلّی الله عليه وعليهم أجمعين.

ص: 8

من وحي القرآن

آيات العقائد من محاضرات الاستاذ السيد جعفرسيدان الخراساني

آية حركة الجبال

{ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي اتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }(1).

البحث حول آيات التوحيد والمعاد والمسائل الإعتقادية الأخرى، هنالك قسما من الآيات من جملتها الآية السابقة تفسّر على خلاف الموازين والمعايير نفي بعض الإحيان يكون المطلب خلاف اصول التفسير لكنّه لا يتنافي مع الأصول القطعية للدين ففي مثل هذه الصورةيمكن حمل ذلك على حصول فهم مخلوط للآية ويمكن عده خطاءً من جملة تلك الأخطاء الكثيرة التي يقع فيها الناس وفي بعض

ص: 9


1- - النمل/ 88

الأحيان لايكون التفسير مخالفا لموازين التفسير فحسب بل هو مخالف لأصول ما جاء به الوحي القطعية وعلى سبيل المثال آية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.... }(1) .

فهذه الآية من جملة الآيات التي فسرت من قبل جماعة بالشكل الذي تخالف الأصول القطعية لما جاء به الوحي الإلهي حيث قالوا:

لقد كفر الذين قالوا انّ اللَّه هو المسيح لا لأجل انّهم رفعوا المسيح إلى مقام الإلوهية بل لأجل حصرهم الذات الإلهية بالمسيح في حين انّ اللَّه ليس هو المسيح فقط بل هو كلّ شى ء وحصر اللَّه (سبحانه وتعالى) بشي ء واحد كفر.

وليس انحراف هذا التفسير في هذه الآية المباركة محدودا في ظاهر آية »لقد كفر الذين...« بل يبتني هذا التفسير على مبنى خاص بحيث انّ هذا المعنى يرد عليه إشكالات كثيرة ولو انّ أحدا ذكر هذا المعنى بعنوان أحد الإحتمالات في الآية المباركة فالأمر في ذلك أهون إلاّ انّه إذا قال هذا المعنى هو مراد اللَّه جلّ وعلا فانّ هذا الكلام باطل جدا ولا اساس له اصلا.

الآية التي نريد البحث عنها هي والآيات التي قبلها بعدها لها علاقة بمسألة القيامة فالآية التي قبلها هي:

{وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}(2)

هذه الآية تتكلم عن أهوال يوم القيامة والآية التي بعدها والتي هي مورد البحث يقول جلّ وعلا:

(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني يا أيّها النبي انّ هذه الجبال التي تراها وتتصورها جامدة بلا حركة (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) والحال انّ حركتها كحركة الغيم (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي اتْقَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ) وهذا الصنع والخلق الإلهي في كلّ شي ء على اتم صنع واتقنه (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).

والآية التي بعدها والتي هي في سياق التي قبلها لها علاقة باهوال القيامة حيث يقول جلّ وعلا:

ص: 10


1- - المائدة/ 17و72
2- - النمل/87

{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}(1).

فمع ملاحظة ماقبل الآية ومابعدها حيث يتكلمان عن القيامة فانّ اكثر المفسرين فسروا الآية ايضا على أنّها تتكلم عن أهوال القيامة وما يجري فيها من تلاشي الجبال وتحركها كالسحاب كما في آيات كثيرة اخرى ايضا التي تتكلم عن تلاشي النظام الكوني الفعلي ونتيجة الأمر انّ هذا الآية وبقرينة ماقبلها وما بعدها لها علاقة بيوم القيامة والمراد من (وهي تمر مر السحاب) هو الإشارة إلى تلاشي الجبال وحركتها في واقعة القيامة.(2)

رأي صاحب تفسير الميزان

يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان بعد توضيح الآية التي قبلها وذكره للآية التي هي مورد البحث:

«والآية بما أنّها واقعة في سياق آيات القيامة محفوفة بها تصف بعض ما يقع يومئذ من الآيات وهو سير الجبال وقد قال تعالى في هذا المعنى أيضا {وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}(3) إلى غير ذلك.

فقوله (وترى الجبال) الخطاب للنبي ّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والمراد به تمثيل الواقعة كما في قوله{ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى}(4) أي هذا حالها المشهورة في هذا اليوم تشاهدها لو كنت مشاهدا وقوله: (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) أي تظنها الآن ولم تقم القيامة بعد جامدة غير متحركة والجملة معترضة أو حالية وقوله:

ص: 11


1- - النمل/ 89
2- - بعد التحقيق في التفاسير في ذيل الآية المذكورة لم نعثر على رواية إلاّ على رواية وردت في طريق العامة (تفسير ابن أبي حاتم) نقلا عن أبى هريرة انه قال، قال رسول اللَّه ّ|: يسيّر اللَّه الجبال فتمر مر السحاب ثم يجعلها سرابا وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون الأرض كالسفينة المرنقة في البحر أو كالقنديل المعلق بالعرش.
3- - النبأ/ 20
4- - الحج/2

{وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} حال من الجبال وعاملها (ترى) أي تراها إذا نفخ في الصور حال كونها تسير سير السحاب في السماء »(1).

ويستمر السيد الطباطبائي في البحث ويقول: انّ في تفسير هذه الآية قولين آخرين:

2- تفسير الآية بالحركة الجوهرية.

3- تفسير الآية بحركة الأرض الإنتقالية.

وحول القول الثالث قال:

«حملها على حركة الأرض الإنتقالية وهو بالنظر إلى الآية في نفسها معنى جيد إلاّ انّه:

أوّلا يوجب إنقطاع الآية عمّا قبلها وما بعدها من آيات القيامة.

وثانيا ينقطع بذلك إتصال قوله: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} بما قبله».

لأنّ البحث في صدر الآية كان عن موضوع تكويني ومع هذا التفسير فلا تناسب بين صدر الآية وذيلها.

ويقول حول القول الثاني وهو الحركة الجوهرية:

«حملها على الحركة الجوهرية وانّ الأشياء كالجبال تتحرك بجوهرها إلى غاية وجودها وهي حشرها ورجوعها إلى اللَّه سبحانه».

أنواع الحركة

الحركة حسب قول المشهور على أربعة أنواع:

1- الحركة الكمية: وهي التغيّرات المقدارية الحاصلة للشي ء مثلا الشجرة الصغيرة تنمو وتكبر فهذه الزيادة في المقدار والوزن والحجم للشجرة هي نتيجة الحركة الكمية للشي ء.

2- الحركة الكيفية: وهي التغيّرات الكيفية للشي ء مثل تغيّر اللون والطعم والحرارة و... فهذه علائم الحركة الكيفية في الأشياء.

ص: 12


1- - الميزان، 442 - 239/15

3- الحركة الايّنيّة: وهي حركة الأشياء وانتقالها من مكان إلى آخر مثلا من هذه النقطة إلى نقطة أخرى.

4- الحركة الوضعية: وهي حركة الشي ء حول نفسه كما في حركة الأرض حول نفسها.

طبعا هنالك نقاشات واردة على الحركة الكمية وقد أجيب على تلك الإشكالات ويرى البعض انّ الحركة الكمية ليست حركة بل هي عبارة عن ضم شي ء إلى شي ء وحول امثلة الحركة الكيفية ايضا هنالك نقاشات إلاّ إننا لسنا بصدد بيان ذلك.

5- هنالك حركة اخرى خالفها بشدة بعض القدماء - من جملتهم أبوعلي ابن سينا - وهنا لك البعض مثل ملاصدرا اصر على ثبوتها وهي الحركة الخامسة الحركة الجوهرية.

اشكال ابن سينا على الحركة الجوهرية

يقول ابوعلي ابن سينا: « أمّا الجوهر فانّ قولنا انّ فيه حركة هو قول مجازي فانّ هذه المقولة لا تعرض فيها الحركة»(1).

ويقول ايضا:

أمّا حول تغيير المواد إلى مواد اخرى يعني ذهاب الحالة الأولى ومجي ء حالة ثانية فهذا ما يسمّى بالكون والفساد لا الحركة.

كذلك يقول ابن سينا: انّه لابدّ في كلّ حركة من موضوع ثابت - بلا فرق بين الكم أو الكيف أو الأين أو الوضع - ولابدّ في تحقق حركة هذا الموضوع الثابت من شروط: المبدأ وهو ما منه الحركة، والمسير وهو ما فيه الحركة، والمنتهى وهو ما إليه الحركة.

يقول ابن سينا انّه لا يوجد في الحركة الجوهرية موضوع ثابت فانّ المفروض: انّ الحركة في جوهر الشي ء يعني انّ حقيقة الشي ء في حركة إذن فليس هنالك موضوع ثابت وإذا لم يكن هنالك موضوع ثابت فلا معنى لإطلاق الحركة على هذا الأمر.

ص: 13


1- - الشفاء، 43/1 اول الفصل الثالث من الفنّ الأول من طبيعيات الشفاء.

ويقول ملاصدرا: لا، موضوع الحركة ثابت وهو الطبيعة النوعية وبتعبير اخر، المادة الأولى للشي ء أو الهيولى التي تتقبل كلّ صورة وذلك هو الموضوع الثابت للحركة الجوهرية طبعا هنا بحث مفصل حول ذلك لسنا بصدده.

القول المختار للسيد الطباطبائي

يقول السيد الطباطبائي في آخر كلامه:

«وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما في قوله (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) من التلويح إلى أنّها اليوم متحركة ولم تقم القيامة ».(1)

يقول: انّ هذا المعنى وهو حمل الآية علی الحركة الجوهرية أنسب من القولين الآخرين بالنظر إلى قوله (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) حيث تشير إلى انّ الجبال متحركة الآن قبل أن تقوم القيامة.

وذلك لأنه لا يعتنى (لهذا المعنى) وهو: كون القيامة ظرفا لعدم حركة الجبال وكذلك هي ظرف لحركتها.

أقول: على أي حال هذه النظرية لها موافق ومخالف، فانّ ابن سينا وجماعة من المخالفين وانّ ملاصدرا واتباعه موافقون لها وكلّ منهما له مبناه وهو مصر عليه ونتيجة ذلك يفسر الآية طبقا لمبناه. في حين إننا نجد انّ الآية المباركة لا تتفق مع أي معنى من المعاني الحاصلة من هذه المباني لا من جهة المنطوق ولا من جهة المفهوم.

اصطدام هذا التفسير مع اشكالين

فهذا المعنى وهذا التفسير الذي ذكره ملاصدرا للآية يرد عليه إشكالان كما يرد الإشكالان على تفسير الآية بالحركة الإنتقالية للأرض وهما:

أوّلاً: يوجب إنقطاع الآية عمّا قبلها ومابعدها من آيات القيامة.

ثانياً: ينقطع بذلك صدر الآية عن ذيلها.نكتة مهمة:

ص: 14


1- - الميزان، 442/15

وهنا نكتة مهمة لابدّ من الإلتفات إليها وهي انّ الآية المباركة شبهت حركة الجبال بحركة السحاب ومن الواضح ان حركة السحاب من الحركة الأينية والإنتقالية في حين انّ الحركة الجوهرية غير هذه الحركة.

يقول ملاصدرا في رسالة الحدوث والقدم في جواب هذا السؤال(1) وهو: هل هنالك قائل بنظرية الحركة الجوهرية أم لا؟ انّ اوّل قائل بهذه النظرية هو اللَّه جلّ وعلا(2) حيث يقول: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}.

حاصل البحث

الأقوال حول تفسير هذه الآية المباركة (وَتَرَى الْجِبَالَ... ) كالتالي:

الف: قول أكثر المفسرين وهو انّ هذه الآية لها علاقة بواقعة القيامة وحركة الجبال قرينة على ذلك وقد نقل السيد الطباطبائي قولين:

ب: حمل الآية على الحركة الإنتقالية للأرض

ج: قول ملاصدرا واتباعه من حمل الآية على الحركة الجوهرية.

وقد علمنا انّ من أشد المخالفين لهذا القول أبوعلي ابن سينا وانّ أهم دليل له على مخالفته هو انّه لابد في الحركة من موضوع ثابت والموضوع في الحركة الجوهرية متغير وفي الحقيقة لا توجد هنالك حركة بل مجازا يقال لها حركة.

وهذان القولان الأخيران يرد عليهما ثلاثة اشكالات:

1- ان هذين التفسيرين يوجبان انقطاع الآية عما قبلها ومابعدها من آيات القيامة.2- انّ هذين التفسيرين ينقطع بهما صدر الآية عن ذيلها.

ص: 15


1- - يشير ملاصدرا في رسالة المشاعر في بحث حدوث العالم وفي العرشية في قاعدة حدوث العالم إلى هذه الآية المباركة.
2- - وقد جاء هذا المطلب في الأسفار وفيه« فأول حكيم قال في كتابه العزيز هو اللَّه سبحانه وهو أصدق الحكماء حيث قال: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}.

3- انّ تفسير الآية بالحركة الجوهرية يوجب أن يكون التشبيه في الآية من كون حركة الجبال تشبه حركة السحاب الإنتقالية بلا معنى مضافا إلى انّ هذا التفسير لا مؤيد له من الأدلة النقلية.

في إبطال الكشف بما يستفاد من الآيات والأخبار حجة الاسلام و المسلمين السيد قاسم علي احمدي

يتشدق العرفاء و الصوفية لاجل اثبات حقانية مسلكهم بالمكاشفات و الالهامات و الامور الخارقة العادة الحاصلة لهم و نحن لا ننكر ذلك و انما نقول انها من صنع الشيطان و هي من سنخ السحريات و ما يعرف بالعلوم الغريبة و هنالك قصص كثيرة موثوقة تشهد علی ارتباط ارباب هذه الافعال و المكاشفات بالشياطين و انها تحصل لكل احد ممن يسلك مسلك الشياطين و قد صرحت الروايات الواردة عن اهل بيت العصمة و الطهارة(علیهم السلام) بذلك و قد جمع مجموعة منها سماحة الحجة العلم السيد علي احمدي دام عزه نقدمها للقراء الكرام

المجلة

ص: 16

لا يخفى أنّ ترائي الشيطان في صور مختلفة هو نصّ الكتاب الكريم والأخبار الكثيرة الدّالة على ظهورهم وترائيهم لأولياء الضلال .

فمن الكتاب الكريم قوله سبحانه وتعالى : « هل أنبّئكم على من تنزّل الشياطين ، تنزّل على كلّ أفّاك أثيم ، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون »(1).

أي تنزّل الشياطين على كلّ كذّاب فاجر كثير الإثم .

قال الطبرسى(رحمةالله): يلقون السمع معناه أنّ الشياطين يلقون ما يسمعونه إلى الكهنة والكذّابين ، ويخلطون به كثيراً من الأكاذيب ويوحونه إليهم .(2)

وفي تفسير الصافي : أي الأفّاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنوناً وأمارات لنقصان علمهم ، فيضمون إليها - على حسب تخيّلاتهم - أشياءا لا يطابق أكثرها(تفسير الصافى 4 / 55).

وقوله سبحانه وتعالى : « وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّاً شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربّك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ، ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون » (الأنعام : 112 - 113) .

وقوله عزّ وجلّ حكاية عن إبليس : « لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين»(الأعراف : 17) .

إلى غير ذلك من الآيات .(3)

ص: 17


1- - الشعراء : 221 - 223 . ولاحظ : بحار الأنوار 25 / 270 حديث 16 ، الخصال 2 / 402 حديث111 .
2- - مجمع البيان 4 / 208 ( من الطبع القديم ) ، و7 / 208 ( من الطبع الحديث ) .
3- ولاحظ أيضا قوله تعالى في سورة النمل ، آية 39 : « قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنّي عليه لقويّ أمين » . والأخبار الواردة في تفسيرها : [ تفسير القمي 2 / 128 ، بحار الأنوار : 14 / 111 ، 122 ، 60 / 42 باب حقيقة الجنّ ، 51 ، القصص للجزائري : 375 ] . وقوله تعالى في سورة طه ، آية 88 : « فأخرج لهم عجلاً جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي » [ ومتشابه القرآن 1 /241 ، بحار الأنوار 13 / 211 ، 28 / 230 ]. وقوله تعالى في سورة البقرة ، آية 102 : « واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن اللّه ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون » [ وعلل الشرايع : 1 / 25 ، متشابه القرآن : 1 / 16 ، وسائل الشيعة : 17 / 147 ، بحار الأنوار : 9 / 330 ، 10 / 169 ، 14 / 138 ، 56 / 268 ].

ولا يخفى أنّ رؤساء الصوفية هم أظهر مصاديق هذه الآيات ، ومن لاحظ كلمات ابن العربي - كدعواه رؤية النبى(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وتجلّي الحق فيه وإسرائه إلى السّماء وتلقّيه الأحكام من المعدن الّذي يأخذ منه الملك الّذي يوحى به إلى الرّسل ، وادّعائه أنّه خاتم الولاية ، واستهزائه بآيات اللّه وتأويله لها على المعاني الباطلة ، وتصحيحه لعبادة مَن دون اللّه من الأصنام والأوثان إلى غير ذلك من الأباطيل - عرف أنّه ونظراءه من أظهر مصاديق تلك الآيات .(1)

ص: 18


1- - فراجع : رسالتي في ردّ ابن عربي .

وأمّا الاخبار ؛ فروي عن أميرالمؤمنين(علیه السلام) أنّه قال : « اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا واتّخذهم له أشراكا فباض وفرّخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركب بهم الزّلل وزيّن لهم الخطل فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه ..» .(1)

وعن مولانا على بن الحسين عليهماالسلام قال: «..إلهي جعلت لي عدوّا يدخل قلبي ويحلّ محلّ الرّأي والفكرة منّي وأين الفرار إذا لم يكن منك عون عليه ..» .(2)

أقول : لا شك في أنّ الأئمّة(علیهم السلام) معصومون من السهو والخطأ والنسيان ومن جميع الرذائل والفواحش ومحفوظون من شرّ الشيطان ووسوسته من أوّل عمرهم إلى آخره ، فالمقصود من هذه العبارة غيرهم .

وروى الكشي (رحمةالله) عن سعد عن أحمد بن محمّد عن أبيه وابن يزيد والحسين بن سعيد جميعاً عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبدالحميد عن حفص بن عمرو النخعي قال : كنت جالساً عند أبي عبداللّه(علیه السلام) فقال له رجل : جعلت فداك إنّ أبا منصور حدّثني أنّه رفع إلى ربّه وتمسّح على رأسه وقال له بالفارسية : يا پسر! (يعني يا ولد)

فقال له أبو عبد اللّه(علیه السلام) : «حدّثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال : إنّ إبليس اتّخذ عرشاً فيما بين السماء والارض ، واتخذ زبانية كعدد الملائكة ، فاذا دعا رجلاً فأجابه ووطئ عقبه وتخطت إليه الأقدام ، ترائى له إبليس ورفع إليه ، وإنّ أبا منصور كان رسول إبليس ، لعن اللّه أبا منصور ، لعن اللّه أبا منصور» ثلاثاً (3) .

ص: 19


1- - نهج البلاعة : 53 ، بحار الأنوار 34/11 .
2- - بحار الأنوار 91 / 141 .
3- - اختيار معرفة الرجال 2 / 592 حديث 546 ، رجال الكشي : 303 ، بحار الأنوار 25 / 282 حديث 27 .

أقول : أنظر إلى هذه الرواية الصحيحة حتّى تظهر لك حقيقة هذه المكاشفات وتعلم أنّهم - أي ابن عربي وأمثاله - عرجوا إلى الشيطان ومعراجه .. ومعه يحشرون .

وروى الكشي(رحمةالله) مسنداً عن زرارة ، قال : قال أبو عبد اللّه(علیه السلام) : «أخبرني عن حمزة ، أيزعم أنّ أبي آتيه» ؟ قلت : نعم . قال : «كذب واللّه ما يأتيه إلاّ المتكوّن ، إنّ إبليس سلّط شيطاناً يقال له : المتكوّن ، يأتي النّاس في أيّ صورة شاء ، إن شاء في صورة صغيرة وإن شاء في صورة كبيرة ، ولا واللّه ما يستطيع أن يجيء في صورة أبي{(علیه السلام)} » (1) .

وروى الكشي(رحمةالله) بإسناده عن أبي عبد اللّه(علیه السلام) قال : قال : « تراءى - واللّه - إبليس لأبي الخطاب على سور المدينة أو المسجد فكانّي أنظر إليه وهو يقول له : إيها تظفر الآن ، إيها تظفر الآن . . » .(2)

قال العلامة المجلسي (رحمةالله): الظاهر أنّ إبليس إنّما قال له ذلك عند ما أتى العسكر لقتله ، فحرّضه على القتال ليكون أدعى لقتله ، فالمعنى : اسكت ولا تتكلم بكلمة توبة واستكانة ؛ فإنّك تظفر عليهم الآن . . ! ويحتمل الرضا والتصديق أيضاً (3) .

وروى الكشي (رحمةالله) أيضا : عن محمّد بن قولويه عن سعد عن محمّد بن عثمان عن يونس عن عبد اللّه بن سنان عن ابيه عن أبي جعفر(علیه السلام) أنه قال : « إنّ عبد اللّه بن سبا كان يدّعي النبوّةويزعم أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) هو اللّه - تعالى عن ذلك - فبلغ ذلك أمير المؤمنين(علیه السلام) فدعاه وسأله ، فأقرّ بذلك وقال : نعم أنت هو . . وقد كان ألقي في روعي أنّك أنت اللّه وأنّي نبيّ .

ص: 20


1- - بحار الأنوار 25 / 281 حديث 25 ، اختيار معرفة الرجال 2 / 589 حديث 537 ، بحار الأنوار 96 / 214 حديث 4 .
2- - اختيار معرفة الرجال 2 / 591 حديث 545 ، بحار الأنوار 25 / 281 حديث 26 ، و 69 / 213 حديث 1 . قال إبن الأثير : ( إيهِ ) هذه كلمة يراد بها الاستزادة ، وهي مبنيّة على الكسر ، فإذا وصَلْتَ نوّنْتَ فقلت إيهٍ حدّثْنا ، وإذا قلت إيها بالنصب فإنّما تأمره بالسكوت . وقد ترد المنصوبة بمعنى التصديق والرّضا بالشيء . [ النهاية 1 / 87 طبع قم]
3- - بحار الأنوار 25 / 282

فقال له أمير المؤمنين(علیه السلام) : «ويلك ! قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا، ثكلتك امّك وتب ..» فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيّام ، فلم يتب فأحرقه بالنّار وقال : «إنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك »(1) .

وروى الكشي قدس سره في رجاله مسنداً عن مولانا الصادق(علیه السلام) أنّه قال : «سمعت أبي(علیه السلام) يقول : إنّ شيطاناً يقال له : المذهب ، يأتي في كلّ صورة إلاّ أنّه لا يأتي في صورة نبيّ ولا وصيّ نبىّ ، ولا أحسبه إلاّ وقد ترائى لصاحبكم فاحذروه»(2).

وروى الكشي(رحمةالله) بسند صحيح عن محمّد بن عيسى ، قال : كتب إلىّ أبو الحسن العسكري(علیه السلام) ابتداءا منه : «لعن اللّه القاسم اليقطيني ، ولعن اللّه علىّ بن حسكة القمّي ، إنّ شيطاناً تراءى للقاسم فيوحي إليه زخرف القول غروراً» .(3)

وعن مولانا الإمام الباقر(علیه السلام) - في حديث طويل جاء فيه - : « إنّه ليس من يوم ولا ليلة إلاّ وجميع الجنّ والشياطين تزور أئمّة الضّلالة ، ويزور أئمّة الهدى عددهم من الملائكة حتّى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى وليّ الأمر ، خلق اللّه - أو قال : - قيّض اللّه عزّوجلّ من الشياطين بعددهم ، ثمّ زاروا وليّ الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتّى لعلّه يصبح فيقول : رأيت كذا وكذا . . فلوسأل ولىّ الأمر عن ذلك لقال : رأيت شيطاناً أخبرك بكذا وكذا . . حتى يفسّر لها تفسيرها ، ويعلّمه الضلالة الّتي هو عليها . . »(4)

ص: 21


1- - بحار الأنوار 25 / 286 حديث 39 ، وسائل الشيعة 28/336
2- - بحار الأنوار 25 / 326 حديث 94 ، و69 / 215 حديث 6
3- - بحار الأنوار 25 / 316 حديث 81 ، رجال الكشّي : 518 حديث 996
4- - الكافي 1 / 253 حديث 9 ، بحار الأنوار 60 / 184 ، 276

وروى الكشي قدس سره بإسناده عن يونس قال : سمعت رجلاً من الطيّارة يحدّث أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن يونس بن ظبيان أنّه قال : كنت في بعض اللّيالي وأنا في الطواف ، فإذا نداء من فوق رأسي : يا يونس ! إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فرفعت رأسي فاذا ج(1) .

فغضب أبو الحسن غضباً لم يملك نفسه ، ثمّ قال للرجل : «اخرج عنّي ، لعنك اللّه ولعن اللّه من حدّثك ، ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة يتبعها ألف لعنة كلّ لعنة منها تبلغك إلى قعر جهنّم ، وأشهد ما ناداه إلاّ شيطان ، أما إنّ يونس مع أبي الخطاب في أشدّ العذاب مقرونان ..» .(2)

وفي الاحتجاج عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّه قال : «إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل ، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه في ما يشتبه عليهم من الأمور بينهم فيخبرهم عن أشياء تحدث وذلك من وجوه شتّى : فراسة العين ، وذكاء القلب ، ووسوسة النفس ، وفتنة الروح مع قذف في قلبه ؛ لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤدّيه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف ، وأمّا أخبار السماء فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السّمع إذ ذاك وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم ، وانّما منعت من استراق السّمع لئلاّ يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء فيلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه لإثبات الحجة ونفي الشبه ، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في خلقه فيختطفها ثمّ يهبطها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به فهو ما أدّاه إليه شيطانه لما سمعه وما أخطأفيه فهو من باطل ما زاد فيه ، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السّمع انقطت الكهانة ، واليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهانها أخباراً للناس بما يتحدثون به وما يحدّثونه والشياطين تؤدّي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق .. ومن قاتل قتل .. ومن غائب غاب .. وهم بمنزلة النّاس أيضاً صدوق وكذوب»(3)

ص: 22


1- - قال مير داماد في تعليقته : ( ج ) كناية عن جبرئيل . [ اختيار معرفة الرجال 2 / 657 ]
2- - رجال الكشي : 363 حديث673 ، بحارالأنوار 25 / 264 حديث3 ، 69 / 215 حديث7
3- - الاحتجاج 2 / 339 ، بحار الأنوار 10 / 168 ، 60 / 76 حديث 31

أقول: قال العلامة المحدث النوري(رحمةالله): إنّ ما ينكشف للطوائف المذكورة ويخبرون به عن الغيب هو بعض الأمور الجزئية والحوادث اليومية مع التخلف في أغلب مواردها ، بل ومع انقطاع جملة منها بعد ولادة خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله وسلم ثمّ ذكر رحمه الله هذا الحديث الشريف .(1)

وعن ابن عبّاس أنه قال : لما فرغ علىّ(علیه السلام) من قتال أهل البصرة ، وضع قتباً على قتب ثمّ صعد عليه فخطب فحمد اللّه وأثنى عليه ، فقال : «يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة ! ..» إلى أن قال : ثمّ نزل يمشي - بعد فراغه من خطبته - فمشينا معه فمرّ بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: «يا حسن ، أسبغ الوضوء ! » فقال : يا أمير المؤمنين ! لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، يصلّون الخمس ويسبغون الوضوء ، فقال له أميرالمؤمنين(علیه السلام) : « فقد كان ما رأيت . . فما منعك أن تعين علينا عدوّنا ؟ » فقال : واللّه لاُصدقنّك يا أمير المؤمنين ! لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت وتحنّطت وصببت عليّ سلاحي ، وأنا لا أشكّ في أنّ التخلّف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلمّا انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني مناد : يا حسن ! إلى أين ؟ ارجع ، فإنّ القاتل والمقتول في النّار ، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي ، فلمّا كان في اليوم الثاني لم أشك أنّ التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر ، فتحنّطت وصببتُ عليّ سلاحي وخرجت أريد القتال حتّى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفى : يا حسن ! إلى أين ؟ ارجع ، فإنّ القاتل والمقتول في النار ، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي ، فلمّا كان في اليوم الثاني لم أشك أنّ التخلّف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر ، فتحنّطت وصببت عليّ سلاحي وخرجت أريد القتال حتّى انتهيت إلىموضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي : يا حسن ! إلى أين مرة بعد أخرى ؟ فإنّ القاتل والمقتول في النار . . قال علىّ(علیه السلام) : «صدّقك ! أفتدري من ذلك المنادي ؟» قال : لا . قال(علیه السلام) : «ذاك أخوك إبليس ، وصدّقك أنّ القاتل والمقتول منهم في النار».

فقال الحسن البصري : ألآن عرفت يا أمير المؤمنين أنّ القوم هلكى .(2)

ص: 23


1- - دار السلام 4 / 258
2- - الإحتجاج 1 / 171 ، بحار الأنوار 32 / 225 حديث 175

أقول: يفهم من هذا الحديث أنّ الشياطين ربما ينادون أوليائهم ويخاطبونهم من غير أن يظهروا لهم .

ويدلّ على ذلك أيضاً ما في الصحيح عن أمير المؤمنين(علیه السلام) في قصّة أصحاب الرّس - بعد ما ذكر أنّه كانت لهم إثنتي عشرة قرية ، وفى كلّ منها صنوبرة يعبدونها - قال(علیه السلام) : «.. وقد جعلوا في كلّ شهر من السّنة في كلّ قرية عيداً يجتمع إليه أهلها ، فيضربون على الشجرة الّتي بها كلّة من حرير فيها من أنواع الصّور ، ثمّ يأتون بشاة وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة ، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذّبايح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النّظر إلى السماء خرّوا للشجرة سجّدا من دون اللّه عزّوجلّ ، يبكون ويتضرّعون إليها أن ترضى عنهم ، فكان الشيطان يجيء ويحرّك أغصانها ويصيح - من ساقها صياح الصّبي - : إنّى قد رضيت عنكم عبادي ، فطيبوا نفساً وقرّوا عيناً ، فيرفعون رؤوسهم عند ذلك .. إلى أن قال(علیه السلام): حتّى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج عليه أنواع الصّور ، وجعلوا له إثني عشر باباً كلّ باب لأهل قرية منهم ، فيسجدون للصّنوبرة خارجاً من السّرادق ويقرّبون لها الذبايح أصناف ما قرّبوا للشجرة الّتي في قراهم ، فيجيء إبليس عند ذلك فيحرّك الصّنوبرة تحريكاً شديداً ، ويتكلّم من جوفها كلاماًجهوريّاً ، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم ومنّتهم الشياطين في تلك الشجرات الأخر للبقاء ، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط مالا يفيقون ولا يتكلّمون ..» (1)

أقول : هذا الحديث الصحيح يوضح ويبيّن حال مشايخ الصوفيّة ومكاشفاتهم .

ثمّ إنّ تمثّل الشيطان بكلّ صورة وشكل - غير صورة الأنبياء والأوصياء - في اليقظة والمنام من الواضحات في أحاديثنا ، والكتاب العظيم أيضاً شاهد عليه .

ص: 24


1- - علل الشرايع 1 / 41 ( باب العلّة الّتي من أجلها سمّي أصحاب الرس ..) حديث 1 ، عيون الأخبار 1 / 207 ، بحار الأنوار 14 / 150 حديث 1

وقد جاء إبليس في صورة سراقة بن مالك عند كفار مكة في غزوة بدر ، فقال لهم : إنّي جار لكم ، ادفعوا إلىّ رايتكم . . . فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال : إنّي بريء منكم ، إنّي أرى ما لا ترون .(1)

وقد تمثّل إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود لمرحب - في غزوة خيبر حين هرب ولم يقف ، خوفاً ممّا حذرته منه ظئره وذاك عند ما سمع من أمير المؤمنين على(علیه السلام) يرتجز ويقول : « أنا الّذي سمتني أمّي حيدرة » - فقال : إلى أين يا مرحب . . ؟ (2)

وفي قصة المرأة الأنصارية الّتي زنت مع الراعي . . . واعترض لها إبليس لعنه اللّه فقال : أنت حامل ، قالت : ممّن ؟ قال : من الراعي . . فصاحت : وافضيحتاه ! فقال : لا تخافي ! إذا رجعت إلى الوفد قوليلهم : إنّي سمعت قراءة المقدسيّ فقربت منه ، فلمّا غلب عليّ النوم دنا مني وواقعني ولم أتمكّن من الدفاع عن نفسي بعد القراءة ..(3)

وقد روي في ما حدث في السقيفة من قصّة أوّل من بايع الخليفة الأوّل ، عن سلمان رضى الله عنه أنّه قال : رأيت شيخاً كبيراً يتوكأعلى عصاه بين عينيه سجّادة شديد التشمير ، صعد المنبر أوّل من صعد وخرّ وهو يبكي ويقول : الحمد للّه الّذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان ، ابسط يدك ، فبسط يده فبايعه ، ثمّ قال : يوم كيوم آدم ! ثمّ نزل فخرج من المسجد .

فقال على(علیه السلام) : «يا سلمان ! أتدري من هو» ؟

قلت : لا ؟ . . . قال(علیه السلام) : «ذلك إبليس لعنه اللّه»(4).

ص: 25


1- - تفسير القمي 1 / 266 ، أمالي الطوسي : 176 حديث 50 ، بحار الأنوار 19 / 226 ، 255 ، ج60 / 233
2- - أمالي الطوسي : 4 ، الخرائج والجرائح 1 / 218 ، بحار الأنوار 21 / 9 حديث 3 ، 41 / 86
3- - الفضائل : 109 ، بحار الأنوار 40 / 274
4- - الكافي 8 / 344 حديث 541 ، الإحتجاج 1 / 81 ، كتاب سليم بن قيس : 579 ، بحار الأنوار 28 / 363 حديث 45

وقد حكي عن رجل أنّ أباه كان يخبر بأخبار البلاد المتباعدة وما يقع بها ، ويرسل كتابات يصل من مثل الشّام إلى مكّة في أوقات يسيرة يعلم ذلك من تاريخها ، وكان النّاس يتعجّبون من ذلك ونحوه ، فلمّا توفّي الأب أخبر الولد أنّ بعد وفات أبيه جاء شخص بصورة عبد أسود طويل فقال له : أنا كنت خادما لأبيك في حياته ، فإن أردت أن أكون لك كما كنت لأبيك فعليك أن تقوم بشرط كان بيني وبينه ، وهو أنّي شرطت عليه أن يسجد لي دون اللّه ! فقبل وفعل ، فامتنع الولد من ذلك فانصرف ولم يره بعده (1).

وقد نقل المحقق التنكابني عن عمّه الآخوند ملاّ عبدالمطلب حكاية الدرويش المعروف بطيّ الأرض ، وكان شرط تعليمه إنكار إمامة عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) ، وترك الصلوة .ثمّ ذكر حديثاً من كتاب زينة المجالس في قصة الإمام(علیه السلام) مع المرتاض الهندي وكيفية إسلامه، فراجع إن شئت.(2)

أقول : إنّ التأمّل في ما ورد عن الأئمة المعصومين(علیهم السلام) في التوحيد وشؤونه وما يتعلق به من معرفته سبحانه وصفاته و . . تغنينا عن مقالة المنحرفين وسفسطة المتشدّقين بعناوين أمثال : الحكيم الإلهي ، والحكماء المتألّهون ، والعرفاء الشامخون ، وأهل اللّه وأمثال ذلك ؛ إذ هذا النوع من التبجيل والتكريم لا يختصّ بهؤلاء ، بل ذلك دعوى كلّ مبطل ، إذ إنّ كلّ منحرف يهتمّ بأمثال هذه العناوين كيما يروّج باطله ، ولا يسعه أن يسقي سمّه إلاّ وأن يخلطه بعسل الولاية وكلمات المعصومين(علیهم السلام) كي ينطلي ذلك على البسطاء وأبناء الحقيقة ، فإنّك بعد ما سمعت من الأحاديث عن الّذين زكّاهم اللّه واصطفاهم وجعلهم ولاة أمره والمستودعين لسرّه ومعادن علمه وحكمته : « إنّ إبليس اتّخذ عرشاً فيما بين السماء والأرض واتّخذ زبانية كعدد الملائكة » و « يرفع إليه بعض أوليائه » و« يأتي الرجل في كلّ صورة شاء إلاّ ما استثني » و« يأتيه ويلقي في روعه : انّك أنت اللّه » و« يوحي إليه ويأتيه زخرف القول والإفك » و« قد ينادي أولياءه وأتباعه ويخاطبهم من غير أن يظهر لهم : إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا فاعبدني وأقم

ص: 26


1- - لاحظ : الإثناعشرية : 87
2- - قصص العلماء : 38 - 39 ، ولاحظ : الأنوار النعمانية 2 / 296

الصلاة لذكري » و« قد ينادي بأمر باطل آخر ، ويؤدّي إليهم ما يحدث من الحوادث والوقايع » و« قد كانت الشياطين تدخل أجواف بعض الأشياء ، وتخبر أهلها من كلّ ما يسألون » وهو أعظم ممّا يدّعيه هؤلاء الصوفية ، فلا أظنّ أنّك تشكّ في بطلان هذه المكاشفات من ابن عربي وغيره من الّذين ادّعوا أنّ الأشياء جميعاً مجالي الحق ومظاهره ، بل هي عين الحق وأنّ عبدة الأوثان والأصنام وكذلك العابدون للشمس والقمر والكواكب والشجر والحجر والنار والعجل كلّهم جميعاً عابدون للّه تعالى .

والحاصل أنّه قد ظهر مما ذكرناه في هذا المقام : أنّ المؤسّس لهذا المسلك - أي وحدة الوجود والموجود - هو إبليس ، حيث أوحى بذلك إلى أوليائه فأطاعوه ، واتّخذه لهم ديناً ، وجعلوا أنفسهم للشيطان قريناً فساء قريناً.

ص: 27

اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني

الموجب والمختار

إن كل موجود ممكن فان كان فعل فاعل مختار فهو ممكن بالنسبة الی فاعله الذي يصح منه الفعل والترك دائماً وإن كان غير فعل الفاعل المختار فهو واجب بالغير مع فرض وجود موجبه كالاحراق للنار وممتنع مع فرض عدم موجبه كاحراق النار مع عدم النار.

ص: 28

فما قد يقال: "إن الامكان يكون بالذات دائماً ولا امكان بالنسبة الی الغير حيث ان ذلك الغير اما هو علة الشيء فيجب واما غير علته فيمتنع" فهو باطل يلزم منه الجبر ونفي الفعل الاختياري.

فان قلت: اليس يجب وجود الفعل اذا اختار الفاعل الفعل ويمتنع اذا اختار الفاعل الترك؟!

قلت: هذا خروج عن محل النزاع حيث ان الفعل والترك ممكن للفاعل المختار دائماً واما وجوب الفعل اذا فعل وامتناعه اذا ترك فهو امر خارج عن المدعی. وبعبارة أخری ان محل النزاع هو الوجوب من ناحية العلة لا الوجوب من ناحية الضرورة بشرط المحمول اي بشرط كون الفاعل متصفا بالفاعلية، فمن الباطل قولهم: كل ممكن محفوف بضرورتين ضرورة سابقة وهي من ناحية العلة وضرورة لاحقه وهي من ناحية الضرورة بشرط المحمول؛ وجه البطلان هو ان الفعل الاختياري لا ضرورة له من جهة العلة ابداً والا كان جبرياً غير اختياري.ارادة الخالق جل وعلا

إن الفاعل لا يكون فعله إلا عن إرادة، وذلك لامتناع كون الفعل فعلا إلا إذا كان عن إرادة الفاعل المختار وإحداثه وتأثيره وأما غير ذلك من المتغيرات الكونية فيكون منفعلا وليس بفاعل أبدا، والفاعل إذا كانت ذاته متعالية عن المقدار والاجزاء فلا تكون إرادته إلا نفس فعله وإعمال قدرته بلا ضمير، ولا آلة، ولا تفكر، ولا تروّ، ولا...

قد يقال: إن اللّه تعالی إن كانت ذاته مستجمعةً لجميع جهات المؤثرية فيجب وجود معلوله - وهو جميع ما سواه - معه، وإن لم تكن مستجمعةً لجميع جهات المؤثرية لذاته فلا يخلو من أمرين:

الاول: أن يكون صدور العالم عنه لحدوث أمرٍ آخر فيلزم التسلسل، بل إن كان حدوث ذلك الامر في ذات اللّه تعالی يلزم كونه تعالی محلا للحوادث وهو أيضا محال.

الثاني: أن لا يكون صدور العالم عنه لتجدد أمر آخر فيلزم الترجيح بلا مرجح وهو أيضاً محال.

وبالنتيجة فلا يكون للارادة بمعنی إيجاد العالم وإحداثه عن قدرة اللّه تعالی واختياره معنی.

ولحصول هذه الشبهة في أذهان أصحاب الفلسفة اضطروا الی إنكار حقيقة معنی الارادة وتأويله الی معان بعيدة عن واقع معناها.

ص: 29

كما قد يقال: إن ارادة اللّه تعالی إن كان قديمة فالعالم قديم فلا إحداث ولا إيجاد ولا اختيار، وإن كان حادثة فهي تحتاج الی محدِث، وذلك المحدِث إن كان قديماً أو انتهی الی قديم فيعود المحذور، وإن كان حادثاً ولم ينتهِ الی القديم فيلزم التسلسل.

نقول: إن أمثال هذه الشبهات إنما نشأت عن الغفلة عن حقيقة معنی الارادة والفعل وقياس أمرها بغيرها من الامور المتأصلة الجوهرية والعرضية أو الاعتبارية والاضافية والانتزاعية علی اصطلاحهم.

توضيح ذلك: إن هناك أموراً متعددة:

الاول) الوجود الجوهري كوجود الشجر والحجر

الثاني) الوجود العرضي الوصفي كوجود صفات الاشياء وأحوالها غير الاختيارية

الثالث) ما يحصل بنحو من أنحاء التحليلات العقلية وهو علی أقسام:الف) الوجود الاعتباري كالملكية والزوجية

ب) الوجود الاضافي النسبي كالصغر والكبر والابوة والبنوة

ج) الاحكام العقلية - وهو الوجود الانتزاعي علی اصطلاحهم - كمعنی الامكان والحدوث

الرابع) الفعل الاختياري كإيجاد الخالق تبارك وتعالی لما سواه عن قدرته التامة وسلطنته الكاملة، وكتحريك الانسان القادر المختار يده يمنة أو يسرة عن قدرته واختياره دون حركة يد المرتعش.

ومن المعلوم أن الفعل الاختياري لا يكون جوهراً ولا عرضاً كاللون والاين والمتی، كما أنه لا يكون اعتباراً أو إضافة أو انتزاعاً حيث إن هذه المعاني لا وجود لها وراء التعقل والاعتبار فلا يمكن أن ينسب إليها أيّ تأثير واقعي خارجي وهذا بخلاف الافعال الاختيارية حيث إن لها نحو وجودها الخاص بها فليس جوهرا ولا عرضا كالمذكورات ولا إضافة ولا اعتبارا ولا معنی انتزاعيا كالوجوب والامكان و... بل هما نفس معنی فعل الفاعل المختار وتأثيره وإعمال قدرته وله أثره الخاص الحقيقي الواقعي العيني الخارجي من وجود المفعول خارجاً إذا كان خلقا وإيجاداً، ومن أي تغيير وتبديل حقيقي خارجي في الاشياء إذا كان مثل أفعالنا من صنعة أو حركة أو طاعة أو معصية أو... ومن المعلوم أن أمر هذا السنخ من الموجودات - وهو حقيقة الفعل الاختياري - بيد الفاعل المختار إيجاداً وإعداماً - أي

ص: 30

فعلا وتركا - دون حكومة أيّ قاعدة جبرية عليه، ولا أيّ مرجح يرجحه وراء فاعلية الفاعل المختار أبداً وهو ما بينه مولانا الصادق عليه السلام بقوله:

إن اللّه خلق المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية.(1)

والمراد منه أن كل شيء فهو مخلوق وموجود بإيجاد الخالق المتعالي وخلقه إياه، واما نفس الايجاد والخلق فهو نفس فعل الخالق المتعالي دون إيّ واسطة وإيجاد وراءه، فكل شيء موجود بالايجاد ولكن الايجاد إيجاد بنفسه لا بإيجاد آخر حتی يتوهم لزوم التسلسل المحال.

والمعرفة البشرية لا تری ل- "حقيقة الفعل" - وهو الذي لا يكون إلا عن اختيار كما بيناه - بمعناه الواقعي وجودا أبدا، بل تؤوّل جميع الافعال الی معنی لا يكون في الحقيقة إلا انفعالا، وذلك أنها تقولمثلا: "إن الانسان إذا كان عطشانا، وعلم أن الماء يرفع العطش، وحصل اضطرارياً له تصور هذا المعنی يحصل له شوق الی شرب الماء، ثم يتأكّد ذلك الشوق حتی تتحرّك علی إثره عضلاته، ثم يحصل له الشرب ويرفع عطشه، وكل ذلك يكون انفعالا لا فعلا كما هو واضح. وكذلك هو في كل فعل يفعله، فالانسان يكون علی وفق نظريتهم منفعلا دائما، ولا يكون فاعلا مختارا، بل لا يمكن أن يقع علی هذا التفسير فعل اختياري في صقع الوجود مطلقا!!

إن قلت: إنها قائلة بأن فعل الانسان يكون معلولا لعلل تكون من جملة أجزائها إرادة الانسان واختياره فهو مختار عندهم وليس بمجبور.

قلت: إن إرادة الانسان واختياره أيضا تكون علی حسب نظريتهم علی وجه الانفعال - كما شرحنا ذلك في المثال - فلا فعل ولا اختيار في البين مطلقا.

هذا، مضافا الی أن محل البحث هو نفس مرحلة فاعلية الانسان وإعمال قدرته وإرادته، فما يضمّونه الی تلك المرحلة من المقدمات يكون خروجا عن محل النزاع.

ص: 31


1- . الكليني "قدس سره": الكافي، 1 / 110.

وتقول المعرفة البشرية أيضا: إن ذات اللّه تعالی تقتضي بنفسها أن يصدر عنها شيء، ومن ذلك الشيء أشياء أخری حتی يحصل عن ذلك وجود العالَم كله، كل ذلك طبقا لقوانين لا يجوز لها التغير والتخلف عما هي عليه أبدا.

وعلی تعبير أخرين من أصحابها: إن اللّه تعالی هو نفس حقيقة الوجود اللا متناهية التي تقتضي بنفسها أن يتجلی بتجليات، ويتصور بصور، كل ذلك أيضا علی سبيل الاقتضاء الذاتي، لا يمكن لها التخلف عما هي عليه وما تقتضيها ذاتها.

ولا يخفی أنه علی هذين التفسيرين فليس اللّه تعالی هو فاعلا مختارا بل هو منفعل. وحينئذ فلا محيص عن الاقرار بأنه تعالی قد فرض متجزيا قابلا للانفعال!

إن قلت: إنهم يقولون: هو موجِب وليس بموجَب، وذلك من حيث إنه لا شيء فوقه يُجبره علی شيء ويكون موجِبا له.قلت: علی هذا الفرض أيضاً فلا يبقی أيّ اختيار للخالق المتعالي في فعله وتركه، وذلك حيث إنه إذا كان ما ينسب إليه تعالی باقتضاء ذاته دون جواز أي تخلف له عما تقتضيه ذاته كما يقولون فبأي معنی تفسر حقيقة معنی اختياره وتسلطه علی فعل ما يفعله وترك ما يتركه؟!

مضافا الی أنه إذا كان العالم قديما كما هو رأي الفلاسفه فلا يمكن أن يفرض وجود الواجب الا وقبله موجِب دائما، فعلی هذا التأويل الباطل أيضا يجب أن يكون واجب الوجود الفلسفي موجبا لا مختارا.

ثم إنهم لا يقتصرون علی هذا المطلب الواضح البطلان الذي لا يبقی له تعالی أيّ اختيار في فعله، بل يقولون ب-"أنه تعالی يكون مبتهجا بنفس ذاته"! وهذا هو نفس القول بانفعال الفاعل المتعالي عن المقدار والاجزاء" كما هو واضح.

ومن هنا تراهم - حيث لم يخضعوا لوجود القدرة والاختيار والسلطنة الواقعية للّه تعالی، وجعلوا ذاته المتعالية متغيرة منفعلة مبتهجة بنفسها - عمدوا الی أن يحرّفوا معنی الاختيار والارادة والسلطنة الی معنی علم اللّه تعالی ورضاه وابتهاجه بما يجب أن يجري علی ذاته!!

ص: 32

هذا كله مضافا الی أن العلم أيضا مؤوّل عندهم الی معنی الوجود والحضور ووجدان ما يجده الواجد في نفسه لا غير! وهذا هو نفس قول أهل السفسطة الذين يقولون ب- : أن الانسان هو مقياس كل شيء وأما الخارج عن وجود الانسان وعلمه وما يجده ويحضر عنده فإما أن ليس شيئاً مطلقاً، وإما أن لا طريق لنا الی العلم به نفيا وإثباتاً أبداً.

ولكنه يُعلم بالوضوح أنهم خلطوا بين سنخي الفعل - وهو الذي لا يكون إلا عن اختيار كما ذكرناه - والانفعال الايجابي، حيث إن الفعل الاختياري (والقيد توضيحي، وذلك حيث إن ما لا يكون عن اختيار فهو ليس بفعل بل هو انفعال ايجابي كما بيناه مرارا) لا تكون حقيقته إلا ما يوجده الفاعل عن اختياره وسلطانه وقدرته علی طرفي الوجود والعدم. وأما الانفعالات الكونية وهي ما يسمّونه ب-"الافعال الايجابية" (وإن كنا لا نری لهذه التسمية وجها، بل نراها غلطا واضحا أوجب ضلالات كثيرة غير قابلة للاغماض) فهي انفعالات إثر قوانين جرت علی الاشياء الكونية بإرادة فاعلها المختار، وهي مضطرّةالی السير في المسير الذي عيّنه لها فاعلها المختار المسلّط عليها وهو القادر علی تغييرها وتبديلها الی غيرها حسب إرادته ومشيته. فهي - وهذه حالها - إن جری عليها انفعال غير ما أجری عليها فاعلها المختار للزم الترجيح من غير مرجّح، لا، بل للزم الترجيح علی خلاف مرجّحها. فأين هذا من ذاك؟! وكيف غفلوا عن هذا الامر الواضح البديهي الضروري الوجداني الذي يكون موجودا حتی في أنفس هؤلاء القائلين بالجبر، فجری بهم الامر الی أن قاسوا أحدهما - وهو الفعل الاختياري - بالاخر - وهو الانفعال الاضطراري - وهو قياس علی غير مقياس، وخلط واضح دون أيّ مقياس؟!

وقد جاء في كشف المراد من نص كلام نصير الدين الطوسي وشارحه العلامة الحلي قدس الله اسرارهما:

المسألة السادسة في أن الأجسام حادثة.

(قال: والأجسام كلها حادثة لعدم انفكاكها من جزئيات متناهية حادثة فإنها لا تخلو عن الحركة والسكون وكل منهما حادث وهو ظاهر).

أقول: هذه المسألة من أجلّ المسائل وأشرفها في هذا الكتاب وهي المعركة العظيمة بين الأوائل والمتكلمين وقد اضطربت أنظار العقلاء فيها وعليها مبنى القواعد الإسلامية وقد اختلف الناس فيها:

ص: 33

فذهب المسلمون والنصارى واليهود والمجوس إلى أن الأجسام محدثة وذهب جمهور الحكماء إلى أنها قديمة وتفصيل قولهم في ذلك ذكرناه في كتاب المناهج.

إذا عرفت هذا فنقول الدليل على أن الأجسام حادثة أنها لا تخلو عن أمور متناهية حادثة وكل ما لم يخلُ عن أمور متناهية حادثة فهو حادث فالأجسام حادثة...

وأيضا فإن كل واحد منهما يجوز عليه العدم والقديم لا يجوز عليه العدم أما الصغرى فلأن كل متحرك... وأما الكبرى فلأن القديم إن كان واجب الوجود لذاته استحال عدمه وإن كان جائز الوجود استند إلى علة موجبة لاستحالة صدور القديم(1) عن المختار لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد والداعي والقصد إنما يتوجه إلى إيجاد المعدوم فكل أثر لمختار حادث...(قال: وأما تناهي جزئياتها فلأن وجود ما لا يتناهى محال للتطبيق...)

أقول: لما بيّن حدوث الحركة والسكون شرع الآن في بيان تناهيهما لأن بيان حدوثهما غير كاف في الدلالة وهذا المقام هو المعركة بين الحكماء والمتكلمين فإن المتكلمين يمنعون من اتصاف الجسم بحركات لا تتناهى والأوائل جوزوا ذلك والمتكلمون استدلوا على قولهم بوجوه أحدها أن كل فرد حادث فالمجموع كذلك.

و هو ضعيف إذ لا يلزم من حدوث كل فرد حدوث المجموع.

الثاني أنها قابلة للزيادة والنقصان فتكون متناهية. وهو ضعيف بمعلومات الله تعالى ومقدوراته فإن الأولى أزيد من الثانية ولا يلزم تناهيهما.(2)

الثالث: التطبيق وهو أن تؤخذ جملة الحركات من الآن إلى الأزل جملة ومن زمان الطوفان إلى الأزل جملة أخرى ثم تطبق إحدى الجملتين بالأخرى فإن استمرا إلى ما لا يتناهى كان الزائد مثل الناقص هذا خلف وإن انقطع الناقص تناهى وتناهى الزائد لأنه إنما زاد بمقدار متناه والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون متناهيا...

ص: 34


1- . اقول: مضافا الی أن الصدور والقدم لا يجتمعان مطلقا والا لزم تحصيل الحاصل كما صرح الماتن والشارح رحمهما الله بذلك فی الكتاب كرارا.
2- . اقول: ليس علمه تعالی عددية متجزية حتی يرد ما ذكر من الاشكال.

(قال: والضرورة قضت بحدوث ما لا ينفك عن حوادث متناهية.)

أقول: لما بيّن أن الأجسام لا تنفك عن الحركة والسكون وبين حدوثهما وتناهيهما وجب القول بحدوث الأجسام لأن الضرورة قضت بحدوث ما لا ينفك عن حوادث متناهية...

(قال: والحدوث اختص بوقته إذ لا وقت قبله والمختار يرجح أحد مقدوريه لا لأمر عند بعضهم.)

أقول: لما بيّن حدوث العالم شرع في الجواب عن شبه الفلاسفة وأقوى شبههم ثلاثة أجاب المصنف رحمه الله عنها في هذا الكتاب:

الشبهة الأولى وهي أعظمها قالوا المؤثر التام في العالم إما أن يكون أزليا أو حادثا فإن كان أزليا لزم قدم العالم لأن عند وجود المؤثر التام يجب وجود الأثر لأنه لو تأخر عنه ثم وجد لم يخلُ إما أن يكون لتجدد أمر أو لا والأول يستلزم كون ما فرضناه مؤثرا تاما ليس بتام هذا خلف والثاني يستلزم ترجيحأحد طرفي الممكن لا لمرجح لأن اختصاص وجود الأثر بالوقت الذي وجد فيه دون ما قبله وما بعده مع حصول المؤثر التام يكون ترجيحا من غير مرجح.

وإن كان المؤثر في العالم حادثا نقلنا الكلام إلى علة حدوثه ويلزم التسلسل أو الانتهاء إلى المؤثر القديم وهو محال لتخلف الأثر عنه وهذا المحال إنما نشأ من فرض حدوث العالم.

وقد أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة بوجوه: أحدها أن المؤثر التام قديم لكن الحدوث اختص بوقت الإحداث لانتفاء وقت قبله فالأوقات التي يطلب فيها الترجيح معدومة ولا يتمايز إلا في الوهم وأحكام الوهم في مثل ذلك غير مقبولة بل الزمان يبتدأ وجوده مع أول وجود العالم ولم يمكن وقوع ابتداء سائر الموجودات قبل ابتداء وجود الزمان أصلا.

الثاني أن المؤثر التام إنما يجب وجود أثره معه لو كان موجبا أما إذا كان مختارا فلا لأن المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح فالعالم قبل وجوده كان ممكن الوجود وكذا بعد وجوده لكن المؤثر المختار أراد إيجاده وقت وجوده دون ما قبله وما بعده لا لأمر...

الخامس أن الله تعالى أراد إيجاد العالم وقت وجوده والإرادة مخصصة لذاتها.

ص: 35

السادس أن العالم محدث لما تقدم فيستحيل وجوده في الأزل لأن المحدث هو ما سبقه العدم والأزل ما لم يسبقه العدم والجمع بينهما محال ثم عارضوهم بالحادث اليومي فإنه معلول إما لقديم فيلزمه قدمه أو لحادث فيتسلسل...

(قال: والقبلية لا تستدعي الزمان وقد سبق تحقيقه.)

أقول: هذا جواب عن الشبهة الثالثة وتقريرها أنهم قالوا كل حادث فإن عدمه سابق على وجوده وأقسام السبق منفية هنا إلا الزماني فكل حادث يستدعي سابقة الزمان عليه فالزمان إن كان حادثا لزم أن يكون زمانيا وهو محال وإن كان قديما وهو مقدار الحركة لزم قدمها لكن الحركة صفة للجسم فيلزم قدمه.

و الجواب ما تقدم من أن السبق لا يستدعي الزمان وإلا لزم التسلسل.(قال:) الفصل الرابع في الجواهر المجردة (أما العقل فلم يثبت دليل على امتناعه:) أقول: لما فرغ من البحث عن الجواهر المقارنة شرع في البحث عن الجواهر المجردة ولبعدها عن الحس أخّرها عن البحث عن المقارنات وفي هذا الفصل مسائل:

المسألة الأولى في العقول المجردة

(واعلم) أن جماعة من المتكلمين نفوا هذه الجواهر واحتجوا بأنه لو كان هاهنا موجود ليس بجسم ولا جسماني لكان مشاركا لواجب الوجود في هذا الوصف فيكون مشاركا له في ذاته. وهذا الكلام سخيف لأن الاشتراك في الصفات السلبية لا يقتضي الاشتراك في الذوات فإن كل بسيطين يشتركان في سلب ما عداهما عنهما مع انتفاء الشركة بينهما في الذات بل الاشتراك في الصفات الثبوتية لا يقتضي اشتراك الذوات لأن الأشياء المختلفة قد يلزمها لازم واحد فإذا ثبت ذلك لم يلزم من كون هذه الجواهر المجردة مشاركة للواجب تعالى في وصف التجرد وهو سلبي مشاركتها له في الحقيقة فلهذا لم يجزم المصنف رحمه الله بنفي هذه الجواهر المجردة.(1)

(قال: وأدلة وجوده مدخولة كقولهم الواحد لا يصدر عنه أمران... لأن المؤثر هنا مختار.)

ص: 36


1- . قد تبين بما تقدم في مبحث "لا معنی لتجرد غير اللّه تعالی" أن التعدد والتجرد لا يجتمعان" فما ادعاه المتكلمون في غاية القوة والمتانة.

أقول: لمّا بيّن انتفاء الجزم بعدم الجوهر المجرد الذي هو العقل شرع في بيان انتفاء الجزم بثبوته وذلك ببيان ضعف أدلة المثبتين.

واعلم أن أكثر الفلاسفة ذهبوا إلى أن المعلول الأول هو العقل الأول وهو موجود مجرد عن الأجسام والمواد في ذاته وتأثيره معا ثم إن ذلك العقل يصدر عنه عقل وفلك لتكثيره باعتبار كثرة جهاته الحاصلة من ذاته ومن فاعله ثم يصدر عن العقل الثاني عقل ثالث وفلك ثان وهكذا إلى أن ينتهي إلى العقل الأخير وهو المسمى بالعقل الفعال وإلى الفلك الأخير التاسع وهو فلك القمر.

واستدلوا على إثبات الجواهر المجردة التي هي العقول بوجوه:الأول قالوا إن الله تعالى واحد فلا يكون علة للمتكثر فيكون الصادر عنه واحدا فلا يخلو إما أن يكون جسما أو مادة أو صورة أو نفسا أو عرضا أو عقلا والأقسام كلها باطلة سوى الأخير.

أما الأول: فلأن...

إذا عرفت هذا الدليل فنقول بعد تسليم أصوله إنه إنما يلزم لو كان المؤثر موجبا أما إذا كان مختارا فلا فإن المختار تتعدد آثاره وأفعاله وسيأتي الدليل على أنه مختار.

وليتذكر أنه لا يمكن أن يفرض دوران الامر بين حدوث العالم وقدمه كما ظنه الفلاسفة، بل الامر دائر في الواقع بين حدوث العالم والعدم المطلق! يعني اننا يجب علينا اما ان نقول بحدوث العالم ووجوده بايجاد الخالق المتعال، واما بعدم وجوده مطلقا! لان فرض قدم العالم هو نفس القول بالتسلسل وهو محال مطلقا فلا تغفل. هذا مضافا الی ان في فرض عدم حدوثه لا يمكن ان يوجد شيء منه الا وقد يجب أن ينتهي قبله ما لا يتناهی، وانتهاء ما لا يتناهی محال.

الوجود ذات، وصف، فعل، اعتبار محض، انتزاع وحكم عقلي

الموجود إما "ذات"، وإما "صفة الذات"، وإما "فعل الذات"؛ ولكل منها نحو وجوده الخاص به. ف- "الذات" هي كالحجر والشجر والانسان والحيوان والجن والملك؛ و"صفة الذات" هي مثل أن يكون ذات مثلثا، أو مربعا، أو عالما، أو جاهلا، أو قادرا، أو حيا، أو ميتا، أو ساكنا، أو متحركا أو...؛ و"فعل الذات" (إضافة الی الفاعل لا المفعول) هو ما يصدر عن الذات إذا كان قادرا مختارا مريدا من الافعال

ص: 37

التي تارة تكون من سنخ تكوين الاشياء وإيجادها لا من شيء (وهو مما يختص به خالق الاشياء تبارك وتعالی)، وتارة أخری من سنخ التغيير والتبديل فيها.

إن قلت: فما هو حكم ما يفعله العوامل الطبيعية غير المختارة؟!

قلت: كل ذلك يكون انفعالا وليس من معنی الفعل في شيء، وتسمية ذلك بالفعل ليست حقيقية.

ثم إن هناك نحوين آخرين من الوجود كما تقدم وهما:

الف) اعتبار محض كالملكية والزوجية والمحرمية و...

ب) انتزاع وحكم عقلي كالامكان والوجوب والامتناع واستحالة اجتماع النقيضينولتفصيل البحث مجال آخر

في امتناع تقسيم وجود الجوهر الی ما في نفسه وما في غيره وراء تقسيمه الی الجزء والكل

قد يتوهم أن من الوجود ما هو في نفسه - كوجود الكل بالنسبة الی الاجزاء وكوجود الموضوع والمحمول في القضايا الحملية - وما هو في غيره - وهو كوجود الاجزاء بالنسبة الی الكل وكوجود الرابط بين الموضوع والمحمول - وما كان معدوماً فلا معنی لكونه موجوداً في غيره. هذا مضافاً الی أن اعتبار الكل والجزء معنی اضافي واعتبار عقلي لا يقسم بها الوجود العيني كما ان معنی البنوة ليس موجوداً وراء الاعتبار والدرك العقلي حتی يصح البحث عن كونه موجوداً مستقلاً أو رابطاً أو جزءً او كلاً أو...؛ ومفاد القضية الحملية ايضاً ليس إلا الحكم باتصاف الموضوع بوصف وليس هناك وجود للمحمول مستقلاً عن الموضوع فضلاً عن أن يكون هناك وجود رابط، فلا وجه لقياس امر العلة والمعلول - فضلا عن قياس الخالق والمخلوق - بذلك.

في امتناع تقسيم الموجود الی ما هو لنفسه وما هو لغيره وراء تقسيمه الی الصفة والموصوف

قد يتوهم أن الوجود قد يكون لنفسه كوجود الجواهر وقد يكون لغيره كوجود الاعراض والأوصاف؛ والحق أن الوجود والموجود لا يقسم في الحقيقة الی القسمين بل هناك موجود واحد قد يتكثر في العقل باعتبار أوصافه وكيفياته المختلفة؛ وإن من البديهي أن الوجود إذا كان وجوداً واقعاً

ص: 38

فيمتنع أن يكون لغيره وإلا كان معدوماً او متحداً بذلك الغير والاتحاد محال مطلقاً إلا اذا كان من باب الصفة والموصوف كما قلنا لا أنه يكون وجوداً وهو لغيره.

فلا مجال للقول بوجود الهيولی ومادة المواد والصور النوعية أيضا.

اصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

ص: 39

العدد الخامس

بحث مختصر حول أصول التفكير الصحيح للوصول

إلى المعرفة الصحيحة

الثانية:حول الواحد لايصدر منه الاواحد فنقول:

الذي يظهر من تاريخ الفلسفة و اعتقادات الملل؛ إن الأصل في هذه القاعدة هو تبرير القول بإلهين، يعني: إلهي الخير و الشر و إنه يستحيل صدور الضد من الاله الذي هو محض الخير و المراد من الضّد هو الشّر. و اصطلاح الضد هنا بالمعنی الاعم من النقيض و الضد المنطقي فهو شامل لهما.و أجاب عن هذه الشبهة السيد الكبير عبد الله شبر قدس سره: «بأنه اللازم من ذلك ان يكون لكل ضد إله مستقل وإنه يلزم تعدد الآلهة بتعدد الأضداد؛ كالبياض و السواد، و الحرارة و البرودة(1)...».

و اجاب عن هذه القاعده بعض المحققين: بأن الفلاسفة هم أنفسهم لايلتزمون بالقاعدة فإن مقتضی القاعدة أن لايصدر إلا شيء واحد في حين إنهم يقولون إن الصادر الأول من الله سبحانه و تعالی مشتمل علی جهتين. فإن كانت الجهة الثانية صادرة من الله جل و علا فيلزم تعدد الجهة في ذاته و هم لايقولون بذلك و إلا لم تكن صادرة عنه فيلزم صدورها من العدم و الوجود من العدم محال.

و قد اجاب عن ذلك بعض الفلاسفة: بأن هاتين الجهتين انتزاعيتان. فأجابه ذلك المحقق بان الأمر الإنتزاعي معدوم؛ فيلزم صدور الموجود من المعدوم، حيث أنهم قائلون بصدور عقل و فلك من الصادر الأول و لازمه ماقاله ذلك المحقق.

هذا و لا باس بتوضيح مفردات هذه القاعدة حسب مااصطلحوا عليه:

فنقول: المراد من الواحد هو البسيط (كما صرح بذلك الطباطبائي في نهاية الحكمة) و هو عندهم مفهوم مشكك يطلق علی ما لا يتركب من مادة و صورة خارجيتين، فيشمل حينئذ الأعراض و العقول (حسب اعتقادهم) بل و نفس المادة و الصورة.(2)و قد يطلق البسيط علی ما لايتصور له أجزاء بالفعل

ص: 40


1- حق اليقين ج/1ص18 النقل بالمعنی
2- تعليقة علی نهاية الحكمة 242

ولا بالقوة، حتی لو كان ذلك بتبع الموضوع، فينحصر بالمجردات (حسب اعتقادهم) و قد يطلق علی ما ليس له اجزاء عقلية، ولا يتصور له اي تركيب حتی في الماهية و الوجود ، فيختص هذا المعنی بالله جل جلاله.

ثم ذكر الاستاذ مصباح :«انه لو كان المراد بالبسيط المعنی الاخير،اختصت القاعدة بالله تعالی،والا فلو عمّمنا القاعدة لغيره،كان المراد بالبسيط،هو الحيثية الواحدة التي يصدر عنها المعلول،ولو كانت مقترنة بحيثيات اخری(1) »وذكر الاستاذ مصباح:«بان لهذه القاعدة ارتباطا وثيقا بقاعدة التسانخ بين العلة والمعلول. فقد استدل العلامةالطباطبايي علی هذه القاعدة بالتسانخ، وقد اوضح ذلك الاستاذ مصباح فقال:«السنخية بين العلةوالمعلول، قد تلاحظ بين العلةالمفيضة ومعلولها، وقد تلاحظ بين سائراقسام العلةالحقيقية و المعدة والمعلول المنسوب اليها. اما الاول:فهو أمر قريب من البداهة إن لم يكن بديهيا،فان العلة المفيضة هي المعطية لوجودالمعلول، ومن الواضح استحالة إعطاء الشي ء لما هو فاقد له،ورجوع ذلك الی التناقض _ الی أن قال:_ وأما السنخية بين الفاعل الطبيعي ومعلوله، وبين الشرط والمشروط، وبين المعدات والمستعدات فليس مما يستقل به العقل،بل يحتاج الی التجربة»(2).

أقول: أما مااستدل به الأوائل من أن الشيء لا يكون علة لضده.

فجوابه: إن ذلك لا ينطبق علی الله جل و علا لأنه تعالی لا ضد له بمعنی الممانع كما ثبت بالبرهان. فهو واحد لايتثنی لا حد له(بل هو فوق الحد لان التناهي و عدمه من صفات الموجودات المادية) و لامثيل و لاشبيه و عليه فجميع الأضداد الصادرة منه ليست ضداً له فالضدان أمران وجوديان لايجتمعان . والله تعالی بعد عدم إمكان التعدد فيه يستحيل أن يكون له ممانعاً في وجوده فالأضداد في عالم المخلوقات لا ربط لها بعالم الخالقية فلايمكن قياس عالم الآثار علی عالم المؤثر فقد قام البرهان أن الأثر غير المؤثر و أن الحاد غير المحدود فالمؤثر هنا لا يتطرق اليه التحديد و لامقهورية في ذاته و

ص: 41


1- تعليقة علی نهاية الحكمة 242
2- تعليقة علی نهاية الحكمة 243

بعد عدم وجود مقهورية في ذاته فهو غير الأثر الذي هو مقهور و مغلوب علی أمره و محدود في ذاته و وجوده فالآثار فيما بينها متضادة أما بالنسبة الی مؤثرها لا تضاد بينها و بينه بل هي كلها تحت سلطانه.

هذا مضافاً إلی انه:

أولاً: لايوجد دليل عقلي بديهي او برهاني علی صحة هذه القاعدة (الواحد لايصدر منه الا واحد). ويكفينا عدم الدليل في بطلانها، وما ذكر من الاستدلال عليها فأنه ليس ببرهان عقلي، بل الدليل فيه عين المدعی، فقالوا: « لا يمكن أن يصدر الكثير بما هو كثير من الواحد بما هو واحد» و هو كما تریعين محتوی الواحد لا يصدر منه الاواحد.و تارة يستدل لها بالدليل الاتي الإلزامي، و مع ذلك فهو باطل من جهات:

الأولی: إنه يبتني علی ثبوت السنخية و قد أبطلناها.

الثانيه: إنه لا يوجد في الواقع علل متعددة و إنما هنالك علة واحدة و هي الذات المقدسة الالهية و ما سواها فإنما يستمد الوجود منها و لا يملك من أمره شيئاً مالم تهب له الذات المقدسة من وجود و قدرة(1).

و من هنا تعرف وجه المغالطة في الإستدلال: «إنه لجاز أن يكون كل شيء علة لكل شيء». فلا توجد في الواقع مصاديق كل شيء حتی يصدر منها كل شيء و إنما الواقع إله واحد و قدرة واحدة و ما سواها إنما يستمد القدرة منه تعالی. فهي إذن ساقطة من الحساب.

الثالثة: بعد قيام البرهان القاطع علی ثبوت الذات الأحدية الواحدة المنفردة في الألوهية و بعد ثبوت الكثرة في الواقع (و هم يعترفون بثبوت الكثرة في الخارج و من أجلها افترضوا عقولاً متعددة) و إن هذه الكثرات لم تستند في وجودها و ما تملك من قدرة وسعة في الوجود إلا إليه تعالی (و هم يعترفون بذلك لكن بتوسط العقول) إذن نعلم علم اليقين أن هذه الكثرة صادرة منه تعالی لا من غيره لأن غيره لايملك من أمره شيئاً مالم يملّكه باريه. فسقط ما كانوا يخرصون تعالی الله عما يصفون إنما هو إله واحد لا شريك له.

ص: 42


1- هذا الجواب في مقام عالم الاثبات

فكيف يملّكون معاليله من قدرة علی خلق الجهات المتعددة و هم لايملكون إلا ما وهبهم و ملكهم الله جل و علا؟. و العقل ينادي فاقد الشيء لايعطيه و إن الوجود من العدم مستحيل.

و لا يخفی ان رؤية الاسلام حول هذه القاعدة المزعومة واضحة حيث يقول تعالی: في سورة الاعراف€ الا له الخلق و الامر~ و يقول تعالی في سورة الرعد €ام جعلوا لله شركاءخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار...(1)~ وان الله تعالی فعال لما يريد و ان امره اذا اراد شيئاً انما هو كن فيكون لاانه يخلق الخلائق بواسطة الصادر الاوّل و نكتفي من الروايات الدالة علی بطلان هذه القاعدة بما رواه الصدوق عن ياسر الخادم قال قلت للرضا(علیه السلام) ما تقول في التفويض؟فقال (ان الله تبارك وتعالى فوضّ الى نبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) امر دينه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فاما الخلق والرزق فلا ثم قال(علیه السلام) ان الله عزوجل يقول الله خالق كل شيء ويقول الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون(2)) فان قوله(علیه السلام) (ان الله خالق كل شيئ) بعد نفي الخالقية التفويضية فضلاً عن الاستقلالية بيان صريح لعدم وجود اي واسطة في البين لخالقيته تعالی للمخلوقات و حتی جريان المعجزة علی يد الانبياء و الائمة(علیهم السلام) لم يكن بالاستقلال و لا بالتفويض و الذي ذهب اليه علماؤنا ونطقت به الاخبار انما هو من باب استجابة الدعاء يقول الشيخ المفيد(رحمةالله) في الرد علی المفوضة بعد قوله اولاً (والغلاة من المتظاهرين بالاسلام هم الذين نسبوا امير المؤمنين والائمة من ذريته (علیهم السلام) الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد وهم ضلال كفار حكم فيهم اميرالمؤمنين(علیه السلام) بالقتل والتحريق بالنار وقضت الائمة(علیهم السلام) عليهم بالاكفار والخروج عن الاسلام) : والمفوضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الائمة وخلقهم ونفي القدم عنهم واضافة الخلق

ص: 43


1- - استدل بهذه الاية المباركة الامام الصادق ˜ في رد القول بالتفويض وانحصار الخالقية بالذات الالهية المقدسة راجع كتاب اثبات الهداة ج/7 ص/460
2- اثبات الهداة ج/7 ص /446

والرزق مع ذلك اليهم ودعواهم ان الله سبحانه وتعالى تفرد بخلقهم خاصة وانه فوّض اليهم خلق العالم بمافيه وجميع الافعال(1)ثانياً: و إما قولهم إنه تعالی بسيط و ذو جهة واحدة و إنه لو صدر منه معلولات متعددة لزم تقرر جهات متعددة في ذاته ففيه:

1- إنه تعالی فوق الجهوية لا أنه محدود بجهة واحدة و المقصود من أنه تعالی لاجهات فيه و أنه بسيط: يعني لا تركب و لاتكثر في ذاته بل ذاته واحدة كاملة غنية عمن سواها لا انها محدودة بجهة واحدة مضافاً الی ان تحديد الذات الغنية الكاملة يستلزم التناقض و لامعنی له غيرذلك.

2– التكثر الواقع و الذي لابد له من علة إن كان من الله جل و علا فهو ينافي قاعدتكم بإن الواحد... و إن كان من غيره لم يكن الله تعالی علة لكل المخلوقات و كانت هنالك علل غيره و هو واضح البطلان.

3- يلزم من قولكم هذا ايضاً محدودية الذات المقدسة الإلهية.

ثالثاً: و أما ما يقال في توجيه صدور الكثرة من غيره تعالی من إن العقول لكونها معلولة فهي تعقل ذاتها و تعقل علتها فصح صدور معلولات متعددة منها.

أقول: يلزم من ذلك كله أمور:

الأول: عدم صلاحية الذات المحدودة بجهة واحدة (حسب اعتقادهم) لأن تكون علة لكل المخلوقات هذا مع بطلان فكرة العقول و تعدد العلل.

الثاني:كفاية معقولية الذات و الغير في صلاحية المعقولية لصدور معلولين من الذات امرٌ باطل مضافاً الی عدم ثبوت كون المعقولية كافية في إعطاء قدرة الخلق و الايجاد بذاتها من دون استنادها الی علتها.

ص: 44


1- اوائل المقالات ص240 و239و238طبع مكتبة الداوري

الثالث: و أخيراً لم لا تقولون ذلك بالنسبة الی الذات الإلهية المقدسة؟! فهو يعلم ذاته و يعلم معلولاته و علمه عين ذاته. فهو أولی بصدور معاليل متعددة منه؛ لأنه فوق الجهات المعلولية التي جعلتموها صالحة لأن تكون علة للتكثر.

رابعاً: و أما ما ذكره السيد الطباطبائي و الأستاذ مصباح من أن العلة المفيضة هي المعطية لوجود المعلول و إنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.أقول: و لازم ذلك أن يكون كل ما في هذا العالم موجوداً في ذاته تعالی فجسمانية العالم و ماديته و ما اشتمل عليه كل ذلك في ذاته تعالی لأنه من المستحيل إعطاء الشيء لما هو فاقد له.

فإن قلت: نعم كل ذلك في ذاته تعالی إلا أنه من نوع عالم الألوهية و بنحو أتم و أرقی.

قلت: كيف يكون المجرد علی تجرده (بمعنی عدم محدوديته ولا يتطرق اليه التحديد و فوق المادة) عين الوجود المادي و هو محدود؟ و هل هذا إلا الجمع بين النقيضين؟. فإما أن نحافظ علی تجرد المجرد و عدم محدوديتهُ؛ فهو إذاً غير الماديات فانخرمت قاعدة (فاقد الشيء لايعطيه) و إما أن نقول انه تعالی عينها و نحافظ علی هذه القاعدة و هو خلاف البرهان العقلي و القطعي في أنه تعالی لا يتطرق اليه التحديد و لاشبيه له.

أقول: و قد توهم في فهم القاعدة فلم يفهموا معناها و المراد منها. و ذلك فإن معناها: أن من لاقدرة له علی الخلق و الإيجاد لايستطيع أن يخلق و يُوجِد. ففي الحقيقة هذه القاعدة تعبير آخر عن قاعدة الوجود من العدم مستحيل أو احتياج الممكن الی العلة فالمراد: أن الوجود يستحيل استناده الی العدم بل هو مستند الی العلة و إن الممكن لاوجود له في نفسه و إنما يعطی له الوجود بواسطة علته أما كيف يعطی له الوجود و إن وجوده قطعة من وجود علته فهذا ما لا تتكفل القاعدة ببيانه و أجنبي عن القاعدة (يعني قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه) فإن العلة كما يعقل أن تعطي الوجود لمعلولها من ذاتها كذلك يعقل و يمكن أن تعطي الوجود لمعلولها بما تملكه من قدرة. و الذي يتكفل بيان صحة الأول أو الثاني هو البراهين الأخری و هي دالة علی أنه تعالی لا يتطرق اليه التحديد و يستحيل أن يحويه مكان أو زمان و إنه قاهر غير مقهور و إن الأثر غير المؤثر فتعين صحة الثاني لاستحالة الأول.

ص: 45

و هذه هي الرؤية الاسلامية فعن مولانا امير المؤمنين˜ في اول خطبة من نهج البلاغة « فطر الخلائق بقدرته» و في خطبة 182 «خلق الخلائق بقدرته».

و عن الامام الرضا ˜: « الحمد لله فاطر الاشياء إنشاءً و مبتدعها ابتداءاً بقدرته و حكمته لامن شيئ فيبطل الاختراع و لا لعلة فلا يصح الابتداء» (1)و عن امير المؤمنين˜: «... و كل صانع شيئ فمن شيئ صنع و الله لا من شيئ صنع ما خلق»(2)

السنخية ام العينية والاتحاد ام التباين؟ من محاضرات القاها الاستاذ السيد جعفر سيدان

ص: 46


1- توحيد الصدوق 98
2- توحيد الصدوق43

في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله

مقدمة المترجم:

(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.

الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی علی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.

والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.

الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن

ص: 47

كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)

المحاضرة الرابعة

... لقد قرأنا عبارات من كتب مختلفة حول العينية بين اللَّه تبارك وتعالى والكائنات وقد بينا ذلك بالامثلة وقد جاء ذلك المعنى الذي بيناه في تقرير بعض المشاهير وكبار أهل الفن(1) ولأجل تثبيت هذه النسبة نذكر قسما آخر من عباراتهم مع الاشارة الى تقرير آخر في هذه المحاضرة.

العينية وقوسيّ الصعود والنزولجاء في كتاب دروس من نهج البلاغة مطلب حاصله: انّ هنالك عوالم، نشأت وتنزلت عن الذات الالهية المقدسة بصورة قوس نزولي وهذه العوالم عبارة عن عالم اللاهوت، الجبروت، الملكوت، الناسوت والكون الجامع ويعبر عن الذات المقدسة الالهية ايضا بهاهوت، ومن المعلوم أن تنزل هذه العوالم ليست بمعنى أنها خلقت وأوجدت لا من شي ء بل بمعنى المرتبة النازلة لوجود اللَّه تبارك وتعالى وبعد النزول تتحرك نحو قوس الصعود تشرع من عالم الكون الجامع والعوالم التي كانت موردا للنزول وبعد طي تلك العوالم تصل الى تلك الحقيقة وهي هاهوت وبهذا المعنى تأويل الآية المباركة {إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ}(2)

وحاصل هذا التقرير هي العينية ايضا الاّ أنّ التطور قرر بصورة أخرى.

سؤال: التعبير الذي جاء في نفس القرآن {وَإِن مِّن شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(3).

الجواب: النزول بهذا المعنى يعني يكون النزول من اللَّه جلّ وعلا بإرادته ومشيئته.

سؤال: القرآن يعبر بعندنا ولا يقول بارادتنا.

ص: 48


1- - طبعا البعض منهم يعتقد بالعينية والبعض الآخر بيانه للمطلب بعنوان التقرير.
2- - البقرة/ 156
3- - الحجر/ 21

الجواب: عندنا يعني من عنداللَّه جلّ وعلا يكون النزول لا من ذات اللَّه جلّ وعلا. وحاصل العبارات انّه في قوس الصعود يحصل الفناء في ذات اللَّه جلّ وعلا والتنزل من ذات اللَّه جلّ وعلا والرجوع مرة أخرى الى اللَّه جلّ وعلا في نفس الصعود هو نفس العينية المطروحة وبعبارة اخرى الذي يقال كلّ شي ء من عندنا، فهو قول صحيح وكلمات تنزل و أنزلنا وأمثالهما مستعملة في القرآن الكريم، لكن النزول بهذا المعنى وهو: أن يكون شيئا نازلا من ذات اللَّه جلّ وعلا بالقوس النزولي ومنه تتكون العوالم ثم يرجع مرة أخرى بالقوس الصعودي الى اللَّه جلّ وعلا ويفنى في ذاته جلّ وعلا فهو غير صحيح والذي جاء في القرآن والحديث غير هذه التعابير وهي كثيرة جدا.وجاء في كتاب دروس في نهج البلاغة: وفي الضمن انّ ذات الحق واجدة لصفات الكمال مثل مركز النور غير المتناهي والذي له ظهورات وقهرا مرتبة هذه الظهورات والاشعاعات مسلما لا تصل الى مرتبة كمال ذات الحق وذلك لانّ ظهور الشي ء محدود لا يملك كمال ذلك الشي ء ومن المسلم انّ الشمس نورها أزيد من نور اشعتها هذه مسألة طبيعية، فالاشعة لانها اشعة ناقصة بعد التنزل عن الذات الحقة وهي لها أشعة وتلك الاشعة أنقص وذلك لانّ الذات الحقة غير متناهية وهي متناهية وحيث أنّها صادرة من ذات الباري بلا واسطة فهي مجردة عن عالم المادة وفوق عالم المادة والتي يقال لها عالم الجبروت(1).

لاحظوا في هذه العبارة كيف شبهت الذات الالهية المقدسة بمركز النور وهذا المركز غير متناهي والتي اشعاعاته في حالة تنزل وعلى هذا فاصبح المقصود من الآيات والروايات الكثيرة في هذا القسم مسألة أخرى.

سؤال: القرآن يقول: {اللَّهُ نُورُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ}(2).

الجواب: سوف نصل الى هذه الآيات ونحن الآن لسنا في مقام الاستدلال بل غرضنا توضيح المطلب (الذي يقولونه) واذا كان هناك شي ء يمكن اثباته من خلال الادلة العقلية أو النقلية فسوف يأتي البحث عنه في مكانه وهو البحث التالي لهذا المبحث والآن نريد أن نثبت ان جمعا (من الفلاسفة)

ص: 49


1- - دروس من نهج البلاغة، الدرس الثامن، ص 78
2- - النور/ 35

قائلون بالعينية بين اللَّه جلّ وعلا ونذكر الادلة التي ترتبط بذلك اما ان هذا المطلب صحيح أم لا فسوف يأتي الكلام عنه في المباحث الآتية.

وجاء في قسم آخر من كتاب دروس من نهج البلاغة: اذا على هذا نحن لدينا ستة عوالم:

1- عالم هاهوت

2- عالم اللاهوت

3- عالم الجبروت

4- عالم الملكوت

5- عالم الناسوت

6- الكون الجامع (الوجود الذي يجمع ثلاثة مراحل قبله) وخلاصة الكلام انّ قوس النزول يأتي من اللَّه جلّ وعلا الى الاسفل وقوس الصعود يتحرك من الاسفل الى اللَّه جلّ وعلا (إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ) نحن صار شروعنا من اللَّه واليه نرجع ونصل الى مرحلة العقل والمرحلة الكاملة التي هي الفناء في ذات الحق. وهنالك لا افتراق بين الحق وبينه وهو المكان الذي وصل إليه النبي الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)وقال له جبرئيل (علیه السلام) : اذهب أنا لست....(1) هذه العبارة مبينة للعينيةالتي نقلناها عنهم بشكل واضح لكن بطريقة اخرى.(2)

الانسان الكامل عين اللَّه جلّ وعلا

يقول الشيخ المطهري في كتاب الانسان الكامل حول هذا الموضوع: العرفاء يرجحون دائما السكران (بالمعنى الذي هم يفسروه) علی العقل هؤلاء لهم كلام خاص التوحيد عندهم له معنى اخر

ص: 50


1- - دروس من نهج البلاغة، الدرس الثامن، ص80
2- - فقد جاءت عباراتهم بالتشبيه بالشمع والاشكال المختلفة أو التشبيه بالبحر وأمواجه وعبارة اخرى صريحة في المسألة تذكر في مكانها والعبارة الاخيرة التي بينت المسألة بطريقة أخرى ذكرناها بعنوان المؤيد والغرض بيان هذه النكتة وهي ان اهل الفن والذين وردوا في هذا المسير بشكل شاخص وغير قابل للانكار انهم ذكروا هذا المطلب ايضا لكن بتقرير اخر ومع تفاوت يسير في التعابير.

فتوحيدهم هو وحدة الوجود، التوحيد الذي اذا وصل اليه الانسان كل شي ء يحصل على شكله في هذا المذهب الانسان الكامل في النهاية يصير عين اللَّه جلّ وعلا اصلا الانسان الكامل الحقيقي هو اللَّه جلّ وعلا.(1). نؤكد انّ الغرض من نقل هذه العبارات اثبات هذه النسبة الى العرفاء حتى لا يستبعد أحد ذلك ويقول انّ هذه الكلمات تخالف الادراكات البديهية للبشر اذا كيف يصدر مثل ذلك من المشاهير، تحقيق هذه الادلة وماذا يقول العقل والنقل عنها سوف يأتي في المباحث الآتية.

العينية في بيان نفي الجبر والتفويض من باب السالبة بانتفاء الموضوع جاء في كراسة «علي بن موسى الرضا (علیه السلام)والفلسفة الالهية» في بيان نظرية العرفان حول مسألة الجبر والتفويض:

فتحصل انّ الحسنة لكونها كمالا وجوديا لابد وأن يستند الى الكامل بالذات والسيئة لكونها نقص كمال وفقدان جمال لابد وأن يستند الى الفاقد للكمال وهو الانسان العاصي المتحول في حيطة قدرته تعالى بلا تفويض لانّ استحالة التفويض على مشرب التوحيد الافعالي أوضح لظهور امتناع تفويض الامر الخارجي الى صورة مرآتية لا حقيقة لها عدا حكاية ذي الصورة، كما انّ امتناع الجبر على هذا المشرب ايضا أبين، لانّ الاكراه انما يتصور فيما يكون هناك شي ء موجود له اقتضاء وارادة.

وأمّا الصورة المرآتية التي لا واقعية لها عدا الارادة والحكاية فلا مجال لفرض اكراهها وجبرها كما أنها لا مجال ايضا لتفسير المنزلة بين المنزلتين على منهج الحكماء من توجيه العلة القريبة والمتوسطة والبعيدة اذ لا علية للصورة المرآتية اصلا حتى يبحث عن كونها قريبة أو لا، ولذلك يظهر أمر اخر وهو ان عد التوحيد الافعالي في سياق أقوال الاشاعرة المجبرة والمعتزلة المفوضة والحكماء الامامية القائلة بالأمر بين الأمرين غير منسجم، لأنّ الانسان وغيره من الممكنات على المباني الثلاث الأوّل موجود خارجي حقيقة وإن كان وجوده ضعيفا فقيرا وفقرا وربطا محضا لا ذات له الاّ الربط الى الواجب الغني المحض الاّ انّه على مشرب الرابع وهو التوحيد الافعالي المبحوث عنه في العرفان النظري المشهور في العرفان العملي لا وجود له الاّ مجازا بحيث يكون اسناد الوجود اليه اسنادا الى غير ما هو له نظير اسناد

ص: 51


1- - الانسان الكامل، ص 126 طبعا العبارات فيها غموض ويمكن توجيه العبارة الاخيرة الاّ أن العبارة الاولى صريحة وواضحة في انّ الانسان الكامل هو اللَّه جلّ وعلا

الجريان الى الميزاب في قول من يقول «جرى الميزاب» لان الموجود الامكاني في هذا القول صورة مرآتية لا وجود لها في الخارج وهي مع ذلك تحكي ذا الصورة حكاية صادقة فحينئذ يصير معنى نفي الجبر والتفويض عن تلك الصورة واثبات المنزلة الوسطى بين طرفي الافراط والتفريط من باب السالبة بانتفاء الموضوع في الاولين ومن باب المجاز في الاسناد في الثالث لأنّ القول تلك بانّ الصورة الحاكية التي لا وجود لها في الخارج ليست مجبورة ولا مفوضا اليها قضية سالبة بانتفاء موضوعها والقول بانتلك الصورة التي لا وجود لها في العين مختارة في فعلها قضية يكون اسنادا محمولها الى موضوعها مجازا عقليا.(1)

وقد جاء في هذه العبارات التي هي حول مسألة الحسنات والسيئات والجبر والاختيار حيث انّ الحسنات كمال فلابد وان تنتسب للكمال ولانّ الكمال أمر وجودي فلابد أن ينتهي إلى الموجود بالذات والموجود بالذات مشخص وهي الذات الالهية المقدسة وفي المقابل السيئات حيث أنّها فقدان ونقص فلا يمكن انتسابها للَّه جلّ وعلا ولم يفوض الانسان شيئا وهذا الموضوع بناءً على مشرب التوحيد الافعالي أوضح من باقي المشارب الآخر ولا وجود لحقيقة اخرى ولا واقعية لها غير الذات الحقة الالهية حتى يقال بالتفويض إليها وكذلك لا يوجد شي ء غير اللَّه جلّ وعلا حتى يقال بأنّه مجبور وعلى هذا فلا جبر ولا تفويض وذلك لانه لا وجود لشي ء يملك اقتضاء أو ارادة في الخارج بل انّ وجود الممكنات وجود مرآتي واشعاعي واسناد الوجود اليها اسناد مجازي ومن قبيل جرى الميزاب وعليه فهنالك حقيقة واحدة فقط وهي اللَّه جلّ وعلا وكل كلام يقال حول ذلك الموضوع فانما هو حول الوجود المرآتي والاشعاعي للَّه جلّ وعلا ولا حقيقة له.

والحاصل ان «لا جبر ولا تفويض» تكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع ولا وجود حتى للفقير (الممكن المحتاج للعلة) ولا لعين الفقر ولا الربط المحض، لا شي ء اصلا وطبق مسلك العرفان لا

ص: 52


1- - مجموعة الآثار المؤتمر العالمي للامام الرضا ×7ص159

توجد الاّ حقيقة واحدة فلا تصل النوبة الى الجبر أو التفويض لانّه شي ء حتى يكون مجبورا أو مفوضا اليه فلا شي ء الاّ هو.(1)

وعلى هذا (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين)(2) بالمعنى الذي يقوله الفلاسفة غير صحيح لاجل ان مشربهم يقول بالوجود الخارجي وان له علة قريبة وعلة متوسطة وعلة بعيدة(3) ولكن حسبمشرب العرفان لا وجو لشي ء في الخارج كما تقدم توضيحه ويأتي التصريح به وحينئذ يكون (لا جبر ولا تفويض) من باب السالبة بانتفاء الموضوع لان الانسان مجرد صورة مرآتية لا غير ولا يكون علة قريبة يعني ليس شيئا حتى يكون علة قريبة ورأي الاشاعرة والمعتزلة والحكماء ليس منسجما وذلك لانه حسب هذه المشارب للشي ء وجود خارجي وحقيقة واقعية وقسم من هؤلاء قالوا بالجبر واخرون قالوا بالتفويض وعدة اخرى تقول بالامر بين الامرين وبعبارة اخرى انّ هذه المشارب لوحظ الوجود الخارجي وواقعيته (ولو بدرجة ضعيفة كالوجود الربطي لا غير) وحيئنذ يطرح الجبر والتفويض أو يقال لا جبر ولا تفويض.

امّا بحسب المشرب العرفائي لا وجود في الخارج ولا واقعية له - عدا وجود اللَّه جلّ وعلا - حتى يقال بذلك، ولذا فطرح التوحيد الافعالي العرفائي في سياق هذه المطالب غلط لعدم التناسب وعدم العلاقة بينهما فحينما يقال جرى الميزاب، فالمراد انّ الماء تحرك والاّ فالميزاب لا يتحرك، فاسناد الحركة للميزاب مجازية ولا ربط لها وكذلك اسناد الوجود الى الاشعة (حسب تعبيرٍ) أو الى الصورة المرآتية (بتعبير آخر) والممكنات - انسان وغير انسان - اسناد الوجود إليها مجازي يعني لا وجود لها

ص: 53


1- -طبعا العبارات فيها غموض ووضوح وعلى هذا الاساس فهذه العبارة (عدا حكاية ذي الصورة) لابد من فهم معناها فهل هذا الوجود بأي درجة من الضعف والفقر موجود أم لا؟ اذا كان موجودا كان قابلا للتكليف وسوف تكون هنالك ارضية للبحث عن الجبر والتفويض وإن لم يكن شي ء موجودا، فالأمر كما بينا في المتن
2- - الكافي،160/1
3- بحث الجبر والتفويض يكون في حدود الافعال الارادية وفي الفعل الارادي تكون ارادة الفاعل علة قريبة للفعل وحيث ان هذه الارادة حادثة ولابد ان تنتهي إلى مابالذات والاّ يلزم التسلسل، فلذا فالفعل ينتهي إلى ارادة اللَّه جلّ وعلا ونتيجة ذلك ان علة الفعل ارادة قريبة وارادة بعيدة

وانّما الوجود فقط الوجود للذات الحقة وعليه لا جبر ولا تفويض يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، اكرر نحن لسنا بصدد اثبات أو ردّ العينية بل نريد أن نوضح ما نسب الى العرفاء وقد ذكرنا مطالب في المحاضرة السابقة وقرأنا بعض العبارات الصريحة وفي هذه المحاضرة ذكرنا نوعا آخر من المطالب لاولئك الذين هم اصحاب نظر في هذه المسائل ومن هذه الجهة فقد اعترفوا بذلك، طبعا هذه المطالب التي نقلناها من كتاب دروس من نهج البلاغة والانسان الكامل والفلسفة الالهية ليست بمعنى انّ هؤلاء الكتاب يعتقدون بهذه العقيدة فنسبة هذه العقيدة اليهم تحتاج الى جهة أخرى لكن الذيتشخص حول مسألة العينية انّ هذا المطلب الذي نقلناه عن العرفاء صحيح وبهذا الشكل الذي نقلناه عن العرفاء صحيح وبهذا الشكل الذي نقلناه لكن بتعابير وتقريرات مختلفة.

العينية والفناء في الذات

عبارة اخرى من أحد المعاصرين حيث يقول: لا تقل حتى اني اريد اللَّه جلّ وعلا من أنت حتى تريد اللَّه جلّ وعلا أنت لم تستطع ولا تستطيع أن تريده وتطلبه فهو غير محدود وأنت محدود وطلبك والذي نفسك وناشى ء من نفسك محدود وهيهات معه لا تستطيع أن تريد وتطلب اللَّه جلّ وعلا الذي لا يتناهي وذلك لان الاله الذي هو مطلوبك في اطار طلبك ومحدود ومقيد بارادتك وداخل في وعاء نفسك لعلة طلبك وعلى هذا، فذلك ليس هو اللَّه، انه الاله المتصور والمتخيل والمتوهم بصورة »ذهنك« ووهمك وخيالك وفي الحقيقة نفسك التي جعلتها ربّا لك.

بناءً على هذا فارفع يدك عن طلبك والق هذا الامل مع نفسك في القبر حتى تستطيع أن ترى اللَّه جلّ وعلا واذا أردت لقائه أو طلبه فاخرج انت من طلبك واصرف النظر عن ارادتك وطلبك بنفسك الى اللَّه وليكن هو الذي يريد لك وهو الذي يطلب لك وفي هذه الصورة الاخرى أنت لم تصل الى اللَّه جلّ وعلا كما لم تصل من قبل ولا تصل لكن حيث خرجت من طلبك وارادتك واعطيت زمامك اليه وهو سار بك في المعارج ومدارج الكمال والتي حقيقتها السير الى اللَّه جلّ وعلا مع فناء المراحل والمنازل وآثار النفس وبالنتيجة الاندكاك وفناء تمام الوجود ووجودك في وجود الذات المقدسة حينذاك فانّ اللَّه جلّ وعلا عرف اللَّه جلّ وعلا لا انك عرفت اللَّه جلّ وعلا انّ وصول الممكن الى الواجب محال

ص: 54

وههنا شيئان محالان وصول الممكن للواجب وانضمامهما الذي يستلزم التركب في الذات المقدسة وبالنتيجة يظهر رأس الحدوث وهذا مناف لقدمه جلّ وعلا.

امّا فناء العبد المطلق واندكاكه في ذاته جلّ وعلا وذهابه وانعدامه في جلاله وجماله، فأي اشكال فيه؟ ولكن لابد أن نعلم ان ذاته جلّ وعلا بحت وصرف وغير متناهية وأني للعبد أن يمكنه الذهابهناك وان فنيت فيها وذلك لانه جلّ وعلا لا يقبل عنوان العبودية وعنوان الفناء العبد وهناك لا يوجد شي ء غير الذات لا أنا العبد ولا فنائي، هنالك الذات والذات، ذات واللَّه، اللَّه(1).

في الختام لابد من الفات النظر الى أمرين:

1- نؤكد على الحركة العقلية مائة بالمائة بمعنى حاكمية العقل والادراك البين في كلّ مكان ولا يترك الادراك البين أينما كان هكذا ديننا، كتابنا، حديثنا بعد ملاحظة هذا الامر نبحث عن كثير من الامور التي قيل عنها أنها من الادراكات البينة فهل هي كذلك أم لا؟ فأينما وجدنا الادراك البين نقبله وان لم نجده فلا نقبله، إذا علينا أن لا ننسى التعقل وحاكمية العقل وانّ الاصل في الحركة الصحيحة هي الحركة من جهة عقلية، ولا كلام في هذه المسألة ونحن بصدد التحقيق في كثير مما يقال هل هو عقلي أم لا؟ وعلى هذا فلا يتوهم انّ هذه المباحث هي طرح للعقل إلى جانب وتفكيك بين العقل والدين لا، لا يمكن ذلك بل مكانة العقل محفوظة صحيح انّ العقل لا يدرك قسما من المسائل لكن لا توجد مسألة جائت عن طريق الوحي مما تنافي العقل.

فكثير من المسائل مطابقة للعقل وكثير من المسائل أبعد وفوق ما يدركه العقل، اما لا تنافي بينهما ابدا، ومسألة التعقل مائة بالمائة محفوظة.

أؤكد انّ البحث هو عن ان الموجود في الكتب الفلسفية والعرفانية هل هو من الادراكات العقلية أم لا؟ وهل انّ هذه المسائل من الادراكات البينة أم لا؟ فأينما ادركنا نقبل والاّ فلا.

2- في المحاضرات الآتية سوف نبحث عن مسائل مهمة (مثل مسألة العلم والارادة، مسألة لقاء اللَّه جلّ وعلا، التجلي، الفناء في اللَّه، الحدوث، والقدم،، الجبر والاختيار، مسألة المعاد ومسائل مهمة من هذا القبيل) والتي يلزم تحقيقها وكلّ ما في الكتب الفلسفية حول هذا المسائل ويطرح عادة بعنوان

ص: 55


1- - الروح المجردة، محمد حسين الطهراني(الكتاب باللغة الفارسية) ص169و 188

المعقول فان لم يكن مانعا منه من جهة عقلية، فاللازم قبوله وان لم يكن كذلك فلا يقع موردا للقبول، وعلى هذا فما أحسن مطالعة الكتب المختلفة حول هذه المسائل ويعطى للمطلب أهمية لان المسائل العقائدية مهمة جدا.ولابد من تحقيق كلمات ومطالب وعقائد هذا المذهب وعند ذاك يستفاد من كتب الحديث جيدا (من قبيل توحيد الصدوق واصول الكافي) ولذا نوصي بمطالعة مختلف الكتب ومراجعة مختلف النظريات والرؤى (من قبيل شرح اصول الكافي لملا صدرا وشرح اصول الكافي لملا صالح المازندراني ومرآة العقول للمرحوم العلامة المجلسي وكتب الشيخ المطهري وكتب ميرزا جواد آقا الطهراني وتنبيهات الشيخ مرواريد و... ).(1)

وكلما أعطيتم وقتا فسوف تتضح اكثر هذه المباحث وبالنهاية نستطيع بالوصول الى مذهب ما جاء به الوحي كما هو عليه.

اسئلة وأجوبة

السؤال الاوّل: هل انّ وحدة الوجود طرحت في الآيات والروايات مثلا في بعض الاخبار وقع الكلام عن تجلي اللَّه جلّ وعلا الى خلقه.

الجواب: السئوال الذي تفضلتم به انّه ورد في الروايات«تجلى لخلقه » ومن قبيل هذه العبارات وردت نصوص متعددة وسوف يأتي تحقيقها في بحث الادلة النقلية لكن نقول وباختصار: التجلي له معنيان: أحدها كون الموجَد علامة وآية للموجد والمعنى آخر: ترشح المعلول عن العلة وتنزل العلة وفيضانها للمعلول، فالكلمة لا تتحمل أكثر من هذين المعنيين.(2)

وعلى هذا نقول: صحيح انّ اللَّه جلّ وعلا يتجلى لعباده بخلقه الاّ انه بهذا المعنى من ايجاده نفس الكائنات يعني يخلق لا من شي ء آية من آياته ولو كان التجلي بمعنى ترشح الذات فهذه هي العينية

ص: 56


1- - ليس المقصود من ذكر هذه الكتب هو أنها صحيحة المطالب وانما المناسب هو مراجعتها ومطالعتها بالنسبة لهذه المباحث.
2- أتذكر اني قد بحثت هذه الكلمة وقتا ما وحينها عثرت على خمسة معاني لهذه الكلمة الاّ انّ ثلاثة منها غير صحيحة واثنين منها صحيحة.

وقد بيّنا في مسألة السنخية مسألة الايجاد وأثبتنا انّ المخلوقات قد ابدعت وخلقت لا من شي ء وأحدثت وأوجدت واذا كان الامر كذلك فمن الواضح انّ الترشح وأمثاله غير صحيح والحاصل ان لا دلالة للتجلي في الآيات والروايات على العينية.

صاحب السؤال: الشي ء الذي هو آية يعني الذي هو مسانخ.

الجواب: لقد أجبنا عن هذا السؤال سابقا وكان أحد الاستدلالات القول بالسنخية وهو كيف يمكن أن تكون الموجودات والكائنات التي هي علامات وآيات للَّه جلّ وعلا مباينة له جلّ وعلا، فلا يمكن أن يكون اية الشي ء مباينا للشي ء بل اللازم أن يكون مسانخا له وقد فصلنا الكلام شيئا ما حول هذه المسألة وقلنا انّ اية الشي ء تثبت الشي ء ومثبت الشي ء غير المسانخ فمن الممكن أن يثبت شي ء شيئا ولا يكون من سنخه كما وقد ذكرنا انّ العلل الطبيعية لابد وأن يكون بين عللها ومعاليلها تسانخ ولكن اذا كانت العلة مريدة وفاعلة بالارادة فلا يلزم أن يكون معلولها مسانخا لها بل لو كان هنالك ابداع وايجاد وخلق لا من شي ء يعتمد بكل وجوده الفقير الذات محضا على القائم بالذات محضا ولذا لا يمكن أن يكون الفقير بالذات من سنخ الغني بالذات بمعنى الاشتراك في حقيقة واحدة. (المترجم: لا يخفی ان الفلسفة تقول ايضاً ان الماهيات تعتمد بكل وجودها الفقير الذات محضاً علی القائم بالذات محضاً و التعبير الصحيح هو ان نقول ان المخلوقات ليست ماهيات قائمة بوجود الله تعالی محضاً بل هي اشياء حقيقية واقعية خلقها الله تعالی بكل وجودها وصورها و تعيناتها و صفاتها لا من شيء)

سؤال آخر: للاسف لم يبين مدعى العرفاء بالشكل المطلوب كما سبق هذا الامر في بحث السنخية حيث لم يبيّن كلام الفلاسفة حول السنخية بالشكل المطلوب والذي أجبتم عنه غير الذي يقولونه فأنتم تقولون لا اشتراك في الحقيقة والفلاسفة أنفسهم عقدوا فصلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ} ولذا حينما يذكرون السنخية يعلم أنهم لا يقصدون المشابهة في الحقيقة فالقرآن المجيد يقول: {أَيَحْسَبُ أَن لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}(1) {أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ}(2) .

ص: 57


1- - البلد/7
2- - البلد/ 8

فلو دققتم النظر في هذه الآية فهي مصداق لهذه السنخية التي يقولها الفلاسفة حيث يقولون انّ الكمال الذي ترونه في الانسان فاللَّه جلّ وعلا قد أعطاه هذا الكمال وهل يمكن أن لا يكون واجدا لهذا الكمال{أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ} اذن قطعا نحن نراه وهذه هي السنخية التي يقولها الفلاسفة فالذي يعطي كمالا لا يمكن أن لا يكون واجدا للكمال بنحوه الاعلى والاشرف.

الجواب: الذي تقولونه حول مسألة السنخية التي تقدم البحث عنها انه لا يوجد من يقول أنها بمعنى المشابهة في الحقيقة وأنها نفس الاشتراك في الحقيقة فلم يقل أحد بذلك فليست السنخية بهذا المعنى لانّ هؤلاء قالوا ايضا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ} ومقصودكم حيث انّ الانسان له قدرة الرؤية فاللَّه جلّ وعلا له هذه القدرة بطريق أولى اذن هنالك تسانخ واشتراك في الحقيقة بين اللَّه جلّ وعلا والانسان في قدرة البصر وكلّ ما يملك الانسان من قبيل القدرة والرؤية والسمع فهو موجود في ذات اللَّه جلّ وعلا بالشكل الاعلى والاشرف وهذا هو المقصود من السنخية.

ونقول في الجواب انه لو حققتم مقدارا ما في بيانات الفلاسفة لاتضح لديكم انهم يصرحون بالذي نقلناه عنهم ويتضح الامر مع ملاحظة مسألة اصالة الوجود ووحدة الوجود «الوحدة المطلقة في العرفان بالاضافة الى الوحدة التشكيكية» بأنهم يقولون بشكل عام انّ الحقيقة ليست الّا شيئا واحدا وانّ الحقيقة على القول بالوحدة التشكيكيه لها مراتب تشترك فيها كل المراتب في حقيقة واحدة فهذه المباني تثبت انّ المقصود من السنخية هو الاشتراك في اصل الحقيقة فاننا نريد أن نصل مع الآخرين الى هذه النقطة من ان المقصود من السنخية ليس هو الاشتراك في الحقيقة.

اذن من لوازم هذه المباني مثل اصالة الوجود والتشكيك في الوجود أو الاطلاق في الوجود هو الاشتراك في الحقيقة ولذا فما تفضلتم به لا ينطبق مع هذه المباني المذكورة واما حول ما تفضلتم من اننا نبصر واللَّه جلّ وعلا يبصر ونحن نعلم واللَّه جلّ وعلا يعلم فنقول هنا ايضا انه لا يوجد اي نوع من أنواع التشابه بين سنخ بصرنا وسنخ بصره جلّ وعلا.

صاحب السؤال: اذن هذا ليس بردّ على الفلاسفة.

الجواب: الذي تقولونه ليس كلام الفلاسفة وذلك لان مبانيهم شي آخر وفي مقابل كلامكم حيث انه يبصر ونحن نبصر، اذن فالسنخية موجودة نقول هل ان بصرنا وبصره على نحو وسنخ واحد؟

ص: 58

سوف تقول: لا وذلك لاننا نبصر من خلال العين وهو جلّ وعلا ليس كذلك، فنحن بالغير وهو بالذات، ونتيجة ذلك ان لا تسانخ بين رؤيتنا ورؤيته جلّ وعلا.

سؤال: لا يمكن في المباحث الفلسفية ان تحل من خلال البحث اللفظي فانّ الفلاسفة أنفسهم يذكرون المعنى من اننا اذا قلنا بالسنخية فهذه (النتيجة ) اذن لا يمكن التقدم في المباحث بالبحث اللفظي.

الجواب: حيث كررتم الكلام فنحن نكرر كلامنا الاول ونقول لو كان اعتقادكم هذا فهذا هو جوابه لان بصرنا وبصره جلّ وعلا ليس واحدا وعليه فاللازم أن لا يعبر عنه بالسنخية بل لابد وان نقول نحن نبصر وهو جلّ وعلا يبصر.

سؤال: يعبرون بالاصطلاح وهم انفسهم يفسرون معناه.

الجواب: أنتم تقولون ان مقصود الفلاسفة من السنخية هذا المعنى ونحن نقول في الجواب انّ الذي قلتوه لا يتفق مع مباني الفلسفة مضافا الى ان تصريحاتهم مخالفة لادعائكم.

سؤال: في السنخية يكون التشابه دائما اما في البينونة لا يحصل التشابه.

الجواب: اساسا حينما تنظر الى المباني يتضح المراد من السنخية وانها التشابه في الحقيقة ولذا لابد من الاستفادة من المباني مضافا الى انّ الفلاسفة انفسهم صرحوا بهذا المعنى في موارد كثيرة.

سؤال: بهذا المعنى وهو أنهما من سنخ الوجود ولكنكم لا تقبلون.

الجواب: هذا هو الذي نريد أن نقوله أنهما يشتركان في مفهوم (الموجود) بعنوان(طارد العدم) بتلك التوضيحات التي مرت مفصلا حيث لا اشكال ولا مانع من اطلاق عنوان واحد على حقائق متباينة( مثل اطلاق مفهوم العرض على الاعراض التسعة مع كونها متباينة وليس هذا الاطلاق حقيقيا) ولا كلام لنا اذا كان المراد هذا المعنى ونحن نريد اثباته.

سؤال: اللَّه جلّ جلاله والممكنات من سنخ واحد فان اصل مسألة السنخية ظاهرا بهذا الشكل وقعت مورد الادعاء والتي لم تبين في هذه المحاضرات اذن لم يكن مقصودهم كالذي بينتم.

الجواب: اتفاقا العبارات التي قرأناها اليوم وفي المحاضرة السابقة صريحة في ما قلناه.

ص: 59

وأجاب أحد الحضار: لقد وضحتم في المحاضرات السابقة ان اطلاق الوجود والموجود على جميع الاشياء وعلى اللَّه جلّ وعلا بمعنى واحد مفهوما لا مصداقا وان بحث التباين والسنخية له علاقة وارتباط بالخارج.

الجواب: نعم وضحنا هذه مقدارا ما والآن افسحوا لنا المجال بشرحها أكثر فنقول انّ المقصود من السنخية هو الاشتراك في الحقيقة.

سؤال: لفظ الحقيقة له معان مختلفة لابد من بيانها فنحن نقبل هذه الجهة التي تكون الممكنات والواجب من سنخ الوجود.

الجواب: اذن تقولون انّ اللَّه جلّ وعلا والممكنات كلاهما من سنخ الوجود بالمعنى الواقعي للكلمة لا من جهة المفهوم.

سؤال: الوجود بالمعنى الحقيقي.

الجواب: لقد أصبح الامر أحسن حيث قلتم أنتم بذلك وعلى هذا فقد أثبت هذا المعنى في الحكمة المتعالية من أنّ الكل من سنخ الوجود لا انّه يطلق عليه مفهوم الوجود بل الكل واقعا من سنخ الوجود وهذا هو معنى السنخية، لكنا نقول: يطلق المفهوم الواحد ذو المعنى الواحد على حقائق متباينة اذا كان من المعقولات الثانية فالمفهوم واحد الاّ ان الحقائق متباينة ولذا حينما يقال: اللَّه موجود وزيد موجود، فبمعنى انّ مفهوما من المعقولات الثانية يطلق على شيئين متباينين اذن لا سنخية في البين خلافا لرأي الفلاسفة من اشتراك جميع الموجودات من الهيولى الى الذات المقدسة الالهية في سنخ الوجود لا بمعنى الاشتراك في المفهوم بل بمعنى الاشتراك في حقيقة الوجود.

سؤال: نعم في هذا المعنى التباين عين الادعاء فما ادعيتم في مقابله لابد من التحقيق عن اصالة الوجود مفصلا.

الجواب: اذن لقد اتضح لحد الآن موضوع انتساب السنخية للفلاسفة وبذلك أجبنا عن القسم الاول من كلامكم.

سؤال: لقد بينت الحقيقة لها معان مختلفة وبهذا المعنى فكلامكم صحيح.

ص: 60

الجواب: نحن حينما كشفنا عن المسألة عُلِمَ من القائل بالاشتراك بين اللَّه جلّ وعلا والكائنات وكان هذا كلامكم انّ في الحكمة المتعالية انّ كل الموجودات من المبداء المتعال اللامتناهي الى الهيولى التي هي أضعف درجات الوجود مشتركة في سنخ الوجود بمعنى انّ سنخ الكل هو الوجود لا من باب اطلاق المفهوم على المباينات.

سؤال: الاّ انه لا يصح التعبير عن ذلك بالسنخية والذي يصح هو التعبير باصالة الوجود.

الجواب: كان تعبيركم ان الكل يشتركون في سنخ الوجود وأنا اسأل منكم ما معنى انّ الكل يشتركون في سنخ الوجود؟ يعني السنخية وهذا هو كلامكم.

وعليه فقد حققنا أربعة ادلة ترتبط بالسنخية فاذا كان هنالك ادلة اخرى فلتطرح حتى نبحثها وكان اول كلامنا هو ما نسبناه الى الفلاسفة وانه اتضح أم لا؟ وقلنا انّ المقصود من السنخية هو الاشتراك في الحقيقة وبقينا مصرين على هذا المعنى وسوف نكرره وقد قلتم من القائل بالاشتراك في الحقيقة؟ وقد أشرت انا الى مباني الفلسفة وحينذاك فصلتم أنتم البحث.

سؤال: قلنا اذا كانت حقيقة الوجود فهذا هو مقصودهم.

الجواب: على هذا مع ملاحظة ما في الحكمة المتعالية (من الهيولى الى المبداء المتعال) الكل في جهة وجود خط واحد(1).

نعم هنالك مرتبة ضعيفة وأخرى لا تتناهى وليس اشتراكها في مفهوم الوجود والموجود فحسب بل يشتركان في حقيقة الوجود الخارجي ايضا وعلى هذا فهما من طبيعة واحدة.

سؤال: انّ القائلين بالسنخية لهم اصطلاح خاص ولا يقصدون انّ كل شي ء يتسانخ مع كلّ شي ء وفي نفس الوقت الذي يقولون باصالة الوجود يقولون كل شي ء من سنخ الوجود نعم حينما يبحثون مسألة العلة والمعلول يبحثون عن مسألة السنخية بمعنى خاص لا أنهما والعياذ باللَّه يكونان من حقيقة واحدة بل اللَّه جلّ وعلا كمال الحقيقة بنحو أكمل.

ص: 61


1- - نهاية الحكمة، الفصل الثالث في أنّ الوجود حقيقة مشككة، ص 23

الجواب: لم يكن هذا بحثنا نحن أردنا أن نقول جملة وهي ان نسبة القول بالسنخية بمعنى الاشتراك في الحقيقة بين الخالق والكائنات لعدة من المشهورين صحيحة مع ملاحظة ان حقيقة الوجود في كل المراحل واحدة (عندهم).

سؤال: الكل يعتقدون بالاشتراك المعنوي للوجود.

الجواب: نعم وانا ايضا قلت ذلك وعليه فقد ذكرنا عدة ادلة لاجل اثبات السنخية ثم أجبنا عنها حسبما نراه ولو كان هنالك دليل آخر حول السنخية فنحن نبحثه.

مثلا لو قال أحد انا لو بحثنا اصالة الوجود واصالة الماهية لوصلنا الى اصالة الوجود، أقول هذا بحث لابد من طرحه مستقلا(1) وعلى فرض ثبوت اصالة الوجود فحسب القول المنسوب للمشائين انّ الوجودات متباينة وعلى هذا فلوكانت الاصالة للوجود لكن الموجودات متباينة فلا معنى للسنخية ايضا.

سؤال: السنخية هي التي تؤخذ من الآيات الشريفة.

الجواب: أنتم قد اعترفتم بمعنى السنخية فلا معنى للرجوع عن كلامكم واكرر ايضا انه لو قال أحد بالسنخية بهذا المعنى وهو ان العلة (الفاعلة والموجدة) لابد وأن تكون عالمة للموجد والموجد معلوم ومقدور لها فهذا المعنى صحيح مائة بالمائة ولا علاقة له بالسنخية.

سؤال: كان واجدا لهذه الكمالات بنحو اعلى.

الجواب: لو قال أحد المقصود من السنخية هو انّ المهندس لابد وأن يكون عالما بالخريطة التي يرسمها فهذا صحيح الاّ انّ الخريطة ليست عين المهندس، اما بالنسبة لمباني الفلسفة فقد تفضلتم أنتم: اننا وصلنا الى انّ المقصود من السنخية هو الاشتراك في الحقيقة.

ص: 62


1- - كان أكثر مشهوري الفلاسفة قبل ملاصدرا قائلون بأصالة الماهية وهنالك شخصيات مهمة بعد ما جاء ملاصدرا ايضا قالت باصالة الماهية اذن هذا البحث كاملا اختلافي ونظري لابد من تحقيقه ونفس ملاصدرا كان في اول امره قائلا باصالة الماهية وكان يدافع عن ذلك بشدة.

سؤال: تقول الآية الشريفة: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ}(1) يستفاد من هذه الآية ان الحسنة من اللَّه يعني من ذات اللَّه لا من عنداللَّه.

الجواب: «من عنداللَّه» واذا كان بمعنى الانشاء من ذات اللَّه جلّ وعلا يعني تنزل الذات الالهية فهذا ايضا مطابق لما تقولون ولكنا حيث أبطلنا التنزل والترشح فمعنى «من اللَّه» يعني كان ايجاده من قبل اللَّه جلّ وعلا، لانّ اللَّه فاعل بالارادة.

سؤال: أحد الادلة التي يستدل بها الفلاسفة على السنخية هو انه لو لم تكن هناك سنخية لصدر كلّ شي ء من كل شي ء.

الجواب: لقد أجبنا عن هذا الاستدلال مفصلا وقلنا ان صدور كل شي ء من كل شي ء صحيح في العلل الطبيعية يعني لو كان الفاعل والموجد من العلل الطبيعية فلابد أن يكون المعلول مسانخا للعلة اما لو كان فاعلا بالمشيئة والارادة فلا يلزم أن يكون الامر كذلك فانه خارج عن القاعدة تخصصا ولا مجال للتخصيص هنا وعلى هذا الاساس فكل ما أوجده الفاعل بالمشيئة من المخلوقات فلا سنخية بينه وبينها وقلنا انّ قاعدة الواحد لا يصدر منه الاّ واحد لا تجري على الذات الالهية المقدسة.

سؤال: تفضلتم انّ السنخية لا تلزم الفاعل بالمشيئة اذن يستطيع أن يفعل كلّ ما يريد.

الجواب: السنخية تعني اني حينما أريد فانما هو بالنسبة للافعال التي تكون تحت قدرتي واملك كمالها واما ما لا املك كماله فلا استطيع فعله.

الجواب: اكرر (عشر مرات) انه لو كان المقصود من السنخية العلم والقدرة على الشي ء فهذا المعنى ثابت مائة بالمائة اما فقد وصلنا في البحث بناء على اساس الفلسفة ان المقصود من السنخية هو الاشتراك في الحقيقة ولابد من أن تكون العلة واجدة لذلك الكمال يعني لابد وان تكون العلة قادرة لاعطاء ذلك الكمال لا أنها واجدة للكمال فقط وذلك لان في كثير من الموارد يكون الشي ء للموجَد والمخلوق كمالا ولكنه بالنسبة للموجِد لا يكون كمالا مثلا النمو في حدود خاصة بالنسبة للشجر كمال ولكنه بالنسبة للَّه جلّ وعلا نقص، نعم اللَّه جلّ وعلا قادر على اعطاء النمو.

ص: 63


1- - النساء/ 79

سؤال: كان هذا الاشكال في وحدة الوجود حيث بينتم وحدة الوجود بشكل كان العرفاء لا يقبلون العلية.

الجواب: طبقا لقاعدة العلية فمن أجل أن لا يلزم صدور كل شي ء من كل شي ء لابد وأن تكون هنالك علاقة وسنخية بين العلة والمعلول حيث يصدر المعلول من العلة وعلى هذا الاساس فلو كانت علتنا واحدة حقيقة فلا يمكن أن يصدر منها اكثر من واحد لان العلة الواحدة حقيقة لو صدر منها مثلا (الف) فلابد وأن تكون مسانخة له ولو صدر منها (ب) ايضا فلابد وأن تكون مسانخة له ايضا وهذا خلف لان الواحد والبسيط الحقيقي قد سانخ شيئين (الف) و (ب) وحينئذ اصبح مركبا (وهذا خلاف فرض كونه بسيطا).

يقول المرحوم الخواجه نصيرالدين الطوسي « هذا الكلام بالنسبة للفواعل الطبيعية صحيح اما بالنسبة للفاعل بالارادة فلا لانه ممن الممكن أن تصدر منه الافعال المتباينة»(1).

ويقول ايضا أنتم تقولون انّ الحق المتعال الذي هو واحد حقيقي لابد وأن يصدر منه شيئا واحدا لا غير، ولذا قلتم بانّ الصادر منه هو العقل الاول ومن بعد ذلك تصححون التكثر وتقولون انّ العقل الاول ممكن الوجود اذن له ماهية و وجود ولذا فله جهات مختلفة(2) لكن الامر ليس كذلك بان كان العقل الاول اولا ثم حصلت بعده الجهات بل ان العقل الاول حينما كان كانت معه تلك الجهات وحينئذ تقول ان هذه الجهات التي كانت معه هل تضر بوحدة العقل أم لا؟ (يعني هل تكون موجبة لتكثرة أم لا؟) فاذا كانت تلك الجهات موجبة لتكثرة اذن كيف تم صدوره الواحد واذا بقي على وحدته فكيف يحصل التكثر في العلة(3).بعبارة اخرى هذه الجهات لا تخرج عن احدى حالتين إمّا ان يكون لها تأثير في العقل الاول وتكثره أم لا؟ فاذا كانت موجبة لتكثره فكيف تصدر من الواحد؟ واذا لا توجب تكثره فكيف يصدر منه

ص: 64


1- - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، المسألة الاولى في العقول المجردة/ 131
2- -فللعقل يجعلون ست جهات ولاجل هذه الجهات يصدر منه العقل الثاني والفلك الاول، وبهذا الترتيب يحصل التكثر.
3- - كتاب الاصلية، للمرحوم خواجة نصيرالدين الطوسي.

المتعدد؟ وعلى هذا ففي الفلسفة تطرح مسألة العلية وتكثر المعاليل بالشكل الذي قلناه ولكن في العرفان فلا مكان لمسألة العلية بل هنالك حقيقة واحدة وتطوراتها كما نقلنا عن ملاصدرا في المشعر الثامن من كتاب المشاعر (رجعت العلية.... )

التوحيد الالهيعند مدرسة الخلفاء العلامة الشيخ علي الكوراني

ص: 65

المسألة: 10

كيف تقولون إن معبودكم تحمل عرشه الحيوانات ؟!

صحح إمام الوهابية محمد عبد الوهاب في آخر كتابه ( التوحيد ! ) حديث الأوعال التي تحمل عرش الله تعالى ! ونسب إلى النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه قال: (كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لاندري ، قال: فإن بينكم وبينها إما واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة(وكأن الشك من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حيث لم يذكر ابن عبد الوهاب أن الشك من الراوي) والسماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء ، ثم على ظهورهن العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ، ثم الله فوق ذلك تبارك وتعالى) !

الأسئلة

1- قبلتم رواية الأوعال التي تحمل العرش ، فهل تقبلون رواياتكم التي تقول إن الأسد والثور والنسر تشارك الأوعال في حمل عرش معبودكم ؟!

2 - هل تحرمون لحم الأوعال لأنها حيوان مقدس يحمل عرش معبودكم؟!

3 - حسب حديث إمامكم المزعوم تكون المسافة من الأرض إلى معبودكم تكون مئة وخمسين ألف كيلو متر تقريباً ! لأنها مسافة عشر سماوات كل سماء 73 سنة سيراً على الأقدام ، ومعدل سير الإنسان في السنة 15 ألف كيلو متر ، بمعدل أربعين كيلو متراً في اليوم تقريباً ، فيكون مكان معبودكم بين الأرض والقمر ! هل تصدقون ذلك ؟!!

4 - ألا تخافون على معبودكم من المركبات الفضائية التي يطلقونها ؟!

ص: 66

المسألة: 11

حديث أن الله خلق آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً !

أصل هذا الحديث كما بينه الإمام الرضا(علیه السلام) أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) رأى شخصاً يسب صاحبه ويقول له: (قبح الله وجهك) ، فقال له النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (لاتقبح وجهه فإن الله خلق آدم على صورته) أي خلقه على صورة المشتوم ، فلا تلعن صورة أخيك التي اختارها الله لأبينا آدم وأولاده .

ولكنهم حرفوه فقالوا كما قال اليهود إن الله على صورة البشر ، وإن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قال إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، وطوله ستون ذراعاً !

ففي فتاوی ابن باز(1): (سؤال: عن أبي هريرة عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه قال:خلق الله آدم على صورته ستون ذراعاً ، فهل هذا الحديث صحيح؟

الجواب: نص الحديث:خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ، ثم قال: إذهب فسلم على أولئك النفر ، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع فما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فذهب فقال: السلام عليكم ، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً ، فلم يزل الخلق تنقص بعده إلى الآن. رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم . وهو حديث صحيح ، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان (كذا والصحيح: معنيين):

الأول: أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً كالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً ، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً .

والثاني: أن الضمير في قوله (على صورته) يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة (على صورة الرحمن) وهو ظاهر السياق ولايلزم على ذلك التشبيه فإن الله سمى نفسه بأسماء سمى بها خلقه ووصف نفسه بصفات وصف بها خلقه ، ولم يلزم من ذلك التشبيه ، وكذا الصورة ، ولا يلزم من إثباتها لله تشبيهه بخلقه ، لأن الإشتراك في الإسم وفي المعنى الكلي لايلزم منه التشبيه فيما يخص كلاًمنهما ، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}.

انتهى.

ص: 67


1- -4/368 رقم2331

الأسئلة

1- اعترف إمامكم أن العقيدة لايصح أن تبنى على خبر الواحد ، فكيف ناقض نفسه وبنى لكم عقيدتكم في الذات الإلهية وهي أعظم العقائد على خبر واحد مطعون في راويه؟ قال ابن تيمية في منهاجه(1): (الثاني: أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لايصح الإيمان إلا به ) ! وقد عقد ابن الجوزي باباً لتقرير ذلك في كتابه دفع شبه التشبيه ، فقال ص27:

(الباب الثالث إثبات أن خبر الواحد يفيد الظن ولايفيد العلم عند السلف وأئمة المحدثين وأنه لايبنى عليه أصول الإعتقاد.. ).

2- لماذا أخذتم بتفسير هذا الحديث بالمتشابه ، ولم تأخذوا بالمحكم ، وقد رأيتم كلام أئمة المذاهب في تفسيره !

3 - مادام ابن باز يقول إن آدم على صورة الله ، والله تعالى على صورة آدم وأن هذا ليس تشبيهاً أبداً ! فهل تقبلون أن نقول: إن فلاناً على صورة آدم ، وآدم على صورته ، ولكنه لا يشبه آدم أبداً ، فننفيه من شبه ولد آدم ؟! وهل يقبل قاضيكم أن يقال له: هذه الصورة صورة المجرم لكنها لا تشبهه أبداً ؟!

المسألة: 12

أحاديثهم المزعومة عن أطيط العرش وأزيزه وصريره !

فقد رووا عن عمر وغيره ، أن الله تعالى يجلس على عرشه ، وأن العرش له أطيط ، وصرير ، وأزيز ، من ثقل الله ! {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} .

ففي مجمع الزوائد(2): (عن عمر أن امرأة أتت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقالت: أدع اللهأن يدخلني الجنة ، فَعَظَّمَ الرب تبارك وتعالى وقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض ، وإن له أطيطاً كأطيط الرَّحْل الجديد إذا رُكب من ثقله) !!

ص: 68


1- - 2/133
2- - 1/83

وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ) !!

الأسئلة

1 - كيف تأخذون بما خالف العقل والقرآن ، حتى لو رواه ثقة ؟!

2 - هل تقبل عقولكم أن الله تعالى خالق كل شئ ، والذي ليس كمثله شئ وجود مادي له ثقل ووزن ؟!

3 - ما رأيكم فيما رويناه في الكافي:1/130: (عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبي الحسن الرضا(علیه السلام) فأستأذنته فأذن لي فدخل فسأله عن الحلال والحرام ، ثم قال له: أفتقرُّ أن الله محمول؟ فقال أبوالحسن(علیه السلام): كل محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج ، والمحمول اسم نقص في اللفظ ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة ، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل ، وقد قال الله: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ، ولم يقل في كتبه ، إنه المحمول بل قال: إنه الحامل في البر والبحر ، والممسك السماوات والأرض أن تزولا ، والمحمول ما سوى الله ! ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول !!

قال أبو قرة: فإنه قال:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} وقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} ؟

فقال أبو الحسن (علیه السلام): العرش ليس هو الله ، والعرش اسم علم وقدرة ، وعرشه فيه كل شئ ، ثم أضاف الحمل إلى غيره: خلق من خلقه ، لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه ، وهم حملة علمه ، وخلقاً

ص: 69

يسبحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه ، وملائكة يكتبون أعمال عباده؟ واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته ، والله {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}كما قال ، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش الله الحامل لهم ، الحافظ لهم ، الممسك القائم على كل نفس ، وفوق كل شئ ، وعلى كل شئ ، ولايقال: محمول ولا أسفل ، قولاً مفرداً لايوصل بشئ فيفسد اللفظ والمعنى .

قال أبو قرة: فتكذب بالرواية التي جاءت أن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم ، فيخرون سجداً ، فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم ؟

فقال أبو الحسن(علیه السلام): أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه ، فمتى رضي؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه ! كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغيير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه وتعالى ، لم يزُل مع الزائلين ، ولم يتغير مع المتغيرين ، ولم يتبدل مع المتبدلين ، ومن دونه يده وتدبيره ، وكلهم إليه محتاج ، وهو غني عمن سواه ) ؟

المس--ألة: 13

هل تعرفون أقدم من روى أحاديث التشبيه والتجسيم ؟!

إنهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري، وابنه أبو بكرة، وابن عمرو بن العاص، وأبو هريرة...ومصدرها جميعاً كعب الأحبار!

وقد واصل بنو أمية سياسة عمر في تقريب طبقة الأحبار والقساوسة وتلاميذهم، وأمروا المسلمين أن يأخذوا من علمهم، حتى امتلأت مصادرهم برواياتهم، ونقلوا الى ثقافة المسلمين عقائد التوراة وثقافتها!

وهم كثيرون، أمثال: مقاتل بن سليمان البلخي وتلامذته، ووهب بن منبه وإخوته، وعبدالله بن سلام وأولاده، والحسن البصري وتلامذته .. وحماد بن سلمة، وأمثالهم...

ثم واصل بعض الملوك العباسيين نفس الخط ، خاصة المتوكل العباسي فتبنوا أئمة مجسمين مثل أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي يعلى الموصلي، والسمناني، والدارمي ، وأبي العباس السراج، وإسحاق الحنظلي.. وغيرهم من المشبهين والمجسمين، الذين نشروا في المسلمين ثقافة اليهود بتشجيع من السلطة الأموية ، ثم الخلفاء العباسيين ، ما عدا قلة منهم !

وسنعقد فصلاً لتبني الخلفاء القرشيين لأحبار اليهود والثقافة اليهودية!

الأسئلة1 - إذا حذفتم روايات كعب الأحبار وتلاميذه ، وروايات عمر وابنه ، وأبي موسى الأشعري وابنه ،

ص: 70

وابن عمروبن العاص ، فماذا يبقى عندكم من روايات الصفات التي يقوم عليها دينكم ، ويعتبرها المسلمون تجسيماً وتشبيهاً ؟

2 - ماذا تقولون فيما نقله الذهبي عن الإمام مالك من أن أحاديث التجسيم إنما رواها من التابعين موظف عند بني أمية وليس عالماً ؟!

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:8/103: (أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر ، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر قال ابن القاسم سألت مالكاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا: إن الله خلق آدم على صورته ، والحديث الذي جاء: إن الله يكشف عن ساقه ، وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد ! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال: من هو؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالماً، وذكر أبا الزناد فقال: لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات). انتهى.وقصد مالك بهؤلاء: بني أمية !

3 - لو كانت هذه الأحاديث صحيحة ، وهي في ذات الله تعالى وصفاته أهم عقيدة إسلامية ، لكانت معروفة جيداً في زمن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من كل الصحابة أو من غالبهم ؟ فلماذا لم يروها بقية الصحابة ، بل استنكروها ؟!!

المس--ألة: 14

من تكفير المجسمين لمن خالفهم.. وإرهابهم لهم!

شملت فتواهم بالتكفير أمهم عائشة لأنها كذبت ما رووه عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنه رأى ربه ، وقالت إن ذلك فرية عظيمة على الله تعالى!

وأشد من تجرأ عليها ابن خزيمة شيخ البخاري ، الذي يلقبونه إمام الأئمة فقد بالغ في التهجم عليها في كتابه المسمى التوحيد!

روى البخاري في صحيحه:6/50:( عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أُمَّتَاه هل رأى محمد(صَلَّىاَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ربه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن

ص: 71

محمداً رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت:{لاتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} . ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثم قرأت: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً ، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت:{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك...} الآية ، ولكنه رأى جبرئيل(علیه السلام) في صورته مرتين).

وفي صحيح مسلم:1/110: (عن عائشة: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية). انتهى.

وقد هاجمها ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص225 فقال: (هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها، ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن عباس الفرية، وأبو ذر، وأنس بن مالك، وجماعات من الناس الفرية على ربهم! ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها... نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة وابن عباس في هذه المسألة: ما عائشة عندنا أعلم من ابن عباس... وإذا اختلفا فمحال أن يقال قد أعظم ابن عباس الفرية على الله، لأنه قد أثبت شيئاً نفته عائشة... الخ.) انتهى.

وقد قوي أمر الحنابلة المجسمة في بغداد في عصر المتوكل وبعده ، وكان لهم أتباع سوقة يهاجمون من يخالفهم ، وهجومهم على الطبري مشهور عندما سألوه عن قعود الله على العرش ، فنفى أن الله تعالى يقعد على العرش ويقعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلى جنبه! فأرادوا قتله! وعندما توفي هجموا على جنازته ومنعوا دفنه في مقابر المسلمين!

وكذلك هاجموا ابن حبان المحدث المعروف شبيهاً بما فعلوا بالطبري!

قال الحموي في معجم الأدباء:9/جزء18/57 في ترجمة الطبري: (فلما قدم إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها تعصب عليه أبو عبد الله الجصاص وجعفر بن عرفة والبياضي . وقصدهالحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة ، وعن حديث الجلوس على العرش ، فقال أبو جعفر :أما أحمد بن حنبل فلا يعد خلافه . فقالوا له :فقد ذكره العلماء في الاختلاف ، فقال :ما رأيته

ص: 72

روي عنه ولا رأيت له أصحاباً يعول عليهم . وأما حديث الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد :

سبحان من ليس له أنيسُ *** ولا له في عرشه جليسُ

فلما سمع ذلك الحنابلة منه وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم وقيل كانت ألوفاً ، فقام أبو جعفر بنفسه ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم !

وركب نازوك صاحب الشرطة في ألوف من الجند يمنع عنه العامة ، ووقف على بابه يوماً إلى الليل وأمر برفع الحجارة عنه .

وكان قد كتب على بابه: سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس ، فأمر نازوك بمحو ذلك ، وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث :

لأحمدَ منزلٌ لا شكَّ عالٍ*** إذا وافى إلى الرحمن وافد

فيدنيه ويقعده كريماً*** على رغم لهم في أنف حاسد

على عرش يغلفه بطيب*** على الأكباد من باغ وعاند

له هذا المقام الفرد حقاً*** كذاك رواه ليثٌ عن مجاهد

فخلا في داره وعمل كتابه المشهور في الإعتذار إليهم ، وذكر مذهبه واعتقاده، وجرح من ظن فيه غير ذلك ، وقرأ الكتاب عليهم وفضل أحمد بن حنبل ، وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده !

ولم يزل في ذكره إلى أن مات! ولم يخرج كتابه في الإختلاف حتى مات فوجدوه مدفوناً في التراب ، فأخرجوه ونسخوه أعني اختلاف الفقهاء ، هكذا سمعت من جماعة منهم أبي(رحمةالله) ) !

الأسئلة

1 - ما رأيكم في عقيدة أمكم عائشة التي حكمت بأن من زعم أن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) رأى ربه ، فقد أعظم الفرية على الله تعالى؟ فهل أن ابن تيمية ومقلديه أعظموا الفرية على ربهم! وهل يعني هذا تكفيرها لهم؟ وهل عائشة بحكمها هذا موحدة لله تعالى، أم مشركة، أم ضالة ؟!2- لم نجد حديثاً في مصادر السنة عن الرؤية في الإسراء إلا سؤال أبي ذر وسؤال عائشة للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وقد نفى فيهما الرؤية بالعين ! فالذين نسبوا إليه الرؤية لم يرووا عنه حديثاً واحداً بأنه رأى

ص: 73

ربه بعينه ، بل قالوا ذلك من اجتهادهم! فلا مقابل في الحقيقة لحديث أبي ذر وعائشة بأن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قد نفى الرؤية، إلا اجتهادات ليست بأحاديث!

أما الرواية عن ابن عباس فهي متعارضة ومضطربة ، فلابد لهم من القول بسقوطها والرجوع إلى الأصل الذي هو عدم ثبوت ذلك عنه إلا بدليل ، وقد نقل ابن خزيمة نفسه قبل هجومه على عائشة أحاديث عن ابن عباس ينفي فيها الرؤية بالعين ! فما قولكم ؟!

3- ما رأيكم فيما قاله الشيخ محمد عبده في تفسير المنار(1):

( فعلم مما تقدم أن ما روي عن ابن عباس من الإثبات هو الذي يصح فيه ماقيل خطئاً في نفي عائشة إنه استنباط منه ، لم يكن عنده حديث مرفوع فيه، وإنه على ما صح عنه من تقييده الرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لآيتي سورة النجم وهو أنهما في رؤيته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لجبريل(علیه السلام) بصورته التي خلقه الله عليها .

على أن رواية عكرمة عنه لايبعد أن تكون مما سمعه من كعب الأحبار الذي قال فيه معاوية (الراوي) إن كنا لنبلو عليه الكذب ، كما في صحيح البخاري . ورواية ابن إسحاق لايعتد بها في هذا المقام فإنه مدلس وهو ثقة في المغازي لافي الحديث . فالإثبات المطلق عنه مرجوح روايةً كما هو مرجوح درايةً ) . انتهى .

وقال في تفسير المنار:9/139: ( فعائشة وهي من أفصح قريش تستدل بنفي الإدراك على نفي الرؤية مع ما علم من الفرق بينهما ، وتستدل على نفيها أيضاً بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ، وقد حملوا هذا وذاك على نفي الرؤية في هذه الحياة الدنيا ، ولكن إدراك الأبصار للرب سبحانه محال في الآخرة كالدنيا ) . انتهى. ؟!4 - هل توافقون على هذا الإرهاب الفكري الذي مارسه أجدادكم على الطبري وابن حبان ، وغيرهما ، ويمارسه آباؤكم وأبناؤهم على المسلمين خاصة في الحرمين الشريفين ؟!

5 - ما رأيكم في الطبري وابن حبان ، هل هما مسلمان عندكم أم كافران؟

ص: 74


1- - 9/148

الصلاة معراج المؤمن

لاعمل بعد الإيمان أفضل من الصلاة، وتاركها مع الإنكار كافر، ومع غيره أفسق الفاسقين، ويُقتل إن أصرّ في المرّة الرابعة؛ وذلك لأنها نظام جميع الأحكام الشرعيّة.

وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر، وهي عمود الدين، ومعراج المؤمن، والحسنات المُذْهِبَة للسيّئات، والمكمّلة للعقل والفكر بالسياحة في الملأ الأعلى .

ومن توجّه بها الى ربه خمس مرات في اليوم والليلة؛ تهذبه تهذيباً كاملاً، وترفعه الى الدرجات العُلى، وتصده عن كل فاحشة وسوء وظلم وغصب وسرقة وزناً ورباً وخمر ومنع زكاة وترك صوم ودعوة الى شرّ وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولايكون الانسان إنساناً بلغ الدرجة الكاملة في ما أراده الله تبارك وتعالى؛ من الخير والسعادة في الدنيا والآخرة مالم يقف بين يدي خالقه ورازقه؛ خاشعاً خاضعاً مفكراً في عظمته وجبروته وكبريائه وبديع صُنعه وحكمته وتدبيره خمس مرّات .ولها أحكام كثيرة، ولكل حكم أسرار عجيبة تُنبي ء عن عظمة الشريعة الإسلاميّة، وتدل على صدق الرسالة المحمديّة، والتوحيد الالهي .

ص: 75

حول مصحف فاطمه (علیها السلام) اللجنة الثقافية لاهل البيت (علیهم السلام)

تعريب الشيخ جاسم المحمودي

هل ان قرآن الشيعة هو مصحف فاطمة (علیها السلام) يسعى ويجد بعض متبعي مذهب الخلفاء في كلّ زمان وبكل وسيلة لا يراد اتهامات حول مذهب أهل البيت(علیهم السلام)

ونحن في هذا الكراس نسعى للإجابة على هذه التهم الموجهة حول الشيعة وهي تُهم تحريف القرآن وانه للشيعة قرآن واسمه مصحف فاطمة(علیها السلام).

والمقصود من كراسنا هذا هو بيان حقيقة الأمر والواقع وقبل بيان هذا الاتهام جدير بنا أن نذكر مقدمات أو نكت وهي:

أولاً: ما معنى المصحف فتقول ان اصحاب وأرباب اللغة ذكروا ان المكتوب والمجموع من الأوراق الواقع بين الدفتين هو المعبر عنه بالصحف ولو في زمن الصحابة وكانوا يقولون للقرآنمصحف لكن لا مانع من أن يقال لغير القرآن مصحف والدليل على ذلك نماذج منها ان خالد ابن معدان الصحابي كان له كتاب ويسمى مصحفا.

وثانيا: ان الروايات المعتبرة المنقولة عن الائمة: حول مصحف فاطمة (علیها السلام) غالبا ما تذكر أنّه ليس فيه آيات القرآن ونظير هذه التعابير ما جاء في الروايات المعتبرة من أنّ مصحف فاطمة (علیها السلام) ما هو

ص: 76

بقرآن وليس فيه شي ء من القرآن وما فيه بشي ء من كتاب اللَّه وما فيه حرف من القرآن وما فيه من قرآنكم حرف واحد.

وثالثا: وأن المصحف المذكور لا يشتمل على الاحكام الشرعية.

ورابعا: ان علة الهام المطالب لفاطمة (علیها السلام) وبعدها جمعت على شكل مصحف كما جاء في لسان الصادق(علیه السلام) انه قال لما قبض اللَّه روح نبيّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)حزنت فاطمة (علیها السلام) حزنا شديدا لا يعلمه إلاّ اللَّه وكان يأتيها ملك يكلمها فطرحت الصديقة الطاهرة (علیها السلام) هذا الموضوع لعلي أميرالمؤمنين(علیه السلام) وقال لها اي زمن احسستِ بذلك وسمعتِ كلام الملك فاعلميني به فكان(علیه السلام) كلما سمع شيئا كتبه حتّى كمل وصار مصحفا، ثم قال الصادق(علیه السلام) اعلم انه ليس في ذلك المصحف حلال وحرام والأحكام الشرع لكنّه فيه اخبار عن المستقبل(1).

وخامسا: لو نظرنا للاخبار الصحيحة في هذا المورد يتضح ان فى المصحف المذكور لفاطمة (علیها السلام) انباء من المستقبل لكي يرفع الهم والغم من الصديقة (علیها السلام) وليس فيه من الحلال والحرام والآيات الكريمة بشي ء.

ان احدى المسائل الّتي سببت ايرادت أهل السنة في كتبهم على الشيعة هو مصحف فاطمة (علیها السلام) وقد طرح هذا الاتهام كثيرا في السنين الاخيرة حتّى انه ذكرت صحيفة المسلمين في المملكة السعودية تسعة ارقام من مطبوعاتها حول نقد مصحف فاطمة (علیها السلام) وعنونت في ذلك مطالب.بعد ما ذكرنا لك ذلك ندخل حول بحث التُهم الواردة حول المصحف الّتي من اجلها تُكفر الشيعة لاعتقادها به وعمدة التهم ثلاثة كما يلي وأهمها الاولى فنقول:

ان السلفيين والوهابيين يذكرون ويقولون ان مصحف فاطمة (علیها السلام) هو القرآن الذي يعتقده الشيعة لذا يطلقون عليه كلمة المصحف وفي الحقيقة انّ الشيعة تعتقد بتحريف القرآن الّذي عندنا ولا تعتبره وقرآن الشيعة هو مصحف فاطمة (علیها السلام) الّذي يوجد بصورة مرموزة بين الشيعة.

ومن الّذين صرحوا بهذا الكلام ايضا أحد علماء الازهر في مصر يسمى بسعد محمد حسن وله كتاب باسم المهدوية في الاسلام كتبه في الرد على المهدوية وذكر فيه بالمناسبة ان مصحف

ص: 77


1- - الاصول من الكافي، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة ومصحف فاطمة ÷ ح 102/240 .

فاطمة(علیها السلام) هو قرآن الشيعة الّذي تعتبره الشيعة قرآنا(1) وكتاب المهدويةهو كتابه ورسالته لاخذ شهادة الدكتورا الّتي طبعت في امريكة.

والجواب: ان هذا الاتهام ينشأ من عدم التدقيق في كلمة المصحف لانهم ذكروا ان المصحف هو مرادف للقرآن ثم أوردوا هذا الاتهام على الشيعة وهو ان مصحف فاطمة هو القرآن ونقول في رد هذا الاتهام.

أوّلا: هكذا ذكروا في اللغة(2) ان المصحف هو الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين يعني المصحف عبارة عن مجموع اوراق ومكتوبات بين دفتين اذاً ليس المصحف مرادفا للقرآن ولو عبر بواسطة كثرة الاستعمال عن القرآن بالمصحف لكنه ليس لازم هذا الاستعمال الانصراف بأن نحمل كلمة المصحف على القرآن.

فتوجد موارد كثيرة حول استعمال المصحف في غير القرآن نذكرها فنقول اولا انّ عبداللَّه بن داوود السجستاني ذكر في كتاب اسمه المصاحف رواية وهي انه لما توفى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِوَ سَلَّمْ) اقسم علي(علیه السلام) أن لا يرتدي الرداء الاّ الجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف(3) فاذا كان المصحف بمعنى القرآن يكون المعنى حتى يجمع القرآن في القرآن وهذا ليس له معنى صحيح.

ثانيا ذكر ابن حجر والبخاري حول ترجمة خالدبن معدان هذه العبارة (كان علمه في المصحف) (4) فمن الواضح ان علمه كان موجودا في مجلد واحد.

وثالثا ذكر ناصرالدين الاسد احد الكتاب المعروفين في العالم العربي عبارة جميلة قائلا وكانوا يطلقون على الكتاب المجموع لفظ المصحف ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن(5).

ص: 78


1- - المهدوية في الاسلام، ص84 .
2- - لسان العرب، باب الصاد،291/7
3- - المصاحف، باب جمع القرآن، جمع علي بن ابي طالب ×ص 16
4- - تهذيب التهذيب، حرف الخاء، خالد بن معدان، 1754 . 3/109 .
5- - مصادر الشعر الجاهلي، ص 139الطبع الخامس.

ورابعا قال ابن سعد فى الطبقات عن سهل مولى عتيبة قال فأخذت مصحفا لعمّي.... فوجدت فيه نعت محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(1).

فالذين توهموا ان المراد من مصحف فاطمة (علیها السلام) هو قرآن فاطمة اشتبهوا في ذلك لان التحقيق والامعان يثبتان انه ليس المصحف بمعنى القرآن بل لغير القرآن كثيرا ما يقال المصحف كما ذكرنا لذلك شواهد من اللغة وغيرها.

وخامسا ان أهل البيت: ذكروا انه ليس في مصحف فاطمة (علیها السلام) أحكام شرعية ولا قرآن.

وبامكانكم الرجوع الى الروايات الواردة في المجلد السادس والعشرين من البحار المنقولة عن بصائر الدرجات ونحن نذكر ههنا نماذج لذلك.

1- عن أبي حمزة عن أبي عبداللَّه(علیه السلام) قال مصحف فاطمة (علیها السلام) ما فيه شي ء من كتاب اللَّه وانما هو شي ء أُلقي عليها بعد موت أبيها(2).

وقال محمّد بن عبداللَّه ان الصادق(علیه السلام) قال عندنا مصحف فاطمة اما واللَّه ما هو بالقرآن(3).ان الصادق(علیه السلام) صرح ان فاطمة (علیها السلام) اغتمت بعد وفاة أبيها وكان يأتيها ملك «وفسر في بعض الروايات بجبرئيل(علیه السلام)»وكان يخبرها بحوادث المستقبل وكانت الصديقة الطاهرة (علیها السلام) تقول ذلك لعلي(علیه السلام) وعلي(علیه السلام) يكتب ما تقول وعُرف المكتوب بمصحف فاطمة (علیها السلام) ولا يوجد فيه من الحلال والحرام لكنه يوجد فيه انباء من حوادث المستقبل.

نكتة:

وقد ذكر بعض الاكابر في كتاب البيع نكتة حول مصحف فاطمة (علیها السلام) لا بأس بذكرها ههنا:

(وقد عثرنا ايضا على طائفة رابعة تدل على ان جميع الاحكام الشرعية كانت مكتوبة في كتاب علي(علیه السلام) حتى أرش الخدش وعبر عنه تارة بالجامعة وأخرى بالجفر وثالثة بمصحف فاطمة ورابعة

ص: 79


1- - الطبقات الكبرى، ذكر صفة رسول اللَّه |فى التوراة والانجيل، 1/363 .
2- - بحارالانوار، باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، ح 89. 26/48
3- - بحارالانوار، باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، ح69 . 26/38

بكتاب علي(علیه السلام) والنتيجة واحدة وظاهر الجميع انه كان هناك كتاب جامع للاحكام الاسلامية محفوظ عندهم)(1)

أقول الّذي يلوح في النظر ههنا انه حصل خلط بين مصحف فاطمة (علیها السلام) وكتاب علي(علیه السلام) مع ان هذين الكتابين، كتابان على حده لانه يوجد عندنا كتاب علي(علیه السلام) وهو مجموعة أحكام شرعية وانّ الائمة: كانوا يرجعون اليه ويستفيدون منه الاحكام ومصحف فاطمة (علیها السلام) غيره ويستفاد من الروايات انه ليس في مصحفها احكام شرعية.

فعن حمّاد بن عثمان قال سمعت اباعبداللَّه(علیه السلام) يقول تظهر الزنادقة في سنة ثمانية وعشرين ومائة وذلك لاني نظرت في مصحف فاطمة (علیها السلام) .

قال فقلت وما مصحف فاطمة (علیها السلام) فقال انّ اللَّه تبارك وتعالى لما قبض روح نبيّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حزنت فاطمة(علیها السلام) حزنا شديدا لا يعلمه الاّ اللَّه عزّ وجلّ فأرسل اليهاملكا يسلي عنها غمها ويحدثها فشكت ذلك الى اميرالمؤمنين(علیه السلام) فقال لها اذا احسست بذلك فسمعت بذلك فقولي لي فأعلمته فجعل يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا قال ثم قال اما انه ليس فيه من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون(2).

التهمة الثانية:

وأمّا الاتهام الثاني فقالت جماعة ان مصحف فاطمة (علیها السلام) ليس بقرآن لكنه من حيث اعتقاد الشيعة به هو بمنزلة الوحي بعد النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)فيه وانه لم ينقطع الوحي بوفاة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ويكون الوحي نازلا على فاطمة (علیها السلام) فاذن الشيعة تعتقد ان فاطمة (علیها السلام) نبيّة ورسولة.

والجواب: نقول لا يوجد أي تلازم بين تكلم ونزول الملائكة على احد وبين النبوة كما رأينا ان الملائكة تكلمت مع مريم (علیه السلام)قال اللَّه تعالى:

ص: 80


1- - انوار الفقاهة، كتاب البيع، الجزء الاوّل، المقام السادس، ولاية الفقيه، ص 557
2- - بصائر الدرجات، الجزء الرابع، باب في الائمة^185ص177 اصول الكافي، كتاب الحجة، باب ذكر صحيفة ومصحف فاطمة÷ ، ج102/240.

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}(1)

وهكذا تكلمت الملائكة مع سارة زوجة ابراهيم(علیه السلام) قال اللَّه تعالى:

{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَاوَيْلَتَي ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذَا بَعلي شَيْخاً إِنَّ هذَا لَشَي ءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}(2)

ويستفاد من كلا الآيتين ان الملائكة تكلمت مع مريم وسارة وهذا التكلم ليس له اشعار بالنبوة واذا اصررتم على ذلك فاللازم عليكم ان تعتقدوا بنبوة مريم وسارة والحال لا يوجد أحد من المسلمين من يتكلم بهذا الكلام اذا لا يوجد اي تلازم بين النبوة وتكلم الملائكة.ومن اللازم هنا ان نتطرق الى نكتتين: الاولى يطرح البعض ان الاعتقاد بنزول الملائكة على الصديقة الكبرى (علیها السلام) فيه نوع من الغلو وزيادةٌ في الفضيلة للزهراء(علیها السلام) .

لكنا نقول ان هذا الكلام، كلام باطل لان الملائكة تكلمت مع مريم وسارة فهل تكلمهم مع الزهراء(علیها السلام) مع تصريح أهل السنة بذلك حينما أخبروا انّ النبيّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال فاطمة سيدة نساء أهل الجنة غلو مالكم كيف تحكمون؟

والنكتة الثانية:

ذكر بعض المؤلفين كلنا نعلم أن الوحي انقطع بعد وفاة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)ومع تكلم الملك مع الزهراء^img1.png ان الوحي لم ينقطع ونقول في الجواب عن ذلك ان الوحي على قسمين: وحي رسالي ووحي غير رسالي، نعم الوحي الرسالي انقطع بوفاة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)والوحي غير الرسالي وهو تكلم الملائكة مع الانسان لم ينقطع لذلك ترى كلمة المحدَث مصطلح موجود في كتب الشيعة والسنة وهو بمعنى الشخص الّذي تتكلم معه الملائكة.

ص: 81


1- - آل عمران/ 42 .
2- - هود/ 71-73 .

وعليكم مراجعة كتب أهل السنة فذكر ابن حجر في مورد عمران بن حصين انه كانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي(1) وذكر ابن سعد في ترجمة عمران بن حصين انّ الملائكة كانت تسلم عليه(2) وذكر في كتاب صفة الصفوة في ترجمة ابوالمعالی الصالح انّ الملائكة كانت تتكلم معه(3) .

ونقل محمد بن اسماعيل البخاري انّ رسول اللَّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)قال لقد كان فيما قبلكم من الامم محدثون فان يك في أمّتي أحد فانه عمر وقال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لقد كان (فيمن كان) قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا انبياء فان يكن من امتي منهم أحد فعمر(4).وذكر المناوي في شرح الجامع الصغير ذيل رواية قد كان فيما مضى قبلكم من الامم اناس محدثون فان يك في امتي احد منهم فهو عمر بن الخطاب.

عرف المناوي كلمة المحدث بانه (اناس محدثون) قال القرطبي الرواية بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح اي ملهم أو صادق الظن وهو من القي في نفسه شي ء على وجه الالهام والمكاشفة من الملاء الاعلى أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد أو تكلم الملائكة بلا نبوة أو من اذا رأى رأيا أو ظن ظنا اصاب كانه حدث به والقي في روعه من عالم الملكوت فينظر على نحو ما وقع له وهذه كرامة يكرم اللَّه بها من شاء من صالح عباده وهذه منزلة جليلة من منازل الاولياء(5).

يتضح مما ذكرنا ويعلم ان من بعد وفاة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كان من الصحابة من تكلمت الملائكة معه أو ألهم مطلبا اذن كان يقال لهم المحدثون نقول كيف تتكلم مع عمران بن حصين وامثاله بلا اشكال وتكلمهم مع الصديقة الطاهرة موجب للغلو أواشتراك فاطمة (علیها السلام) مع النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)في الوحي ما لكم كيف تحكمون؟

ص: 82


1- - تهذيب التهذيب، حرف العين، ترجمة 5362- 8/106 .
2- - الطبقات الكبرى، الصحابة الذين اسلموا قبل فتح مكة، ترجمة 469- 4/464 .
3- - صفوة الصفوة، ترجمة 341ابوالمعالي الصالح،2/492 .
4- - صحيح البخارى، كتاب بداء الخلق، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، 4/200
5- - فيض القدير، حرف القاف، 97/6،4/507 .

التهمة الثالثة:

وامّا الاتهام الثالث فهو ان مصحف فاطمة (علیها السلام) ليس بقرآن لكنه اخبار عن الغيب وهذا مساوٍ لاشراك فاطمة في علم غيب اللَّه سبحانه وتعالى يعني الشيعة تعتقد ان من يشارك اللَّه في علم غيبه فاطمة وهذا الاعتقاد شرك باللَّه سبحانه وتعالى.

امّا الجواب: نقول اذا كان يعلم الغيب فليس هو في عرض اللَّه بل في طوله وباذنه يعلم الغيب فما هو المانع من ذلك والحال أنتم قلتم ان حذيفة اعلم الناس بما كان وبما يكون الى يوم القيامة كما ذكر مسلم بن الحجاج في كتاب الفتن راويا انّ حذيفة قال واللَّه اني لأعلم الناس بكلّ فتنة هي كائنة في مابيني ومابين الساعة(1).وقال محمد بن عيسى الترمذي في كتاب الفتن عن أبى سعيد الخدري قال صلى بنا رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوما صلاة العصر ثم قال خطيبا فلم يدع شيئا يكون الى قيام الساعة الاّ أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه(2).

نقول لماذا لا تقولون شيئا ههنا ولم تتعرضوا لمسلم والترمذي بأنّ هذا الاخبار توجب اشراك حذيفة مع اللَّه في علم غيبه سبحانه وتعالى.

وقد ذكرنا التهم الثلاثة مع اجوبتها المختصرة ونوكل تفصيل الجواب الى كتب اخر.

والحمد للَّه على ما هدانا

والسلام عليك يا فاطمة الزهراء ورحمة اللَّه وبركاته

ص: 83


1- - صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب اخبار النبي |8/172 .
2- - الجامع الصحيح سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما أخبر به النبي |

التقيّة عند الشيعة الامامية ابوجعفر الكاظمي

إذا إحتمل المُكلّف ضرراً لايُتحمّل؛ في نفسه أو ماله، أو خللاً في النظام العام والوحدة الإسلاميّة، وجب عليه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل التظاهر بما يحفظ به نفسه وماله ووحدة المسلمين؛ وإن كان مُخالفاً للحكم الشرعي والقانون الإسلامي.

وهذا الحكم من مُختصّات الشيعة ويُسمى (بالتقيّة). ومن العجب إنكار بعض الناس لهذا الحكم وله أدلّته الشرعيّة، ومصالحه العقليّة بيّنة جليّة! فالقرآن يقول في سورة آل عمران(1):{لايَتَّخِذِ المؤمِنونَ الكافِرينَ أوْلياءَ مِن دونِ المؤمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَي ءٍ إلا أنْ تَتَّقوا مِنْهُمْ تُقَاةً.. }. ويقول في سورة النحل(2): {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ}.

ص: 84


1- - آية28 .
2- - آية106 .

والقرآن أمر بأن يكون المسلمون معتصمين بحبل الله، غير متفرقين، وجعل الفرقة من صفات المشركين في عدة آيات. والسنّة أمرت أن يكون المسلمون يداً على مَن سواهم؛ كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً .

فاذا توقف جمع الكلمة والإلفة على ترك حكم غير مهم من أحكام الأسلام، والتظاهر بخلافه؛ وجب تقديم الأهم على المهم .

فما بال قوم يُعيبوننا على حُكم التقيّة ؟ أيطلبون مِنّا أن نحكم على فرد في بلاد الشيوعيّة أن يُضحي بنفسه، أو يسفك دمه؛ ليُصلّي ركعتين، أو ليُأذّن؟ أم يُريدون أن نُلزم مسلماً في بلاد التركمان بإسبال يديه في الصلاة حتى يُقتل؟ أم يطلبون منّآ أن نشنَّ حرباً على طوائف المسلمين، ونُخلّ بالوحدة الإسلاميّة، ونقتل أُلوفاً لأنهم يغسلون أرجلهم في الوضوء ولايمسحون؟ أم يحثوننا أن نشقَّ بطون الحوامل لأن رجالهنّ يعتقدون أن الجنين يبقى في بطن أُمّه سنتين(1) أو أربع سنين(2) أو خمس عشرةسنة؟(3) أم يُريدون أن نحرق المساجد لأنهم يقولون فيها: الصلاة خير من النوم، ويُسقطون: حيّ على خير العمل؟ أم يرغبون في أن نحفظ عائلة بالحكم بعدم صحة طلاق الغضبان، والطلاق ثلاثاً في مجلس واحد من غير شهود ولاشروط أُخرى، والحلف بالطلاق، ونبيد لذلك عائلات؟ ولحفظ هذا البيت نشنُّ حرباً نُخرِّب فيها بيوت المؤمنين على رؤوسهم؟ أم يَحسُن لديهم أن نحكم بغصب جميع أموال المسلمين الذين أخذتهم شُبهة؛ العَول والتَعصيب، فنُحرّم المعاملات معهم ونُخِلَّ في أُمور المسلمين ومعاشراتهم ونُظُمهم؟.

كلا ! إنا نرى الأفضل أن نترك تلك الأحكام الجزئيّة ومصالحها وأدلّتها الواضحة؛ حرصاً على المصالح العامّة الكليّة، وحفظاً لدماء المسلمين وأموالهم ومعاشراتهم.

هذه هي التقيّة؛ ومصالحها بيّنة، وأدلتها واضحة قطعيّة، ولكنّ القوم لايفقهون.

ص: 85


1- - مذهب ابي حنيفة .
2- - مذهب الشافعي .
3- - مذهب بعض مَن تَقدَّم أبا حنيفة من أساتذته .

فهم يستحسنون التساهل الديني، والشرع قد أمر به، ففي الحديث: إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم، وإن دين الله أوسع من ذلك.

فإذا استوحشوا من لفظ التقيّة فليسموها: التساهل المأمور به في أمر الدين.

ويجب إنكار المنكر . . .

فإن استلزم الإنكار باللسان؛ شتماً أو سبّاً أو لعناً(فيمن يستحق ذلك- الناشر) يُظنّ معه الإقلاع عن المنكر والإئتمار بالمعروف، وجب ؛ ومن ذلك؛ ذِكْر المسي ء بالإساءة وذمّه ليُقلع غيره، ووصف المحسن بالإحسان ومدحه ليرغب الناس بمثل مافعل.

ولافرق في ذلك بين ذكر الأحياء أو الأموات في صفاتهم اللاتي كانوا عليها (لهذه الغاية) ولو كان المُسيئون؛ من أصحاب النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وجب ذكرهم بما فعلوا؛ لأن اساءة الصحابي أشدّ ضرراً، وعذابه مضاعف. وكذلك لو كان المسي ء من أزواج النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).وقد عاب بعض مَن لاخبرة له بالتعاليم الإسلاميّة، والحِكَم القرآنيّة؛ الشيعة في ذمهم وسبّهم لبعض مَن زعموا أنهم من الصحابة، أو عدم ذكرهم بعض أزواج النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالخير، وزعموا أن الصحبة والزوجيّة للنبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؛ حسنة لاتضر معها سيئة.

إنهم لم يقرأوا القرآن الكريم، ولم يأخذوا بتعاليمه؛ فإن القرآن خاطب الصحابة في سورة النساء(1): {لَيْسَ بأمَانيِّكُمْ ولا أمَانيِّ أهْلِ الكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءَاً يُجْزَ بِهِ ولايَجِدْ لَهُ مِنْ دونَ اللهِ وَليّاً ولانَصيرَاً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنثَى وَهوَ مؤمِنٌ فأولَئِكَ يَدْخُلونَ الجَنَّةَ ولايُظْلَمونَ نَقيراً}. فجعل مدار الثواب والعقاب على الإيمان وعمل الصالحات، وعلى عمل السوء، ولم يُفرّق بين الذكر والأُنثى.

وخاطب نساء النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) خاصّة في سورة الأحزاب(2) قوله: “يانِسَاءَ النَبيِّ مَنْ يَأتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانِ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسيراً”.

ص: 86


1- - آية124-123
2- - آية30

إن القرآن الكريم هو الحجّة، وهو الدليل، وهو الإمام المُتَّبع؛ وعلينا أن ننظر كيف وصف الصحابة ونساء النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؛ فنحذو حذوه، ونسير سيره.

قال تعالى في سورة النور(1) :{إنَّ الَّذينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاتَحْسَبوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِ امْري ءٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظيمٌ}.

فالذين جاءوا بالإفك عُصْبة من الصحابة؛ بنصّ القرآن، وقد إكتسبوا الإثم؛ بنصّ القرآن، ولهم عذاب عظيم؛ بنصّ القرآن. أيطلب منّا وضّاع حديث: أصحابي؛ كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم! أن نردَّ على القرآن؛ فنصدِّق الأفّاكين مُكتسبي الإثم من الصحابة في تُهْمة مَن برّأها الله جلّ جلاله؛ لأنهم صحابة؟ ونقول بعدم استحقاقهم العذاب العظيم؛ ردّاً على القرآن، وهم الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فاستحقّوا بذلك العذاب العظيم.ومن الصحابة مَن قال الله في حقِّهم في سورة المنافقين(2): {ذَلِكَ بِأنَّهُمْ آمَنوا ثُمَّ كَفَروا فَطُبِعَ عَلَى قُلوبِهِمْ فَهُمْ لايَفْقَهونَ}. أليس ردّاً على القرآن أن نقول أن الصحابي لايكفر بعد إيمانه؟.

وفي سورة براءة (3) :{وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أَهلِ المَدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لاتَعْلَمُهُم نَحنُ نَعْلَمُهُم سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَينِ ثُمَّ يُرَدّونَ إلى عَذَابٍ عَظيمٍ}.

فقد أخفى أولئك النفر من الصحابة نفاقهم بحيث لايعلمه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نفسه لولا تعليم الله إيّاه. ألا يجوز أن يكون أولئك المنافقون أظهروا بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نفاقهم الذي كانوا يكتمونه زمن حياته.

وقد فصّل القرآن الكريم حال الصحابة في سورة التوبة(4)تفصيلاً يجب أن يُتّبع فقال:{لَقَدِ ابْتَغَوا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وقَلَّبوا لَكَ الأُمورَ حَتى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وهُمْ كارِهونَ. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ إئْذَنْ

ص: 87


1- - آية11
2- - آية3
3- - آية 101
4- - آية49-48 و 61-58

لِي ولاتَفْتَنِّي ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالكافِرينَ * وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَدَقَاتِ فَإنْ أُعْطوا مِنْها رَضوا وإنْ لَمْ يُعْطَوا مِنْها إذا هُمْ يَسْخَطون * ومِنْهُم الَّذينَ يؤذونَ النَّبيَّ ويَقولونَ هوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يؤمِنُ بِاللهِ ويؤمِنُ للمؤمِنينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ والَّذينَ يؤذونَ رَسولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ}.

فهل نعذر من آذى النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقتل أولاده؛ لأنه صحابي، ونردّ بذلك على القرآن الكريم؟ أم أن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان يُرضيه ولايوذيه؛ خَلع سبطه الحسن (علیه السلام) وقتله بالسُّم، وقتل سبطه الحسين (علیه السلام)، وسبي بنات النبوّة من بلد الى بلد، وقد قال تعالى في سورة الأحزاب(1): “إِنَّ الَّذينَ يؤذونَ اللهَ ورَسولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُنْيا والآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابَاً مُهيناً”. فهل يتردد متّبعو القرآن في لعن مَن لعنه الله؟ وقوله تعالى في سورة التوبة(2):{ومِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكونَنَّ مِنَ الصَّالِحينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلوا بِهِ وتَوَلَّوا وهُم مُعْرِضونَ. فأَعْقَبَهُم نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِم إلى يَومِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفوا اللهَ مَا وعَدوهُ وبِمَا كَانوا يَكْذِبونَ} .

وهكذا تجد القرآن من أوله الى آخره يشكو من المنافقين الذين إندمجوا في الصحابة وآمنوا بأفوههم ولم تؤمن قلوبهم ومردوا على النفاق. فهل يصُح لمسلم أن يترك جميع آيات القرآن الكريم، ويحترم مَن سمى نفسه صحابيّاً وإن مرد على النفاق؟ كلا! الإيمان والعمل الصالح هما الميزان، والمرء مجزيٌّ بعمله؛ فمن خالف الإسلام وبغى وأفسد في الأرض، وقتل أولاد الأنبياء والصحابة الصلحاء مصيره الى النار ومأواه جهنم وبئس القرار؛ صحابيّاً كان أم غير صحابيّ.

هذا حال بعض الصحابة في القرآن.

ص: 88


1- -آية57
2- - آية77-75

أما حال أزواج النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؛ فحسبك فيهنّ قوله تعالى في سورة التحريم(1): {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذينَ كَفَروا امْرَأَةَ نوحٍ وامْرَأَةَ لوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنيَا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلينَ} وقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد خيانة بعض نساء النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في قوله أول السورة(2): {وإِذْ أَسَرَّ النَّبيُّ إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأتْ بِهِ وأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأهَا بِهِ قَاَلْت مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبيرُ}. فماذا يُفيدها أنها زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعد أن كان عملها لايُرضيه، ولاسيّما بعد هتكها ستاراً ضربه الله والنبي صلى الله عليه وآله وسلّم والقرآن في قوله تعالى في سورة الأحزاب(3): {وقَرْنَ فِي بُيوتِكنَّ ولاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى..}.فألبت على عثمان حتى قُتِل، وحاربت عليّاً (علیه السلام)، وسفكت دماء مايقرب من مائة ألف من أبنائها، وجرّأت معاوية على حرب علي (علیه السلام) وأعقبتها فتنة الخوارج، وجاءت الفتن بعد ذلك كقطع الليل البهيم؛ حتى هلك مَن هلك فيها من المسلمين، وتفرّقت كلمهم الى هذا اليوم.

نحن نتّبع القرآن؛ ومن لعنه لعنّاه، ومن مدحه مدحناه. فإن وافقنا باقي طوائف المسلمين تمّت الكلمة وائتلف الشمل، وإن أبوا رجعنا الى حُكمنا الأول وهو (التقيّة) حذراً من الفرقة، وحرصاً على اتحاد الكلمة وقلنا: لانسبّ معاوية لأنه صحابي وخال المؤمنين وإن قتل؛ خال المؤمنين محمدبن أبي بكر، وجاء بالسيئات التي لاتُغفر. ونذكر عائشة بكل خير وإن قتلت أبناءها وأحدثت الفتن.

ولكن الأولى بإخواننا أن يتفقوا معنا على العمل بالقرآن، فينتهي كل شي ء.

والله الموفق للصواب.

ص: 89


1- - آية10
2- -آية3
3- -آية33

روائع من الادب الاسلامي

قصيدة كربلا يا كربلاللشريف الرضي جامع نهج البلاغة محمد بن الحسين موسی الأبرش بن محمد بن موسی بن ابراهيم المرتضی بن الإمام موسی كاظم (علیه السلام) .

قال الرفاعي في صحاح الأخبار(1): كان أشعر قريش ، وذلك لأن الشاعر المجيد ليس بمكثر و المكثر ليس بمجيد ، والرضي جمع بين فضلي الإكثار والإجارة .

وقد كتب الشيخ قاسم محي الدين كتاباً أسماه: وحي الشريف الرضي ، في تفضيل شعره علی شعر غيره .

وقال الزركلي في كتابه الأعلام(2) هو أشعر الطالبين علی كثرة المجيدين فيهم .

ص: 90


1- - ص61 .
2- - ج6، ص99 .

وقال السيد حسن الصدر (رحمةالله) في كتابه الشيعة وفنون الإسلام(1): لايذكر معه شاعر لامن المتقدمين ولا من المتأخرين .

وقال العلامة الأميني (رحمةالله) في كتاب الغدير(2):

وسيدنا الشريف الرضي هو مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة ، وإمام من أئمة العلم والحديث والأدب، وبطل من أبطال الدين والعلم والمذهب ، وهو أول في كل ما ورثه سلفه الطاهر من علم متدفق ، ونفسيات زاكية ، وأنظار ثاقبة ، وإباء وشمم ، وأدب بارع ، وحسب نقي ، ونسب نبوي ، وشرف علوي ، ومجد فاطمي ، وسؤدد كاظمي ، إلی فضائل قد تدفق سيلها الآتي ، ومآثر قد التطمت أواذيها الجارفة ، ومهما تشدق الكاتب فإن في البيان قصوراً عن بلوغ مداه ، والتنقيب تقاعساً عن تحديد غايته ، وللوصف انحساراً عن استكناه حقيقته ، وإن دون ما تحلی به من مناقبه الجمة ، وضرائبه الكريمة ، كل ما سردوه في المعاجم من ثناء وإطراء.

نص القصيدة:كربَلا ، لازِلتِ كَرباً وَبَلا*** ماَ لقي عندك آل المصطفی

كَم عَلی تُربِكِ لمّا صُرّعُوا*** من دم سال ومن دمع جری

كَم حَصَانِ الذّيلِ يَروِيِ دَمعُها*** خَدَّهَا عِندَ قَتيلٍ بالظّمَا

تسمح الترب علی اعجالها*** عَن طُلَی نَحرٍ رَمِيلٍ بالدّمَا

وضيوف لفلاة قفرة*** نزلوا فيها علی غير قری

لم يذوقوا المآء حتی اجتمعوا*** بحدی السيف علی ورد الردی

تكسف الشمس شموساً منهم*** لا تداينها ضياءً وعلا

وتنوش الوحش من اجسادهم*** أرجُلَ السّبقِ وَ أيمَانَ النّدّی

وَوُجُوهاً كَالمَصابيح ، فَمِن*** قَمَرٍ غابَ ، وَنجمٍ قَد هَوَی

ص: 91


1- - ص139 .
2- - ج4 ، ص181 .

غَيّرَ تهُنّ اللّيالي ، وَغَدَا*** جاير الحكم عليهن البلا

يا رسول الله لو عاينتهم*** وهم ما بين قتلی و سبا

من رميض يمنع الظل ومن*** عاطش يسقي انابيت القنا

ومسوق عاثر يسعی به*** خلف محمول علی غير وطا

متعب يشكو اذی السير علی*** نَقبِ المَنسِمِ ، مَجزُولِ المَطَا

لَرَأت عَينَاكَ مِنهُم مَنظَرا*** للحَشَی شَجواً ، وَللعَينِ قَذَی

ليس هذا لرسول الله يا*** امة الطغيان والبغي جزا

غارِسُ لِم يَألُ في الغَرسِ لهُم*** فَأذاقُوا أهلَهُ مُرّ الجَنَی

جزروا جزر الاضاحي نسله*** ثُمّ سَاقُوا أهلَهُ سَوقَ الإمَا

معجلات لا يوارين ضحی*** سنن الوجه أو بيض الطلی

هاتفات برسول الله في*** بُهَرِ السّعيِ، وَعَثرَاتِ الخُطَی

يَومَ لا كِسرَ حِجَابٍ مَانِعٌ*** بذلة العين ولاظل خبا

أدرَكَ الكُفرُ بِهِم ثَاراَته*** وَأُزِيلَ الغَيّ مِنهُم فاشتَفَی

يا قَتيلاً قَوّضَ الدّهرُ بِهِ*** عُمُدَ الدّينِ وَأعلامَ الهُدَی

قتلوا بعد علم منهم*** انه خامس اصحاب الكسا

و صريعا عالج الموت بلا*** شد لحيين ولا مد ردی

غَسَلُوهُ بِدَمِ الطّعنِ ، وَمَا*** كَفّنُوَهُ غَيرَ بَوغَاءِ الثّرَی

مرهقا يدعوا ولا غوث له*** بِأبٍ بَرٍّ وَجَدٍّ مُصطَفَی

وَبِأمٍّ رَفَعَ اللهُ لهَا*** علما ما بين نسوان الوری

أیُّ جَدٍّ وَأبٍ يَدعُوهُمَا*** جَدّ ،يا جَدّ ، أغِثني يا أبا

يا رسول الله يا فاطمة*** يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ المُرتَضَی

كيف لم يستعجل الله لهم*** بانقلاب الارض أو رجم السما

لو بسبطي قيصر أو هرقل*** فَعَلُوا فِعلَ يَزيدٍ ، مَا عَدَا

كم رقاب من بني فاطمة*** عُرِقت ما بينَهم ، عَرقَ المِدَی

وَاختَلاها السّيفُ حَتّی خِلتَها*** سلم الابرق أَو طلح العرا

ص: 92

حَمَلُوا رَأساً يُصَلّونَ عَلی*** جده الاكرم طوعا وابا

يتهادی بينهم لم ينقضوا*** عمم الهام ولا حلو الحبی

مَيّتٌ تَبكي لَهُ فَاطِمَةٌ*** وابوها وعلیٌّ ذو العلی

لَو رَسُولُ اللهِ يَحيَا بَعدَهُ*** قعد اليوم عليه للعزا

معشر منهم رسول الله وال*** كاشف الكرب اذا الكرب عرا

صِهرُهُ البَاذِلُ عَنهُ نَفسَهُ*** وحسام الله في يوم الوغی

أوّلُ النّاسِ إلی الدّاعي الّذِي*** لم يقدم غيره لما دعا

ثُمّ سِبطَاهُ الشّهِيدانِ ، فَذا*** بحسا السم وهذا بالظبی

وَعَليّ ، وَابنُهُ البَاقِرُ، والصّ*** ادِقُ القَولِ ، وَموسَی ، وَالرّضَا

وَعَليّ ، وَأبُوهُ وَابنُهُ*** وَالذِي يَنتَظِرُ القَومُ غَدَا

يا جبال المجد عزاً وعلی*** بدور الارض نورا وسنا

جعل الله الذي نابكم*** سبب الوجد طويلا والبكا

لا أرَی حُزنَكُمُ يُنسَی ، وَلا*** رُزءَكم يُسلی ، وَإن طالَ المَدَی

قد مضی الدهر وعفي بعدكم*** لا الجَوَی باخَ ، وَلا الدّمعُ رَقَا

انتم الشافون من دآء العمی*** وَغداً ساقُونَ مِن حوضِ الرِّوَا

نزل الدين عليكم بيتكم*** وتخطی الناس طرا وطوی

اين عنكم للذي يبغی بكم*** ظل عدن دونها حر لظی

اين عنكم لمضل طالب*** وضح السبل واقمار الدجی

اين عنكم للذي يرجو بكم*** مَع رَسُولِ اللهِ فَوزاً وَنَجَا

يوم يغدو وجهه عن معشر*** مُعرِضاً مُمتَنعاً عِندَ اللّقَا

شاكيا منهم الی الله وهل*** يُفلِحُ الجِيلُ الّذي مِنهُ شَكَا ی

ص: 93

رَبّ! ما حامَوا ، وَلا آوَوا ، وَلا*** نَصَروُا أهلي ، وَلا أغنَوا غَنَا

بَدّلُوا دِيني ، ونَالُوا أسرَتي*** بالعَظيماتِ ، وَلم يَرعَوا أَلَی

نَقَضُوا عَهدي ، وَقَد أبرَ متُهُ*** وَعُرَی الدّينِ ّ فَما أبقَوا عُرَی

حرمي مستر دفات وبنو*** بِنتِيَ الأدنَونَ ذِبحٌ للعِدَی

اتری لَست لديهم كامرئ*** خلفوه بجميلً اذ مضی

رَبّ ! إنّي اليَومَ خَصمٌ لَهُمُ*** جئت مظلوما وذا يوم القضا

ص: 94

الغلو و التفويض وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني

الحلقة الثانية

فرقة الشيخية والقول بالتفويض:

من الفرق التي غالت في النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والأئمة(علیهم السلام) فرقة يقال لها (الشيخية) نسبة إلی مؤسسها الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، وترعرعت علی يد تلميذه السيدكاظم الرشتي.قال السيد محمد حسن آل الطالقاني في كتابه:الشيخية: «وقد نسب إلی الشيخية الغلو في آل محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وتفويض بعض الأفعال إليهم. ولا تخلو هذه النسبة من الصحة، ففي أقوال علمائهم تصريحات وتلويحات كثيرة»(1).

بل لا يخلو كتاب من كتبهم من هذه التصريحات الدالة علی الغلو وتفويض أمر الخلق والرزق والإحياء والإماتة للأئمة(علیهم السلام).

ص: 95


1- - الطالقاني: الشيخية- ص284 .

قال الشيخ الخالصي: «روج مذهب التفويض في العصر الأخير ثلاثة نفر : الشيخ أحمد الاحسائي، والسيد كاظم الرشتي، والحاج كريم خان الكرماني. وزادوا فيه وأوغلوا في الغلو حتی زعموا استحالة أن يكون الله خالقاً ورازقاً، وإنما الخلق والرزق للحقيقة المحمدية»(1).

قال الطالقاني: «ويطول بنا المقام إذا أردنا أن نستعرض مؤلفات الاحساني كلها لنحصي أقواله في هذه المسألة- مسألة الغلو والتفويض- ويكفينا للاستشهاد كتابه «شرح الزيارة الجامعة» ففيه غنی عن غيره، بل إنه الوحيد الذي اشتمل علی أكثر آرائه وأقواله في المسألة. وإلی القارئ بعض النبذ التي وزعت في ثنايا الكتاب:

قال:« والطاعة حادثة . . وهم ذلك الحادث».

وقال: «فانحصرت العبادة التي هي فعل ما يرضي والعبودية التي هي رضا ما يفعل فيهم وبهم(علیهم السلام). فإن التسبيح والتقديس والتمجيد والتكبير والتهليل والخضوع والخشوع والركوع والسجود وجميع الطاعات وأقسام العبادات، وكذلك العبودية، كل ذلك أسماء معانيها تلك الذوات القدسية والحقائق الإلهية» . وقال: « ولله الأسماء الحسنی، أي ملكه وخلقه فادعوه بها فتقول ياكريم يارحيم ياغفور إلی سائر أسمائه وهي هم- يعني أهل البيت (علیهم السلام)». وقال: «وأسماؤه اللفظية مسمياتها ذواتهم إذ ليس له تعالی أسماء إلا أسماء أفعاله، وهم معاني أفعاله».وقال: «إن إهل البيت خلق فوق بني آدم وجسومهم لن تری بالبصر بل حتی بالبصائر». وقال: «فإذا كان الله غنياً لم يرد شيئاً لنفسه وإنما يريد لغيره وهم- يعني أهل البيت (علیهم السلام)- ذلك الغير والطاعة حادثة وما تنسب لغير حادث وهم ذلك الحادث المنسوب إليه الحادث ..إن الله تعالی حصر شؤونه في أهل البيت، وحصر حاجات خلقه عندهم».

وقال: «وهم العلل الأربع للمخلوقات، فالعلة الفاعلية بهم، والعلة المادية منهم، أي من شعاعهم وظلّهم، والعلة الصورية بهم علی حسب قوابل الأشياء من خير وشر، والعلة الغائية هم لأن الأشياء خلقت لأجلهم» .

وقال:

«وأما الرزق فهو ما ينتفع به الحي وليس لغيره منعه منه، والمراد بالغير غير الله وغير رسوله وأهل بيته..»(2) .

ص: 96


1- - نفس المصدر:ص 285 .
2- - نفس المصدر: ص287-288-289 .

وقال: « ثم لما كانوا في المقام الذي وضعهم الله سبحانه فيه أنهم العلة الفاعليةوالمادية والصورية والغائية لجميع الخلائق» . وقال: «والاستشهاد في قوله(علیه السلام) في الحديث الأول: أنا أقمته بإذن الله ، علی أنه الولي من الله علی سائر خلقه، فلا يكون شئ بأمر الله إلا عنه، وكذلك قوله: إنما أعطاني الله تدبير أمر الدنيا، فأنا أدبر بأمر الله تعالی، فإذا كان هو المدبر لما يتعلق بالإيجادات كان تدبيره لما يتعلق بأمر التكليف بالطريق الأولی»(1) . وقال: «. . فقال (علیه السلام): إنما أعطاني تدبير أمر الدنيا فأنا أدبرها بإذن الله تعالی»(2) . وقال: «فنقول: . . وجعلهم يتصرفون – أي الأئمة (علیهم السلام) - في الوجود كيف شاؤا»(3) ، إلی كثير من عبايره المصرحة بتفويض أمر العالم إليهم (علیهم السلام) .

قال الطالقاني : «والخلاصة: إن علماء الشيخية قديماً وحديثاً قد تجاوزوا الحد في حب وتقديس الأئمة من آل محمد (علیهم السلام) ، وغالوا في حبهم، وفوّضوا إليهم بعض الأمور- كما سيتضحمن كلمات الاحسائي والرشتي- وهم وإن أكدوا سلفاً وخلفاً علی أنهم قد فوّضوهم تفويض مشيئة امتثالاً لأمر الله ، لاتفويض شراكة أو استقلال، لكنهم مع ذلك مخالفون لأوامر الأئمة ونصوص الأحاديث الصحيحة الواردة عنهم في النهي عن ذلك والاستنكار علی فاعله. فقد قال الإمام الرضا (علیه السلام) : «من زعم أن الله عزَّوجل فوّض أمر الخلق والرزق إلی حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالتفويض مشرك»(4) .

أقول: والذي يظهر من كلمات مشايخهم قديماً وحديثاً أنهم قالوا بالتفويض المطلق، وأن الله سبحانه فوّض للأئمة أمر العالم يتصرفون فيه كيفما شاؤا ومتی شاؤا، والأمثلة علی ذلك كثيرة، منها ما ورد في خطبة البيان التي ذكرها الاحسائي في شرحه للزيارة، والرشتي في الخطبة، قال علي(علیه السلام) :«أنا الذي لايبدل القول لديّ وما أنا بظلّام للعبيد، أنا ولي الله في ارضه والمفوّض إليه أمره، والحاكم في عباده . . أنا أحيي وأميت، وأنا أخلق وأرزق، . . أنا أبدئ وأعيد، أنا مظهر الأشياء كيف أشاء . . إلی آخر

ص: 97


1- - الاحسائي: شرح الزيارة- ج1-ص198 .
2- - نفس المصدر:ج2- ص55- 56 .
3- - نفس المصدر: ص 54 .
4- - الطالقاني: الشيخية- ص295 .

الخطبة(1)» . قال الاحسائي: «لأن وجودهم(علیهم السلام) علّة لوجود الموجودات، ووجود الموجودات قائم بوجودهم قيام صدور، لأن الشيء يتقوّم بمادته وصورته»(2) ، وهذه العباير صريحة من كون الأفعال صادرة منهم علی وجه الحقيقة، لاعلی وجه المجاز كما يزعمه بعض مشايخهم.

قال الميرزا موسی الاسكوئي: «إن إطلاق العلة الفاعلية والخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها من صفات الأفعال علی محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مجاز لاحقيقة، وأنهم أسباب وآلات ووسائط في إيجاد الأشياء . .»(3) وأنت تعلم فساد هذا المعتقد ، لأن الله سبحانه غني عن الآلة والواسطة في إيجاده لمخلوقاته .ويحاول الميرزا موسی الاسكوئي الهروب من نسبة التفويض الی فرقة الشيخية مع انّ كلماته صريحة في ذلك لايمكن تأويلها . قال: «ولكن لو دققت النظر فيه مرة بعد ، عرفت أن المنفي عنهم(علیهم السلام) هو نسبة تلك الصفات إليهم علی طريق الاستقلال لا مطلقاً، إذ الناس في ذلك الزمان وهذا أيضاً ما يعرفون من لفظ التفويض إلا الاستقلال، ولذا كانوا يستوحشون منه، ويقولون إنه محال، لأن الأجسام لايقدر علی خلقها وإيجادها فلا أظن أحداً ينكره في ذلك الزمان، كما لاينكرون كون الملائكة الأربعة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وسائط وآلات في الخلق والرزق والحياة والممات، فكيف لاينكرون هذا وينكرون وساطة الأئمة(علیهم السلام) وآليتهم فيها؟ والحال أنهم (علیهم السلام) قطعاً أكمل وأشرف وأبهی وأصفي وأقدم من الملائكة، وعلّة لعلّة علّتهم، ووسائط لإيجادهم، مادتهم وصورتهم، وأنهم لايتصرفون في شيء ولايخطون قدماً عن قدم إلا بإذنهم (علیهم السلام) ، كما في رواية مقداد بن الأسود، قال: قال لي مولاي يوماً: ائتني بسيفي، فأتيته به، فوضعه علی ركبته ثم ارتفع إلی السماء وأنا أنظر إليه حتی غاب عن عيني، فلما قرب الظهر نزل وسيفه يقطر دماً، فقلت: يا مولاي أين كنت؟ فقال: إن نفوساً في الملأ الأعلی اختصمت فصعدت فطهرتها، فقلت: يا مولاي وأمر الملأ الأعلی إليك؟ فقال: يابن الأسود

ص: 98


1- - الاحسائي: شرح الزيارة- ج2- ص53-54-55 وانظر ص167، وأيضاً كاظم الرشتي: شرح الخطبة التطنجية- ص350 ، 351 ، 352 .
2- - الاحسائي: شرح الزيارة- ج1-ص76 .
3- - موسی الاسكوئي: إحقاق الحق – ص265 .

أنا حجة الله علی الخلق من سماواته وأرضه وما في السماء ملك يخطو قدماً إلا بأذني وفيّ يرتاب المبطلون»(1) . فالميرزا يعتقد أن الملائكة لا تخطوا ولا تتصرف إلا بأمر الإمام علي (علیه السلام)

وإذنه، فجبرائيل (علیه السلام) لما نزل علی النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان بأمر علي (علیه السلام) ،كما كان ينزل علی الأنبياء السابقين(علیهم السلام) إيضاً بأمرعلي (علیه السلام) وإذنه، وهكذا بقية الملائكة لاتتصرف إلا بإذنه (علیه السلام) ،كما ويعتقد أن الأئمة (علیهم السلام) وسائط وآلات محضة لله سبحانه في خلق الأجسام وإيجادها، فلولا وساطتهم لم يخلق العالم وما فيه . ألم يروِ الميرزا موسی عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي خالد الكابلي، أن الإمام علياً(علیهم السلام) لما كان في البروح الأعلی، كان يقسّم الأرزاق، ويعيّن الآجال ، ويخلق الخلق، ويميت ويحيي، ويعزويذل ، إلی أن قال(علیه السلام): يا قنبر:هذا لأولنا وهو يجري لآخرنا، ونحن خلقناهما، وخلقنا ما فيهما وما بينهما وما تحتهما(2) . وهذه عباير صريحة من أن الأئمة (علیهم السلام) باعتقاد الميرزا وتابعيه، هم الذين خلقوا السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما علی وجه الاستقلال، لقول الإمام (علیه السلام) نحن خلقناهما، ولم يقل الله سبحانه خالقهما. ألم يروِ الميرزا بإسناده إلی جمهور بن الحكم قول الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) : نحن صنعناها فكيف لانقدر أن نصعد إلی صنعنا؟ ثم يعقّب الميرزا علی ذلك بقوله: انظر كيف نسب (علیه السلام) الصنع إلی أنفسهم مرتين. ومع كل ذلك يزعم أن إطلاق الخالق والرازق والمحيي والمميت وغيرها من الصفات علی محمد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مجاز لاحقيقة . والروايتان صريحتان علی أن الخلق والصنع من فعلهم علی وجه الاستقلال . وهذا هو التفويض المطلق الذي قالت به فرقة الشيخية .

ومما يؤكد هذا المعنی الذي قلناه ما قاله الميرزا نفسه: «فالمنصف إذا نظر في هذه الأخبار بعين الدقة والاعتبار، وجانب التعصب والأغيار، عرف بلا غبار أنها لاتنافي ما ذكرنا من التفويض الحق، بل كلها ظاهرة في التفويض المتعارف عند العرف، وهو الاستقلال، ومنصرفة إليه، لأنه الفرد الشايع، ثم كيف تكون نسبة تلك الصفات إليهم (علیهم السلام) مطلقاً تفويضاً باطلًا(3) ، وقد نسب الله سبحانه لعيسی ابن مريم إذ

ص: 99


1- - موسی الاسكوئي:إحقاق الحق- ص395 ، 396 . اقول هذه الرواية والرواية السابقة عليها والروايات اللاحقة لها لاوجود لهن في كتب الحديث المعتبرة و انما هي في كتب الشيخية و الغلاة فقط .(الناشر)
2- - نفس المصدر:ص395 .
3- - وهذا قول صريح منه علی أن المراد من التفويض هو التفويض المطلق المنهي عنه .

خلق من الطين كهيئة الطير، وقال: تبارك الله أحسن الخالقين، وقد قال الإمام(علیه السلام) في حق الملكين اللذين يدخلان في رحم المرأة ويصوران الأولاد: «ملكان خلّاقان» وقال الحجة عجّل الله فرجه في توقيعه الشريف: «أما بعد فإنّا صنايع الله ربنا والخلق بعد صنايعنا»، وما رواه في مدينة المعاجز عن دلائل الطبري الإمامي + بإسناده إلی جمهور بن الحكم قال: رأيت علي بن الحسين(علیه السلام) وقد نبتت له أجنحة وريش فطار ثم رأيت الساعة جعفر بن أبي طالب في علّيين، فقلت: وهل تستطيع أن تصعدها؟ فقال: «نحن صنعناهما فكيف لانقدر أن نصعد إلی صنعنا؟ نحن حملة العرش والكرسي» . . انظر كيف نسب(علیه السلام) الصنع إلی أنفسهم مرتين . وكما في خبر عيونالمعجزات عن المفضل بن عمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي خالد الكابلي قال: « قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين لما سألناه عن هذه الآية :{ وَلَقَد جَعَلنَا في السَّمَآءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّهَا لِلنَّاظِرِينَ}(1) . قال: إن قنبر مولی علی(علیه السلام) أتی منزله يسأل عنه، وخرجت إليه جاريته يقال لها فضة، قال قنبر: فقلت لها: أين علي بن ابي طالب (علیه السلام)، وكانت جاريته؟ فقالت في البروج، قال قنبر: وأنا لا أعرف لأمير المؤمنين (علیه السلام) بروجاً، فقلت: وما يصنع في البروج؟ قالت: هو في البروج الأعلی، يقسّم الأرزاق، ويعيّن الآجال، ويخلق الخلق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل . . إلی أن قال: فقال لي: يا قنبر، قلت: نعم يا اميرالمؤمنين (علیه السلام) ، قال: هذا لأولنا وهو يجري لآخرنا، ونحن خلقناهما ، وخلقنا ما فيهما، وما بينهما وما تحتهما . . .»(2) .

وقال الميرزا موسی أيضاً: «وبالجملة وإن كان غالب هذه الأخبار صريحة في تفويض الأمور الشرعية من الحلال والحرام والأمر والنهي ولاتكون دليلّا لما نحن بصدده من تفويض جميع الأشياء الكونية والشرعية بالمعنی الذي ذكرنا إليهم (علیهم السلام) . . ثم كيف يفوضّ إليهم جميع الأمور الشرعية كما هو مفاد هذه الأخبار ولا يفوّض إليهم الأمور الكونية؟ وكيف تصرفهم في تلك يكون ممضی من خالقهم ولايكون ممضی فيما الخلق فيه وإليه أحوج . . إلی أن قال: فإن كانت الأمور الكونيةأجلّ

ص: 100


1- - سورة الحجر، الآية: 16 .
2- - موسی الاسكوئي: إحقاق الحق- ص 395 ، 396. لا يخفی ان هذه الرواية و امثالها لا وجود لها الا في كتب الشيخية و الغلاة.«الناشر»

وأعظم من الأمور الشرعية، فما السبب في تصرف عبيدهم وتوسطهم فيها؟ وإن كانت الأمور الشرعية أجلّ وأعظم منها فتصرفهم في الأمور الكونية يكون بالطريق الأولی»(1) .

وهكذا نری الميرزا موسی يصرح بهذه الكلمات ويتعرض لذكر التفويض من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، ويعتبر ذلك من التفويض الحق، ليت شعري، هل يوجد تفويض حق وآخر باطل عند فرقة الشيخية؟، مع أنه ذكر الروايتين اللتين تدلان علی أن العالم وما فيه من سماواته وأرضه منصنعهم وأيجادهم وخلقهم،وأن الإمام علياً (علیه السلام) عُرج به إلی البروج ليخلق ويرزق ويحيي ويميت ويقسّم الأرزاق، فإذا كانت كل هذه الصفات ليست تفويضاً، فما هو إذن معنی التفويض في معتقده؟؟.

وأما ما نسبه إلی عيسی (علیه السلام) من الخلق، فهو مخالفة صريحة لما جاء عن مفسري الشيعة من أن خلق الطين طيراً ذا لحم ودم من فعل الله تعالی وليس من فعل عيسی (علیه السلام) حتی يجعل ذلك دليلّا علی مدعاه في التفويض، لأنه من جملة معجزاته (علیه السلام)، والمعجزة ما كانت خارجة عن قدرة البشر يجريها الله تعالی علی يد رسله تصديقاً لنبوتهم (علیهم السلام) . والميرزا لم يلتفت إلی معنی الاية القرآنية ، قال تعالی: {وَرَسُولاً إِلَی بَنِی إِسرََءِِِِيل أََنّیِ قَد جِئتُكُم بَِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمَ أَنِّی أّخلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ.. }(2) .فالآية التي جاء بها عيسی (علیه السلام) وهي المعجزة كانت من الله سبحانه لا منه (علیه السلام) بدليل قوله تعالی: {أَنِّی قَد جِئتُكُم بَِِايَةٍ مِّن رَّبِّكُم} ولم يقل (علیه السلام) من عند نفسي . ففي تفسير التبيان لشيخ الطائفة الطوسي في تفسير قوله تعالی: {فَيَكُونُ طَيَرا بِإذنِ اللَّهِ} .« . . لينبه بذكر الاذن أنه من فعل الله دون عيسی . . إلی قوله: «وقوله تعالی: {وَأُحيي المَوتَی بِأذنِ اللَّهِ}، علی وجه المجاز إضافة إلی نفسه، وحقيقته: أدعو الله بإحياء الموتی فيحييهم الله فيحيون بإذنه . .»(3) . وقال الطبرسي: « . . فأما جعل الطّين طيراً حتی يكون لحماً ودماً وخلق الحياة فيه، فمما لايقدر عليه غير الله ، فقال: { بإِذنِ اللَّهِ} ليعلم أنه من فعله تعالی وليس بفعل عيسی . . إلی أن قال: إنما أضاف الإحياء إلی نفسه

ص: 101


1- - نفس المصدر: ص 398 ، 399 .
2- - سورة آل عمران ، الآية: 49 .
3- - الطوسي: التبيان- ج2- ص 468 .

علی وجه المجاز والتوسع، ولأن الله تعالی كان يحيي الموتی عند دعائه . . وإنما خصَّ عيسی (علیه السلام) بهذه المعجزات . . »(1) .

وفي تفسير الصافي:{.. بإِذنِ اللَّهِ} بأمره، نبَّه علی أن إحياءه من الله لا منه، . . دفعاً لوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية»(2) . وفي التفسير الجديد: « . . أما التعليق { بإِذنِ اللَّهِ}فلينبه إلی أن بث الحياة ليس من مقدوري، وإنما هو فعله تعالی، وهو ردّ علی من زعم أنه (علیه السلام) هو الله ، ولذا بيَّن أنه لايقدر علی إيجاد ذي روح، فكيف يقدر علی إيجاد الكون وما فيه؟ فالقادر علی ذلك هو الله فعلّا، لا المخلوق الضعيف المحتاج الذي هو كلّ علی مولاه»(3) . ومن أراد المزيد فليرجع إلی كتابنا«الولاية التكوينية والتشريعية» ففيه ما لامزيد عليه .

للبحث صلة

ص: 102


1- - الطبرسي: مجمع البيان- ج2- ص570 ، 571 .
2- - الفيض الكاشاني: الصافي – ج1- ص237 .
3- - محمد السبزواري: الجديد في تفسير القرآن- ج2- ص 63 .

الولاية التكوينية آية الله السيد كاظم الحائري

بحث سماحة اية الله السيد كاظم الحائري الولاية

التكوينية للائمة الطاهرين(علیهم السلام) حيث قال بعد مقدمة للبحث:

ندخل في مسألة الولاية التكوينية، قلنا إن هذا المصطلح متأخر، ولذا نتساءل عن معناه والمقصود منه بالنسبة للائمة (علیهم السلام)؟ وما هو دور الائمة (علیهم السلام)على أساس القول بولايتهم التكوينية؟ وما هو دورهم (علیه السلام) ضمن هذه الاسس الفلسفية والقرآنية التي أشرنا إليها وعرضناها في بداية البحث؟ فان كان المقصود بالولاية التكوينية خرق نواميس الطبيعية، فانّ الامام(علیه السلام) يخرق احياناً نواميس الطبيعة ويأتي بما يسمى بالمعجزة فيشق القمر، أو يجعل الحصى تسبّح ويمنع النار عن الإحراق وما الى ذلك من الامور التي هي خرق لقوانين الطبيعة، فإن سمي هذا بالولاية التكوينية، فهو معقول ومقبول وثابت في الكتاب والسنّة المتواترة، فلاشك ولاريب أنّ الائمة(علیهم السلام) أظهروا من المعجز ما لايحصى، والمعجز هو خرق قانون الطبيعية، إلاّ أن هذا ليس شيئاً جديداً حتى يطلق عليه مصطلح جديد باسم «الولاية التكوينية» وليس هو إلا تطبيقاً لاحد القانونين اللذين أشرنا اليهما،(1) فلو آمنا بمبدأ العليّة وبأن هذا المبدأ

ص: 103


1- - وهما : 1- مبدأ العلية الذي قال به الفلاسفة2- و مبدأ الإرادة الذي قال به عموم علماء الشيعة، ولا يخفی أن اصل فكرة الولاية التكوينية جاءت من قبل الفلاسفة القائلين بثبوتها للعقول ،والعرفاء القائلين بثبوتها للاقطاب و الاولياء الناشر

لايتخلف لاستحالة انفكاك المعلول عن العلّة- فعندئذ يكون خرق قوانين الطبيعة بمعنى أن الله تعالى هدى رسوله والأئمة المعصومين (علیهم السلام) الى علل غائبة عنا، فهم يعرفونها ونحن لانعرفها، فيتدخل الامام وفق العلل الغائبة عنّا.

وعلى سبيل المثال انّ النار تحرق لكن هناك علّة تمنع النار عن الاحراق، وتلك العلّة يعرفها الامام فيوجد ذالك المانع فلاتحرق النار، ونسمي هذا حسب ظاهر الامر خرق قانون الطبيعة او خرق نواميس الطبيعة، هذا تفسير الاعجاز وفق مبدأ العلية، فانّ الاعجاز يثبت دون بطلان مبدأ العلية، أي ان مبدأالعلية وهو استحالة انفكاك العلّة عن المعلول- ثابت الا انّ الامام في نفس الوقت ياتي بالمعجز، فاتيانه بالمعجز لايعني شلّ العلّة عن العلّية، وانما يعني انه اتى بعلّة هي غائبة عنّا يعرفها ولانعرفها، هذا هو تفسير المعجز بناءً على هذا المسلك.

امّا على المسلك الآخر المؤمن بمبدأ الارادة وقدرة الله تبارك وتعالى واننا لسنا بحاجة الى مبدأ العلية الى صف مبدأ الارادة وقدرة الله، فالامر اوضح، اذ انّ الامام او النبي عندما يريد ان ياتي بالمعجز يطلب من الله تبارك وتعالى ان يتدخل بارادته وبقدرته البالغة، فيتدخل فيكون المعجز خلافاً لمقتضى الطبيعة التي نألفها، وعلى ايّة حال فالمعجز معترف به من اوّل الامر، سواءً سميناه بالولاية التكوينية او لم نسمه بالولاية التكوينية،

اما لو اراد القائلون بالولاية التكوينية ان المعصوم (علیه السلام) يتمكن دائماً ان يفعل ما يريد، اي لايعجز عن اي شيء فهذا خلاف صريح القرآن، فالقرآن الكريم يقول: «وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الارض ينبوعاً * او تكون لك جنة من نخيلٍ وعنبٍ فتفجّر الانهار خلالها تفجيراً * او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً او تاتي بالله والملائكة قبيلاً * او يكون لك بيت من زخرف او ترقى في السّماء ولن نؤمن لرقيّّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقراه قل سبحان ربّي هل كنت الاّ بشرا رسولاً»(1) اي انّ هذه الامور خارجة عن قدرتي فلو أن الله أراد أن أفعل فعلت وحينما لايريد لم أفعل ولا أستطيع أن أفعل. وإذا تجاوزنا هذين التفسيرين ولاأظنهما مقصودين لأصحاب الرأي القائل بالولاية التكوينية، فقد يكون المراد بالولاية التكوينية أن الله عزّوجلّ فوض العالم وما يجري فيه الى الامام(علیه السلام) فالامام

ص: 104


1- - الاسراء: 90-93

هو الذي يسيّر الاحداث فان كان هذا هو مقصود القائل بالولاية التكوينية، فعندئذ نقول: إنّ هذا ينقسم الى قسمين أو يحتمل فيه احتمالان، أمّا أن يفترض أصحاب هذا الرأي أنّ الامام يسيّر الاحداث وفق عللها الغائبة عنّا والتي عرّفها له الله تبارك وتعالى، فالامام وفق العلل يسيّر الاحداث، وأما أن يفترض - ما يشبه مقولة المفوّضة انّ الله تبارك وتعالى كأنما فوض الامور إليهم، وبدلاً عن ارادة الله«إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون»(1) تحلّ ارادة الأئمة(علیهم السلام) ويقع ما يريدون فهم الذين يريدون الحياة لمن يحيا ويريدون الموت لمن يموت وهكذا، وبالارادة مباشرة يفعل الإمام ما يريد.

فإن فرض الاوّل وهو أنّ الله تبارك وتعالى أرشد الائمة(علیهم السلام) الى علل الحوادث والاحداث فيتصرفون في العالم وفق تحريك العلل فهذا كلام في الوقت الذي لم أجد دليلاً عليه لا في كتاب ولا في سنّة، لايوجد دليل مخالف ومعارض له في الكتاب والسنّة، ولاتوجد لدينا ضرورة دينية تمنع عن القول بذلك.

أما لو قصدوا المعنى الثاني وهو أنّ الله فوض إليهم الامور فكما انّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يريد وما شاء وبارادته يسير العالم كذلك نفترض الامام(علیه السلام) وكانه يحلّ محلّ الله تبارك وتعالى، وباذنه سبحانه ومشيئته، فهذا في روحه يرجع الى التفويض أو الى شق من شقوق التفويض الذي ننكره كما ننكر الجبر ونقول: لاجبر ولاتفويض.

إنّ التفويض له معنيان وشقاق، فتارة يفترض أن الله تعالى فوض العالم الى عباده وهو كأنما ترك العالم، وعباده يفعلون ما يريدون، واخرى يفترض: انّ الله تبارك وتعالى فوض العالم الى قسم من عباده فقط وهم المعصومون عليه السلام وهذا التفويض بشقيه يخالف ظاهر الايات المباركات التي تسند الامور -دائماً ومباشرة- الى الله تعالى كما في الايات التي أشرنا إليها منها قوله تعالى: (ألا له الخلق والامر)(2)، وقوله تعالى (انّ الله هو الرزّاق)(3)، وقوله تعالى: (الله يتوفّى الانفس حين موتها)(4)، وقوله تعالى: (لن يصيبنا الاّ ما كتب الله لنا)(5)، وما شابه ذلك.

ص: 105


1- - يس 82
2- - الاعراف 54
3- - الذاريات58
4- - الزمر 42
5- - التوبة 51

كما أنّ هناك آيات اخرى تقبل الحمل على نفس المعنى الذي ندّعيه من قبيل قوله تعالى بالنسبة للمسيح(علیه السلام): (واذ تخلق من الطين كهيئة الطّير باذني فتنفخ فيه فتكون طيراً بأذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني واذ تخرج الموتى بإذني)(1) فالمقطع (إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) هو من القسم الذي ذكرناه من أن فعل البشر ينسبه الى الله بالمعنى الذي شرحناه، فقد خلق من الطين كهيئة الطير -وكل إنسان يستطيع أن يخلق من الطين كهيئة الطير- وهو فعل البشر ومع ذلك فانّ الله تعالى يقول:(باذني)، كل ما قام به عيسى عليه السلام هو بإذن الله، من ابراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وغير ذلك، كما أنّ الآية الاخرى تتحدّث عن لسان عيسى عليه السلام: (أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطّير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى باذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم)(2).

إن كلمة بإذني أو كلمة بإذن الله في هذه الآيات المباركات هي على منوال الآية الاخرى التي تقول: (وما كان لنفس أن تموت الاّ باذن الله)(3).

الذي يعني أنّ الموت من قبل الله تعالى، فهو الذي يميت النفس وهو الذي يميت الإنسان، (وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله)، وكذلك في الآيات الماضية حينما يقول: (وابرئ الأكمه والأبرص) و(واحيي الموتى بإذن الله) أي أنّ الله تعالى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، وما على

ص: 106


1- - المائده 110
2- - آل عمران 49
3- - آل عمران 145

عيسى(علیه السلام) إلاّ أن يطلب من الله تبارك وتعالى أن يبرئ ويحيي، وعندها يبرئ ويحيي سبحانه وتعالى.(1)

ص: 107


1- - الامامة وقيادة المجتمع: آية الله السيد كاظم الحائري، ص126- 129، 130.

رسالة الاثنی عشرية الحر العاملی

في الرد علی الصوفية(و العرفاء)هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (رحمةالله) صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء و هو يشتمل علی اثني عشر باباً و اثني عشر فصلاً و اليك ايها القارئ الكريم. الحلقة الثانية من الكتاب وهي :

الباب الثاني

في ابطال التصوف وذمه عموماً ولابد من ذكر مذاهبهم اولاً وهی اثناعشر . وممن ذكرها الشيخ نجم الدين عمر النسفي وهو من علمائهم المطلعين علی حقايق مذهبهم .

قال الشيخ المذكور في كتاب بيان مذهب التصوف ما هذا لفظه اعلم ان اصحاب التصوف علی اثني عشر فرقة واحدة منهم علی الحق المستقيم والباقي علی البدعة والضلالة فالذين هم علی الضلالة: الحبيبية، والاوليائية والشمراخية و الاباحية والحالية، والحلولية،والحورية، والواقفية والمتكاسلة والالهامية .

الاولی: الحبيبية يقولون: العبد يتخذ الله تعالی حبيبا وينقطع عن محبة المخلوقين ويرفع التكليف عنهم وايضا يرفع عنهم خطابات العبادات والحرام عليهم حلال وترك صلاة والصوم عندهم جايز ولايسترون عوراتهم وهذا كفر محض ولايعرفهم الناس باقوالهم بل بافعالهم فاحذروا عنهم .

ص: 108

الثانية: الاوليائية وهم قوم يقولون: ان العبد يبلغ درجة الولاية ويرفع خطاب الامر والنهي عنه وهذا كفر وضلالة .

الثالثة: الشمراخية وهو قوم يقولون: اذا عرف العبد الله سبحانه يرفع الامر والنهي عنه وبسماع الدف والطبل والمزمار راغب ويقولون: ان النساء كالرياحين وشم الرياحين مباح وهؤلاء قوم عبدالله ابن الشمراخية وهم يسيرون في العالم بكسوة اهل الصلاح ويفسدون في العالم.

الرابعة : الاباحية وهم قوم يقولون: لانقدر علی امتناع نفوسنا من المعاصي وليس بينهم أمر بمعروف ولانهي عن المنكر ويقولون: اموال المسلمين وفروجهم حلال ويقولون قول لا: كفر والايذاء حجاب في الطريق والامر بالمعروف والنهی عن المنكر ايذاء وهؤلاء القوم اشر خلق الله علی وجه الارض .الخامسة: الحالية وهم يقولون: السماع والرقص مباح وهم في السماع مدهوشون كمالاتكون الحركة في وجودهم وهذا الطريق خلاف سنة رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيكون بدعة وضلالة .

السادسة: الحلولية وهم قوم يقولون: النظر في وجه الجميل من الامرد و النساء حلال وفي حالة النظر يرقصون ويقولون في حالة الرقص صفة من صفات الله تعالی حال علينا ولنا بتلك الصفة التقبيل والمعانقة حلال وهذا كفر محض .

السابعة: الحورية مثل مذهب الحلولية وهم يقولون: في هذه الحاله تأتي الينا حور الجنة ولنا معهن الوقاع والوطي قلنا: بل من الشياطين تأتيهم في خيالهم واذا فرغوا من حالة يغتسلون من الجنابة .

الثامنة: الواقفية وهم يقولون: ان العبد عاجز عن معرفة الله تعالی وهي علی الحقيقة محال ويقولون هذا البيت بالفارسية .

ترا تو دانی تو ترا نداند كس*** ترا كه داند كه ترا تو دانی وبس

وهو ضلال محض .

التاسعة : المتجاهلة وهم قوم في لباس الفاسقين ويقولون: مرادنا دفع الريا وهذا ضلال .

العاشرة: المتكاسلة وهم قوم يتركون الكسب ويتوجهون علی ابواب الخلائق بالكدية ويرضون من حياتهم بعبادة البدن وياكلون اموال الزكوة بغير حق وهذا خلاف السنة .

ص: 109

الحادي عشرة : الالهامية وهم قوم من الفرق يعرضون عن قرائة القرآن و تعلم العلم يقنعون بمتابعة كتب الحكماء واشعارهم قرآن الطريق وهذا كفر محض .

الثانية عشرة : أهل الحق وهم قوم يتبعون السنة ويؤدون الصلاة في الوقت مع اهل السنة والجماعة ويحذرون عن الشراب والزنا والسماع والرقص والحرام ثم اخذفي مدح هذه الفرقة والامر باتباعها الی أن قال واحذر عن الفرق الاحد عشر التي ذكرناها فهم اهل البدعة .وقد قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : من أهان صاحب بدعة آمنه الله تعالی يوم القيمة من الفزع الاكبر(1) «انتهی».

أقول : الفرقة الاخيرة غير داخلة في التصوف المبحوث عنه وعلی تقدير دخولها في طريقتهم تدخل في حكمهم ويدل علی ذلك مامضی ومايأتی ويزيد هناوجوه:

احدها: انهم من العامة المخالفين كما يدل عليه كلام النسفي وثناؤه عليهم فتقليد الشيعة لهم غير معقول .

وثانيها : ان ظاهر حال هؤلاء انهم استعملوا لفظ التصوف بمعنی الزهد وهولا يدل عليه، فعلی تقدير عدم مخالفتهم للشرع في شي فنسبتهم فاسدة ليس لها معنی صحيح بل هي موهمة لمعنی فاسد .

وثالثها: أن هذه النسبة علی كل حال غير جايزة لما تقدم من الادلة الدالة علی المنع منها هذا، وقد ذكر بعض العلماء اسماء طوائف الصوفية أزيد مما ذكره النسفي فقال: ان من طوايفهم وحدتية ، و واصلية ، و حبيبة ، و ولائية، و مشاركية، و شمراخية، و مباحية، و ملامية، و حورية، و جمالية، و تسلمية، و كاملية ، و تلقينية، و الهامية، و خورية، و عشاقية، و حلولية، و ذوقية، و جمهورية و زراقية «انتهی» .

وقال الشهيد الثانی (رحمةالله) في شرح بداية الدراية : ذهب الكرامية وبعض المبتدعين من الصوفية الی جواز وضع الحديث للترغيب ترغيبا للناس في الطاعة وزجراً بهم عن المعصية «انتهی» .

ونقل العلامة وغيره في كتب الكلام عن الصوفية كثيراً من الاعتقادات الباطلة كما يأتی ان شاء الله ، فكيف يتصور أحد من الشيعة صحة التصوف مع كثرة فرقهم وتشتت مذاهبهم واشتراك الجميع في

ص: 110


1- - لم نجد الروا ية في مظانه في الموسوعات الكبيرة .

مخالفة الشرع واهله وعداوة الشيعة والائمة كما هو ظاهر لمن طالع كتبهم فكيف يجوز حسن الظن بهم ؟! .اذا تقرر ذلك فنقول: الذي يدل علی ابطال التصوف وذمه عموماً أعنی ابطال جميع ما اختصوا به مما تقدم وغيره وجوه كثيرة أذكر منها هنا اثناعشر .

الاول: عدم ظهور دليل شرعي علی صحة ذلك مع انه من مهمات الدين ويستحيل عادة وشرعاً خلوه من نص لو كان حقا فكيف؟! والادلة دالة علی بطلانه وقد تقدم في الباب الاول تقرير هذا الدليل وتحقيقه .

الثاني: ما هو معلوم مقرر من تحريم الابتداع في الدين ويأتي بعض مايدل علی ذلك ان شاء الله تعالی ومعلوم ان الاشياء المشار اليها كلها من هذا القبيل لعدم ثبوت دليل لها ومخالفتها لطريقة أهل العصمة (علیهم السلام) كما هو ظاهر من تتبع الطريقتين فانه يظهر بذلك غاية المباينة بينهما وهو واضح .

الثالث: ماتقرر وثبت بالادلة العقلية والنقلية من وجوب الاقتداء بالمعصومين (علیهم السلام) في جميع الاحكام الشرعية ووجوب الرجوع اليهم في الجميع وذلك يقتضی بطلان جميع مااشرنا اليه سابقا لظهور مباينته لطريقتهم بشهادة التتبع والفرق بين هذا وماقبله واضح ولاملازمة بينهما دائما فان ذاك يشمل الافعال دون التروك وهذا شامل للقسمين .

الرابع: مادل علی تحريم هذه النسبة وعدم جواز اظهارها واستشعارها وقد تقدم الاستدلال عليه في الباب الاول بما فيه كفاية ان شاء الله تعالی ويأتی مزيد تحقيق لذلك بتوفيق الله .

الخامس: مادل علی بطلان جميع مااختصوا به في الابواب والفصول مفصلا ان شاء الله تعالی ، وهذا الوجه دال علی بطلان التصوف علی وجه العموم باعتبار مجموع تلك الادلة وعلی المطالب الخاصة باعتبار كل نوع منها .

السادس: الآيات الشريفة القرآنية وهی أقسام كثيرة .

منها: ماتقدم في الباب الاول .

ص: 111

ومنها: مادل علی وجوب الحكم بما انزل الله وتحريم الحكم والعمل بغيره كقوله تعالی: «ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون»(1) «قل آلله أذن لكم أم علی الله تفترون»(2) .

ومنها : مادل علی وجوب اتباع النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وتحريم مخالفتهم وترك سنتهم كقوله تعالی:

{قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونی يحببكم الله }(3) { واطيعوا الله و رسوله ان كنتم مؤمنين }(4) {و ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (5){ واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولی الامر منكم }(6) { من يطع الرسول فقد اطاع الله }(7) {اتقوا الله و كونوا مع الصادقين}(8) {فاسئلوا اهل الذكران كنتم تعلمون}(9) { وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا}(10) {افمن يهدي الی الحق احق لن يتبع أم من لايهدي الا ان يهدی}(11) { ولو ردوه الی الرسول والی اولی الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }(12) { وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم}(13) الی غير ذلك من الاقسام والآيات .

ص: 112


1- - المائدة - 44 .
2- - يونس– 59 .
3- - آل عمران 31.
4- - الانفال 1.
5- - الحشر 7 .
6- - النساء 59 .
7- - النساء 8 .
8- - التوبة -11 .
9- - النحل 43 .
10- - الانبياء 73 .
11- - يونس 35 .
12- - النساء 83 .
13- - آل عمران 4 .

السابع: السنة الكريمة المطهرة والاحاديث الشريفة المتظاهرة عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والائمة(علیهم السلام) مما هو صريح في الاحتجاج علی الصوفية وذم طريقتهم و ابطالها ونسبتهم الی الرياء والابتداع وتحريم مااحل الله وتحليل ما حرم الله واظهار عداوته بل الحكم بكفرهم والامر بمجانبتهم وتحذير الشيعة من طريقتهم عموما وخصوصا تصريحا وتلويحاً ، ولنورد من هذا الفسم اثناعشر حديثا .

الاول: مارواه مولانا الاجل الاكمل ملا احمد الاردبيلي قدس الله روحه في كتاب حديقة الشيعة قال: نقل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه عن محمد بن الحسين بن ابی الخطاب انه قال : كنت مع الهادي علي بن محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في مسجد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فاتاه جماعة من أصحابه منهم ابو هاشم الجعفري وكان رجلا بليغا وكانت له منزلة عنده(علیه السلام) ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية وجلسوا في ناحية مستديراً وأخذوا بالتهليل فقال(علیه السلام) لاتلتفتوا الی هؤلاء الخداعين فانهم خلفاء الشيطان ومخربوا قواعد الدين يتزهدون لراحة الاجسام ويتهجدون لصيد الانعام يتجوعون عمراً حتی يديخوا للايكاف حمراً لايهللون الالغرور الناس ولايقللون الغذاء الالملاء العساس واختلاس قلوب الدفناس، يكلمون الناس باملائهم في الحب ويطرحونهم باذليلائهم(1) في الجب اورادهم الرقص والتصدية ، وأذكارهم الترنم والتغنية فلايتبعهم الاالسفاء ولايعتقدهم الاالحمقی(الحمقاء- خ) فمن ذهب الی زيارة احدهم حيا وميتاً فكانما ذهب الی زيارة الشيطان وعبادة الاوثان ومن أعان احداً منهم فكانما أعان يزيد ومعاوية وأباسفيان .

فقال له رجل من اصحابه و ان كان معترفاً بحقوقكم؟ قال فنظر اليه شبه المغضب وقال دع ذا عنك من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أما تدری انهم أخس طوايف الصوفية والصوفية كلهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا وان هم الانصاری أومجوس هذه الامة اولئك الذين يجهدون في اطفاء نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره كره الكافرون(2) .ولاباس بذكر تفسير هذه الالفاظ اللغوية قال صاحب القاموس وغيره : داخ: ذل والبلاد قهرها وذللها واستولی كدوخها وديخها، ودوخه: أذله .

ص: 113


1- - في المطبوع : باذلالهم .
2- - حديقة الشيعة ص 603 ط الاسلامية .

أكاف الحمار : ككتاب وغراب و وكافة برذعته والاكاف صانعه واكف الحمار تأكيفا شده عليه .

العساس : ككتاب : الاقداح العظام الواحد عس بالضم .

الدفناس : الاحمق الدني والبخيل ، والراعي : الكسلان ينام و يترك الابل وحدها ترعی .

اذلولا : انطلق في استخفاء وذل وانقاد وفلان انكسر قلبه .

اذا عرفت ذلك فنقول: لولم يرد عنهم (علیهم السلام) الاهذا الحديث الشريف المشتمل علی اللفظ البليغ والمعنی اللطيف في التحذير من التصوف وأهله والنص علی ضلال كل صوفي وجهله لكان وحده كافيا في بيان الحال وكشف تمويه أهل الضلال فانه قد أوضح فساد طريقتهم غاية التوضيح وصرح ببطلانها كما تری أوضح التصريح ونفي الفرق بين كونهم من العامة أو الشيعة في كون كل منهما علی الطريقة الذميمة الشنيعة ومباينتهم لهم (علیهم السلام) والحكم بكفرهم وخروجهم عن الاسلام وكل ذلك ظاهر واضح لاولي الافهام .

دفاع الحر العاملي عن نسبة كتاب حديقة الشيعة للمقدس الاردبيلي

واعلم- ان بعض الصوفية الآن ومن يميل الی طريقتهم ربما ينقصون قدر المولی الجليل ملااحمد الاردبيلي وهو اجل قدراً من ذلك وبعضهم ينكر نسبة هذا الكتاب اليه أعنی حديقة الشيعة وذلك باطل من وجوه:

الادلة علی صحة نسبة الكتاب اليه

أحدها: انها شهادة علی النفي فلا تقبل قطعاً لانه غير محصور وعدم علم النافي لايدل علی العدم .

وثانيها : كثرة نسخه وشهرته ونسبته الی مؤلفه دون غيره مع قرب العهد .

وثالثها : ان ذلك لانظير له اذلم يحصل الاختلاف في نسبة شيء من الكتب الی مؤلفها مع بعد الازمان فما الداعي الی وضع كتاب ونسبته الی مثل هذا العالم الصالح مع قرب العهد ؟!

ورابعها : انك لاتجد احد ينكره غير الصوفية ومن يميل اليهم وانكارهم محل تهمة لاتقبل .وخامسها : انه ليس فيه ماينكر بل يشتمل علی تحقيق وتدقيق لايليق بغير من نسب اليه .

ص: 114

وسادسها : ان الذي يدعون انه قرينة علی عدم صحة نسبته لايدل علی ذلك مع احتمال كونه زيادة من الصوفية الان في بعض النسخ لايهام الطعن فيه وذلك مواضع يسيرة جداً متميزة عن أسلوب الكتاب توجد في بعض النسخ دون بعض والله اعلم .

الثاني : ما رواه ايضا في كتاب المذكور باسناده عن الرضا(علیه السلام) انه قال لايقول احد بالتصوف الالخدعة أوضلالة أوحماقة(1) وأما من سمی نفسه صوفيا للتقية فلا اثم عليه(2) ورواه ايضا من طريق آخر .

ورواه الشيخ المفيد في كتاب الرد علی اصحاب الحلاج عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، عن ابيه ، عن سعد بن عبدالله عن احمد بن محمد بن عيسی عن الحسين بن سعيد انه قال سألت ابالحسن(علیه السلام) عن الصوفية فقال: لايقول بالتصوف احد الالخدعة او ضلالة او حماقة وربما استجمعها واحدمنهم .

أقول : وجه التقسيم ماقد عرفت ان التصوف وهذه الامور التي اختص بها اهله امور مخترعة مبتدعة وهی سنة اعداء الائمة (علیهم السلام) فمن انتسب اليها اما ان يكون من الرؤساء وهم القسم الاول، اومن الاتباع فاما أن يكون مغروراًباظهارهم للزهد والصلاح وهو الثاني أو لقصور اطلاعه وسوء فهمه وقناعته بالظواهر وهو الثالث أووجهه الاستقراء والتتبع وفي الحكم بهذا الحصر منه (علیه السلام) تصريح ببطلان طريقة الجميع وفي تجويز التسمية للنقية تصريح بذلك ايضا ودلالة واضحة علی عدم الجواز في غير وقت التقية حيث انها مشروطة بالضرورة وتتقدر بقدرها فلاتجوز في الاختيار ولازيادتها عن قدر الضرورة .

وقوله (علیه السلام) : لايقول الخ ، فعل مضارع منفي يفهم منه الدلالة علی النفي في الحال والاستقبال قطعا فدخل هذا الزمان ومابعده . وقدروی هذا الحديث ايضاً في كتاب حديقة الشيعةباسناد آخر مثله و زاد فيه بعد قوله: و اما من سمی نفسه صوفيا للتقية فلا اثم عليه وعلامته أن يكتفي بالتسمية ولايقول بشئ من عقايدهم الباطلة .

ص: 115


1- - في بعض النسخ: لخدعته اوضلالته او حماقته .
2- - ص 605 .

أقول: و في هذا زيادة مبالغة في المنع من التسمية المذكورة و تصريح ببطلان بعض عقايدهم او كله لان الباطلة صفة للعقايد فان كانت للتخصيص فهو الاول و ان كانت للتوضيح فهو الثاني ، ولايخفی ان التقية لاتوجب الموافقة في الاعتقاد لعدم اطلاع المخالف عليه و تحريم التقية اختياراً من غير ضرورة بل عدم صدقها و تحريم زيادتها علی قدر الضرورة ولذلك لم يذكر الاعمال لان الضرورة قد تدعو الی التقية باظهارها .

الثالث : مارواه ايضا في كتاب حديقة الشيعة عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي ومحمدبن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (علیه السلام) انه قال: من ذكر عنده الصوفية ولم ينكر هم بلسانه أو قلبه فليس منا ومن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدی رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(1) .

أقول : في هذا كما تری غاية التصريح بوجوب الانكار عليهم بحسب الامكان مضافا الی الادلة العامة علی وجوب انكار المنكر وفيه دلالة علی كفرهم للحكم عليهم بمشابهتهم للكفار بل يمكن كون المراد تشبيه الانكار عليهم بالجهاد للكفار مع الحكم بكفرهم لاتشبيههم بهم وعلی كلا التقديرين فالحكم بالكفر عليهم لازم .

الرابع : مارواه ايضا في الكتاب المذكور باسناده قال: قال رجل للصادق (علیه السلام) قد خرج(ظهر- خ) في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم؟ فقال (علیه السلام) : انهم اعداؤنا فمن مال اليهم فهو منهم ويحشر معهم وسيكون اقوام يدعون حبنا ويميلون اليهم و يتشبهون بهم ويلقبون انفسهم بلقبهم ويأولون اقوالهم الافمن مال اليهم فليس منا وانا منه براء ومن انكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(2) .أقول: في هذا تصريح كما تری بماذكرناه سابقا مراراً من ان الشيعة لم يكن احد منهم في زمن الائمة (علیهم السلام) صوفيا لمنعهم لهم ذلك وعدم رخصتهم فيه وهو صريح ايضاً في بطلان طريقة من يتجدد منهم وفي وجوب النهي عن اتباعهم ولم يزل هذا المعنی يرد عنهم (علیهم السلام) مكرراً وفي ذلك وامثاله غاية

ص: 116


1- - حديقة الشيعة ص 563 ط الاسلامية
2- - الحديقة ص 563 .

البالغة والتأكيد .

للبحث صلة

ص: 117

المسؤولية العقلية آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

هنالك شبهة يحرّك بها اعداء الاسلام الناس بان يكفروا بالاسلام و طالما استخدم الاستعمار و اذنابه هذه الشبهات لتحريك الناس ضد الاسلام و خلاصة الشبهة انه لماذا حكم الاسلام علی المرتد بالقتل فان الانسان اذا ما اعتقد بدين اخر لقناعته به و لم يعتقد بالاسلام فلماذا يحكم علی هذا الانسان بالقتل و قد تصاغ هذه الشبهة بعبارات مهيجة و محركة للعواطف و الاحاسيس تحريكاً للناس بالتمرد علی الدين و الكفر به.

و الجواب: ان حكم الاسلام بقتل المرتد الفطري انما هو لمن لم تكن لديه شبهة و الاّ فالشخص الذي لديه شبهة لا يقتل كما هو معلوم من قانون الحدود و التعزيرات في الاسلام بانه تدرءالحدود بالشبهات

و اما من لم تحصل له شبهة في البين فحكم الاسلام فيه بالنسبة للمرتد الفطري هو القتل و تحليل هذا الحكم من حيث الملاك الواقعي علمه عند الله جل و علا لكن نحن نفهم بعض الحِكَم و الاسرار و توضيح ذلك:

ان الانسان محكوم لمجموعة من القوانين العقلية و لا يستطيع ان يخالف تلك القوانين العقلية فالسارق مثلاً لا يستطيع ان يدعي انه من حقي ان اسرق اموال الناس و اغصبها فالعقل هنا يحمّله مسؤولية تبعات فعله بان يعامل معه معاملة المجرم و العقل هنا يحمّله مسؤولية ان لا يتجاوز علی حقوق الاخرين و هذا ما يرضخ و يذعن له كل انسان سواء كان مؤمنا ًبالدين ام لم يكن مؤمنا فالعقل يحكم و ينادي بان يعترف و يذعن للواقع و ان لا يتجرء علی الواقع و ان كان لا يعرف الواقع فالعقل يحمله مسؤولية معرفة الواقع و يحمله مسؤولية تبعات ما اذا خرج علی قوانين الواقع و بعد هذه المقدمة نقول

ص: 118

ان وجود الله جل و علا امر واقعي و ان له ديناً و شريعةً و الاسلام امر واقعي و انه امر ثابت و حق لكل من بحث و اراد الحقيقة خصوصاً اولئك الذين لا يخضعون للتعصبات الناشئة من اعتناقه او اعتناق و الديه لدين باطل كالمسلم و ابنائه فانهم لا توجد لديهم مؤثرات خارجية بحيث تكون مانعةً من اكتشاف الحق و معرفته فالدلائل علی وجوده تعالی واضحة مائةٌ بالمائة و لا يمكن لاحد ان تحصل لديه شبهة لا يمكن حلها بعد المراجعة والفحص والتحقيق.

نعم اذا كان مكابراً للحقيقة اوعدواً او حرّك من قبل الاعداء بالاموال فانه لواتيت له بالف دليل فهو مع ذلك لا يقنع اذاً كما يجوز عقلاً معاقبة من يسرق و يتجاوز علی اموال الناس و لا يحق له ان يقول اني من حقي ان افعل ما اريد كذلك يحق معاقبة من يرفض تحمل المسؤولية العقلية التي تنادي بلزوم الاعتقاد بالامور الواقعية و الحقة و ايضاً اذا جاز للانسان بان لا يذعن لما يحكم به العقل من حسن و قبح بان يقول لا اعتقد بان التجاوز علی حقوق الاخرين امر قبيح و انه جريمة اذاً فلازم هذا المنطق و لازم هذا الاعتقاد انه لا اشكال و لا مانع و لا قبح في قتل المرتد و اما اذا كان الخروج عن طاعة العقل امراً قبيحاً اذاً سوف يستحق العقوبة كل من يخرج عن الايمان بالله و ليس له شبهةٌ يعني بعد تبين الحق له من الباطل.هذا و لعل الاسلام يريد ان يقف امام هذه اللا ابالية و اللامسؤولية التي يرتاح اليها البشر و يريد من الناس التعقل و تحمل المسؤولية و التوجه نحو اعمار الدنيا و الاخرة فاذا كان من حق الدول محاربة المخدرات و معاقبة مراودها فاي مخدر اعظم من الكفر بالله جل و علا و الكفر بشريعته و الخروج عن القانون الذي يكون حاكماً علی ضمير الانسان و يضمن للبشرية امنها و امانها و سعادتها فهل يجوز بمنطق العقل و العقلاء ان يجعل اللاابالية و اللامسؤولية و التهتك و التجنن هو القانون الذي يحكم البشرية واذا ما ثبت ان الله مالك الملك رب العالمين افلا يحق للمالك بان يحكم في ملكه ما يشاء و يحكم علی من يطغی و يتمرد عليه بالحرمان من الحياة الدنيوية بحكم مالكيته و حاكميته.

هذا و لا يخفی ان الاستعمار و اذنابه يريدون بامثال هذه الشبهات محاربة الاسلام و تمزيق الامة الاسلامية فعلی المخلصين من ابناء الامة الاسلامية الوقوف امام هذه المؤمرات.

ص: 119

و ليس هذا الامر شيئاً جديداً بل هو من قديم الايام وقبل الحروب الصليبية و قد تقدمهم ابليس في ذلك بعد تمرده و كفره بالله جل و علاحيث اقسم ان يغوي البشرية. كما اخبر بذلك القرآن الكريم هذا وقد كتب بعض المحققين بعض اسرار وحكم العقوبات الشرعية ننقلها اليك ايها القارئ الكريم اتماماً للفائدة حيث قال:

في أنواع العقوبات الشرعيّة والفرق بينها وبين العقوبات الوضعيّة

تتعلق أكثر العقوبات الشرعية على الجنايات: من القتل وقطع اليد والرجل وغيرها؛ ببدن الجاني بأن يُقتل أو تُقطع يده أو رجله أو يُجلد بالسياط أو غير ذلك. وقد يتعلق بماله، بأن يُغرّم للمجني عليه إذا لم يكن سبيل الى العقوبة البدنيّة.

والحبس في العقوبات الشرعيّة قليل جداً؛ وسبب ذلك هو أن الغرض من العقوبة ليس انتقاماً للمجني عليه من الجاني، بل هو منع تكرر وقوع الجنايات من جهة، ودرء الفساد واجتذاذه من أصله، وقلّة الزيادة من المحافظين والمراقبين، كي لا يزداد البطّالون وتثقل الضريبة على دافعيها وتختل الشؤون الاقتصادية خللاً يؤدي الى الفقر العام والإخلال بالنظام.

وقد لاحظ الشارع المقدّس - بحكمته - هذه الأمور فأوجد قوانين تصدّ - بطبيعتها وهيبتها - عن ارتكاب أدنى جريمة، وتجعل الناس يرقب بعضهم بعضاً، حتى لا يُحتاج الى شرطي أو خفير، ويأمن كل أحد على نفسه وعِرضه وماله، فهي تجتذ الجرائم بحيث تجعل وقوعها نادراً كالمستحيل .فمن أيقن أنه إذا قَتَل قُتِل، وإذا سرق قُطعت يده، وإذا قطَع الطريق حُرم من الحياة، وإذا تجاوز على عرض (كالزنا بالاكراه) غيره ذاق الموت وهكذا، يستحيل أن يرتكب هذه الجرائم أو يندر وقوعها منه، ولا يحتاج الى كثرة المراقبين والمحافظين من رجال الأمن وغيرهم .

وليس كذلك العقوبات الوضعيّة، فإنها تشوّق الى ارتكاب الجرائم والزيادة منها، وتضطر الى التكثير من المراقبين ورجال الأمن، وتثقل كاهل دافع الضريبة لكثرة من يعيش على حسابه من البطّالين الذين يسمّونهم رجال الأمن - وقد يبلغون نصف مجموع العاملين - مع ذلك لا يستطيعون منع وقوع الجرائم ،بل تزداد يوماً فيوماً بسبب الأمن من عقوبتها حتى ينتهي الأمر الى الخلل التام في النظام والإضطراب العام بحيث لا يأمن أحد على نفسه وأهله وماله وعِرضه . وهذا هو النهاية في نكد العيش.

ص: 120

وقد تُرمى العقوبات الشرعيّة بأنها سلب للحرية الشخصيّة وضغط على الإنسان - وكما يقولون عادات وحشيّة - وهذا الزعم خالٍ عن التفكير الصحيح عارٍ عن رعاية المصلحة للبشر، فإذا فرضنا أن الإنسان يجب أن يكون حراً في كل مايشتهي ويريد، فقد سلبنا حرية جميع أفراد البشر، لأن كل إنسان يشتهي ما في يد غيره؛ من مالٍ وزوجة وولد ودار، فإذا أبحنا له سلبنا غيره منه وحرمناه من حريّته، بل أطلقنا الحرية لإنسان حتى يُباح له أن يرتكب ما يضرّه سلبناه حريّة نفسه لورود الضرر عليه .

مثال ذلك: أنّا لو أبحنا لإنسان أن يأكل كل ما وجد، ويشرب كل ما شاء من الخمر، ويطأ كل ما اشتهى من إنسان أو بهيمة، قتلناه بالتُخمة وأمراض الخمر والعوارض الزُهرية، وقطعنا نسله وسلبناه حريّة نفسه . مضافاً الى سلب حريّة إخوانه، وهذا معنى ما ورد في الأحاديث “رُبَّ أكلةٍ منعَت أكلات” ومعنى ما جاء في الشهوات من قوله عليه السلام: “ذهبَت لذّاتُها وبقيَت تَبِعاتها” .

فالتشديد في عقوبة الجرائم إنما هو جارٍ في مصالح الإنسان، وحافظ لحريّته الشخصيّة والنوعيّة، ودافع للإضطراب؛ في المجموع والأفراد، وموجب للراحة والأمن، وخفض العيش.

ولاتقوم المدنيّة الصحيحة العادلة، والإقتصاد المرفّه، والسعادة في الحياة الدنيويّة إلا به.

وتخفيف العقوبات جريمة لاتُغتفر على جميع أفراد البشر، ووحشيّة ضارية؛ وإن قلّ مَن بها شعر. ولنذكر مسألة من تلك العقوبات؛ كي تُقاس عليها سائر المسائل:عاب الحقوقيون على الشرع الإسلامي؛ الحكم بقطع يد السارق، وسخروا منه حتى أنهم جعلوه مثلاً للهمجيّة في قوانين العقوبات - كما يقولون- وعدّوه ظلماً، واكتفوا بحبس السارق. فلننظر ماذا في الشرع، وماذا في قوانين الجبت والطاغوت.

قانون الشرع

الشرع حكم بقطع يد السارق واسترداد ماسرق؛ فهابه السرّاق، ومن ذا يسمح بيده لمال يغرمه فلا يستفيد منه وتُقطع من أجله يده؟ فامتنعوا عن السرقة؛ فلم تُقطع يد أحد.

ص: 121

واستغنت الحكومة عن الإكثار من الشرطة والمراقبين؛ لحفظ الأموال، وخفّت ميزانيتها، وبقي القانون حافظاً للأموال، وللسرّاق أنفسهم؛ وإن لم يُنفّذ. فهيبة القانون في هذه الحكومة أكبر قوّة تُرهب كلّ طامع في مال غيره، وتورد عليه أكبر إهانة تبقى مدّة حياته.

هب أن رجلاً قُطعت يده - نادراً - أفلا يَعدل هذا الضرر مايجلبه من المصلحة العامّة؛ في الأمن والإقتصاد وحفظ الحريّة؟.

قانون الوضع

الغافلون عن المصلحة، الجاهلون بحقائق الأمور، الذين لايعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا؛ حكموا بحبس السارق، وماذا من وراء ذلك؟ منحوه جائزة على عمله؛ بأن هيّأوا له مسكناً وطعاماً، وأضافوا الى ماسرقه من المال، مالاً آخر، إذ صرفوا لمسكنه ومأكله وملبسه من أموال الناس ما اُخذ منهم؛ باسم الضريبة بغير حقّ - إذ لاحاجة فيه - وعاد السارق مطمئناً إذا سرق مرّة اُخرى؛ إنه سيجد مسكناً ومأكلاً وملبساً جزاء سرقته، فيعود الى تكرار الجناية متى انتهت مدّة حبسه. وتشوّق غيره من المعوزين الى ارتكاب مثل الجناية؛ ليجدوا ما وجده من المأكل والملبس والمسكن.

فالسارق إن لم يُقبض عليه؛ ربح المال، وإن قُبض عليه؛ ربح المال، فهو رابح على كل حال، فلِم لايسرق؟.

ولقد مررت بشرطي وسمعته يتكلّم مع صاحبه وهو يقول: قرُب فصل الشتاء وسنجد مالاً غير راتبنا - وهو يبتسم - فاستوقفته وسألته عن سبب قوله فأبى، فلما عرفني واطمأن أني لا اُذيع سرّه، قال: إنكثيراً من المعوزين والمتسوّلين؛ يمدّون كفّ السؤال في الصيف ويجمعون قليلاً من المال لايكفي لإعاشتهم في الشتاء نظراً لشدّة البرد والحاجة الى الوقود والتدفئة. فإذا قرُب فصل الشتاء؛ يقصد كلّ واحد منهم شرطيّاً فيعطيه كلّ ماجمعه في الصيف؛ ليسوقه الى إدارة الشرطة بتهمة أنه شاهده يكسر قفل دكّان، أو يفتح باباً مغلقة بقصد السرقة، فيعترف المتهم بذلك، فيحكمه الحاكم بالحبس؛ ثلاثة أو أربعة أشهر - المدّة المقررة في القانون؛ لمن باشر بالسرقة ولم يسرق - فيُلقى في السجن.

ص: 122

وهناك يجد؛ مسكناً دافئاً يتوفر فيه الوقود والطعام، وفيه حمام يرتاده متى أراد. فإذا انقضى الشتاء تنتهي مدّة حبسه؛ فيخرج سالماً غانماً (هذا قول الشرطي). ولاشك إن مثل هذا الحبس لايُخيف سارقاً ولاينهاه عن السرقة.

ولقد رأيت بعضاً ممن انتهت مدّة حبسه، فارتكب جرماً لا لباعث إليه إلا الحبس؛ لأنه كان يتّجر فيه بجلب لوازم الأكل والشرب والراحة من خارج ويبيعها بأغلى القيم على المحبوسين، وبعض مَن هذا شأنه وجد ثروة في المحبس.

فهذا السجن ليس عقوبة، وإنما هو رحمة للمسجونين، ولايمنع السرقة بل يُشوق إليها، فتزداد السرقات والسرّاق، ويضطرب حبل الأمن، وتزيد مصارف السجون، وتضطر الحكومة الى الزيادة من الشرطة والمراقبين، وتصرف لذلك المال الكثير.

والشرطة إذا كانوا مأمونين من العقاب المهين؛ لامانع لهم أن يُشاركوا السرّاق في سرقاتهم، فتضطر الحكومة الى زيادة المفتشين، ولهذه الأسباب تزيد مصارف الدولة وتضطر الى زيادة الضرائب. وهذا مما يوجب الفقر، والفقر من أشد البواعث على السرقة، فتزداد السرقات ويزداد المراقبون والحرّاس، ويكثر الإضطراب. وهكذا حتى تستنزف ثروة الناس، وتختل أمور الإقتصاد وتبقى الجنايات والخلل في الإقتصاديّات في ازدياد مستمر حتى تفنى الأمّة.

وكلّ هذه المفاسد ترتفع بالحكم بقطع يد السارق - فلا تُقطع - ولو قُطعت نادراً، فليس هذا الضرر الفردي بشي ء يُحسب في قبال تلك الأضرار؛ الفرديّة والإجتماعيّة المبيدة المهلكة.والفرق بين العقوبات الشرعيّة والعقوبات الوضعيّة في جميع الموارد؛ نظير الفرق في أحكام السرقة في القوانين، وهذا هو الذي أدّى الى اطمئنان أرباب الشهوات وأولي الأهواء الى ارتكاب الجنايات حتى لم يبق على وجه الأرض مَن هو سالم منها أو من شرّها. سأم الحياة كلّ إنسان؛ لما يُشاهده من كثرة الجنايات التي لارادع لها من خوف عقاب في الدنيا، أوعذاب أليم في الآخرة. مما سبب اضطراباً عامّاً في العالم لم يُشهد نظيره في القرون الخالية وأوحش الاُمم.

ص: 123

وبسبب تقارب البلدان وتطور المجتمع الإنساني؛ بحيث صارت كلّ حادثة تؤثر على جميع أهل العالم في لحظة؛ يستحيل أن يرى الإنسان عدالة إجتماعيّة أو فرديّة أو رغد عيش أو صلاحاً؛ مالم يُطبّق قوانين العقوبات الشرعيّة الصارمة القاطعة لأصل الفساد.

فمن حكمه الشرع بالقتل؛ لايصلح أن يكون عضواً في المجتمع الإنساني مع هذه المخترعات والمكتشفات، فليخرج منه وليطهُر المجتمع من دنسه بقتله. ومن حكَمه الشرع بالقطع أو الجَلد؛ لايصلُح ولايُؤمن فساده إلا بإجراء ذلك القانون في حقّه، وهكذا.

والشرع جعل الناس رُقباء بعضهم على بعض في إجراء الأحكام والقوانين حتى الزوجة في خلوتها مع زوجها، والولد في بيت أبيه؛ بما سَنَّه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحمّل الشهادة على الجاني وأدائها عند الحاكم. وبعد ذلك حَكم بقتل بعض الجانين أو قطع أيديهم أو جلدهم بالسياط؛ على اختلاف مراتب الجناية.

وبغير ذلك يستحيل أن يصلح العالم، وكلما تقدّم في الصنايع والمخترعات؛ صارت حاجته الى هذه القوانين الصارمة أشد، فهي التي لايحيی البشر بدونها الى يوم القيامة.

ص: 124

موقف أصحاب الأئمة (عليهم السلام) تجاه الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في هذه الحلقة الثالثة:

8-الشيخ المفيد (رحمةالله)

قال (رحمةالله):«إنّ ما يتولّد بالطّبع فإنّما هو لمسبّبه بالفعل في المطبوع ، و إنّه لافعل علی الحقيقة لشئ من الطّباع ، وهذا مذهب أبي القاسم الكعبي وهو خلاف مذهب المعتزلة في الطّباع، وخلاف الفلاسفة الملحدين أيضاً فيما ذهبوا إليه من أفعال الطّباع»(1).

وقال بعد ذكر قصّه صاحب الحمار الّذي أحياه الله بعد مائة عام :

ص: 125


1- - أوائل المقالات ، الشّيخ المفيد:101.

«وهذا منصوص في القرآن مشروح في الذكّر والبيان لا يختلف فيه المسلمون وأهل الكتاب ، وهو خارج عن عادتنا وبعيد من تعارفنا ، منكر عند الملحدين ومستحيل علی مذهب الدّهريّين والمنجّمين و أصحاب الطّبائع من اليونانيّين وغيرهم من المدّعين للفلسفة والمتطبّبين » (1).

ومن جملة كتبه : كتاب «جوابات الفيلسوف في الإتّحاد »، وكتاب «الردّ علی أصحاب الحلّاج» .

وقد تصدّی لنقد شبهات الفلاسفة في ساير كتبه أيضاً نظير ما جاء في المسألة السّابعة عشرة من المسائل العكبريّة (2).

و قال (رحمةالله)- في الرّدّ علی القول بالحال-

«فكره أن يثبت الحال شيئا فتكون موجودة أو معدومة، ومتی كانت موجودةلزمه – علی أصله وأصولنا جميعا- أنّها لاتخلو من القدم والحدوث ، وليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم فيخرج بذلك عن التّوحيد ويصير به أسوء حالا من أصحاب الصّفات .

وساق الكلام إلی أن قال: ... ومن دان بالهيولی وقدم الطبيعة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر . ولاعذر للجميع فيما ارتكبوه من الضّلال لأنّهم يقولون : إنّ الهيولی هو أصل العالم ، وإنّه لم يزل قديما، وإنّ الله تعالی هو محدث له كما يحدث الصائغ من السّبيكة خاتما والنّاسج من الغزل ثوبا والنجّار من الشجرة لوحا»(3) .9- الشّيخ أبوالفتح الكراجي (رحمةالله)

قال الكراجي- تلميذ السّيد المرتضی- في كتاب كنز الفوائد:

«اعلم- أيّدك الله- إنّ من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث ومحدثها ويقولون: إنّه لا أوّل لوجودها ولاابتداء لها، و يزعمون: أنّ الله سبحانه لم يزل يفعل ولايزال كذلك، وإنّ أفعاله لاأوّل لها ولاآخر ، فقد خالفونا في قولهم : إنّ الأفعال لا أوّل لها.. إذ كنّا نعتقد إنّ الله تعالی ابتدأها وإنّه موجود قبلها ...

ص: 126


1- - الفصول العشرة، الشّيخ المفيد:87 .
2- - المسائل العكبريّة، الشيخ المفيد: 65-66 .
3- - الحكايات في مفاد القول بالحال : 55 المجلد العاشر من مصنّفات الشّيخ المفيد .

اعلم إنّ الملاحدة لمّا لم تجد حيلة تدفع بها تقدبم الصّانع علی الصّنعة، قالت: إنّه متقدّم عليها تقدّم رتبة لاتقدّم زمان»(1) .

10- الشيخ محمّد عليّ بن بابوية الصّدوق أعلی الله مقامه

صاحب كتاب التوحيد الراد به علی معتقدات الفلاسفةو افكارهم و صاحب كتاب كمال الدين و تمام النعمة و قد قال في سبب تأليفه هذا الكتاب:

«فبينا هو يحدّثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخاری من كبار الفلاسفة والمنطقيّين كلاما في القائم (علیهم السلام) قد حيّره و شكّكه في أمره لطول غيبته و انقطاع اخباره فذكرت له فصولاً في اثبات كونه عليه السلام و رويت له اخباراً في غيبته عن النّبيّ والأئمّة (علیهم السلام) سكنت إليها نفسه ، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشّك والارتياب والشّبهة، وتلقّی ما سمعه من الآثار الصّحيحة بالسّمع والطّاعة والقبول والتّسليم، وسألني أن أُصنّف في ذلك كتاباً فأجبته إلی ملتمسه»(2) .

11- قطب الدّين أبو الحسين سعيد بن عبدالله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن الرّاوندي

قال (رحمةالله):

«بسم الله الرّحمن الرّحيم أمّا بعد حمد الله الذّي هدانا إلی منهاج الدّليل والصّلاة علی محمّد و آله الّذين سلكوا بنا سواء السّبيل، فإنّ قوماً من الّذين أقرّوا بظاهرهم بالنّبوّات ، جحدوا في الإمامة كونالمعجزات ، فضاهوا الفلاسفة والبراهمة الجاحدين في النّبوّة الأعلام الباهرات فدعواهم جميعا باطلة فاضحة، إذ الأدلّة علی صحّة جميع ذلك واضحة»(3) .

وقال أيضاً:

«فصل واعلم أن الفلاسفة أخذوا أصول الاسلام ثمّ أخرجوها علی رأيهم ، فقالوا في الشّرع والنّبيّ: إنّما أُريد اكلاهما لإصلاح الدّنيا .فالأنبياء يرشدون العوامّ لإصلاح دنياهم ، والشّرعيّات تهذّب أخلاقهم ، لا أنّ الشّرع والدّين كما يقول المسلمون ، من أنّ النّبيّ يراد لتعريف مصالح الدّين تفصيلا

ص: 127


1- -كنز الفوائد:1/33-41 .
2- - كمال الدّين وتمام النّعمة، الشّيخ الصّدوق: 3 .
3- - الخرائج والجرائح، قطب الدّين الرّاوندي:1/17 .

وإنّ الشّرعيّات ألطاف في التّكليف العقليّ. فهم يوافقون المسلمين في الظاّهر ، وإلّا فكلّ ما يذهبون إليه هدم للاسلام وإطفاء لنور شرعه {وَيَأبَی اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَو كَرِهَ الكَافِرُونَ}(1) .

وقال أيضاً:

«من الفلاسفة من يقول لمجاملة أهل الاسلام : إنّ الطّريق إلی معرفة صدق المدّعي للنّبوّة هو أن يعلم أنّ ما أتی به مطابق لما يصلحون به في دنياهم، ولأغراضهم»(2) .

وقد ذكر من جملة مؤلّفاته كتاب:«تهافت الفلاسفة»(3)

12- السيّد عزّالدّين أبوالمكارم حمزة بن عليّ بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ (رحمةالله)

قال الشّيخ الحرّ العاملي(رحمةالله) :

«فاضل عالم ثقة جليل القدر، له مصّنفات كثيرة منها: ... ونقض شُبَه الفلاسفة، ومسألة في الرّدّ علی من زعم أنّ الوجوب والقبح لايعلمان إلّا سمعا، ومسألة في الرّدّ علی من قال في الدّين بالقياس»(4) .13- الشّيخ أبي القاسم عليّ بن عليّ بن جمال الدّين محمّد بن طيّ العامليّ

فقد قال (رحمةالله) في كتاب الزّكاة:

«يجوز لطالب العلم المباح واللّغة والنّحو أن يأخذ من الزّكاة والخمس، وإن كان قادرا علی التّكسّب ، دون العلم المحرّم كالفلسفة وغيره »(5).

للبحث صلة

ص: 128


1- - الخرائج والجرائح، قطب الدّين الرّاوندي:3/1061.
2- - الخرائج والجرائح، قطب الدّين الرّاوندي:3/1054.
3- - فهرست منتجب الدّين:67/167.
4- أمل الآمل، الحرّ العاملي:2/105/293، والذّريعة، آقا بزرگ الطّهراني:24/278/1479،وأعيان الشّيعة6/250 .
5- - الينابيع الفقهيّة، علي أصغر مرواريد:29 /388.

ابن عربي عارف أم ملحد؟ علاء فيصل

المقدمة

يری المتأمل في أحوال المسلمين و ما آل إليه أمرهم الی يومنا هذا، أنهم و منذ الأيام الأولی لبعثة الرسول الأعظم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كانوا منقسمين الی تيارين رئيسيين:

التيار المؤمن برسالة النبي محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و المسلِّم بما أوصی به النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالتمسك بكتاب الله و عترته أهل بيته(علیهم السلام).و في المقابل كانوا من جعلوا مرجعيتهم الدينية و الفكرية و العقائدية خارج دائرة الرسول و أهل بيته(علیهم السلام) و جعلوا من عدم التسليم بوصية النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) منذ يوم «الإنذار»، في التمسك بأهل بيته(علیهم السلام)، الركيزة الأساسية لتوجهاتهم السياسية و مواقفهم الدينية بما فيها من عقيدة و شريعة و لذلك قال تعالی(فلا و ربك لا يؤمنون حتی يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت

ص: 129

و يسلموا تسليماً)(1) و أنكروا علی النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نصبه للإمام علي عليه الصلاة و السلام و إتهموه بمحاباته! ثم إتهموه في آخر يوم من حياته بأنه يهجر.

و هذه «البدعة التي إبتدعوها» كانت مباشرة بعد إستشهاد نبيهم بل و في حياته.

لكن التيار الأخير و إن أوحی في بداية ظهوره أنه لن يختلف جذرياً و في أساس عقائده عن التيار الأول، إذ كان يصرح و لو ظاهرياً بأصول الدين و يصدقها، لكن سرعان ماسقطت ورقة التوت و إنكشف الأمر فظهرت البدع في الدين و وقع الخلاف و الإختلاف بين الأمة و في شتی المجالات، عقيدة و شريعة. فانقسمت الأمة الی فرق و تحققت نبوؤة الرسول الأعظم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

لكن عند التدقيق في التيار الثاني و مسيرته الدينية نری أنه مع مرور الأيام و العصور و مع الإبتعاد الزمني عن الحقبة الزمنية المسماة بصدر الإسلام، نجد أن يوماً بعد يوم إشتد الخلاف و الإختلاف و اتسعت دائرته و عصفت الفتن بالأمة و بدأت تأخذ أبعاداً خطيرة مما كان لها تداعيات دينية و سياسية و إجتماعية أدت الی ما عليه حال الأمة اليوم من شتات و خلاف و إنحراف و تخلف!

لكن لماذا؟

الإجابة علی هذا السؤال عند التيار الأول و المنتمين إليه واضح و صريح لا يعتريه ريب حيث أننا و عند الرجوع الی روايات أهل البيت(علیهم السلام) نجد أنهم تنبؤوا بذلك، فقد روی محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر(علیه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين(علیه السلام) الناس فقال: «أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن، أهواء تتبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولی فيها رجال رجالا، فلوأن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف علی المرتادين، و لو أن الحق خلص من لبسالباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين و لكن يؤخذ من هذا ضغث فيمزجان فهناك يستولي الشيطان علی اوليائه و ينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنی».(2)

ص: 130


1- - سورة الاحزاب:الآية 56.
2- - الكليني : الكافي:54/1-55ح،3،4،1،2،باب البدع.

نعم البدعة و المبتدعون في الدين و ائمة الضلال بداية من السقيفة و وصولاً الی اليوم، هم من فرقوا الامة و تسببوا في تشتتها الديني و الاجتماعي و السياسي و في النهاية تخلفها.

و من المؤسف حقاً أن نری أن الأمة و بسبب عدم تسليم أمورها للمعصوم عرضت دينها قبل دنياها لعواصف الفتن و سلمت زمام عقيدتها و شريعتها لمن ليس أهلاً لذلك فهدم دينها و عقيدتها كما هدم دنياها في ما بعد!

فاصحاب البدع و بعد ما فرقوا الأمة الی مذاهب فقهية لا تمت بأدنی صلة الی المباني التشريعية المصرحة في السنة النبوية و بعد أن هدموا أسس الشريعة الصحيحة التي لابد و أن تأخذ من المعصوم سلام الله عليه، جاؤوا الی الإبتداع في مجال العقيدة و أركان العقيدة الإسلامية.

فبدأ التلاعب بعقائد المسلمين بدأ بالنبوة و الإمامة و مروراً بالمعاد و وصولاً الی التوحيد، الذي كان شعار الإسلام الأساسي بقول النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «قولوا لا اله إلا الله تفلحوا».

فتارة إستوردوا الفلسفة الإغريقية المبنية علی الوثنية أو الإلحاد، فابتدعوا الأباطيل في التوحيدو النبوة و المعاد و غيرها و التي لا تستند الی أي قاعدة دينية أو عقلية!

و أخری إستوردوا الصوفية من الهند و الشرق و التي كانت تشكل الإعتقادات الخرافية كالحلول و الإتحاد، المعارضة للنصوص الدينية بل المتناقضة معها ، و مع أهم معالمها!

و ذلك كله إتباع لأهواء حكام الجور و بتلميح منهم، إسترضاءاً لغاية واضحة لأولئك الحكام، ألا وهي مواجهة من أبعدوهم قسراً عن أمور دينهم و دنياهم، و هم أهل البيت سلام الله عليهم و ثالثة (إبتدعوا) العرفان الذي تجد فيه كل شيء إلا «المعرفة».

من هنا و عند البحث و التدقيق في أمهات كتب الحديث نری الكم الهائل من الأحاديث و الروايات التي تتناول موضوع البدع و تحذر الأمة من الوقوع في شراك المبتدعين حيث نجد:رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول:«من أتی ذا بدعة فعظمه فإنما يسعی في هدم الإسلام».(1)

و أيضا عن رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «أبی الله لصاحب البدعة بالتوبة» قيل : يا رسول الله كيف ذلك؟

قال: «إنه قد أشرب في قلبه حبها».(2)

ص: 131


1- - الكليني : الكافي: 1/54-55ح،3،4،1،2،باب البدع.
2- - الكليني : الكافي: 1/54-55ح،3،4،1،2،باب البدع.

و روی الحسن بن محبوب مرفوعاً الی أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: « إن من أبغض الخلق الی الله عزوجل لرجلين: رجل و كله الله الی نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم و الصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدی من كان قبله ، مضل لمن اقتدی به في حياته و بعد موته، حمال خطايا غيره ، رهن بخطيئته».(1)

و روی عمر بن يزيد عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال:«لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم قال رسول الله : المرء علی دين خليله و قرينه».(2)

و روی داود بن سرحان عن الإمام الصادق(علیه السلام) قال: «قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيع...».(3)

قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «ما اختلف دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة».(4)و قال (علیه السلام): «ما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة فاتقوا البدع و ألزموا المهيع إن عوازم الأمور أفضلها و إن محدثاتها شرارها».(5)

قال الإمام الصادق (علیه السلام):«من تبسم في وجه مبتدع فقد أعان علی هدم دينه».(6)

و قال (علیه السلام): «من مشی الی صاحب بدعة فوقره فقد مشی في هدم الإسلام».(7)

ص: 132


1- - الكليني: الكافي: 1/54- 55ح6
2- - الكليني : الكافي:2/375
3- - الكليني : الكافي:2/375
4- - المجلسي: البحار:2/264ح14و15، ولا حظ أيضا:36/288-289
5- - المجلسي: البحار:2/264ح14و15، ولا حظ أيضا:36/288-289
6- - 8/23 الطبعة القديمة المجلسي:البحار
7- - المجلسي: البحار:2/304ح45

لكن لماذا كل هذا التحذير؟

و ربما يتساءل جاهل أو غافل أو متغافل أليس بالامكان مدارة هؤلاء المبدعين في الدين و ذلك في مواجهة العدو الاكبر ألا و هم الكفار المحاربين علی حسب تعبيرهم؟

الإجابة لهؤلاء ربما يمكن تلخيصها بأن هؤلاء المبدعين ربما يكونون أشد خطورة علی الإسلام و المسلمين من اولئك الكفار الواضحين و الصريحين في مواقفهم، لأن هؤلاء المبتدعين يحاربون الاسلام و اركانه الاساسية متلبسين بزي الاسلام و يغزون المسلمين في عقر دارهم عقيدة و شريعة، ديناً و دنيا و كثيراً من الاحيان تراهم يُعظمون و يُبجلون(!!) الی أبعد الحدود و تحاط بهم هالة من التقديس بل يحاولون ايهام الناس انهم في مقام الانبياء و من دون الاستناد الی اي دليل علمي او عقلي انما هي مجرد ادعاءات بل و كرامات مختلقة! غير ان المدقق يری ان ايادي إعلامية خفية و بدعم غير مباشر من الحكام كانت و ما زالت تروج لمثل هؤلاء إعلامياً، فتارة يسمی هذا المبتدع في الدين ب- «عين القضاة» و ذلك الملحد المعتقد بوحدة الوجود و الموجود ب- «محي الدين» و « العارف الكامل» و غيره ب- «العارف الرباني» و «الفيلسوف الكبير» و «صدر المتألهين» و...

لكن أين العلماء أو من له أقل غيرة دينية من كل ذلك؟ما هو واجبهم الشرعي في مثل هذا الموقف؟

في الحديث عن الصادقين (علیهم السلام) أنهم قالوا: إذا ظهرت البدع فعلی العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل سلب نور الايمان.(1)

و في حديث آخر روی الكليني رضوان الله عليه عن محمد بن جمهور رفعه قال: رسول الله: «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله».(2)

من أهم الاسس العقائدية التي تمتاز بها العقيدة الاسلامية من غيرها من الاديان و المعتقدات وضوحاً و صراحة، هي عقيدة التوحيد و إعتقاد المسلمين في الله تعالی وصفاته.

ص: 133


1- - عيون اخبار الرضا – الشيخ الصدوق – ج2- ص103
2- - الكليني : الكافي: 1/54-55ح،3،4،1،2،باب البدع.

لم تبق عقيدة التوحيد بمنأی عن هجوم أصحاب البدعة و الضلال، فتعرضت للهجوم، تارة من الموسومين بالفلاسفة و تارة مِن مَن أسموهم بالعرفاء!

فاتسعت دائرة البدعة و الضلالة شيئاً بعد شيء حتی شملت الغاية الاسمی لرسالة النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ألا وهي التوحيد.

فقولبت تعاليم الوثنية و الالحاد و الصوفية الهندية و الصينية بالفاظ ظاهرها الاسلام و باطنها الكفر و الالحاد و تم التنظير لها عبر الفاظ اسلامية حقة لكن ارادوا بها باطلاً و هموا بتنظيرها عبر شخصيات لامعة او بالاحری ملمعة في ما وصفه بسماء العلم او العرفان(!!)

و من اهم هذه النظريات نظرية «وحدة الوجود بل الموجود» و من أهم هؤلاء المنظرين هو الموسوم ب- » محي الدين ابن عربي».

لكن ما اتی به ابن عربي من بدع وضلال لم تنحصر في هذه النظرية الشيطانية فحسب بل توسعت و اتسعت حتی أخذت منحی الطعن بشخصية الرسول الأعظم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بل شملت مجالات أخری في العقيدة منها العدل و المعاد!!و هذا ما جعلناه محوراً لكتابنا الذي بين يدي القارئ الكريم و ذلك إمتثالاً لامر أئمتنا الهداة بوجوب فضح أهل البدع و الضلال.

و الكتاب من ناحية المحتوی لا يستند إلا الی أقوال و تصريحات إبن عربي دون أي تصرف أو تغيير و حتی التعليق- علی قلّته- لم نورده إلا من باب التوضيح و ليس التفسير أو التاويل، فإبن عربي في تقديمه لما يعتقده من أطروحات إلحادية أصرح من أن يحتاج الی تفسير أو تأويل، و ذلك ما سيتضح للقارئ الكريم من خلال قرائة الكتاب بإذن الله تعالی.

واليك ايها القارئ الكريم محتويات هذا الكتاب:

1- عقائده في الله تعالی(التجسيم الإسرائيل في عقيدة إبن عربی!!، الله جسم و هو يراه!!، إله إبن عربي يهرول!!، نزول الله إلی سماء الدنيا!!، يمكن رؤية الله في الآخرة حسب عقيدة إبن عربي!!، تصريحاته بوحدة الوجود و أن كل شيء هو الله تعالی!!، يدافع عن فرعون و يعتبره عين الله تعالی!!، و يقول العجل إله فلنتنبه لذلك و نتعلم!!، الحكمة ليست من صفات الله تعالی!!)

ص: 134

2- عقائده في الأنبياء ( يدعي أن الملائكة افضل من رسول الله ّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!، النبي الأعظم لبنة في حائط وإبن عربي لبنتان!!، يدعي النبوة العامة للاولياء!!، كرامات العرفاء لاتقل عن معجزات الأنبياء!!، و يدعي خلق النبي آدم(علیه السلام) من تراب و طؤه إبليس!!، و يساوي بين آدم و إبليس!!، النبي إبراهيم يكذب ثلاث مرّات!!،إبراهيم(علیه السلام) أفضل من محمد ّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!، عيسی (علیه السلام) هو ختم الولاية العامة و ليس محمد ّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!)

3- عقائده في العدل ( ينسب لله تعالی معاقبة البريء!!، و يصرح بالجبر... بل يصرح بأن الله موجد للمعصية!!، تكليف مالا يطاق جائز عقلاً!!)

4- عقائده في المعاد وشؤون الآخرة (لا خلود في النار، بل فيها النعيم!!، المشرك موحد و منعم في الجنة!!)

5- احكام تناقض العقل السليم ( يعتبر المسارعة للمعصية فضيلة!!، الكفر هو سر الإسلام!!، التحسين و التقبيح شرعيان!!، نعيم«من لم يعمل خيراً قط»!!، العاصي مأجور!!)

6- مواقفه من اتباع اهل البيت(علیهم السلام) (بايع الجزر يری الرافضي بصورة كلب!!، مصدر مجهول يری الرافضي بصورة خنزير و يعتبر إبن عربی ذلك حجة!!، العاقل العادل عند إبن عربي هو من يری الروافض بصورة كلاب!!)

7-تصريحات و تلميحات بأنه نبي إو بمنزلته أو أعظم منه (دعواه كونه شريكاً للنبي في الحكم!!، يدعي أنه فوق الأنبياء!!، يدعي أنه أسري به إلی السماء تسع مرات!!، يدعي أنه يحمل بين كتفيه العلامة الدالة علی أنه خاتم الولاية!!، يدعي أنه ركن العالم!!، يدعي أنه من الأوتاد و له ركن الحجر الأسود!!، يدعي أنه يتلقی معارفه من الروح الأمين!!، يدعي أنه يؤلف الفتوحات المكية بأمر ربه!!، ويدعي أن تأليف فصوص الحكم بأمر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!، دعواه الوحي و الكتاب الذي انزل عليه!!)

8- إبن عربي والدفاع عن أئمة الضلال ( البدع التي شرعها غير رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، هی سنن مشروعة!!، يدعي أن ألنبي لم يستخلف أحداً بعده!!، اقوال لعلي(علیه السلام) ينسبها لغيره زوراً!!، يدعي ايمان فرعون وأنه الطاهر المطهر!!، يجوّز الإقتداء بالفاسق و بالحجاج!!، يدعي أن معاوية صائب في بدعته و يستحق المديح!!، اهانات أبي بكر للرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، دفاعه عن صلاة أبي بكر، و يفتح باب البدعة في الدين، يدعي أن أبابكر مجتهد في قتل مانعي الزكاة، اجتهاد عثمان ضد اجتهاد الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!، يعد

ص: 135

مخالفة عمر للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فضيلة له!!،يصف عثمان بالزهد!!، دفاعه عن عبدة العجل!!، يری أن أحمد ابن حنبل من ائمة الدين وأنه حافظ الشريعة والبطيخ!!،يری أن الشافعی من الأربعة الأوتاد!!)

9- مدح الطغاة والجبابرة(يدعي أن أبابكر و عمر خلفاء عن الله مباشرة وليسوا خلفاء الرسول!!، يعتقد أن الخلافة الظاهرة و الباطنة لأمثال أبی­بكر والمتوكل العباسي!!، مقامات للخلفاء لايعلمها إلا إبن عربي!!،يدعي أن أبابكر و عمر و عثمان هم اصول الإسلام!!،...

10- مدائح مختلفة لأبي­بكر (الرب يصلي بصوت ابي بكر!!، الله يخاطب النبي بصوت ابي بكر...11- الغلو فی عمر (عمر ابن الخطاب الولي المعصوم!!، و انه فقيه و من الاقطاب و ان الله تعالی يحدث عمر!!، و انه يشاهد الربوبية!!...

12- إبن عربي و غلوه في الحديث عن نفسه(انه يفسر اوائل السور بامر من ربه!!، و انه اجتمع مع الخضر و انه يصلي في حالة الغيبوبة و ان الله اشهده اعيان رسله كلهم و ان بحر المعارف في صدره!!...

13- الصوفية والمقامات الغيبية الإلهية لأوليائهم(يعرف علامة ختم الولاية المحمدية و يراها في عيون رجل عربي لا يعرفه الا ابن عربي!! و ان اولياء الصوفية معصومون و انهم يشاهدون الملك!!...

14- معارضة الصريحة للنصوص القرآنية و الدينية(يناقض قوله تعالی{اليوم اكملت لكم دينكم} و ضرورة الدين فيقول بالتشريع بعد الرسول و يدعي ان المهدي(عج) ليس هو خاتم الاولياء!!)

15- إبن عربی و الإسرائيليات(انه مولع باسرائيليات السبتي!! و...

16- محاولات للإزدراء بشخصية الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)و خليفته الشرعي(علیه السلام)(الاوليا لهم شيطان مارد حتی النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)!!، ابي يحفظ القرآن لكن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ينساه!!...

17- إبن عربي يختلق الأحاديث و ينسبها للرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)(يصطنع الادعية و ينسبها للرسول (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في المنام!!، يعتبر انما يرويه البخاري و يعتبر رواة السند بما فيهم ابو هريرة و اضرابه ثقاة)

18- الأحلام هي مصدر التشريع في عقيدة إبن عربي في الأحكام

ص: 136

19- من مواقف كبار العلماء من إبن عربي

التعريف بالكتب العقائدية

1- نهج البلاغة: وهو مجموعة من خطب و كتب وكلمات مولی الموحدين امير المؤمنين علي ابن ابي طالب(علیه السلام) جمعها السيد الشريف الرضي (رحمةالله) وهو كتاب يشتمل علی المطالب العقائدية مضافاً الی كونه جامعاً لمختلف المجالات الا خری فقد اشتملت الخطبة الاولی وخطبة 152 و خطبة 186 علی مجموعة من المسائل العقائدية في التوحيد و المعاد وغيرهما فحريّ باصحاب البحث والتحقيق ان ينتهلوا من هذا المصدر النقي ما يرومون .

2- اصول الكافي: لثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني (رحمةالله) و قد ضم هذا الكتاب كثيراً من الروايات المرتبطة بالمسائل العقائدية.

ص: 137

3- التوحيد: للشيخ الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمي وهو كسابقه يضم كثيراً من الروايات المرتبطة بمسألة التوحيد الالهي حَريٌّ باصحاب البحث والتحقيق ان ينتهلوا من عذب هذه العيون الصافية.

ص: 138

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109