«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
مدرسة أهل البيت (علیهم السلام)
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الثانية: العدد الرابع 1388 هجرية شمسية 1431 هجرية قمرية
مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي
موقع مدرسة أهل البيت(علیهم السلام): www.aqayed.com
كلمة التحرير...4
ص: 1
الاعتصام باهل البيت(علیه السلام) رمز وحدة المسلمين و قوتهم آية الله السيد علي البهبهاني رحمه الله ...5
آيات العقائد من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...13
اصول الفقه الاكبر الاستاذ ابو علي الخراساني...28
أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...36
السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ...45
دور امير المومنين(علیه السلام) وتلاميذه في الفتوحات العلامة الشيخ علي الكوراني ...62
التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء العلامة الشيخ علي الكوراني...87
مظلومية الزهراء(علیها السلام) اللجنة الثقافية لأهل البيت(علیهم السلام)...95
روائع من الأدب الإسلامي الحلقة الثالثة من قصيدة الكميت ...105
موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...112
الغلو و التفويض وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاة الدكتور السيد علاء الدين الكاظمي القزويني...115
بعض مفاسد الغناء والموسيقی...122
خطبة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر جمعة من شعبان...123
استشهاد أمير المؤمنين علي(علیه السلام)...125
حد ابن ملجم لعنه الله...127
رسالة الاثنی عشرية، الحر العاملي...129
التعريف بالكتب العقائدية...135
ص: 2
آللهُ خَيرٌ أمَّا يُشرِكُون ؟ان مسئلة التوحيد من المسائل العقائدية المهمة والتي لايمكن التقية فيها فان التقية جائزة كما نص عليها القرآن الكريم والعترةالمطهرة الّا في موارد احدها فيما اذا وقعت بيضة الاسلام في خطر والمورد الثاني احقاق الحق والمورد الثالث ابطال الباطل بمعنی ان السكوت عن الباطل في الامور المهمةكالتوحيد الالهي اذا صار سبباً لتثبيته فان هذا السكوت حرام وتحرم عنده التقية كما فيما نحن فيه فان السكوت عن ردع الافكار والعقائد الفلسفية والتي هي عبارة اخری عن ترويج الديانة اليونانية والاغريقية يوجب ظهور الاسلام بمظهر هذه الاعتقادات والتي هي علی النقيض من اعتقادات الاسلام وهذا يعني مسخ الرؤية الاسلامية العقائدية ولذا حفظاً وحراسة للاسلام تحرم التقية هنا ولو كان الدفاع عن الحق موجِباًً للشهادة في سبيل الله فعلی المخلصين من ابناء الامة الاسلامية النهوض للدفاع عن حريم العقيدة الاسلامية.
هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) ولا علاقة لها بمدرسة التفكيك بل لا تتبنی آرائها ونظرياتها.
ان مدرستنا مدرسة اهل البيت(علیهم السلام) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
ص: 3
مصباح الهداية
من افادات العلامة السید البهبهاني رحمه الله
في تفسير قوله تعالی : {واعتصموا بحبل الله جميعاً} (1).
العياشي بأسناده عن جابر ، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال : آل محمد هم حبل الله الذي أمر بالاعتصام به فقال : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقّوا} (2).وقد أخرج السيّد قدّس سرّه(3) في غاية المرام في تفسير حبل الله ، بآل محمّد (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ستّة أخبار من طريقنا ، وأربعة من طريقهم .(4)
ويبيّن ذلك أيضاً ماتواترت الروايات من الطريقين من أنّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أمر بالتمسّك بالثقلين : كتاب الله وعترته ، وقال (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، ألا وإنهما لن يفترقا حتّی يردا عليّ الحوض» (5).
ص: 4
وفي رواية أبي سعيد الخدري أنّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال : «أيّها الناس إنّي تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلی الارض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنها لن يفترقا حتّی يردا عليّ الحوض».(1)
وقد ذكر في غاية المرام من الروايات الواردة في هذا الباب من طريقنا اثنين وثمانين ، ومن طريقهم تسعة وثلاثين ، وذكر الروايات مفصّلة.(2)
اقول : ولايضرّ الاختلاف اليسير بينها في بعض الالفاظ لتطابقها في المعنی .
واعلم أنّ حديث العترة المتواتر ، الذي لاريب في صحّته من الطريقين يدلّ علی: 1- أنّ العترة الهادية أفضل الناس و خيرهم بعد النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)،2- واحتياج جميع الناس إليهم، واستغنائهم عن جميهم ، 3- وعصمتهم4- وعلمهم بالكتاب كلّه 5- وخلافتهم عن الله ورسوله 6- وانحصار الإمامة فيهم 7- والاهتداء بالتمسّك بذيلهم8- وعدم خلوّ الارض منهم إلی يوم القيامة.أمّا الأول : فيعلم من جعل كلّ من الكتاب والعترة قريناً للآخر وعديلاً له غير مفترق عن صاحبه ، ومتمسّكاً لهم جميعاً ، وجعل التمسّك بهم رافعاً للضلالة، إذ لو كان مقدّماً علی العترة أو مساوياً لهم في الفضيلة لما جعلهم متمسّكين والعترة متمسّكاً بهم ، بل لو كان فيهم من استحقّ التقدّم عليهم لوجب أن يجعلالعترة متمسّكين به .
وأمّا الثاني : فيعلم من عدم افتراق الكتاب عن العترة ، وعدم افتراقهم عنه ، فإنّ الأوّل يدلّ علی احتياج جميع الاُمّة إلی العترة ، والثاني علی اسغنائهم عن الجميع .
توضيحه : إنّ جميع الاُمّة محتاجون إلی العلم بما في كتاب الله ، لاجل معرفة أحكامهم ووظائفهم ، وفصل القضاء في خصوماتهم ، ومعرفة حقوقهم ، والحكم بالعدل فيهم ، وإصلاح معاشهم ، ومعادهم.
والكتاب المجيد مع وفائه بجميع مايحتاجون إليه إذ لارطب ولايابس إلّا فيه منه مجمل كفواتح السور ، ومحكم كنصوص الآيات ، ومتشابه يحتمل وجوهاً ، وله ظهر وبطن وتنزيل وتأويل ، ولبطنه أيضاً بطن إلی سبعين بطناً ، والمحكمات منه لايستنبط منها إلّا قليل من الأحكام ولاسبيل لاحد إلی
ص: 5
تفسير المجمل والمتشابه وتأويله وبطونه إلّا من اختاره الله تعالی ترجماناً له ، وجعله مطّلعاً عليه ، وقد أعلمهم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقوله«لن يفترقا» إنّ المفسّرين لكتابه المجيد ، والعالمين بمجملاته ومحكماته ومتشابهاته و تأويله وتنزيله و ظهره و بطنه ، إنما هو العترة الهادية ، وهم المترجمون الربّانيون ، فدلّ قوله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) «لن يفترقا» علی علم العترة بجميع ما في الكتاب ، وإلّا لافترقوا عنه ، وعلی اختصاصهم (1) بالعلم به ، وإلّا افترق الكتاب عنهم ، فعدم الافتراق من الجانبين يدّل علی علم العترة بجميع ما في الكتاب ، وعدم وجود علم الكتاب عند غيرهم ، فثبت استغناؤهم عن الكلّ لعلمهم بالكتاب كلّه واحتياج الجميع إليهم لانحصار سبيل العلم بما في الكتاب في المراجعة إليهم والتمسّك بهم .وأمّا الثالث: فيعلم من عدم افتراقهم عن الكتاب ، وعدم تطرّق الضلالة في التمسّك بهم ، إذ لو لم يكونوا معصومين من ارتكاب الذنب ، وعروض السهو والنسيان لافترقوا عن الكتاب عند ارتكاب الذنب ، وطروّ السهو والنسيان ، ولما كان التمسّك بهم مصوناً عن الضلالة .
وأمّا الرابع : وهو العلم بالكتاب كلّه فيظهر من الفقرتين ، إذ لو كانوا جاهلين ببعض الكتاب ، لافترقوا عنه ، إذ الجاهل مفترق عمّا جهله ، ولما كان التمسّك بهم مصوناً عن الضلالة .
وأمّا الخامس : فيعلم صريحاً من قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):
«ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» ضرورة أن التمسّك به يكون أماناً للتمسّك ، فجعلهم قرناء للقرآن ، ومحلاً لتمسّك الأمّة صريح في إمامهم ، وولايتهم ، وخلافتهم عن الله تعالی ، وعن رسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). وفي بعض الروايات ذكر «خليفتين» عقيب «الثقلين» .
والتزاماً عقليّاً من قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): لن يفترقا ، لدلالته علی استغنائهم عن الكلّ واحتياج الكلّ إليهم كما عرفت. ولايعقل إمامة الجاهل ، والمحتاج إلی العالم المستغني .
أمّا حال جهله و حاجته إلی العلم فبديهي ، بل وكذلك بعد رجوعه إلی المستغني و أخذ العلم من عنده ، ضرورة أنّ رجوعه إلی المستغني و أخذ العلم من عنده ينافي مع إمامته له وائتمام العالم به ، هل
ص: 6
يرضی جاهل أن يقول : يجب علی العالم المستبط أن يقّلد الجاهل الذي يرجع إليه في معرفة وظيفته بعد أن أخبره بالحكم والوظيفة ، كلاّ ، ثم كلا .
بل تقسيمه تعالی شأنه كتابه المجيد إلی مجمل ومحكم ومتشابه ، يدلّ علی أنّه تعالی جعل لكتابه مترجمين ربّانيّين مراجع للاُمّة ، وإنّه علم بوجود اشخاص تدعي مقامهم.
إذ لو لم يجعل الله تعالی له مترجماً من عنده ، مع تقسيم كتابه المجيد إلی الاقسام الثلاثة لزم الإخلال بالحكمة ، حيث جعل كلامه الذي هو وسيلة الهداية موجباً للحيرة والضلالة ، تعالی شأنه عن ذلك علواً كبيراً .ولو لم يكن في الأمّة من يدّعي منزلتهم لم يحتج إلی ذلك ، لانّ بيان المقصد بالرمز والتشابه إنّما هو للإخفاء عن غير أهله ، فلو كانت الاُمّة مجتمعة علی الطاعة والانقياد لهم ، لو يكن في البين غير أهل ، حتّی يحتاج إلی الرمز والتشابه .
وقد ورد عن مولانا أمير المؤمنين(علیه السلام): أنّه تعالی شأنه قسم كتابه إلی مجمل ومحكم و متشابه ، حتّی يتميّز المتولّون علی الخلافة عمّن هو أهل للخلافة ويكون خليفة له .(1)
وأمّا السادس : وهو انحصار الإمامة فيهم، فيعلم من قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «لن يفترقا » ، بل يدّل عليه أيضاً قوله : « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي» إذ لو كان فيهم إمام لايتمسّك بغيره من الاُمّة .
وأمّا السابع : وهو انحصار الاهتداء في التمسّك بهم ، والرجوع إليهم فتدلّ عليه الفقرتان أيضاً ظهوراً وصراحة .
أمّا ظهوراً فمن الفقرة الاُولی ، فإنّ قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): « ماإن تمسّكتم بهما لن تضلّوا » في مقام بيان أنّ سبيل الهداية ينحصر فيهما ، ولاتكون الاًمّة مصونة عن الضلالة ما لم يتمسّك بهما ، وظهوره في الحصر بمثابة يكون كالصراحة .
وأمّا تصريحاً فمن الفقرة الثانية، إذ لو وجد علم الكتاب عند غيرهم ، وحصل الاهتداء بالرجوع إلی من عداهم ، لم يصدق عدم افتراق الكتاب عنهم .
ص: 7
وأمّا الثامن: فيظهر من الفقرة الأخيرة بضميمة قوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : « حتّی يردا عليّ الحوض» مع إنّه يظهر من الفقرة الاولی التزاماً أيضاً؛ لانّ ضمّ العترة إلی الكتاب في الصون عن الضلالة ، إنّما هو لحاجة الكتاب إلی ترجمان ربّانيّ في بيان مقاصده ، كما هو ظاهر ، ولا يكون ترجماناً له إلّا العترة الهادية، لما عرفت من انحصار الاهتداء في التمسّك بهم ، فلو جاز خلوّ الارض عنهم(علیهم السلام) حيناً من الأحيان لزم انقطاع سبيل الهداية ، ونقصان الدين بعد إكماله ، ولاينافي ذلك غيبة إمامنا عجّل الله تعالی تبارك و تعالی فرجه في عصرنا ؛ لأنّه ينتفع به(علیه السلام) في حال الغيبة، كما ينتفع بالشمس من وراء السحاب.
إذا اتّضح لك ما بيّنّاه ، فقد ظهر لك أنّ حديث العترة من جوامع الكلم الذي قد جمع فيه فضائل العترة الطاهرة سلام الله عليهم .
فإن قلت: ليس في الروايات الأمر بالتمسّك بهما، وإنما قال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» فأخبر الاُمّة أنّ في التمسّك بهما، صوناً عن الضلالة ، ولم يأمرهم بالتمسّك بها .
قلت : التعبير بهذا النحو أتّم وأكمل في إفادة الوجوب من التعبير بصيغة الأمر ، لأنّ صيغة الأمر تحتمل الحمل علی الندب مع قطع النظر عن خصوصيّة المورد، وأمّا حصر الهداية وعدم الضلالة في التمسّك بهما المستفاد من التعبير المذكور فصريح في وجوب التمسّك بهما ، ولايتطرّق اليه احتمال الندب ، ضرورة أنّ التمسّك بسبيل الهداية والتحرّز عن طريق الضلالة واجب عقلاً، فذكر الموضوع هنا يغني عن بيان حكمه ، لكمال وضوحه وظهوره ، مع أنّ التمسّك بالكتاب واجب بالضرورة، ولامجال للتفكيك بينه وبين العترة التي قرنها به وعبّر عنهما بالثقلين اللَّذين تركهما فيهم ، وجعلهما حبلين تتمسّك الاُمّة بهما ، صوناً عن أن يضلواً بجعل التمسّك بأحدهما واجباً دون الآخر .
فإن قلت: العترة ليس نصّاً في أهل بيت النبي(علیهم السلام) لمجيئه بمعنی الرهط والطائفة ، ومنه قول أبي بكر: نحن عترة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) التي خرج منها ، وبيضته التي تفقّأت عنه (1).
قلت أولاً : إنّ العترة لم يجئ بمعنی مطلق الرهط ، وإنما جاء بمعنی ذرية الشخص وأهله .
ص: 8
وفي المصباح المنير: العترة نسل الإنسان . قال الأزهري ، وروی ثعلب عن ابن الأعرابي: إنّ العترة غير ذلك ويقال رهطه الأدنون- إن ذكر بعد ذلك- ويقال إنّه والرهط بمعنی ، منه قول أبي بكر إلخ .(1)إلّا أنّ التحقيق أنّ قول أبي بكر من باب التجوّز ، كما قال ابن أبي الحديد .
قال في شرح كلام مولانا أمير الؤمنين ع«وآخر قد يسّمی عالماً ليس به ، فاقتبس جهائل من جهّال ، وأضاليل من ضلاّل ، إلی آخر الخطبة» :
وعترة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أهله ونسله ، وليس بصحيح قول من قال إنّه رهطه وإن بعد ، وإنّما قال ابوبكر - يوم السقيفة أو بعده- : «نحن عترة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبيضته التي تفقّات عنه » علی طريق المجاز، لانّهم بالنسبة عترة له لا في الحقيقة، ألاتری أنّ العدناني يفاخر القحطاني فيقول له : أنا ابن عمّ رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، يعني ليس أنّه ابن عمّه علی الحقيقة، لكنّه بالإضافة إلی القحطاني ابن عمّه ، وإنّما استعار ذلك ونطق به مجازاً» انتهی.(2)
وثانياً: إنّ الروايات مصرّحة بأنّ المراد من العترة أهل بيته(علیهم السلام) كما اعترف بذلك أيضاً ابن الحديد في الشرح ، حيث قال بعد ذلك: «وقد بّين رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أن ّعترته مَن هي لّما قال «إنّي تارك فيكم ثقلين- فقال :- وعترتي أهل بيتي».(3)
وقد ذكر في ذيل الروايات التي أسندها العامّة إلی زيدبن إرقم- بعد أن أوضح العترة بأنّهم أهل بيت النبيّ(علیهم السلام)- أنّه سئل زيد عن أهل بيت النبيّ(علیهم السلام) هل تدخل فيه نساؤه؟ فقالا : لا، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة عليهم(4) ويظهر منه أنّ تفسير العترة بأهل بيته(علیهم السلام) كان واضحاً عندهم ، ولذا سألوا عن دخول نسائه في أهل بيته لا في عترته(علیهم السلام).
ص: 9
وثالثاً: إنّ الأوصاف التي وصف بها العترة من العصمة والطهارة ، وأنّ التمسّك بهم مصون من الضلالة ، وعلمهم بالكتاب كلّه ، إنّما تنطبق علی أهل بيت النبوة(علیهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وقال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في شأنهم بالنصوص المستفيضة ، بل المتواترة من الطريقين :مثل أهل بيني مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك .(1)
وإنّ عليّاً خير البريّة وسيّد العرب ، وخير الوصيّين .(2)
وأنا مدينة العلم ، وعليّ بابها .(3)
وعليّ مني وأنا منه .(4)
و عليّ مع القرآن والقرآن معه .(5)
والحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ يدور معه حيث دار (6)
وحقّ عليّ علی هذه الاُمّة كحقّ الوالد علی ولده .(7)
إلی غير ذلك من الفضائل التي لاتحصی ممّا رواه الفريقان ولاشبهة فيها .
وليس في الاُمّة من غير أهل البيت(علیهم السلام) من كان معصوماً مطهّراً من الرجس ، عالماً بالكتاب كلّه لايفارق القرآن ولايفارقه حتّی تنطبق أوصاف العترة عليه ، ويحتمل صدقها عليه.
إذ تبيّن لك ذلك فاعلم أنّ الآية الكريمة تدلّ علی وجوب الاعتصام بالعترة الطاهرة ، لأنّه إن فسّر حبل الله بهم- كما دلّت عليه الروايات المفسّرة-(8) فهو، وإن فسّر بالقرآن- كما نسب إلی إبي سعيد
ص: 10
الخدري ، وعبدالله وقتادة والسدي (1)- يدلّ عليه التزاماً للروايات المتواترة الدالّة علی عدم افتراق أحدهما عن الآخر ، فالمعتصم بأحدهما لابدّ له من الاعتصام بالآخر . وإن فسّر بالإسلام بأحدهماوإن فسّر بالإسلام ودين الله ، كما عن ابن عبّاس وأبي زيد ، فكذلك لأنّ المعتصم به لابدّ له من الاعتصام بكتاب الله ، الذي لايفارق العترة، ولاينكشف أحكامه إلّا بهم .
ثمّ إنّ في التعبير بالاعتصام دلالة علی أنّ الأخذ بالمعتصم به يوجب الصون عن الضلالة ، فهو أوفی من التعبير بالتمسّك ونحوه .
وأمّا الروايات فلأجل التصريح فيها بأنّ الأخذ به يوجب عدم الضلالة ، عبّر فيها بالتمسّك والأخذ به.(2)
ص: 11
من وحي القرآن
الحلقة الثانية من آية التوحيد:
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ)(1)
هذه الآية المباركة من جملة الآيات المهمة في التوحيد ولابدّ من البحث عنها بدقة وقد جاءت في تفسير هذه الآية روايات كثيرة من الأئمة الاطهار: وهنالك تفاسير لها من العلماء لابد ممن ملاحظتها.
تفسير الميزان
يقول السيّد الطباطبائي في تفسير الآية في الميزان:
لما كان تعالى قديرا على كلّ شي ء مفروض كان محيطا بقدرته على كلّ شي ء من كلّ جهة فكلّ ما فرض أوّلا فهو قبله فهو الأوّل دون الشي ء المفروض أوّلا وكلّ ما فرض آخرا فهو بعده لاحاطة قدرته به من كلّ جهة فهو الآخر دون الشي ء المفروض اخرا وكلّ شي ء فرض ظاهرا فهو أظهر منه لاحاطة قدرته به من فوقه فهو الظاهر دون المفروض ظاهرا وكلّ شي ء فرض انّه باطن فهو تعالى أبطن
ص: 12
منه لاحاطته به من ورائه فهو الباطن دون المفروض باطنا فهو تعالى الأوّل والآخر والظاهر والباطن على الإطلاق وما في غيره تعالى من هذه الصفات فهي اضافية نسبية.
وليست اوّليّته تعالى ولا آخريته ولا ظهوره ولا بطونه زمانيّة ولا مكانيّة بمعنى مظروفيته لهما والاّ لم يتقدمهما ولا تنزه عنهما سبحانه بل هو محيط بالأشياء على أي نحو فرضت وكيفما تصورت.فبان ممّا تقدم انّ هذه الأسماء الأربعة الأوّل والأخر والظاهر والباطن من فروع اسمه المحيط وهو فرع إطلاق القدرة فقدرته محيط بكلّ شي ء ويمكن تفريع الأسماء الأربعة على احاطة وجوده بكلّ شي ء فانّه تعالى ثابت قبل ثبوت كلّ شي ء وثابت بعد فناء كلّ شي ء وأقرب من كلّ شي ء ظاهر وأبطن من الأوهام والعقول من كلّ شي ء خفي باطن.
وكذا للأسماء الأربعة نوع تفرع على علمه تعالى ويناسبه تذييل الآية بقوله(وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ).
وفسر بعضهم الأسماء الأربعة بأنّه الأوّل قبل كلّ شي ء والآخر بعد هلاك كلّ شي ء والظاهر بالأدلة الدالة عليه والباطن غير المدرك بالحواس.
وقيل الأوّل قبل كلّ شي ء بلا ابتداء والآخر بعد كلّ شي ء بلا انتهاء والظاهر الغالب العامي على كلّ شي ء فكلّ شي ء دونه والباطن العالم بكلّ شي ء فلا أحد أعلم منه.
وقيل: الأوّل بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء والظاهر بلا اقتراب والباطن بلا احتجاب.
وهناك أقوال اخر في معناها غير جيدة أغمضنا عن ايرادها(1).
لقد اشتمل كلام السيد في تفسيره للآية على انّ للآية ثلاثة جهات:
1 - القدرة الإلهية
فمن جهة القدرة فاللَّه جلّ وعلا محيط بكلّ شي ء وكلّ ما فرضناه أوّلا وآخرا، فاللَّه جلّ وعلا محيط به لاحاطة قدرته بكلّ شي ء ومن هذه الجهة فاللَّه اوّل وآخر لا ما فُرِضَ اوّلا وآخرا، واللَّه جلّ وعلا أظهر من كلّ ظاهر يُفرض ظاهرا لأجل احاطة قدرته جلّ وعلا به وابطن من كلّ باطن لأجل احاطة قدرته به.
ص: 13
واللَّه جلّ وعلا خالق الزمان والمكان ولذا فلا يكون مظروفا لهما وانّ اوّليّته وآخريته وظاهريته وباطنيته ليست زمانية أو مكانيّة وإلّا فلا يتقدم على الزمان والمكان.
إذن ببداهة العقل والنقل المعتبر هو انتفاء الأوليّة والاخرية العددية والظاهرية والباطنية المكانية.
2 - احاطة الوجود الإلهييمكن ذكر هذا الإحتمال وهو انّ هذه الأسماء الأربعة فرع احاطة الوجود الإلهي وذلك فانّ اللَّه جلّ وعلا محيط بكلّ شي ء وهو ثابت قبل كلّ شي ء وبعد فناء الأشياء وأظهر من كلّ ظاهر وابطن من كلّ باطن يقع في العقول والأوهام.
إذن من جهة الأحاطة الوجودية للَّه جلّ وعلا هو الأوّل والاخر كما وانّه الظاهر والباطن.
3- علم اللَّه جلّ وعلا
هذه الأسماء يمكن أن تكون منشعبة من علم اللَّه جلّ وعلا خصوصا وقد ورد في ذيل الآية(وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ ).
فلو تأملنا قليلا لوجدنا ان هذه النقاط الثلاثة فرع اسم اللَّه المحيط فان احاطته جلّ وعلا كامنة في كلّ شي ء وهذه النقاط الثلاثة تشير إلى حقيقة واحدة وهي إسمه جلّ وعلا (المحيط).
وهنالك آيات آخرى ترشدنا إلى ذلك مثل:
( وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ مُحِيطا)(1) وقوله: أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ ء مُحِيطٌ ٍ(2)
وكانت بعض المطالب التي ذكرها تفسير الميزان متخذة من بعض الروايات مع اقترانها ببعض التعابير الفلسفية.[المترجم: اقول سوف نذكر المعنی الصحيح للآية في آخر البحث]
التفاسير المنحرفة والإستنباطات الخاطئة
ص: 14
لما ذكرنا في المقدمة انّه لا مانع من تلك التفاسير والمعاني التي لا تتنافى مع الأصول الوحيانية ولا تكون على خلاف ظاهر الآية وبعنوان أحد الاحتمالات في تفسير الآية وان كان لا يمكن ان يعتبر هو المراد الواقعي للآية.
لكن هنالك بعض الإستنباطات والتفسيرات الخاطئة - التي تبتني على اساس ذهنية مسبقة أو على اساس اسس باطلة - والتي تكون مخالفة للعقل والوحي الإلهي.فيفسر بعض العرفاء (الأوّل والآخر والظاهر والباطن) بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى كلّ الأشياء وجميعها استنادا إلى القاعدة المعروفة - عندهم - وهي (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشي ء منها).
من الواضح انّ هذه التفاسير لا تتفق مع اصول الوحي وذلك بداهة انّ ارسال الرسل وانزال الكتب والخطابات القرانية والأحاديث قائمة على اساس وجود الخالق والمخلوق والمالك والمملوك ولأجلها كان هنالك أمر ونهي وثواب و عقاب و... وكلّ هذه تتنافى مع التفسير المتقدم.
والآن نذكر شواهد ونماذج لهذه الإستنباطات الخاطئة.
1 - كلام ابن عربي
يقول ابن عربي في تفسير الآية المذكورة:
(هو الأوّل) الذي يبتدي ء منه الوجود الإضافي باعتبار اظهاره (والآخر) الذي ينتهي إليه باعتبار إمكانه وانتهاء احتياجه إليه، فكل شي ء به يوجد وفيه يفنى فهو اوّله وآخره في حالة واحدة باعتبارين.
(والظاهر) في مظاهر الأكوان بصفاته وافعاله
(والباطن) باحتجابه به بماهياته وبذاته.(1)
ويقول ابن عربي في فصوص الحكم:
ص: 15
فنسب النفس إلى الرحمن لأنّه رحم به ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صور العالم - التي قلنا هي ظاهر الحق - إذ هو (الظاهر) وهو باطنها إذ هو(الباطن )و (هو الأوّل) إذ كان ولا هي وهو (الآخر) إذ كان عينها عند ظهورها.(1)
وقد فسر صاحب كتاب ممد الهمم هذه العبارات بالإستفادة من شرح فصوص الحكم للقيصري وأوضح ذلك كالتالي:لأنّ الذات الإلهية مشتملة على حقائق العالم وتلك الحقائق تطلب الظهور ومن جهة ما تحمل من غصة في باطنها تنفست (لأجل اظهار ما في باطنها) ولذا ينسب النفس إلى اسم الرحمن (يقول رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انّي أجد نفس الرحمن من جانب اليمن وهذا النفس عبارة عن وجود العالم المنبسط على الأعيان).
وذلك لأنّ الحقّ تعالى يرحم باسم الرحمن التي تطلب النسب الإلهية يعني( الأسماء الإلهية يعني الوجودات الإلهية) والتي طلبها إيجاد صورة العالم الصورة التي نقول عنها هي صور ظاهر الحق وذلك لأنّ الحق ظاهر والحق تعالى باطنها وذلك لأنّ الحق تعالى باطن وهو الأوّل لأنه كان ولم تكن صور العالم وهو الآخر وذلك لأنّه عين العالم الظاهر في الخارج.
أين المتقون أي الذين اتخذوا اللَّه وقاية فكان الحق ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة؟...(2)
وإذا كان الحق وقاية للحق بوجه والعبد وقاية للحق بوجه فقل في الكون ما شئت، إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الحق والخلق وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كلّ وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك....(3)
الذين قالوا: «الكل خلق» فبهذا الإعتبار من انّ الخلق هو الظاهر والحق باطن والذين قالوا« الكل حق» فبهذا الإعتبار من ان الحق ظاهر والخلق باطن والذي جمع بين الأمرين يقول« هو الحق والخلق» وهذا جامع لمراتب الإلهية والعبودية.
ص: 16
إذن... لو كان في مرتبة القرب النوافلي فقل «هو الخلق» ولو كان في مرتبة القرب الفرايضي فقل «هو الحق» ولو كان في مرتبة الجمع بين الأمرين فقل«هو الحق والخلق » ولو كان فى مرتبة التحقيق والتمييز بين المراتب الإلهية والخلقية فقل« ليس بحق من كلّ الوجوه وليس بخلق من كلّ الوجوه» ولو كان في مرتبة العجز فقل: بالحيرة...ولو لم يكن هناك تحديد لم يخبر الرسل الإلهية عن تحول الحق إلى صور وكذلك لا يصف نفسه بالخلع من كلّ الصور كما ورد في الحديث(عن طريق العامة ) وهو( حديث التحول) ان الحق يظهر للخلق يوم القيامة متنكرا (لا يعرفه أحد) و يقول( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وتقول(1) الخلائق «نعوذ باللَّه منك» ثمّ يتجلى اللَّه سبحانه وتعالى على طبق عقائد الخلق وحينئذ يسجد الخلق له.(2)
يقول القيصري: كما جاء في الحديث الصحيح »انّ الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة فيقول أنا ربّكم الاعلى، فيقولون نعوذ باللَّه منك فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له. ويستمر القيصرى في القول:
والصور كلها محدودة فإذا كان الحق يظهر بالصور المحدودة ونطق الكتاب بأنّه ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ )(3) حصل العلم للعارف انّ الظاهر بهذه الصورة أيضا ليس إلاّ هو
ويقول ابن عربي: فلا تنظر العين إلاّ إليه ولا يقع الحكم إلاّ عليه .
ويوضح ذلك القيصري: إذ لا موجود سواه ليكون مشاهدا إيّاه بل هو الشاهد والمشهود وهو الحاكم والمحكوم عليه(4).
ص: 17
الجواب: وعدم صحة هذا الكلام واضح جدا فانّ آيات التوحيد تنفي اي احتياج في الذات الإلهية المقدسة وتقول انّ التوالد في ذات اللَّه جلّ وعلا لا معنى له(لانه محال- المترجم) وانّه واحد لا كفوأ له، واية( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ)(1) والتي هي في وصف الذات الإلهية المقدسة تقول انّه تعالى لا مثيل لهولا شبيه وكذلك آية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(2) تصرح بهذه الحقيقة وتقول بوجود غير اللَّه وان كان كلّ وجوده احتياجا محضا وموجودا بالغير وليس مثيلا ولا شبيها له جلّ وعلا اصلا.
إذن لو لم يكن في العالم أحد غير اللَّه سبحانه وتعالى فلا معنى لهذه الآيات وذلك لأنّه لا وجود لغير اللَّه حتّى تنفى شباهته مع اللَّه أو حتى يطرح احتياجه للَّه جلّ وعلا.
و آية (لَم يَلِد وَلَم يُولَد)(3) تعطينا المعيار في معنى آية (وَ نَفَختُ فِيه مِنْ رُوحِىْ)(4) وانّ الإضافة فيها تشريفية (لا حقيقية) مثل: بيت اللَّه، جار اللَّه .
2 - شرح القيصري:
جاء في مقدمة القيصري على شرح الفصوص (وقد كتبها أحد المتخصصين في فنّ العرفان) ونبّه أيضا انّه عين الأشياء بقوله: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عَلِيمٌ) فكونه عين الأشياء بظهوره في ملابس اسمائه وصفاته في عالمي العلم والعين وكونه غيرها باختفائه في ذاته واستعلائه بصفاته عمّا يوجب النقص والشين وتنزهه عن الحصر والتعيين وتقدسه عن سمات الحدوث والتكوين وإيجاده للأشياء واختفائه فيها مع إظهاره إيّاها وإعدامه لها في القيامة الكبرى، ظهوره
ص: 18
بوحدته وقهره إيّاها بازالة تعيناتها وسماتها وجعلها متلاشية كما قال (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ
الْقَهَّار)(1) و)ِ كُلُّ شَىْ ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه)(2).(3)
خلاصة هذا الكلام هو مفاد قاعدة (بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشي ء منها) وانّ اَشكال الشمع المختلفة التي تصنع منه هي شي ء واحد في الحقيقة وهو الشمع.وانه مع قطع النظر عن التعينات والمحدوديات فاللَّه سبحانه وتعالى كلّ الأشياء ومع لحاظ التعين ولحاظ المحدودية ليس هو بشي ء منها وعلى هذا الأساس يقولون في نهاية الأمر: انّه مع ملاحظة رجوع كل شي ءإلى اصله فكل الاشياء بعد تلاشيها وفقدانها لتعيناتها سوف تفنى في ذات الحق.
وقولهم: «كونه عين الأشياء... في عالمي العلم والعين» هو بيان لبروز وظهور مقام غيب الغيوب في لباس الأسماء والصفات في عالم الخارج والمادة وكذلك في عالم المجردات (حسب ادعائهم) والذهن إذن هي حقيقة واحدة نراها بصور مختلفة.
وقوله: «وكونه غيرها... » بهذا المعنى: وهو انّ اللَّه سبحانه وتعالى بلحاظ التعين غير الأشياء وذلك لان التعين يوجب تحديده والمحدودية تعُد نقصا وعيبا واللَّه جلّ وعلا منزه عن الشكل والحدود وصفات الممكن ومنزه ايضا من علامات الحدوث والتكوين.
وذكر في موضع اخر من الكتاب انّ من فكر العرفاء الكاملين هو ان تصور المراتب(القوية والمتوسطة والضعيفة) لا معنى له بالنسبة للوجود فانّه حقيقة واحدة وحالات وشؤون ذلك الوجود لها مقامان: مقام الظاهر وهو الخلق ومقام الباطن وهو الحق.
إذن هنالك حقيقة واحدة باعتبار الظهور يقال لها الخلق(4) وباعتبار البطون يقال لها الحق.
ص: 19
وكذلك في صفحة 37المتقدمة يقول القيصري في شرح الفصوص: « فإذا كان الحق يظهر بصور المحدودة ونطق الكتاب بانّه ( هو الأوّل والاخر والظاهر والباطن) حصل العلم للعارف انّ الظاهر بهذه الصور ايضا ليس الاّ هو».(1)
هذه العبارة تدل على انّ كلّ ظهور حاصل هو اللَّه لا غير ولو كان قد تجلى بشكل محدود.
2- رأي ملاصدرا
يقول ملاصدرا في تفسيره الذي كتبه للقرآن الكريم:«فهو حق الأوّل منه ابتداء أمر العالم وهو الآخر الذي اليه ينساق وجود الأشياء - سيّما بني آدم - إذ منه صدر الوجود ولاجله وقع الكون... وهو الآخر ايضا بالإضافة إلى سير المسافرين إليه، فانّهم لا يزالون مترقين من رتبة إلى رتبة حتّى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذاتهم وهويتهم واندكاك جِبِل وجودهم وانيّتهم فهو اوّل في الوجود وآخر في المشاهدة »(2).
يقول ملاصدرا في هذا الكلام انّ كل المسافرين - يعني موجودات عالم الوجود - في حال سفر نحو اللَّه جلّ وعلا يطوون المراتب واحدة تلو الآخرى حتّى يصلوا إلى ذات الحق وينفنون فيها.
وانّ اللَّه (الاخر) يعني ان مقصد سفر الموجودات هو اللَّه والكل في مسير تكاملهم يرجعون إليه ويندكون فيه سبحانه وتعالى وآخر ما يرون هو مشاهدة الحقّ جلّ وعلا الا انه من الواضح انّ هذا الكلام وكذلك كلام ابن عربي من كون كل الأشياء هي اللَّه جلّ وعلا وانّه جلّ وعلا كلّ الأشياء - كما يعتقدون - باطل وانّه لا يستفاد من قوله تعالى(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) انّه كلّ الأشياء فانّ ذلك لا يستفاد من ظاهر الآية ولا يتفق مع العقل والفطرة والأحاديث، فانّ القرآن وتعاليم الوحي صارخة ومعلنة بأنّ هناك خالقا ومخلوقا وأنهما متباينان ليسا من سنخ واحد.
ص: 20
وما جاء في القرآن الكريم (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(1) فهو بمعنى أنّ الناس سوف يحضرون أمام اللَّه جلّ وعلا يوم القيامة لأجل اقامة العدل والحساب وليس معنى الآية الحركة نحو اللَّه جلّ وعلا، ثمّ الفناء في ذاته سبحانه وتعالى.
ولو كان الناس يفنون في ذاته جلّ وعلا فما معنى قوله تعالى: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)؟
فهل انّ اللَّه يخبر نفسه بذلك؟!
وكذلك آية (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)(2) ليست بمعنى الفناء في ذات اللَّه جلّ وعلا بل بمعنى انّ كلّ شي ء يتلاشى أو ينعدم من الوجود بشكل كامل.وكذلك آية(إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ )(3) ليست بمعنى نحن من اللَّه فإنّ اللام هنا لام الملكية يعني نحن ملك اللَّه ونرجع إلى اللَّه(4). لأجل اقامة العدل والحساب.
فهذا الكلام من كون اللَّه جلّ وعلا كلّ الأشياء وانّ كلّ شي ء يبدأ منه ويرجع إليه وانّ جميع الموجودات ما هي إلاّ صوره المتنوعة وشؤوناته كلام لا اساس له (ولا دليل عليه) فكيف يكون الشي ء في عين وحدته واحديته شيئين؟! فانّ هذا الكلام يتنافى مع الأصول الوحيانية والأمر والنهي والتكاليف الشرعية وإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية.
4 - عتاب موسى لهارون
وعلى اساس هذا الخط الباطل تشاهد الإنحرافات العظيمة في كلمات العرفاء مثل عتاب موسى لهارون فقد فسروه بأنّ هارون كان قاصر الفكر ولم يتسع قلبه لعبادة العجل حيث أنكر ذلك ولم يدرك انّ عبادة الاصنام عين عبادة اللَّه وذلك «لأنّ العارف يرى الحق في كل شي ء بل يراه عين كل شي ء».(5)
ص: 21
وأوّلُ هذه العبارة وكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنّه علم ما عبده اصحاب العجل لعلمه بأنّاللَّه قد قضى ألاّ يعبد إلاّ إيّاه وما حكم اللَّه بشي ء الاّ وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فانّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شي ء بل يراه عين كلّ شي ء، ومعنى هذا الكلام انّ عتاب موسى لأخيه هارون في عبادة بني اسرائيل للعجل لأجل انّه لا يعلم انّ كلّ شي ء هو اللَّه.
5- لاجبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين
لو غفلنا عن التعقل في الوحي فسوف نقع في الظلمات ويصبح الخروج منها صعبا إلى حد انّه وصل الحال أن نسمع بعض الأحيان من أصحاب الفلسفة اشياءاعجيبة جدا جدا، فانّهم بنوا افكارهم ابتداءًواشبعوها من غير منبع الوحي وحينذاك نراهم يحاولون أن يجمعوا بين الاسس والاصول الوحيانية وبين القواعد العقلانية - بادعائهم - ولذا يأتون بتأويلات وتوجيهات مضحكة وبعيدة عن الذهن لا تتفق لا مع ظواهر الأدلة ولا مع الأصول الوحيانية.
مثلا في موضوع: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين يرون أن نفي الجبر والتفويض من باب السالبة بانتفاء الموضوع وقالوا بعدم وجود موجود ذي ارادة في الخارج حتّى يمكن أن يكون هنالك جبر أو تفويض ولذا قيل: لا جبر ولا تفويض، ففي هذا المذهب العرفاني - حسب الإصطلاح - لا يكون الإنسان إلاّ مرآة لا غير فهو ليس شيئا حتّى يؤمر وينهى فكل ما في الخارج هو الوجود والوجود حقيقة واحدة لا غير وبعبارة اخرى(بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشي ء منها).
هذه هي النتيجة العجيبة الحاصلة من المباني العرفانية وعلى هذا فارسال الرسل وإنزال الكتب وتكاليف العباد كلها عبث ولا معنى لها، فقد جاء في المقالة التي طرحت في جملة مجموعة آثار المؤتمر العالمي للإمام الرضا(علیه السلام) وإن كنّا لا ننسب هذا الكلام إلى الكاتب بل هو ناقل لذلك(1):
«... لأنّ استحالة التفويض على مشرب التوحيد الأفعالي أظهر لوضوح إمتناع تفويض الأمر الخارجي إلى صورة مرآتية لا حقيقة لها عدا حكاية ذي الصورة... » ولذا فالتفويض لا معنى له.
ص: 22
«كما انّ إمتناع الجبر على هذا المشرب أيضا أبين لأنّ الإكراه إنّما يتصور فيما يكون هناك شي ء موجود له إقتضاء وأرادة وامّا الصور المرآتية التي لا واقعية لها عدا الإراءة والحكاية... » ولذا فالجبر لا معنى له.
وقال بعد ذلك: «فلا مجال أيضا لتفسير المنزلة بين المنزلتين على منهج الحكماء... ».
ثمّ يستمر في بيان ذلك حتى يصل إلى هذه العبارة:
«فحينئذ يصير معنى نفي الجبر والتفويض علن تلك الصورة وإثبات منزلة الوسطى بين طرفي الإفراط والتفريط من باب السالبة بإنتفاء الموضوع في الأولين ومن باب المجاز في الإسناد في الثالث... »وعلى هذا فنفي الجبر والتفويض من باب السالبة بانتفاء الموضوع ويكون اثبات الأمر بين الأمرين من باب الاسناد في المجاز مثل اسناد الجريان إلى الميزاب في قول من يقول: جرى الميزاب.(1)
وإليك كامل العبارة:
فتحصل انّ الحسنة لكونها كمالا وجوديا لابدّ وإن يستند إلى الكامل بالذات والسيئة لكونها نقص كمال وفقدان جمال لابد وان يستند إلى الفاقد للكمال وهو الإنسان العاصي المتحول في حيطة قدرته تعالى بلا تفويض لأنّ استحالة التفويض على مشرب التوحيد الأفعالي أظهر لوضوح إمتناع تفويض الأمر الخارجي إلى صورة مرآتية لا حقيقة لها عدا حكاية ذي الصورة كما انّ إمتناع الجبر على هذا المشرب أيضا أبين لأنّ الإكراه إنّما يتصور فيما يكون هناك شي ء موجود له إقتضاء وارادة، واما الصور المرآتية التي لا واقعية لها عدا الاراءة والحكاية فلا مجال أيضا لتفسير المنزلة بين المنزلتين على منهج الحكماء من توجيه العلة القريبة والمتوسطة والبعيدة إذ لا علّية للصورة المرآتية اصلا حتى يبحث عن كونها قريبة أو لا؟ ولذلك يظهر امر آخر وهو ان عد التوحيد الافعالي في سياق أقوال الأشاعرة المجبرة والمعتزلة المفوضة والحكماء الإمامية القائل بالأمر بين الأمرين غير منسجم لأنّ الإنسان وغيره من الممكنات علی المباني الثلاث الاُوَل موجود خارجي حقيقة وإن كان وجوده ضعيفا فقيرا أو فقيرا وربطا محضا لا ذات له إلاّ الربط إلى الواجب الغني المحض إلاّ انّه على مشرب الرابع وهو التوحيد الأفعالي المبحوث عنه في العرفان النظري المشهود في العرفان العملي لا وجود له إلاّ مجازا بحيث
ص: 23
يكون اسناد الوجود إليه اسنادا إلى غير ما هو له نظير اسناد الجريان إلى الميزاب في قول من يقول «جرى الميزاب» لأنّ الموجود الإمكاني على هذا المشرب صورة مرآتية لا وجود لها في الخارج وهي مع ذلك تحكي ذا الصورة حكاية صادقة فحينئذ يصير معنى نفي الجبر والتفويض عن تلك الصورة واثبات منزلة الوسطى بين طرفي الإفراط والتفريط من باب السالبة بإنتفاء الموضوع في الاولين ومن باب المجاز في الاسناد في الثالث لأنّ القول بان تلك الصورة الحاكية التي لا وجود لها في الخارجليست مجبورة ولا مفوضا إليها قضية سالبة بإنتفاء موضوعها والقول بان تلك الصورة التي لا وجود لها في العين مختارة في فعلها قضية يكون اسناد محمولها إلى موضوعها مجازا عقليا.
كلام صاحب بيان السعادة:
جاء في هذا التفسير والذي هو لأحد مشاهير العرفاء: وهو إشارة لما يقوله الصوفية في مقام التوحيد (التوحيد يحصل لبعض أهل السلوك بطريق الحال ولبعضٍ بنحو المقام) ولمن لم يصل إلى هذه المرحلة من التوحيد لا يحق له أن يتكلم عن التوحيد اصلا.
وحينما يزول عن حال السالك حيث لم يكن في ذاك المقام فلا يجوز له أن يتفوه به وإلاّ فدمه مباح.
وهو يكون بتجلي اللَّه سبحانه وتعالى للسالك باسم «واحد» و «أحد» إذن سوف لا يشاهد في العالم غير اللَّه سبحانه وتعالى فلا يرى الأوّل ولا الآخر ولا العلة ولا المعلول ولا الظاهر ولا الباطن ولا الصاعد ولا النازل ولا المدرَك ولا المدرِك.
فهو يرى كلّ هذه الأمور اعتبارات من نفوس المحجوبين وكلّها عدميات لا حقيقة لها.
إذن معنى الأوّل هو انّ اللَّه أوّل بلا اعتبار الأوّلية له وآخر بلا اعتبار الآخرية له وكذلك الظاهر والباطن يعني لا شي ء ولا شي ء ولا أي اعتبار واعتباري في الدار.
وقد أشير إلى هذا المقام في الشعر:
ص: 24
حلول و اتحاد اينجا محال است
كه در وحدت دويى عين ضلال است
ترجمته:
الحلول والاتحاد هنا محال
حيث انّ الإثنينية في الوحدة عين الضلالة
فكلّ ما قيل من النثر والنظم في هذه المقولة فهو اشارة لهذا المقام أو ناشي ء منه ولا يجوز التفوه عن هذه الوحدة وقد أرشد لعدم جواز اعتبارها لِمن لم يكن في ذلك الحال والمقام.
وقيل انّ هذا الشعر يشير إلى هذا المعنى:ألا تا با خودى زنهار زنهار
عبادات شريعت را نگه دار(1)
ترجمته: عليك بحفظ نفسك حينما تكون مع نفسك، واحفظ عبادات الشريعة.
من الواضح انّ معنى هذا الكلام إنّ الإنسان مادام مع نفسه، فاللازم عليه الصلاة والصوم وعندما يصل إلى الحقيقة تبطل الشريعة ولا حاجة حينذاك إلى ذلك وذلك لأنّه تحصيل الحاصل.
[ المترجم: اقول اولاً إن الاحاطة الوجودية التی ذكروها في محتملات معنی الاية الشريفة هي نفس معنی الباطل الذي قاله العرفاء و الفلاسفة فلا تغفل و ثانياً إن معنی الاية لا يرتبط بما قاله من حقيقة قدرة الله تعالی و علمه بل الصحيح في تفسير الآية الشريفة هو أن الله تعالی هو الاول و الاخر بلا زمان لانه لا يوصف بالزمان حتی يكون قبله او بعده شئ، و إنه تعالی ظاهر بالادلة الواضحة الدالة عليه من خلقه و هو الباطن عن الدرك و الفهم و الوهم و التفصيل يطلب من محله]
الأوّل والآخر و...
في بيان تأويل الأوّل والا خر وردت روايات شافية من النبيّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والأئمة الاطهار(علیهم السلام) نذكر بعضها:
1- روي عن النبيّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انّه قال:
أنا الأوّل والآخر اوّل في النبوة وآخر في البعثة.(2)
في هذا الحديث يبين الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انّه الأوّل في النبوة وذلك لأنّ نبوته أهم من كلّ نبوة الأنبياء الآخرين وهو الآخر بمعنى انّ نبوته آخر النبوات.
ص: 25
2- قيل لأميرالمؤمنين عليّ(علیه السلام)كيف اصبحت؟ فقال: أصبحت وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم وأنا وصي خير البشر وأنا الأوّل وأنا الآخر وأنا الباطن وأنا الظاهر وأنا بكلّ شي ء عليم وأنا عين اللَّه... وأنا احيي وأنا أميت وأنا حي لا اموت.فتعجب الأعرابي من قوله فقال(علیه السلام) :أنا الأوّل اوّل من آمن برسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأنا الآخر، آخر من نظر فيه لما كان في لحده وأنا الظاهر ظاهر الاسلام وأنا الباطن بطين من العلم وأنا بكلّ شي ء عليم، فانّي عليم بكل شي ء أخبر اللَّه به نبيّه فأخبرني به، فأمّا عين اللَّه فأنا عينه علی المؤمنين والكفرة وأمّا جنب اللَّه فان تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللَّه ومن فرط في فقد فرط في اللَّه ولم يجز لنبيّ نبوة حتّى يأخذ خاتما من محمد فلذلك سمي خاتم النبيين محمد سيّد النبيين وأنا سيّد الوصيين وأمّا خزّان اللَّه في ارضه فقد علمنا ما علّمنا رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقول صادق وأنا احيي: احيي سنة رسول اللَّه وأنا أميت، أميت البدعة وأنا حي لا اموت لقوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (1) (2)
3- روي انّ أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه كان قاعدا في المسجد وعنده جماعة فقالوا له: حدّثنا يا أميرالمؤمنين، فقال لهم: ويحكم انّ كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلاّ العالمون. قالوا: لابدّ من أن تحدّثنا. قال: قوموا بنا، فدخل الدار، فقال: أنا الذي علون فقهرت، أنا الذي أحيي وأميت، أنا الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فغضبوا وقالوا: كفر وقاموا (للخروج) فقال عليّ صلوات اللَّه عليه: ألم أقل لكم انّ كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلاّ العالمون؟ تعالوا افسر لكم.
أمّا قولي: أنا الذي علوت فقهرت، فانا الذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتّى آمنتم باللَّه ورسوله.
وأمّا قولي: أنا احيي وأميت فأنا احيي السنة وأميت البدعة.
وأمّا قولي: أنا الآخر فانا آخر من سجّى على النبيّ ثوبه ودفنه.
وأمّا قولي: أنا الظاهر والباطن، فأنا عندي علم الظاهر والباطن، قالوا فرّجت عنّا فرج اللَّه عنك.(3)
ص: 26
4- نقرأ في زيارة ياسين: أنتم الأوّل والآخر(1)هذه الجملة أيضا مع ملاحظة القرائن الاخرى معناها انّكم - أي الأئمة الاطهار: - من حيث المقام والمنزلة اوّل الأوصياء ومن حيث انّه لا اوصياء بعدكم فأنتم آخر الأوصياء.
الواجب والممكن والممتنع
الف) الشيء اما ملتفت اليه ام لا الاول هو المعلوم، والثاني هو المجهول المطلق فلا نحكم عليه بشيء.
ب) المعلوم اما له حقيقة مقدارية متجزية وتعين وصورة مميزة بها عن غيرها فيمكن ان يعرف بنفسها كالشجر والحجر والمثلث والمربع والجن والملك. ام ليس كذلك ولا يعرف بنفسها ولا يحصل
ص: 27
العلم بها إلا من غيرها كوجود الخالق المتعالي الذي لا يعرف بنفسه ابداً ولا يمكن التصديق بوجوده الا من جهة افعاله ومخلوقاته.ج) كل ما يمكن ان يعرف بنفسه فله حقيقة مقدارية متجزية(1) ويجوز ان يوجد في الخارج وأن يعدم، وهو ممكن الوجود وعليه فكل ما يمكن ان يعرف بذاته فهو ممكن وكل ممكن فهو يمكن ان يعرف بنفسه.
د) لا صورة معقولة للواجب لذاته؛ والممتنع لذاته، واما الحكم بامتناع اجتماع النقيضين فليس حكماً علی ما له ذات قابلة للمعرفة والمعلومية بل ليس هو الا حكم العقل علی الممكن الوجود بامتناع اجتماع وجوده مع عدمه فلا موضوع له في عرض ممكن الوجود. كما أن الحكم بامتناع وجود شريك الباري ايضا ليس حكماً علی ذات لها صورة معقولة ومعروفة بنفسها بل ليس ذلك الا حكم العقل بامتناع تكرر وتعدد ذات لا شبح لها ولا مقدار ولا صورة ولا اجزاء فليس له موضوع مستقل عن الممكن حتی يصح ان يقال: ان كل معقول اما واجب واما ممتنع واما ممكن بل الصحيح هو أن يقال: ان كل ما نعرفه او يمكن ان نعرفه ونتصوره بنفسه فهو ممكن الوجود وحيث ان كل ممكن قابل للوجود والعدم بل موجود بعد عدمه فيحتاج الی خالق بخلافه.
في التقسيم إلی الواجب والممكن والممتنع
كل ذات نعقلها ونلتفت اليها فاما لها كيفية وكمية وامتداد وجودي واجزاء كالشجر والحجر و... ام لا الثاني لا يليق به أن ينسب اليه الوجود والتحقق الخارجي بل هو لا شيء محض لا انه شيء يمتنع وجوده. والاول هو ممكن الوجود حيث إنه يصح وجوده وعدمه. وأما أن تكون هناك ذات تعقل وتعرف بذاتها ثم يحكم بوجوب وجودها فمحال موضوعي، كما ان من المحال أيضاً أن يكون هناك شيء يرسم علی الحائط بصورته وهو مع هذا يجب وجوده أو يمتنع عدمه!
وعلی هذا كله فكل ذات وحقيقة معقولة ومتصورة ومعروفة بنفسها فهي ممكن الوجود لا انه معقول وله شيئية اما أن يمتنع وجوده ام يجب وجوده.
ص: 28
فان قلت: اليس شريك الباري واجتماع النقيضين مما يمتنع وجودهما؟ قلت: لا شيئية لشريك الباري حتی في العقل كما انه لا شيئية معقولة لموضوع هي اجتماع النقيضين بل امتناع اجتماع النقيضين هو حكم العقل علی نفس الشيء الممكن المعقول بامتناع اجتماع وجوده وعدمه لا غير. فان قلت: اليس واجب الوجود فرض ذاته كافياً للحكم بوجوب وجوده؟! قلت: ما فرضته واجبا إن كان مما يعقل ويعرف بنفسه فهو متجزء مخلوق، وإن لم يكن كذلك فلا يعرف بنفسه ولا يستدل عليه لا من وجود فعله وخلقه وأثره.
العلة والمعلول
علة الشيء هي ما يكون المعلول مستندا إليه وهو علی قسمين:
الاول) علة الوجود بالجعل البسيط، وهو معنی: "الخلق" و"إيجاد الاشياء لا من شيء"، وهذا المعنی يختص باللّه تبارك وتعالی كما بيناه سابقا. وهو الذي تنكره المعرفة البشرية بأُسه وأساسه.
الثاني) علة التغير والتبدل، وهو "الجعل التأليفي والتركيبي"، وهذا المعنی لا يختص باللّه تبارك وتعالی، بل إن كل فاعل مختار يمكنه أن يغيّر الاشياء من صورة إلی صورة في حدّ وسعه وقدرته التي ملّكها اللّه تعالی وأعطاها إياه، وإن تكن هذه الحقيقة أيضا لا تتمشی علی القواعد الفلسفية.
وأما العلل والعوامل الطبيعية فلا تكون من العلية في شيء، وذلك أن العلة هي ما يستند إليها الفعل، لكن العلل والعوامل غير الارادية كلها منفعلات مجبورات، والمنفعل المجبور غير فاعل بالضرورة.
تحريف معنی العلّية والمعلولية
تقول المعرفة البشرية: إذا كان هناك موجودان أحدهما في حيطة وجود الاخر بحيث لا يكون خارجا عنه لا مستقلا ولا غير مستقل، فالمحاط هوالمعلول، والمحيط الواسع الشامل هو العلة. وحيث إن وجود اللّه يكون غير متناه فهو شامل جامع واسع لكل ما سواه ولا يوجد شيء خارجا عن حيطة وجوده وإلا لم يكن غير متناه بل كان محدودا متناهيا، فهو العلة مطلقا وما سواه معلولاته، لانه محيط بغيره من الاشياء بأجمعها، وكل ما سواه يكون محاطا بوجوده.
ص: 29
ثم إنه ينسب إلی العرفاء أنهم يقولون: "إن هذه الاحاطة والشمول والتوسعة يكون علی نحو اشتمال شيء علی غيره بأن يكون هناك حصص بالتوسيع والتضييق والتضمين والتفريق.
وينسب إلی الفلسفة المسماة ب-"الحكمة المتعالية" القول بأنه تكون تلك الاحاطة علی نحو الشدة والضعف في المراتب الوجودية، وذلك باشتمال كل مرتبة شديدة علی ما دونها من المراتب الضعيفة.
وليعلم أنه لا تفاوت بين هذا التفسير وبين ما قالته العرفاء إلا بالاسم فقط، كما صرح بهذا المعنی أصحاب التشكيك، وبيّنوا أن مرادهم من الشدة والضعف ليس إلا نفس التوسعة والتضييق والزيادة والنقصان الوجودية التي يقول بها العرفاء القائلون بوحدة الوجود والموجود المنكرين لكون الوجود ذا مراتب مختلفة بالشدة والضعف.
ثم من الواضح أن هذا التفسير - بكلتا صورتيه - لا يرتبط بحقيقة معنی العلية والمعلولية، وليس حقيقته إلا حقيقة معنی الجزء والكل.
والقائلون بهذا المعنی في تفسير العلية والمعلولية هم الذين قالوا ب-"وحدة وجود الخالق والمخلوق"، بل وتلك النظرية الواضحة البطلان المخالفة لضرورة الوجدان والبرهان والاديان ألجأتهم إلی تأويل معنی العلية الواضحة عند كل أحد وتحريفه، وإلا فلا شبهة في بطلان هذا التفسير عند كل أحد.
هل الشيء ما لم يجب لم يوجد؟!
ان الامر الممكن ما لم يجب لا يوجد اذا لم يكن فعل فاعل مختار وذلك كاحراق النار وانجماد الماء في درجة معينة من البرودة واما اذا كان فعل الفاعل المختار فيوجد ولم يوجبه موجب كمعصية العاصي وطاعة المطيع وهو واضح حيث إن العاصي والمطيع لا يكونان موجبين علی المعصية والطاعة بالضرورة.
ولا تغفل عن أن وجوب وقوع الطاعة أو المعصية إذا اختارهما الفاعل فهو خارج عن محل النزاع.
للقدم والازلية معنيان:
الاول) دوام الوجود بمقدار غير متناه.
ص: 30
الثاني) كون الشيء متعاليا عن شأنية الاتصاف بالزمان والمكان - وذلك بملاك كونه علی خلاف المقدار والاجزاء كما بيناه -.
المعنی الاول يكون موهوما ومحالا ذاتيا، لانه من مصاديق القول بعدم التناهي في المقدار والعدد، وقد بينا استحالة وجود اللامتناهي مطلقا (لايخفی ان التناهي وعدمه من صفات الاجسام يعني الموجودات المقدارية، الناشر) .
وظهر بذلك أن القول بأزلية وجود العالم - كما تقوله المعرفة البشرية - يكون محالا موضوعا، وباطلا ثبوتا.
وللحدوث أيضا معنيان:
الاول) كون الشيء موجودا بعد أن كان معدوما في زمن قبله، وبعبارة أخری: بعد أن كان الزمان ظرفا لعدمه. وهذا المعنی محال فرضه بالنسبة إلی حدوث العالم ولم يقل به المحققون من المتكلمين بل هم يصرحون بأنه إما أن لا وجود للزمان مستقلا عن الاشياء حتی يمكن البحث عن حدوثه وقدمه بنفسه بل هو بعد من أبعاد وجود المخلوقات وموجود بوجودها فقط، وإما أن العالم حادث لا من شيء بكل أجزائه ومنها نفس الزمان.
الثاني) كون الشيء موجودا في الزمان والمكان - وذلك بملاك كونه مقداريا متجزيا - هذا مع العلم بأن كل ما يكون كذلك فهو متناه وجوده لا محالة زمانا ومكانا، لما بينا من استحالة عدم التناهي مطلقا (يعني في الموجودات المقدارية، الناشر) .
فظهر بذلك أن القديم لا يتصف بالزمان، وتفسير "القدم" ب-"امتداد الوجود(من حيث الابتداء)" غلط ووهم، فلا يكون تقابل "الحادث والقديم" من حيث كون زمن وجود أحدهما متناهيا والاخر غير متناه، بل يكون تقابلهما من جهة حقيقة الذات وسنخ الوجود، حيث إنه يكون أحدهما مقداريا متجزيا زمانيا مكانيا، والاخر متعاليا عن الاتصاف بالزمان والمكان والمقدار والاجزاء.
ثم اعلم أن حدوث الشيء المتصف بالزمان إما حقيقي وقد بيّناه. أو إضافي، وهو وجود شيء في زمن بعد عدمه في زمن آخر. وهذا المعنی الثاني يكون خارجا عن محل النزاع في مبحث "حدوث
ص: 31
العالم"، وذلك أن الزمان حادث بحدوث العالم، ولا زمان قبل وجود العالم حتی يكون ظرفا لعدم وجوده؛ بل لقائل أن يقول: لا وجود نفسي للزمان والمكان مطلقاً، بل هما بعدان لوجود الاشياء المخلوقة كما بيناه.
إن قلت: فأين أنت من معنی "الحدوث الذاتي" الذي تقول به المعرفة البشرية؟
قلت: يعرّف الحادث الذاتي بما يتساوي له الوجود والعدم بالنظر إلی ذاته وإن كان وجوده أزليا، والمقصود من ذلك هو افتراض وجود الاشياء قديمة أزلية دائمة الوجود مع اللّه تعالی مستندة في وجودها إليه، بل الاشياء عندهم هي اطوار وجود الخالق تعالی لا غير، وإن رأيت أنهم يتفوهون أحياناً بأن واجبهم يكون مجرداً عن الزمان والمكان فينبغي أن تعلم أن ذلك منهم ليس إلا ألفاظاً لا يعدو لفظه معناه، كيف وأنهم قائلون بأجمعهم بدوام وجود الخالق والمخلوق وتعاصرهما، بل بصدور المخلوقات عن ذات الله تعالی أو تطوره بصورها وهما نفس القول بكون الله متغيراً متبدلا متطوراً زمانياً مكانياً فلا تغفل.
ومن هاهنا تری أن المعرفة البشرية تقول: العالم حادث ذاتي يكون بالنظر إلی ذاته ممكن الوجود، وبالنظر إلی علته واجب الوجود.
وهذا المعنی يخالف ما يحكم به العقل والبرهان والضرورة والوجدان، وإنما هو تأويل باطل لمعنی حدوث العالم ومخلوقية ما سوی اللّه تعالی إلی ما توهمه الدهريون من أزلية وجود العالم وامتناع أن يكون هناك خالق قادر علی أن يخلق الاشياء لا من شيء.
وعلی أي فإن العقل يحكم بالبداهة بما يلي:
ألف) أن ما كان وجوده أزليا دائميا - مع غض النظر عن استحالة ذلك ذاتا - لا معنی لكونه مستندا في وجوده إلی غيره، وذلك حيث إن ذلك الغير إن كان أوجد الثاني حال وجوده يلزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن كان أوجده وهو لم يكن شيئا فهو حادث بعد أن لم يكن، فلا يكون موجودا أزليا دائميا.
ب) إذا كانا هما موجودين أزليين دائميين فاختصاص أحدهما بالوجوب دون الاخر يكون ترجيحا باطلا.
ص: 32
إن قلت: إذا كان الوجود حقيقة أزلية غير متناهية فكل مرتبة من مراتبها تكون أزلية دائمية أيضا، وهي مع ذلك يكون وجود كلّ مرتبة منها مستندة إلی وجود الكل.
قلت: هذا تحريف لحقيقة معنی "العلية" و"الاستناد" و"الانشاء" و"التكوين" و"الخلقة" و"الايجاد" إلی معنی "الجزء والكل" الذي يجل شأن أهل التوحيد أن يقولوا بذلك ويتوهموه في شأن الخالق جلّ وعلا وخلقه المسخر بإيجاده تعالی المعبر عنه بقوله: "كن فيكون".
قد يقال: إن الواجب الوجود يخلق العالم أزلا ويحدثه دائما! وذلك كالشمس في إحراقها دائما.
ونقول: أولا: إن الخلق والاحداث لا يمكن أن يوجد له في فرض قدم العالم ودوام وجوده مصداق واحد فضلا عن الخلقة في كل آن.
وثانيا: إن ذلك فرض لا يمكن تحققه الا في الموجود المتجزئ المتطوّر المقارن للأحوال المختلفة كما دل علی ذلك ما مثلوا به، وليس هو الخالق المتعالي بل الواجب الوجود الفلسفي. وقد جاءنا من مصدر الوحي والتنزيل: من قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله!
حدوث الزمان والمكان
إن الزمان والمكان ليس حدوثهما ولا عدمهما قابلين للتصور والادراك بنفسهما، بل لا يعرف هذان المعنيان إلا بغيرهما، وذلك أنا نعرف أولا وبلا واسطة معنی الزمان والمكان، ثم نحكم عليهما بأنهما يمتنع أن يكونا موجودين أزليين، ويجب أن يكونا قد وجدا بإيجاد خالق لهما؛ وهذا حكم عقلي صرف تقتضيها الادلة الدالة علی امتناع كون الزمان والمكان غير متناهيين، وكونهما مخلوقين وموجودين بإيجاد خالق غيرهما متعال عنهما وعن كل ما يشبههما من المقادير وهي كل ما سواه جلت عظمته وتعالی شأنه.
وذلك كما أن الصفحة المستوية لا يمكنها أن تحيط بالموجود ذي أبعاد ثلاثة ، بل إذا حصل له العلم بوجود الموجود ذي أبعاد ثلاثة فلا يمكن أن يكون ذلك إلا عن دليل عقلي صرف يدلها عليه. وكما أن السمك لا يمكنه أن يقرّ بوجود الحياة خارج الماء إلا كذلك، والاحول لا يمكنه أن يصدق بوجود "الواحد" إلا كذلك، والاكمه لا يقرّ بوجود اللون إلا كذلك و...
ص: 33
في علة احتياج الممكن إلی العلة
هاهنا امور ثلاثة:
الف) الشي الموجود كالشجر والحجر
ب) المعدوم كبحر من الزيبق
ج) الامكان
ليس شي منها يدل علی الاحتياج الی العلة اما الاول فلوضوح ان وجود شي بمجرده لا يخبر عن وجود العلة والثاني فلانه لا شي محض واما الثالث فلان الامكان حكم عقلي محض ليس وراء ذلك شيئاً فما معنی حكايته عن وجود العلة ام عدمه؟! هذا مضافاً إلی أنه اذا فرضنا أن هناك ممكنا ازليا كما يفرضه بعض - وان كان فرضاً باطلا في نفسه - فالحكم باحتياجه إلی العلة من ناحية امكانه مناقض للحكم بعدم احتياجه الی العلة من ناحية ازليته.
فهاهنا امر رابع وذلك انا اذا فرضنا شئياً موجوداً ثم عدم اي حدث له العدم او كان معدوماً فوجد اي حدث له الوجود فالعقل يحكم باحتياجه إلی العلة من ناحية حدوثه فعلة احتياج الممكن الی العلة هي الحدوث لا غير.
هذا كله من ناحية حكم العقل باحتياج العالم إلی العلة واما من ناحية ذاته وعينه في الخارج فامره إلی منشئه وموجده حدوثا وبقاء وكمّا وكيفاً ووصفاً و... ولا معنی لاستغنائه عن موجده في شيء من ذلك اصلاً.
للبحث صلة
ص: 34
العدد الرابع
بحث مختصر حول أصول التفكير الصحيح للوصول
إلى المعرفة الصحيحة
الاصل الخامس
حول مدركات العقل؛ وهي إما أن تكون في الأمور التي لاتتعلّق إلا بالنظريّات التي لا تستتبع إلزاماً عملياً و هي التي تسمّی بالعقل النظري و إما أن تكون في الأمور التي تستتبع إلزاماً عملياً من قبيل حسن العدالة، و قبح الظلم. فأنكر الفلاسفة الثاني؛ و هو إدراكات العقل العملي و قالوا إنها أحكام
ص: 35
اعتباريّة، و ليست ذاتيّة و واقعية، يقول ابن سينا فی التنبيهات و الاشارات(ان الانسان اذا لم يؤدب عليها لم يقضِ بها عقله) و هذا مرادهم من الأحكام الاعتبارية(1) و التي هي قابلة للتبدّل و التغيّر و أنها مجعولة من قبل العقلاء حسب المصالح و المفاسد. و خالفهم المتكلّمون و قالوا: لا فرق بين مدركات العقل النظري و العملي فكلاهما من باب واحد و أصل واحد، و كلاهما ذاتيان و واقعيان و الدليل علی ذلك الوجدان وضرورة العقل. و هذه هي الرؤية الاسلامية قال تعالی في سورة البقرة: و إذ قَالَ رَبُك للملائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجعَل فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا و يَفسِك الدِمَاءَ و نَحنُ نُسَبحُ بِحَمدِك و نُقَدِّسُ لَك قَالَ إنِّي أعلَمُ مَالا تَعلَمون~.و هذه الاية الشريفة صريحة واضحة بواقعيّة الإدراكات العقلية العملية، و هي بدروها مرشدة و مذكّرة للبشر بأن لا يخرجوا عن جادّة العقل الصريح، و توضيحها:
إن استفهام الملائكة و استدلالهم؛ كان قائماً علی مدركات العقل العملي من قبح الفساد في الأرض و كذلك قبح الظلم و سفك الدماء و حسن التسبيح و التقديس من المخلوق للخالق، و أنه هوالملاك الواقعي و الذي لا يمكن مخالفته في الواقع. و الملائكة كما هو واضح؛ ليسوا من البشر حتی تكون لهم اعتبارات تابعة للمصالح و المفاسد. بل هم عقول محضة؛ حسب منطوق بعض الروايات .
وهذا مما يؤيد كون إلادراك العملي؛ من حسن التقديس و التسبيح، و قبح الظلم ، من الإدراكات العقليّة
الذاتيّة الواقعيّة.
و كذلك الميزان عند رب العزّة و الجبروت؛ من إن العقل العملي هو عين الواقع. فلم يُجِب الملائكة: بأني لا أعتبر و لا أقبل موازينكم، و لم يخطأ استدلالهم المعتمد علی مدركات العقل العملي، بل جعلها مما لا نقاش فيها. و كان الجواب الإلهي إنه خفيت عليكم حكمةّ؛ هي التي تكفي في حلّ إشكالكم و جواب مسألتكم، فاعتذروا إليه تعالی.
ص: 36
و من ذلك يتبّين أنها من القوانين العامّة غير المجعولة و غير القابلة للتبدل و التغيّر، كما هو شأن الأحكام العقليّة، بل هي ذاتيّة للعقل، و واقعية بحيث أنها تحكم الوجود و الواقع بأسره بلا استثناء، و لا تفصيل في الحكم كما هو ميزة الأحكام العقليّة التي لاتخصيص فيها و لا تفصيل.
و المسألة تحتاج الی تفصيل أكثر لا يسعه هذا المختصر. و هي مفترق الطريق بين الفلاسفة و المتكلّمين. و الحق مع المتكلمين، و بالتالي سوف تختلف الاستدلالات و المنهجة حسب رأي المتكلّمين عن منهجة و استدلالات الفلاسفة، فلابد من التنبه لذلك حين الاستدلال من كل من الطرفين.
الاصل السادس
إن من المفروض في مباحث المعرفة؛ البحث عن أحكام و قوانين الوجود، و الواقع، و تمييزه عن الوهم و الخيال.و البحث عن القوانين في علم المعرفة إنما يكون عن القوانين العامّة، لا القوانين الخاصة بالطبيعة، أو بقسم من أقسام الطبيعة؛ كالكيمياء و الفيزياء و الفلك و الحيوان و النبات و غير ذلك. بل يكون البحث فيها عن قوانين الواقع و الوجود، و التي من خصائصها أنها واقعية أولاً، و غير مجعولة بل و لا قابلة للجعل ثانيا، و غير قابلة للتبدل و لا التغيّر و لا النقض ثالثاً، و إنها عامّة رابعاً، و لا تخصيص فيها خامساً.
و هذا هو شأن الأحكام العقليّة و من المفروض في علم المعرفة تفنيد كل القوانين الخرافيّة المدعی واقعيّتها و حكومتها بالخصائص الخمس المتقدّمة.
و لا بد من التفريق بين القوانين المجعولة و غير المجعولة. و لا بأس بإعطاء صورة عن أقسام القوانين، و هي يمكن تقسيمها الی ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قوانين الواقع، و التي تمتاز بالخصائص الخمس المتقدّمة و هذه هي القوانين التي يفرض أن يبحث عنها في علم المعرفة.
ص: 37
القسم الثاني : القوانين التي تحكم الطبيعة و المادّة بشكل عام، و هي القوانين؛ الفلكيّة و الفيزيائيّة و هي قوانين مجعولة قابلة للنقض من قِبَل القادر جلَّ و علا، و لا تمثّل بُعداً فلسفيّاً فلو أن المادّة ، مثلاً ، لايمكن إفناؤها، فإنما هو قانون حسب النظام الطبيعي الموجود بالفعل، و هو قابل للنقض حسب قوانين الواقع يعني القوانين التي تحكم الوجود بأسره و تتعلق به القدرة الإلهيّة فتُنقض من قِبل الله تعالی؛ بخلاف قوانين القسم الاول؛ كاجتماع النقيضين، و احتياج المعلول الی العلة و غير هما.
القسم الثالث: القوانين التي تحكم حصّه من حصص الطبيعة؛ مثل الإنسان و الحيوان و النبات و غيرها و هذه القوانين مجعولة كما هو الحال في قوانين القسم الثاني.
و اللازم عدم الخلط بين هذه الاقسام. فرُبَّ قانون يحكم الإنسان، لكنه لايحكم الطبيعة، كما لا يحكم الوجود بأسره.
و من هذه الجهة؛ لابدّ من دراسة مفردات هذا البحث بشكل واسع و معمّق. و لا بأس بذكر بعض المسائل الأساسية توضيحاً للموضوع:الأولی: هل أن قوانين العالم الطبيعي و باقي القوانين؛ ذاتيّة أم غير ذاتيّة؟ فعلی الأول لا فرق بين القوانين أبداً من حيث التقسيمات الثلاثة المتقدّمة، و علی الثاني، فالفرق واضح.
و هنا ادعی الفلاسفة ذاتية الاشياء بمعنی انه لا تصل إليها يد الجعل فملكية الملك و انسانية الانسان و شجرية الشجر و نارية النار كلها ذاتية و ليست مجعولة من قبل الخالق جل و علا و انما المجعول هو ذات الشيء فقط و لا دخل للارادة الالهية في جعل الشيء ملكاً و انساناً و... و هذا الكلام منهم مبني علی قاعدة السنخية و قاعدة الواحد لايصدر منه الا واحد و سياتي ما فيهما و هو انكار صريح للقدرة الالهية المطلقة الثابتة له تعالی بالبرهان العقلي. و مخالف للرؤية الاسلامية فعن الصادق : «لايكون الشيء لامن شيء الا الله ولاينقل الشيء من جوهريته الى جوهر اخر الاّ الله ولاينقل الشيء من الوجود الى العدم الاّ الله»(1)
الثانية: هل السنخيّة بين العلة و المعلول؛ قانون واقعي يحكم الواقع باسره أم لا، بل هو قانون طبيعي خاص بعالم الطبيعة و أنه لا سنخية بين العلة و المعلول و الأثر و المؤثر بل قد يكون ذلك مستحيلاً؟.
ص: 38
الثالثة: هل إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد قانون يحكم الوجود؟ و هل هو صحيح أم لا؟.
الرابعة: هل ينقسم الوجود الی ثابت و سيّال أم لا؟ و هل الحركة الجوهريّة قانون واقعي أم لا؟.
الخامسة: هل ينقسم الوجود الی مستقل و رابط أم لا؟.
و غير ذلك من المسائل الاخری المتعددة و التي تحتاج الی تعمق و بحث و استدلال؛ بعيد عن المغالطات و المصادرات، قائم علی البديهيّات و لا يعدوها.
و نكتفي بالبحث عن ثلاث منها:
الاولی:حول السنخية، و هل أنها من قوانين الواقع التي لاتتعلّق بها القدرة، و إنها غير مجعولة، ام إنها من القوانين التي تحكم الطبيعة، و إنها ليست قانوناً واقعياً فنقول:
أولاً: إن كلمة الوجود، لا تدل علی حقيقة الوجود، و لا يمكن أنتشخص لنا كنه الوجود، و ليست هي مرادفة للذات المقدسة الالهية. و ما هي إلا عبارة عن التحقق و الثبوت، و لا معنی لأن يكون التحقق علة للتحقق كما لايخفی.
ثانياً: لا يوجد أي دليل عقلي علی ضرورة المسانخة بين العلة و المعلول إلا ما يظهر من السنخية بين العلل و المعاليل الطبيعة، و لا شك أنه لا يمكن قياسها علی العلل و المعاليل الواقعية. فما يثبت كقانون في الطبيعة لايكون دليلاً علی ثبوته كقانون يحكم الوجود و الواقع فلنفرض أن هنالك مسانخة بين النار و الحرارة فليس معنی ذلك أن ثبوت هذا القانون الطبيعي غير مجعول و ضروري الوجود و الثبوت حتی في الواقع، و لايمكن تبدله و تغيره.
و من هذا البيان يتضح بأنه لادليل علی ثبوت السنخية في الواقع و لايمكن قياس الطبيعة علی عالم الوجود بأسره؛ حيث لايخفی إن العلل و المعاليل الطبيعية. لاتملك من امرها شيئاً الاما ملّكها و وهبها الله تعالی.
ثالثاً: نحن نعلم أن هذا العالم المشاهد المحسوس يشتمل علی المتضادات و المتخالفات و الكثرات المتنوعة و هو ذو جهات عديدة و كلها غير البساطة و غيرتعدد الجهة و نعلم أيضاً أنها لم تستند الی علة غيره تعالی و إلا لتعدد الاله فأي سنخية إذاً بينه تعالی و هو واحد بسيط «المراد من
ص: 39
البساطة هو عدم التركب» و بينها و هي كثيرة؟ أفلا يكون هذا دليلاً قاطعاً علی أنه غيرها و أن لاسنخية بينه تعالی و بينها؟.
و قد جرتهم فكرة السنخية الی القول: بأن ماهو موجود في العالم موجود في ذاته تعالی بنحو ابسط و أعلی. يقول ملا صدرا الشيرازي: «إنه لا مانع من التزام كونه تعالی جسماً إلهياً...»(1) و يقول ملا هادي السبزواري في حاشيته علی المنظومة: «و لما كان العقل الكلي أمراً بالفعل جامعاً لجميع فعليات مادونه بنحو أبسط و أعلی و أنحاء الفعليات المتشتة أظلاله و هو ظل الله تعالی». و يقول في الأسفار ايضاً في الفصل الثاني عشر من السفر الثالث تحت عنوان: في أن واجب الوجود تمام الاشياء و كل الموجودات و إليه ترجع الاموركلها.. إذا تقرر هذا فنقول: إن العرفاء قد اصطلحوا في إطلاق الوجودالمطلق و الوجود المقيد علی غير ما اشتهر بين أهل النظر، فإن الوجود المطلق عند العرفاء؛ عبارة عما لايكون محصوراً في أمر معين محدوداً بحد خاص و الوجود المقيد بخلافه ؛ كالانسان و الفلك و النفس و العقل و ذلك الوجود المطلق هو كل الاشياء علی وجه أبسط».
و بعد بطلان قانون السنخية يتضح الجواب لما رتب عليها من أنه تعالی عين مخلوقاته و يشتمل علی كل ما في مخلوقاته بنحو أعلی و أبسط علی سبيل اللف و الرتق و لامانع من كونه جسماً إلهياً (حسب تعبيرهم ) و لتوضيح بطلان هذه الافكار نقول:
أولاً: بعد قيام البرهان القاطع في أنه تعالی ليس بمحدود و لامركب و لا تحده جهة لامعنی لكونه جسماً إلهياً بعد ما نعلم أن العالم الجسماني ذو أبعاد ثلاثة مشتمل علی الجهات و الحدود تعالی الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثانياً: يلزم علی مقالتهم أنه تعالی يكون محدوداً بما اشتمل عليه و لو بنحو أعلی و أبسط و ذلك عين المقهورية و الاضطرار.
ثالثاً: يلزم أن يكون تعالی عين الاحتياج و عين الكثرة و القلة و التضاد و التخالف.
و الخلاصة: إنه تعالی ليس جسماً إلهياً و ليست الجسمانية ذاته تعالی بنحو أبسط و أعلی بل هو ذات واحدة أحدية فوق المادة و الحد و التركيب و إن ما يصدر منه ليس هو ذاته أو نحو من أنحاء
ص: 40
ذاته بل هو غير ذاته فليس مانملك من روح و عقل و جسم و حدود يلزم وجوده في ذاته تعالی بل هو فوق ذلك هو واهب الروح و العقل و الجسم و مع ذلك فهو غيرها. وهذه هي الرؤية الاسلامية قال الله تعالی(1) فلا تجعلوا لله انداداً و انتم تعلمون~ و قال تعالی جعلوا لله انداداً ليضلوا عن سبيله~(2) و هاتان الآيتان دالتان علی عدم السنخية بينه تعالی و بين مخلوقاته حيث أن معنی الند هوالمشارك في السنخ ففي مفردات الراغب الاصفهاني « نديد الشيئ مشاركه في جوهره... قال تعالی:« فلا تجعلوا لله انداداً »(3) .
و عن الامام الرضا « و كل ما في الخلق لايوجد في خالقه و كل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه»(4)
و عن الامام الصادق : «من شبه الله بخلقه فهو مشرك إن الله تعالی لايشبه شيئاً و لا يشبهه شيئ، كلما وقع في الوهم فهو بخلافه»(5)
و عن امير المؤمنين في نهج البلاغة: « الحمد لله الدال علی وجوده بخلقه و بمحدث خلقه علی ازليته و باشتباههم علی أن لا شبه له... لافتراق الصانع و المصنوع و الحاد و المحدود و الرب و المربوب»(6)
و عن الامام الرضا « ... و لا اياه وحد من اكتنهه و لاحقيقته اصاب من مثّله... و مباينته اياهم مفارقته إنيتهم ... و ذاته حقيقة وكنهه تفريق بينه و بين خلقه... فقد جهل الله من استوصفه...»(7)
و عن الامام الحسين « لايوصف بشيئ من صفات المخلوقين»(8)
ص: 41
و عن امير المؤمنين: « و توحيده تميزه من خلقه و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل ما تصوّر فهو بخلافه»(1)
و عن الامام الرضا: «... ما توهمتم من شيئ فتوهموا الله غيره»(2)و عن الامام الجواد: « ... كيف تدركه الاوهام و هو خلاف ما يعقل و خلاف ما يتصور في الاوهام فما وقع وهمك عليه من شيئ فهو خلافه»(3)
و عن مولانا امير المؤمنين: « لا يخطر ببال اولي الروّيات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من ان يكون في قوی المحدودين لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين و إنما يشبّه الشيئ بعديله فاما ما لا عديل له فكيف يشبّه بغير مثاله»(4)
و عنه ايضاً: « فمعاني الخلق عنه منفية... المعروف بغير كيفية... و لا يقاس بالناس... و لاتحيط به الافكار و لا تقدره العقول و لا تقع عليه الاوهام فكل ما قدره عقل او عرف له مثل فهو محدود»(5).
و عنه ايضاً: «... مباين لجميع ما احدث في الصفات و ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات...(6)
و عن الامام الصادق: « إن الله تبارك و تعالی خلو من خلقه و خلقه خلو منه و كل ما وقع عليه اسم شيئ ما خلا الله عزوجل فهو مخلوق و الله خالق كل شيئ تبارك الذي ليس كمثله شيئ»(7)
ص: 42
و عنه ايضاً : « لا يليق بالذي هو خالق كل شيئ الا ان يكون مبايناً لكل شيئ متعالياً عن كل شيئ...»(1)هذا و قد جاءت الرؤية الاسلامية حول الذات الالهية بتن-زيه الذات الالهية عن الاجزاء و المقدار و العدد و الزمان و المكان و الزيادة و النقصان و الشدة و الضعف و الصغر و الكبر و كل آيات المخلوقية و المصنوعية فهو تعالی من-زه عن كل ذلك و لاباس بذكر بعض الروايات الوارد في ذلك:
فعن مولانا الصادق: « لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف إنما يختلف المتجزئ و ياتلف المتبعض فلا يقال له مؤتلف و لا مختلف»(2).
و عنه : «واحد في ذاته فلا واحد كواحد لأن ما سواه من الواحد متجزئ و هو تبارك و تعالی واحد لامتجزئ و لا يقع عليه العد »(3)
و عن الامام الهادي: « الله جل جلاله واحد لا واحد غيره لا اختلاف فيه و لا تفاوت و لا زيادة و نقصان».(4)
و عنه: « لم يتجزء و لم يتناه و لم يتزايد و لم يتناقص»(5).
و عن مولانا الجواد: « إن ما سوی الواحد متجزئ و الله واحد لا متجزئ و لا متوهم بالقلة و الكثرة و كل متجزئ او متوهم بالقلة و الكثرة فهو مخلوق دال علی خالق له»(6).
و عن مولانا امير المؤمنين: «تعالی الملك الجبار أن يوصف بمقدار(7)»
ص: 43
و عنه: «... عظيم العظمة لا يوصف بالعظم كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر»(1).و عنه : «ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيماً و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيداً بل كبر شأناً و عظم سلطاناً(2)»
و الحاصل أنه لا سنخية بين الذات الالهية المقدسة التي هي لا توصف بالحد و الحدود بل هي فوق ذلك و بين المخلوقات.
للبحث صلة
في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله
مقدمة المترجم:
[اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
ص: 44
الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بناء علی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود وتحققه بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هوالكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.
والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.]
المحاضرة الثالثة
دليلان اخران حول السنخية:
1- قاعدة فاقد الشي ء لا يعطيه
حول السنخية يستدل بعض الأحيان بانّ: فاقد الشي ء لا يعطيه يعني انّ المعطي لابد وأن يكون واجدا لذلك الشي ء (المعطي) وهذه القاعدة مسلمة في نظر عدة وذلك لأنّ المعطي اذا كان لا يملك شيئا كيف يعطي للآخرين؟
وعليه فمع ملاحظة هذه القاعدة فاللَّه جلّ وعلا علة الكائنات وقد أعطاها الوجود فلابد أن يكون هو جلّ وعلا واجدا لها واذا كان واجدا لما اعطاه فلازم ذلك السنخية والاشتراك في الحقيقة.
نقد وتحقيق
ص: 45
حول هذا الاستدلال هكذا يقال بأن هذه القاعدة بالنسبة الى العلة التي يكون معلولها تنزلا لوجودها ومترشحا عنه فحينئذ لابد وأن لا يكون المعطي فاقدا لما يعطيه ولكن اذا كان المقصود من العلة هو الفاعل التام يعني انّ الذات الالهية المقدسة فاعلة بالارادة والمشيئة توجد الاشياء (لا من شي ء) فلا موقع لهذا المعنى هنا وهذه القاعدة خارجة تخصصا ولا تجري هنا ولا تخصيص في القاعدة العقلية.والمعنى الصحيح والذي هو عام ويرتبط بالذات الالهية المقدسة هو انّ المعطي لشي ء لابد وأن يكون قادراً على فعل ذلك الشي ء قادراً علی خلق ذلك الشئ.
و اما أن يكون مسانخا له فبأي دليل؟ بل المعطي لشي ء لابد وأن يكون مالكا لذلك الشي ء بالضرورة العقلية [المترجم: بمعنى التسلط التام والقدرة عليه] الاّ انه لا يوجد دليل على لابدية السنخية بين المعطي والمعطى الاّ فيما بينا من الموارد (العلل والمعاليل الطبيعية) وحيث انّ اللَّه جلّ وعلا فاعل بالارادة والمشيئة فاعل تام ويوجد الاشياء (لا من شي ء) ولا ينفصل منه شي ء( لم يلد) اذن هذا القانون لا ارتباط له باللَّه جلّ وعلا ولا يجري عليه وحاصل ذلك انه لا يمكن اثبات السنخية عن هذا الدليل.
2- انّ الكائنات آيات اللَّه جلّ وعلا
هنالك مطلب اخر ورد في ضمن بعض الاسئلة وهو انّ الكائنات دليل على اللَّه جلّ وعلا وآياته واذا لم تكن سنخية بينها وبينه بل كانت مباينة له فكيف تكون الآية مباينة وبعبارة اخرى الشي ء الذي يكون علامة وآية لشي ء آخر لابد وأن يكون متناسبا ومسانخا لذلك الشي ء حتى يكون علامة عليه.
نقد وتحقيق:
الجواب واضح لأنّ آية الشي ء يثبت ذلك الشي ء ومن الممكن أن تكون الآية، آية لجهات مختلفة وحول اللَّه جلّ وعلا فكون جميع الكائنات والموجودات آية فبهذا المعنى: انها تثبت حقيقة القائم بالذات وليس من اللازم أن يكون المثبت للقائم بالذات [المترجم: الموجود بنفسه] مسانخا له بل حينما يكون المبنى (في قبال المباني الاخرى) هو الايجاد، والايجاد الذي يكون (لا من شي ء) لابد وأن يكون اللَّه جلّ وعلا مباينا للكائنات لانّ الكائنات حينما تكون موجَدة ومسبوقة بالعدم وقد أوجدت (لا من شي ء) ولا وجود لها في نفسها وفقيرة محضا بل موجودة بالغير والموجد قائم بذاته فلازم ذلك
ص: 46
هو التباين وذلك لأنّ المحتاج بذاته يتباين مع الغني بذاته والذي بالغير يتباين اساسا مع الذي بنفسه لا بغيره والحاصل ان هذا الدليل لا يمكنه أن يثبت لنا السنخية.
وقد بينا في المحاضرات السابقة اللوازم الفاسدة المترتبة على القول بالسنخية وأثبتنا البينونة بالادلة الوحيانية (النقلية) وقد انتهينا من بحث البينونة والسنخية.العينية
المسألة الثالثة، مسألة العينية بمعنى أنّ اللَّه جلّ وعلا عين الكائنات ومن الطبيعي حينما يسمع الانسان هذا الكلام يستبعده فهل يقول أحد بأنّ اللَّه جلّ وعلا عين الكائنات؟
طبعا نهاية الدخول في مسلك الفلاسفة هي السنخية ونهاية الدخول في مسلك العرفاء هي العينية وهنا لابد لنا من تحقيق مسألة العينية.
المقصود من العينية هو نفس ما نفهمه من اللَّه جلّ وعلا عين الكائنات والموجودات. نعم بلحاظ محدودية الخلائق وباعتبار الحد الذي فيها فهي ليست عين الذات الالهية لكن مع غض النظر عن حدها الذي هو أمر اعتباري ولا حقيقة له فهي عينه جلّ وعلا وبعبارة اخرى الشي ء مع قيد المحدودية فهو غير اللَّه جلّ وعلا ولكن مع عدم لحاظ المحدودية فهو عين اللَّه (تبارك وتعالى علوا كبيرا) والعبارة التالية حاكية عن هذا المعنى وهي قضية معروفة في كتب الفلسفة والعرفان وهي:
« بسيط الحقيقة كلّ الاشياء وليس بشي ء منها » بسيط الحقيقة يعني اللَّه تبارك وتعالى، كلّ الاشياء وليس بشي ء منها.
وهذا تناقض فهو كل الاشياء وهو ليس بشي ء منها لكن المراد انه ليس بشي ء منها مع لحاظ التعين وكل الاشياء بدون لحاظ التعين وسوف يتضح الامر اكثر اذا قرأنا العبارات الاتية .
سؤال: هنالك قسم من الفلاسفة مع كونهم غير قائلين بالعينية لكنهم مع ذلك يدافعون عن قاعدة بسيط الحقيقة كاملا، ولذا لا يمكن أن يقال ان المراد من قاعدة بسيط الحقيقة نفس العينية.
ص: 47
الجواب: نعم سيتضح ان شاء اللَّه في ضمن المباحث الآتية، انّ كثيرا من الفلاسفة الذين ذكرتهم في نهاية عملهم في الفلسفة ينتهون إلى العرفان يعني انهم في نهاية عملهم يعلنون انّ المطلب هو كذلك (يعني كما يقول أهل العرفان).
صاحب السؤال: اقا علي حكيم يخالف بشدة وحدة الوجود لكنه يقبل بسيط الحقيقة.
الجواب: اذا كان كذلك فانه لا يقول بها بالشكل الذي أنا فسرت يعني انه يقلبها بمعنى وتفسير اخر ونحن كلامنا حول المعنى الذي يعبر به نوعا نفس العرفاء وسوف نقرأ عباراتهم.
العبارات الصريحة في وحدة الوجود:في المشاعر (المشعر الثامن في أنّ الوجود بالحقيقة هو الواحد الحق تعالى) عبارات ترجع الى هذا المعنى وهو انّه هنالك حقيقة واحدة وهذه الحقيقة تتطور باطوار مختلفة ولا شي ء غيرها واطوارها وشئووناتها وفي مواضع اخرى صرح ايضا انّ اطواره وشئووناته عين ذاته ولذا تكون النتيجة انّ اللَّه جلّ وعلا عين الكائنات لانه لا يوجد غير حقيقة واحدة متطورة والتطور عينها.
وفي بعض الاحيان يضرب لذلك مثال الشمع اذا صنع منه اشكالا، كالاسد والشجر والانسان فهذه اسام مختلفة ومثلا رأس الاسد وذيله وبطنه ورجله وساق الشجر وفاكهتها وهكذا والكل يعلمون أنها لا شي ء غير الشمع والشمع قد تشكل بأشكال مختلفة وهنا مع لحاظ هذه المحدودية والشكل الخاص فهي اسد وذيله ومع لحاظ خصوصية شكل الشجر فهو شجر ولكن الكل يعلم انّه لا شي ء الاّ الشمع(1) وهذه عبارة المشاعر:
ظهر وانكشف انّ كلما يقع عليه اسم الوجود ليس الاّ شأنا من شئوون الواحد القيوم ولمعة من لمعات نور الانوار فما وضحناه اولا بحسب النظر الجليل من ان في الوجود علة ومعلولا ادى بنا اخيرا من جهة السلوك العلمي والنسك العقلي الى أنّ المسمى بالعلة هو الاصل والمعلول شأن من شئوونه وطور من اطواره ورجعت العلية والافاضة الى تطور المبداء الاول باطواره وتجليه بأنحاء ظهوره»(2).
ص: 48
سؤال: هذه العبارة التي قرأتموها المطروح فيها هو التجلي ومثال الشمع لا ينسجم مع العبارة والمفروض أن يطرح مثال الضوء وعند ذاك لا يمكن استفادة العينية منها.
الجواب: لو دقق النظر في ذيل العبارة فقد وقع الكلام فيها عن التجلي فهل هذا التجلي غيره جل وعلا ؟ أم لانفسه جلّ وعلا ولا غيره؟ فلو كان التجلي انه لا شي ء الاّ هو فكما ذكرنا من المطلب واذا كان التجلي غيره فكل المسائل التي أثبتت وأحكمت بواسطة هذا المعنى فسوف لا تتفق مع هذاالمطلب من وجود حقيقة اخرى مع ملاحظة كلامهم من انه لا وجود الاّ لحقيقة واحدة لا غير وهل قالوا لا حساب ولا وقع للآخرين اصلا وعدم ملاحظة الآخرين يفهمها الكل ايضا ولا تحتاج الى أن يكون الانسان من الكمّلين حتى تفهم واذا لم تكن بالحساب، فالمسألة بسيطة اذن لو كان التجلي عينه جلّ وعلا فهذه العينية ولو كان غيره بالمعنى الحقيقي للغيرية فهذا مغاير لكل ما رتبوه وأثبتوه من مبنى ونظر وما يقال من أنّه هو وليس هو فنتيجته انا نتلفظ بألفاظ ونطلب المعنى من اللَّه جلّ وعلا «طور وراء طور العقل» لكنا لا نزال نتحرك في مسير العقلانية.(1)
يقول ابن عربي في الفتوحات «فسبحان من أظهر الاشياء وهو عينها»(2).
وفي أحد شروح الفصوص - باللغة الفارسية - في توضيح المسألة عبارة نقلت عن كتاب كشف الحقائق لعزيز النسفي وهي: ما دام اسم اللَّه جلّ وعلا باقيا واسمك كذلك باقيا، فلهذا السبب يثبت وجود اللَّه جلّ وعلا ووجودك وتعرف اللَّه جلّ وعلا وتعرف نفسك وأنت في مقام الشرك بعيد عن مقام الوحدة وهذه المعرفة ليست الاّ غرورا واعتقادا وكلامك هذا لا يعلم الاّ بمثال مثلا حتى الى يد عزيز فعزيز يعلم اسما ونفسه هو يعلمها اسما ولهذا السبب يعلم عزيز انّه غيره ونفسه هو يراها غير عزيز فعزيز لم يعلم ويعرف نفسه انه لو علم يد عزيز وكان قد عرف عزيزا فمن اليقين يعلم ان عزيزا موجود ولا يوجد غير عزيز واذا كانت يد عزيز شخصان من الوجود يلزم من ذلك أن يكون عزيز موجودين وهذا محال وذلك لان عزيز واحد لا اكثر ولا يمكن أن يكون اثنين اذا يد عزيز لا يكون لها الوجود غير وجود عزيز وعلى هذا فأسم السر واسم الرجل واسم اليد واسم الظاهر واسم الجسم واسم الروح
ص: 49
اسماء لمراتب عزيز وعزيز الاسم الجامع فكما علمت اسماء هذه المراتب كذلك اسامي الوجود هكذا تعلمها ايضا «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» الذي «خلق... »، «انّ اللَّه خلق آدم على صورته» واعلم انه لو صنعنا من الشمع مائة شي ء وبالضرورة صار لها مائة شكل ومائة اسم ولكل شكل اسام متعددة (صنعنا شكل الاسد وللاسد اسماء متعددة مثلا الرأس والاذن) لكن العاقل يعلم ان لا وجودلشي ء غير الشمع وهذه جملة الاسامي التي ظهرت كلها اسام للشمع جائت فيه الجهات المختلفة والاضافات والاعتبارات (يقول الشاعر):
بأي لون تريد ان تلبس الثوب ***ألا انّي أعرف طول رعنا
وهذه التعابير دالة على المطلب كاملا يقول ابن عربي في الفصوص «فكان موسى أعلم بالامر من هارون لانّه علم ما عبده اصحاب العجل لعلمه بأنّ اللَّه جلّ وعلا قد قضى الاّ يعبد الاّ ايّاه وما حكم اللَّه بشي ء الاّ وقع(1) فكان عتاب موسى أخاه هارون لما وقع الامر في انكاره وعدم اتساعه فانّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شي ء بل يراه عين كلّ شي ء».(2)
وقد جاء في شرح هذه العبارة ايضا في نفس الشرح باللغة الفارسية بعد ترجمتها (غرض الشيخ في مثل هذه المسائل في الفصوص والفتوحات وسائر الزبر والرسائل بيان اسرار الولاية والباطن لأولئك الذين هم أهل السرّ ولو كان بحسب نبوة التشريع مقر بأن عموم الناس لابد وان يعرضوا عن عبادة الاصنام كما أنكر الانبياء عبادة الاصنام).(3)
وهذه العبارة ايضا ناطقة كاملا بالعينية وقد جاء في هذا الشرح شعر ايضا حول هذا المطلب. والشعر باللغة الفارسية هذا ترجمته:
رأى عاشق عن قلبه الملقى( بعيدا) *** اللَّه (حضرة الحق) تعالى في المنام
فتمسك بازاره ذلك الغموم *** انا الذي لست بأقل منك
ص: 50
وحينما قام ذلك الدرويش من المنام ***رأى نفسه قد امسك ازار نفسه بقوة(1)ثم انه طرح مسائل حول حقيقة الفرق بين الامكان الاستعدادي في نظر الفلاسفة والامكان في نظر العرفاء الى أن قال:
( بل في الحقيقة لا ظاهر ولا مظهر ولا متجلي ولا مجلى.... الحكيم والمنطقي يرى الامكان الاستعدادي في المادة وباقي الامكانات جهات في النسبة ويرى العارف الامكان بأنه وجودات متكثرة هي محض الربط ولا وجود الاّ للواجب ولو دققت النظر فانّ كل ما في دار الوجود وجوب) (يعني كلّ شي ء واجب الوجود ) والبحث عن الامكان لاجل التلهي.(2)
ولو كان المقصود انّ الكل واجبون بالوجوب الغيري فهذا ليس من التلهي بشي ء بل هو عين الواقع، والحاصل انّ الوجوب بالغير غير مقصود.
وجاء في توضيح جملة (العالم ظل اللَّه):
«وحيث انّ هذا الاصل دقيق غامض صعب المسلك عسير النيل وتحقيق بالغ رفيع السمك بعيد الغور ذهلت عنه جمهور الحكماء وزلت بالذهول عنه اقدام كثير من المحصلين فضلا عن الاتباع والمقلدين لهم والسائرين معهم فكما وفقني اللَّه تعالى بفضله ورحمته الاطلاع على الهلاك السرمدي والبطلان الازلي للماهيات الامكانية والاعيان الجوازية فكذلك هداني ربي بالبرهان النيّر العرشي الى صراط مستقيم من كون الموجود والوجود منحصرا في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين وليس في دار الوجود غيره ديّار وكلما يتراآى في عالم الوجود انّه غير الواجب المعبود فانما هو من ظهورات ذاته وتجليات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته كما صرح به لسان بعض العرفاء بقوله «فالمقول عليه سوى اللَّه أو غيره أو المسمى بالعالم هو بالنسبة اليه تعالى كالظل للشخص فهو ظل اللَّه فهو عين نسبة الوجود الى العالم فمحل ظهور هذا الظل الالهي المسمى بالعالم انما هو أعيان الممكنات عليها امتد هذا الظل»(3).
ص: 51
وقد جائت ترجمة هذا المتن وتوضيحه في كتاب الرحيق المختوم الذي هو شرح وتوضيح للاسفار باللغة الفارسية (نكتفي بترجمة توضيح ذيله المترجم) «فالعالم بالنسبة الى اللَّه جلّ وعلا كالظل بالنسبة الى الشاخص، فغير اللَّه جلّ وعلا وماسواه وبعبارة اخرى العالم هو ظل اللَّه... مقر ومستقر هذا الظل الالهي هي الموجودات يعني الارض والسماء وذلك لانّ الموجودات لا يليق بها أن تكون ظلا للَّه مباشرة فانّ ظل اللَّه أمر واحد وهذا الامر الواحد هو الفيض المنبسط والنفس الرحماني والعالم بالنسبة للَّه يشبه الظل للشاخص يعني انّ الظل الالهي قد استولى على العالم والعالم محل ومقر الظل عين نسبة (الكون) أو الوجود (الكوني) للعالم.(1)
ويقول بعض شارحي فصوص الحكم انّ هنالك نكتة في تعبير (كالظل) ذكر ذلك بعد كلام ابن عربي حيث قال: «فنقول اعلم انّ المقول عليه سوى الحق أو مسمى العالم هو بالنسبة الي الحق كالظل للشخص فهو ظل اللَّه».(2)
فقال الشارح: «كما انّ الظل لا وجود له الاّ بوجود الشخص(ولو لم يكن للشخص وجود فلا معنى لوجود الظل) كذلك العالم لا وجود له الاّ بالحق» وكما أن الظل تابع للشخص كذلك ماسوى اللَّه تابع للحق ، ولازم له لانّ ماسوى اللَّه صور اسماء ومظاهر صفات لازمة له(والى هنا يتضح المعنى وهو انّ العالم لا وجود له في نفسه الاّ بالحقّ.) والشيخ حيث يقول «كالظل للشخص» من هذه الجهة انّ الظل عين الحق ومن جهة اخرى غير الحق، والحال انّ الظل لا يمكن أن يكون عين الشخص «لان الظل والشخص ليسا من حقيقة واحدة».
والخلاصة: المقصود هو انّ نسبة الخلق الى الحقّ الطف وأعلى وأدق من نسبة الظل الى الشخص وذلك لانّ الظل شي ء والشخص شي ء آخر، اما الموج وهي الخلائق عين تلك حقيقة البحر لانّ حقيقة البحر هي الماء والمقصود اثبات هذه النكتة وهي انّ العالم كله خيال(3).
ص: 52
طبعا هذه قسم من الأدلة على ما يقولون والاّ اذا أراد الشخص جمعها فالشواهد كثيرة جدا وسيأتي الحديث في الاسبوع الآتي في تحقيق العينية من جهة عقلية ووجدانية ونقلية.
اسئلة وأجوبة
السؤال الاوّل: كل العبارات التي نقلتموها تدل على نفي الاستقلال فاللَّه جلّ وعلا موجود مستقل محض ولا توجد علة غير معلولة الاّ اللَّه جلّ وعلا، والعبارات التي تفضلتم بها ناظرة الى هذا المعنى وهو أن نعلم انّ اللَّه مستقل وانه حقيقة الوجود، الوجود بالمعنى الاستقلالي ولا توجد عبارة في كلماتهم تدل على النفي المطلق لغير اللَّه جلّ وعلا.
الجواب:
لو احتمل احد انّ هذه العبارات تعطي هذا المعنى من انّه ليس في الوجود الاّ حقيقة واحدة قائمة بالذات وباقي الموجودات كلها معتمدة عليه فهذه المسألة الكل متفقون عليها فلا شي ء جديد فيها وجوابا لسؤالكم أقول: هذا التفسير تفسير حسن وجيد للغاية الاّ انّ عدة من الناطقين بهذه العبارات لا يقبلون هذا التفسير وقد صرحوا بذلك من جهات مختلفة، واذا أردتم توجيه ذلك فلا مانع من ذلك الا انه حينما يتضح مقصودهم كاملا فلا يمكن هذا التوجيه .
فقالوا: الشمع حقيقة واحدة وهذا الشمع الواحد صار اسدا وشجرا وهكذا وفي كلّ مكان صار له اسماء متعددة لكنه ليس شيئا الاّ الشمع وكل ما هو موجود فهو شمع كذلك صرحوا بهذا المعنى انّ امواج البحر ليست الاّ البحر وايضا صرحوا انّ الكل هو وهم وخيال وعلى هذا الاساس نقول اولا: مع ملاحظة هذه العبارات (والتي ذكرنا قسما منها) المطلب كما بيناه عنهم وكل من يحقق في كلماتهم يتضح له ذلك كاملا.
وثانيا: لوكان الامر كما ذكرتم فلا وجه للصعود فيه والنزول وانه قلمّا فهمه احد واننا خرجنا من مرحلة الى مرحلة اخرى (فلا داعي لكل هذه الامور ) فهل الفلاسفة الذين كانوا في هذا المسير ارادوا غير هذا الكلام؟ فهم قالوا بنفس هذا المطلب اذن حينما يقال نحن خرجنا من هذه المرحلة الى مرحلة ارقى وانّ اللَّه جلّ وعلا جعل من نصيبنا. كذا... يعلم انّ المراد شي ء آخر والاّ لو لم يكن الامر كذلكفعموم اشخاص الناس وعوامهم ممن سمع شيئا قليلا من مسائل التوحيد يقولون بأنّ الحقيقة القائمة
ص: 53
بذاتها هي الذات الالهية المقدسة وسائر الاشياء مخلوقة لها. [المترجم: أقول بل الحق إن اختلافنا مع الفلاسفة ليس بذلك كما أن اتفاق الكل ايضاً في أن نقول هناك شئ واحد بالحقيقة و سائر الاشياء معتمد عليه فقط ليس بصحيح بل الخلاف الاصلي في معنی هذا الاعتماد حيث إنهم يقولون أن ذلك الاعتماد يكون علی نحو اعتماد الموج علی الابحر و لكنا نقول هو تفسير باطل خاطئ جداً بل الاشياء هي ما خلقه الله تعالی لا من شئ و اوجدها با من نفسه تعالی و لا من مادة سابقة عليها مطلقا.]
السؤال الثاني:
حول اسلوب (التحقيق) ، قيل صحيح انه بعد مجي ء الوحي لابد لنا من تعقل ما جاء به الوحي كأنما تريدون أن تخطأوا طريقة الفلاسفة لكن الوحي وان كان قطعيا الاّ ان الذي بأيدينا ليس الاّ الرواية لا الوحي والقرآن الذي سنده قطعي لكنه من حيث الدلالة والحجية ظاهر وليس قطعيا والروايات من جهة السند لا تخلو من اشكال وعليه فالتعقل في الروايات التي وصلت الينا ليس تعقلا للوحي اذن بنظري انّ طريقة الفقهاء والاصوليين منا هي الطريقة الصحيحة يعني كل ما ثبت بواسطة العقل قطعا يكون قرينة حتى ولو سحبنا ايدينا عن ظاهر الروايات.
الجواب: كان السؤال بمكانه وجيد وكان السؤال انه نحن لدينا طريقة في التحقيق وهي التعقل فيما جاء به الوحي وقلنا بعد اثبات وجود اللَّه جلّ وعلا بالعقل وثبت الوحي بالعقل عند ذاك لابد من التعقل في ما جاء به الوحي وكأنه هذه الطريقة كناية عن طريقة الفلاسفة الذين يبدؤن بالتفكير والتعقل ثانيا انّ الوحي ليس باختيارنا بل الحاكي عن الوحي باختيارنا، فالقرآن والحديث حاكيان عن الوحي والحاكي عن الوحي يمكن أن يكون من جهة اصل السند غير صحيح كما حصل الاشتباه في بعض الموارد كما قد يكون مكذوبا.
وفي بعض الموارد السند ليس صحيحا والمتن ليس قطعيا وليس واضحا والحاصل انّ الشي ء الذي نريد أن تتعقله محل اشكال، اما من جهة السند واما محتواه ليس واضحا واما ظني والظن لا ينفع في الاعتقادات اذن فأي خاصية للتعقل في الوحي؟ هذه شبهة قد ترد في الذهن واقعا وعليه فالطريقةالصحيحة أن ندخل في كلّ مسألة بهذا التعقل ونعمل عملنا (ونأخذ النتيجة) لا أن نتعقل في الوحي.
ص: 54
ونجيب على ذلك انه لو كان الأمر كذلك، فعلى الاسلام السلام يعنى ليس لدينا شي ء من الاسلام حتى ندعوا البشرية اليه.
صاحب السؤال: لا أريد نفي الوحي لكن أريد أن اقول لا يمكن لاجل ظهور آية واحدة أن نرفع اليد عما وصلنا اليه بواسطة العقل.
الجواب: اذن تقول بالتعقل فيما جاء به الوحي ولكن مع الالتفات الى انّ كثيرا مما جاء به الوحي ظواهر وهذه الظواهر لا تتفق مع العقل في النهاية ما ذا تقولون بالنسبة لهذه الظواهر التي لا تتفق مع العقل كيف نعمل معها؟ لقد تقدمت مقدارا نحو الجواب الذي نريد ان نقوله انا اريد الشروع من مكان والى هنا اصل لكنكم أنتم تفضلتم نحن نقبل التعقل في الوحي الاّ اننا نقول ماذا نعمل مع الظواهر التي لا تتفق مع العقل؟ كرارا قلنا وحتى اليوم كررنا ذلك وفي بعض الاحيان أملّ من كثرة التكرار أن مكانة العقل محفوظة ولكن البعض بعد هذه الكلمات التي بيناها ينسب الينا فكرة التفكيك بين العقل والدين والتفكيك بين العقل والوحي لكنا مصرّون باننا لسنا كذلك ودائما نقول: العقل وعملا معتمدون علی العقل وكرارا قلنا ان مكانة العقل محفوظة الاّ ان عقلنا عثر على منبع وسيع ومهم ويقول لنا انّه لابدّ من الاستفادة من هذا المنبع ولذا نحن نصر على عدم نسيان هذا المنبع ولابد من اعماله مع الدقة في ذلك وهذا المنبع نطرحه مع قيدين:
1- اعتبار السند
2- وضوح الدلالة
سؤال: لا يلزمنا بالنسبة لهذه الروايات الى سند معتبر لانّ الآيات والروايات في المباحث العقلية التي اقيم عليها البرهان غنية عن السند فلماذا تقبل الاشكال وترجع الى الوراء.
الجواب: نعم بالتدريج سوف نقول ذلك ولا نرجع الى الوراء لكنا لا نطوي الزمان وخلاصة كلامنا هو انّ الاستفادة من منبع الوحي لابد وأن تكون عن طريق سند معتبر ودلالة واضحة فلو ادعى احد انّه ليس لدينا ذلك في مجموع ما وصلنا لانه اما السند ضعيف ولا يمكن الاستناد إليه.
ص: 55
وأمّا الدلالة غير واضحة مثل آيات القرآن الشريفة (1) فحينئذ (فعلى الاسلام السلام) فنحن الى أي شي ء ندعو البشرية الى اسلام تمام أقسامه وابعاده عبارة عن مقدار من المسائل الفقهية اصطلاحا وهي ظنية؟ هذا لا يكون وليس كذلك بل لو حققنا فهنالك روايات كثيرة وصلت حدّ التواتر ومعتبرة كذلك آيات القرآن الشريفة فهي في هذه المسائل واضحة البيان(2) ولقد كان الائمة المعصومون مصرين على تبيين هذه المسائل وبينوها.
سؤال: الفلاسفة ايضا يستدلون بهذه الروايات.
الجواب: في بعض الاحيان يستند الفلاسفة بحديث ضعيف (لا وجود له) مهما ما فحصنا عنه لم نعثر عليه وهم يقولون انه موجود في الكتاب الفلاني وهنالك عشرون حديثا في توحيد الصدوق؛ كذا وكذا خمسون حديثا في البحار كذا وكذا وبعبارة اخرى حديث واحد تحصيله والعثور عليه صعب ومشكل جدا يكون مستندا لمسألة اما لوكانت هنالك احاديث كثيرة جدا حول مسأله تجدنا نبتلي بهذا الابتلاء(3) نحن نقول في المجموع اننا نتعقل الوحي والحاكي عن الوحي الذي سنده معتبر ودلالته واضحة.
وكذلك نعلن هنا عن مسألتين:
1- لوكان هنالك شي ء مخالف للعقل والادراك البين فقد اعلنا مائة مرة بانه لابد من توجيهه الاّ انه لايوجد في الوحي شي ء من هذا القبيل
(في بعض الاحيان الادراك وهمي وظني) ولوكان مورد من هذا القبيل فقد فسره الوحي قبل كل أحد بأحسن التفاسير مثلا(وجاء ربك ) لا تتفق مع العقل والادراك البين أو قوله تعالى (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) أو قوله تعالى( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) و...حيث لا تتفق مع العقل وفي كل هذه الموارد فقد اعطى الوحي تفسيرا من أحسن الوجوه، اذا الظواهر التي لا تتفق معالعقل والادراك البين نعلن عن لابدية توجيها ولكنا نقول: انه لا يوجد شي ء من هذا القبيل وكل ما هو موجود فقد فسره الوحي قبل كل أحد وبأحسن التفاسير.
ص: 56
2 - ما جاء بها الوحي بالنسبة للمسائل التي نحن بصددها فمن حسن الحظ انّها مقرونة بالاستدلال العقلي وفي نفس هذه الادلة أشير الى الدليل العقلي لتلك المسألة هذا هو اسلوب التعقل في الوحي ونحن مصرون عليه من جهة اننا لو لم نعتمد ابتداءا هذا الاسلوب فسوف ينجر بنا الحال الى: انّ عتاب موسى اخاه هارون على نبينا وآله وعليهما السلام لأجل انّ هارون أنكر عبادة العجل.(1)
نحن نريد أن لا يصل بنا الحال إلى هذا المستوى وتتشكل أذهاننا ابتداءا بعيدا عن الحقّ بشكل يجرنا الى هذا المستوى.
إذا جوابكم اذ تفضلتم كيف تكون طريقة التعقل في الوحي صحيحة مع ملاحظة انّ الوحي لا وجود له وانّ الموجود هو الحاكي والحاكي عن الوحي ليس معصوما عن الخطأ بل وكثير منه كذب وعليه فكيف يكون التعقل في الوحي، هذا هو التعقل في الوحي حيث نستفيد من الوحي بهذه القيود وكل ما يخالف الادراك البين والواضح فلابد من توجيهه ولكن لا يوحد لدينا مثل ذلك مضافا الى انّ المطالب مقرونة بالدليل العقلي وقد اقترنت نفس الروايات بالاستدلال العقلي.
سؤال: هل انّ كبار الفلاسفة مثل ابن سينا وملاصدرا واقعا لا يعيرون للروايات أهمية؟
الجواب: حيث انّكم ذكرتم اسما فانّي مجبور أن اذكر منه متنا في هذه الآية الشريفة (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)(2).
فانه قال اللام في لقد، لام الغاية وانّ اللَّه حيث يعلم ان قيام الدنيا اصولا تستلزم وجود جمع خبيث من أهل الخبائث ولذا لابد للَّه جلّ وعلا أن يخلقهم ولولاهم لم يجعل أهل الحق والمعنويات في دار الدنيا اذن خلق اللَّه جمعا من الخبثاء ليشتغلوا في الدنيا، هؤلاء أهل الطغيان والعصيان طينتهم طينةجهنمية خلقوا لاجل جهنم وهؤلاء مادامت الدنيا موجودة فهم مشغولون بهذه الاعمال، لكنهم ابتعدوا
ص: 57
عن مركزهم جهنم وقد استند بهذه الآية (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)(1) ويقول«انّ الدنيا حالت بين مايريد هؤلاء أن يصلوا اليه » يعني يصلون الى جهنم التي هي مقصودهم الاصلي(2).
نحن نقول على الانسان أن يسلك طريقا لا يؤدي به الى هذه المطالب علينا أن نعمل وأن نتعامل مع الآيات والروايات بشكل لا نصل الى هذا المستوى هنالك آيات كثيرة فمع ملاحظتها فانّ اللام في قوله (لَقَدْ ذَرَأْنَا) لابد وأن تكون لام العاقبة يعني جمع من الناس نتيجةً لسوء اختيارهم يذهبون الى جهنم اما الذي يطرحه ملاصدرا لا يتفق مع اساس مسألة الاختيار في القرآن والحديث وكلّ المتون التي جاء بها الوحي.
سؤال: في البحث السابق طرحتم اشكال التناقض فمن المناسب أن تطرحوا كلام أميرالمؤمنين(علیه السلام) «داخل في الاشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمفارقة» فهنا داخل في الخلق بلا امتزاج وخارج عنهم بلا افتراق.
الجواب: كل ما يرتبط باللَّه جلّ وعلا مما نفهمه (نتصوره) لا يصح على اللَّه جلّ وعلا وهو غيره.(3)
سؤال: ما هو تعريف العقل من زاويتي الفلسفة والكلام
(العقل نور ) فحينما يختلف البناء مع الاساس فالبناء يقوم على اساس غير صحيح.
الجواب: نحن لو صرفنا النظر عن هذه التعاريف فنقول انّ المراد بالعقل هو الادراك الواضح الذي يجعله العقلاء ميزانا للصحيح وغيره مثلا الكل يفهم:2+2 =4
سؤال: لقد قال الائمة: (العقل نور) الاّ ان الفلاسفة يغيرون المبنى ويبنون البناء على اساس غير صحيح.
الجواب: نعم.
ص: 58
سؤال: أليس من الاحسن في مثل هذه المباحث التي تدور بين السلب والايجاب أن يعطى تعريف للمطالب على اساس جميع الآراء والنظريات مثلا أنتم قلتم حول السنخية انّ السنخ لغة بمعنى الاساس والاصل ولكنكم بعد ذلك فسرتم السنخية بشكل لا مدخل فيه للمعنى اللغوي في الفلسفة.
فمعنى السنخية في الفلسفة غير الذي تفضلتم به وذلك لأنّ السنخية الموجودة بين الفاعل الاصلي والمعلول غير السنخية بين العلة والمعلول المادي وبذلك تقول الفلسفة.
الجواب: الفلسفة حينما تطرح حقيقة واحدة وهي التشكيك في الوجود وفي العرفان يطرح اطلاق الوجود، فالتشكيك في الوجود مثل النور ودرجاته فهل الدرجة الضعيفة من النور تشارك الدرجة القوية منه في الحقيقة أم لا؟
صاحب السؤال: نعم.
الجواب: حسن جدا نحن قلنا هذه هي السنخية، السنخية تعني الاشتراك في الحقيقة.
صاحب السؤال: يعني في الوجود.
الجواب: في الحقيقة.
صاحب السؤال: كيف تفسر الحقيقة؟
الجواب: الحقيقة تعني الواقعية وهنا بمعنى الوجود.
صاحب السؤال: فهل أنّها غير مشتركة في الوجود؟
الجواب: في الوجود بمعنى طارد العدم مشتركة امّا بمعنى الاشتراك في الحقيقة فلا وذلك لأنّ الموجودات موجودة بالغير واللَّه جلّ وعلا موجود بنفسه اذن على هذا الاساس هما متباينان.
صاحب السؤال: من هذه الجهة متباينان، اما من جهة أنهاوجود واللَّه جلّ وعلا وجود فلا تباين بينهما.
الجواب: هذا وجود بأي معنى؟
صاحب السؤال: الوجود بلا ماهية لانّا قائلون باصالة الوجود.
الجواب: اصلا لا ماهية في البين كلّ ما هو موجود وجود.صاحب السؤال: قولوا انسانا.
ص: 59
الجواب: الماهية «ما شمت رائحة الوجود» اذن الماهية ليست(1)شيئا نحن موجودون وفي اصل الوجود مع اللَّه جلّ وعلا مشتركون اذا نحن نشترك مع اللَّه جلّ وعلا في اصل الحقيقة.
صاحب السؤال:اذن من أين جاء وجودنا؟
الجواب: قلنا انّه أوجده وخلقه اللَّه جلّ وعلا (لا من شي ء) لا انه اعطى من وجوده شيئا فلو كان قد اعطى من وجوده شيئا فاللازم (يلد ويولد) في حين انّ اللَّه جلّ وعلا (لم يلد ولم يولد ).
سؤال: الفلاسفة ايضا يقولون بذلك انّ اللَّه جلّ وعلا أوجد الاشياء.
الجواب: أوجد بمعنى اعطى من نفسه شيئا أم أوجد شيئا غيره؟
صاحب السؤال:أوجد.
الجواب: أوجد يعني انّ الموجودات التي كانت مسبوقة بالعدم الحقيقي ثم أوجدها موجودة بالغير فقيرة بالذات اذن هذا الوجود غير وجود اللَّه جلّ وعلا فهما وجودان.
صاحب السؤال: نعم من هذه الجهة موجود بالغير.
الجواب: حسن جدا هل الحقيقة الموجودة بالغير هي نفس الحقيقة القائمة بالذات؟
صاحب السؤال: لا.
الجواب: أحسنت اذن فلا سنخية في البين.
سؤال: جواب السنخية الذي تفضلتم به بين العلة والفاعل المادي وهي ليست بالسنخية بين العلة الواجبة للوجود ومعلولها فهنالك نوعان من السنخية والفلاسفة يرون انّ السنخية على نوعين.
الجواب: نعم، السنخية على نوعين ومع هذين النوعين (يعني تارة تكون السنخية على اساس المرتبة والتشكيك وأخرى تكون على اساس الوحدة المطلقة والتي هي نفس العينية) هكذا يكون الجواب: فاللازم هو المالكية والقدرة لا التسانخ ولا لزوم للتسانخ نعم لو كان الفاعل طبيعيا كالحرارة من النار
(فالسنخية موجودة) بخلاف الفاعل بالارادة فليس كذلك.صاحب السؤال: الفلاسفة يقولون ليست هنا سنخية اصلا مثلا بين البناء والمهندس الذي أوجد البناء، اي سنخية بينهما؟
ص: 60
الجواب: أنتم مؤيدون لنا فانّ الفلاسفة يقولون انّ الوجودات تنزلات عن وجود العلة والمعلول متنزل عن العلة.
صاحب السؤال: لا، لا يقولون ذلك.
الجواب: الآن يلزمنا أن نقول لكم عليكم بمراجعة الكتب الفلسفية فقد ملئت بهذا المعنى من كون المعلول تنزلا عن العلة ولا يكون غير هذا وهذا المعنى من قطعيات الفلسفة وقد أوردوه بتعابير متعددة.(1)
للبحث صلة
ص: 61
فتح فارس والروم كان وعداً نبوياً كان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يدعو الناس في مكة الى الإسلام ويخبرهم بأن الله تعالى وعده أن يورِّث أمته ملك كسرى وقيصر ! فكل من قرأ سيرته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يجد أن فتح فارس والروم كانا وعداً نبوياً من أول إعلان الدعوة ، وكان المشركون يسخرون من ذلك! واستمر هذا الوعد عنصراً ثابتاً في مراحل دعوته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، فكان برنامجاً إلزامياً للسلطة الجديدة بعد وفاته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، أيّاً كانت تلك السلطة .
ففي سنن البيهقي:7/283: فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم فارس والروم .
وفي الكافي:8/216: (عن أبي عبد الله(علیه السلام): لما حفر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الخندق مروا بكدية فتناول رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) المعول من يد أمير المؤمنين(علیه السلام) أو من يد سلمان رضي الله عنه فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق ، فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): لقد فتح علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر ، فقال أحدهما لصاحبه : يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى ) . ونحوه في سيرة ابن هشام:2/365
وعندما جاءته رسالة تهديد من كسرى أخبره الله تعالى بأنه سيقتله في اليوم الفلاني .
في سيرة ابن هشام:1/45: (كتب كسرى إلى باذان : إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعمأنه نبي فسر إليه فاستتبه ، فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه ، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، فكتب إليه رسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا ، فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر ، وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال ، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). قال ابن هشام: قتل على يدي ابنه شيرويه.
و هذا يدل ، على أن الإتجاه الى الفتوحات خطة نبوية وعقيدة معروفة عند المسلمين ، وأنه كان من الواجب على أي سلطة تأتي بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أن تتبنى هذ (الستراتيجية) وتسير فيها .
ص: 62
دور علي(علیه السلام) وشيعته في الفتوحات
في رأيي أن السلطة بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) خافت من حرب مسيلمة والأسود العنسي التي يسمونها حروب الردة ، كما خافت من التوجه الى فتح بلاد فارس والشام ، وأن الذي دفعها الى الفتوحات هو علي(علیه السلام) والذين قادوا أهم الفتوحات هم تلاميذه الفرسان ، الذين لم تعطهم السلطة مناصب قيادية ، لكنهم كانوا القادة الميدانيين الذين خاضوا غمار المعارك وحققوا الإنتصارات الواسعة ، كانوا من شيعة علي(علیه السلام) وهم : حذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبي ذر الغفاري ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وأخواه أبان وعمرو ، وهاشم بن أبي وقاص الأموي المعروف بالمرقال وأولاده خاصة عبدالله وعتبة . وبريدة الأسلمي ، وعبادة بن الصامت ، وأبي أيوب الأنصاري ، وعثمان بن حنيف وإخوته، وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري، ومالك بن الحارث الأشتر وإخوته ، وعدد من القادة النخعيين معه ، وصعصعة بن صوحان العبدي وإخوته ، والأحنف بن قيس ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وجعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤمنين(علیه السلام) ، والنعمان بن مقرن ، وبديل بن ورقاء الخزاعي، وجرير بن عبدالله البجلي ، ومحمد بن أبي حذيفة الأنصاري ، وأبي رافع وأولاده ، والمقداد بن عمرو ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، والبراء بن عازب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وبلال بن رباح مؤذن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وعبدالله بن خليفة البجلي ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ، وأبي الدرداء .. ويليهم: جارية بن قدامة السعدي ، وأبي الأسود الدؤلي ، ومحمد بن أبي بكر ، والمهاجر بن خالد بن الوليد.. وغيرهم من القادة الميدانيين ! ولكل واحد من هؤلاء الأبطال أدوار مهمة ، عتَّم عليها إعلام الخلافة ورواتها، وأبرزوا بدلها أصحاب الأدوار الشكلية أو الثانوية أو المسروقة ! إني أدعو الباحثين خاصة في تاريخ الفتوحات الإسلامية ، لأن يكشفوا هذه الحقيقة الضخمة التي غطت عليها حكومات الخلافة القرشية ، ورواتها الذين كتبوا التاريخ بحبر الحكام .
علي(علیه السلام) يشكو ظلامته وتعمد نسيان دوره في الفتوحات
ص: 63
تعامل علي وأهل البيت(علیهم السلام) مع الموجة القرشية ضدهم بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بنبل رسالي ، ونفذوا ما أمرهم به حبيبهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وسجلوا صبراً لا نظير له ، فكظموا غيظهم وصبَّروا أنصارهم ، وارتفعوا على جراحهم ، فعملوا مخلصين في تسيير سفينة الإسلام وفتوحاته ! قال عليٌّ(علیه السلام) في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها: ( أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وآله نذيراً للعالمين ، ومهيمناً على المرسلين ، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فوالله ماكان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن أهل بيته ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده ، (يقصد(علیه السلام) أن هذا كان أمراً غيرمعقول لايتصور) فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)! فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أوهدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أوكما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأنالدين وتَنَهْنَهْ).( نهج البلاغة:3/118). وقام أمير المؤمنين(علیه السلام) بمهته العظيمة في التخطيط والتوجيه وغرس الثقة والقوة في نفوس القادة والجنود ، حتى امتدت الدولة الإسلامية فشملت إيران وبلاد الشام ومصر وغيرها.
ولكن التاريخ الإسلامي نسب تلك الفتوحات الى أبي بكر وعمر وعثمان وخلفاء بني أمية وتعمد أن يغطي على دور علي(علیه السلام) ، لذلك نراه يشكو ظلامته ويسجلها للتاريخ :
قال شرح النهج:20/298: (قال له قائل: يا أمير المؤمنين أرأيت لوكان رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ترك ولداً ذكراً قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها؟ قال: لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ، ولولا أن قريشاً جعلت إسمه ذريعة إلى الرياسة، وسلماً إلى العز والأمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكرًا ، ثم فتح الله عليها الفتوح فأثْرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجَهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً ، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا
ص: 64
وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف . وما عسى أن يكون الولد لوكان ! إن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم يقربني بما تعلمونه من القُرْب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لوكان له ولد هل كان يفعل ما فعلت! وكذاك لم يكن يَقْرُب ما قَرُبْتُ ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة . اللهم إنك تعلم أني لم أرد الأمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك ). انتهى .
ثلاثة أنواع من فعالية علي(علیه السلام) في الفتوحاتالأول: أن تلاميذه تصدوا لقيادة معاركها ، حتى لو تعطهم السلطة دوراً القيادة العليا . كما نرى في خالد بن سعيد بن العاص وأبي ذر وحذيفة بن اليمان وهاشم المرقال والأشتر وحجر بن عدي وغيرهم. وكل واحد منهم يحتاج الى دراسة خاصة .
الثاني: دور أمير المؤمنين(علیه السلام) في استكمال الفتوحات في خلافته بالرغم من ثلاثة حروب داخلية فتحوها عليه ! وقد سجل التاريخ منها فتح قسم من إيران كان مستعصياً ، وفتح قسم من الهند :
الثالث: أن عمر بن الخطاب بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر مع القوات الإيرانية، أعطى علياً(علیه السلام) الدور الأساسي في إدارة الفتوحات .
ذلك أن الفرس طمعوا في استرجاع المناطق التي فتحوها ، وهي البصرة والكوفة والمدائن وجلولاء وخانقين وقسم من الأهواز ، فاستجمعوا قواهم وجمعوا مائة وخمسين ألف مقاتل في نهاوند ، وقرروا أن يجتاحوا هذه المناطق ثم يزحفوا الى المدينة المنورة ، لاستئصال أصل دين العرب بزعمهم ! فهذه المرحلة كانت سبباً في أن الخليفة عمر أطلق يد علي(علیه السلام) في إدارة الفتوحات ، فقد روت المصادر أن عمر خاف خوفاً شديداً ، فاستشار كبار الصحابة ، وعمل برأي علي(علیه السلام) وأطلق يده في إدارة الفتح وإرسال القادة الذين يختارهم ، فاختار النعمان بن مقرن ، فإن قتل فحذيفة ، فإن قتل فجرير بن عبدالله البجلي ، وكانت معركة نهاوند الفاصلة التي قصمت قوة فارس! قال ابن الأعثم في الفتوح:2/290:
ص: 65
(ذكر كتاب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبدالله عمر أمير المؤمنين من عمار بن ياسر ، سلام عليك . أما بعد فإن ذا السطوات والنقمات المنتقم من أعدائه ، المنعم على أوليائه ، هو الناصر لأهل طاعته على أهل الإنكار والجحود من أهل عداوته ، ومما حدث يا أمير المؤمنين أن أهل الري وسمنان وساوه وهمذان ونهاوند وأصفهان وقم وقاشان وراوند واسفندهان وفارس وكرمان وضواحي أذربيجان قد اجتمعوا بأرض نهاوند، في خمسين ومائة ألف من فارس وراجل من الكفار ، وقد كانوا أمَّروا عليهم أربعة من ملوك الأعاجم ، منهم ذو الحاجب خرزاد بن هرمز ، وسنفاد بن حشروا ، وخهانيل بن فيروز ن وشروميان بن اسفنديار ، وأنهم قد تعاهدواوتعاقدوا وتحالفوا وتكاتبوا وتواصوا وتواثقوا ، على أنهم يخرجوننا من أرضنا ، ويأتونكم من بعدنا ، وهم جمع عتيد وبأس شديد ، ودواب فَرِهٌ وسلاح شاك ، ويد الله فوق أيديهم . فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنهم قد قتلوا كل من كان منا في مدنهم ، وقد تقاربوا مما كنا فتحناه من أرضهم ، وقد عزموا أن يقصدوا المدائن ، ويصيروا منها إلى الكوفة ، وقد والله هالنا ذلك وما أتانا من أمرهم وخبرهم ، وكتبت هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين ليكون هو الذي يرشدنا وعلى الأمور يدلنا ، والله الموفق الصانع بحول وقوته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، فرأي أمير المؤمنين أسعده الله فيما كتبته . والسلام . قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة ، حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه ! ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي: أين المهاجرون والأنصار ! ألا فاجتمعوا رحمكم الله ، وأعينوني أعانكم الله ! ). انتهى . وفي تاريخ الطبري:3/209: (وكتب إليه أيضاً عبد الله وغيره بأنه قد تجمع منهم خمسون ومائة ألف مقاتل ، فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشدة ، ازدادوا جرأة وقوة... ثم نقل الطبري مشورة عمر للصحابة وقوله: ( أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه ، حتى أنزل منزلا واسطاً بين هذين المصرين فأستنفرهم ، ثم أكون لهم رداء حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب ، فإن فتح الله عليهم أن أضربهم عليهم في بلادهم وليتنازعوا ملكهم...؟ فقام طلحة ابن عبيد الله وكان من خطباء أصحاب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فتشهد ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب ، وأنت وشأنك وأنت ورأيك ، لا ننبو في يديك ولا نكل عليك . إليك هذا الأمر فمرنا نطع وادعنا نجب ، واحملنا
ص: 66
نركب ، وأوفدنا نفد ، وقدنا ننقد ، فإنك ولي هذا الأمر ، وقد بلوت وجربت واختبرت ، فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار . ثم جلس . فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا . فقام عثمان بن عفان فتشهد وقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم ، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ، ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين الكوفة والبصرة ، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين ، فإنك إذا سرت بمن معك وعندك ، قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم ، وكنت أعز عزاً وأكثر... ثم جلس . فعاد عمر فقال: إن هذا يوم له مابعده من الأيام فتكلموا . فقام علي بن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشأم من شأمهم سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم ، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات ! أقْرِرْ هؤلاء في أمصارهم ، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق: فلتقم فرقة لهم في حرمهم وذراريهم ، ولتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم . إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب ، فكان ذلك أشد لكلبهم وألبتهم على نفسك . وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكنا كنا نقاتل بالنصر . فقال عمر: أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن عليَّ الأرض من أطرافها وأكنافها ، ولئن نظرت إلى الأعاجم لا يفارقن العرصة ، وليمدنهم من لم يمدهم وليقولن هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب ). انتهى . وفي نهج البلاغة:2/29: ( وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع . ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده وناصر جنده . ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه ، فإن انقطع النظام تفرق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالإجتماع ، فكن قطباً ، واستدر الرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض
ص: 67
انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك ! إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب ، فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك . فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة ). ووصف ابن الأعثم في الفتوح:2/291،مشاورة عمر للصحابة فقال: ( أيها الناس: هذا يوم غم وحزن فاستمعوا ما ورد عليَّ من العراق ، فقالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن الفرس أمم مختلفة أسماؤها وملوكها وأهواؤها وقد نفخهم الشيطان نفخة فتحزبوا علينا ، وقتلوا من في أرضهم من رجالنا ، وهذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند ، في خمسين ومائة ألف ، وقد سربوا عسكرهم إلى حلوان وخانقين وجلولاء ، وليست لهم همة إلا المدائن والكوفة ، ولئن وصلوا إلى ذلك فإنها بلية على الإسلام وثلمة لا تسد أبداً ، وهذا يوم له ما بعده من الأيام ، فالله الله يا معشر المسلمين ! أشيروا عليَّ رحمكم الله ، فإني قد رأيت رأياً ، غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم ، لأنكم شركائي في المحبوب والمكروه . ذكر ما أشار به المسلمون على عمر رضي الله عنه: وكان أول من وثب على عمر بن الخطاب وتكلم: طلحة بن عبيد الله فقال: ياأمير المؤمنين ، إنك بحمد الله رجل قد حنكته الدهور وأحكمته الأمور وراضته التجارب في جميع المقانب ، فلم ينكشف لك رأي إلا عن رضى ، وأنت مبارك الأمر ميمون النقيبة ، فنفذنا ننفذ ، واحملنا نركب ، وادعنا نجب . قال: ثم وثب الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تبارك وتعالى قد جعلك عزاً للدين.... وبعد فأنت بالمشورة أبصر من كل من في المسجد ، فاعمل برأيك فرأيك أفضل ، ومرنا بأمرك فها نحن بين يديك . فقال عمر: أريد غير هذين الرأيين ، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف الزهري فقال: يا أمير المؤمنين ، إن كل متكلم يتكلم برأيه ، ورأيك أفضل من رأينا ، لما قد فضلك الله عز وجل علينا ، وأجرى على يديك من موعود ربنا ، فاعمل برأيك واعتمد على خالقك ، وتوكل على رازقك وسر إلى أعداء الله بنفسك ، ونحن معك ، فإن الله عز وجل ناصرك بعزه وسلطانه كما عودك من فضله وإحسانه . فقال عمر: أريد غير هذا الرأي ، فتكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: ياأمير المؤمنين إنك قد علمت وعلمنا أنا كنا بأجمعنا على
ص: 68
شفا حفرة من النار فأنقذنا الله منها بنبيه محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، وقد اختارك لنا خليفة نبينا محمد ، وقد رضيك الأخيار وخافك الكفار ، ونفر عنك الأشرار ، وأنا أشير عليك أن تسير أنت بنفسك إلى هؤلاء الفجار بجميع من معك من المهاجرين والأنصار ، فتحصد شوكتهم وتستأصل جرثومتهم . فقال عمر رضي الله عنه: وكيف أسير أنا بنفسي إلى عدوي وليس بالمدينة خيل ولا رجل ، فإنما هممتفرقون في جميع الأمصار ؟ فقال عثمان: صدقت يا أمير المؤمنين ، ولكني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيقبلوا عليك من شامهم ، وإلى أهل اليمن فيقبلوا إليك من يمنهم ، ثم تسير بأهل الحرمين مكة والمدينة إلى أهل المصرين البصرة والكوفة ، فتكون في جمع كثير وجيش كبير ، فتلقى عدوك بالحد والحديد والخيل والجنود. قال فقال عمر: هذا أيضاً رأي ليس يأخذ بالقلب ، أريد غير هذا الرأي . قال: فسكت الناس ، والتفت عمر رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن ! لم لا تشير بشئ كما أشار غيرك ؟ ذكر مشورة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين ، إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمداً(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وليس معه ثان ولا له في الأرض من ناصر ولا له من عدوه مانع ، ثم لطف تبارك وتعالى بحوله وقوته وطوله ، فجعل له أعواناً أعز بهم دينه ، وشد أزره وشيد بهم أمره ، وقصم بهم كل جبار عنيد وشيطان مريد ، وأرى موازريه وناصريه من الفتوح والظهور على الاعداء ما دام به سرورهم وقرت به أعينهم ، وقد تكفل الله تبارك وتعالى لاهل هذا الدين بالنصر والظفر والاعزاز . والذي نصرهم مع نبيهم وهم قليلون ، هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون.... وبعد فقد رأيت قوماً أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم ، ولم يأخذ بقلبك شئ مما أشاروا به عليك ، لأن كل مشير إنما يشير بما يدركه عقله ، وأعملك يا أمير المؤمنين أنك إن كتبت إلى الشام أن يقبلوا إليك من شامهم لم تأمن من أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم ، ويهدم مساجدهم ، ويقتل رجالهم ، ويأخذ أموالهم ، ويسبي نساءهم وذريتهم ! وإن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم ، أغارت الحبشة أيضاً على ديارهم ونسائهم وأموالهم وأولادهم ! وإن سرت بنفسك مع أهل مكة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ، ثم قصدت بهم قصد عدوك ، انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها ، حتى إنك تريد بأن يكون من خلفته وراءك أهم إليك مما تريد أن تقصده ، ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم ، ولا كهف يلجؤون إليه ، وليس بعدك مرجع ولا موئل ،
ص: 69
إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ . فأقم بالمدينة ولا تبرحها ، فإنه أهيب لك في عدوك ، وأرعب لقلوبهم ، فإنك متى غزوت الأعاجم بنفسك يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه ، لقلة أتباعه وأنصاره ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وعلى المسلمين ، فأقم بمكانك الذي أنت فيه ، وابعثمن يكفيك هذا الأمر . والسلام . قال: فقال عمر رضي الله عنه: يا أبا الحسن ! فما الحيلة في ذلك وقد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف ، يريدون استئصال المسلمين؟ فقال له علي بن أبي طالب: الحيلة أن تبعث إليهم رجلاً مجرباً قد عرفته بالبأس والشدة ، فإنك أبصر بجندك وأعرف برجالك ، واستعن بالله وتوكل عليه واستنصره للمسلمين ، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدهم بها ، فإن أظفر الله المسلمين فذلك الذي تحب وتريد ، وإن يكن الأخرى وأعوذ بالله من ذلك ، تكون ردءا للمسلمين وكهفاً يلجؤون إليه وفئة ينحازون إليها . قال فقال له عمر: نعم ما قلت يا أبا الحسن ! ولكني أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الذين يتولون حرب هؤلاء الأعاجم ، فإنهم قد ذاقوا حربهم وجربوهم ومارسوهم في غير موطن. قال فقال له علي رضي الله عنه: إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم فيكونوا حرساً لهم يدفعون عن حريمهم . والفرقة الثانية يقيمون في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة لكيلا تعطل الصلاة ، ويأخذون الجزية من أهل العهد لكيلا ينتقضوا عليك . والفرقة الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة . ويصنع أهل الكوفة أيضاً كصنع أهل البصرة ، ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم ، فإن الله عز وجل ناصرهم عليهم ومظفرهم بهم ، فثق بالله ولا تيأس من روح الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ . ووصف ابن الأعثم في الفتوح:2/291، قال: فلما سمع عمر مقالة علي كرم الله وجهه ومشورته ، أقبل على الناس وقال: ويحكم ! عجزتم كلكم عن آخركم أن تقولوا كما قال أبو الحسن ! والله لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي ، ثم أقبل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن ! فأشر عليَّ الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون أجعله أميراً ، وأستكفيه من هؤلاء الفرس . فقال علي رضي الله عنه: قد أصبته ، قال عمر: ومن هو ؟ قال: النعمان بن مقرن المزني ، فقال عمر وجميع المسلمين: أصبت يا أبا الحسن ! وما لها من سواه . قال: ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر ودعا بالسائب بن الأقرع بن عوف الثقفي فقال: يا سائب ! إني أريد أن أوجهك إلى
ص: 70
العراق فإن نشطت لذلك فتهيأ ، فقال له السائب: ما أنشطني لذلك...). انتهى .أمير المؤمنين(علیه السلام) يرتب وضع البصرة ويواصل فتح إيران والهند
في تاريخ اليعقوبي:2/183: (ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي إلى خراسان ) . وفي شرح نهج البلاغة:18/308: (هبيرة بن أبي وهب ، كان من الفرسان المذكورين ، وابنه جعدة بن هبيرة ، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب ، أمه أم هاني بنت أبي طالب ، وابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ، هو الذي فتح القهندر وكثيراً من خراسان ، فقال فيه الشاعر:
لولا ابن جعدةَ لم تُفتح قهندركم *** ولا خراسانُ حتى ينفخ الصور (انتهى).
أقول: في معجم البلدان:4/419 ، وصحاح الجوهري:1/433: قهندز بالزاي . وقال الطبري في تاريخه:4/46: (فانتهى إلى أبر شهر وقد كفروا وامتنعوا فقدم على علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه وصالحه أهل مرو ، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان فبعث بهما إلى علي فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما ، قالتا زوجنا ابنيك فأبى ، فقال له بعض الدهاقين إدفعهما إليَّ فإنه كرامة تكرمني بها ، فدفعهما إليه فكانتا عنده يفرش لهما الديباج ويطعمهما في آنية الذهب ، ثم رجعتا إلى خراسان ). انتهى . وقال ابن خياط في تاريخه ص143، في حوادث سنة36: ( وفيها ندب الحارث بن مرة العبدي(من البحرين)الناس إلى غزو الهند ، فجاوز مكران إلى بلاد قندابيل ووغل في جبال الفيقان...)وفي فتوح البلدان للبلاذري:3/531:(فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي ، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً ،وقسم في يوم واحد ألف رأس) انتهى .
نماذج من أدوار تلاميذ علي(علیه السلام) في الفتوحات !
دور أبي ذر (رحمة الله) في الفتوحات
ص: 71
دور أبي ذر(رحمة الله) في الفتوحات واحدٌ مما طمسه تاريخ الخلافة الرسمي! فقد صوروا أباذر(رحمة الله)كأنه بدوي ساذج متزمت سئ الخلق ، وكأنه صغير الجثة ضعيف البنية عن الجهاد ! بينما نطقت ثنايا مصادرهم بالحقائق ، وأنه كان رجلاً جسيماً طويلاً ، وقائداً شجاعاً ذكياً ! (وكان أبوذر طويلاً عظيماً رضي الله عنه وكان زاهداً متقللاً من الدنيا...وكان قوالاً بالحق).(تهذيب الأسماء للنووي:2/513). (وكان أبو ذر طويلاً عظيماً) . (أسد الغابة:5/188 ، ومستدرك الحاكم:3/51) . (رجلاً طويلاً آدم أبيض الرأس واللحية). (الطبقات:4/230) .(فجلس... فرجف به السرير ، وكان عظيماً طويلاً )(سير أعلام النبلاء للذهبي:2/69). وكان له فرس أصيل يقال له: الأجدل . (أنساب الخيل لابن الكلبي ص 6، وأسماء خيل العرب وفرسانها لابن الأعرابي ص 2). ومضافاً الى الرواية المتقدمة في استنكاره على الأمير الأموي لغصبه الجارية التي تدل على أنه كان في فتح الشام(سير أعلام النبلاء:1/329 ، وتاريخ دمشق:65/250) ، فقد قالت رواية الواقدي في فتوح الشام:2/254: (ثم حمل من بعده العباس بن مرداس ، ثم من بعده أبو ذر الغفاري ، ثم تبارد المسلمون بالحملة ، فلما رأى الروم ذلك ايقظوا أنفسهم في عددهم وعديدهم وتظاهروا البيض والدرع ، ولم يزل القتال بينهم حتى توسطت الشمس في قبة الفلك).وقال الواقدي أيضاً:2/583: ( ثم استدعى من بعده أبا ذر الغفاري ، وأمَّره على خمسمائة فارس ، وسلمه الراية فتوجه وهو يقول:
سأمضي للعداة بلا اكتئاب***وقلبي للِّقا والحرب صابي
وإن صال الجميع بيوم حرب ***لكان الكلُّ عندي كالكلاب
أذلهمُ بأبيض جوهريٍّ ***طليقِ الحدِّ فيهم غيرُ آبي) انتهى.
بل تدل عدة روايات كما يأتي على أن أباذر(رحمة الله) سكن الشام من أول حكم عمر ، للمشاركة في الفتوحات ، وعاد منها في زمن عثمان ، ثم نفاه اليها عثمان لمدة سنة ، ثم أعاده ونفاه الى الربذة فبقي فيها سنتين أو أكثر حتى توفي غريباً سنة32 هجرية . وهذا يعني أنه قضى نحو عشرين سنة في الشام . أما دور أبي ذر في فتح مصر فقد روت أكثر مصادر الحديث أنه كان يمرِّغ فرسه ويروِّضه ، فسألوه عن حبه له فقال: (ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت
ص: 72
رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً). رواه أحمد:5/162، و170، والنسائي:6/223، وفي الكبرى:3/36 ، والبيهقي في سننه:6/330 ، وعلل أحمد بن حنبل:3/404 ، وعلل الدارقطني:6/266 ، وسنن سعيد بن منصور:2/204، والعظمة لأبي الشيخ:5/1780، وحلية الأولياء:8 /387 ، والفردوس بمأثور الخطاب:4/53 ، وتفسير ابن كثير:2/334 ، والفروسية لابن قيم الجوزية ص130، وكنز العمال:6/321 ...الخ. روته هذه المصادر وغيرها ولم تذكر مناسبته مع أنه حديث نبوي ! إلا ثلاثة منها كشفت ربما عن غير قصد دور أبي ذر في فتح مصر ! قال السيوطي في الدر المنثور:3/197: (وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج ، أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرِّغون فيها خيولهم ، فمر معاوية(يقصد ابن حديج التميمي)بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرساً له فسلم عليه ووقف ، ثم قال: يا أبا ذر ما هذا الفرس؟ قال فرس لي ، لا أراه الا مستجاباً ! قال: وهل تدعو الخيل وتجاب ؟ قال: نعم ، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده ، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً). (وحياة الحيوان للدميري ص930). وفي نهاية الإرب: ص2036: (لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل ، فمر حديج بن صومي بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرسه الأجدل ، فقال:
وأما دوره في فتح قبرص ، فقال البلاذري في فتوح البلدان:1/182: (لما غُزيَت قبرس الغزوة الأولى ، ركبت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بن الصامت ، فلما انتهوا إلى قبرس خرجت من المركب وقدمت إليها دابة لتركبها فعثرت بها فقتلتها ، فقبرها بقبرس يدعى قبر المرأة الصالحة
قالوا: وغزا مع معاوية أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، وأبو الدرداء ، وأبو ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وفضالة بن عبيد الأنصاري ، وعمير بن سعد بن عبيد الأنصاري ، وواثلة بن الأسقع الكناني ، وعبد الله بن بشر المازني ، وشداد بن أوس بن ثابت ، وهو ابن أخي حسان بن ثابت ، والمقداد ، وكعب الحبر بن ماتع ، وجبير بن نفير الحضرمي). انتهى.
أقول: حشروا إسم كعب الأحبار معهم ، لإعطائه لقب المسلم المجاهد ! وكذلك حشروا إسم معاوية
ص: 73
بعبارة مبهمة فيها تدليس(وغزا مع معاوية) ، مع أن تاريخ كعب ومعاوية لم يسجل أنهما حملا سلاحاً وحاربا يوماً ، أو غزيا حتى لمرة واحدة ! ولذا قال في الإستيعاب:4/1931: (ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه ، ومعه أيضاً امرأته فاختة بنت قرظة ). انتهى
ويشير النص التالي الى أن معاوية كان ينتظر الجيش في الساحل بطرسوس.
ففي مسند الشاميين للطبراني:2/73 ، عن جبير بن نفير قال: (أخرج معاوية غنائم قبرس إلى الطرسوس من ساحل حمص ، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية ، ثم قام في الناس فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم لكم ، وسهم للسفن ، وسهم للقبط ، فإنه لم يكن لكم قوة على غزو البحر إلا بالسفن والقبط . فقام أبو ذر فقال: بايعت رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم: أتقسم يا معاوية للسفن سهماً وإنما هي فيؤنا ، وتقسم للقبط سهماً وإنما هم أجراؤنا ، فقسمها معاوية على قول أبي ذر) . ونحوه في:2/120 ، وتاريخ دمشق:66/193 ، وحلية الأولياء:5/134.
أما البخاري فروى الحديث بدون ذكر أبي ذر، ولا أبي أيوب ، ولا غيرهما من الصحابة ! لأن غرضه فقط أن يمدح معاوية بأنه أول من ركب البحر للغزو ، ويروي حديثاً يحتمل أن يكون مدحاً لمعاوية.
قال البخاري في:3/203: (أم حرام بنت ملحان قالت نام النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوماً قريباً مني ثم استيقظ يتبسم ، فقلت ما أضحكك ؟ قال أناس من أمتي عرضوا على يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة ! قالت: فادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا لها ، ثم نام الثانية ففعل مثلها ، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها ، فقالت ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين ! فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت) انتهى.
وقد صحح ابن حجر وغيره خطأ البخاري في روايته ولم يذكروا معاوية ! قال في تهذيب التهذيب:12/411: (والصحيح العكس ، فقد قال غير واحد وثبت غير واحد أنها خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر ، وماتت في غزاتها وَقَصَتْها بغلتها عندما نقلوا ، وذلك أول ما ركبالمسلمون في البحر في زمن معاوية في خلافة عثمان . زاد أبو نعيم الأصبهاني وقبرت بقبرس . قلت:
ص: 74
والإسماعيلي في مستخرجه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار قال: رأيت قبرها ووقفت عليها بقبرس). (ونحوه في صحيح ابن حبان:10/468 ، وطبقات ابن سعد:8/435 ، ورجال صحيح البخاري للكلاباذي:2/851 ، وتاريخ دمشق:70/217، وغيرها . وفي تهذيب التهذيب:12/82: ركبتْ البحر عام قبرس ، مع ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة ، منهم أبو ذر .
أقول: يصعب تصديق حديث بنت ملحان وأمثاله ، الذي يذكر أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان يزورها كأنها والدته أو خالته ، وينام في بيتها ويرى رؤية تتعلق بها !
وأنها كانت تفلي رأسه كابنها أو أخيها ، وكأن رأس النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيه قمل كرؤوس رجالهم !
مالك الأشتر ودوره في معركة القادسية واليرموك
تدل النصوص المتناثرة في المصادر على دور مالك البطولي والقيادي في المعارك الفاصلة من تاريخنا ! ويظهر أنه (رحمة الله) كان يتحرى بطل العدو أو قائدهم فيبرز اليه ويجندله ، فتتغير المعادلة لصالح المسلمين وتقع في عدوهم الهزيمة ، وهذا ما فعله في معركة مسيلمة الكذاب ، وفي معركة اليرموك ، وغيرهما !
وأنه بعد مشاركته في حرب مسيلمة توجه الى الشام وشارك في معارك الفتح ، ثم عاد الى العراق وشارك في بعض معاركها ، وبعد فتح عين التمر وحاجة جبهة الشام الى مدد ، بادر الى معركة اليرموك وكان بطل النصر فيها ، وبعد اليرموك كان قائداً فعالاً ففتح عدة مدن وحصون في بلاد الشام ، ثم طارد الروم الى جبال اللكام ، وعندما احتاجت اليه جبهة العراق بادر الى معركة القادسية !
وقد ادعت رواية الطبري التالية:2/597،أنه لم يحضر القادسية: (عن أرطأة بن جهيش قال كان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية ، فخرج يومئذ رجل من الروم فقال من يبارز؟ فخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين فقال للرومي خذها وأنا الغلام الأيادي! فقال الرومي: أكثر الله في قومي مثلك ، أما واللهلولا أنك من قومي لآزَرْتِ الروم ، فأما الآن فلا أعينهم ). وتاريخ دمشق:56/379.
أقول: معنى أن هذا البطل الرومي أيادي ، أنه من الغساسنة المتنصرين ، لأنهم يرجعون مع النخع الى
ص: 75
أياد ، وقد أعجب ذلك الفارس ببطولة ابن عمه مالك النخعي الأيادي وعاهده أن لايقاتل مع الروم ضد المسلمين .
وأما قول الرواية إن مالكاً لم يشهد القادسية ، فيردُّه ما رواه الطبري نفسه ومصادر أخرى من أنه جاء من معركة اليرموك مدداً للمسلمين في القادسية وشهدها. فقد روى له أبو تمام في ديوان الحماسة:1/39 شعراً قاله في القادسية ، قال: (وتلقني يشتد بي أجردٌ مستقدم البَرْكة كالراكب . هو مالك بن الحارث أحد بني النخع والأشتر لقب له ، كان شاعراً يمانياً من شعراء الصحابة ، شهد حرب القادسية أيام عمر بن الخطاب التي كانت بين المسلمين والفرس ، وكان لعلي في حروبه مثل ما كان علي لرسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)). وفي طبقات ابن سعد:6/405: (أخبرنا طلق بن غنام قال: شهد جدي مالك بن الحارث القادسية... ثم قال عن طلق بن غنام: وكان ثقة صدوقاً) . وفي الأغاني:15/208: (قال أبو عبيدة في رواية أبي زيد عمر بن شبة: شهد عمرو بن معدي كرب القادسية وهو ابن مائة وست سنين ، وقال بعضهم: بل ابن مائة وعشر ، قال: ولما قتله العلج(كان)عَبَرَ نهر القادسية هو وقيس بن مكشوح المرادي ومالك بن الحارث الأشتر ). ومعاهد التنصيص للعباسي:2/244.
وفي مصنف ابن أبي شيبة:7/718: (عن الأعمش عن مالك بن الحارث أو غيره قال: كنت لاتشاء أن تسمع يوم القادسية: أنا الغلام النخعي ، إلا سمعته ) . وفي ابن أبي شيبة:8/14، (فقال عمر: ما شأن النخع، أصيبوا من بين سائر الناس أفرَّ الناس عنهم؟ قالوا: لا ، بل وَلُوا أعظم الأمر وحدهم).( ونحوه في الإصابة:1/196). وذكر ابن أبي شيبة:8/15، أن النخع كانوا في القادسية ألفين وأربع مئة ، أي ربع جيش المسلمين ، وأن ثقل المعركة كان عليهم ! وفي تاريخ الطبري:3/82 ، أنهم هاجروا من اليمن مع عوائلهم ، وزوجوا سبع مائة بنت الى المسلمين وخاصة الأنصار. ونحوه في تاريخ دمشق:65/100.وتدل رواية الحافظ الأصبهاني في ذكر أخبار إصبهان:2/318 ، على أن الأشتر وفرسان النخعيين توغلوا في فتح إيران وشاركوا في فتح أصفهان ، قال: مالك الأشتر بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع ، كان بإصبهان أيام علي بن أبي طالب فيما ذكر عن عمير بن سعيد قال: دخلت على الأشتر بإصبهان في أناس من النخع نعوده
ص: 76
ونحوها رواية السمعاني في الأنساب:5/476 ، قال: ومات بالقلزم مسموماً سنة سبع وثلاثين من الهجرة ، سمه معاوية في العسل ، ولما بلغه الخبر قال: إن لله جنوداً من العسل ! قال عمير بن سعيد: دخلت على الأشتر بأصبهان في أناس من النخع نعوده ، فقال: هل في البيت إلا نخعي؟ قلنا: لا
فاتضح أن الروايات التي تنفي مشاركته في القادسية وفتح إيران ، وضعها رواة الخلافة المتعصبون ضده وضد قومه النخعيين ، بسبب تشيعهم
وقال الواقدي:1/68 ، عن مشاركة مالك في فتوح الشام زمن أبي بكر: (فما لبثوا حتى أقبل مالك بن الأشتر النخعي... وقد عزم على الخروج مع الناس الى الشام .. واجتمع بالمدينة نحو تسعة آلاف ، فلما تم أمرهم كتب أبو بكر كتاباً الى خالد بن الوليد... وقد تقدم اليك أبطال اليمن وأبطال مكة ، ويكفيك بن معد يكرب الزبيدي ، ومالك بن الأشتر
وقال في462 ، في فتح الموصل: والتقى مالك الأشتر بيورنيك الأرمني فلما عاين زيه علم أنه من ملوكهم ، فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره.
وقال ابن الأعثم:1/258 في فتح آمد وميافارقين في تركية:ثم أرسل عياض مالك الأشتر النخعي وأعطاه ألف فارس ، وأرسله إلى ناحية آمد وميافارقين ، وحين وصل مالك مع الجيش إلى آمد تبين له أن القلعة حصينة جداً فأخذ يفكر بالأمر وأن مقامه سيطول هناك ، ولما اقترب من آمد وعاين بنفسه قوة الحصن ، أمر الجيش بأن يكبروا معاً تكبيرة واحدة بأعلى صوت! فخاف أهل آمد وتزلزلت أقدامهم وظنوا أن المسلمين يبلغون عشرة آلاف ، وأنهم لا قِبَلَ لهم بحربهم ، فأرسلوا شخصاً إلى الأشتر فأجابهم الأشتر إلى الصلح ، وتقرر أن يدفعوا خمسة آلاف دينار نقداً ، وعلى كل رجل أربعةدنانير جزية ، ورضي حاكم البلد بهذا الصلح وفتحوا الأبواب ودخلها المسلمون صباح يوم الجمعة ، فطافوا فيها ساعة ثم خرجوا ، وأقاموا على بوابة البلدة
مالك الأشتر بطل معركة اليرموك
عندما بدأ الروم يحشدون جيوشهم لاسترجاع ما فتحه المسلمون من بلاد الشام كان مالك في العراق، فحشدوا نحو مئة ألف مقاتل ، وكان عدد المسلمين مقابلهم أقل من ثلاثين ألفاً . ففي تاريخ
ص: 77
دمشق:2/143:(أن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً وعليهم أبو عبيدة بن الجراح ، والروم عشرون ومائة ألف عليهم ماهان وسقلان يوم اليرموك). وفي فتوح ابن الأعثم:1/173: (ثم جعل ماهان أميراً على جميع أجناده ، وأمر الوزراء والبطارقة والأساقفة أن لايقطعوا أمراً دونه.
ومن النصوص التي تحدد تاريخ معركة اليرموك ، ما رواه في تاريخ دمشق:2/162 قال: (ثم بلغ ذلك هرقل فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن واسع المطرد ، ضيق المهرب...فنزلوا الواقوصة على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقاً لهم وهو لهب لايدرك ، وإنما أراد باهان وأصحابه أن يستفيق الروم . . . ومخرجهم صفر سنة ثلاث عشرة وشهري ربيع لايقدرون من الروم على شئ ، ولا يخلصون إليهم واللهب وهو الواقوصة من ورائهم ، والخندق من ورائهم ، ولايخرجون خرجة إلا أديل المسلمون منهم... وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر ، فكتب إلى خالد ليلحق بهم وأمره أن يخلف على العراق المثنى ، فوافاهم في ربيع). انتهى
أقول: وبعد وصول خالد الى دمشق توفي أبو بكر وتولى الخلافة عمر ، فبادر الى عزل خالد وتأمير أبي عبيدة مكانه ، وخاف عمر أن يؤثر عزل خالد على سير المعركة ، ولكن الله لطف على المسلمين ببطولة مالك الأشتر (رحمه الله).
وفي تاريخ اليعقوبي:2/141:(وجمع أبو عبيدة إليه المسلمين وعسكر باليرموك... وجعل أبو عبيدة خالد بن الوليد على مقدمته فواقع المشركين ، ولقي ماهان صاحب الروم... وكانت وقعة جليلة الخطب فقتل من الروم مقتلة عظيمة وفتح الله على المسلمين... وأوفد أبو عبيدة إلى عمر وفداً فيهم حذيفة بن اليمان وقد كان عمر أرِقَ عدة ليال واشتد تطلعه إلى الخبر ، فلما ورد عليه الخبر خرَّ ساجداً وقال:الحمد لله الذي فتح على أبي عبيدة ، فوالله لو لم يفتح لقال قائل: لو كان خالد بن الوليد.
خوف المسلمين وعمر من جيش الروم في اليرموك
نورد خلاصة بعبارة الواقدي وابن الأعثم، قال الواقدي في:1/163: (ثم إن الملك هرقل لما قلد أمر جيوشه ماهان ملك الأرمن ، وأمره بالنهوض الى قتال المسلمين وركب الملك هرقل وركب الروم وضربوا بوق الرحيل ، وخرج الملك هرقل ليتبع عساكره... وسار ماهان في أثر القوم بحيوشه والرجال
ص: 78
أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم الحجارة ، وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة الا أضروا بأهلها ، ويطالبونهم بالعلوفة والإقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون: لاردكم الله سالمين . قال وجَبْلَة بن الأيْهم(رئيس غسان ومن معها) في مقدمة ماهان ومعه العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام.... وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا الى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر ، فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر لديه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وبات قلقاً لم تغمض له عين خوفاً على المسلمين.... قال عطية بن عامر: فوالله ما شبهت عساكر اليرموك إلا كالجراد المنتشر إذْ سدَّ بكثرته الوادي ! قال: ونظرت الى المسلمين قد ظهر منهم القلق وهم لا يفترون عن قول لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ، وأبو عبيدة يقول: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين . ثم ذكر/178رسالة أبي عبيدة الى عمر فقال عمر: (ما تشيرون به عليَّ رحمكم الله تعالى؟فقال له علي بن أبي طالب: أبشروا رحمكم الله تعالى ، فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله....قال لعمر: يا أمير المؤمنين أكتب الى عاملك أبي عبيدة كتاباً وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا .
وقال ابن الأعثم في:1/179:(وبلغ أبا عبيدة بأن ماهان وزير هرقل أقبل في عساكره حتى نزل مدينة حمص في مائة ألف ، فاغتم لذلك... قال ثم تكلم قيس بن هبيرة المرادي فقال: أيها الأمير هذا وقت رأيٌ نشير به عليك ، أترانا نرجع إلى بلادنا ومساقط رؤوسنا ، وتترك لهؤلاء الروم حصوناً ودياراً وأموالاً قد أفاءها الله علينا ونزعها من أيديهم فجعلها في أيدينا ، إذن لا ردنا الله إلى أهلنا أبداً إن تركنا هذه العيون المتفجرة والأنهار المطردة والزرع والنبات والكروم والأعناب والذهب والفضة والديباجوالحرير ، والحنطة والشعير ! ونرجع إلى أكل الضب ولبوس العباءة ، ونحن نزعم أن قتيلنا في الجنة يصيب نعيماً مقيماً ، وقتيلهم في النار يلقى عذاباً أليما ! أُثبت أيها الأمير وشجع أصحابك وتوكل على الله ، وثق به ولا تيأس من النصر والظفر . قال فقال أبو عبيدة: أحسنت يا قيس ، ما الرأي إلا ما رأيت ، وأنا زعيم لك ، ولا أبرح هذه الأرض حتى يأذن الله لي ). انتهى.
أقول: يدل هذا النص على أن خوف بعض المسلمين من الروم قد بلغ مداه ! وأن المعادلة الدنيوية كانت غالبة عليهم ، لكن بعضهم غلبت عليه الطمأنينة والمعادلة الدينية ، كما رأيت في اطمئنان
ص: 79
علي(علیه السلام) بالوعد النبوي بهزيمة الروم .
وقال الواقدي عن نجدة مالك وخالد الى اليرموك قال:2/192: (فلما وصلوا إلى عين التمر استعجل للنصرة ، فترك الجيش وسار في سبعين فارساً ، وأتت بقية السبعمائة بعد ذلك ، وكان معه قيس بن عبد يغوث وقيس بن أبي حازم وسعيد بن نزار ومالك الأشتر النخعي ، فتقدم هاشم وقيس معه في السبعين.
وقال الواقدي:1/224يصف المعركة ونصيحة البطاركة لبطلهم ماهان: (أيها الملك لا تخرج الى الحرب حتى نخرج نحن الى القتال قبلك ، فإذا قُتلنا فافعل بعدنا ما شئت . قال: فحلف ماهان بالكنائس الأربع لايبرز أحد قبله ! قال فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته، ثم إنه دعا بابن له فدفع اليه الصليب وقال: قف مكاني ! وقُدِّم لماهان عُدَّة فأفرغت عليه ، قال الواقدي: وبلغنا أن عدته التي خرج بها الى الحرب تقومت بستين ألف دينار ، لأن جميعها كان مرصعاً بالجوهر ، فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من الرهبان فقال: أيها الملك ما أرى لك الى البراز سبيلاً ولا أحبه لك . قال: ولم ذلك؟ قال: لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز. فقال ماهان: لست أفعل والقتل أحب اليَّ من العار ! قال فبخروه وودعوه . وخرج ماهان إلى القتال وهو كأنه جبل ذهب يبرق ، وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى البراز وخوَّف باسمه فكان أول من عرفه خالد بن الوليد فقال: هذا ماهان ، هذا صاحب القوم قد خرج ! ووالله ما عندهم شئ من الخير ! قال وماهان يُرَعِّب باسمه ، فخرج اليه غلام من الأوس وقال: والله أنا مشتاق الى الجنة وحمل ماهان وبيده عمود من ذهب كان تحت فخذه فضرب به الغلام فقتله وعجل الله بروحه الى الجنة ! قال أبو هريرة: فنظرت الى الغلام عندما سقط وهو يشير بإصبعه نحو السماء ولميهله ما لحقه ، فعلمت أن ذلك لفرحه بما عاين من الحور العين . قال: فجال ماهان على مصرعه وقويَ قلبه ودعا الى البراز فسارع المسلمون اليه فكل يقول اللهم اجعل قتله على يدي (!) وكان أول من برز مالك النخعي الأشتر وساواه في الميدان فابتدر مالك ماهان بالكلام وقال له: أيها العلج لا تغتر بمن قتلته وإنما اشتاق صاحبنا الى لقاء ربه ، وما منا إلا من هو مشتاق الى الجنة ، فإن أردت مجاورتنا في جنات النعيم فانطق بكلمة الشهادة أو أداء الجزية وإلا فأنت هالك لا محالة ! فقال له ماهان: أنت صاحب خالد بن الوليد؟ قال: لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)! فقال ماهان: لا بد لي من الحرب ثم حمل على مالك وكان من أهل الشجاعة فاجتهدا في القتال ، فأخرج ماهان عموده وضرب به مالكاً على
ص: 80
البيضة التي على رأسه فغاصت في جبهة مالك فشَتَرتْ عينه فمن ذلك اليوم سمي بالأشتر ، قال: فلما رأى مالك ما نزل به من ضربة ماهان عزم على الرجوع ، ثم فكر فيما عزم عليه فدبَّرَ نفسه وعلم أن الله ناصره ، قال والدم فائرٌ من جبهته وعدو الله يظن أنه قتل مالكاً ، وهو ينظره متى يقع عن ظهر فرسه ! وإذا بمالك قد حمل وأخذته أصوات المسلمين يا مالك إستعن بالله يعنك على قرينك ، قال مالك: فاستعنت بالله عليه وصليت على رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعاً غير موهن فعلمت أن الأجل حصين ، فلما أحس ماهان بالضربة ولَّى ودخل في عسكره ! قال الواقدي: ولما ولى ماهان بين يدي مالك الأشتر منهزماً صاح خالد بالمسلمين: يا أهل النصر والبأس إحملوا على القوم ما داموا في دهشتهم ، ثم حمل خالد ومن معه من جيشه ، وحمل كل الأمراء بمن معهم ، وتبعهم المسلمون بالتهليل والتكبير فصبرت لهم الروم بعض الصبر، حتى إذا غابت الشمس وأظلم الأفق انكشف الروم منهزمين بين أيديهم ، وتبعهم المسلمون يأسرون ويقتلون كيف شاءوا ). انتهى. أقول: يفهم من الرواية أن مالكاً ضرب قائدهم ماهان ففرَّ جريحاً ، فذهل الروم وتغيرت كفة المعركة لصالح المسلمين ! لكن المرجح أنه قتله فبرز اليه آخران فقتلهما ، ثم ثمانية من قادة جيش الروم ، أو بطاركتهم كما يسمونهم ! فقد روى الكلاعي في الإكتفاء:3/273، واصفاً الأشتر: (كان من جلداء الرجال وأشدائهم ، وأهل القوة والنجدة منهم ، وأنه قتل يوم اليرموك قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلاً من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة ) ! انتهى. بل تشير رواية الطبري:3/74 ، التاليةالى أن ماهان قُتل من ضربة الأشتر: (عن عبد الله بن الزبير قال: كنت مع أبي الزبير عام اليرموك فلما تعبأ المسلمون.....فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع فأصيب من الروم أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفاً وقتل الله الصقلار وباهان ، وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار). انتهى.وستعرف أن رواة السلطة يحرصون على طمس بطولات من لايحبونهم أو سلبها منهم ونسبتها الى أتباع السلطة ، وهذا هو السبب في نسبتهم قتل ماهان الى مجهول ! أو قولهم إنه اختلف في الذي قتله ! وكذلك طمسهم مبارزات الأشتر الأخرى ، وأسماء قادة الروم الأحد عشر الذين قتلهم(رحمة الله) .
جهاد مالك الأشتر بعد اليرموك
ص: 81
وصف ابن العديم في تاريخ حلب:1/569 ، توغل الأشتر بعد اليرموك في أرض الروم فقال: (وحدثني الحسن بن عبد الله أن الأشتر قال لأبي عبيدة: إبعث معي خيلاً أتبع آثار القوم وأمضي نحو أرضهم ، فإن عندي جزاءً وغناءً . فقال له أبو عبيدة: والله إنك لخليق لكل خير). وفي:1/156: (وأول من قطع جبل اللكام وصار إلى المصيصة مالك بن الحارث الأشتر النخعي من قبل أبي عبيدة بن الجراح .
ولا يتسع المجال للتفصيل ، فنكتفي بتسجيل نقاط مختصرة عن بطولاته في فتح بلاد الشام ، التي حكمها قاتله معاوية .
قال الكلاعي في الإكتفاء:3/273: ( وتوجه مع خالد في طلب الروم حين انهزموا فلما بلغوا ثنية العقاب من أرض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة ، أقبلوا يرمون المسلمين من فوقهم بالصخر ، فتقدم إليهم الأشتر في رجال من المسلمين وإذا أمام الروم رجل جسيم من عظمائهم وأشدائهم ، فوثب إليه الأشتر لما دنا منه فاستويا على صخرة مستوية فاضطربا بسيفيهما فضرب الأشتر كتف الرومي فأطارها ، وضربه الرومي بسيفه فلم يضره شيئاً ، واعتنق كل واحد منهما صاحبه ، ثم دفعه الأشتر من فوق الصخرة فوقعا منها ، ثم تدحرجا والأشتر يقول وهما يتدحرجان: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . فلم يزل يقول هذا وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه حتى انتهيا إلى موضع مستو من الجبل ، فلما استقرا فيه وثب الأشتر علىالرومي فقتله ، ثم صاح في الناس أن جوزوا ! فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتله الأشتر خلوا سبيل العقبة للناس ، ثم انهزموا ) ! انتهى.
ثم ذكر هزيمة الروم العامة بعد اليرموك ، وفرار هرقل من أنطاكية مودعاً لها: (فقال: السلام عليك ياسورية ، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبداً.
وذكر البلاذري في فتوحه:1/194، أن مالك الأشتر كان قائداً في فتح أنطاكية
وذكر في/630 أبا ذر والأشتر في القادة ، في محاصرة مدينة ساحلية..الخ
وذكر في:1/302 ، وما بعدها كيف خطط مالك لفتح حلب ، ثم كيف فتح حصن عزار ، واستخلف
ص: 82
عليه سعيد بن عمرو الغنوي ورجع الى أبي عبيدة ، فكتب أبو عبيدة الى عمر بالنصر.
وفي تاريخ اليعقوبي:2/141أن أبا عبيدة أرسله الى: (جمع إلى الروم ، وقد قطعوا الدرب ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم انصرف وقد عافاه الله وأصحابه .
وذكر الواقدي في:1/223 مبارزته لجرجيس أحد قادة الروم في منطقة عمورية ، قال: (وأقبل اليه راهب عمورية وأعطاه صليباً كان في عنقه وقال: هذا الصليب من أيام المسيح يتوارثه الرهبان ويتمسحون به فهو ينصرك ، فأخذه جرجيس ونادى البراز بكلام عربي فصيح حتى ظن الناس أنه عربي من المتنصرة ، فخرج اليه ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار فلما قاربه ونظر اليه والى عظم جثته ندم على خروجه بالعدة التي أثقلته فقال في نفسه: وما عسى يغني هذا اللباس إذا حضر الأجل ، ثم رجع مولياً فظن الناس أنه ولى فزعاً ، فقال قائل منهم: إن ضراراً قد انهزم من العلج وما ضبط عنه قط أنه انهزم ! وهو لا يكلم أحداً حتى صار الى خيمته ونزع ثيابه وبقي بالسراويل ، وأخذ قوسه وتقلد بسيفه وجحفته وعاد الى الميدان كأنه الظبية الخمصاء ، فوجد مالكاً النخعي قد سبقه الى البطريق وكان مالك من الخُطَّاط إذا ركب الجواد تسحب رجلاه على الأرض ! فنظر ضرار فإذا بمالك ينادي العلج: تقدم يا عدو الله يا عابد الصليب الى الرجل النجيب ناصر محمد الحبيب ، فلم يجبه العلج لما داخله من الخوف منه ! قال فجال عليه وهمَّ أن يطعنه فلم يجد للطعنة مكاناً لما عليه من الحديد ، فقصد جوادهوطعنه في خاصرته فأطلع السنان يلمع من الجانب الآخر فنفر الجواد من حرارة الطعنة ، وهمَّ مالك أن يخرج الرمح فلم يقدر لأنه قد اشتبك في ضلوع الجواد وهو على ظهره لم يقدر أن يتحرك لأنه مزرر في ظهر الجواد بزنانير الى سرجه ، فنظر المسلمون الى ضرار وقد أسرع اليه مثل الظبية حتى وصل اليه وضربه بسيفه على هامته فشطرها نصفين وأخذ سلبه ، فأتاه مالك وقال: ما هذا يا ضرار تشاركني في صيدي؟ ! فقال ما أنا بشريكك وإنما أنا صاحب السلب وهو لي ، فقال مالك: أنا قتلت جواده ! فقال ضرار: رب ساع لقاعد ، آكل غير حامل ! فتبسم مالك وقال: خذ صيدك هنأك الله به ! قال ضرار: إنما أنا مازحٌ في كلامي ، خذه اليك فوالله ما آخذ منه شيئاً وهو لك وأنت أحق به مني . ثم انتزع سلب العلج وحمله على عاتقه وما كاد أن يمشي به وهو يتصبب عرقاً . قال زهير بن عابد ولقد رأيته وهو يسير به وهو راجل ومالك فارس حتى طرحه في رحل مالك ! فقال أبو عبيدة: بأبي وأمي والله قوم
ص: 83
وهبوا أنفسهم لله وما يريدون الدنيا ). انتهى.
أقول: لا أظن أن ضرار بن الأزور طان حياً في معركة اليرموك ، ولو كان فغرض الرواية التغطية على هزيمته ، وأن تجعله شريكاً لمالك الأشتر ، فضرار هذا من أتباع السطة ، وهو قاتل مالك بن نويرة (رحمه الله) وكان مُدمنَ خمر حتى شكاه أبو عبيدة الى عمر(الطبري:3/191 ، وتاريخ دمشق:24/390)وكان في مهمة في حي من قومه بني أسد فرأى عروساً جميلة تُزَفُّ الى زوجها فغصبها ! فكتب عمر الى خالد بن الوليد أن يرجمه فوصل الكتاب بعد وفاة ضرار ، ففرح بذلك خالد ! (مجموع النووي:19/338 ، وسنن البيهقي:9/104، وتاريخ البخاري:4/338 ، والجرح والتعديل:4/464 ، وتاريخ دمشق:24/388 ، وقد وثق في مجمع الزوائد:6/221، رواية قتله لمالك بن نويرة (رحمه الله) ، وبحث ذلك في النص والإجتهاد/121.
دور مالك الأشتر في فتح مصر
وقد روته عدة مصادر ، منها ما رواه الواقدي:2/66: فقال يزيد بن أبي سفيان: أنا والله رأيت مالكاً الأشتر النخعي ، وعرفته بطول قامته وركبته على فرسه.
وذكر في:2/221 ، كتاب عمر الى ابن العاص يذكر فيه مالكاً في القادة .وذكر في:2/240: نداء مالك في المسلمين في مصر يثبتهم ويشجعهم قال: لاتولُّوا فراراً من الموت ! أتريدون أن تكونوا عاراً عند العرب ! فما عذركم غداً بين يدي رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟! أما سمعتم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
وذكر في:2/242، أنه كان في قلب جيش الفتح المصري مقابل الروم، وفي:2/272 مشاركته في فتح البهنسا ، وقال: (ونزل المسلمون بجانب الجبل عند الكثيب الأصفر قريباً من البياض الذي على المغارة نحو المدينة....فلما أصبحوا خرج أعداء الله للقائهم فقال مالك الأشتر: يا قوم إن أعداء الله خرجوا للقائكم فاشغلوهم بالقتال وأرسلوا جماعة منكم يملكون الجسر واستعينوا بالله ).انتهى.
ص: 84
رأيت رواية ألفتتني ، لأنها تدل على أن أبا ذر(رحمة الله) كان موجوداً في فتح الشام ، فتتبعت خيوطها ، ففتحت عليَّ باباً وكشفت لي حقائق عن الفتوحات الإسلامية ، تخالف روايات الحكومات الرسمية . قال القاضي النعمان في شرح الأخبار:2/156: (غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس وهو أمير على الشام ، فغنموا وقسموا الغنائم ، فوقعت جارية في سهم رجل من المسلمين وكانت جميلة ، فذكرت ليزيد فانتزعها من الرجل ! وكان أبو ذر يومئذ بالشام ، فأتاه الرجل فشكا إليه واستعان به على يزيد ليرد الجارية إليه ، فانطلق إليه معه وسأله ذلك فتلكأ عليه ! فقال له أبو ذر: أما والله لئن فعلت ذلك ، لقد سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقول: إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية ، ثم قام ! فلحقه يزيد فقال له: أذكرك الله عز وجل أنا ذلك الرجل؟! قال: لا . فرد عليه الجارية). انتهى . وفي سير أعلام النبلاء:1/329 ، وتاريخ دمشق:65/250: (فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل فاغتصبها يزيد) . انتهى . وقد روت هذا الحديث أكثر مصادرهم ، وغطى أكثرها على آل أبي سفيان ، فلم يذكروا أن مناسبة الحديث غصب ابن أبي سفيان للجارية ، وقد رأيت في آخر الفصل السابق تصحيح الألباني للحديث ، دون أن يذكر مناسبته ! كما أنهم لم يذكروا شيئاً عن سلوك أخيه معاوية ، لكنه كان في جوه ! وممن غطى على بني أمية وحاول تكذيب الرواية البخاري ، فقال في تاريخه:1/45:(كان أبو ذر بالشام وعليها يزيد بن أبي سفيان فغزا الناس فغنموا...وهنا بتر البخاري القصة ، وقال: (والمعروف أن أبا ذر كان بالشام زمن عثمان وعليها معاوية ومات يزيد في زمن عمر ، ولا يعرف لأبي ذر قدوم الشام زمن عمر). انتهى. وإن أحسنا الظن، فالبخاري غير مطلع ، وإلا فهو متعصب لبني أمية ! وقد روى ابن كثير في النهاية:8/254، قصة هذه الجارية، ثم قال: وكذا رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب ، ثم قال البخاري: والحديث معلول ولانعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب.
أقول: لكن البخاري لم يروها كاملة ، ولا قال كما نقل عنه ابن كثير
يدل الحديث المتقدم على أن أبا ذر رضوان الله عليه شارك في فتح الشام ، وكان له نفوذ على قادة جيش الفتح ! وهو ما تحرص مصادر دولة الخلافة على إخفائه ، حتى لاتُنسب الفتوحات الى شيعة علي(علیه السلام) ، وحتى لايظهر انحراف خلفائها وأمرائها ، وإدانة الصحابة الأجلاء لهم ! إني أدعو الباحثين خاصة في تاريخ الفتوحات الإسلامية ، لأن يفتحوا الباب على هذه الحقيقة الضخمة التي غطت عليها
ص: 85
حكومات الخلافة القرشية ، والتي يشكو علي(علیه السلام) من ظلامتها..
ص: 86
المسألة:5
إمامهم ابن تيمية يتبنی أن معبودهم جسم!
قال في (تلبيس الجهمية ص 619: (قال بعضهم: قد قال الله تعالی: {وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَی مِن بَعدِهِ مِن حُليِّهِم عِجلاً جَسَداً لَهُ خُوَارُ اَلَم يَرَوا اَنَّهُ لا يُكَلَّمُهُم وَلا يَهدِيهِم سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } فقد ذم الله من اتخذ إلهاً جسداً، والجسد هو الجسم فيكون الله قد ذم من اتخذ إلهاً هو جسم .
فيقال له: هذا باطل من وجوه ، أحدها: أن هذا إنما يدل علی نفي أن يكون جسداً لاعلی نفي أن يكون جسماً ! والجسم في اصطلاح نفاة الصفات أعم من الجسد ) !!
وقال في منهاج السنة:2/563: (فهذا المصنف الإمامي – يقصد العلامة الحلي في كتابه منهاج الكرامة – اعتمد علی طريق المعتزلة ومن تابعهم من أن الإعتماد في تنزيه الرب عن النقائص علی نفيكونه جسماً ، ومعلوم أن هذه الطريقة لم يرد بها كتاب ولاسنة ! ولا هي مأثورة عن أحد من السلف ! فقد علم أنه لا أصل لها في الشرع ) !!
الأسئلة
1-ما الفرق بين أن نقول إن الله تعالی جسم أو جسد ؟! فكل منهما من عالم الطبيعة ويحتاج إلی مكان وزمان؟ والله تعالی يقول: (لَيسَ كَمِثلِهِ شَئُ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)(سورة الشوری:11) ؟! وعلی قول شيخكم ابن تيمية: (إن هذا إنما يدل علی نفي أن يكون جسداً لاعلی نفي أن يكون جسماً ) ! يكون الله تعالی جسماً، فلا يصدق عليه أنه: (لَيسَ كَمِثلِهِ شَئُ) ؟!
2-نحن لانقول إن الله تعالی جسم ، بل نقول إنه تعالی شئ لا كالأشياء ، لنخرجه بذلك عن الحدين حد التعطيل وحد التشبيه ، كما أمرنا إئمتنا(علیهم السلام). وما دام شيخكم يقول إن الله تعالی جسم ، فلماذا يشنع علی هشام بن الحكم فيما نسبه إليه من أن الله تعالی جسم لا كلأجسام؟!
ص: 87
وانظروا الی ماقاله شيخكم ناصر القفازي في كتابه أصول مذهب الشيعة الإمامية:1/529: (وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيمية أول من تولی كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال: وأول من عرف في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم . (منهاج السنة:1/20) .
فإذا كان القول بأنه الله تعالی جسم فرية ، فلماذا يفتريها ابن تيمية ؟! وإن كان له وجه صحيح، فلماذا جعله كفراً من هشام بن الحكم ، وإيماناً منه ؟!
المسألة:6
أغرب أنواع التقية في العالم.. يكتمون معبودهم خوفاً من المسلمين!
يشنع الوهابيون علی الشيعة وينبزونهم بأنهم يستعملون التقية ، مع أن التقية سلوك بشري فطري ، وحكمُ شرَّعه الله تعالی في كتابه للمسلمين ، أن يداروا الظالم ويتقوه ، عند الخوف علی النفس و المال !
والوهابيون أنفسهم يستعملون التقية في حياتهم العادية، بل يستعملون مع المسلمين أسوأ أنواع التقية وهو التقية في معبودهم المجسم الذي يعبدونه!! ويخفون عنهم أنه (شاب ذي وفرة ، فدماه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب، علی وجهه فراش من ذهب ) !فقد رواه الدارقطني في كتابه رؤية الله ص190، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا احمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال أخبره ، عن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر ، عن أم الطفيل امرأة أبيّ بن كعب ، أنها سمعت رسول الله يذكر أنه رأی ربه عزوجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب ، علی وجهه فراش من ذهب). انتهی .
وقبله إمامهم ابن تيمية في مجموع فتاويه : 3/336 ، و386 ، وغيره .
وقال إمامهم الذهبي في سير أعلامه(1): (فأما خبر أم الطفيل ، فرواه محمد بن إسماعيل الترمذي وغيره... ثم صحح الذهبي الحديث ونفی أن يكون مناماً وقال: (وقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا
ص: 88
الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون . وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم ، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب علی الأمة حفظه ، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح أسناده يتعين نقله ويتأكد نشره ، وينبغي للأمة نقله ، والعلم المباح لايجب بثه ولاينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء) . انتهی .
وقصده بالعلم المباح أي المحظور ، من تسمية الشئ بضده ، فيجب كتمانه إلا علی خواص العلماء ! شبيهاً بالعلم الذي يحصره اليهود والنصاری برؤساء الإكليروس ، أي كبار الكرادلة والحاخامات !!
وقد عقد إمام الوهابيين في كتاب توحيده باباً تحت عنوان (باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات) ليقول إن الأيمان بكل صفات الله تعالی واجب وإنكار شئ منها كفر ، وبما أن عدداً من صفات الله تعالی علی مذهبه يلزم منها التجسيم ، كما رأيت من شرحه لحديث الحاخام ، لذا تحدث عن وجوب كتمان ذلك ، واستشهد مثل الذهبي براوايتين عن علي(علیه السلام) وابن عباس ليثبت جواز كتمان هذاالعلم ، مع أنه لاعلاقة للروايتين بالموضوع !
الأسئلة1- لماذا يخاف الوهابيون من مصارحة المسلمين بأن معبودهم شاب أجعد له غرة مدلاة علی جبهته، ويلبس نعلين ذهب ، إلی آخر أوصافه...؟!
2- لماذا لايفتي لهم علماؤهم باستحباب صنع تمثال لمعبودهم ، لكي يربوا أولادهم علی معرفته ، ويضعوه في بيوتهم وسياراتهم ، فيذكرونه أكثر؟!
3- هل يوجد فرق جوهري بين عبادتهم للشاب الأجعد الشعر ، وبين عبادة اليهود لمعبودهم الشايب ، وعبادة السيخ لأصنامهم المختلفة ؟!
4- كيف يدعون أنهم أهل التوحيد وأنهم رافعوا راية التوحيد ، وهم يعبدون شاباً علی صورة آدم ، أجعد الشعر؟!
ص: 89
5- كيف يفتون بكفر المسلمين ويتهمونهم بأنهم يشركون بالله تعالی لأنهم يتوسلون إليه بنبيه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، بينما هم يعبدون صنماً مادياً مخلوقاً يزعمون أنه الله الخالق ؟! (سُبحَانَهُ وَ تَعَالَی عَمَّا يَصِفُونَ).
المسألة:7
هل تستطيعون تفسير كلام شيخكم ابن عثيمين المتهافت؟!
قال في شرح العقيده الواسطية لابن تيمية ص250 : (وأما الجسم فنقول: ماذا تريدون بالجسم ؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك ، فهذا باطل ومنتف عن الله ، لأن الله ليس كمثله شئ و هو السميع البصير . أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به ؟
فهذا حق من حيث المعنی ، لكن لانطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً ) . انتهی.
الأسئلة
1- ينفي ابن عثيمين أن يكون الله تعالی جسماً تعالی من نوع أجسامنا مركباً من لحم وعظم ، والی هنا يمكن أن يقال إن قصده أن الله تعالی شئ لاكالأشياء ، وهذا يطابق قوله تعالی (لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءُ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) . لكن لابد أن نضيف الی صفة الجسمية التي اطلقها علی الله تعالی، أنه يصحح أن آدم علی صورة الله تعالی ، وأن له يداً بخمس أصابع كما تقول رواية البخاري ، أو ست أصابع كما تقول رواية أحمد ! وله أعضاء أخری كما يعتقدون!وهذا يقتضي أن يكون له جسم مادي ، فهل يقول إنه جسمه ليس من لحم وعظم ، بل من مادة أخری ؟
وبعد أن أثبت جسمُ من حيث المعنی ، فماذا ينفعه توقفه في إطلاق الجسم عليه أو نفيه عنه كما قال (لكن لانطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً)؟! أليس هذا من الحيل اللفظية التي يستعملها ابن تيمية وتلاميذه ؟!
المسألة:8
ص: 90
حديث الأعرابي الذي استندوا إليه في التجسيم
زعم ابن تيمية أن الله تعالی موجود في جهة مكانية ، وتشبث بحديث أبي رزين العقيلي أن الله تعالی كان قبل خلق الخلق في عماء تحته هواء وفوقه هواء ! فقد روی أحمد: 4/11: عن وكيع ، عن عمه أبي رزين قال: (قلت يا رسول الله أين كان ربنا عزوجل قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ، ثم خلق عرشه علی الماء )!! (ورواه في: 4/12 ، وابن ماجة:1/64/181 والترمذي: 4/351/5109 ، والطبراني في المعجم الكبير:19/207 ، وغيرهم).
وقد رد علماء الجرح و التعديل هذا الحديث ، ولكن ابن تيمية تمسك به ، واستشهد به في كتبه أكثر من ثلاثين مرة !
قال في كتابه الإستقامة ص126: ( وقال له أبو رزين العقيلي: أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض؟ قال: في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه علی الماء . ومن نفی الأين عنه يحتاج إلی أن يستدل علی انتفاء ذلك بدليل ) !!
وقال في تأويل مختلف الحديث ص 206: (ونحن نقول إن حديث أبي رزين هذا مختلف فيه ، وقد جاء من غير ذا الوجه بألفاظ تستشنع ايضاً ، والنقلة له
أعراب )!!
وقد اضطر الألباني إلی تضعيفه في ضعيف ابن ماجة ص17 رقم181 ، ولكنه في الوقت نفسه كتب إيمانه به حتی لايغضب عليه من يقدسون ابن تيمية !
قال الألباني: (ضعيف. ظلال الجنة/612. مختصر العلو/250،193 . ثم نقص ذلك في هامشه فقال:العماء: السحاب. قال العلماء: هذا من حديث الصفات ، فنؤمن به من غير تأويل ولا تشبيه ، ونكل علمه إلی عالمه ) !!الأسئله
1-كيف تأخذون دينكم وأصل عقيدتكم في التوحيد منابي رزين العقيلي ، وهو أعرابي ضعفه علماءالجرح والتعديل ، وشهدوا بعدم فهمه ؟!
ص: 91
2- كيف تعتقدون بحديث هذا الأعرابي ، وهو يستلزم أن يكون الهواء والسحاب والمكان والزمان موجودة مع الله تعالی قبل خلق الخلق؟! ومعنی ذلك وجود أربعة آلهة قديمة مع الله ، أو قبله ، والعياذ بالله !
فهل زدتم علی قول النصاری بالتثليث ، فقلتم بالتخميس ؟!
3- هل رأيتم كيف ضعف الألباني حديث أبي رزين وأسقطه، ثم نقل قول أحدهم في الإيمان به كأنه ارتضاه: (فنؤمن به من غير تأويل ولا تشبيه )؟!
المسألة:9
حديث أم الطفيل الذي يزعم أن الله تعالی شاب أجعد الشعر!
فقد رووا أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) رأی ربه ، وأنه معاذ الله شابُ وافر الشعر ، يلبس نعلين م نذهب ، ويقف في أرض خضراء! وقد صححه كل أئمتهم !
قال الذهبي في سيرة:10/602: (فأما خبر أم الطفيل فرواه محمد بن اسماعيل الترمذي وغيره: حدثنا نعيم ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، أن مروان بن عثمان حدثه ، عن عمارة بن عامر , عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب: سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يذكر أنه رأی ربه في صورة كذا، فهذا خبر منكر جداً ، أحسن النسائي حيث يقول: وَمَن مروان بن عثمان حتی يُصَدَّقَ علی الله ؟!
وهذا لم ينفرد به نعيم ، فقد رواه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، وأحمد بن عيسی التستري ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، عن ابن وهب ، قال أبو زرعة النصري: رجاله معروفون .
قال الذهبي: قلت: بلا ريب، قد حدث به ابن وهب وشيخه وابن أبي هلال وهم معروفون عدول ! فأما مروان ، وما أدراك ما مروان ؟ فهو حفيد أبي سعيد بن المعلی الأنصاري ، وشيخه هو عمارة بنعامر بن عمرو بن حزم الأنصاري ، ولئن جوزنا أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قاله ، فهو أدری بما قال ، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذكره(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولا نحن نحسن أن نعبره ، فأما أن نحمله علی ظاهره الحسي ، فمعاذ الله
ص: 92
أن نعقد الخوض في ذلك بحيث أن بعض الفضلاء قال : تصحف الحديث ، و إنما هو : رأي رِئِيَّة بياء مشددة . وقد قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون .
وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لايحتاجه المسلم في دينه ، وكان يقول : لو بثثة فیكم لقطع هذا البلعوم ، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب علی الأمة حفظه ، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره و ينبغي للأمة نقله ، والعلم المباح لايجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء)!! انتهی كلام الذهبي.
وقصده بالعلم المباح ، العلم الممنوع ، من تسمية الشئ بضده ، وقد نقل كلامه بعينه تقريباً إمام الوهابيين حيث عقد باباً في آخر كتابه التوحيد ، تحت عنوان: باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات ! ويقصد به أن الإيمان بكل صفات الله تعالی واجب وإنكار شئ منها كفر ، وبما أن عدداً من صفات الله تعالی علی مذهبه يلزم منها التجسيم ، لذا نقل كلام الذهبي عن وجوب كتمان ذلك العلم إلا عن أهله !
وقد صححه الألباني مرجعهم في الحديث تعليقتة علی سنة ابن أبي عاصم برقم (471) وجاء فيه أنها سمعت رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يذكر أنه رأی ربه عزوجل في المنام: (في أحسن صورة ، شاباً ، موفراً، رجلاه في خضرة ، عليه نعلان من ذهب ، علی وجهه فراش من ذهب ) !
الأسئلة
1- مادام حديث أم الطفيل من المتشابه المختلف في صحته ، فلماذا تمسكتم به وتركتم أحاديث التنزيه المحكمة المتفق علی صحتها ؟ كما فعلتم بآيات التنزيه المحكمة والمتشابهة ؟!
2- مادمتم توجبون كتمان العلم بالله تعالی ، فهل تقولون إن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان يكتم أهم صفات معبوده عن عامة المسلمين ؟! وما حكم الوهابي الذي يقول لا أريد أن أكتم صفات معبودي ، بل أريد أن أخبر بها أولادي وأجعل له تمثالاً في بيتي حتی يعرف أولادي معبودهم من صغرهم ؟!
ص: 93
3- ورد في صفات معبودكم أنه جعد الشعر ، وأنه له وفرة أي شعر منسدل فهل رأيتم شخصاً أجعد الشعر وله وفرة ؟!(1)
ص: 94
تعريب الشيخ جاسم المحمودي
العدد الاخير
اعتراضات بعض الصحابة على انتخاب أبي بكر
بعد ما ذكرنا ضعف ايمان بعض الصحابة نجد من المناسب أن نذكر اعتراضات ومواقف ايجابية لبعض البصحابة قبال انحراف السقيفة مقدمتا نذكر رواية من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في شأن بعض المعترضين: «عن النبي صلّى اللَّه عليه (وآله) وسلّم إنّ اللَّه عزّوجلّ أمَرَني بحبّ أربعة وأخبرنى أنّه يحبّهم، عليّ والمقداد وأبوذر وسلمان.»(1)
واليك الاعتراضات :
1- الإمام علي بن ابى طالب(علیه السلام)
يكتب البخاري: انّ عليا كتب الى ابي بكر: «... ولكنّك استبددت علينا بالامر وكنّا نَرى لقرابتنا من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه (وآله) وسلّم نصيبا... ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الامر نصيبا فاستَبدَّ (ابوبكر)علينا فوَجدنا في أَنفسنا...»(2)
ص: 95
انّ البخاري يدعي في الحديث المذكور ان نهاية الامر ان عليا بعد وفاة فاطمة(علیها السلام) بايع ابابكر ويدعي انه مجّد ابابكر وفي الحال لم يقدر عن الاغماض من الاعتراض في ذلك المجلس على أبي بكر بقوله فاستبد ومن غضبه g من هذا العمل (فوجدنا) واعتقادهg بحقانية الخلافة له.نعم انّ علياgكان يعلم انّ الخلافة حقا له وابوبكر وعمر لا يصلحان لها ولوضوحها قال مسلم في صحيحه:
«انّ الخليفة الثاني قال لعليg حينما تسلم ابوبكر الخلافة بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انكم كنتم ترون ابابكر كاذبا ومذنبا وناقضا للعهد وخائنا وبعده جئت انا وايضا تروني كاذبا وآثما وغادرا وخائنا»(1).
وايضا كتب ابن أبي الحديد: انّ عبداللَّه بن عباس يقول دخلت على عمر في اوائل خلافته وسأل عن عليّ ثم سئله: هل بقي في نفسه شي ءٌ من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أَيَزعَم أنَّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه (وآله) وسلّم نَصَّ عليه؟ قلت: نعم، وأَزيدُك، سألتُ أبي عمّا يَدَّعيه فقال: صَدَق، فقال عمر: لقد كان من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه (وآله) وسلّم في أمره ذِروةٌ من قول لايُثبِت حجّةً، ولايقطع عذرا، ولقد كان يربَع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه ان يُصرِّح باسمه فمنعتُ من ذلك...(2)
2- سلمان:
قال سلمان الفارسي حين بويع ابوبكر: »كرداذ وناكرداذ« اَيْ عَمِلْتُم وما عَمِلْتُمْ، لو بايَعُوا عَليّا لَأكَلُوا من فَوقهِم ومِن تحتِ أرجُلِهِم.»(3)
3- أبوذر:
قال ابوبكر احمد بن عبدالعزيز: »أنّ رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لما مات وأبوذر غائب، وقدم وقد وُلّي أبوبكر، فقال: اَصَبْتُم(4) قِناعَه وتَرَكْتُمْ قرابةً، لو جَعَلتم هذا الأمرَ في أهلِ بيت نبيّكم لَمَا اَختَلَفَ عَلَيْكُم اثنان.(5)
ص: 96
وأيضا في زمن عثمان كان جالسا في مسجد رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ويذكر حقائقا للناس وهي: «أما لو قَدَّمْتُمْ مَن قَدَّم اللَّهُ وأَخَّرْتُمْ مَن أخَّرَ اللَّه وأقرَرتُم الولايةَ والوِراثة في أهل بيت نبيّكم لَأكلتُم من فوقِ رُؤُوسِكُم وَمِن تحتِ أقدامِكُم...».(1)
4- المقداد:
قال المقداد: »واعجبا لقريش، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيّهم وفيهم اوّل المؤمنين، وابن عم رسول اللَّه، أعلم الناس وأفقههم في دين اللَّه، وأعظمهم عناءً في الاسلام وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، واللَّه لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقيّ، وما أرادوا أصلاحا للأمّة ولا صوابا في المذهب، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة فبُعدا وسحقا للقوم الظالمين... (قال الراوي): فخرجت، فلقيت أباذر فذكرتُ له ذلك فقال: صدق أخي المقداد ثمّ أتيتُ عبداللَّه بن مسعود فذكرتُ ذلك له فقال: لقد اُخبرنا فلم نألُ.(2)
5- العباس بن عبدالمطلّب:
انّ ابابكر وعمر بعد حادثة السقيفة ذهبوا ليلا الى العباس عم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبعد كلمات طلبوا منه النصر والمساعدة لكنه أجابهما بما يلي: »انّ اللَّه بعث محمّدا كما وصفتَ نبيّا وللمؤمنين وليّا فمنّ على اُمّته به حتّى قبضه اللَّه اليه، واختار له ما عنده، فَخَلّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحقّ، لا مائلين بزيغ الهوى، فان كنتَ برسول اللَّه فحقّا أخذت، وان كنتَ بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدّمنا في أمرك فرضا، ولا حللنا وسطا، ولا برحنا سخطا، وان كان هذا الأمر انّما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب اذ كنّا كارهين ما أبعَد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك انّهم اختاروك ومالوا اليك، وما
ص: 97
أبعد تسميتَك بخليفة رسول اللَّه من قولك خلّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأمّا ما قلت انّك تجعله لي، فان كان حقّا للمؤمنين، فليس لك أن تحكم فيه، وان كان لنا فلم ترضَ ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلِك، فانّ رسول اللَّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها فخرجوا من عنده.»(1)
6- الفضل بن العبّاس:
لما سمع مبايعة الناس لابي بكر اعلن هكذا: «يا معشر قريش انّه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحِبُنا أولى بها منكم».(2)
7- الزبير:
عن ابي نضرة قال: »لما بايع الناسُ ابابكر اعتزل عليٌّ والزبير فبعث اليهما عمر بن الخطاب وزيدبن ثابت...(3)
8- سعيد بن العاص:
عن أم خالد بنت [خالد] سعيد بن العاص قالت: «قدم أبي من اليمن الى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر فقال لعليّ وعثمان: أرضيتم بني عبد مناف أن يَلِيَ هذا الأمر عليكم غيركم؟»(4)
9- عدم مبايعة جميع المشهورين وكبار الاصحاب واسماء عشرة منهم:
«وتخلّف عن بيعة ابي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم، العبّاس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو،
ص: 98
وسلمان الفارسي، وأبوذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبيّ بن كعب، فأرسل أبوبكر...».(1)
السؤال الثالث: الظلم والاهانة الى الزهراء(علیها السلام) والزواج مع بنتها:
أهل السنة يقولون ان ام كلثوم بنت اميرالمؤمنين تزوجت مع عمر ويقولون كيف يتصور ظلم عمر الى الزهراء(علیها السلام) وزواجه بعدا مع بنتها بهذا الادعاء يريدون أن يقولوا ويستنتجوا بقرينة الزواج ان الظلم والاهانة بالنسبة الى الزهراء كذب.
الجواب اجمالا:
اوّلا: بامكانكم أن تعكسوا هذا المطلب وتقولوا مع وجود وقوع الظلم الكثير من الخليفة الى الزهراء(علیها السلام) ان ذلك الزواج لا صحة له ولا حقيقة له وبعبارة اخرى لماذا تقولون ان هذا الظلم الكثير قرينة على الزواج لا سيما نرى الصحاح الستة لاهل السنة ناقلة للظلم المذكور عندنا ولم تذكر الصحاح الستة الزواج.
ثانيا: لو صح وقوع الزواج مع علمنا بنظر علي(علیه السلام) الى الخليفة وقهر فاطمة(علیها السلام) مادام العمر له نقول كان الزواج لرعاية مصلحة أو منع ضرر مهم حينئذ لم يكن الزواج تأييدا لعمر من اميرالمؤمنين(علیه السلام) وهكذا لا يشعر بصداقة بينهما بل ان كان هذا الزواج من النماذج النيرة لظلم اهل البيت: الّذي لم يكن منه اي كفوءٍ وان اهل البيت كانوا في مواجهة تهديدات خاصة.
الجواب التفصيلي:
مسألة زواج بنت اميرالمؤمنين(علیه السلام) مع الخليفة الثاني من المباحث التاريخية لكنه لاجل استغلال اهل السنة لها اعتقاديا صار لها موقف خاص لذا حقق حولها جمع من علماء الشيعة نحن لاجل وضوح المسألة نذكر اربع نكات:(2)
ص: 99
النكتة الاولى:
انّ الروايات الحاكية لهذا الزواج حسب نظرة آراء الرجاليين من أهل السنة مخدوشة سندا أو متنا ومتنها فيه اضطراب وتعارض(1) اذ لو كانت مسلمة لما كان في الروايات اضطراب.
النكتة الثانية:
نرى كثيرا في كتب الحديث لاهل السنة اي مكان ارادوا أن ينقلوا مطلبا بنفع مذهب الخلفاء أو بضرر مذهب أهل البيت ينقولونه وينسبونه الى اهل البيت(علیهم السلام): وفي هذا الموضوع ايضا ينقولون من أهل البيت: بعض الروايات حول زواج ام كلثوم مع عمر كما ينقولون حرمة المتعة و وضع اليدين على الاخرى في الصلاة من علي(علیه السلام) وينسبونهما اليه.
النكتة الثالثة:بعض من علماء الشيعة ومن جملتهم الشيخ المفيد يقول: ان هذه الروايات كذب وراويها الزبير بن بكار الذي كان من اعداء اهل البيت.
ص: 100
زيادة على ذلك ان بعض هذه الروايات التي ذكرت في كتب الشيعة ايضا مضامينها مضطربة وليست قابلة للاعتناء، نعم توجد رواية واحدة صحيحة السند وتقول ان هذا الموضوع كان من باب الاضطرار وهذا المتن لم يكن(1) مورد استنادٍ لاهل السنة لاثبات رضا اميرالمؤمنينg من الخلفاء كما نطق القرآن في مورد الاضطرار قضية لوطg حينما قال لقومه من الكفار (هوُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم)(2).
ومن المسلم ان هذا الاقتراح من جانب لوط 7لقومه الفسقة لا يشعر برضاه لكنه لاجل دفع مفسدة ومعصية في مقام الاضطرار قَبِل أن يزوج بناته الكفار(3) اذن يمكننا أن نقول انه في بعض الاوقات لاجل الضرورة يضطر الانسان أن يقع في امر كان كارها له ويرضى به وفي النتيجة ومع وجود هذا الاحتمال وان هذا الزواج لاجل الضرورة والاكراه أو لاجل رعاية مصالح اهم فلا يبقى اشكال في البين مثل علاقة علي gمع الخلفاء لاجل منعهم أو لأجل أن لا يقعوا في الانحرافات وعلى أي حال اذا وقع ذلك الزواج فلا يشعر برضا اميرالمؤمنينg من عمر.
النكتة الرابعة:
كل الخلفاء واهل السياسة في التاريخ بصدد توجيه انحرافاتهم والخليفة الثاني الّذي ارتكب تلك الجرائم مع اميرالمؤمنينg وفاطمة(علیها السلام) فمن الطبيعي له (توجيها لاعماله) ان ينتخب هذا الطريق وهو الزواج مع بنت أميرالمؤمنينg حتى يظن الناس ان هذا الزواج وقع بحسب اعتماد اميرالمؤمنينg بعمر (على فرض وقوع هذا الزواج) لذا يوجد في التاريخ موارد بهذا الشكل منها انّ الحجاج بن يوسف الثقفي شارب الدماء والعدو اللدود لاميرالمؤمنينg وشيعته كانه تلمذ على يد الخليفة الثاني
ص: 101
وتزوج بنت(1) عبداللَّه ابن جعفر، وكذا المأمون بعد قتله الرضاg زوّج ابنته للجواد حتى يمحو هذه الجناية الفجيعة عن نفسه.(2)
على كل حال، هذا الزواج بناءا على ثبوته لا يكون دليلا على العلاقة الحسنة لاميرالمؤمنينg وتأييده للخليفة الثاني.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته
فهرس المصادر
.ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري، احمد بن محمد الشافعي القسطلاني، م 923بيروت، دار الكتب العلمية، 1416ق.
. الإحتجاج، ابي منصور الطبرسي، قم، انتشارات الاسوة، 1413ق.
.الاستيعاب في معرفة الاصحاب، يوسف بن عبداللَّه (ابن عبدالبر) م 463دار الجليل، بيروت، 1412ق.
. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، م 852بيروت، دار احياء التراث، 1328ق.
.الاصول من الكافي، الكليني، م
329دار صعب ودارالتعارف، بيروت.
. الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، م 276مصر، مؤسسة الحلبي. افست، دارالمعرفة بيروت.
. الأموال، ابي عبيد القاسم بن سلام، م 224بيروت، دارالكتب العلميّة، 1406ق.
. الانساب، ابي سعد السمعاني، م
562حيدرآباد، طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية، 1386ق.
. البداية والنهاية، اسماعيل بن كثير الدمشقي، م 774بيروت، دار احياء التراث العربي، 1412ق.
. التفسير الكبير، الفخر الرازي م 606بيروت، دار احياء التراث، الطبعة الثالثة.
. الجامع الصحيح سنن الترمذي، محمّد بن عيسى بن سورة، م .297بيروت، دار احياءالتراث، 1421ق .
ص: 102
. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي م 671بيروت، دار احياء التراث العربي، 1405ق.
. الدرّ المنثور، جلال الدين السيوطي، م 911بيروت، دارالكتب العلمية، 1411ق.
. السقيفة وفدك، الجوهري، مكتبة نينوى الحديثة.
. السنن الكبرى، احمد بن الحسين بن علي البيهقي، دارالفكر.
. السيرة الحلبيّة، علي بن برهان الديلمي الحلبي، م 1044بيروت، مكتبة الاسلامية.
. السيرة النبويّة، ابن هشام، قم، انتشارات ايران، 1363ش، افست مطبعه مصطفى الباني بمصر 1355ﻫ .
. الصواعق المحرقة، احمد بن حجر الهيثمي، م 974قاهره، مكتبة القاهرة.
. الطبقات الكبرى، ابن سعد، بيروت، دارالكتب العلمية، 1410ق.
. العِقد الفريد، احمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي، م 328بيروت، دارالفكر.
.الفردوس بمأثور الخطاب، الديلمي، م 509دارالكتب العلمية، بيروت.
.الفروع من الكافي، الكليني، م
329دارصعب و دارالتعارف، بيروت، 1401 ﻫ
. الفقه الميسَّر، شقيق الرحمن الندوي، انتشارات شيخ الاسلام احمد جام، 1375ش.
. الكامل في التاريخ، ابن الاثير، بيروت، دار صادر، 1399ق.
. المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيشابوري م 405بيروت، دارالكتب العلميّة، 1411ق.
. المصنَّف، ابن ابي شيبة، م
235بيروت، دارالفكر، .1409
. المعارف، ابن قتيبة الدينوري، م
276قم، منشورات الشريف الرضي، 1415ق.
. المعجم الأوسط، الحافظ الطبراني، م 360رياض، مكتبة المعارف، 1407ق.
. المعجم الكبير، الحافظ الطبراني م 36مكتبة ابن تيمية، قاهرة.
. الملل والنحل، الشهرستاني، م
548قم، منشورات الشريف الرضي، 1367ش.
. الوافي بالوفيات، الصفدي، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1420 ﻫ.
. أنساب الأشراف، احمد بن يحيى بن جابر البلاذري م اواخر القرن الثالث، دارالفكر، 1420 ﻫ.. بدائع الصنائع، ابي بكر بن مسعود الكاساني، م 587بيروت، دارالفكر، 1417ق.
ص: 103
.تاريخ الاسلام، الذهبي، م
748دارالكتاب العربي، 1417 ﻫ.
. تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري م 310بيروت، مؤسسة الأعلمي.
. تاريخ اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب، م 292قم، منشورات الشريف الرّضي، 1414ق.
. تاريخ بغداد، ابي بكر احمد بن علي الخطيب البغدادي، م 463بيروت، دارالفكر.
. تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، م
571دارالفكر، 1415 ﻫ.
. تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، م
654النجف الاشرف، المطبعة الحيدريّة، 1383ق.
. تفسير روح المعاني، شهاب الدين السيد محمود الآلوسي م1270بيروت، دار احياء التراث، 1405ق.
. تهذيب الاسماء واللغات، محيي الدين بن شرف النووي م 676بيروت، دارالكتب العلمية.
.تهذيب التهذيب، ابن حجر عسقلاني، م 852دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 ﻫ.
. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الحافظ أبي نعيم أحمد، م 430بيروت، دارالكتب العلميّة.
. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدّين احمد بن عبداللَّه الطبري م694بيروت، مؤسسه الوفاء، 1401ق.
. شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد، بيروت، دار احياء التراث.
. صحيح البخاري، محمّد بن اسماعيل البخاري، م 256بيروت، دارالقلم، 1407ق.
.صحيح البخاري، محمد بن اسماعيل البخاري، الطبع پاكستان، 1381 ﻫ.
. صحيح مسلم، مسلم بن حجاج القشيري، م 261بيروت، دار احياء التراث العربي.
.صحيح مسلم، مسلم بن حجاج، دارالجليل ودارالآفاق، بيروت.
. كفاية الطالب، محمد بن يوسف الگنجي الشافعي، م 658طهران، دار احياء تراث اهل البيت:، 1404ق.
. كنز العمّال، المتقي بن حسام الدين الهندي، م 975بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405ق..لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني، م
852داراحياء التراث، بيروت 1416 ﻫ
. مختار الصحاح، عبدالقادر الرازي، م 666بيروت، دارالكتاب العربي، 1979م.
ص: 104
الهاشمية الخالدة لشاعر اهل البيت الكميت بن زيد الاسدي (رحمة الله)
وهذه التي أقضت مضاجع بني أمية، و أخذت تتناقلها الافواه و تردد صداها الاجيال، و قد خلدها التاريخ لانها آية من آيات شعر المبدأ و العقيدة و انشودة كل مجاهد في سبيل الذود عن الحق، و مقاومة الباطل، و مقارعة أهل البغي و الضلال، وها هي رائعة الكميت التي دوي صداها و طار صيتها في الآفاق.
فمن أين أو أنی وكيف ضلالهم*** هدی والهوی شتی بهم متشعب(1)
فيا موقدا نارا لغيرك ضؤها*** و يا حاطبا في غير حبلك تحطب(2)
ص: 105
ألم ترني من حب آل محمد*** أروح وأغدو خائفا أترقب
كأني جان محدث و كأنما*** بهم اتقي من خشية العار اجرب
علی أي جرم أم بأية سيرة*** اعنف في تقريضهم و اؤنب
أناس بهم عزت قريش فأصبحوا*** و فيهم خباء المكرمات المطنب
مصفون في الأحسا ب محضون*** هم المحض منا و الصريح(1)
خضمون اشراف لهاميم سادة*** مطاعيم ايسار اذا الناس اجدبوا(2)
اذا ما المراضيع الخماص تأوهت*** من البرد اذ مثلان سعد و عفرب(3)
و حاردت النكد الجلاد و لم يكن*** لعقبة قدر المستعيرين معقب (4)
وبات وليد الحي طيان ساغبا*** و كاعبهم ذات العفاوة أسغب(5)
اذا نشأت منهم بارض سحابة*** فلا النبت محظور و لا البرق خلّب
ص: 106
وان هاج نبت العلم في الناس لم تزل***لهم تلعة خضراء منه و مذنب(1)
اذا ادلمست ظلماء امرين حندس *** فبدر لهم فيها مضيء و كوكب (2)
لهم رتب فضل علی الناس كلهم*** فضائل يستعلی بها المترتب
مساميح منهم قائلون و فاعل*** و سباق غايات الی الخيرمسهب
أولاك نبي الله منهم و جعفر*** و حمزة ليث الفيلقين المجرّب
هم ما هم وترا وشفعا لقومهم*** لفقدانهم ما يعذر المتحوّب(3)
قتيل التجوبي الذي استوأرت به*** يساق به سوقاً عنيفاً و يجنب (4)
محاسن من دنيا و دين كأنما*** بها حلقّت بالامس عنقاء مغرب
فنعم طبيب الداء من أمر أمة*** تواكلها ذو الطب و المتطبب(5)
و نعم ولي الامر بعد وليه*** و منتجع التقوی و نعم المؤدب(6)
سقي جرع الموت ابن عثمان بعدما*** تعاورها منه وليد و مرحب(7)
ص: 107
و شيبة قد اثوی ببدر ينوشه*** غداف من الشهب القشاعم أهدب(1)
له عوّد لا رأفة يكتنفنه*** ولا شفقاً منها خوامع تعتب(2)
له سترتا بسط فكف بهذه*** يكفّ و بالاخری العوالی تخضّب(3)
وفي (حسن) كانت مصادق لاسمه*** رئاب لصدعيه المهيمن يرأب(4)
و حزم وجود في عفاف و نائل*** الی منصب ما مثله كان منصب
و من اكبر الاحداث كانت مصيبة*** علينا قتيل الادعياءالملّحب(5)
قتيل بجنب الطف من آل هاشم*** فيا لك لحماً ليس عنه مذّبب(6)
ومنعفر الخدين من آل هاشم*** ألا حبذا ذاك الجبين المترّب
قتيل كأن الوله العفر حوله*** يطفن به شم العرانين ربرب(7)
ص: 108
ولن اعزل العباس صنو نبينا*** وصنوانه ممن أعدّ وأندب
و لا ابنيه عبدالله والفضل انني*** جنيب بحب الهاشميين مصحب(1)
و لا صاحب الخيف الطريد محمدا*** و لو أكثر الايعاد لي و الترهب(2)
مضوا سلفا لابد ان مصيرنا*** اليهم فغاد نحوهم متأوب
كذاك المنايا لا وضيعا رأيتها*** تخطّی ولا ذا هيبة تتهيب
و قد غادروا فينا مصابيح انجما*** لنا ثقة ايان نخشی و نرهب(3)
اولئك ان شطت بهم غربة النوی*** أماني نفسي و الهوی حيث يسقب(4)
فهل تبلغنيهم علی بعد دارهم*** نعم ببلاغ الله و جناء ذعلب(5)
مذكرة لا يحمل السوط ربها*** ولأياً من الاشفاق ما يتعصب(6)
كأن ابن آوی موثق تحت زورها*** يظّفرها طوراً وطوراً ينيّب(7)
اذا ما احزألت في المناخ تلفتت*** بمرعوبتي هوجاء و القلب أرعب(8)
اذا انبعث من مبرك غادرت به*** ذوابل صهباً لم يدّ نهن مشرب (9)
اذا اعصوصبت في أنيق فكأنها*** بزجرة أخری في سواهن تضرب
ص: 109
تري المرو و الكذان يرفض تحتها*** كما أرفض قيض الأفرخ المتقوّب(1)
تردد بالنابين بعد حنينها*** صريفا كما رد الاغاني أخطب(2)
اذا قطعت اجواز بيد كأنما*** باعلامها نوح الما لي المسلّب(3)
تعرض قف بعد قف يقودها*** الی سبسب منها دياميم سبسب(4)
اذا انفذت احضان نجد رمی بها*** أخاشب شماً من تهامة أخشب(5)
كنوم اذا ضج المطي كأنما*** تكرّم عن اخلاقهن و ترغب(6)
من الارحبيات العتاق كأنما*** شبوب صوار فوق علياء فرهب(7)
لياح كأن بالاتحمية مسبغ*** أزاراً وفي قبطية متجلبب(8)
ص: 110
و تحسبه ذا برقع و كأنه*** بأسمال جيشانية متنقب(1)
تضيفه تحت الألاءة موهنا*** بظلماء فيها الرعد و البرق صيب(2)
ملث مرث يخفش الاكم ودقه*** شآبيب منها وادقات و هيدب(3)
كأن المطافيل المواليه وسطه*** يجاوبهن الخيزران المثقّب(4)
يكالیء من ظلماء ديجور حندس*** اذا سار فيها غيهب حل غيهب(5)
فباكره والشمس لم يبد قرنها*** بأخدانه المستولغات المكلّب(6)
مجازيع في قفر مساريف في غنی*** سوابح تطفو تارة ثم ترسب(7)
فكان ادراكاً واعتراكاً كأنه*** علی دبر يحميه غيران موأب(8)
يذود بسحماويه من ضارياتها*** مداقيع لم يغثث عليهن مكسب(9)
ص: 111
فرابٍ فكابٍ خر للوجه فوقه*** جدية أوداج علی النحر تشخب(1)
أذلك لا بل تلك غب وجيفها*** اذا ما أكلّ الصارخون وأنقبوا(2)
كأن حصي المعزاء بين فروجها*** نوی الرضخ يلقی المصعد المتصوّب(3)
اذا ما قضت من اهل يثرب موعداً*** فمكة من أوطانها و المحصّب(4)
ص: 112
تجاه الفلسفة والعرفان
إن كثيرا من أصحاب الأئمة(علیهم السلام) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة(علیهم السلام) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في العدد الثاني:
2- الفضل بن شاذان رحمه الله:
قال النجاشي :«الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمد الأزدي النيشابوري (النيسابوري) كان أبوه من أصحاب يونس ، و روي عن أبي جعفر الثاني، و قيل [عن] الرضا أيضا عليهما السلام و كان ثقة ، أحد أصحابنا الفقهاء و المتكلمين، و له جلالة في هذه الطائفة ، و هو في قدره أشهر من أن نصفه. و ذكر الكنجي انه صنف مائة و ثمانين كتاباً وقع إلينا منها:...كتاب الرد علی الفلاسفة».(1)
و قال الشيخ:
«الفضل بن شاذان النيشابوري ، فقيه متكلم، جليل القدر. له كتب و مصنفات،منها:.. كتاب الوعيد و المسائل فی العالم و حدوثه، و كتاب الأعراض و الجواهر... و كتاب النقص علی من يدعی الفلسفة فی التوحيد و الاعراض و الجواهر و الجزء...و له غير ذلك مصنفات كثيرة لم تعرف أسماؤها»(2).
و قال ابن شهر آشوب:
ص: 113
«أبو محمّد الفضل بن شاذان بن جبرئيل النّيسابوريّ،لقی عليّ بن محمّد التّقيّ(علیه السلام)،«دخل الفضل علی أبی محمّد(علیه السلام) فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب من تصنيفه فتناوله أبو محمّد(علیه السلام) و نظر فيه و ترحّم عليه»، وذكر أنّه قال:«أغبط أهل خراسان مكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم». وله مائة و ستّون مصّنفاً (منها):كتاب...المسائل في العالم و حدوثه، الاعراض و الجواهر... الرّدّ علی من يدّعي الفلسفة في التّوحيد والاعراض والجواهر والجزء»(1)
3- عليّ بن أحمد أبو القاسم الكوفي رحمة الله المتوفّی سنة 352
ذكر النّجاشي من كتبه:
«كتاب الرّدّ علی أرسطاطاليس،... كتاب الرّدّ علی من يقول إنّ المعرفة من قبل الموجود»(2).
4- عليّ بن محمّد بن العبّاس رحمه الله
قال النّجاشي:
«كان عالما بالاخبار و الشّعر و النّسب و الآثار و السّير، وما رؤي في زمانه مثله، و كان مجرّدا في مذهب الإمامية(الإمامة)، وكان قبل ذلك معتزليّاً، و عاد و هو أشهر من أن يشرح أمره. له كتب، منها:... كتاب الردّ علی أهل المنطق، وكتاب الردّ علی الفلاسفة»(3).
5- هلال بن إبراهيم أبو الفتح رحمه الله
قال النّجاشي:
«رجل لا بأس به، سمع الحديث وكان ثقة.له كتاب الردّ علی من ردّ آثار الرّسول واعتمد نتائج العقول»(4).
6- الحسن بن موسی النّوبختي رحمه الله
ص: 114
قال الشّيخ في الفهرست:
«الحسن بن موسی النّوبختي، ابن أخت أبي سهل بن نوبخت، يكنّی أبا محمّد، متكلّم فيلسوف، وكان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدّمشقي و إسحاق وثابت وغيرهم، وكان اماميّاً حسن الاعتقاد، نسخ بخطه شيئا كثيرا.وله مصنّفات كثيرة في الكلام وفي نقض الفلسفة و غيرهما، منها:كتاب الآراء و الدّيانات،لم يتمّه. وكتاب الرّدّ علی أصحاب التّناسخ»(1).
قال في الرّوضات:
«هو صاحب الأبحاث الواردة الغفيرة علی حكماء اليونان»(2).
7- ثقة الإسلام محّمد بن يعقوب الكليني قدّس الله سرّهقال في الكافي في باب جامع التّوحيد بعد ذكره الحديث الأول:
«هذه الخطبة من مشهورات خطبه(علیه السلام) حتّی لقد ابتذلها العامّة، و هی كافية لمن طلب علم التّوحيد إذا تدبّرها و فهم ما فيها… ألا ترون… إلی قوله: «لا من شيء كان و لا من شيء خلق ماكان» فنفی بقوله: «لا من شيء كان» معنی الخدوث، وكيف أقوع علی ما أحدثه صفة الخلق و الاختراع بلا أصل و لا مثال، نفياً لقول من قال: إنّ الأشياء كلّها محدثة بعضها من بعض(3)، و إبطالاً لقول الثنوية الّذين زعموا أنّه لايحدث شيئاً إلّا من أصل و لايدبّر إلّا باحتذاء مثال»(4).
ص: 115
المسألة الأولی: في الغلو و التفويض وموقف الأئمة من المفوضة و الغلاةأولّا: معنی الغلو لغة واصطلاحاً:
الغلو في اللغة بمعنی الارتفاع، أي التجاوز عن الحد المتعارف في الأشياء، وفي اصطلاح العلماء، بمعنی التجاوز عن حد العبودية إلی مقام الربوبية والألوهية(1).قال الشيخ المفيد:«الغلو في اللغة: هو التجاوز عن الحد والخروج عن القصد. قال تعالی:{يأَهلَ الكِتَبِ لاتَغلُوا فِی دِينِكُم وَلَا تَقُولُوا عَلَی اللهِ إِلَّا الحَقَّ}(2).والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته(علیهم السلام) إلی الألوهية والنبوة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلی ما تجاوزوا فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلّال كُفّار، حكم فيهم أمير المؤمنين(علیه السلام) بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمة(علیهم السلام) عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام»(3).
ومن أبرز مصاديق الغلو، أولئك الذين تجاوزوا الحد في صفات النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الأئمة(علیهم السلام)،قال المحدّث المجلسي:«اعلم أن الغلو في النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الأئمة(علیهم السلام)،إنما يكون بالقول بألوهيتهم، أو بكونهم
ص: 116
شركاء لله تعالی في المعبودية، أو في الخلق والرزق .. أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالی . . والقول بكل منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين، كما دلَّت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار»(1).
يقول الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء:
«بأنه سبحانه هو المستقل بالخلق والرزق والموت والحياة والإيجاد والإعدام، بل لا مؤثر في الوجود عندهم- أي الشيعة- إلا الله، فمن اعتقد أن شيئاً من الرزق أو الموت أو الحياة لغير الله فهو كافر مشرك خارج عن ربقة الإسلام»(2).ويقول الشيخ محمد رضا المظفر:
«لانعتقد في أئمتنا ما يعتقده الغلاة. . كبرت كلمة تخرج من أفواههم، بل عقيدتنا الخاصة انهم بشر مثلنا،لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختّصهم الله تعالی بكرامته وحباهم بولايته . . قال إمامنا الصادق(علیه السلام): ما جاءكم عنّا مما يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردوه إلينا، وما جاءكم عنّا مما لايجوز أن يكون في المخلوقين فاجحدوه ولا تردوه إلينا»(3).
يقول السيد هاشم معروف الحسني، في بيان موقف الإمام الصادق(علیه السلام) من الغلاة :
إن الأئمة(علیهم السلام) كانوا يحرصون . . علی أنهم عبيد لله ، لا يستطيعون أن يدفعوا عن انفسهم ضراً ولا أن يجعلوا لها خيراً إلا بمشيئة الله، وقد تعرضوا في حياتهم لظلم الحكام واضطهادهم. . وعاشوا مع الناس كغيرهم من الناس، ولعنوا من قال فيهم ما لم يقولوه في أنفسهم ، ومن نسب إلیهم علم الغيب والخلق والرزق، وكل ما هو من خصائص الخالق وصفاته، ومع ذلك فقد أضاف إليهم بعض المحبين . . ما ليس بهم، وأظهر الغلو فيهم أناس عن سوء نية . . ولكنهم(علیهم السلام) وقفوا للجميع بالمرصاد، فلعنوا المغالين
ص: 117
وتبرؤوا منهم، وأعلنوا للناس ضلالهم وجحودهم. .»(1). ولهذا يقول الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني:«المراد من الغلاة من اعتقد أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)أو أهل بيته(علیهم السلام) هم الخالقون والرازقون والمحيون والمميتون، أو اعتقد أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أو أهل بيته(علیهم السلام) جزء العلة للإيجاد، أو توقف العلة وفاعليتها- وهو الله – علی توسط النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأهل بيته(علیهم السلام) . . فإن جميع ذلك مستلزم للكفر»(2).
ويقول الشيخ ميرزا جواد التبريزي:«والغلاة هم الذين غالوا في النبي والأئمة صلوات الله عليهم وأخرجوهم عما نعقد، بأن قالوا والعياذ بالله انهم شركاء لله تعالی في العبودية والخلق والرزق . . أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله. . أو القول بتناسخ أرواح بعضهم في بعض. . وغير ذلك من الأباطيل»(3).
ثانياً: معنی التفويض:
هذا هو معنی الغلو لغة واصطلاحاً، وأما التفويض، فيراد به: أن الله خوّل وفوَّض أمر الخلق والرزق والإحياء والإماتة للأئمة صلوات الله عليهم، بمعنی أن الله سبحانه فوَّض أمر التكوين والتشريع لهم(علیهم السلام) أو أنه سبحانه أقدرهم علی الخلق والرزق والإحياء والإماتة، بمعنی جعل فيهم(علیهم السلام)القدرة علی التكوين والتشريع(4).
يقول الطالقاني:«والتفويض من أقسام الغلو ،وهو الاعتقاد بأن محمداً(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أو علياً(علیه السلام) أو أحد الأئمة المعصومين(علیهم السلام) يخلق أو يرزق أو يحيي أو يميت بالاستقلال عن الله أو التفويض إليه أو الشركة معه أو نحو ذلك. قال الشيخ المفيد:«والمفوضةصنِّف من الغلاة، وقولهم الذي فارقو به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة(علیهم السلام) وخلقهم ونفي القدم عنهم وإضافة الخلق والرزق مع
ص: 118
ذلك إليهم. ودعواهم أن الله تفرّد بخلقهم خاصة، وأنه فوِّض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الفعال. . »(1).
وقد ورد النهي الشديد عن التفويض للأئمة(علیهم السلام)، سواء عن طريق الاسقلال أو التصرّف في ملك الله بإذنه ومشيئته وإرادته، وصريح القرآن والأخبار نفي الرزق والإحياء والإماتة عن الله تعالی(2). قيل للصادق(علیه السلام): إن رجلّا يقول بالتفويض:قال: ما التفويض؟ فقيل له: يقول: إنالله عزَّوجل خلق محمداً وعلياً ثم فوَّض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحيا وأماتا. فقال(علیه السلام): كذب عدو الله اذا رجعت إليه فاقرا الآية التي في سورة الرعد:{اَم جَعَلُوا للهِ شُرَكآءَ خَلَقُوا كَخَلقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلقُ عَلَيهِم قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَیءِِ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهّاَرُ}(3) (4).
وروی الطبرسي عن علي بن أحمد أنه قال: «اختلف جماعة من الشيعة في أن الله فوّض إلی الأئمة (علیهم السلام) أن يخلقوا ويرزقوا فقال: هذا محال لا يجوز علی الله تعالی، لأن الأجسام لايقدر علی خلقها غير الله. وقال آخرون: بل الله أقدر الأئمة(علیهم السلام) علی ذلك فخلقوا ورزقوا. فتنازعوا في ذلك نزاعاً شديداً، فقال قائل منهم:ما بالكم لاترجعون إلی أبي جعفر- أي الإمام الباقر(علیه السلام)- فتسألوا عن ذلك ليوضِّح لكم الحق فيه، فإنه الطريق إلی صاحب الأمر؟ فرضيت الجماعة بأبي جعفر(علیه السلام). فسلمت وأجابت إلی قوله: فكتبوا المسألة وأنفذوها، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته:«إن الله هو الذي الأجسام وقسِّم الأرزاق؛ لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأما الأئمة(علیهم السلام) فيسألون الله تعالی فيخلق ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقهم»(5).
ص: 119
يقول الشيخ محمد باقر المجلسي قدّس سرّه:«اعلم أن التفويض يطلق علی معان، بعضها منفي عنهم(علیهم السلام) وبعضها مثبت لهم ، فالأول: التفويض في الخلق والرزق والإماتة، فإن قوماً قالوا: إن الله تعالی خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق، فهم يخلقون و يرزقون و يحبون و يميتون. . إلی قوله: وما ورد من الأخبار الدّالة علی ذلك (كخطبة البيان) وأمثالها، فلم توجد إلا في كتب الغلاة وأشباههم»(1).وجاء عن التناكبني: «. . فإن الأخبار الكثيرة وردت عن الأئمة الأطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار، بأن نسبة الخلق والرزق إلی الأئمة توجب الكفر والضلالة، والأئمة(علیهم السلام) منعوا من ذلك، وهذه الفئة التي تعتقد ذلك يسمونها مفوّضة الخلق، وهم يقولون إن الله فوّض أمر الخلق والرزق إلی الإمام، وقد صدر توقيع عن صاحب الأمر. . وهذه عبارته(علیه السلام): «فأنا وآبائي منه براء»، والعلامة المجلسي كسائر العلماء كفَّر هذه الطائفة،والحقيقةأن هذه الطائفة كافرة. . وإذا فرض ورود أخبار علی خلافه فلا بد من طرحها، بل لو فرض أن تلك الأخبار والأحاديث متواترة، فإنها معارضة مع ضروري من ضروريات المذهب»(2). قال دستغيب: «ومن المشركين طائفة الغلاة من المسلمين الذين يقولون إن التدبير والخلق والرزق بيد الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام). . وكذا المفوضة الذين يقولون بتفويض الأمور للأئمة(علیهم السلام) والظاهر أنهم يجعلون الإمام علياً(علیه السلام) شريكاً لله في الربوبية»(3).
وقد نسب إلی الشيخية، أتباع الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، الغلو في آل محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ألی درجة الخروج عن الحد، وتفويض الأفعال إليهم. وهذه النسبة لا تخلو من الصحة. ففي أقوال علمائهم و تصريحاتهم وتلويحاتهم ما يؤكد ذلك(4). قال الميرزا موسی الاحقاقي الاسكوئي أحد شيوخ الشيخية: «فالمنصف إذا نظر في هذه الأخبار بعين الدقّة والاعتبار، وجانب التعصّب والأغيار، عرف بلا غبار أنها لاتنافي ما ذكرنا من التفويض الحق، بل كلها ظاهرة في التفويض المتعارف عند العرف، وهو الاستقلال، ومنصرفة إليه ، لأنه الفرد الشايع، ثم كيف تكون نسبة تلك الصفات- وهي الخالقية
ص: 120
والرازقية والإحياء والإماتة- إليهم(علیهم السلام) مطلقاً تفويضاً باطلاً. . إلی قوله: «ليت شعري ما بال أقوام إذا قيل لهم: إن ميكائيل يقسّم الأرزاق ، وعزرائيل يميت ، وجبرائيل يخلق. . إلی أن قال: ولا يستوحشون ويقبلون بقبول حسن، مع أنهم عبيد و خدّام لهم(علیهم السلام)؟ وإذا قيل علي أميرالمؤمنين ولي الله يخلق ويرزق و يحيي ويميت بإذن الله، يصعدون إلی السماء تارة، وينزلون إلی الأرض أخری، كأنه خولط بعقلهم. .»(1).
وقال ايضاً: «فظهر أنهم(علیهم السلام) محيطون بجميع العوالم. . إلی أن قال: . . وقد صدرت منهم وظهرت بواسطتهم وبرزت بسببهم؟ وكيف لا تكون الأشياء بجميعها حاضرة لديهم وقد صدرت من حركاتهم القلبية؟ . . والعوالم وما فيها كلها كالدرهم في أيديهم . . »(2). واستدل الميرزا (الاحقاقي) علی هذا المدعی بقول أمير المؤمنين(علیه السلام) حينما سأل أبو خالد الكابلي الإمام علي بن الحسين زين العابدين عن قوله تعالی: {وَ لَقَد جَعَلنَا فِی السَّمَآءِ بُرُوجََا وَزَيَّنَّهَا لِلنَّظِرِينَ}(3). إلی أن قال: قال قنبر : وأنا لا أعرف لأمير المؤمنين(علیه السلام) بروجاً، فقلت: وما يصنع في البروج؟ قالت: هو في البروج الأعلی، يقسّم الأرزاق ، ويعيّن الآجال ، ويخلق الخلق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل. . إلی أن قال: فقال لي: يا قنبر، قلت: نعم يا أمير المؤمنين(علیه السلام)، قال: هذا لأولنا وهو يجري لآخرنا، ونحن خلقناهما، وخلقنا ما فيهما ، وما بينهما وما تحتهما . . »(4).فهذه الرواية باعتقاد الميرزا (الاحقاقي) صريحة في إسناد الخلق والرزق والإحياء والإماتة و تعيين الآجال من فعل أمير المؤمنين(علیه السلام) علی وجه الحقيقة والاستقلال، ومن أجل ذلك، حكم قنبر علی فضة بالكفر كما ورد ذلك في الرواية. وبالأخلاص إذا لاحظنا عجز الرواية، في قول الإمام (علیه السلام): «نحن خلقناهما وخلقنا ما فيهما وما بينهما وما تحتهما»، فلم يبق شيء لله سبحانه، تعالی الله عن ذلك علواً كبيراً.
ص: 121
ويؤيد ذلك ما رواه «الميرزا الاحقاقي» عن مدينة المعاجز بإسناده إلی جمهور بن الحكم قال: «رأيت علي بن الحسين(علیه السلام) وقد نبتت له أجنحة وريش فطار، ثم رأيت الساعة جعفر بن أبي طالبفي عليين. فقلت : وهل تستطيع أن تصعادها؟ فقال: «نحن صنعناها فكيف لانقدر أن نصعد إلی صنعنا؟ نحن حملة العرش و الكرسي» . قال الميرزا (موسی الاحقاقي) معقباً علی كلام الإمام(علیه السلام): انظر كيف نسب(علیه السلام) الصنع إلی أنفسهم مرتين»(1).
والذي يدلُّ علی أن الشيخية يعتقدون بالتفويض المطلق للأئمة(علیهم السلام) ما جاء في خطبة البيان، التي ذكرها السيد كاظم الرشتي، الرجل الثاني بعد الاحسائي، جاء فيها : « . . أنا ولي الله في أرضه، والمفوّض إليه أمره، والحاكم في عباده، إلی أن قال(علیه السلام): « أنا أحيي وأميت وأنا أخلق وأرزق. .» إلی آخر الخطبة(2).
للبحث صله(3)
ص: 122
لابدّ من الإشارة الی بعض مفاسد الغناء والموسيقی؛ لأن الناس تداولوها وصارت كأنها من مقوّمات معيشتهم حتی ادّعوا أنها تعود بالنفع والفائدة علی الأبدان والعقول، فصار من الصعب قناعتهم بوجود الضرر والمفسدة فيها.
ولكن من زاول الطب وخَبَر أعمال الجهاز العصبي في الإنسان ؛ علم أنه لاشيء أضرّ علی الجهاز العصبي والدماغ من ادمان الغنا فانه یخل بسیر الجهاز العصبی الطبيعي إخلالاً تامّاً حتی يخرِج المغني ومستمع الغناء عن حاله الطبيعي، ويسير سيراً معاكساً للإعتدال المطلوب منه؛ وهذا مايُسمونه الطرب. وحقيقة الأمر؛ هو الخروج عن الإعتدال بما يقرب من الجنون. واذا دام الأمر علی ذلك يصير مدمن الغناء في حالة يعجز فيها عن مقاومة كوارث الطبيعة ، فيتسرّب إليه اليأس لأدنی حادثة، ويفقد تماسكه لأدنی هَول، ويضعف عن الوقوف أمام الصعوبات.
ولقد رأينا بعض المدمنين للغناء؛ بادروا للإنتحار لأدنی حادثة، ومنهم من ابتُلي بأمراض السل والسرطان؛ لشدّة تأثره من حوادث لو أصابت غير مُدمن الغناء لما أحدثت فيه تلك الأمراض.
ومنهم من عجز عن تحمّل أعباء المعيشة وترك عائلته وأطفاله جياعاً عُراة ولم يقم بشؤونهم؛ لأن الغناء أضعفه عن تحمّل المشقّات ، وأقعده عن التوجه الی من وجب عليه تفقده والقيام بشؤونه؛ حتی سهُل عليه ضياع أولاده وأطفاله .
وفوق ذلك الخلل الإجتماعي؛ إذ أن مدمن الغناء مُلازم للخمر، والقمار، والإفتتان بالجمال، والإكثار من الشهوات؛ حتی يهون عليه هتك الأعراض ولايُبالي بها.
ص: 123
رواها الصدوق في الأمالي بسنده عن الامام الرضا(علیه السلام) عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين علي(علیه السلام) قال خطب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر جمعة من شهر شعبان فقال:
أيها الناس انه قد اقبل اليكم شهر الله تعالی بالبركة والرحمة والمغفرة ، شهر هو عند الله افضل الشهور وأيامه افضل الايام و لياليه افضل الليالي و ساعاته افضل الساعات وهو شهر قد دعيتم فيه الی ضيافة الله وجعلتم فيه من اهل كرامة الله ، انفاسكم فيه تسبيح، و نومكم فيه عبادة ، و عملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة ان يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فان الشقي من حرم غفران الله فی هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا علی فقرائكم ومساكينكم و وقروا كباركم. وارحموا صغاركم وصلوا ارحامكم واحفظوا السنتكم وغضوا عمالا يحل النظر اليه انصاركم وعمالايحل اليه الاستماع اسماعكم وتحننوا علی ايتام الناس يتحنن علی ايتامكم و توبوا الی الله من ذنوبكم وارفعوا اليه ايديكم بالدعاء في اوقات صلواتكم فانها افضل الساعات ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة الی عبادة ويجيبهم اذا ناجوه ويلبيهم اذا نادوه ويستجيب لهم اذا دعوه ، أيها الناس ان انفسكم مرهونة باعمالكم ففكوها باستغفاركم ، وظهوركم ثقيلة من اوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم واعلموا ان الله جل ذكره اقسم بعزته ان لا يعذب المصلين والساجدين وان لايروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين ، أيهاالناس من فطر منكم صائماً مؤمناً فی هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضی من
ص: 124
ذنوبه فقيل يا رسول الله و ليس كلنا يقدر علی ذلك، فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء ، أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان جواز علی الصراط يوم تزل فيه الاقدام ومن خفف فيه منكم عن ما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه ، ومن كف فيه شره كف الله غضبه عنه يوم يلقاه ، ومن قطع فيه رحمه قطع الله رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن ادی فيه فرضاً كان له ثواب من ادی سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ومن اكثر فيه الصلاة علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له أجر من ختم القرآن فی غيره من الشهور، أيها الناس ان ابواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا الله ربكم ان لا يغلقها عنكم، وابواب النيران مغلقة فاسألوا الله ربكم ان لا يفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة فاسألوا الله ربكم ان لا يسلطها عليكم.
قال امير المؤمنين(علیه السلام) فقمت و قلت يا رسول الله ما افضل الاعمال فی هذا الشهر فقال:
يا أباالحسن افضل الاعمال فی هذا الشهر الورع عن محارم الله عزوجل، ثم بكی، فقلت يا رسول الله ما يبكيك ، فقال يا علي لما يستحل منك في هذا الشهر ، كأني بك انت تصلي لربك وقد انبعث اشقی الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فيضربك ضربة علی قرنك تخضب بها لحيتك ، قال امير المؤمنين(علیه السلام) فقلت يا رسول الله وذلك فی سلامة من ديني فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فی سلامة من دينك ثم قال يا علي من قتلك فقد قتلني ومن ابغضك فقد ابغضني ومن سبك فقد سبني لأنك مني كنفسي روحك من روحي وطينتك من طينتي ، ان الله عزوجل خلقني وإياك واصطفاني واياك واختارني للنبوة واختارك للامامة، فمن انكر امامتك فقد انكر نبوتي، يا علي انت وصيي وابو ولدي وزوج ابنتي وخليفتي علی امتي في حياتي وبعد موتي أمرك امري ونهيك نهيي، اقسم بالذي بعثي بالنبوة وجعلني خير البرية انك لحجة الله علی خلقه وأمينه علی سره وخليفته فی عباده.
ص: 125
وسيد الوصيين علي بن ابی طالب (علیه السلام)!
في الليلة الحادية و العشرين من شهر رمضان سنة اربعين هجرية استشهد بطل الاسلام اسد الله الغالب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب(علیه السلام) متأثرا من ضربة اشقی الاولين و الاخرين عبدالرحمن بن ملجم المرادي عليه لعائن الله.
جاء في تذكره الخواص ان أمير المؤمنين علي(علیه السلام) انشد قبل قتله بثلاثة أيام:
تلكم قريش تمناني لتقتلني*** فلا و ربك ما فازوا و لا ظفروا
فان بقيت فرهن ذمتي لهمو*** بذات ودقين لا يعفو لها أثر(1)
و ان هلكت فاني سوف اورثهم*** ذل الممات فقد خانوا و قد غدروا
و في الاستيعاب ان أمير المؤمنين علي(علیه السلام) قال في سحرة اليوم الذي ضرب فيه ملكتني عيني و انا جالس فسنح لي رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقلت يا رسول الله ما ذا لقيت من امتك من الاود و اللدد(2) فقال ادع عليهم فقلت ابدلني الله بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا لهم مني و في ارشاد المفيد لما دخل رمضان كان أمير المؤمنين علي(علیه السلام) يتعشی ليلة عند الحسن و ليلةعند الحسين عليهما السلام و ليلة عند عبد الله بن جعفر و كان لا يزيد علی ثلاث لقم فقيل له في ذلك فقال يأيتني أمر الله و انا خميص، انما هي ليلة او ليلتان فأصيب في آخر الليل.
ص: 126
و في امالي الطوسي باسناده الی الاصبغ بن نباته قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين عليا ابن ابي طالب(علیه السلام) غدونا عليه في نفر من اصحابنا انا و الحارث و سويد بن غفلة و جماعة معنا فقعد نا علي الباب فسمعنا البكاء من الدار فبكينا فخرج الينا الحسن بن علي عيلهما السلام فقال يقول لكم أمير المؤمنين انصرفوا الی منازلكم فانصرف القوم غيري و اشتد البكاء فبكيت و خرج الحسن فقال ألم أقل لكم أنصرفوا فقلت لا و الله بابن رسول الله ما تتابعني نفسي و لا تحملني رجلاي ان انصرف حتی اری أمير المؤمنين(علیه السلام) قال وبكيت ودخل الدار ولم يلبث ان خرج فقال لي ادخل فدخلت علی اميرالمؤمنين فاذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف دمه و اصفر وجهه فما ادري وجه أشد صفرة أم العمامة فاكببت عليه فقبلته و بكيت. فقال لا تبك فانها و الله الجنة. فقلت جعلت فداك اني اعلم و الله انك تصير الی الجنة و انما ابكي لفقداني اياك.
ثم ان أمير المؤمنين صلوات الله و سلام عليه اوصي و صيته و عهد بعهده الي ولده الحسن سلام الله عليه و قال له اذا انا مت فغسلني و كفني و حنطني ببقية حنوط جدك رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثم ضعني علی سريري و احملوا مؤخره و اتبعوا مقدمه فاينما و ضع المقدم فضعوا المؤخر فهو موضع قبري فاذا فرغت من الصلاة علي فنحِ السرير عن موضعه ثم اكشف التراب عنه فستری قبرا محفورا و لحداً مشقوقاً و ساحةً منقورةً فاضجعني فيها ثم اشرج اللحد باللبن و اهلّ التراب عليّ ثم غيّب قبري.
و لم يزل يقول لا اله الا الله حتی قبض صلوات الله و سلامه عليه.
ص: 127
آية الله الشيخ ماجد الكاظمي
هذا و حول حد هذا المجرم اللعين نقول ان حده هو حد قاتل الانبياء بان يقتل ثم يحرق كما اجراه الامام الحسن (علیه السلام) فقد قال الشيخ المفيد رحمه الله فی الارشاد(1) انه جاء الناس الی اميرالمومنين(علیه السلام) فقالوا يا اميرالمؤمنين مرنا بامرك فی عدو الله و الله لقد اهلك الامة و افسد الملة فقال لهم ان عشت رأيت فيه رأيی و ان هلكت فاصنعوا به كما يصنع به قاتل النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار... و مثله روی ابن عساكر فی تاريخه فقال فی ترجمته(علیه السلام) اخبرنا ابو علي ابن السبط قال: لما ضرب ابن ملجم عليا الضربة قال عليّ(علیه السلام): افعلوا به كما اراد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ان يفعل برجل اراد قتله فقال: اقتلوهثم حرقوه(2) و كذالك روی ابن شهر آشوب فی المناقب عنه(علیه السلام) انه قال: و ان هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبی فسئل عن معناه فقال اقتلوه ثم احرقوه بالنار(3) و قد نص القرآن الكريم بقوله: ( انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف او ينفوا من
ص: 128
الارض ) و حيث ان اميرالمومنين(علیه السلام) نفس النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و حربه حرب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الخارج عليه خارج عن الاسلام محكوم بالارتداد والكفر.
فعليه يعلم ان ما في بعض الاخبار من انه يضرب ضربة بضربة مخالف للقرآن و للروايات المتقدمة و سيرة الامام الحسن(علیه السلام) من قتله و احراقه و الظاهر ان هذه الرواية محرفة و ان اصلها و ان عشت فضربة بضربة او اعفو كما نقل سبط ابن الجوزي فی التذكرة(1)
ص: 129
في الرد علی الصوفية(و العرفاء)
هذا الكتاب من الكتب القيمة لمؤلفه العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي رحمه الله صاحب كتاب وسائل الشيعة في الرد علی الصوفية و العرفاء و هو يشتمل علی اثني عشر باباً و اثني عشر فصلاً و هي كالتالي:
الباب الاول: في ابطال نسبة إلی العرفان و التصوف الی الدين و ذمها
الباب الثاني: في ابطال التصوف و ذمه
الباب الثالث: في ابطال اعتقاد الحلول و الاتحاد
الباب الرابع: في ابطال الكشف الذي يدعونه
الباب الخامس: في ابطال ما يعتقدونه من سقوط التكاليف الشرعية عند ذلك الكشف
الباب السادس: في ابطال ما يفعلونه من الجلوس في الشتاء و ما ابتدعوه من الرياضة و ترك اللحم
الباب السابع: في ابطال ما يجعلونه من افضل العبادات
ص: 130
من الفتل و السقوط علی الارض
الباب الثامن: في ابطال ما يعتقدونه من افضل العبادات ايضا من الرقص و الصفق بالايدي و الصياح
الباب التاسع:في اثبات ما يبطلونه و يمنعون منه من السعي علی الرزق و طلب المعاش و التجمل و نحوها
الباب العاشر: في تحريم ما يستحلونه و يعدونه عبادة من الغناء علی وجه العموم و خصوص صورة كونه في القرآن و الذكر
الباب الحادي عشر: في ابطال ما يفعلونه من الذكر الخفي و الجلي علی ما ابتدعوه
الباب الثاني عشر: في ابطال ما صار شعاراً لهم من مولاة اعداءالله و معاداة اولياءالله
و فيه اثنا عشر فصلا:
الفصل الاول: في تحريم الاقتداء باعداء الدين و مشابهتهم و مشاكلتهم
الفصل الثاني: في تحريم الابتداع في الدين
الفصل الثالث: في ذكر بعض مطاعن مشايخ الصوفية
الفصل الرابع: في وجوب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر
الفصل الخامس: في تحريم ترك الامر بالمعروف و النهي عن المنكر
الفصل السادس: في وجوب المجادلة في الدين و المناظرة لبيان الحق
الفصل السابع: في وجوب جهاد النفس و اعداءالدين
الفصل الثامن: في وجوب اجتناب معاشرة اهل البدع و المعاصي
الفصل التاسع: في جواز لعن المبتدعين و المخالفين و البراءة منهم
الفصل العاشر: في تحريم التعصب للباطل
الفصل الحادي عشر: في عدم جواز حسن الظن بالعامة و اتباع شيء من طريقتهم المختصة بهم.
الفصل الثاني عشر: في وجوب جهاد النفس و الكفر و الابتداع و الفسق
و اليك ايها القارئ الكريم الدليل السابع و ما بعده من الباب الاول:
ص: 131
السابع : اجماع جميع الشيعة الامامية و اتفاق الفرقة الاثني عشرية علی ترك هذه النسبة و اجتنابها و مباينة أهلها في زمن الائمة عليهم السلام و بعده الی قريب من هذا الزمان لم يكن أحد من الشيعة صوفياً أصلا كما يظهر لمن تتبع كتب الحديث و الرجال و سمع الاخبار، بل لا يوجد للتصوف و اهله في كتب الشيعة و كلام الائمة(علیهم السلام) ذكر الابالذم، و قد صنفوا في الرد عليهم كتباً متعددة ذكروا بعضها في فهرست كتب الشيعة.
و قد نقل الاجماع منهم جماعة من الاجلاء يأتي ذكر بعضهم ان شاءالله فكيف جاز الآن لضعفاء الشيعة الخروج عن هذا الاجماع و عن طريقة اهل العصمة؟!.
قال بعض المحققين من مشائخنا المعاصرين: اعلم ان هذا الاسم و هو اسم التصوف كان مستعملا في فرقة من الحكماء الزايغين عن الصواب ، ثم بعدهم في جماعة من الزناندقة و اهل الخلاف من أعداء آل محمد عليهم السلام كالحسن البصري و سفيان الثوري و نحوهما.
ثم جاء فيمن جاء بعدهم و سلك سبيلهم كالغزالي رأس الناصبين لاهل البيت (علیهم السلام)و لم يستعمله احد من الامامية لا في زمن الائمة (علیهم السلام)و لا بعده الی قريب من هذا الزمان فطالع بعض الامامية كتب الصوفية ، فرأي فيها ما يليق و لا ينافي قواعد الشريعة فلم يتجاوزه الی غيره.
ثم سري الامر الی تعلق بعضهم بجميع طريقتهم و صار من تبع بعض مسالكهم سنداً لهم ثم انتهت الحال الی أن جعل الغناء و الرقص و الصفق أفضل العبادات و صارت اعتقادهم في النواصب و الزنادقة انهم علی الحق فتركوا أمور الشريعة و اظهروا للعوام حسن هذه الطريقة و ساعدهم رفع المشقة في تعلم علوم الدين و اكثر التكاليف حتی انهم يكتفون بالجلوس في مكان منفرد أربعين يوماً و لا يحتاجون الی شيء من أمور الدين و ساعدهم ميل الطبع الی اللذة حتی النظر الی صور الذكور المستحسنة و التلذذبها، و أتعبوا أنفسهم في الرياضات المنهي عنها في شرعنا لعل اذهانهم تصفو، و ليت شعري لو حصل ذلك، فاي فرق بين المؤمن و الكافر؟ فان كفارالهند و غيرهم كذلك يخبرون بمثل ما يدعونه، بل بما هو أبلغ منه و أهل التسخير و الشعبدة تظهر منهم فوق ما يدعي هؤلاء و اهل الكرامات كانت تظهر منهم من غير هذه الرياضة و أهل التقوی لم يدعوا شيئا من ذلك.
ص: 132
ثم انتهی الامر الی أن صار التصوف غير مشروط بالعلم، بل بمجرد تغيير اللباس المتعارف عند اكثر اهل الناس و تلبيس الظاهر بذلك و ترك الباطن امافارغاً او حملوا مما يعلم الله و صار من زهده و صلاحه بطريق الشريعة المطهرة ممقو تا عندهم لانه اذا سئل: قال: قال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و هؤلاء يدعون انهم يقولون:قال الله بلا واسطة و ربما يقولون: قال رسول الله و يدعون المشافهة مع ان بينهما أف سنة فما زاد «انتهی».
الثامن : ما رواه جماعة من الاصحاب في الكتب المعتمدة عن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه قال: يا علي انا و أنت موليا هذه الامة فمن انتمی الی غير مواليه فعليه لعنة الله و من جملة ما رواه الصدوق رئيس المحدثين في كتاب من لا يحضر الفقيه و ناهيك به بعد ما صرح بما صرح في اول كتابه، و رواه الكليني في الديات، و هذا الحديث الشريف كما تری صريح في عدم جواز انتساب احد من الامة الی غير مواليه و استحقاق من انتسب الی غيرهم اللعن من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و غيره فكيف يجوز الانتساب الديني الی الصوف و الی أهله الذين كانوا أعداء الله و رسوله و حججه(علیهم السلام) بل لو لم يكونوا أعدائهم و لا مخالفين لهم في شييء لما كان الانتساب اليهم جائزاًكما يدل عليه هذا الحديث و غيره من الادلة.
التاسع: ما رواه شيخنا الجليل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي في كتاب الكشكول قال: قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : لا تقوم الساعة حتی يخرج قوم من امتي اسمهم صوفية ليسوا مني و انهم يهود امتي الی ان قال : هم أضل من الكفار و هم اهل النار «الحديث».
أقول : من نظرالی هذه التصريحات السابقة و الاتية علم ان كثيراً من مهمات الدين لم يرد فيها تصريح و مبالغة الی هذه الغاية و ذلك مقتضي حكمة الشرع حيث علموا ع ان هذه الفتنة من أعظم الفتن
الدينية و أقوی الشبهات عند ضعفاء الامامية حيث ان المتقدمين و المتاخرين من الصوفية ما زالوا يغرون الناس و يخدعونهم باظهار الزهد و الورع و العبادة ليظنوا ان ذلك اقوی أسباب السعادة ثم في أثناء ذلك يزينون لهم تلك البدع التي تخرجهم من الدين القويم و تضلهم عن الصراط المستقيم كاعتقاد الحلول و الاتحاد و غير ذلك حتی انهم قد اوجبوا انقسام الامامية قسمين كل منها يضلل
ص: 133
الاخر و صار الاتباع يجالسون رؤساء الفريقين و يقبلون قول كل منهم و الآخريخرجون من الدين بالكلية نعوذ بالله من شرهذه البلية؟!
العاشر: ما اورده مولانا الفاضل الكامل العالم العامل ملا احمد الاردبيلي في كتاب حديقة الشيعة(1) قال:نقل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن مولانا علی بن محمد الهادي(علیه السلام) في جملة حديث طويل قال: الصوفية كلهم مخالفونا و طريقتهم مغايرة طريقنا و ان هم الانصاري أو مجوس هذه الامة«الحديث».
أقول : فظهر من هذا ظهوراً واضحا عدم جواز الاقتداء بهم و الانتسال الی طريقتهم و مذهبهم .
الحادي عشر: ما رواه في الكتاب المذكور(2) باسناده عن الرضا(علیه السلام) قال: لا يقول بالتصوف احد الالخدعة او ضلالة او حماقة(3) و اما من سمي نفسه صوفياً للتقية(4) فلا اثم عليه.
و رواه باسناد آخر(5) و زاد فيه: و علامته ان يكتفي بمجرد التسمية و لا يقول بشييء من عقائدهم الباطلة.
أقول: في هذا الحديث تصريح بتحريم هذه النسبة و عدم جواز هذه التسمية في غير وقت التقية و لا مجال الی تأويله ، و قد تضمن الحكم بثبوت الاثم علی التسمية بالتصوف في غير التقية مع ملاحظة النهي في اول الحديث و في آخره و هل يترتب الاثم الاعلی المحرم؟! و فيه دلالة واضحة علی ان الصوفية مخالفون للحق و الا لم يكن لذكر التقية معنی.
الثاني عشر: ان هذه النسبة في الاصل وضعت للانتساب الی الصوف و هو مذموم شرعا، فقد روی الكليني و غيره عنهم(علیهم السلام) : انهم قالوا: لايلبس الصوف و الشعر الامن علة(6) .
ص: 134
و روي ايضاً عنهم(علیهم السلام) انهم قالوا: خير ثيابهم القطن الا بيض فليلبسه احياؤكم و كفنوا فيه موتاكم(1).
فظهران الصوف ليس من خير الثياب فيكون مرجوحاً مذموماً مكروهاً(2) أو خلاف الاولی، و كفاه ذماً و شوماً ما ظهر من المفاسد المترتبة علی ملازمته و الانتساب إليه، فكيف يجوز الانتساب الی شييء مذموم مرجوح شرعاً و اعتقاد تفضيله و رجحانه و هل ذلك الامخالفاً للشرع و تغييراً لاحكام الدين؟!
و أعجب من ذلك انهم يعتقدون انحصار الزهد في لبسه و اظهاره و اتخاذه شعاراً تعللا «معللا-ظ» بما روي ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لبس الصوف أو كان يلبسه(3) مع ان ذلك ان ثبت لا دلالة فيه علی جواز هذه النسبة فضلا عن رجحانها او وجوبها و الا لانتسب اليه و امر بذلك، و لا ريب ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) و الائمة(علیهم السلام) لبسوا اكثر الملابس المباحة و أنواعها بحسب ما اقتضاه الحال، و القصد بيان الجواز و النص علی نفي التحريم لان البيان الفعلي اقوی من القولي و أرادوا الجمع بينهما غالباً و لا كلام في اباحة تلك الملابس، انما الكلام في رجحانها و جواز الانتساب الخاص اليها.(4)
ص: 135
كتاب اوائل المقالات و شرح عقائد الصدوق
هما: نجمان ساطعان و فرقدان لامعان و سفران قيمان من الاسفار الجليلة، و الكتب النفسية، و كلاهما لمولانا الامام الكبير شيخ المشايخ العلماء حجة الاسلام آية الله ابو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الحارثی المعروف باالشيخ المفيد المتوفی سنة 413 هجرية قدس الله روحه.
و هذان السفران الجليلان، و النيران الساطعان قد دحضا حجج الخصوم، و غبرا فی وجوه دعاة الاباطيل بما تضمناه من الحجج العقلية، و الصحاح النقلية بحيث ظهر بهما مشرقا اشراق رائعة النهار صدق دعوی الشيعة الامامية علی كل فرقة من الفرق الاسلامية.
فهذان الكتابان يوقفان من اراد الاطلاع علی عقائد الشيعة ويعرفانه جلية حالهم بنصاعة و وضوح لانهما من الكتب المعتبرة التی يصح الاعتماد عليها و الاحتجاج بها. و مثل هذين الكتابين ينبغي لمناراد ان يكتب عن الشيعة او يتحدث عن مذهبهم ان يرجع اليهما و يعتمد عليهما لا ان ياتي الی كتب
ص: 136
المغرضين، و الكتب المدسوسة علی الشيعة فياخذ بها و ينتزع منها البهت و التزوير فيرمي به هذه الطائفة المومنة.
ص: 137