مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية المجلد3

هویة الكتاب

مدرسة أهل البيت عليهم السلام

مجلة فصلية ثقافية عقائدية

محرر الرقمي:محمد رضا راهجو

ص: 1

اشارة

مدرسة أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)

مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية

السنة الثانية: العدد الثالث 1388 هجرية شمسية 1431 هجرية قمرية

مدير المجلة: مُحمَّد الكاظمي

هاتف: 09163108466

ص: 2

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

الفهرس

كلمة التحرير...5

امير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حامل كل علوم القرآن آية الله السيد علي البهبهاني رحمه الله ...7

آيات العقائد من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...11

قواعد المعارف العقلانية الوحيانيةالاستاذ ابو علي الخراساني...24

أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...32

السنخية أم العينية والإتحاد أم التباين؟ من محاضرات الاستاذ السيد جعفر سيدان ...42

التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء الشيخ علي الكوراني...55

مظلومية الزهراء(علیها السلام) اللجنة الثقافية لأهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)...69

تحقيق حول البخاري وصحيحه...81

خروج الامام الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)من مكة الی العراق...90

خطبة الامام الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)في مكة يوم السابع من ذي الحجة... 92

روائع من الأدب الإسلامي الحلقة الثانية من القصيدة الهاشمية للكميت...95

الامام عليّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)و استمداد النبي سليمان(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)...100

ص: 3

تحقيق حول رواية سواده بن قيس الوارده حول رحلة الرسول الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)...103

اسئله حول:

1-حي علی خير العمل ...108

2- التثويب في الاذان...110

الروايات المكذوبة...114

من هو الذي من وراء اغتيال عمر بن الخطاب...126

موقف اصحاب الائمة من الفلسفة والعرفان...131

ص: 4

كلمة التحریر

بِسمِ الله الرَحمَنِ الرَحيِم

آللهُ خَيرٌ أمَّا يُشرِكُون؟

كما قلنا فيما سبق ان العقيدة هي قاعدة كل نظام وان التوحيد الالهي هو الركيزة الاساسية في عقيدة الاسلام وجميع رسالات السماء وقد خصصنا الكلام في عدة من مقالات هذه المجلة في عدديها السابقين عن التوحيد الذي جاء به الاسلام ورد كل ما خالفه من شرك ظاهر وخفي تحت اي عنوان كان فهنالك مذاهب فلسفية تدعي التوحيد بالقول بان الله سبحانه وتعالی يتمظهر بهذه المخلوقات بمعنی ان هذه المخلوقات ظهور للذات الالهية وانها عينه سبحانه وتعالی وقد تركزت تلك المقالات في الرد علی هذه العقيدة الباطلة والمعروفة بعقيدة وحدة الوجود وهنالك عقيدة تخالف الفلسفة بالعنوان وتماثلها بالجوهر وهي: القول بتباين الممكنات مع اللهتعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا علی ان يكون

ص: 5

الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود وتحققه بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث التعين واللاتعين في عين السنخية بينهما من حيث الكمالات المسماة بالنورية وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.

والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.

هذا وكما سبق ان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) ولا علاقة لها بمدرسة التفكيك بل لا تتبنی آرائها ونظرياتها كما ولا تری وجهاً لهذا العنوان أي: عنوان مدرسة التفكيك لانه عنوان ضيق ولا يعبر عن عظمة الاسلام وسعته فان مدرستنا مدرسة اهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) لاغير نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.

رئيس التحرير

ص: 6

مصباح الهدایة

امير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حامل كل علوم القرآن آية الله السيد علي البهبهاني رحمه الله

الحديث الاول

الحديث الاول في تفسير قوله تعالی: (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ).(1)

في الكافي، وبصائر الدرجات: عن مولانا الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) :إيانا عنی وعلي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) اولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).(2)

ص: 7


1- - الرعد:43.
2- - الكافي 1/299.بصائر الدرجات ص214و 216.

وفي المجمع: عن مولانا الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مثله.(1)

وفي الاحتجاج: سأل رجل علي بن ابي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن أفضل منقبة له فقرأ الآية وقال: إيانا عنی بمن عنده علم الكتاب.(2)

وفي الصافي عن المجالس: عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) انه سئل عن هذه الاية قال: ذاك اخي علي ابن ابي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).(3)

وفي رواية اخری عن بعض اصحابنا: كنت مع ابي جعفر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)في المسجد يحدثنا إذ مرّ بعض ولد عبدالله بن سلام، فقلت: جعلت فداك هذا ابن الذي يقول الناس: الذي عنده علم الكتاب؟ فقال: لا، إنّما ذاك علي بن ابي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ). انزلت فيه خمس آيات: إحداها: (قل كفی بالله...الخ).(4)

والقمي: عن الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «هو أمير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)».(5)

وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب اعلم ام الذي عنده علم الكتاب؟ فقال: ما كان الذي عنده علم كتاب إلا بقدر ما تاخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر.

وقال اميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «الا ان العلم الذي هبط به آدم من السماء الی الارض وجميع ما فضلت به النبيون الی خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين».وفي تفسير البرهان من طريق العامة: روی الفقيه ابن المغازلي الشافعي بطريق والثعلبي بطريقين: انه علي بن ابي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

فينبغي التكلم في مقامات:

ص: 8


1- - مجمع البيان 6/301.
2- - الاحتجاج 1/232.
3- الصافي 3/77.
4- - بصائر الدرجات ص214- الصافي 3/77 مع اختلاف يسير.
5- - تفسير القمي1/367.

الاول: في اختصاص من عنده علم الكتاب بمولانا اميرالمؤمنين واولاده الطاهرين(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)، وعدم صدقه علی من عداهم، كما دلّ عليه تقديم المفعول علی الفعل في الحديث الشريف، وانه لاينافي عمومها للأئمة الطاهرين من ذريته (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)نزولها في شأنه(عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

والثاني: في احتوائها علی المنقبة الفاضلة.

والثالث: في انه افضل منقبة لمولانا اميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كما دلت عليه رواية الاحتجاج.

وقبل التكلم فيها لابد من تمهيد مقدمة يذكر فيها امور ستة تتضح بها حال المقامات الثلاثة:

الاول: في أنّ ضمّ من عنده علم الكتاب إلی شهادته تعالی أهو من قبيل ضمّ شهادة عدل إلی شهادة عدل آخر، أو من قبيل ضمّ برهان إلی برهان آخر؟

والثاني: في بيان المراد من الكتاب.

والثالث: في بيان كيفية شهادته تعالی، وشهادة من عنده علم الكتاب، أهي قولّية أم فعلية؟

والرابع: في بيان سبب حصول العلم واليقين من شهادة من عنده علم الكتاب بحيث تعدّ برهاناً مستقلاً ، وتستحقّ أن تجعل عديلاً لشهادته تعالی ومكتفی بها في إثبات الرسالة.

والخامس: في بيان أنّ سورة الرعد التي فيها الآية الكريمة مكّية أم مدينة؟

اما الاول: فمن الواضح أنّه من قبيل ضمّ برهان ودليل مستقل إلی برهان آخر، ضرورة عدم تطرّق النقص في شهادته تعالی، حتّی تتمّ بضمّ شهادة غيرهإليها، ولعلّ تقديمه عزّوجلّ (شهيداً بيني وبينكم) علی المعطوف تنبيه علی هذا المعنی، كما أنّ الإتيان بصيغة فعيل دون الفاعل لعلّه للتنبيه علی أنّ الاتّصاف بالشهادة علی وجه الثبوت، لا الحدوث.

ص: 9

وكيف كان فكلّ من الشهادتين دليل تامّ وبرهان قاطع مثبت لنبوته ورسالته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، ولا مجال لاحتمال أن يقال: ضمّ شهادة من عنده علم الكتاب إلی شهادته تعالی، من قبيل ضمّ الدليل الظّني إلی الدليل العلمي، لأنّ الأمر الظنّي لايعقل التمسّك به في المقام، وجعله دليلاً علی المطلوب من وجوه ثلاثة:

الأول: أنّه لايتصورّ اعتبار الأمر الظنّي في المقام، لأنّ الاعتبار إمّا ذاتي كالالة العلمية، وإمّا تعبدي جعلي كالبيّنة، والطرق، والأمارات الشرعيّة، وكلاهما منتف في المقام.

امّا الاوّل فظاهر، ضرورة عدم اعتبار الظنّ ذاتاً، وأمّا الثاني فلعدم تصوّر التعبّد في المقام، لأنّه فرع التصديق بنبوّته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فلا يعقل جعله دليلاً تعبّديّاً لنبوّته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

والثاني: إنّ التعبّد بالظنّ أو الظنّي إنّما يتطرّق في مورد الجهل بالواقع وعدم العلم بوفاقه أو خلافه، فلا يعقل أن يجعل دليلاً علی رسالته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع وجود ما يوجب العلم بها وهو شهادته تعالی ، سيّما مع تقديم شهادته تعالی عليه في الذكر.

والثالث: أنّ اُصول الدين لأهمّيتها لاتثبت إلّا بالعلم، والظنّ أو الظنّي إنما يعتبر حيث يعتبر في الفروع لافي الاُصول.

وقد ذمّ تعالی شأنّه قوماً ركنوا إلی الظنّ في اُصول عقائدهم فقال جلّ ذكره: {إن يتّبعون إلّاالظنّ وإنّ الظنّ لايغني منالحقّ شيئاً}(1)

فكيف يحتجّ لإثبات رسالة رسوله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بما نهی عن اتّباعه والركون إليه.

فإن قلت : يمكن أن يقال ذكر{من عنده علم الكتاب} إنما يكون علی وجه التأييد لالاستقلاله في الاعتبار، فلاينافي كون شهادته ظنّية غير معتبرة.

ص: 10


1- - النجم :28 .

قلت: عطفه علی اسم الجلالة يقتضي اشتراكه معه في الحكم وهو الاكتفاء بشهادته في إثبات الرسالة، وثبوت الحجة علی الكفرة المكذبين لرسالته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فلا مجال لما ذكرت .

للبحث صله

من وحي القرآن

آيات العقائد من محاضرات الاستاذ السيد جعفرسيدان الخراسانی

آية الهداية :

(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).(1)

الآية التي نحن بصددها قد طرحت مسألة الهداية ومفهومها كالتالي: »انا لم نعط الهداية لكل احد« وهذا المعنى مما يثير السؤال فهل الهداية كلاً مغلقة أم أنها مغلقةبالنسبة إلى اولئك الذين سوف تمتلأ جهنم منهم؟ ويمكن استنباط معنى صحيح من الآية وهو: اننا لو أردنا هداية الناس بالاجبار لاستطعنا ذلك مثل: ان نريهم قسما من انواع العذاب ونعمل بعض الاعمال التي تجر الناس الى مسير الحقّ من حيث

ص: 11


1- -السجدة/ 13

يريدون أو لا يريدون لكن حق القول مني (فهذا القول هو الثابت مني) وهو: حيث انّ هؤلاء - وباختيار منهم - انتخبوا طريق الضلال فلأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين وصار من المعلوم انّ قوله تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) ليس فيه جبر ولا اجبار لأحد بل المفروض بالناس أن ينتخبوا هم طريق الهداية لا ان الهداية تُفرض عليهم.

ومع ملاحظة الآيات الاخر حول الهداية يتضح انّ المراد من هذه الآية المباركة هو عدم الهداية الاجبارية يعني انّ المنفي في الآية المباركة هو الاجبار على الهداية وقد ذكرت الآيات التالية الذكر ان حصول الهداية أمر اختياري:

(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)(1) (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورا)(2)

(إِنَّ علينَا لَلْهُدَى)(3)

(وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(4)

وترى في ذيل هذه الآيات الآتية انّ الهداية منوطة بإرادة الإنسان:

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (5)(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ...(6)

ص: 12


1- - فصلت 17/
2- - الانسان/ 3
3- - الليل/ 12
4- -الاعلى/ 3
5- -العنكبوت/ 69
6- النساء/ 168-169

(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى)(1)

(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(2)

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عليهمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَيُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(3)

ودرجات الهداية والضلال تكون على اساس افعال الإنسان (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَ سِّرُهُ لِلْيُسْرَىوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)(4)

وفي هذه الآية كما نجد القدرة الالهية كذلك نرى انتخاب الإنسان وفعله (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(5)(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَيَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)(6)

ص: 13


1- -طه/ 123
2- -محمد/ 17
3- - البقرة/ 6-7
4- - الليل/ 5-10
5- -المائدة/ 16
6- -الاعراف / 146

والمقصود من هذه الآية هي كلمة (سأصرف) حيث يقول: انّي سأصرف هؤلاء عن الإيمان بي ولو أنّهم رأوا الآيات والدلائل مع ذلك فهم لا يؤمنون وانّهم لا يسلكون طريق الرشد والصلاح ويتخذون طريق الغي والضلال وذلك لانهم تكبروا اَمام اللَّه جلّ وعلا وكانت نتيجة تكبرهم وغرورهم هي الوقوع في الهلاك.

ومن المعلوم انّ التكبر فعل نفس الإنسان والآيات التي يكون فعل الإنسان واختياره موضوعا للحكم فيها كثيرة نذكر بعض النماذج منها:

(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً)(1)

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(2)

(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)(3)فمع ملاحظة جميع هذه الآيات المباركة نستطيع القول انّ المراد من نفي الهداية هو: نفي الهداية الاجبارية يعني انّ اللَّه سبحانه وتعالى لا يريد الزام الناس واجبارهم على الهداية بل الهداية في اختيار الإنسان الذي يختار الهداية وينتخبها.(4)

ومن هنا فأكثر الجنّ والإنس يُعرضون عن الهداية ويتابعون اهواءهم واميالهم النفسية ويسلكون طريق الضلالة ويكون فعل اللَّه سبحانه وتعالى على اساس انتخابهم هذا ويلقي بهم في نار جهنم التي هم انتخبوها.

وهذا المعنى موافق للعقل السليم ومؤيد بتعاليم الوحي.(5)

ص: 14


1- -مريم/ 76
2- -القصص/ 50
3- -ص / 26
4- -للإطلاع اكثر راجع تفسير التبيان، 301/8
5- من المناسب ملاحظة هذه النكتة وهي انّ هذه العبارة جاءت في تفسير القرآن الكريم، (276/2المنسوب لابن عربي).

كلام ملاصدرا

قال في الاسفار:

«ثم انك تعلم انّ نظام الدنيا لا ينصلح إلاّ بنفوس جافية وقلوب غلاظ شداد قاسية فلو كان الناس كلّهم سعداء بنفوس خائفة من عذاب اللَّه وقلوب خاضعة خاشعة لاختل النظام بعدم القائمين بعمارة هذه الدار من النفوس الغلاظ العتاة كالفراعنة والدجالة وكالنفوس المكّاره... ».(1)

ثمّ بعد ما ذكر حديثا ذكر هذه الآية:

(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(2)فيدعي ملاصدرا انّه لاجل اصلاح نظام الدنيا لا بدّ من وجود الصالحين والاشرار (حتى الفراعنة والدجاجلة و...) ولو كان اهل العالم كلهم صالحين لاختل نظام الدنيا.

ويقول: طالحية هذا القسم من الناس من ذاتيات خلقتهم ولاجل هذا ولدوا ويوجه كونهم من أهل العذاب وجهنم بأنّهم من سنخ جهنم وطبعها وهنالك علاقة بين وجودهم وبين نار جهنم فلا يرون فيها عذابا ولا صعوبة ويقول:

فيكون لها غايات حقيقية ومنازل ذاتية والأمور الذاتية التي جبلت عليها الأشياء إذا وقع الرجوع اليها تكون ملائمة لذيذة.(3)

ص: 15


1- -الأسفار الأربعة، 348/9طبع انتشارات بنياد حكمت، 1382ص 489
2- -السجدة/ 13
3- -الأسفار الأربعة، 349/9

وعلى اساس هذا البيان فجهنم هي المنزل الذاتي لهؤلاء حيث انهم من بدو حياتهم قد خلقوا لجهنم وحينما يرجعون إلى جهنم يجدون فيها لذتهم واطمينانهم ولو انهم وصلوا اليها بعد حين من الزمن وقد كانوا عنها بعيدين زمانا كثيرا كما قال تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ).(1)

إذن خلاصة كلام ملاصدرا حول الآية المذكورة هو: لو أراد اللَّه هداية الناس لهداهم ولكن اللَّه جلّ وعلا لم يفعل ذلك - عمدا - لأجل أن يكون في الدنيا الأشرار والخبثاء وأهل المعصية وطبعا لقد خلق اللَّه جهنم لأجل أن يملاءها بهؤلاء (ولكن على هؤلاء ان لا يغتموا فانّ العذاب لهم عذب و... )

في نقد وتحقيق هذا الكلام نستطيع ان نقول: كيف ان نقول ان هذا هو مراد اللَّه جلّ وعلا؟! فهل العقل لا يبدي الاّ هذا الاحتمال؟! أو لم يقل اللَّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حول الهداية كلاما آخر غير هذا؟!أو ليس من الانصاف من جهة علمية وعقلية ان ننظر إلى جميع الآيات نظرة واحدة ونستخرج منها معنىً واحدا؟!

والذي يمكن تصوره عن معنى الهداية معنيان:

1-الهداية العامة (وهي الهداية الاختيارية) والتي يقول عنها جلّ وعلا: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (2)

الهداية الاجبارية: ولأجل معرفة ان ايّهما مراد من الآية المباركة لابد من اقامة الدليل عن خارج الآية عليه ولابد ان لا يتنافى الفهم الحاصل من الآية مع الفاظ القرآن الاخرى ومع الأصول القطعية الاخرى للوحي.

ص: 16


1- -سبأ/ 54
2- -الانسان/ - 2 3

ومع المراجعة للآيات القرآنية حول الهداية والتي قد تقدمت الإشارة اليها فان رؤية القرآن عن مسألة الهداية واضحة ومشخصة.

وحول انّ اللَّه جلّ وعلا يملأ جهنم من الجنّ والإنسان فهو أيضا يتصور له معنيان:

1- انّ ورودهم لجهنم انما كان على اساس اختيارهم.

2- انّ وردهم لجهنم كان على اساس خلقتهم.

والآية المباركة لم تتعرض لبيان أحدهما ولابد من اقامة الدليل من الخارج على أحدهما و...

روايات الطينة

من الممكن ان يرد في الذهن انّ كلام ملاصدرا يتطابق مع أحاديث الطينة والتي قد بينت سعادة وشقاوة الناس قبل ورودهم إلى الدنيا.

ولأجل توضيح هذا الموضوع ينبغي لنا أن نذكر نموذجين من هذه الأحاديث ثمّ نحقق الكلام فيها.

الحديث الأوّل:روي عن الإمام السجاد(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) انّه قال:

انّ اللَّه عزّوجلّ خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وابدانهم وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة وجعل خلق ابدان المؤمنين من دون ذلك وخلق الكفار من طينة سجّين قلوبهم وابدانهم.(1)

الحديث الثاني:

وروي عن الإمام السجاد(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أيضا انّه قال:

ص: 17


1- -اصول الكافي، 2/2ع ح 1علل الشرائع، 116/1ح 13بحارالانوار، 239/5ح 18

أخذ اللَّه ميثاق شيعتنا معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون انّ اللَّه خلقنا من طينة عليين وخلق شيعتنا من طينة أسفل من ذلك وخلق عدونا من طينة سجين وخلق اولياءهم من طينة اسفل من ذلك.(1)

الجواب:

والجواب حول روايات الطينة و... كما أشرنا اليه انّ هناك أصلا عقليا عاما حول كلّ المباحث وهو انّه لو كان هنالك مطلب ثابت قطعا بالأدلة الواضحة والتصريحات الكثيرة أو كان ذلك المطلب من دعائم الدين واصوله فالعقل يحكم بأن كل ما يخالفه لابد من تأويله ان كان سنده معتبرا ولو لم يكن قابلا للتأويل وكل ما يقال فيه من توجيهات وتبريرات غير مقنع فلابد من رد علمه إلى أهله.(2)

والتبريرات والتوجيهات المختلفة حول روايات الطينة كالتالي:

1-قسم من هذه الروايات ضعيفة.

2-يقول البعض: انّ هذه الروايات تتناسب مع التقية وذلك لأنّ قسما من العامة قائلون بالجبر.3-ويقول البعض الآخر: انّ هذه الروايات كناية عن استعدادات وقابليات الاشخاص.

4-وهنالك رأي آخر يقول: انّ هذه الروايات كناية عن علم اللَّه جلّ وعلا بالنسبة إلى المسير الذي يطويه الاشخاص (فاللَّه جلّ وعلا يعلم احوالهم فكان هؤلاء خلقهم على طينات مختلفة).

5-ويرى البعض: انّ اختلاف الطينات متفرع على الامتحان في عالم الذر و...

كلام السيد الطباطبائي:

ص: 18


1- -بصائر الدرجات: 38ح 17بحارالانوار، 249/5ح 39
2- -راجع بحارالانوار، 260/5ذيل حديث 67

كلّ هذه الأقوال ليست تامة في نظرنا ويرد على كلّ منها اشكالات والتوجيه الصحيح لها ما قاله السيد الطباطبايي في حواشيه على اصول الكافي حيث قال:

لا شك ولا ترديد في أنّ التربية في الجملة مؤثرة في حياة وتصرفات الإنسان وان وقوع عمله مبتن على ذلك في طول ادوار حياته وانه مع التربية الصحيحة والصالحة اقرب إلى السعادة ومع التربية غير الصحيحة اقرب إلى الشقاوة (بحسب ما يرد إلى الذهن من معنى السعادة والشقاوة).

وحصول هذا الأمر للإنسان بواسطة افعاله حيث انه قادر على الفعل والترك (يعني انّ افعاله اختيارية) وكما انّ هذه الأفعال بالنسبة للإنسان ممكنة (بمعنى انه يمكن ان يفعل وأن لا يفعل)كذلك السعادة والشقاوة - واللتان هما نتيجة تراكم الأوصاف النفسانية الحاصلة من افعاله - فانهما بالنسبة للإنسان ايضا ممكنان.

ومن جانب آخر فالإنسان احد اجزاء علل هذه الأفعال الصادرة منه - مثل الأكل - فانّ ارادة الإنسان احد اجزاء وجود فعله الذي يمكن صدوره منه وذلك حينما يريد الأكل ويقرّب تلك المادة ليأكلها ومع حصول كلّ الشروط اللازمة لحصول ذلك الفعل - يعني مع اجتماع الشرائط وفقدان الموانع بلا استثناء - فانّ المفروض وجوب صدور ذلك الفعل وحصوله بالضرورة.إذن بعد معرفة هذا الأمر يتضح انّ السعادة والشقاوة واللتان تحصلان بواسطة افعال الإنسان الإختيارية عند ذاك الذي ينسب للإنسان هو نسبة الإمكان والاختيار وحينما تنسب إلى مجموع العلة التامة - والتي أحد اجزائها هو الإنسان - فهذه النسبة ضرورية وحتمية.

من الواضح ان قضاء العلم الإلهي وحكمه من جهة حصول العلة التامة ومن هنا يمكن القول انّ قضاء اللَّه جلّ وعلا وحكمه بالسعادة والشقاوة ماضٍ في حق كلّ انسان وانّه غير قابل للتبديل والتغيير وهذا لا يتنافى مع إمكان اختيار الإنسان للسعادة

ص: 19

والشقاوة وقد جاء في هذا الحديث انّ الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)قال: «انّ اللَّه خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه... ».(1)

ومعنى كلام الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هو انّ اللَّه سبحانه وتعالى يعلم العلل التامة التي توجب السعادة والشقاوة في حق الإنسان وبها يحكم، وهذا القضاء والحكم الإلهي لا يتنافى مع افعال الإنسان الإختيارية وكذلك السعادة والشقاوة التي تلحق الانسان من جهة افعاله.

فعلى اساس هذا البيان انّ الإنسان احد اجزاء علة صدور الفعل ومادام انّ الإنسان لم يُرِدْ فلا تحقق للفعل ولو حصلت جميع الشرائط وارتفعت جميع الموانع فانّ وقوع ووجوده الفعل أمر حتمي وضروري.(2)

انّ ارادة واختيار الإنسان وبالإقتران مع سائر العلل توصل فعل الإنسان الخيّر والشرير إلى الحتميّة ومن بعدها الحكم بالسعادة أو الشقاوة.وهذه السعادة والشقاوة (واللتان هما نتيجة افعال الإنسان الإختيارية) لو نظرنا اليهما قبل ارادة الإنسان فنسبتهما للإنسان نسبة الإختيار والإمكان ولو لاحظناهما بعد إرادة الإنسان وسائر العلل فانّ نسبتهما للإنسان ضرورية وحتمية.

واللَّه جلّ وعلا يعلم ماذا سيكون بعد وجود ارادة الإنسان وسائر العلل والقضاء الالهي يعني العلم والحكم الإلهي انما هو من جهة هذه العلل التامة.

إذن اللَّه جلّ وعلا عالم بالعلل التامة والقضاء والحكم الإلهي نافذ واللَّه سبحانه عالم بالسعادة والشقاوة التي ينتخبها الإنسان وانّه يقضي ويحكم على فعله بعد اختياره له والقضاء الحتمي الإلهي هو العلم الإلهي وهو ليس منافيا لإختيار الإنسان في افعاله ولا مع السعادة والشقاوة اللتين هما تابعتان لافعال الإنسان، فانّ عمل الإنسان وفعله اختياري وهو الذي ينتخب السعادة والشقاوة لنفسه.

ص: 20


1- -اصول الكافي، 152/1
2- -اصول الكافي، 153/1هامش 1

(اقول: ان المؤلف قد ارتضی قول السيد الطباطبائي في المقام وذلك باطل من جهات:

الاولی:انه خلط بين باب السعادة والشقاوة وباب الطينة.

الثانية: يقول السيد الطباطبائي: "ان نسبة الانسان بلا ارادة الی فعله، هي نسبة المعلول الی العلة الناقصة وهي الامكان"، و هو غير صحيح، لان نسبة المعلول الی العلة الناقصه هي الامتناع لا الامكان، فيدور الامر علی تفسيره بين الوجوب والامتناع وهو عين القول بالجبر لا الاختيار .

الثالثة: ان نسبة الانسان لنفس ارادته ايضا ً عند السيد الطباطبائي هي اما النسبة الی العلة التامة فواجبة، واما النسبة الی العلة الناقصة فممتنعة، وبالنتيجة فلا يبقی مع ذلك للانسان اي اختيار حتی في نفس ارادته.

الرابعة: ان تفسير القضاء الالهي بعلمه تعالی باطل.

الخامسة: ان عمل الانسان يبتني علی اختياره .السادسة: يصرح الطباطبائي في كتبه بان تفسير القدرة والاختيار بمعنى انه يمكن الانسان ان يفعل وأن لا يفعل ان هذا التفسير في نظره غلط.

السابعة: ان الانسان في افعاله - طاعة كانت او معصية - هو الفاعل التام لا انه جزء العلة.

الثامنة: القول بوجوب صدور فعل الانسان وحصوله بالضرورة، هو نفس القول بالجبر. كما ان القول بانّ قضاء اللَّه جلّ وعلا وحكمه بالسعادة والشقاوة في حق كلّ انسان بحيث يكون غير قابل للتبديل والتغيير، يكون باطلا وقولا بكون يد الله تعالی مغلولة، تعالی الله عن ذلك.

التاسعة: اذا كان معنی كلام الإمام عليه السلام هو انّ اللَّه سبحانه وتعالى يعلم العلل التامة التي توجب السعادة والشقاوة في حق الإنسان، فاي مجال واي معنی لحكمه تعالی بذلك، وهو يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد؟!

ص: 21

والصحيح في حل مشكلة احاديث الطينة هو ان يقال ان الله تعالی علم ان المؤمن يؤمن باختياره فخلقه من طينة عليين، وعلم ان الكافر يكفر بسوء اختياره فخلقه من طينة سجين ، ولا يكون ايمان المؤمن ولا كفر الكافر من آثار طينتهما جبراً وبلا اختيار منهما. المترجم)

كلام الطباطبائي في الميزان

من الواضح انّ الهداية والضلالة أمران اختياريان وانّ اللَّه جلّ وعلا لا يجبر الإنسان على الهداية أو الضلالة ولو انّ التوفيق وسلب التوفيق اللذين يختارهما الإنسان يظهران هنا ويعدان من المقتضيات والمحركات ولابدّ من البحث عنهما مستقبلا ولا ربط لهما بمسألة الجبر والإختيار للطباطبائي حول هذه الآية المباركة (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِأَجْمَعِينَ) كلام في الميزان غير صحيح من وجهة نظرنا فانّه يقول في(1) معنى الآية المباركة:

أي لوشئنا أن نعطي كلّ نفس - أعم من المؤمنة والكافرة - الهدى الذي يختص بها ويناسبها لاعطيناه لها بأن نشاء من طريق اختيار الكافر وارادته ان يتلبس بالهدى من طريق الإختيار والإرادة - كما شئنا في المؤمن كذلك - فتلبّس بالهدى باختيار منه وإرادة من دون أن ينجرّ إلى الالجاء والإضطرار فيبطل التكليف ويلغو الجزاء.(2)

نقد وتحقيق

الهداية الإجبارية على أقسام مثل الهداية نتيجة لنزول العذاب والمصائب الشديدة والهداية الحاصلة بواسطة التصرف في ارادة الإنسان واختياره و...

ص: 22


1- -السجدة/ 13
2- -الميزان، 266/16

وكلام الطباطبائي - هنا - حول الكافر صحيح يعني انّ اللَّه جلّ وعلا لو أراد اجبار الكافر على الهداية فانه يتصرف بارادته وهو يضطر إلى الهداية ولا يضل اصلا.

وظاهر كلام السيد الطباطبائي حول هداية المؤمن انّه كذلك يعني انّ اللَّه جلّ وعلا قد تصرف في ارادة المؤمن وجعله ينتخب طريق الهداية.

ومن الواضح انه لا يمكن ان نقبل هذا الكلام بل الكل - المؤمن والكافر - كلاهما مختاران وبامكان كل انسان أن يختار الهداية أو الضلالة وهنا يكون معنى للثواب والعقاب والجنّة والنار و...

طبعا لو لم يكن في كلام السيّد الطباطبائي كلمة «شئنا» لكان كلامه صحيحا لكن وجود هذه الكلمة في عبارته »كما شئنا في المؤمن كذلك« اصبح المعنى المتبادر في الذهن غير صحيح.

تذكير لقد تقدم قبل ذلك انّ ملاصدرا - هنا كان متمايلا للقول بالجبر وكان معتقدا انّ اللَّه جلّ وعلا لأجل اصلاح الدنيا (وبقول ابن عربي لأجل أن تأخذ كلّ الإستعدادات الصالحة رشدها ومراتبها وكذلك الإستعدادات الطالحة مع كلّ مراتبها أن تتجلى في كلّ مظاهر الخير والشرّ) لابدّ أن(1) يخلق قسما من الناس (لأجل أن يتكامل العالم ويأخذ رشده في جميع ابعاد القبح والحسن ويتكامل من جميع الجهات الصالحة والطالحة).

قسم من أهل العرفان ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتقدوا انّ الإنسان شأن من شؤونات الحقّ سبحانه وتعالى وطور من أطواره ومع هذا الإعتقاد فلا توجد حقيقة

ص: 23


1- -راجع تفسير القرآن الكريم (ابن عربي) 276/2

ولا موجود مستقل كزيد وعمر وحينئذ لا معنى للإختيار هنا حتّى يصل الكلام إلى الجبر والتفويض.(1)

قواعد المعارف العقلانية الوحيانية الاستاذ ابو علي الخراساني

تقسيم الوجود والموجود

إن الموجود من حيث سنخ الذات وحقيقة الوجود يكون علی قسمين:

ص: 24


1- -راجع كتاب «علي بن موسى الرضا والفلسفة الإلهية» ص 159

الاول: ما يكون ذا مقدار - اي ذا امتداد, متناهيا فرض او غير متناه - وذا أجزاء وعدد، وهو ما نسميه ب-: "الحقيقة المتجزية" و:"الموجود الامتدادي"، و:"الماهية العددية".

الثاني: ما يكون علی خلاف الاول وهو ما نسميه ب- "الحقيقة المتعالية عن الامتداد والاجزاء".

القسم الاول من هذين القسمين يكون موجودا بالضرورة، ولا خلاف في ذلك إلا من جانب السوفسطائيين والذين يقولون ب- "أن العالم متوهم وليس له وجود حقيقي، ولا تعدد ولا تكثر ولا أجزاء لحقيقة الاشياء التي نشاهدها بأعيننا".

ولكل من القسمين المذكورين أحكام خاصة به وهي كلها بديهية أو قريبة منها، نقدم قبل ذكرها البرهان علی اثبات وجود الخالق المتعالي وتوحيده.

قواعد المعارف العقلانية الوحيانية

إنا وعدنا أن نذكر قواعد عامة هي مباني البحث عن ما تقدم من البرهان علی اثبات وجود الباري تعالی ومعنی توحيده جل وعلا؛ وما يأتي من المباحث الكاشفة عن اوهام المتوهمين في مباحث الالهيات.

القاعدة: 1. كل ما يكون عدديا فهو (وهو المسمی ب-: "الحادث" و"الممكن" وذلك حيث إنه لا يمكن فرض زيادة شيء عليه إلا بعد أن تكون تلك الزيادة قابلة للوجودوالعدم وحادثا بعد ان لم يكن) قابل لفرض الزيادة عليه والنقصان منه، لان قبول الزيادة والنقصان ذاتيان للعدد.(1)

ص: 25


1- . إن قلت: ما هو وجه العدول عن عنوان: "ممكن الوجود" إلى عنوان: "كون الشيء مقداريا عدديا متجزيا"؟! قلت: إن ألفاظ "الممكن" و"الواجب" و"الحادث" و"القديم" و... إن لم نميز كل واحد منها من الاخر بإرائة ملاك حقيقي يكون سبب الفرق بينها، لأصبحت ألفاظا فارغة وتعاريف صرفة، بل عناوين مضلة كما قد ضل بها كل من غفل عن ذلك وجهل أن ملاك كون المخلوق مخلوقا والممكن ممكنا هو كونه ذا مقدار وأجزاء وأبعاض وعدد - كما أن ملاك كون الخالق خالقا غير محتاج إلى غيره هو نفس كونه متعاليا عن المقدار والأجزاء والأبعاض -. وبالجملة إن كون الشيء مقداريا عدديا متجزيا هو ملاك إمكانه، كما أن الآية الواضحة الدالة على كونه كذلك هو كونه قابلا للزيادة والنقصان. والالتفات إلى هذا الملاك يحفظ الباحث عن الوقوع في اخطاء كثيرة وقع فيه كثيرون كالقول ب- : "وحدة وجود الخالق والمخلوق"، و"عدم إدراك معنى التباين ونفي السنخية بين الخالق والمخلوق كما ينبغي"، و"تحريف معنى توحيد الباري جل وعلا إلى غير حقيقته"، و"الاعتقاد بكون ما سوى اللّه تعالى شأنه قديما أزليا"، والاعتقاد ب-"صدور الأشياء عن ذات الخالق المتعال، وظهوره جل وعلا بصور الأشياء المخلوقة"، و"الجبر"، و"التشبيه"، و"وجوب كون المعطي واجدا"لما يعطيه، و"وجوب كون الخالق والمخلوق سنخا واحدا" و"تأويل معنى الإرادة إلى العلم والرضا والابتهاج"، و"تحريف معني العلم إلى الوجود" و...؛ فإن كل هذه الأخطاء الواضحة تكون من نتائج عدم الوصول إلى ملاك إمكان الأشياء كما هو حقه. إن قلت: لم لا تجعل ذلك الملاك كون الشيء زمانيَا مكانيَا مكيّفا وأمثال ذلك؟! قلت: إن كون الشيء مقداريا متجزيا هو الملاك لكونه متصفا بهذه العناوين، فهو الأصل الجامع وكل ما سواه فرع له ويكون من صفاته وأحواله وأبعاد وجوده.

القاعدة: 2. كل ما يقبل الزيادة والنقصان فهو علی كم خاص بين ما يمكن أن يزاد عليه أو ينقص منه، وذلك لاستحالة فرض الابهام في متن العينية والواقع.

القاعدة: 3. إن موضوع الكم - متصلا كان أو منفصلا - هو الحقيقة ذات الاجزاء - وذلك لبداهة استحالة فرض التعدد والتكثر والزيادة والنقصان فارغا عن وجود الاجزاء - ولا فرق بين الكم المتصل والمنفصل من جهة الملازمة البينة بينهما وبين وجود الاجزاء، وذلك أن موضوع كليهما واحد من حيث سنخ الذات بالوجدان، حيث إن موضوعهما هو الشيء ذو الاجزاء القابل للانقسام والمساواة والمفاوتة -

ص: 26

وهو الكم مطلقا - إلا أنه إذا كان بين بعض أجزاء الشيء انفصالا وافتراقا فهو كم منفصل باعتبار ذلك الانفصال فقط وإلا فهو كم متصل.

القاعدة: 4. كل ذي مقدار وأجزاء فهو مكيف لاستحالة خروج الشيء المقداري عن كيف خاص بالبداهة.

القاعدة: 5. إن الموجود المقداري من الممكن أن تتبدل عليه الاحوال ويكون علی خلاف ما هو عليه من الكم والكيف اللذين خص بهما وجوده، أما الموجود المتعالي عن المقدار والاجزاء فهو علی خلاف ذلك فلا شأنية له لذلك موضوعاً.

القاعدة: 6. تخصيص الاشياء بكم وكيف معينين لا يكون باقتضاء ذاتهما وذلك لبداهة إمكان خروج كل شيء من كمه وكيفه المعينين فلا يكونان ذاتيين له.

القاعدة: 7. حيث إنه يصح فرض سلب الوجود عن كل ما نجده فلا يكون وجوده باقتضاء ذاته بل بإيجاد غيره وهذه هي آية امكانه، وعليه فكل ما نجده ونعرفه فهو ممكن الوجود.

القاعدة: 8. إن الثبوت والوجود لشيء إن كان له بنفسه لكان فرض عدمه محالا، لأن الشيء لا يمكن أن يتحول عما هو ذاته، فإن ذلك يساوي خروجه عن ذاته وهو محال. وحيث إنا لا نجد شيئا الا وأنه يمكن فرض عدمه فلا يمكننا معرفة الشيء الموجود بنفسه.القاعدة: 9. كل ما لا يكون موجودا بنفسه فهو يكون ممكنا موجودا بغيره. ومعني كونه بغيره هو كونه موجودا بإيجاد غيره لا من شيء ومخلوقا له، لا ما حرّف من معناه الحقيقي إلی معنی: "الوجود الربطي" الذي يكون في الحقيقة بمعنی: "كون الشيء جزءا لغيره وموجودا في حيطة غيره". والدليل علی ذلك هو أن العلة الموجدة إما أن توجد الشيء وهو موجود فذلك محال لانه تحصيل الحاصل. وإما أن توجده وهو معدوم فهو محدث ومخلوق لا من شيء.

ص: 27

إن قلت: إن العلة الموجدة تفعل الوجود أزلا وتوجد الاشياء في كل حين بعد حين.

قلت: أولا: إن هذه كلمة فارغة المحتوی، وهي متناقضة في نفسها لا يتصور لها معنی صحيح معقول، حيث إن واقع ذلك لا يكون غير القول بأزلية وجود الاشياء وعدم افتقارها إلی غيرها في الحقيقة.

ثانيا: إن تلك الايجادات - وهي حقيقة عددية تقبل الزيادة دائما - إما أن تكون لها أفراد متناهية أم غير متناهية، فإن كانت متناهية فهي محدثة ومخلوقة لا من شيء، وإن كانت غير متناهية فهو محال لما يأتي من أن وجود ما لا يتناهي محال مطلقا.

ثالثا: إن ذلك الفرض يبتني علی القول بكون الزمان مركبا من أجزاء لا تتجزء وهو باطل.

رابعا: ان كل ما يمكن فرض عدمه يكون بالغير في أصل وجوده.

خامسا: إن تجرد وجود الاشياء من الصفات والكيفيات محال، فإذا كانت الصفات والحالات حادثة ومتناهية كما يأتي لكان اصل وجودها حادثا.

سادسا: إذا كان إيجادات الخالق المتعالي غير متناه فكل إيجاد منه تعالی يتوقف علی انقضاء ما لا نهاية له من الايجادات وانقضاء ما لا نهاية محال.

القاعدة: 10. كل ما يكون بغيره فهو حادث.ومعنی كون الشيء حادثاً هو كونه ذا ابتداء في الوجود، لا ما حرِّف من معناه الحقيقي إلی معنی "الحدوث الذاتي" الذي يكون المقصود منه في الواقع: "كون الشيء جزءا لغيره" أو كونه: "من لوازم وجود غيره".

القاعدة: 11. كل موجود مقداري يكون مخلوقاً وموجوداً بإيجاد غيره، وذلك لاستحالة خروجه عن الكم والكيف من جهة، وعدم اقتضاء شيء مما له من الكم والكيف بذاته من جهة أخری، وحينئذ فتخصّصه بكم أو كيف خاص بلا فاعل يخصّه بذلك يكون ترجّحا من غير مرجح.

ص: 28

القاعدة: 12. العدم لا يكون موجداً ومحدثاً ومؤثرا.(1)

القاعدة: 13. لا يمكن أن يكون شيء فاعلا وموجداً لمثله، لانه من مصاديق "زيادة الشيء علی نفسه بنفسه"؛ بل لبداهة استحالة خروج الشيء عن حدود أجزائه المعينة لشخصه والمحققة لاركان وجوده. فلا موضوع للدور والتسلسل.(2)

القاعدة: 14. "الماهية العددية" و"الموجود المقداري" - وهو كل ما سوی اللّه تعالی - لا يكون إلا زمانيا مكانيا، وذلك لبداهة امتناع الكم والكيف والاحداث والايجاد إلا بما يكون عدديا مقداريا زمانيا مكانيا، بل يمكن أن يقال: "إن كون الشيء زمانيا مكانيا هو نفس كونه مكمّما مكيفا محدثاً مخلوقا باقيا".

القاعدة: 15. إن الموجود المقداري المتجزي إن كانت مقداره منتهيا إلی قدر معين وأجزاؤهُ محدودةً بحد خاص فهو متناه؛ وإن كانت أجزاؤهُ غير محدودة بحد فهو غير متناه، وعليه فإن موضوع اتصاف الشيء ب- : "التناهي وعدمه" هو "الماهية العددية" و"الحقيقة المقدارية المتجزية"، وهما ك- : "ملكة وعدم" لها، وأما ما لا أجزاء له فلا شأنية له للاتصاف بذينك موضوعاً. وقد اعترفت الفلسفه بذلك وقالتالنهاية واللا نهاية من الاعراض الذاتية التي تلحق الكم (شرح الاشارات ج/3 ص 176) وقالت ايضاً: الكم عرض ... ويختص الكم بخواص ... الخامسة النهاية و اللانهاية (بداية الحكمة ص 77 )

القاعدة: 16. اللا متناهي موهوم ووجوده محال(لايخفی ان الذات الالهية المقدسة خارجة موضوعاً عن الكم لما عرفت من ان النهاية و اللانهاية من عوارض الكم و مختصاته و كما هو معلوم فان الذات الالهية المقدسة لاتوصف بالكم) حتی في مورد الحقايق المقدارية المتجزية، وذلك _ بعد بداهة استحالة الابهام في متن الواقع والعينية _ أن الحقيقة المقدارية هي قابلة للزيادة عليها في أي حد فرض وجودها،

ص: 29


1- . قال الله تعالی: أم خلقوا من غير شيء؟!
2- . قال الله تعالی: أم هم الخالقون؟!

فتكون متشخصة محدودة دائما، وهذا الموجود إن صح أن يسمی ب- : "غير المتناهي" فهو "اللا متناهي اللا يقفي"؛ والانسب تسمية ذلك ب- : "المتناهي اللا يقفي"، وهو ما يكون محدوداً دائما ولكن لا يجب الوقوف علی حد خاص من فرض وجوده، حيث إنه في أي حد فرض وجوده فهو قابل لفرض الزيادة عليه.

دليل آخر (علی استحالة اللامتناهي والتسلسل وهو): أن الحقايق المقدارية - وهي كل ما سوی اللّه تعالی - يستحيل أن تكون غير متناهية، وذلك لاستحالة تعلق الفعل بما لا يتناهی، وقد بينا أن المقادير كلها مخلوقة محدثة موجودة بإيجاد غيرها.

دليل ثالث: كل متجزء متناه وذلك للزوم النسبة بين كل الشيء وجزئه. فإذا كانت مثلا نسبة جزء شيء الی كله واحدا من المأة فالكل أيضا يساوي مأة أضعاف ذلك الجزء المحدود، وإذا فرض كله غير متناه فيجب أن يكون جزئه أضعف وأقل منه بمقدار غير متناه، فيصبح الجزء منه معدوما ولا شيء، واذا أصبح كل جزء منه لا شيء فيصبح كله أيضا معدوما ولا شيء!

دليل رابع: انا ننقص مما فرضناه غير متناه: مقدارا معينا فإن كان ما بقي منه يساوي المقدار الاول لزم تساوي الزائد والناقص، وإن كان أنقص منه فهو متناه، والمفروض الاول يزيد عليه بمقدار متناه فهو أيضا يكون متناهيا.دليل خامس: اذا فرض الشيء غير متناه فلا يوجد جزء ولا فرد ولا مرتبة ولا حصة (ما شئت فسمّ) من وجوده الا بعد انتهاء ما لايتناهی من ذلك حتی تصل النوبة الی وجوده، وانتهاء ما لايتناهی محال فلا يوجد منه شيء، فيصبح معدوما مطلقا فضلا عن ان يكون غير متناه!

القاعدة: 17. إن كل ما نراه ونحسه، بل إن كل ما نتصوره ونتوهمه يكون قابلا لتصور مثله ولفرض الزيادة عليه بالضرورة والوجدان، وحيث قد ثبت أن كل ذلك يكون قابلا لطرفي الوجود والعدم، فلا يكون شيء من الوجود والعدم ذاتيا لشيء مما يمكن أن ندركه أو نتصوره، وحيث إن كل ما يتصف به الاشياء من الاحوال

ص: 30

والاوصاف والحالات يكون فرعا لوجودها فلا يكون شيء من تلك الاوصاف بذاتي لشيء مما يمكن أن نراه أو نحسه أو ندركه أو نتوهمه ونتصوره. وعلی هذا فإن كان هناك شيء متعال عن قبول الوجود والعدم وأجل مما يمكن أن يعرضه الوجود فلا بد وأن يكون خارجاً عما يمكن أن نراه ونحسه ونتصوره ونتوهمه وندركه بذاته.

فما يعد عند الباحثين ذاتيا لا يكون في الواقع ذاتيا، بل يكون كل ذلك ذاتيا مشروطا، والذاتي المشروط هو العرضي نفسه فلا تغفل. وذلك كضرورة الوجود لكل ما يمكن أن يوجد بشرط أن يكون موجوداً، وكالزوجية لبعض العدد بشرط كونه زوجا، وكالقيام لشخص بشرط كونه قائما.

إن قلت: العرضي هو ما يمكن سلبه عن الذات مع بقاء الذات، قلت: بل العرضي هو ما يمكن سلبه ورفعه، غايته إذا كان هو من عوارض الشيء الموجود فيكون الموجود بعد رفع العارض باقيا، وإذا كان نفس الوجود فلا معنی لبقاء الشيء بعد سلب الوجود العارض القابل للسلب عنه.

فتحصل مما ذكرناه أن الذاتي يكون علی قسمين:ألف: "الذاتي بشرط" كالزوجية لبعض الاعداد بشرط كونه زوجاً، وكالقيام لزيد بشرط كونه قائماً (ويسمی ذلك بالضروري بشرط المحمول) وكالكم والكيف والوجود للاشياء المقداريه بشرط وجودها، كل ذلك يمكن سلبه عن الاشياء بانتفاء الشرط أو بانتفاء الوجود، وليعلم أن كل ما يمكن تصوره يكون داخلا في هذا القسم.

ب: "الذاتي مطلقا" ولا يوجد مثال لهذا القسم في ما يمكن تصوره، فهو بخلاف كل ما يتصور ويتوهم، ولا يعرف إلا: ب-"أنه شيء بخلاف الاشياء كلها" كما يأتي.

القاعدة: 18. إن الذاتي هو ما لا يمكن سلبه عن الشيء، وعليه ف-"الذاتي بشرط" لا يكون ذاتيا في الحقيقه، حيث إنه ينتفي بانتفاء الشرط، مضافا إلی أنه لو كان الذاتي

ص: 31

بشرط ذاتيا لم يوجد لغير الذاتي مصداق أبدا. وعلی هذا فالذاتي المشروط هو العرضي نفسه، فينحصر مصداق الذاتي الحقيقي بالذاتي المطلق.

القاعدة: 19. لا يعقل وجود واسطة بين: "الموجود المقداري المتجزي" و: "ما يكون بخلاف ذلك"، بداهة استحالة ارتفاع النقيضين.

القاعدة: 20. الموجود المقداري المتجزي لا يمكن أن يكون بسيطاً بلا أجزاء، بداهة استحالة اجتماع النقيضين، بل لا بسيط مطلقاً، وذلك أن الاتصاف بالبساطة والتركّب يكون من شؤون الذات المقداري موضوعا، وأما ما يتعالي عن المقدار والعدد فلا شأنية له للاتصاف بالبساطة والتركب موضوعاً.

اصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

العدد الثالث

بحث مختصر حول اصول التفكير الصحيح للوصول الی المعرفة الصحيحة.

المعرفة عند الفلاسفة

ص: 32

ينقسم العلم كما هو المعروف الی قسمين:

حصولي وحضوري ويعتقد ملاصدرا واتباعه ان العلم الحصولي يرجع الی العلم الحضوري بمعنی ان المحكي الذي تحكي عنه الصورة الذهنية حاضرة لدي النفس وليس شيئاً خارجاً عنها بل هو عين انفسنا فالشئ المنعكس في النفس لابد وان يكون منعكساً عن امر حاضر للنفس فانه من المحال ان ينعكس عن شئ غائب عن النفس ولذا فهم يعتقدون بان العلم الحصولي مسبوق بالعلم الحضوري فعلمنا بالنار الحارة والماء الصافي حصل لنا من النار والماء الموجودين بذاتيهما في انفسنا.

يقول السفسطائيون ايضاً ان المعلوم الحقيقي لنا ليس الا الذي ندركه لا غير ولايمكن اثبات شئ خارج عن ماوراء ما ندركه الفلاسفة تارة يقولون ان العالم وما فيه من اشياء ليس وجوده مجرد تصورات وصور موجودة في انفسنا بل ان حقائق الاشياء تكون من وراء هذه الصور المنعكسة عن الحقائق والاشياء الواقعية وتارة اخری يقولون ان تلك الاشياء الواقعية لها حضور في ذواتنا وانفسنا بمعنی ان وجودها عين وجودنا حسب نظريتهم من اتحاد العقل والعاقل والمعقول.

توضيح النظرية:ان الفلاسفة اولاً: تقطع الارتباط كاملاً بين الصور المعقولة وبين العالم الخارجي بل وحتی الصور المنطبعة في عمق الانسان ويرونها حقائق مستقلة بدليل ان النفس عندهم مجردة والارتباط بين المجرد والمادي محال نعم لها معدات وهي العلل المادية الا ان الارتباط محال كما صرح بذلك السيد الطباطبائي في النهاية حيث قال «هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومه بالذات وانما هي امور مادية معده للنفس

ص: 33

تهيؤها لحضور الماهيات الخارجيه عندها بصور مثالية مجردة غير مادية بناء علی ما سيتبين من تجرد العلم مطلقا.» (1)

وثانياً: لا احتياج الی مطابقة الصورة لما في الخارج بعد عدم وجود للخارج بل لااحتياج للمطابقة والواقع الموضوعي اصلاً لان الصورة عين الحقائق والاشياء ولا حكاية في البين.

ولا يخفی ان اللازم من كلامهم هذا اولاً: هو السفسطة وانكار العالم الخارجي كما اعترفوا هم حيث قالوا: ان القول بالمغايرة بين الصور المعقولة وذوات الاشياء من العالم الخارجي يستلزم السفسطة فقال في النهاية «وقد عرفت ايضاً ان القول بمغايرة الصور عند الحس والتخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفك عن السفسطة»(2)

ويقول ابن عربي:

فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل والكل متخيل وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد فالفيلسوف يرمی به وأصحاب أدلة العقول كلهم يرمون به وأهل الظاهر لا يقولون به نعم ولا بالمعاني التي جاءت له هذه الصور ولا يقرب من هذا المشهد إلا السوفسطائية غير أن الفرقبيننا وبينهم إنهم يقولون إن هذا كله لا حقيقة له ونحن لا نقول بذلك بل نقول إنه حقيقة ففارقنا جميع الطوائف.(3)

ص: 34


1- 1-نهاية الحكمة ص 52
2- - النهاية ص 52
3- -1الفتوحات 5/ 525.

هذا مضافاً الی التناقض في كلامهم ايضاً فقالوا بمغايرة الوجود الذهني للوجود الخارجي فقال في نهاية الحكمة «المعروف من مذهب الحكماء ان لهذه الماهيات الموجودة في الخارج المترتبة عليها اثارها وجوداً آخر لاتترتب عليها فيه اثارها الخارجية بعينها وان ترتبت اثار اخر غير اثارها الخارجية وهذا النحو من الوجود هو الذي نسميه الوجود الذهني وهو علمنا بماهيات الاشياء(1).

مع انك قد عرفت اعتقادهم باتحاد العقل والعاقل والمعقول وعدم المغايرة بين العاقل والمعقول.

اقول: هذه خلاصة نظرية الفلاسفة حول العلم والمعرفة وقد عرفت انها عين السفسطة وانها انكار للواقع حسب اعترافهم وماذلك الاتناقض منهم وقد اورد عليها عدة اشكالات نذكر هنا نقد بعض المحققين حيث قال ما خلاصة ترجمته:

«ويرد علی هذه النظرية الفلسفية عدة اشكالات

الاول: ان الماهيات في عرض الوجود ومن المستحيل ان يكون موطن الماهيات منفكاًعن الوجود فكلما حصلت ماهية من الماهيات فانما هي متحدة مع الوجود في الذهن لا ان وجودها في الخارج ونفس الماهية بعينها في الذهن وحينئذٍ فلابد من لزوم السفسطة لان عينية الماهية للخارج قد ذهبت وارتفعت كما قال بذلك الطباطبائي «ولو كان الموجود في الذهن شبحاً للامر الخارجي نسبته اليه نسبتهالتمثال الی ذي التمثال ارتفعت العينيّة من حيث الماهية ولزمت السفسطة لعود علومنا جهالات»(2)

وقال ايضاً « وقد عرفت ان القول بمغايرة الصور عند الحس والتخيل لذوات الصور التي في الخارج لا ينفك عن السفسطة »(3).

ص: 35


1- 2- ص45
2- - النهاية ص 47
3- - النهاية ص 52

فان حقيقة السفسطة هي ارتفاع العينية بين الامرين وما قالوا لايختلف عن القول بالشبحية « وفي الحقيقة ان اعتقاد الفلاسفة هنا عين القول بالشبحية وان امتنعوا عن التسمية بهذا الاسم » .

مضافاً الی ان الاعتقاد بالعينية في الماهية في وجودين (الذهني والخارجي ) وفي موطنين الذهني والخارج يستلزم تعدد الواحد وهو غير معقول كما قال :

ولو كان الحاضر لذواتنا عند علمنا بها هو ماهيه ذواتنا دون وجودها والحال ان لوجودنا ماهيه قائمه به كان لوجود واحد ماهيتان موجودتان به وهو اجتماع المثلين وهو محال فاذن علمنا بذواتنا بحضورها لنا وعدم غيبتها عنا بوجودها الخارجي لا بماهيتها فقط وهذا قسم آخر من العلم ويسمي العلم الحضوري(1).

ونقول واللازم من هذا الكلام المتقدم من ان ماهيتنا بلا وجودنا حاضرة في ذاتنا : ان الوجود والماهية الواحدة لها وجودان وماهيتان وذلك لان وجودنا له ماهية قائمة به ومن الواضح ان هذا الكلام عام وجار في كل الموارد وشامل للوجود الذهني الفلسفي وهذا الاشكال غير قابل للحل والجواب.

توضيح ذلك: ان في كل مورد حصلت الماهية ولم تكن قائمة بوجودها بل قائمة بوجود اخر في موطن اخر خارج عن الذهن فيلزم من ذلك ان الوجود الواحد لهماهيتان ولهذا السبب اضطر الفلاسفة بان يقولوا ان منشأ العلم الحصولي هو حضور ذي الصورة يعني العلم الحضوري وان حقيقة وجود الاشياء ليست الا ذلك الشيء القائم بانفسنا وانقسام العلم الی حصولي وحضوري انما هو في ابتداء الامر ولاواقع له يقول الطباطبائي بعد تقسيمه للعلم الی حصولي وحضوري(2) : «هذا ما يؤدي اليه

ص: 36


1- - ص294
2- - النهاية ص 294

النظر البدوي من انقسام العلم الی الحصولي والحضوري والذي يهدي اليه النظر العميق ان الحصولي منه ايضاً ينتهي الی علم حضوري »(1) .

ونقول ايضاً لابد لهم من التراجع من الاعتقاد بالعلم الخارجي والوجودات المادية والجسمانية ولابد من الاعتقاد بان المعلوم انما هو موجود مجرد عن المادة هو المبدأ الفاعل لوجوده والبحث عن الحقيقة فيما وراء ذلك المجرد الحضوري وهم او اضطرار عقلي حسب تعبير السيد الطباطبائي حيث قال «وانما هو الوهم يوهم للمدرك ان الحاضرة عنده حال الادراك هو الصورة المتعلقة بالمادة خارجاً ... فالمعلوم عند العلم الحصولي بامر له نوع تعلق بالمادة هو موجود مجرد هو مبدأ فاعلی لذلك الامر واجد لما هو لكماله يحضر بوجودها الخارجي للمدرك وهو علم حضوري ... وبتعبير اخر العلم الحصولي اعتبار عقلي يضطر اليه العقل مأخوذ من معلوم حضوري هو موجود مثالياو عقلي حاضر بوجوده الخارجي للمدرك وان كان مدركاً من بعيد»(2) وانما هو الوهم يوهم للمدرك ان الحاضر عنده حال الادراك هو الصوره المتعلقة بالمادة خارجا ... فالمعلوم عند العلم الحصولي بامر له نوع تعلق بالماده، هو موجود مجرد هو مبدأ فاعلی لذلك الامر، واجد لما هو كماله، يحضربوجودها الخارجي للمدرك وهو علم حضوري... هو موجود مثالي او عقلي حاضر بوجوده الخارجي للمدرك وان كان مدركا من بعيد(3).

ونقول: انه مع الالتفات الی معنی العلم الحضوري يظهر التناقض الواضح بين هذا الكلام المتقدم وبين كلامهم من ان « العلم » حضور شيء لشيء »(4)

ص: 37


1- - النهاية ص 294
2- النهاية ص 297
3- نهاية الحكمة ص297
4- النهاية ص 297

وقولهم « علم الشيء بالشيء هو حصول المعلوم... وحصول الشيء وجوده، ووجوده نفسه، فالعلم هو عين المعلوم بالذات، ولازم حصول المعلوم للعالم وحضوره عنده اتحاد العالم به(1).

فمع توضيحاتنا السابقة نجد ان الفلاسفة لم يفرقوا بين معنی العلم والوجود ولم يفرقوا بين العلم الحصولي والحضوري .

ولهم كلام اخر يناقض ما تقدم خلاصته انه من المحال اتحاد العقل والعاقل والمعقول وكذلك انشاء الصور العلمية بتوسط النفس حيث قال « ان هذه الصور العلميه... مفاضة للنفس فلها مفيض ... واما كون النفس هي المفيضة لها الفاعل لها فمحال، لا ستلزام كون الشي الواحد فاعلا وقابلا معا وقد تقدم بطلانه(2).

الثاني: انه لو كانت الماهية الذهنية عين الماهية في الخارج فلا يعقل ان تكون لها اثار متفاوتة ولو كانت غيرها يلزم القول بالشبحية وينسد علمنا بالعالم الخارجي والواقع الموضوعي (كاملاًًًً) وثالثاً : يلزم الدور كما قاله هو « علی ان فعليه الانتقالمن الحاكي الی المحكي تتوقف علی سبق علم بالمحكي، والمفروض توقف العلم بالمحكي علی الحكاية(3). »

يقول: السيد الطباطبائي في رد السفسطائيين الذين يقولون : لا موجود الا انا وادراكاتي: « ويدفعه ان الانسان ربما يخطأ في ادراكاته كخطأ الباصرة واللامسة وغيرها من اغلاط الفكر ولولا ان هناك حقائق خارجية يطابقها الادراك اولا يطابقها لم يستقم ذلك علی ان كون ادراك النفس وادراك ادراكاتها ادراكا علمياً وكون وراء ذلك من الادراكات شكوكاً مجازفة بينة »(4)

ص: 38


1- -نهاية الحكمة ص299
2- -نهاية الحكمة ص307
3- -نهاية الحكمة ص47
4- النهاية ص 313

والجواب اولاً: ان السفسطائي لايعترف بوجود الخطأ في الادراكات وعدم مطابقتها للواقع بل ينكر اصل واقفية العالم ويقول في النقض علی كلام الاخرين ان العلم لو كان مرتبطاً بالواقع لما حصل الخطأ ولكان الخطأ محالاً وهذا النقض من قبل صاحب النهاية لا يرد علی السفسطائي اصلاً .

انه يلزم القول بالمجازفة فانه طبقاً لمباني الفلاسفة لا يمكن اثبات الحكاية لوجود المحكي عماوراء نفس الحاكي توضيح ذلك: ان الانسان لوالتفت الی بعض الاشياء كالماء والشمس والنار فهنا نسأل الفلاسفة ما هي حقيقة هذا الالتفات ؟

والجواب: انها صورة انعكست عن الواقع وهذه الصورة بنفسها وبلا واسطة حضرت في الذهن يعني ان وجودها ووجود الذهن امر وشيء واحد ولو سألناهم ان هذه الواقعية التي انعكست منها الصورة هل لها واقعية خارج الذهن اوانها حاضرة في الذهن ووجودها عين وجود العقل والنفس والذهن؟ يقولون ان منشأ كل علم حصولي علم حضوري والصورة لابدوان يّكون انعكاسا من شئ وصل له العقل والذهن والنفس يعني لابد من حضوره اولاً ومعنی حضور تلك الواقعيات في الذهنوالعقل والنفس انه لاشئ وراء ذلك الحاضر بحيث تكون واقعيته غير واقعية ذلك الشئ الحاضر في النفس والعقل والذهن بل هي شئ واحد لا اشياء متفاوتة وهذا معنی اتحاد العقل والعاقل والمعقول ونقول مع ملاحظة ما تقدم اصبحت الفلسفة عين السفسطة وذلك لان السفسطة نقول لا واقع وراء ذهننا واذا كانت واقعية وراءنا فإنا لانستطيع ادراكها والوصول اليها ولايخفی ان السفسطائي لاينكر واقعية الذهن والفكر والذي تقوله الفلسفة ان الواقعية موجودة الا انها عين ذهننا وانفسنا لا انها شيء خارج عن وجودنا وانفسنا فالسفسطة تقول لانستطيع اثبات الواقع الموضوعي الخارج عن ذهننا والفلسفة تقول ليس من واقع وراء ذهننا وانفسنا وعليه فلا مجال لفرض وجود عالم خارج عن ذهننا ولو بشكل مشكوك ومجهول.

ص: 39

بعد ملاحظة رأي الفلاسفة حول العلم والادراك

يتضح انه لا وجود لشئ خارج عن الذهن والفكر ووجود الانسان . فلا ارض ولاسماء ولاحد ولاحدود بل الوجود اللامتناهي هو حقيقة نفس الانسان التي تحضر في كل شيء والی مالا نهاية ولاشيء خارج عن وجودها، فالصورة موجودة من قبل فما هو الفارق بينها وبين سائر الاشياء الموجودة والحاضرة في الذهن والعقل والتي تعد من العلوم الحضورية؟ وما هو ملاك الفرق بين العلم الحصولي والحضوري ؟

وثالثاً يلزم قيام ماهيتين في وجود واحد ولاجواب للفلسفة عن هذا الاشكال ولابدلها من الاعتراف بان الاعتقاد بالعلم الحصولي لااساس له بل هو مستلزم للتناقض.

الاشكال الاخير:

واخيراً نقول ان الاعتقاد بان الصور النفسية من انشاءات النفس وان الاعتقاد باتحاد العقل والعاقل والمعقول هو بالدقة عين الانكار لقانون العلية البديهي فان الصورة العلمية لو كانت موجودة فكيف يمكن ايجادها من قبل النفس وان لم تكن موجودة ولم يكن لها وجود حقيقي فما معنی انشاءها؟

مضافاً الی ان الصورة مجردةوالتي موطنها النفس فما معنی حدوثها وانشاءها؟

ومن البديهي ان كل شيء يوجد في موطنه فله مكان وكل حادث له زمان وكل ماله زمان ومكان فلا يمكن ان يكون مجرداً.

الاصل الرابع:

ص: 40

مصادر المعرفة هي الحس والعقل والوحيّ؛ كما في كثرة من المعارف، كالشريعة وغيرها.

والوحي والايحاء يحصل بطرق متعددة كتزول جبريل˜ أو تكلم الشجرة لموسی˜، أو من خلال الرؤيا والالهام، وغير ذلك. لكن الوحي لأهله وهم الانبياء والمعصومون صلوات الله عليهم. والوحي دليل لمن تابعهم واعتقد بحقانيتهم وآمن بهم. وأما الالهامات والمكاشفات النفسية والاشراقات الروحية الحاصلة لغير الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم؛ فهي لاتعتبر دليلاً أبداً، وليس لها أي حجية بالمرة، واُورد عليها إشكالات متعددة، وهي باطلة من وجوه: نذكر قسماً منها:

أولاً: ان قسماً من الإلهامات والمكاشفات وما شاكلها؛ حالات نفسيّة وروحيّة لا تمثل بعداً واقعيّاً. وهذه النقطة مهمة جداً، وتحتاج الی توضيح موسّع لايسعها هذا المختصر.

ثانياً: إن الحالات الشهوديّة والنفسيّة لايمكن نقلها للآخرين.

ثالثاً: لادليل علی حجية المكاشفات والالهامات.رابعاً: إذا كانت مخالفة للعقل فهي باطلة مائة بالمائة، وإذا كانت موافقة له، فالحجيّة للعقل(1) وكيف كان فهي علی أقسام؛ إما شيطانيّة، أو نفسانيّة، أو رحمانيّة. وتعين الأخيربلا دليل، وقد دلّنا القرآن الكريم علی شيطانيّة بعض الايحاءات€و إنَّ

ص: 41


1- وهذه المسألة تحتاج الی شرح حول تكامل النفس الانسانيّة وأنه بتطابق مابالنفس وما بالعقل يحصل التكامل الانساني يعني بمتابعة النفس لادراكات العقل العملية والنظرية تشق النفس طريقها نحو التكامل وليس التكامل هو البعد عن جادة العقل والإنصياع نحو مشتهيات ونوازع النفس بل ذاك عين الانحراف.

الشَياطِينَ لَيوحونَ الی أوليَائهِم~ وقال تعالی: €قُل هَل اُنبِؤكُم علی مَن تَنَزَّلُ الشَياطِين تَنَزَّلُ علی كُلِّ أفَّاك أثِيم~.

والحاصل أنه لا يوجد مصدر رابع للمعرفة؛ وهو ما يسمی باشراق الروح أو الإلهامات وما شاكلها. فانحصر الطريق بالحس والعقل والوحي الالهي. ومن هنا تفرق الفلسفة المشّائية عن الاشراقية والتي تقوم علی أساس الايمان بالمكاشفات العرفانية الی صف المصادر الثلاثة المتقدمة، بل وتتقدم عليها في نظر هم؛ كما علم من استدلالاتهم. فالحق والصحيح بطلان الفلسفة الاشراقية.

والمهم في بداية الطريق تشخيص المنهج الصحيح قبل الدخول في مباحث المعرفة وطريقة الاستدلال؛ حيث نجد الفلاسفة يستدلون علی أمر ما ولا يتفطن الباحث إن أساس الإستدلال كان معتمداً علی خلاف ما يحكم به.

العقل بما يحكم به الذوق العرفاني، والاشراق الروحي؛ فيقع الخلط والخبط، وتضيع الحقيقة، ولايُفهم المطلب.

ص: 42

السنخية ام العينية والاتحاد ام التباين؟ من محاضرات القاها الاستاذ السيد جعفر سيدان

في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله

مقدمة المترجم:

«اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:

الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.

الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بناء علی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود وتحققه بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هو الكون والتحقق بوجودالغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق والمخلوق يكون من حيث التعين واللا تعين في عين السنخية بينهما من حيث الكمالات المسماة بالنورية وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.

والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.

ص: 43

الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلين بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها ولكن ساير الاشياء موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.»

المحاضرة الثانیة

الدليل الثاني على السنخية:

اطلاق بعض المفاهيم على الذات الالهية المقدسة والمخلوقات بمعنى واحد.

أحد الاستدلالات القائلين بالسنخية هو اطلاق بعض المفاهيم بمعنى واحد على اللَّه جلّ وعلا والمخلوقات (بنحو الاشتراك المعنوي على الموضوعات) وذلك لأنّ اطلاق المفهوم الواحد على الاشياء المختلفة دليل على اشتراكها في حقيقة واحدة لانّ المفهوم الواحد لا ينتزع من المتباينات بما هي متباينات وعلى هذا فلو حُمِلَ مفهوم واحد بمعنى واحد على اشياء مختلفة يكشف ذلك الحمل عن اشتراك تلك الاشياء في حقيقة واحدة وصنف واحد.فمفهوم الوجود يطلق على اللَّه جلّ وعلا وكذلك يطلق على سائر الكائنات بمعنى واحد فيقال اللَّه موجود، الشمس موجودة، الانسان موجود و... والحاصل انّ اطلاق هذا المفهوم على اللَّه جلّ وعلا والمخلوقات بمعنى واحد دليل على اشتراكها في حقيقة واحدة.

تحقيق ونقد الدليل الثاني

وفي جواب هذا الاستدلال نقول: انّ اطلاق مفهوم واحد بمعنى واحد على اشياء مختلفة في المعقولات الاولية (وهي التي يكون عروض المحمول فيها واتصافه في

ص: 44

الخارج) دليل علی السنخية، اما لو كان المفهوم من المعقولات الثانية (وهي التي لا يكون المحمول فيها له مابازاء فى الخارج بل الموجود في الخارج ذات الموضوع) فلا مانع من اطلاق ذلك المفهوم على حقائق مختلفة أو انتزاع ذلك المفهوم من حقائق متباينة والعقلاء يطلقون هذه المفاهيم التي هي من المعقولات الثانية (مثل مفهوم الماهية والممكن و...) على الموضوعات المختلفة والمتباينة، فعلى سبيل المثال مفهوم العرض يطلق على مقولات متباينة مع بعضها بالتباين الذاتي (مثل الكم، الكيف، الوضع و....) ولا يكون اشتراكها في مفهوم العرض سببا في اشتراك كل الاعراض في حقيقة واحدة.

على هذا يستطيع العقل في بعض الاحيان أن ينتزع مفهوما واحدا من حقائق متباينة (تشترك في معنى معقول واحد يلاحظه العقل) ويطلق ذلك الجامع الانتزاعي عليها وكمثال على ذلك إنّ الذات الالهية المقدسة حقيقة واحدة وبسيطة (المراد هنا من البساطة نفي التركب بتمام المعنى) وتطلق عليها مفاهيم العالم والقادر والحي وفي نفس الوقت المصداق واحد فقط والحقيقة واحدة، كذلك يستطيع العقل من لفظ(طارد العدم) أن ينتزع مفهوما واحدا يطلق على اللَّه جلّ وعلا وسائر الاشياء وذلك لأنّ جميع الموجودات والذات المقدسة كلها نافية للعدم وموجودة ولذا فمعنى طارد العدم يصدق حقيقة على كل هذه الموجودات.والحاصل انّ اطلاق الوجود بمعنى واحد على اللَّه جلّ وعلا والكائنات لايثبت السنخية والاشتراك في الحقيقة وذلك لان الموجود اذا كان من المعقولات الثانية، فاطلاقه على اللَّه جلّ وعلا وسائر الاشياء لايثبت الاشتراك في الحقيقة.

يقول أحد المشاهير في تعلقيته على نهاية الحكمة:

«ويمكن المناقشة في هذه الجهة بأن انتزاع مفهوم واحد عن اشياء كثيرة انما يدل على جهة اشتراك عينية فيها اذا كان ذلك المفهوم من قبيل المعقولات الاولى أي

ص: 45

من المفاهيم التي يكون عروضها كاتصافها في الخارج كما انّ كثرة مثل هذه المفاهيم هي التي تدل على كثرة الجهات العينية.

وأمّا المعقولات الثانية فيكفي لحمل واحد منها على مصاديقه وحدة الجهة التي يلاحظها العقل كما انه يكفي لحمل اكثر من واحد منها على مصداق واحد كثرة الجهات الملحوظة عند العقل وان لم يكن بإزائها جهات متكثرة عينية فلا يدل وحدة المعقول الثاني على وجود جهة عينية مشتركة بين مصاديقه ولا كثرته على كثرة الجهات الخارجية كما يدل وحدة مفهوم الماهية أو مفهوم العرض على جهة وحدة ماهوية بين الاجناس العالية والاّ لزم وجود جنس مشترك أو مادة مشتركة بينها وكما لا يدل تعدد مفاهيم الوجود والوحدة والفعلية على تعدد الجهات العينية في الوجود البسيط الذي لا جهة كثرة فيه».(1)

فالحاصل انّه إذا اطلق المفهوم من المعقولات الاولية على المواضيع المختلفة فانّه يكون علامة على اشتراك تلك المواضيع فيما بينها في جهة الوجود الخارجي وكذلك الأمر في المفاهيم التي تحمل على اشياء إذا كانت متعددة، فانّه دليل على تعدد جهات تلك الاشياء.امّا في المعقولات الثانية فاطلاق المفاهيم المتعددة على مصداق واحد لا يكون عن تعدد وتكثر ذلك المصداق في الخارج كما في المثال المتقدم من اطلاق العالم والقادر والحي على الذات الالهية، لكن المصداق واحد كذلك من الممكن أن يطلق مفهوم واحد (باللحاظ الذي اعمله العقل) على أمور متباينة بلا أن يكون بينها اشتراك في الوجود الخارجي.

وبعبارة أخرى حينما يعبر عن الوجود الواحد البسيط بالوجود والوحدة والفعلية و... فهذه التعابير لا تدل على وجود جهات كثيرة في الخارج كذلك اطلاق المفهوم

ص: 46


1- تعليقة على نهاية الحكمة/ 46

الواحد على الاشياء المختلفة لا يثبت اشتراكها في الوجود الخارجي وبذلك فالدليل الثاني مخدوش وباطل ايضا.

الادلة النقلية في اثبات السنخية:

يستدل في بعض الأحيان لأجل اثبات السنخية ببعض الآيات والروايات والتي نجد من المناسب تحقيق قسم منها هنا:

1- الآيات:

الف: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).(1)

لاجل اثبات السنخية هكذا استفيد من الآية بأنّه كل شخص يعمل على اساس طبيعته وشكله النفسي وعليه فكل عمل يصدر من الانسان فهو مسانخ له وبعبارة أخرى كلّ اناء ينضح بما فيه.

نقد وتحقيق:

لو تأملنا قليلا في الآية يتضح انّ الآية بصدد بيان انّ اعمال الناس تتلون بألوان نياتهم وشكلهم النفسي وبعبارة أخرى يعمل كلّ انسان على وفق نيته وصفاته الروحية (المتمركزة في نفسه) وعلى سبيل المثال اذا ترسخ الحسد أو الكبر في شخصية أحد فان اعماله سوف تكتسب شكلا اساسه الحسد أو الكبر فالآية ليستفي مقام بيان التناسخ والتناسب بل في مقام بيان العمل ومنشأه وصبغته ولاربط للآية بالسنخية اصلا بمعنى اشتراك النية والعمل في حقيقة واحدة.

فشاكلة العمل بعد اتمامه وأخذه سواء كان على اساس الاخلاص أم الرياء ولذا فشاكلة العمل لا تشترك مع النية والصفة النفسية في الحقيقة بل لان النية والصفة النفسية كانت هي المبداء والمنشأ للعمل فالعمل على اساسها يقيم.

ص: 47


1- - الاسراء/84

وببيان آخر الآية الشريفة تعلن انّ اعمال الناس على وفق نياتهم تُفعَل وتُعمَل فإذا كانت النوايا خيرا فالعمل صالح واذا كانت شرا فالعمل طالح ولا توجد اي سنخية بين العمل وبين النية والصفة الروحية.

ب: (فَإِذَا سويتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(1)

وتقرير الاستدلال واضح فقيل انّ تعبير «من روحي» يثبت السنخية بين اللَّه جلّ وعلا والروح إذن هذه الآية لها دلالة واضحة على أن الروح من سنخ الذات الالهية المقدسة فالسنخية موجودة بين اللَّه جلّ وعلا وبين الروح المذكورة (وبتعبير اخر بين العلة والمعلول)

نقد وتحقيق:

جواب هذا الاشكال واضح ايضا فاذا كان الاستدلال بظاهر قوله جلّ وعلا (من روحي) فالمعنى حينئذ انّ اللَّه جلّ وعلا شي ء له روح وروحه قابلة للتقسيم وعن هذه الروح القابلة للتقسيم انفصل جزء وحل في الانسان.

أقول: وبطلان هذا المعنى من الواضحات (الاّ على بعض الافكار التي سيأتي ذكرها).من الواضح انّ اللَّه جلّ وعلا (لم يلد) وهذه من الاصول المسلمة والاعمدة المستقيمة (التي لا اعوجاج فيها) عند الوحي وعلى هذا، فالاستناد الى قوله تعالى (من روحي) ليس صحيحا، وقد فسّر الوحي هذه الآية المباركة حيث جاء في حديث عن المعصوم انّ هذه الاضافة، اضافة تشريفية مثل بيت اللَّه وناقة اللَّه وثاراللَّه و....(2)

ص: 48


1- - الحجر/29
2- - راجع توحيد الصدوق/ 166باب تحت عنوان )معنى قوله عزّوجل: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) فقد نقل ستة روايات في تفسير هذه الآية الشريفة.

وعليه فهذه الآية وغيرها من الآيات لا تدل على السنخية وهنالك بعض الآيات سنطرحها في بحث العينية.

2- الروايات:

هنالك روايات استدل بها على اثبات السنخية بين الخالق والمخلوق الاّ انها حين المراجعة نجدها بوضوح ان لا معنى لها الاّ البينونة فلا دلالة فيها على السنخية فقط بل لها دلالة على التباين ولا معنى يمكن ان يستفاد منها الاّ البينونة بين الخالق والمخلوق.

الرواية الاولى:

احدى الروايات التي استدل بها على السنخية، حديث الامام الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حيث يقول: «نأى في قربه وقرب في نأيه فهو في بعده قريب وفي قربه بعيد».(1)

نقد وتحقيق

لقد كان تعبير الامام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) تعبيرا هاما وجميلا للغاية وقد استند اليه في اثبات السنخية لكنه لا معنى له الاّ البينونة فهذه الرواية والروايات المشابهة لها (والتي هي كثيرة) بصدد الاعلام عن هذه الجهة وهي ان اي نوع من التصورات حولالمفاهيم المرتبطة بالممكنات لاتصدق بل لا يمكن أن تصدق على الذات الالهية المقدسة.

فحول الممكنات اذا كانت قريبة فهي ليست بعيدة واذا كانت بعيدة فهي ليست قريبة، وامّا بالنسبة للَّه جلّ وعلا فيقول الامام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) انّه في نفس الوقت الذي هو قريب بعيد وفي نفس الوقت الذي هو بعيد هو قريب وبعبارة اخرى انّ هذه التعابير تُطَمئِن بالَ الانسان بأن لا يتعب نفسه بلا فائدة.

ص: 49


1- توحيد الصدوق، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 18ص60

الرواية الثانية:

يقول أميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : فارق الأشياء لا على اختلاف الاماكن وتمكن منها لا على الممازجة.(1)

والاستدلال بهذه الرواية هكذا: انّ افتراق الذات الالهية المقدسة عن الاشياء ليس بمعنى ان مكانه جلّ وعلا منفصل عن الاشياء وانه يختلف عن الاشياء ببعده المكاني وحاصل ذلك ثبوت السنخية بينه تعالى وبين الاشياء.

نقد وتحقيق

الجواب واضح والرواية تثبت عكس ذلك وانه تعالى لا يوجد اي نوع من أنواع التسانخ بينه وبين الاشياء اصلا فمعنى قوله(فارق الاشياء) أن لا تتصوروا انّه تعالى في جانب والاشياء في جانب آخر (فالاشياء في مكان وهو تعالى في مكان آخر) بل بمعنى عدم العلم بكيفية افتراقه عن الاشياء (فلا كيفية له جلّ وعلا) فلا يمكنكم أن تتصوروا حينما يقال (فارق اللَّه الاشياء) انه ابتعد عنها كابتعاد شي ء عن شي ء آخروقوله(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) (تمكن من الاشياء) ليس بمعنى امتزاجه بالمكان كسائر الاشياء حيث تحل في المكان واللَّه جلّ وعلا ليس كذلك (وتمكن منها لا على الممازجة).

الرواية الثالثة:

يقول أميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): لم يحلل في الاشياء فيقال هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال هو عنها بائن ولم يخل منها فيقال أين ولم يقرب منها بالالتزاق ولم يبعد عنها بالافتراق بل هو في الاشياء بلا كيفية وهو أقرب الينا من حبل الوريد(2)

ص: 50


1- توحيد الصدوق، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 27ص71
2- - توحيد الصدوق، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 34ص77

نقد وتحقيق

واقعا كما جاء في زيارات الائمة: «كلامكم نور وأمركم رشد» فقد اشتملت هذه الرواية على مطالب كثيرة، فلا تتصوروا انّ اللَّه جلّ وعلا حال في الاشياء (مثل حلول الدهن في اللوز وحلول رائحة الورد في الورد وحلول كلّ شي ء لطيف في شي ء لطيف آخر) ليس عن الاشياء ببعيد حتى يقال هو عنها بائن يعني من جهة المكان (فليس له بينونة مكان وبينونة جهة).

فاللَّه جلّ وعلا قريب لكن لا بمعنى الالتصاق (كالتصاق الثوب بالجسد وكل انواع الالتصاق كثيفة وظريفة لا معنى له هنا) وكذلك اللَّه جلّ وعلا بعيد لا بمعنى الافتراق.

وقد بينا كل مفردات الرواية فنحن موجودون بالغير وهو جلّ وعلا موجود بنفسه ونتيجة هذا التعبير انه جلّ وعلا أقرب من أنفسنا الينا.

(اقول: من أوّل هذا الكلام الی القول الثاني مما اومأنا إليه في مقدمة البحث فسوف يرد عليه الاشكال الذي بيناه هناك- المترجم)

لوازم السنخية الباطلة1- القول بالسنخية يستلزم اجتماع النقيضين

الذي يقول بالسنخية بين الذات الالهية المقدسة والكائنات (وطبقا للاصطلاح: السنخية بين العلة والمعلول) لابد وأن يعتقد باجتماع(1) النقيضين أو يقول بعدم وجود الممكن اصلا كما فعل كثير من الفلاسفة وقالوا ان ممكن الوجود لا وجود له وذلك

ص: 51


1- طبعا ليس المراد من العلة، العلة الاصطلاحية كما سيأتي الكلام عن ذلك مفصلا لكن حيث انّ الدارج هو هذا التعبير فلا اشكال من التعبير به مع التنبيه عليه.

لان السنخية لو كانت(1) موجودة بين المرتبة غير المتناهية والمرتبة الضعيفة فمعنى ذلك هو الاشتراك في حقيقة واحدة وهذه الحقيقة الواحدة بالنسبة الى مرتبتها الضعيفة ليست بواجبة الوجود (بل هي ممكنة الوجود) وبالنسبة لمرتبتها العالية هي واجبة الوجود ولازم ذلك هو اجتماع وجوب الوجود مع عدم وجوب الوجود وهذا هو اجتماع النقيضين وهو باطل.

ولذا لابد وأن يقال انّ المقصود من الممكن هو المرتبة الضعيفة من واجب الوجود وعليه فلا يكون ممكن الوجود بالمعنى الاصطلاحي المعروف بل يكون المراد من ممكن الوجود هي المرتبة الضعيفة من وجوب الوجود (والتي هي تشترك مع أقوى المراتب في حقيقة واحدة بمعنى أنها شي ء واحد وحقيقة واحدة) ويكون البحث هنا عن العينية والاتحاد بين الذات المقدسة الالهية والكائنات الذي سيأتي الحديث عنه مفصلا ونذكر لوازمه الكثيرة الباطلة وانه لا يمكن الالتزام به اصلا بأي وجه من الوجوه.

سؤال: التناقض يشترط فيه وحدة الموضوع؟الجواب: وحدة الموضوع هنا الحقيقة المشتركة بينهما.

سؤال آخر: عدم وجوب الوجود انما هو لوجود الفقير وواجب الوجود انما هو لوجود الغني.

الجواب: نِعَم الكلام، فهذا الكلام هو جواب السؤال فالوجود الفقري (والذي هو حقيقة الفقر) والوجود المستغني (والذي هو حقيقة الغنى) لا يمكن اجتماعهما في

ص: 52


1- - جاء في بعض الكتب والتي قسم منها باللغة الفارسية التصريح بأن الكلام عن ممكن الوجود لاجل التلهي فانّ الكل واجبوا الوجود واذا كان المقصود من الوجوب هو الوجوب بالغير لا بالذات فهذا أمرواقعي وليس من التلهي في شي ء. (ممّد الهمم في شرح فصوص الحكم - حسن حسن زاده آملي).

حقيقة واحدة فاذا قلتم انهما شيئان لا شي ء واحد فقد ثبت المطلوب واذا قلتم في نفس الوقت انهما حقيقة واحدة فسوف يرد عليكم اشكال اجتماع النقيضين.

اقول: من تأوّل هذا الكلام ايضاً الی القول الثاني المذكور في المقدمة التي قدمناها فسوف يرد عليه ما أوردناه هناك من الاشكال - المترجم.

سؤال ثالث: ليست مراتب الوجود مقومة للوجود حقيقة حتى تقولوا هما شيئان في عين كونهما شيئا واحدا ويلزم التناقض بل الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة.

الجواب: تارة نعبر ونريد أن نفر من ذلك التعبير واخرى نعبر ونريد الكشف عن ذلك التعبير وبيان المراد منه وحينئذ نقول شرحا للمسألة: هذه المراتب غير نفس الوجود فهي شي ء آخر غير الوجود أم انّ مابه الامتياز عين مابه الاشتراك؟

الجواب: اذا كان أحدهما عين الآخر فحينئذ يكون مقوما لانّ مابه الامتياز عين مابه الاشتراك ولا يوجد شي ء اخر والمرتبة الضعيفة مشتركة مع المرتبة القوية في الحقيقة ولا يوجد شي ء حتّى يقع الكلام حوله.

صاحب السؤال: لو كانت المراتب مقومة فلابد أن يكون مابه الامتياز غير مابه الاشتراك.

الجواب: نحن نقول انه في الوقت الذي كان مابه الامتياز وكان مابه الاشتراك ايضا فهل هذه المراتب مشتركة في حقيقة الوجود أم لا؟صاحب السؤال: نعم مشتركة.

الجواب: اذا كانا مشتركين في حقيقة الوجود نقول هذه الحقيقة في مرتبتها العالية واجبة الوجود ونفس هذه الحقيقة بمرتبتها النازلة ليست بواجبة الوجود فهل القول بتعدد المراتب يحل لنا هذه المشكلة (مشكلة اجتماع النقيضين).

ص: 53

صاحب السؤال: نحن نعبر بالاتم.(1)

الجواب: لا يمكنكم التعبير بالاتم لان المفروض ان المرتبة العالية واجبة الوجود والاخرى النازلة غير واجبة الوجود فالمرتبة العالية حقيقة اخرى لا أنها اتم فانّ الاتم والتمام فيما اذا كانا من حقيقة مشتركة واحدة وحاصل الاشكال هو انتفاء عدم وجوب الوجود.

صاحب السؤال: المرتبة الواحدة (الأولى مثلا) عدم المرتبة الاخرى.

الجواب: جيد جدا اذا في النهاية فقد وصلنا الى انّ الحقيقة في المرتبة العالية هي نفس الحقيقة في المرتبة النازلة وعليه نقول هذه الحقيقة كما أنها واجبة الوجود هي غير واجبة الوجود.

2- منافاة السنخية مع التوحيد

إذا كانت السنخية ثابتة بين كل المراتب المختلفة ولا يوجد شي ء اخر فنفس هذه المراتب (غير العالية) لا توجد في المرتبة العالية، قالوا انّ المرتبة العالية تكون اكمل وأتم وواجدة للمرتبة الاخرى امّا أنها ليست نفس تلك المرتبة وعليه نقول: انّ هذه المرتبة حيث أنها من سنخ المرتبة العالية وسنخ المرتبة العالية من سنخ الوجوب ولذا فهذه المرتبة لابد وأن تكون من سنخ الوجوب ونتيجة ذلك تعدد واجب الوجود بتعداد الموجودات لان كل واحدة من هذه الموجودات هي من حقيقة واحدةوحيث ان تلك الحقيقة واجبة الوجود فالنتيجة ان كل هذه الموجودات هي واجبة الوجود وهذا المعنى مناف للتوحيد الالهي وابطال له.

سؤال: مع غض النظر عن اللوازم الفاسدة التي تفضلتم بها وحيث انكم اقمتم الدليل على التباين فلاشك في اصل الدعوى ونحن نقبل كلامكم (مع كلّ شي ء لا بالمقارنة وغير كلّ شي ء لا بالمفارقة) الاّ انّ اصل الفلسفة خصوصا فلسفة ملاصدرا

ص: 54


1- ( بدلا عن التعبير بالمرتبة العالية – المترجم).

حيث أنها تبتني على اصالة الوجود فانّ هؤلاء في مقابل برهانكم يمكنهم الدفاع فمن المناسب أن تطرحوا دفاعيتهم كاملا حيث يقولون هنالك تفاوت بين مفهوم العرض والماهية ومفهوم الوجود وطبقا للقول باصالة الوجود فمفهوم الوجود يكون حاكيا عن الوجود الاصيل المصداقي ولذا حيث يطلق الوجود على الخالق والمخلوق فهو ليس كاشفا عن السنخية فحسب بل كاشف عن عينية مصداق الوجود وحينئذ فسوف يثبت مافوق السنخية ولابد لكم من الجواب عن ذلك.

الجواب: نعم سوف نطرح هذا البحث في بحث العينية وهذا الاستدلال كما تفضلتم يثبت العينية ولذا سيكون البحث عنه هناك.

اللهم صل على محمّد وآل محمّد وعجل فرجهم.

للبحث صلة

ص: 55

التوحيد الالهي عند مدرسة الخلفاء الشيخ علي الكوراني

اقتطفنا هذا البحث من كتاب العلامة

* *

1

زعمهم أن الله تعالی يری بالعين!

قال أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) ان الله تعالی يعرف بالعقل والقلب، ويستحيل أن تراه العيون، لأنها لاتری إلا الشيء المادي الذي يخضع لقوانين الزمان والمكان، والله تعالی لاتدركه الأبصار ولا الأوهام: (ليسَ كَمِثلهِ شَيٌ وَهُو السَّميعُ البَصيرُ).ففي الإحتجاج:2/190:من حديث الإمام الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال: (يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالی لايوصف لمكان، ولايدرك بالأبصار والأوهام). (والكافي:1/143).

أما المخالفون لمذهب أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) فقالوا ان الله تعالی يُری بالعين في الآخرة، وقال بعضهم يُری بالعين حتی في الدنيا !

ففي البخاري:1/195، عن ابي هريرة قال:(إن الناس قالوا يا رسول الله هل نری ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا

ص: 56

رسول الله . قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك!!).

وفي البخاري:2/141:عن عبد الله بن عمر قال:( ذكر النبي ص يوماً بين ظهري الناس المسيح الدجال فقال: إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين). انتهی. يعني طمأنهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أن عيني الله سالمتان، والحمد لله!

ونقل في هامش شرح الترمذي:6/188 عن ابن العربي: (ان الله لم ينزل هذه الآية (لا تدركه الابصار)لنفي الرؤية لله ولاجاءت بها عائشة، فإنه سبحانه وتعالی يری في الدنيا والاخرة جوازاً ووقوعاً)!

* *

وأول ما ظهرت أحاديث الرؤية بالعين والتشبيه من عمر بن الخطاب قال: (ان كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد أذ رُكِبَ، من ثقله. رواه البزاز ورجاله رجال الصحيح).(مجمع الزوائد:1/83)

وفي رواية السيوطي في الدر المنثور:1/328: عن عبد حميد، وابن أبي عاصم في السنة والبزار، وأبي يعلی، وابن جرير، وأبي الشيخ، والطبراني، وابن مردويه،والضياء المقدسي في المختارة، عن عمر...وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله، ما يفضل منه أربع أصابع).

ويبدو أن عمر أخذه من كعب الأحبار، فقد روی ابن خزيمة في توحيده ص 225 قال: (اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس: إنا بنوهاشم نزعم أو نقول: إن محمداً رأی ربه مرتين، قال فكبر كعب حتی جاوبته الجبال! فقال: ان الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسی)! انتهی.

وهذا يدل علی أن كعباً كان يتبني الرؤية وكان بنو هاشم ينفونها، وقد نسبها هذا الأثر الی بني هاشم زاعماً أنهم قبلوا بها، وليس بصحيح!

ص: 57

وفي تفسير الطبري: 52/12 عن كعب الأحبار قال لرجل: (سألت أين ربنا، وهو علی العرش العظيم متكيءٌ واضعٌ إحدی رجليه علی الأخری، ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة، ومن الأرض الی الارض مسيرة خمسمائة سنة، وكثافتها خمسمائة سنة، حتی أتمَّ سبع أرضين، ثم من الأرض الی السماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثافتها خمسمائة سنة، والله علی العرش متكيء)!

* *

وقد رد علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علی كعب الأحبار في مجلس عمر وكذَّبه، كما كذَّبت عائشة حديثهم الذي زعموا فيه أن النبي ص رأی ربه، وكذلك ابن عباس وابن مسعود، وجمهور الصحابة.

روي المجلسي في البحار:36/194 (عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر، اذ قال (عمر): يا كعب أحافظ أنت للتوراة؟ قال كعب: إني لأحفظ منها كثيراً. فقال رجل من جنبة المجلس: يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه قبل أن يخلق عرشه، وممَّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه؟فقال عمر: يا كعب هل عندك من هذا علم؟

فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين، نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالی كان قديماً قبل خلق العرش، وكان علی صخرة بيت المقدس في الهواء، فلما أراد أن يخلق عرشه تَفَلَ تَفَلَةً كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه!

قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حاضراً، فَعَظَّمَ عليٌّ ربَّهُ وقام علی قدميه ونفض ثيابه! فأقسم عليه عمر لمَّا عاد الی مجلسه، ففعله.

قال عمر: غُص عليها يا غواص ما تقول يا أبا الحسن، فما علمتك إلا مفرجاً للغم. فالتفت عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) الی كعب فقال:

(غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه!

ص: 58

يا كعب ويحك! إن الصخرة التي زعمت لاتحوي جلاله ولاتسع عظمته، والهواء الذي ذكرت لايحوز أقطاره، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قدمته، وعزّ الله وجل أن يقال له مكان يومي اليه، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون، ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه الأذهان، وقولي (كان) عجز عن كونه وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عزوجل (خَلَقَ الأنسانَ عَلَّمَه البيان) فقولي له (كان) مما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً علی ما يشاء محيطاً بكل الأشياء، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد، وإنه عزوجل خلق نوراً ابتدعه من غير شيء، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً، ولا يزال مرتعداً إلی يوم القيامة، ثم خلق عرشه من نوره وجعله علی الماء، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغةتشبه الأخری، وكان العرش علی الماء من دونه حجب الضباب وذلك قوله:(وَكَانَ عَرشُهُ علی المَاءِ لِيَبلُوَكُم).

يا كعب ويحك! إن من كانت البحار تفلته علی قولك، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت اليه أنه حل فيه!

فضحك عمر بن الخطاب وقال: هذا هو الأمر، وهكذا يكون العلم، لا كعلمك يا كعب. لاعشت الی زمان لا أری فيه أبا حسن).

انتهی.

* *

الأسئلة

1- بماذا تفسرون تبني عمر لتجسيم كعب الأحبار ومقولة أطيط العرش من ثقل الله تعالی، رغم وضوح قوله تعالی: (لَيسَ كَمِثلِهِ شَيٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (سورة الشوری:11)، ورغم نفي أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) والصحابة لأفكار كعب؟

ص: 59

2- ألا ترون أن أحاديث التجسيم لم تكن معروفة في عهد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ولا في عهد أبي بكر، ولم تُروَ إلا في زمن عمر عن كعب الأحبار وجماعته، ثم تبناها رواة بني أمية ونشروها بين المسلمين، وأدخلوها في صحاحهم؟!

3- كيف تجعلون ذات الله تعالی خاضعة لقوانين الزمان والمكان، مع أنه سبحانه وتعالی كان (قبلهما)، أي كان ولا زمان ولامكان ، ثم خلقهما ؟!

4- ما معنی تحريم العمل بالمتشابه، ووجوب رد المتشابه من القرآن والسنة الی المحكم منهما، فما بالكم تأخذون بالمتشابه من آيات الصفات، ولا تردونها الی الآيات المحكمة ؟!

* *

2اعتراف أئمتهم بأن توحيدهم مأخوذ من اليهود!

قال ابن تيمية في كتابه (العقل في فهم القرآن) ص88، ما لفظه:

(ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لاتقول إن عزير(كذا) ابن الله، وإنما قاله طائفة منهم، كما قد نقل أنه قال فنحاص بن عازورا، أو هو وغيره.

وبالجملة، إن قائلي ذلك من اليهود قليل، ولكن الخبر عن الجنس كما قال: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم. فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به. فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً بل فيها إثبات الجهة، وتكلم الله بالصوت، وخلق آدم علی صورته وأمثال هذه الأمور، فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته، كان إنكار النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لذلك وبيان ذلك أولی من ذكر ما هو دون ذلك!

فكيف والمنصوص عنه موافقٌ للمنصوص في التوراة! فأنك تجد عامة ماجاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة!!

ص: 60

وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة وموسی لم يواطيء محمداً، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب، فدل ذلك علی صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين). انتهی!

يقصد ابن تيمية أن الشيء الوحيد الذي عابه الله علی اليهود في توحيدهم هو قولهم(عزير ابن الله)، وهذا يعني أنه أقر ما بقي من صفات التجسيم لله تعالی الموجودة في توراتهم!

وقد شذ ابن تيمية في قوله بصحة عقائد التوراة ، فإن أحداً غيره من علماء المسلمين لم يفهم من رد القرآن لبنوة عزير، أنه أقر ببقية افتراءات اليهود في التوحيد والصفات، ولا أنه يقر بأن التوراة الفعلية صحيحة غير محرفة!نعم شذ مثله البخاري وقال بصحة ألفاظ التوراة ، كما يأتي!!

أما محمد بن عبد الوهاب فقلد امامه ابن تيمية، وقال في حديث الحاخام الذي زعموا أنه علم نبينا ص توحيد اليهود! قال في آخر كتابه المسمی(التوحيد): (فيه مسائل: الأولی: تفسير قوله: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة.

الثانية:أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لم ينكروها ولم يتأولوها.

الثالثة: أن الحبر لما ذكر ذلك للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك!

الرابعة: وقوع الضحك الكثير من رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عنده، لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم .

الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنی والأرضين في الأخری.

السادسة: التصريح بتسميتها الشمال .

السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك .

الثامنة: قوله كخردلة في كف أحدهم.

ص: 61

التاسعة: عظمة الكرسي بنسبته الی السماوات .

العاشرة: عظمة العرش بنسبته الی الكرسي .

الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء .

الثانية عشرة: كم بين كل سماء الی سماء .

الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي .

الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء .الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء .

السادسة عشرة: أن الله فوق العرش .

السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض .

الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة .

التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات، بين أسفله وأعلاه مسيرة خمسمائة سنة). انتهی!!

الأسئلة

1- بناء علی ما قاله إمامكم ابن عبد الوهاب في المسألة الثانية والثالثة، من أن علوم التجسيم كانت محفوظة عند اليهود، وأن حاخامهم علمها للنبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) !فهل كان القرآن المكي خالياً من التوحيد حتی أخذه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من يهود المدينه ؟!!

2- هل تقبلون هذه المسافات التي ذكرها إمامكم ابن عبد الوهاب بين الأرض ومكان وجود الله تعالی ، وكم تبلغ بالكيلومتر ؟!

3- تعرفون أن عمر بن الخطاب منع المسلمين من تدوين القرآن والسنة ، وأنه نفسه الذي جاء بنسخة معربة من التوراة وطلب من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يعترف بها وينشرها بين المسلمين ، فزجره النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسماه وجماعته (المتهوكين) وحذر المسلمين منهم!

ص: 62

لكن عمر واصل بعد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نشر ثقافة اليهود التي كان معجباً بها ،واستطاع مع كعب الأحبار أن يبثوا الإسرائيليات في ثقافة المسلمين!!

وقد تبع البخاري عمر فقال إن التوراة الفعلية صحيحة منزلة بألفاظها من عند الله تعالی، وأن معنی تحريف اليهود للكتاب في مثل قوله تعالی: (فَبِما نَقضِهِم مِيثاقَهُم لَعَنَّاهُم وَجَعَلنا قُلُوبَهُم قَاسِيَةًيُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضعِهِ)، أنهم يتأولونها، وليس معناه أنهم غيروا ألفاظها!

قال في صحيحه:8/216: ( باب قوله تعالی: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ... يحرفونه: يزيلونه، وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عزوجل، ولكنهم يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله )!!

أما ابن تيمية فقد زاد علی البخاري وأخذ عقيدته بالله تعالی من التوراة وقال بصحة كل ما فيها من تجسيم وكفر، ما عدا قولهم إن عزيزاً ابن الله!

فكيف تقبلون ادعاءه وقد نص القرآن وأجمعت أجيال المسلمين علی أن اليهود والنصاری حرفوا توراتهم وإنجيلهم، وأنه لا يوثق بما فيهما؟!

قال الله تعالی: (فَبِمَا نَقضِهِم مِيثَاقَهُم لَعَنَّاهُم وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً يُحَرِّفوُنَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا ممَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاتَزَالُ تَطَّلِعُ علی خَائِنَةٍ مِنهُم إِلا قَليلاً مِنهُم فَاعفُ عَنهُم وَاصفَح إِنَّ الله يُحِبُّ المُحسِنِينَ).(سورة المائدة-13)

وقال تعالی:(وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَاأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْ ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُم مَالَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). (سورة الأنعام:91)

ص: 63

وقال تعالی:( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). (سورة البقرة:61)

فالذين يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) هل يستبعد عليهم أن يحرفوا ما أنزل الله تعالی، فكيف نثق بما في أيديهم؟!بل وصل طمعهم الی محاولة تحريف القرآن! قال تعالی: (وإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (سورة آل عمران:78)

وقال تعالی: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(سورة البقرة:75)

4- ما قولكم في رد ابن حجر علی البخاري وابن تيمية ؟

قال في فتح الباري: 13/436: (قوله: وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عزوجل، ولكنهم يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله... .

قال شيخنا بن الملقن في شرحه هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره أي البخاري، وقد صرح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصاری بدلوا التوراة والإنجيل، وفرعوا علی ذلك جواز امتهان أوراقهما، وهو يخالف ما قاله البخاري هنا. انتهی.

وهو كالصريح في أن قوله وليس أحد الی آخره من كلام البخاري ذيَّل به تفسير ابن عباس، وهو يحتمل أن يكون بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية.

وقال بعض الشراح المتأخرين: اختُلف في هذه المسألة علی أقوال:

أحدها أنها بدلت كلها، وهو مقتضی القول المحكي بجواز الإمتهان، وهو أفراط، وينبغي حمل إطلاق من أطلقه علی الأكثر وإلا فهي مكابرة ، والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل، من ذلك قوله تعالی:(الذين يتبعون

ص: 64

الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التواراة والانجيل)..الآية، ومن ذلك قصة رجم اليهوديين، وفيه وجود آية الرجم، ويؤيده قوله تعالی: (قل فاتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين).ثانيها: أن التبديل وقع ولكن في معظمها وأدلته كثيرة، وينبغي حمل الأول عليه.

ثالثها: وقع في اليسير منها ومعظمها باق علی حاله، ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه الرد الصحيح علی من بدل دين المسيح.

رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ، وهو المذكور هنا! (أي هو قول البخاري)!

وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة مجرداً فأجاب في فتاويه: إن للعلماء في ذلك قولين، واحتج للثاني من اوجه كثيرة، منها قوله تعالی: (لا مبدل لكلماته) وهو معارض بقوله تعالی: (فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه علی الذين يبدلونه)، ولا يتعين الجمع بما ذكر من الحمل علی اللفظ في النفي وعلی المعنی في الإثبات لجواز الحمل في النفي علی الحكم وفي الاثبات علی ما هو أعم من اللفظ والمعنی.

ومنها، أن نسخ التوراة في الشرق والغرب والجنوب والشمال لايختلف، ومن المحال أن يقع التبديل فتتوارد النسخ بذلك علی منهاج واحد!

وهذا استدلال عجيب لأنه إذا جاز وقوع التبديل جاز إعدام المبدل، والنسخ الموجودة الآن هي التي استقر عليها الأمر عندهم عند التبديل، والأخبار بذلك طافحة.

أما فيما يتعلق بالتوراة فلأن بختنصر لما غزا بيت المقدس وأهلك بني إسرائيل ومزقهم بين قتيل وأسير، وأعدم كتبهم حتی جاء عزير فأملاها عليهم.

وأما فيما يتعلق بالإنجيل فإن الروم لما دخلوا في النصرانية جمع ملكهم وأكابرهم علی ما في الأنجيل الذي بأيديهم. وتحريفهم المعاني لا ينكر بل هو موجود عندهم

ص: 65

بكثرة، وإنما النزاع هل حرفت الألفاظ أولا، وقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله عزوجل أصلاً!

وقد سرد أبو محمد بن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل أشياء كثيرة من هذا الجنس، من ذلك أنه ذكر أن في أول فصل في أول ورقة من توراة اليهود... وأنالله تعالی قال لما أكل آدم من الشجرة هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر، وأن السحرة عملوا لفرعون نظير ما أرسل عليهم من الدم والضفادع، وأنهم عجزوا عن البعوض، وأن ابنتي لوط بعد هلاك قومه ضاجعت كل منهما أباها بعد أن سقته الخمر فوطأ كلاً منهما فحملتا منه!! الی غير ذلك من الأمور المنكرة المستبشعة!!

وذكر في مواضع أخری أن التبديل وقع فيها الی أن أعدمت فأملاها عزرا المذكور علی ما هي عليه الآن، ثم ساق أشياء من نص التوراة التي بأيديهم الآن الكذب فيها ظاهر جداً! ثم قال: وبلغنا عن قوم من المسلمين ينكرون أن التوراة والإنجيل اللتين بأيدي اليهود والنصاری محرفان، والحامل لهم علی ذلك قلة مبالاتهم بنصوص القرآن والسنة، وقد اشتملا علی أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون علی الله الكذب وهم يعلمون، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون). انتهی.

5- اعترف اليهود والنصاری بضياع النسخة الأصلية من التوراة والإنجيل، وأنها وقع فيها التغيير وكتبت بعد عصر أنبيائها بقرون! فهل تقبلون أن يكون ابن تيمية مَلَكياً للتوراة أكثر من اليهود أنفسهم؟!

يقول الدكتور أحمد الشلبي في (مقارنة الأديان ، اليهودية) ص 254:

وقد تعرض لهذا الموضوع العلامة ول ديورانت وكتب عنه موجزا يمكن أن نقتبسه، قال هذا الباحث:

ص: 66

(كيف كتبت هذه الأسفار، ومتی كتبت، وأين كتبت؟ ذلك سؤال كتب في الإجابة عنه ألاف المجلدات، ولكن يجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة، إن العلماء مجمعون علی أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود، والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، ويبدو أن أسفارالتوراة الخمسة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالی عام 300 ق.م). (قصة الحضارة:2/367-368)

ويقول متولي يوسف شبلي في (أضواء علی المسيحية) ص40:

(كما أنهم يتفقون كذلك علی أن أقدم نسخة لهذا الإنجيل (متی) كانت باللغة اليونانية وقد ضاعت.

يقول جيروم إن: متی كتب الإنجيل باللسان العبري، وهو في أرض يهودية للمؤمنين في اليهود.

ج- تاريخ تدوينه وترجمته: يختلف المسيحيون كثيراً في تحديد تاريخ تدوين أنجيل متی، كما يختلفون في من ترجمه ؟

1- رأي ابن البطريق: يقول: إن متی دوّن إنجيله في عهد قلديوس ولكنه لم يعين السنة التي تم فيها أو بديء فيها بتدوين هذا الإنجيل، ويقول عن مترجمه إنه يوحنا.

2- رأي جرجس زوين (لبناني): يقول: إن متی كتب بشارته في أورشليم سنة 39 م، لأنه كتبه إجابة لمطلب اليهود الذين آمنوا بالمسيح، أو كتبه استجابة للرسل، وكانت لغة تدوينه بالعبرانية لاباليونانية كما ذكر ذلك أوسيبيدس في تاريخه.

فالسيد جرجس زوين اللبناني يحدد سنة التدوين 39م ويحدد لغة التدوين، ولكنه لم يحدد من هو المترجم.

3- رأي الدكتور بوست: يقول: كتب متی إنجيله قبل خراب أورشليم، وكانت لغة تدوينه باليونانية. وبهذا يخالف الدكتور بوست إجماع المؤرخين المسيحيين في

ص: 67

الإتفاق علی أن لغة التدوين التي كتب بها متی إنجيله هي أما العبرية، أو السريانية). انتهی.

فكيف ادعی البخاري وابن تيمية للتوراة والأنجيل مالم يدعه لها الباحثون من اليهود والنصاری؟!

* *

3-اتهموا نبينا (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بأن الحاخام علمه التوحيد!

مما استندوا اليه في قولهم بالتجسيم، أن حاخاماً جاء الی النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقال له إن الله تعالی جسدٌ وله يدٌ وأصابع! فصدقه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وضحك له!

ففي صحيح البخاري:6/33: (عن عبد الله بن عمر قال: جاء حبر من الأحبار الی رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السماوات علی إصبع والأرضين علی إصبع فيقول أنا الملك! فضحك النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حتی بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر)!

وفي مسند أحمد:1/457: (عن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر الی رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقال: يا محمد أو يا رسول الله إن الله عزوجل يوم القيامة يحمل السموات علی إصبع والارضين علی إصبع والجبال علی إصبع والشجر علی إصبع والماء والثری علی إصبع وسائر الخلق علی إصبع ، يهزهن فيقول أنا الملك ! فضحك رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حتی بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر) .

ورواه أيضاً في موارد أخری مثل:8/174، و202 ، وفي:6/33:(فقال:يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات علی إصبع...)، أي نجد في التوراة أو في كتبنا!

وقد قبل روايته ابن عبد الوهاب وأوردها في آخر كتابه الذي سماه(التوحيد)، وعقد لها باباً خاصاً هو آخر باب في كتابه!

* *

ص: 68

الأسئلة

1- كم إصبع لمعبودكم: خمسة أو ستة؟ ففي رواية البخاري خمسة ، وفي رواية ابن حنبل ستة ، فهل له عند الحنابلة إصبع زائدة؟!

2- لماذا خالفتم العلماء الذين نفوا أن يكون النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد أقر الحاخام علی تجسيمه ، بقرينة أنه تلا قوله تعالی: (وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ).(سورة الزمر:67) وقالوا إن صح أنه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ضحك ، فقد ضحك استغراباً وسخرية من قول الحاخام لاتصديقاً، وإذا جاء الإحتمال بطل الإستدلال؟!

قال النووي في شرح مسلم: 17/130: (ظاهر الحديث أن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) صدق الحبر في قوله إن الله تعالی يقبض السموات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التي فيها الأشارة الی نحو ما يقول .

قال القاضي: وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وتعجبه وتلاوته للآية تصديقاً للحبر بل هو رد لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده ، فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك . وقوله تصديقاً له انما هو كلام الراوي علی ما فهم).

وقال ابن حجر في فتح الباري:13/336: (ضحكه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من قول الحبر فيحتمل الرضا والانكار واما قول الراوي تصديقاً له فظن منه وحسبان).

3- هل تقبلون بهذه الخفة التي نسبها النص الی الله تعالی (يهزهن فيقول أنا الملك!) وفي بعضها(أنا الملك) مكرراً! كأنه يرقص من فرحه بقدرته؟! (1)

* *

ص: 69


1- - الف سؤال واشكال، عليّ الكوراني العاملي ص7-22

مظلومية الزهراء(علیها السلام) اللجنة الثقافية لأهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)

العدد الثالث

تعريب الشيخ جاسم المحمودي

طبعا لابد من الالتفات انّ علماء أهل السنة ذكروا كلام ابن النظام وقالوا انه انفرد بهذا الكلام وهو من مختصاته وانه افترى على عمر والمسلم والواضح ان بين أهل السنة من يقول بكلام ابن النظام اذا ليس الناقلون لهذه الجناية الشيعة فقط.

القسم الرابع

استبعادات واسئلة بعض أهل السنة

السؤال الأوّل: كيف تتفق شجاعة وغيرة اميرالمؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)مع هذه الاهانات؟

ص: 70

سؤال: مع وجود اميرالمؤمنين علی بن أبي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وبني هاشم خصوصاً مع الشجاعة المشاهدة من اميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في ميادين الحرب كيف يتصور انّ الامام وبني هاشم شاهدوا هذه الاهانات الى الزهراء(علیها السلام) ولم يعملوا شيئا؟

الجواب: لا شك ولا شبهة بشجاعة مولى الموحدين ولا شك بمعارضته الظالمين والغاصبين لكننا نلفت النظر بأنّ الشجاعة امر والنظر في مصالح المسلمين امر آخر لذا انّ الانسان الشجاع والقوي اذا كان حكيما عاقلا لا يرى اعمال القدرة مطابقا للمصلحة دائما.

وببيان آخر ليس من اللازم للشجاع استعمال القدرة على كلّ حال، لذا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كانا يستعملان الشجاعة والقدرة اذا كانت مصلحة في ذلك اذا نلفت انظاركم الى نموذجين تاريخين في مورد الصبر والتحمل من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) واميرالمؤمنين:(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)

الف: انّ الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كان مع اصحابه في السنة السادسة من الهجرية لاداء مناسك الحج في مكة المكرمة وحينذاك في الحديبية التقى بالكفار وسدوا عليه الطريق مع انّ شجاعة النبي وشهامته لم تكن مورد انكار لاحد لكنه لم ير النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الحرب بصلاح المسلمين بل رأي الصلح مع الكفار صلاحا وعندئذ شك عمر بن الخطاب في النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعمله واعترض على النبي بكلمات نذكرها.

فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيّ اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فقلت: »ألست نبيّ اللَّه حقّا، قال: بلى، قلتُ: ألسنا على الحقّ وعَدوّنا على الباطل، قال: بلى، قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنيّةَ في ديننا إذا، قال: انّي رسول اللَّه ولستُ أعصِيه وهو ناصرِي، قلتُ:أو ليس كنتَ تُحدِّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به، قال: بلى فأخبرتُك أنّإ نأتيه العام قال قلت: لا قال: فانّك آتيه ومُطَّوِّف به».(1)

ص: 71


1- - صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب 602، الشروط في الجهاد والمصالحة، 381/4وبهذا المضمون صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب 34صلح الحديبية في الحديبية، 1412/3وبهذا المضمون السيرة النبوية لابن هشام، امر الحديبيّة في آخر سنة ست، أمر الهدنة 331/3وبهذا المضمون، مسند احمدبن حنبل، حديث المسور بن مخرمة ومروان الحكم، ح 426/5 18431وتاريخ الطبري، سنة 206/280

ونقل السيوطي:

«قال عمر بن الخطّاب: واللَّه ما شككتُ منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ.»(1)

اذن مع انّ عمل الكفار قبيح ومردود وظلم وفي الحال لا انكار لشهامة النبي وشجاعته لكنه لم ير الحرب صلاحا وصالح وكذلك في القضية المنسوبة للزهراء(علیها السلام) مع انه صدر ظلم لساحتها الاّ انّ عليا وبني هاشم لم يروا الصلاح في الحرب مع وجود الشجاعة والشهامة العلوية الخيبرية فيهم.

ب - انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في فراش الموت أمر بأن يؤتى بكتاب حتى يكتب لهم كتابا لكي لا يضلوا بعده وفي هذا الوقت منع الخليفة الثاني من اتيان الكتاب وهذا اوّل اختلاف حصل في امة رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

هذه الرواية موجودة في المصادر المهمة لاهل السنة تنقل مرة انّه: «قال عمر: ان النبى غلبه الوجع»(2)وتنقل اخرى انه: «فقالوا: إنّ رسول اللَّه يهجر»(3).

فنسبوا هذه النسبة القبيحة وغير المغفورة الى رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع انّ عليا كان حاضرا هناك وكان له الشهامة والشجاعة بأن يضرب عمر على حسم ويطفي هذا الكلام غير المؤدب لكنه لم ير هذا العمل صلاحا.

ص: 72


1- الدر المنثور في تفسير المأثور، ذيل سورة الفتح 24-6/74
2- صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، ح 10112/120و كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف، 774/9وكتاب المرضى والطب، باب قول المريض قوموا عني، 7/225
3- صحيح مسلم، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصية لمن ليس له شي ء يوصي فيه، 3/1259

فمع ملاحظة هذه الامور لابد أن تراعى الظروف الزمنية والمكانية والسياسية في ذلك الزمان هل انه كان من الصلاح والمناسب أن يأخذ علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) السيف ويدافع عن زوجته.

نعم لم تمر ايام من وفاة رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وان جسمه الشريف كان على الارض واجتمع عدة لانتخاب الخليفة في السقيفه وبعد مضي ليلتين من وفاة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حضر(1)

بنوهاشم لدفنه فقط وقالت عائشة اننا لم نطلع على دفن(2) النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)إلّا ليلة الاربعاء نصف الليل سمعنا صوت حافر لقبر مع انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)توفى ليلة الاثنين ومصيبة فقدة كانت(3)طرية وحينئذ مرورا على بعض النكت نذكر فهرسا لها لتطلع على الجوّ السياسي في ذلك الزمان.1-انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الّذي كان قائدا للامة الاسلامية وعمودا لكل المسائل وحين ارتحاله (والامر كذلك في كلّ مملكة حين وفاة رئيسها) تكون الظروف حساسة ومحظورة ولذا تعلن حالة الطواري ء تهيأ للمقابلة لأي تحرك واغتشاش من العدو الداخلي والخارجي ولذا يرى أي تشنج واختلاف مضرا للحكومة والبلاد ويمنع منه.

2-ولقد كان في المجتمع الانساني منافقون غير معروفين اعداء وكانوا ينتظرون الفرص لضرب الاسلام والمجتمع الاسلامي وانّ القرآن حذر منهم وقال فيهم:

ص: 73


1- قال ابن اسحاق: فلمّا بويع ابوبكرأقبل الناس على جهاز رسول اللَّه يوم الثلاثاء... السيرة النبويّة لابن هشام، جهاز رسول اللَّه| ودفنه، 4/312
2- زاد البيهقي في روايته قال سعيد بن المسيب: وقد ولى دفنه|أربعة علىّ والعباس والفضل وصالح مولى رسول اللَّه|لحدوا له لحدا... البداية والنهاية لابن كثير، صفة غسله، 282/5والطبقات الكبرى، ذكر من نزل في قبر النبيّ 2/230
3- - مسند احمد بن حنبل، حديث السيدة عايشة، ح 2274/7 25817والسيرة النبوية لابن هشام، جهاز رسول اللَّه ودفنه، 4 /314

(وَ مِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ اَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاتَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم).(1)

انّ يهود المدينة وحومتها ايضا كانوا خطرين على الحكومة الاسلامية.

4-انّ مشركي العرب كانوا من الاعداء الاشداء للاسلام الّذين حاربوا الاسلام كرارا وانهم كانوا احياء وينتظرون الفرصة لمحو الاسلام والحكومة لاسلامية.

5-انّ القوة الرومية كانت تعتبر مافوق القدرة وانه آخر عمر النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وصل الخبر من الشام بأنّهم في صدد الهجوم على بلاد الاسلام ولذا أرسل النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) جماعة بقيادة اسامة بن زيد لمواجهتهم وكان يؤكد على حركة جيش اسامة.

6-وكان بعض الصحابة يتهاونون في الامر وبعضهم قريب العهد اسلاما والاسلام كان على لسانهم ولم ينفذ الايمان في قلوبهم وفي اي لحظة كان يحتمل ان يرجعوا عن الاسلام لسبب بسيط وانّ القرآن حذر المسلمين من ذلك بقوله.(و ما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ اَفأِنْ ماتَ اَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُم عَلَى اَعْقابِكُم)(2)

ومدعو النبوة مثل مسيلمة الكذاب ايضا كانوا مشكلة اخرى لكسب المسلمين نحوهم.

وحينئذ مع هذه الظروف المذكورة الحساسة والخطرة لو انّ عليا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لاجل الدفاع عن حقوق ومظلومية زوجته أو لاجل غصب الخلافة تسلح وبالطبع لقام بنوهاشم وطلحة والزبير بنصرته وجمع آخر بنصرة ابي بكر وعمر واصحابهم ولاشتعلت الحرب الداخلية.

وفي الوقت المذكور الا يوجد خوف من الاحزاب والاعداء والقبائل المختلفة الّذين كانوا اعداء الدين وكانوا من قبل هذا يعني في السنة الخامسة من الهجرة في حرب الاحزاب متحدين معا لاجل محو الاسلام فيوجد خوف ايضا من اتحادهم مع

ص: 74


1- - التوبه/ 101
2- آل عمران/ 144

المنافقين في الداخل ويهود المدينة وانهم يمحون اصل الاسلام ويمنعون اصل التبليغ والنشر والعمل بالاسلام وايضا لا صبر للذين هم قريبو العهد في الاسلام في الحرب ولا تحمل لهم لا سيما اكثرهم من اقرباء النبيّ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيرجعون من الاسلام الى الجاهلية فهل جر السيف في ذلك الزمن بنفع الاسلام والمجتمع الاسلامي؟ كلا بل يعتبر جرّ السيف في ذلك الزمن خلافا لمصلحة الاسلام والمجتمع الاسلامي وماحيا لأصل بيضة الاسلام الشاب والحديث.

هل غير ذلك كان المطلوب بأن لا يكون حرب ولا فوضى داخلية بل حتى الذين كانوا يرون بطلان السقيفة بعد مدة قليلة من المخالفة يعني من عدم البيعة والاعتراض اللفظي لاجل رفع هذا التوهم لابد لهم من تأييد الحكومة ولابد أنيساعدوها حتى لا تكون مصيبةً اكبر من انحراف اصل الخلافة من مكانها الاصيل، كما بيّن علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في رسالة لاهل مصر العلة من عدم البيعة لابي بكر والمعاونة له ولحكومته قائلا:«... فامسكت يدى حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محقّ دين محمّدٍ(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فخشيت أن لم أنصرالاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علىَّ أعظم من فوت ولايتكم...»(1).

والجواب الثاني: بعض الاحيان يوجد مطلب غير مسلم ولذا يحق لنا أن نواجهه بالاشكال والتشكيك اما هذا المطلب مطلب نقل من الطريق الصحيح وفي الكتب الصحاح ومع هذه الاستبعادات لا يكون قابلا للحل فمن جملة الأدلة البخاري حيث ورد في صحيح البخاري: «ان ابابكر لعدم اتيانه حق الزهراء(علیها السلام) اغضبها وانّ الزهراء(علیها السلام) قهرت والى آخر عمرها لم تتكلم معه ولم يخبر الخليفة لتشييعها وتدفينها ودفنت في الليل»(2)

ص: 75


1- - نهج البلاغة، ص 1048كتاب 62
2- - صحيح البخاري، كتاب المغازى، باب غزوة خيبر، 252/5وكذلك مصادر آخر.

لذا نقول اذا كان هذا الامر مسلما في كتبهم فليس من المعقول لاحد أن يقول لا يمكن ذلك واذا سحبوا ايديهم من هذه الكتب فلابد أن لا يقبلوا اعتبار هذه الكتب وأن يأخذوا اسم الصحيح من البخاري ومسلم بل ان يرفعوا ايديهم عن مذهب أهل السنة لان عمدة مطالب اهل السنة من هذه الكتب.

والجواب الثالث: ان ما نسب إلى علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بأنّه كان موافقا لعقيدة الخلفاء وانه كان مساعدا لهم هذا نظر قشري وسطحي لانه اذا دقق النظر في التاريخ بعد وفاة الرسول المعظم لعرفوا بانه لاجل ترويج الدين الالهي واصلاح اجتماع المسلمينكان يساعدهم واذا رأى هناك قصورا واهمالا اعترضه فمن تلك الموارد انّ عليا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) انتقد غصب الخلافة الظاهرية ونشير الى موردين:

الف - بعد حادثة السقيفة اعترض عليٌ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) على ابي بكر

« ولمّا بويع ابوبكر في يوم السقيفه وجُدِّدتِ البيعة له يوم الثلاثاء على العامّة خَرج علي فقال: أفسدتَ علينا اُمورنا، ولم تَستَشِر، ولم تَرْعَ لنا حقّا... »(1).

ب - شكوی علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالنسبة الى الخلفاء في الخطبة المعروفة بالشقشقية

يعترض ابتداءا على الخليفة الاول: « أما واللَّه لقد تَقَمّصها ابن ابي قحافة وانّه ليعلم أنّ محلّي منها محلُّ القطبِ من الرَّحى ينحدر عنّي السيل ولايَرقى اِلىَّ الطَّير»(2).

ثم يقول في مورد ابي بكر وعمر: «فيا عجبا بينا هو يَسْتَقِيلها في حياته اذ عَقَدَها لِآخرَ بعد وفاته لَشَدَّما تَشَطَّرا ضَرْعَيها فَصَيَّرها في حَوْزَةٍ خَشْناء يَغلُظُ كَلْمُها ويَخشُن مَسُّها ويَكثْر العِثارُ فيها والْاِعتذارُ منها...»(3).

ثم يقول في مورد عثمان: «الى أن قام ثالث القوم نافجا حِضْنَيه بين نثيله ومُعتَلِفَه وقام معه بنو أبيه يخضمون مالَ اللَّه...»(4).

ص: 76


1- - مروج الذهب، يوم السقيفه، 2/301
2- نهج البلاغة، الخطبة الثلاثة.
3- نهج البلاغة، الخطبة الثلاثة.
4- نهج البلاغة، الخطبة الثلاثة.

السؤال الثاني: وهو وجود صحابة رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وسكوتهم في مواجهة الظلم والاهانة لريحانة الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبعبارة اوضح كيف يتصور سكوت الصحابة اعم من المهاجرين والانصار في مواجهة الظلم للزهراء(علیها السلام) كيف يتصور منهم والحال انهم كانوا يضربون السيوف لاجل الاسلام والان لا موقف لهم الاّ التفرج والسكوت.اما الجواب اولا ليس كل الصحابة كانوا مؤمنين مستقيمين متثبتين بل كما كان فيهم مجاهدون في سبيل اللَّه كان ايضا فيهم ضعفاء الايمان وغير متثبتين وهنا نشير الى سبعة موارد من الضعف والتهاون المذكورة في التاريخ من اصحاب الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في زمانه وبعده.

الاولى: كثير من الصحابة حين ما سمعوا صوت اللهو واللعب من القافلة التجارية الواردة لاجل البيع والشراء في المدينة يتركون صلاة الجمعة التي كان خطيبها رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ويذهبون الى القافلة والذين يبقون مع الرسول اثنا عشر لا غير.

عن ابي سفيان وعن جابر بن عبداللَّه قالا: أقْبَلَتْ عيرٌ يوم الجمعة ونحن مع النبىّ فثار الناس الاّ اثنا عشر رجلاً فأنزل اللَّه(وَ اِذَا رَأَوْوا تِجارَةً أوْ لَهْوَا اِنْفَضَّوا اليها)(1).

الثانية: في حرب احد حينما كان العدو مصرا ومصمما على قتل النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ترك كثير من الصحابة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وكلما ناداهم لم يعتنوا به وكانوا يفرون من الحرب لذا نزلت الآية: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).(2)

ص: 77


1- - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الجمعة 534/6وايضا في صحيح البخاري كتاب البيوع، باب - 189قوله تعالى (و إذا رأوا تجارة... ) 121/3
2- آل عمران/153

وهنا ايضا بقي اثنا عشر رجلا فقط مع النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).حدّثنا ابواسحاق قال: «سمعت البراء بن عازب رضي اللَّه عنهما قال: جعل النبيُّ عَلَى الرَّجّالة يوم اُحُد عبداللَّه بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك اذ يدعوهم الرَّسُولُ في اُخراهم ولم يبق مع النبيّ غير اثنى عشر رجلاً»(1).

الثالثة: عدة من كبار الصحابة )الذين كانوا مجتمعين عند النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) حين وفاته( حينما أمرهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقلم ودواة تنازعوا واختلفوا وتكلموا ولم يراعوا حرمته فكيف بعد وفاته يحترمون ابنته.

عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: «لمّا حُضِر رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): هلُمّ أكتب لكم كتابا لاتضلُّوا بعده فقال عمر: انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللَّه فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرِّبوا يكتب لكم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كتابا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغْو والإختلاف عند النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) «قوموا». قال عبيداللَّه: فكان ابن عباس يقول انّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.»(2)الرابعة: بعض الصحابة اتهم وافترى على زوجة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).(3)

( اِنَّ الَّذينَ جاؤوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُم)(4).

ص: 78


1- صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب - 2656/365
2- - صحيح البخاري، كتاب المرضى والطب، باب 357 قول المريض قوموا عنّي، 225/7وكتاب العلم، باب 82كتابة العلم 120/1وصحيح امسلم،كتاب الوصية، باب ترك الوصيّة، ح21 3/ 1259
3- - تفسير روح المعاني، الآلوسي، 115/18والجامع لاحكام القرآن، قرطبي، 197/12في ذيل آية المباركة.
4- - النور/ 11

الخامسة: انّ اصناف مستحقي الزكاة في صريح الآية الكريمة في القرآن وفي سيرة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثمانية اقسام من(1)جملتهم المؤلفة قلوبهم لكن الخليفة الثاني منع المؤلفة قلوبهم وسكوت الصحابة الزمه واهل السنة يقولون هذا من موارد اجماع الصحابة اذا من زمن عمر الى الآن أهل السنة تابعوا بدعة عمر وعرفوا مستحقي الزكاة سبعة اقسام وعملوا بذلك.(2)

من المسلم والواضح انه ليس عمل كل الصحابة حجة لانه كان بينهم منافقون مجهولون تقول الآية صريحا:(وَ مِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ اَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاتَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم)(3)

ويكفينا ملاحظة ما نقله البخاري في »باب الحوض« من جملتها:

عن ابي هريرة عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال: «بينا أنا قائم اذا زُمرةٌ حتى اذا عرفتُهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هَلُمَّ فقلتُ: أين، قال: الى النار واللَّهِ، قلتُ: وما شأنهم،

ص: 79


1- - التوبة / 60
2- - الفقه الميسر على مذهب ابي حنيفة، تاليف شفيق الرحمن الندوي، مصارف الزكاة، ص 254وفي كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تاليف ابوبكر بن مسعود، كتاب الزكاة هكذا يقول: «وأما مؤلفة قلوبهم: ... فكان رسول اللَّه| يعطيهم من الصدقات تطييبا لقلوب المسلمين منهم... والصحيح قول العامة لاجماع الصحابة على ذلك، فان أبوبكر وعمر رضي اللَّه عنهما ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة رضي اللَّه عنهم» 66-67/2
3- - التوبة / 101

قال: انّهم ارتدّوا بعدك على ادبارهم القهقرىّ ثمّ اذا زمرة حتى اذا عرفتُهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هَلُمّ، قلت: أين، قال: إلى النار لا واللَّهِ، قلت: ما شأنهم، قال: انّهم ارتدوّا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلُصُ منهم الّا مثل هَمَل النَعَم.»(1)

السادسة: انّ ابابكر أصدر امرا بقتل أميرالمؤمنين الّذي يعبر عنه فى القرآن بنفس النبي­(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).(2)

ابوسعد السمعاني يقول في شرح حال رجل من رجال الحديث: «روي عنه حديث ابي بكر انه قال: لايفعل خالد ما أمر به، سألت الشريف عمر بن ابراهيم الحسينيبالكوفة عن معنى هذا الأثر فقال: كان أمَرَ خالد بن الوليد أن يقتل عليا ثمّ ندم بعد ذلك فنهى عن ذلك.(3) »

الم يكن المأمور بالتنفيذ (خالد بن الوليد) والمأمور عليه( الامام علي بن أبي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)) والآمر (الخليفة الاول) من صحابة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

السابعة: ان عمر أصدر امرا بقتل اصحاب النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع انه كان ناقلا انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال علي وعثمان وعبدالرحمن وسعد وزبير وطلحة من أهل الجنة.(4)

قال لصهيب: «صلّ بالنّاس ثلاثة ايام وأَدْخِل هؤلاء الرّهطَ بيتا وقمُ على رؤوسِهِمْ، فَإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدَخْ رأسَه بالسَّيف وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وان رضى ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكّموا عبداللَّه بن عمر، فان

ص: 80


1- - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب 824في الحوض، 506/8و مثل هذه الروايات فى هذا الكتاب، كتاب الفتن، باب ماجاء في قول اللَّه تعالى: (واتّقوا فتنة) ، 673/9
2- - قوله تعالى: ( تعالوا ندع ابناءَنا وابناءكم ونساءَنا ونساءَكم واَنفسنا واَنفسكم ثمّ نبتهل فنجعلْ لعنتَ اللَّه على الكاذبين) آل عمران / 61
3- - الانساب، لابي سعد السمعاني، باب الراء والواو )الرواجني(، 176/6ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ينقل هذا المطلب من استاذه، شرح كلام 301/13 239و 302والاحتجاج للطبرسي، باب 231/1 45 و 232
4- - الكامل لابن أثير، ذكر قصة الشورى، سنه 66/3 23

لم يَرْضُوا بِحُكم عبداللَّه ابن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف واقتُلوا الباقين اِن رَغَبُوا عمّا اجتمع فيه الناس.(1)»

اذن مع هذه الشواهد التي ذكرناها يتضح ان ليس كل الصحابة كانوا كاملي الايمان بل كان قسم منهم ضعيف الايمان جدا بحيث اهانوا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ولم يأتمروا بأوامره وبعد ذلك سهل عليهم أن يروا الاهانة علىفاطمة(علیها السلام) ويسكتوا عن ذلك. لذا ليس من المنطق أن يقول احد: »كيف تُتصور الاهانة الى بنت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مع وجود الصحابة .

ص: 81


1- - الكامل لابن اثير، ذكر قصة الشورى، سنه 67/3 23الطبقات الكبرى لابن سعد، عثمان بن عفّان، 45/3عقد الفريد، باب أمر الشورى وخلافة عثمان بن عفّان، 26/5تاريخ الطبري، حوادث سنه 23قصة الشورى 3 /294

تحقيق حول البخاري وصحيحه

(1)

هو محمد بن ابي الحسن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن الاحنف يزدزيه الجعفي بالولاء صاحب الكتاب المسمی بالجامع الصحيح وكان جده يزدزيه مجوسيا مات علی دين المجوس ولد لثلاث عشرة أو اثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة اربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك وهي قرية من قری بخاری.

والبخاري منسوب الی بخاری وهي من أعظم مدن ما وراء النهر.

كان البخاري ناصبا شديد البغض لعليّ واولاده(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) فكان لا يكاد يذكر حديثاً في مناقب عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وفضائله ويرد الصحاح الوارده في فضل عليّ واولاده(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)، ولا يصحح حديث الثقلين، ويعمد الی الرواة المعادين لاهل البيت فيأخذ عنهم ويعتمد عليهم ومع هذا كله فقد سمي كتابه بالجامع الصحيح وهو لا يشتمل الا علی الباطل السخيف في أكثره.

قال ابن خلكان في الوفيات: انه رحل في الحديث الی أكثر محدثي الامصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع

ص: 82


1- - مستل من مجلة مدينة العلم

اليه اهلها واعترفوا بفضله ، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ولما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا الی مائة حديث فقلبوا متونهاواسانيدها وجعلوا متن هذا الاسناد لاسناد آخر ورفعوها الی عشرة أنفس الی كل رجل عشرة احاديث، وامروهم اذا حضروا المجلس ان يلقوا ذلك علی البخاري ،فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب اليه رجل من العشره فسأله عن آخر ، فقال: لا اعرفه، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتی فرغ من عشرته والبخاري يقول: لا اعرفه ... فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم الی بعض ويقولون الرجل فهم، ومن كان منهم ضد ذلك يقضی علی البخاري بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم ،ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن الحديث من تلك الاحاديث، فقال البخاري: لا اعرفه ، فلم يزل يلقي عليه واحدا واحدا حتی فرغ من عشرته والبخاري يقول لا اعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع الی تمام العشرة حتی فرغوا كلهم ، والبخاري لا يزيدهم علی قوله لا اعرفه... فلما علم البخاري انهم فرغوا التفت الی الاول فقال: اما حديثك فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا علی الولاء حتی اتی علی تمام العشرة، وفعل ذلك بالأخرين، فرد كل متن الی اسناده، وكل اسناد الی متنه فأقر له الناس بالحفظ، وذعنوا له بالفضل.

هذا مجمل ما ذكره ابن خلكان عن البخاري، وكان يعوزه أن يقول في سياق رد الاحاديث الی اصولها، ورد كل متن الی اسناده وكل اسناد الی متنه ان الله طول له عمر الساعات وامد له في اليوم حتی بلغت الساعة يوما واليوم اسبوعا أو اكثر فتمكن من ان يجيب علی مائة حديث بقوله لا اعرفه ثم يعود فيصحح المائة حديث ويرد متونها الی اسانيدها واسانيدها الی متونها اذ بدون ان يوسع الله في عمر الساعات واليوم لا يمكن أن يطرد له ذلك في مجلس واحد مهما طالت ساعاته، وليجرب من اراد فيأخذ البخاري أو أي كتاب آخر ويقرأ فقط مائة حديث باسانيدها وينظر كم يستغرق في ذلك من الوقت فكيف به اذا أراد أن يمحص ويصوب ويخطيء

ص: 83

ويصحح ويرد الاسانيد الی المتون والمتون الی الاسانيد. لا جرم ان ذلك يحتاج منه الی وقت مديد وعناء شديد ولا يعرف ذلك الا أرباب الحديث الذين يعانونهذه الصناعة ، ويعرفون ما فيها من مصاعب ...فاذا كان هذا الذي ذكره ابن خلكان واقعا فما هو الا احد المعجزات التي هي فوق قدرة البشر.

ان هذا شيء كان علی القاضي ابن خلكان ان يتنكبه ولا يذكره ولا يصدق به اذا روي اليه لانه خارج نطاق المعقولات، ولكن ابن خلكان لا هم له فيما يدوّن من الوفيات الا ان يأتي بما يمكن ان يأتي به لمن يتولاهم من اصحابه ليشيد بذكرهم ويرفع من شأنهم، حتی ولو كان ما يأتي به هراءً وسخفا كما هو الشأن في الحديث عن المائة حديث التي تولی البخاري الجواب عليها بلا اعرفه وصححها وردها الی اصولها، وقصد ابن خلكان من ايراد هذا الخبر هو ان يقول ان البخاري حافظ متضلع عالم فطن نبيه ثقة محدث لا يشق غباره ولا يخشی عثاره فلذلك يجب أن يعتمد عليه ويركن اليه. وهذه القصة جاء بها علی سبيل الاستدلال علی قوة البخاري في علم الحديث واطلاعه علی الاصول والمتون والاسانيد، والا فما الداعي لذكر هذا التلفيق الذي لا يثبت امام النقد كما رأيت.

وقال ابن خلكان: كان ابن صاعد اذا ذكره _ أي البخاري _ يقول: لكبش النطاح، ونقل محمد بن يوسف الغريري عن البخاري انه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا الا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين.

اقول لست ادري ماذا كان يصنع في احاديثه التي يزعم صحتها والتي كان يرويها عن الفسقة المارقين والملاحدة واعداء أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)الذين شاركوا في دمائهم عندما يدونها في كتابه (الصحيح) فهل كان يستغفر لهؤلاء في صلاته، أم كان يلعنهم؟ فاذا كان يستغفر لهم فأين هم من الثقة وصحة الحديث وقد خضبوا ايديهم بدماء اهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)واولعوا في نصب العداوة لهم والثورة عليهم واغتصاب حقوقهم والرد علی آرائهم والتشفي منهم، وآذنوا بحرب من الله ورسوله واستوجبوا اللعنة

ص: 84

الی يوم الدين امثال عمران بن حطان الخارجي الذي مدح ابن ملجم لقتله أمير المؤمنين عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بقوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها*** الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

اني لا ذكره حينا فاحسبه*** أو فی البرية عند الله ميزانا

وسمرة بن جندب الخارجي أحد ولاة معاوية بن ابي سفيان والذي يقول فيه الامام أحمد بن حنبل في مسنده(1) انه كان يبيع الخمر ايام عمر والوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله ولعن من تناسل منه. وحريز بن عثمان المارقي المعلوم النفاق والذي كان يتعبد بسب أمير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كل يوم سبعين مرة. والمغيره بن شعبة رأس الفسوق. وكثير من امثال هؤلاء ممن لا همَّ لهم الا محو الاسلام والقضاء عليه واجتثاث شجرة النبوة من اصولها والعودة بالناس الی الجاهلية بتغيير احكام الاسلام وتبديل شريعة سيد المرسلين(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

واذا كان عندما يحاول أن يكتب حديثه الصحيح عنهم يلعنهم في صلاته علی جرائمهم وما ارتكبوا في حق الاسلام والمسلمين، وما اوغلوا فيه من التاليب علی أهل البيت واشهار السيوف عليهم ونصب الحرب لهم والخوض في دمائهم واستباحتهم المحارم واتيانهم النكر وانطوائهم علی النفاق وكيدهم للاسلام واهله فكيف يروي عنهم الاحاديث التي عليها مدار الدين وتفسير الكتاب وتعيين الاحكام وقواعد الشريعة، وكيف يصحح احاديثهم وهم من علمت من الخارجين علی الاسلام الساعين الی هدمه، ونقض بنيانه؟...

هذا ما يسئل عنه اهل الانصاف من أهل الايمان الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ...وما دام هؤلاء الفجرة الفسقة واضرابهم هم رواة البخاري فاعرف ما هو قدر الكتاب وما هو وزنه في ثقل الصحة، وكيف يسمی بالصحيح ولماذا اعتبروه دونسائر الكتب في الطليعة؟ ثم نسأل البخاري عن هذا الغسل وهذه الصلاة هل وردا في

ص: 85


1- - ج1 ص25

كتاب الله وسنة نبيه؟ فأين آيتهما وحديثهما؟ أو ان ذلك مما ابتدعه البخاري ولم يرد به نص عن الله ورسوله فهو أول دليل علی ان الرجل كان من اهل البدعة لا من اهل السنة باعترافه . فكيف يؤخذ بحديثه وهو مبتدع للعبادات من قبل نفسه ليس بتابع لشريعة رسول الله، والعبادات توقيفية وكل من شرع فيها فهو مبتدع.

وفي وفيات الاعيان انه قال صنفت كتابي (الصحيح) لست عشرة سنة وخرجته من ستمائة الف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله.

أقول: ان تخريج ستمائة الف حديث وتصحيحها ومعرفة القيم منها وملاحظة اسانيدها، ومتونها وعرض كل واحد منها علی الكتاب والسنة كما هو الشرط في تصحيح الحديث. والتفتيش عنها والسير في طلبها يحتاج الی زمن طويل لانه لو فرض لكل حديث يوم واحد لاقتضی ستمائة الف يوم وتبلغ هذه الايام الف وستمائة وستا وستين سنة وثمانية اشهر باعتبار السنة ثلثمائة وستين

يوما فكيف يمكن ان يكون هذا العمل في ستة عشر سنة كما ذكر ذلك هذا مع ان ستة عشر سنة يجب ان يخرج منها ثمان سنين للنوم والطعام والغسل والوضوء والصلاة، وصلاة ركعتين مع الوضوء لكل حديث فلايبقي حينئذ الاثمان سنين هذا مع قطع النظر عما يتعلق بحياة الانسان من الامور الاخری التي تحتاج الی مزيد من الزمان.

فانظر ايها العاقل بعين البصيرة واحكم علی هذا الادعاء ثم احكم بعد ذلك علی كتاب البخاري في صحته اذا كان مصنفه بهذه المثابة من الثقة وصدق القول.

لعمري ان هذا اعجاز آخر للبخاري مضافاً الی اعجازه الاول في الرد علی المائة حديث المقلوبة مما لم يتسن لنبي أو وصي نبي فايّ وصي نبي يرد علی مائة حديث بساعة(بالشكل المتقدم عن البخاري) وان يعمل في ثمان سنين ستة عشر الف وستمائة وست وستين سنة وثمانية اشهر.

لاشك ان مثل هذه الخرافات والتهاويل اذا كانت قد راجت في القرون الوسطی فانها لن تروج في مثل هذا العصر الذي ملكالناس فيه حرية النقد والتنقيب وانطلق من عقاله التفكير وتفتحت امامهم أبواب

ص: 86

التمحيص وعرفوا طرق محاكمات الاقول . من يتصفح البخاري من اوله الی آخره لا يجد فيه حديثا واحدا مرويا عن أميرالمؤمنين عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، ولا عن الامام ابي عبدالله جعفر بن محمد الصادق سلام الله عليه، بل يجده متلاطما بالاحاديث عن ابي هريرة والمغيرة بن شعبة المجرم، وعمرو بن العاص الفاسق، ومعاوية الباغي، وزياد بن سمية بن ابيه المستلحق وعمران بن حطان الخارجي واضرابهم من اهل الفسوق والفجور والبغي والمروق حتی يخيل لمن يتصفح هذا الكتاب_البخاري_ ان علياً واولاده وبقية اهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)لم يكونوا في الوجود أو انهم كانوا لا يعدلون احد هؤلاء منزلة واحط منهم رتبة، أو أنهم ليسوا ممن رأی رسول الله وسمع منه وعاش معه وتربی في حجره، ولذلك صدف البخاري عنهم وعن ذكرهم وترك احاديثهم واغفل أمرهم.

الواقع ان البخاري كان مبغضا قاليا لاهل البيت غاليا في التعصب ضدهم متهالكا في بغضهم ينزع الی الحط منهم ويميل الی التقليل من شأنهم فكان ينأی بجانبه عن العترة الطاهرة ولا يود ذكرهم بخير. ولذلك تراه ترك احاديثهم فلم يأت بها في صحيحه المزعوم كما ترك الاحاديث الواردة في فضل عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علی صحتها وقوة اسانيدها. وتضافر طرقها وتواترها.

والبخاري اذا اضطر ولم يجد بدا من ذكر بعض الاحاديث في فضائل ومناقب أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)راوغ وداور واختصر واوجز وشوّه وموّه وحوّر وقصّر حتی يفضي بالمتتبع الی شهاب الاضطراب ويأخذ به في متاهات الاغراب.

ومن العجيب ان يركن احد من المؤمنين بالاسلام الی الاخذ عن البخاري وبعده عن الحديث كبعد بخاری عن المدينة؟ والمدينة عاصمة الاحاديث النبوية ومركز الدين واليها المفرغ في استقاء الاخبار عن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)لانها تضم المهاجرين والانصار والتابعين واولادهم، وبها شجرة النبوة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء

ص: 87

امثال علي السجاد ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسی الكاظم ومحمد الجواد وعلي بن موسی الرضا وبقية الائمة المعصومين(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)واولادهم واصحابهم وشيعتهم.

اما بخاری ففي اقصی بلاد الشرق فيما وراء النهر وهي من المدن الاعجمية وليس بها من حملة الحديث من يركن اليه أو يعتمد عليه أو يؤبه له وانّی للاعجمي ان يستكنه اسرار العربية وكلام خير البرية مهما بلغ به الحول وطال به الطول ما لم يغترف علمه من ينبوع الايمان ومن خزائن تراجمة القرآن وامراء البلاغة والبيان اهل البيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي وخزان العلم لا من الطلقاء وابنائهم والمؤلفة قلوبهم واضرابهم وذوي النفاق واحزابهم بيد أن الذين رأوا في البخاري شانئا لاهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)اتخذوه اماما وقدوة وجعلوه حجة في الراوية والنقل وسموا كتابه (الصحيح) بما وقر من اخبار الناصبين ، وروايات المعادين، واحاديث الآثمين، عداء لله ولرسوله وتعصبا علی اهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ).

هب ان البخاري صحيح في نفسه. وان كان ذلك لا يكون فما الذي اوجب حصر تصحيح الحديث عليه وحرمان غيره مثل الامام الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين من ابناء رسول الله من تصحيح الحديث، وبما ذا فضل البخاري علی مسند أحمد بن حنبل أو احاديث موطأ مالك بن انس المدني أو سنن ابي داود الترمذي أو غيرهم؟! ...

لا شك ان حصر تصحيح الحديث بجماعة، وحرمان غيرهم لا يختلف عن حصر التقليد بجماعة وحرمان أخرين من المجتهدين سدا لباب العلم الذي فتحه الله تعالی علی عباده في كتابه وسنة نبيه، ولا يرضی بذلك متتبع الا من اوقف سير العلم واتخذ الجمود والركود بدل التوسع والتحقيق والتنقيب. ودين الله أوسع من ذلك والسنة هيقول الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كيفما ثبتت ومن أي طريق صحت، والاقتصار علی البخاري أخذ بقول ابن بخاری الاعجمي لا بقول الرسول النبي العربي.

ص: 88

ان العقل ليأبی علی العاقل ان يترك اهل الدين واصحاب البيت واهله ويركن في استقاء دينه الی الغرباء امثال البخاري والمرزي والترمذي والنيسابوري ومن علی شاكلتهم لان اهل البيت ادری بما فيه. واهل مكة ادری بشعابها . ويرجع في تقليده الی امثال ابي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه النهاوندي أو الكابلي الذي ليس بينه وبين المجوسية الا اباه ثابتا فقط. لان زوطي كان مجوسيا مسه الرق فاعتق واولد ثابتا في الاسلام . يضاف الی ذلك انه لم يكن عارفا بالعربية . نقل عنه: ان ابا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثل هل يوجب القود فقال لا فقال أبو عمرو ولو قتله بحجر المنجنيق ؟ فقال ابو حنيفة ولو قتله بأبا قبيس ، فنصب ابا بحرف الجر جهلا منه بالعربية وسقطاته كثيرة.

ومن غريب أمر البخاري انه احتج برواية مثل ابن العاص وحريز ولم يحتج برواية جعفر الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)علی ان باقي الصحاح احتجوا بروايته وقد قيل في هذا المعنی:

قضية اشبه بالمرزئه*** هذا البخاري امام الفئه

بالصادق الصديق ما احتج في*** صحيحه واحتج بالمرجئه

وحق بيت يممته الوری*** مغذة في السير أو مبطئه

ان الامام الصادق المجتبی*** بفضله الآي اتت منبئة

اجل من في عصره رتبة*** لم يقترف في عمره سيئه

قلامة من ظفر اقلامه*** تعدل من مثل البخاري مائه

ومن غريب الامور اننا نسمع في هذا العصر النداء بالعروبة ونری في ذات الوقت هؤلاء الذين ينادون بها يحلفون بالاعاجم ابناء المجوس ولا يحلفون بمن هم فخرالعروبة والمسلمين من آل محمد الذين هم سادات العرب (1) وعنوان مجد المسلمين فكيف تجتمع لهم هذه الدعوی مع هذا الاتجاه والميل الی الاعاجم؟!

ص: 89


1- روی البيهقي: انه ظهر عليّ من البعد فقال النبي: هذا سيد العرب فقالت عائشة ألست سيد العرب فقال أنا سيد العالمين وهو سيد العرب ، ورواه الحاكم في صحيحه عن ابن عباس بلفظ أنا سيد ولد آدم وعلی سيد العرب.

نحن مسلمون ولا نرضی لمسلم ان يفرق بين الاقوام المسلمة بما يدعو اليه من العصبية القومية، ولكننا نقول كيف يصح لمدعي القومية ان يميل عن سادات قومه، ورؤوس شرفه ومناط عزه الی غيرهم من ابناء الاقوام الاخري الذين لا يمكن ان يكون لهم ما لاهل البيت عليهم الصلاة والسلام من العلم والمنزلة والنسب.

وقصاری القول ان دعوی القومية ، والدعوة الاسلامية لا تجتمعان في من يناصب أهل البيت لانه في نصبه وعداوته لاهل البيت يفقد ادعاءه بالقومية لانهم سادات العرب وخير من وطيء الحصی . وبادعائه بالاسلام يفقد هذا الادعاء لان أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)هم الذين جاء القرآن يقول عنهم_ قل لا اسألكم عليه اجرا الاالمودة في القربی. وانما يريد الله ليذهب عنكم اهل البيت ويطهركم تطهيرا . الی غير ذلك من الآيات القرآنية بحقهم. واما الاحاديث الواردة عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فيهم فهي فوق نطاق الحصر وان جهد البخاري واضرابه علی اخفائها . ويكفي المسلم ان يعلم عنهم انه لاتتم له صلاة ما لم يقل اللهم صل علی محمد وآل محمد . فآل محمد هم العروة الوثقی التي لا انفصام لها والتي يجب علی المسلمين الاعتصام فيها والتمسك بها دون سائر الناس.

وقيل ان البخاري لما قدم مصر توفي بها ذكر ذلك بن يونس في تأريج الغرباء ولم يصحح ذلك بن خلكان. ولا غيره والله اعلم.

ص: 90

خروج الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من مكة الی العراق

ما فترت عزيمة بني امية قط في محاربة الاسلام، فناهضوا النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وظاهروا عليه من يوم بعث الی يوم مات، وانتقلت حربهم وعداوتهم من رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الی اهل بيته(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) يحاربون بحربهم الاسلام، واشهار معاوية بن هند الذي يدعيه ابو سفيان الحرب علی امير المؤمنين عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حلقة من حلقات الحروب التي اقامتها امية علی محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعلی الاسلام، وغدر معاوية وخيانته للحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) واعلان سب امير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علی المنابر وحمل الناس علی التعبد به تمهيدا لحمل الناس علی سب رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)، والرجوع بهم الی الجاهلية، هذه الامور حلقة من تلك الحلقات.

فامية عدوة الاسلام، وعدوة محمد وآل محمد وعدوة المسلمين في صورها الشتی واحوالها المختلفة، فهي عدوة لبني هاشم في الجاهلية، وعدوة لبني هاشم ومحمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عندما بعث بالاسلام، وعدوة لبني هاشمومحمد وآل محمد والمسلمين عند ما قام الاسلام واشرق نوره ودخل فيه الناس افواجا، وعدوة لبني

ص: 91

هاشم ومحمد وآل محمد والمسلمين بعد وفاة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومن يتتبع سيرة بني امية من يوم وجدوا الی أن أبادهم الله يجد عداوتهم صارخة عاتية لبني هاشم ولله ولرسوله بما كانت امية تقوم به في الجاهلية والاسلام من تحريش وتاليب ودس وتخريب وحروب وتقتيل.

وظلت عدواة امية لبني هاشم ولمحمد ولآل محمد وللمسلمين متلهبة النار ساطعة الانوا ر حتی في حكم ابي بكر وعمر وعثمان ولكنها كامنة في صدور الامويين كمون النار في الحجارة حتی اذا افضي الامر الی أمير المؤمنين عليّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) برزت تلك النار من مكمنها فكانت نار جاهلية محرقة كما جاء في القصيدة الرائية لابي القاسم علي بن الحسين المغربي حيث يقول:

ثم ارتدی المحروم فضل ردائها*** فغلت مراجل احنة ونفار

فتأكلت تلك الجذي وتلمظت*** تلك الظبا ورقی اجيج النار

تالله لو ألقوا اليه زمامها*** لمشی بها سمحی بغير مهار

ولو انها حلت بساحة مجده*** بادي بدا سكنت بدار قرار

فأحرق بتلك النار معاوية ما استطاع احراقه من الاسلام والمسلمين، وخلفه ابن ميسون الذي يدعی يزيد بن معاوية فصار يحرق بتلك النار ما استطاع احراقه حتی قتل الحسين سبط النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، واستباح المدينة وهدم الكعبة الی ما تجاهر به في محاربة الاسلام والتظاهر بالفسوق والفجور وارتكاب الفواحش والمنكرات يقول عبد الباقي العمري:

علی يزيد دون ابليس اذا*** ما ذكر اللعن انتمي وانتسبا

نحكم في تكفيره اذا صح ما*** قد قال للغراب لما نعبا

أراد يزيد أن يجتث شجرة النبوة من أصولها ويثأر لاشياخه المزعومين من بني امية الذين قتلهم الله يوم بدر فدس في الحج سبعين شيطانا من بغاة بني امية ليغتالواالحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وأمر هم بقتله ولو كان متعلقا باستار الكعبة بعد أن علم ان الحسين امتنع عن بيعته. والحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عالم بما بيته له يزيد من الشر، وكان سلام الله عليه قد

ص: 92

جاء مكة بعد ان امتنع علی الوليد بن عتبة وقيل خالد بن الحكم من بيعة يزيد وارسل امامه ابن عمه مسلم بن عقيل الی العراق لاخذ البيعة علی أثر الكتب الكثيرة التي وردت اليه من رؤساء اهل العراق يدعونه بها اليهم ويقولون فيها: لقد اخضر الجناب واينعت الثمار فاقدم الينا فلعل الله أن يجمعنا بك علی الحق والهدی وانما تقدم علی جنود لك مجندة، وفي بعضها: فان لم تقدم خاصمناك عند جدك رسول الله يوم القيامة.

وكان مقام الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بمكة من اشد الاشياء علی عبد الله بن الزبير لان ابن الزبير كان يری ان الناس لا يعدلونه بالحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فكان يود لو ان الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فارق مكة وخرج منها ليخلو له الجو فيها، وعند ما عزم الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علی التوجه الی العراق قام خطيبا فقال:

خطبة الامام الحسين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في مكة يوم السابع من ذي الحجة

سنة 60 هجري

الحمد لله وما شاء الله ولا قوة الا بالله خط الموت علی ولد آدم مخط القلادة علی جيد الفتاة وما أولهني الی اسلافي اشتياق يعقوب الی يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالی تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني اكراشا جوفا واحوية سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا اهل البيت نصبر علی بلائه ويوفينا اجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته وموطنا علی لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاءالله.

ان من يتدبر هذه الخطبة يتبين له ان الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لم يكن مغترا ولا مخدوعا ولا سالكا علی غير بصيرة من امره ولكنه يدري بما سيصير اليه ويعرف ماسيلاقيه في وجهته هذه وان لا محيص عن يوم خط بالقلم لعلم علمه من رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأمر ندبه الله اليه للثورة في وجه الطغيان الاموي، واعلان الايمان وتثبيت دعائم الاسلام لتكون كلمته هي العليا وكلمة اعدائه ومناوئيه من الامويين هي السفلی، وليقيم

ص: 93

صرحه الرفيع بدمه الطاهر ودماء المستشهدين معه، وبذلك يرد كيد الامويين الی نحورهم ويخيب آمالهم فيما رسموه من محق للاسلام حيث عملوا علی ضعضعة بنيانه، وتهديم اركانه ، فليس له الا ان ينهض لحمايته ويضحي له بمهجته ويبذل في ذلك نفسه واهله وولده واصحابه، فكان للحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ماأراد الله له من الكرامة وحسن الزلفی وطيب المآب. وكان ليزيد وبني امية ما ألبسهم الخزي والعار الی يوم القيامة، فاطاح الله ملكهم المبني علی الفسوق والكفر والفواحش والاستهتار ومحق الاسلام وبدد شملهم واحلهم واحل قومهم دار البوار، والله.لطيف بعباده.

بعد ان خطب الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) خطبته التي أئلجت قلب عبد الله بن الزبير لانه اطمأن الی خروج الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من مكة وخلوها له. جاء اليه ابناء المهاجرين والانصار فكلموه ليعدل عن التوجه الی العراق وكان منهم عبد الله بن عمر فأجابه(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): اما علمت ان من هوان الدنيا علی الله ان رأس يحيی بن زكريا اهدي الی بغي من بغايا بني اسرائيل وكانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي.

ولقد احدث خروج الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من مكة وتركه الحج ضجة عظيمة في المسلمين لان مثل الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كيف يخرج من مكة وغدا يوم الحج فينبغي لمثله أن لا يترك الحج وان يتلبث ريثما ينتهي من حجه، وما دروا أن يزيد بن معاوية عند ما علم ان الحسين في مكة جهز جيشا عظيما تحت قيادة سعيد بن العاص وقلده امارة الحج وأوصاه أن يقبض علی الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وان لميتمكن منه فليقتله غيلة وان يناجزه القتال ويستعمل القوة والرهبة خوفا من حجاج بيت الله ومن اهل الحجاز اذا اقتضی الامر ذلك. فلما قيل للحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وما الذي اعجلك يا بن رسول الله عن الحج؟ قال: ان يزيد قد دس في الحج سبعين رجلا من شياطين بني امية وأمرهم باغتيالي ولو

ص: 94

كنت متعلقا باستار الكعبة ، وان بني امية لن يتركوني حتی يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فخرجت لئلا تستباح بي حرمة هذا البيت.

لم تكن علی الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حجة الاسلام حتی يتوجه اليه مثل هذا السؤال لانه سلام الله عليه كان قد حج قبلها كثيرا، وانما كانت حجة مستحبة ، ويجوز جعلها عمرة مفردة وخصوصا اذا دعت الی ذلك دواع شرعية. وقد جعلها الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عمرة مفردة لمطاردة بني امية اياه وعزمهم علی اكراهه ومقاتلته وقتله مهما كلفهم الامر، والحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يعلم ذلك من عزمهم فهم قد منعوا سيد المسلمين من اقامة أكبر شعائر الدين، وقبل ذلك منع ابوسفيان وحزبه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الحج وصدوه عنه بعد أن بلغ الحديبية علی ابواب مكة وفي ذلك نزل قوله تعالی: (هو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظهركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا. هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام...الخ) فللحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) اسوة بجده رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ، وعلی يزيد تبعة صد الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن الحج كما كان علی ابي سفيان وحزبه من المشركين تبعة صد النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الحج.

ولما أراد الخروج من مكة طاف وسعی واحل من احرامه وجعل حجه عمرة لانه لم يتمكن من اتمام الحج مخافة أن يقبض عليه وتنتهك بقتله حرمة البيت الحرام، وكان خروجه عليه السلام من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية في الثامن من ذي الحجة سنة ستين هجرية وهو اليوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، ومعهاثنان وثمانون رجلا من اهل بيته وشيعته ومواليه وهو بينهم كالشمس رأد الضحی تجلله هالة من المهابة وتتجلی في محياه أنوار التقوی التي تتألق في وجه أمثاله من اولياء الله، وتتردد في مطاوي افكاره الآلام التي كانت تساور جده(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأباه(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) رحمة بعبادالله في بدر وأحد وفي وقعتي الجمل وصفين حلقات متصلة بعضها ببعض، وجاءت فاجعة كربلاء وهي الوقعة الاخيرة تكملة للمآسي السابقة أدرك بها دعي ابن ابي سفيان الثأر الذي أصابه في قتل سبط الرسول وريحانته وهو القائل:

ص: 95

قد قتلنا القوم من ساداتهم*** وعدلنا ميل بدر فاعتدل

وقال ايضا:

نعب الغراب فقلت صح اولا تصح*** فلقد قضيت من النبي ديوني

روائع من الادب الاسلامي الحلقة الثانية من القصيدة الهاشمية الكميت

بن زيد الاسدي رحمه الله

وهذه التي أقضت مضاجع بني أمية، وأخذت تتناقلها الافواه وتردد صداها الاجيال، وقد خلدها التاريخ لانها آية من آيات شعر المبدأ والعقيدة وانشودة كل مجاهد في سبيل الذود عن الحق، ومقاومة الباطل، ومقارعة أهل البغي والضلال، وها هي رائعة الكميت التي دوي صداها وطار صيتها في الآفاق.يرون لهم حقا علی الناس واجبا*** سفاها وحق الهاشميين أوجب

ولكن مواريث ابن آمنة الذي*** به دان شرقي لكم ومغرب

فدی لك موروثا أبي وأبو ابي*** ونفسي ونفسي بعد بالناس أطيب

بك اجتمعت انسابنا بعد فرقة*** فنحن بنو الاسلام ندعی وننسب(1)

حياتك كانت مجدنا وسنائنا*** وموتك جدع للعرانين موعب(2)

ص: 96


1- يقول جاء رسول الله | بالاسلام فجمع انسابنا وصيرنا أمة واحدة . وأمات القوميات اذ صهرها في بودقته واخرجها بنسب واحد هو الاسلام ولكن بني أمية هم الذين فرقوا الكلمة ومزقوا صفوف المسلمين .
2- موعب : مستأصل . والسناء بالمد المجد والشرف وبالقصر الضوء .

وانت امين الله في الناس كلهم*** علينا وفيها اختار شرق ومغرب

وتستخلف الاموات غيرك كلهم*** ونعتب لو كنا علی الحق نعتب

فبوركت مولودا وبوركت ناشئا*** وبوركت عند الشيب اذ انت اشيب

وبورك قبرانت فيه وبوركت*** به وله اهل لذلك يثرب(1)

لقد غيبوابرا وصدقا ونائلا*** عشية واراك الصفيح المنصّب

يقولون لم يورث ولولا تراثه*** لقد شركت فيه بكيل وأرحب (2)

ص: 97


1- - اشارة الی قبر النبي | وبركته . وبوركت أهل يثرب . أي أهل المدينة . نالوا البركة به ، فهم يتبركون به ويستشفعون به الی الله . وقول الكميت هذا يبطل زعم السلفيين من المتأخرين الذين قالوا بحرمة التبرك والاستشفاع بقبور النبي| واهل بيته^والاولياء الصالحين . والكميت من التابعين ونحن نأخذ بقوله اذ هو من السلف الصالح ولم نجد من قال بقول السلفيين من الصحابة والتابعين وبهذا ثبت عندنا ان هؤلاء لم يتبعوا السلف ولا السنة النبوية . بل اغفلوهما .
2- - يقولون: ان النبي لم يورث ويزعمون ذلك ولكن لولا تراثه وان آل بيته أحق بالخلافة منهم وهم ورثته لكانت القبائل المذكورة لهم نصيب في الخلافة وكان الناس سواء في ذلك ولا يختص بها تيم وعدي، ومن الغريب ان نجد شارح الهاشميات محمد محمود الرافعي يعزو القول الی بني أمية وانهم هم القائلون ان النبي لم يورث وانما وضع هذا القول يوم وفاة رسول الله ص لمنع اهل بيته من تراثه وقد صرح ابو سفيان باحقية اهل البيت عندما وقف علی بيت أمير المؤمنين علی وقال : بني هاشم لا تطمع الناس فيكم ولا سيما تيم ابن مرة أو عدي فما الامر الا فيكمو واليكمو وليس لها الا أبو حسن علی وقال الشريف عون رحمة الله من قصيدة له : واتت فاطم تطالب بالارث من المصطفی فما ورثاها ليت شعري لم خولفت سنن القرآن فيها والله قد ابداها رضي الناس اذ تلوها بما لم يرض فيها النبي حين تلاها نسخت آية المواريث منها ام هما بعد فرضها بدلاها نسخت آية المودة لم تات بود الزهراء في قرباها وحديث : نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة رواه أبوبكر وانفرد بروايته .

وعك ولخم والسكون وحمير*** وكندة والحيان بكر وتغلب

ولا نتشلت عضوين منها يحابر*** وكان لعبد القيس عضو مؤرّب

ولا نتقلت من خندف في سواهم*** ولا قتدحت قيس بها ثم اثقبوا

ولا كانت الانصار فيها ادلة*** ولا غيبا عنها اذا الناس غيب

هم شهدوا بدرا خيبر بعدها*** ويوم حنين والدماء تصبّب

وهم رائموها غير ظئر واشبلوا*** عليها بأطراف القنا وتحدّبوا(1)

فان هي لم تصلح لقوم سواهم*** فان ذوي القربی أحق وأقرب

والا فقولوا غيرها تتعرفوا*** نواصيها تردي بنا وهي شزّب(2)

علی م اذا زرنا الزبير ونافعا*** بغارتنا بعد المقانب مقنب(3)

وشاط علی ارماحنا بادعائها*** وتحويلها عنكم شبيب وفعنب(4)

ص: 98


1- - رائموها : قبلوها والضمير يعود الی دعوة النبي | والظئر: العاطفة ، واشبل عليه عطف عليه واعانه وتحدبوا تآزروا علی نصرته .
2- - فقولوا غيرها : غير مقالتكم هذه وغير دعواكم بأنه | لم يورث لتتعرفوا كيف يكون الغزو ، والنواصي : جمع ناصية وهي مقدم الرأس ، وتردي : تسرع ، وشزب : ضوامر أي الخيل .
3- - المقانب جمع مقنب وهو جماعة من الفرسان ، ونافع بن الازرق الحنفي خرج في ايام عبدالله بن الزبير وقتل في جمادي الآخر سنة 65 وكان يدعي الخلافة، والزبير بن الماخورالشاري رجل من بنی تميم وكانت الخوارج استعملته عليهم بعد قتل عبيد الله ابن الماخور في سنة 65 وقتل في سنة 68 .
4- - وشاط : هلك ، بادعائها : أي الخلافة وتحويل الخلافة عن قريش ، وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني خارجي وله وقائع عديدة مع الحجاج ومات غرقا سنة 76، وخلاصة القول : انه يقول علی ماذا اذن نحارب هؤلاء الخوارج الذين يدعون الخلافة ويلقبون بأمير المؤمنين ولم نرسل لهم الجيش بعد الجيش ؟ انما يرد علی من يجعل الخلافة غير موروثة وان الناس فيها شركاء وسواء ، وقضية شبيب وعبد الرحمن بن محمد الاشعث وحربهم مع بني أمية وطلبهم الخلافة وخلع عبد الملك ، وكان معهم العلماء والزهاد والحفاظ أمثال سعيد بن جبير وعامر الشعبي وغيرهما فهي مشهورة ومن أهم وقائع التاريخ التي تدل علی اغتصاب بني أمية للملك والسلطان وتحكمهم علی المسلمين بغير رضی منهم .

نقتلهم جيلا فجيلا نراهم*** شعائر قربان بهم يتقرب

لعلّ عزيزا آمنا سوف يبتلي*** وذا سلب منهم انيق سيسلب

اذا انتجوا الحرب العوان حوارها*** وحن شريج بالمنايا وتنضب(1)

* * *

فيا لك امرا قد اشتت اموره*** ودنيا أری أسبابها تتقضب(2)

يروضون دين دين الحق صعبا مخرّما*** بأفواههم والرائض الدين أصعب(3)

اذا شرعوا يوما علی الغي فتنة*** طريقهم فيها عن الحق أنكب(4)

رضوا بخلاف المهتدين وفيهم*** مخبأء أخری تصان وتحجب(5)

وان زوجوا امرين جورا وبدعة*** اناخوا لاخری ذات ودقين تخطب(6)

ص: 99


1- - انتجوا الحرب : اضرموا نارها . والعوان البكر وهي الحرب الشديدة . الحوار ولد الناقة قبل أن يفصل عن الرضاعة . والشريج أراد القوس لان العود يشق منه قوسا فكل واحدة شريج وتنضب : شجرة تتخذ منها السهام .
2- - اشتت : تفرقت ، وتتقضت : تتقطع .
3- - يروضون أي يذللون ، والمخرم من الابل الصعب الذي يذلل للركوب ، يقول : ان من الذين ينكرون ميراث الرسول | يتصرفون في معاني كتاب الله ويفسرونها علی ما يهوون .
4- - انكب : مائل . يقول : اذا ساروا في امر يرغبونه اظهروه علی خلاف الحق حسب ما تهواه أنفسهم وتميل اليه رغائبهم .
5- - بخلاف المهتدين : أي بمخالفتهم وهم النبي | . ومخبأء أي ضلالة قد خبؤها في نفوسهم لا يظهرونها وقيل لانهم قالوا الخليفة أفضل من الرسول حتی قام الی هشام رجل فقال : اخليفتك الذي يخلفك في مالك واهلك هو أعظم قدرا أم رسولك الذي ترسله في حاجتك فقال بل خليفتي قال : فأنت أعظم قدرا عند الله تعالی . وعلی هذه كانت عقيدة بني أمية ولهذا السبب منع الحجاج بن يوسف اهل العراق عن الحج وأمرهم بالطواف حول قصر عبدالملك بن مروان بدلا عن الكعبة .
6- - زوجوا : جمعوا ، ذات ودقين ، الودق المطر ويقال للحرب الشديدة ذات ودقين أي ذات وجهين . اشار الی خلافة ابي بكر وعمر والاخری : الثالثة وهي خلافة عثمان .

ألحوا ولجوا في بعاد وبغضة*** فقد نشبوا في حبل غي وانشبوا(1)

تفرقت الدنيا بهم وتعرضت*** لهم بالنطاف الآ جنات فاشربوا(2)

حنانيك رب الناس من أن يغر بي*** كما غرهم شرب الحياة المنضّب(3)

اذا قيل هذا الحق لاميل دونه*** فأنقاضهم في الحي حسری ولّغب(4)

وان عرضت دون الضلالة حومة*** أخاضوا اليها طائعين وأوثبوا

وقد درسوا القرآن وافتلجوا به*** فكلهم راض به متحزّب(5)

ص: 100


1- - نشبوا : علقوا وانشبوا : اعلقوا غيرهم ، يقول ألحوا علی غيرهم في كراهية آل البيت ولجوا أي تمادوا في تنفير الناس منهم .
2- - النطاف جمع نطفة ، والآ جنات جمع آجن وهو الماء المتغير . يقول تعرضت الدنيا لهم فمالوا اليها وآثروها وخالط قلوبهم حبها ومزجوا الحلال بالحرام . أشار هنا الی معاوية وسفكه دماء المسلمين وخروجه علی امام زمانه أمير المؤمنين ^ والی خروج عائشة مع طلحة والزبير والخوارج . وهؤلاء الذين أشار النبي | اليهم في قوله : يا علی ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين .
3- - المنضب : الذاهب المضمحل .
4- - انقاض جمع نقض بالكسر وهو البعير المهزول ، وحسری جمع حاسر وحسير من حسرت الدابة أعيت وكلت . ولغب جمع لاغب من اللغوب وهو التعب والاعياء .
5- - افتلجوا أي ظفروا من الفلج وهو الظفر .

الامام عليّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)و استمداد النبي سليمان (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)

في الحرب العالمية الاولی (1916 ميلادية) عند ما كان مجموعة من الجنود الانكليزيين مشغولين بحفر الحصون علی بعد بعضٍ من الكيلومترات من بيت المقدس في قرية صغيرة باسم (اونتره) وجدوا لوحاً من الفضة حاشيته مرصعة بالجواهر القيمة وفي وسطه خطوط مكتوبة بالحروف الذهبية وحينما جاءوا بها الی الآمر (ميجراي گويندل) سعوا ان يفهموها فلم يفهموا منها شيئاً الا انهم فهموا ان هذه الكتابة بلغة تاريخية(قديمة) وحينذاك وصلت عن طريقه الی قادة الجيش البريطاني (ليفتونانت) و(گلدستون) وهما اعطوا اللوح الی الخبراء في الامور التاريخية القديمة البريطانين وبعد انتهاء الحرب (سنة 1918 الميلادية) اخذوا في التحقيق حول هذا اللوح فشكلوا لجنة من الاساتذه الخبراء في اللغات التاريخية القديمة من الامريكيين والفرنسيين ومن البريطانيين والالمانيين وسائر الدول الاوربية وبعد عدة اشهر من التحقيق في الثالث من ژانوية 1920 اكتشفوا ان هذا اللوح المقدس باسم (اللوح السليماني) وفيه بعض كلمات حضرة سليمان(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)باللغة العبرية القديمة ونحن نورد ترجمة لوح سليمان(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هنا:

الله

ص: 101

احمد ايلي

باهتول

حاسن حاسين

« ياه احمد! مقذا» اي احمد ادركني

« ياه ايلي! انصطاه» يا علي ساعدني

« ياه باهتول! اكاشئي» اي بتول! انظري نظر الرحمة

« ياه حاسن! اضو مظع» اي حسن! اكرمني

« ياه حاسين! بارفو» يا حسين! هب السرور«امو سليمان صوعئخب زالهلاد اقتا» هذا سليمان الان يستغيث بهؤلاء الخمسة الاكابر

« بذت الله كم ايلي» وعلی قدرة الله

بعد اطلاع اعضاء اللجنة علی محتوی هذا اللوح نظر كل واحد منهم للاخر متعجبين وعضوا علی اصابعهم حياری وبعد تبادل الاراء قرروا ان يوضع اللوح في المتحف البريطاني لكن حيث ان هذا الامر وصل الی الاسقف الاعظم لبريطانية فقد اصدر امراً سرياً للجنة خلاصته:

«ان هذا اللوح اذا وضع في المتحف مقابل انظار الناس فانه سوف يهتز اساس المسيحية وحينئذٍ لابد المسيحيين ان يحملوا جنازة المسيحية علی اعتاقهم ويدفنونها في قبر النسيان ولذا فلابد من وضع هذا اللوح في دار الكنيسة البريطانية ولايراه الا الاسقف واهل السر(1).

ثم ان اولئك الذين رأوا هذا اللوح وكان لهم فكر فقد انعطفوا نحو الاسلام بشكل عجيب وفي ذلك الزمان وقع كلام بين اثنين من العلماء وهما «وليم»

ص: 102


1- - راجع كتاب ، طبع لندن، ص249.

و«تامس» حول اللوح واعتنقوا دين الاسلام . وقد سمّی وليم نفسه «بكرم حسين» وتامس «بفضل حسين»(1)

إنباء شري كرشن جي حول الامام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(2)في الحرب المشهورة الواقعة بين «پاندوها» و«كوروها» حينما جاء «شري كرشن جي» الی ميدان الحرب ورأی الموالين للحق قليلين جداً والموالين للباطل بكثرة لاتحصی مثل القمل والجراد ملؤالارض وعظ اتباعه وقال لهم مايلزم ان يقال ثم ذهب الی زاوية وقبل الارض تأدباً (و لعل المراد هو السجود علی الارض) واخذ يناجي الله جل وعلا وقال: «يا رب العلم وروح الوجود العظيمة! اقسم عليك بذاتك المقدسة والذي صار سبباً لخلق الارض والسماء وبحبيبك وبذلك الشخص الذي هو عزيزعنده ومحبوب لديه للغاية واسمه «آهلي» (عليّ) وقرب حجر الاسود في اعظم محل للعبادة في العالم سوف يظهر اسمع كلامي واقضِ حاجتي واهلك الشياطين والكاذبين وانصر وارحم الصادقين يارب! اي ايلا! اي ايلا! اي ايلا»(3).

ص: 103


1- - كتاب علي والانبياء^، ص27، ومجلة الاسلام، طبع دهلي، فورية 1927 ميلادي، ومجله «مسلم كرانيكل»، طبع لندن، 30 دسامبر 1926 م.
2- - كلمتا «شري» و«جي» التي يؤتي بهما في اول واخرالاسم ليستا جزء الاسم بل يؤتي بهما للاحترام من قبيل ما يقال حضرة وجناب ويعتقد الهنود انه كان نبياً عظيم الشأن وكتاب «بهگوت گيتا» يشتمل علی تعاليمه واقواله والكتاب مقدس عندهم جداً وهذا الكتاب يشتمل علی الفلسفة والعرفان والتمدن والمواعظ وقد ترجم بلغات مختلفة نقلاً عن كتاب سوشل استديز ص 125.
3- - كتاب علي والانبياء^، ص19-21.

بمناسبة رحلة الرسول الاكرم (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

تحقيق حول رواية سوادة بن قيس

الواردة حول : رحلة خاتم الانبياء والرسل محمدالمصطفى(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)

آية الله الشيخ ماجد الكاظمي

الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد واله الطيبين والطاهرين

وبعد: فقد روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه الامالي1 بسند ينتهي الى خالد الحذاء عن ابي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي عن ابن عباس انه قال: لما مرض رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وقد جاء فيها انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). قال لاصحابه أي رجل منكم له مظلمة قِبَلَ محمّد الّا قام فليقتص منه فالقصاص في دارالدنيا احب الی من القصاص في دارالآخرة على رؤوس الملائكة والانبياء فقام اليه رجل من اقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له - الى- فرفعت القضيب وانت تريد الراحلة فأصاب بطني ولاادري عمداً او خطاءً فقال معاذالله ان اكون تعمدتُ ثم قال يا بلال قم الى من-زل فاطمة(علیها السلام) فأتني بالقضيب المشوق - الى - فقال تعال فاقتص مني حتى ترضى الى

ص: 104

فقال رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ). يا سوادة بن قيس اتعفو ام تقتص؟ فقال بل اعفو يا رسول الله فقال(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبييك محمّد ثم قام رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فدخل بيت ام سلمة وهو يقول رب سلّم امة محمد من النار ويسّر عليهم الحساب فقالت ام سلمة يا رسول الله مالي اراك مغموماً متغيّر اللون فقال نعيت الى نفسي هذهالساعة فسلام لك في الدنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمّد ابداً فقالت ام سلمة وا حزناه حزناً -الى- فن-زل ملك الموت فقال السلام عليك يا رسول الله قال وعليك السلام يا ملك الموت لي اليك حاجة قال وما حاجتك يا نبي الله قال حاجتي ان(1) لا تقبض روحي حتى يجيئني جبرائيل فيسلم علی واسلم عليه الى فلما كشف الثوب عن وجه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نظر يعني رسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الى جبرائيل فقال له:«عندالشّدائد تخذلني» فقال: «يا محمّد انك ميت وانهم ميتون كل نفس ذائقة الموت» اقول: والرواية طويلة هذا قسم منها وقد اشتملت فيما لم انقله على «انه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اتكأ على عاتقي علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) واسامة ثم قال فانطلقا بي الى فاطمة(علیها السلام) فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها(علیها السلام)» وهي صريحة ان وفاته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كانت في حجر فاطمة سيدة نساء العالمين(علیها السلام) وظاهرة في كون ذلك في بيتها(علیها السلام).

اقول: الرواية ضعيفة للغاية بل شواهدالكذب عليها واضحه واشكالاتها كالتالي:

اولاً: انها عامية فابو قلابه

عبدالله بن زيد الجرمي عامي ذكره ابن قتيبة وهو قد رواها عن ابن عباس.

ثانياً: معارضته بما دل على ان الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد فاضت روحه الشريفة في حجر امير المؤمنين علي ابن ابي طالب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)2 وفي من-زل الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومعارضته بما رواه ابن عباس من ان الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كان محاطاً من قبل المنافقين ابي بكر وعمر وغير هما- بعد ان اخرجهم من المدينة وامَّرّ عليهم اسامة

ص: 105


1- - الامالي ص 505 الی 507 2- كما عن المفيد والطبري راجع منتهی الامال ج 1 ص 212

بن زيد وتخلفوا عن جيش اسامه لعلمهم

بمرض رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثم لعنهم الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بقوله الا لعنة الله على من تخلف عن جيش اسامه وانه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) خرج محموماً يمنع ابابكر من التقدم لصلاة الجماعة(1) وانه امرهم بان يأتوا بدواة وقلم ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده ابداً وان عمر منع من ذلك وسبّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في آخر لحظات عمره الشريف بالهذيان والهجران وكثراللغط في بيت النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بمحضر من النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في تلك اللحظات «لحظات مرض الموت» وحينذاك اخرجهم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من بيته وكان ذاك اليوم يوم الخميس وقد وصفه ابن عباس بقوله : الرزيه كل الرزيه ويوم الخميس وما يوم الخميس فعن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: «لمّا حُضِر رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. قال النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): هلُمّ أكتب لكم كتابا لاتضلُّوا بعده فقال عمر: انّ النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللَّه فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرِّبوا يكتب لكم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)كتابا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغْو والإختلاف عند النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) قال رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) «قوموا». قال عبيداللَّه: فكان ابن عباس يقول انّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.»(2) وعلى أي حال فالايام

ص: 106


1- سنن الدارمي ج1ص320
2- - صحيح البخاري، كتاب المرضى والطب، باب 357قول المريض قوموا عنّي، 225/7وكتاب العلم، باب 82كتابة العلم 120/1وصحيح مسلم،كتاب الوصية، باب ترك الوصيّة، ح21 3/ 1259و الرواية في اتهام النبی| بالهذيان والهجران موجودة في المصادر المهمة لاهل السنة تنقل مرة انّه: «قال عمر: ان النبى غلبه الوجع» وهذه كناية عن الهذيان وتنقل اخرى صراحة: «فقالوا: إنّ رسول اللَّه يهجر».راجع: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، ح 10112/120و كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف، 774/9وكتاب المرضى والطب، باب قول المريض قوموا عني، 7/225 وصحيح مسلم، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصية لمن ليس له شي ء يوصي فيه، 3/1259

الاخيرة من حياة الرسول الاعظم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) كانت حرباَ مع المنافقين كما هو منقول في كتب العامة والخاصة ولم تكن الامور طبيعية كما نقلت هذه الرواية.

ثالثاً: انّ الرواية دالة على ان النبي يفعل الظلم ولابد من ان يكون ذلك عن عمد والاّ لايسمىّ ظلماً ففيها : «أي رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة الاّ قام فليقتص منه فالقصاص» اقول: كون النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يمارس الظلم ويظلم منافياً لعصمته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الثابتة بالادلة الاربعة.

ورابعاً: تناقضها ففيها: « فرفعت القضيب وانت تريد الراحلة فأصاب بطني» وظاهر ذلك ان سوادة معتقد لوقوع ذلك خطأً ثم قال بعدها «و لا ادري عمداً او خطأ» اقول: فكيف درى اولاً انه يريد الراحلة وانه اصاب بطنه عفواً وهل ذلك الاّ يناقض قوله « لا ادري عمداً او خطأً » ولا شك في تناقضه الواضح

وخامساً : قال له الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) معاذالله ان اكون تعمدت فاذاً الواقعة خطأيّة فالرسول لاينطق عن الهوى ان هو الّا وحي يوحى وعليه فلا قصاص في الجناية الخطأيّة فاثباتها للقصاص مخالف لاجماع الفقهاء كما هو واضح فايفقيه افتي بالقصاص في الجنايات الخطأيّة ؟ فتسقط الرواية مضافاً الى انها منافية لعصمة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عن الخطأ والسهو الثابتة بالادلة القاطعة1وسادساً: ان صريح الرواية انها كانت في اليوم الذي توفي فيه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهو يوم الاثنين ولم ينقل ذلك احد منّا بل ولا العامة على ما أظن- بل المنقول عن المفيد والطبرسي غيره.

وسابعاً : اشتمالها على بعض المنكرات من قول الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لجبرائيل(1) «عندالشدائد تخذلني » وجوابه له مع انها اشتملت انه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اراد السلام معه وتوديعه ولذلك طلب من ملك الموت امهاله وهل هذا الاّ تناقض.

ص: 107


1- 1- راجع كتاب حق اليقين للمرحوم السيد عبدالله شبر ج 1 ص93 من منشورات الاعلمي 2- قاموس الرجال للمحقق التستري طبع دار النشر الاسلامي ج5/ص329 عن اسدالغابه ص 374 ج 2 1- قاموس الرجال ج 5 ص 329 نقل عن اسدالغابه ص375ج2 وتاريخ الطبري ج2/ص446

ثامناً ان سوادة بن قيس لاوجود له لا في رجال الخاصة ولا في رجال العامة مع تصدي العامة لجمعهم كما في كتاب الاستيعاب في اسماء الاصحاب للحافظ ابن عمر يوسف المتوفى عام 463.

نعم ذكر صاحب اسد الغابة2 الجزري ان سوادبن عمرو النجاري كان يصيب من الخلوق فتلقاه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) مرتين او ثلاثاً فنهاه وانه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لقيه ذات يوم ومعه جريدة فطعن بها في بطنه فخدشه فقال « يا رسول الله أقصني او اقدني» وكذلك روى الجزري ايضاً والطبري صاحب التاريخ ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) عدّل الصفوف يوم بدر وفي يده قدح يعدّل به القوم فمرَّ بسواد بن غزيّه وهو مستنتل من الصف فطعنه النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالقدح في بطنه وقال استو يا سواد فقال اوجعتني »3 وهما روايتان عاميتان ولا ربط لهما بوفاة الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ومشتملتان على ان ذلك الفعلمن الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من باب النهي عن المنكر حسب الرواية الاولى بناء على ان التطيب بالخلوق حرام كما نقل عن بعض العامة قال ابن الاثير: «وهو طيب يتخذ من الزعفران ويغلب عليه الحمرة والصفرة وانما نهي عنه لانه من طيب النساء»(1) وقيادة للجيش حسب الرواية الثانية وانه كان عمداً على علم من الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وانهما كانا مقصرين وكيف كان فمع ضعفهما لاربط لهما بتلك الرواية والحاصل ان الرواية مخالفة لاصول الاسلام وانها من المفتعلات ولعل المنافقين افتعلوها تغطية لفعلهم الشنيع مع رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ايام وفاته.

ص: 108


1- - المصدر السابق

واخيرا نذكر خطباءنا وكتابنا بالتحرز عن نقل مثل هذه الروايات الضعيفة والمنافية لشخصية الرسول الاكرم(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وعليهم بالتثبت في نقل الروايات بان لاينقلوا ما يخالف القرآن والعقل.

اسئلة حول

1.حيّ علی خير العمل

اللجنة الثقافية لأهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)

السؤال:هل جملة « حي علی خير العمل» جزمن الاذان؟ وهل يوجد في مصادر اهل السنة ان الصحابة أو بعضهم كانوا يقولونها وحذفت بعد؟الجواب: اولاً: نحن لا نشك في أنها كانت جزء من الأذان في عهد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) لروايات ائمة اهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) الذين أمر رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) بالتمسك بهم وهم اعرف بدين جدهم وسيرته(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) من غيرهم.

فعن أبي جعفر الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): كان الأذان بحي علی خير العمل علی عهد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وبه أُمروا أيام أبي بكر وصدراً من أيام عمر، ثمَّ أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والإقامة، فقيل له في ذلك؟ فقال: إذا سمع الناس أنّ الصلوة خير العمل، تهاونوا بالجهاد وتخلفوا عنه.(1)

ص: 109


1- - بحار الانوار، 81/156 نقلاً عن دعائم الاسلام 1/453.

ثانيا: قال التفتازاني في شرح المقاصد في المبحث الخامس: ان عمر قال: ثلاث كن علی عهد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وأنا انهی عنهن واحرمهنَّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي علی خير العمل.(1)

ثالثاً: يوجد في مصادر أهل السنة انّ بعض الصحابة والتابعين والفقهاء كانوا يقولونها في الأذان وإليك بعض النماذج:

الف: الإمام زين العابدين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)(2) انه قال(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): هو الأذان الأول.

m المصنَّف لابن ابي شيبة، كتاب الأذان، باب 19،1/244

m السنن الكبری للبيهقي، كتاب الصلوة، باب ما روي في حي علی خير العمل1/425

ب: عبد الله بن عمر (انه كان يؤذن بحي علی خير العمل احيانا)

m السنن الكبری للبيهقي، كتاب الصلوة، باب ما روي في حي علی خير العمل1/424

m المصنف لعبد الرزاق، كتاب الصلوة، باب بدء الأذان ، ح 1786و1797.

m المصنف لابن ابي شيبة، كتاب الأذان، باب19،1/244

m المحلّی لابن حزم، كتاب الصلوة، باب الاذان،2/194.

ج: زيد بن ارقم(3)

m نيل الاوطار، صفة الأذان،م 490،2/40.

د: ابو امامة بن سهل بن حنيف الساعدي(صحابي)(4)

ص: 110


1- - شرح المقاصد، للتفتازاني،5/283.
2- - قال ابن سعد: كان علي بن الحسين ثقةً مأموناً كثيرالحديث عالياً رفيعاً ورعاً.
3- - قال الذهبي: زيد بن أرقم من مشاهير الصحابة وشهد غزوة مؤتة وغيرها، ويقال أنه بشره بالجنة (ولكن للإمامية فيه كلام). سير اعلام النباء ، 27، زيد بن أرقم 3/165 ،ط مؤسسة الرسالة.
4- - قال الذهبي: ابو امامة بن سهل بن حنيف الانصاري الاوسي المدني الفقيه المعمر الحجة وقال الزهري: كان هو من علّية الانصار وعلمائهم ومن أبناء البدريين، وفاته سنة مئة هجري. سير اعلام النبلاء، ترجمة 126 أبو امامة بن سهل ،3/517، ط مؤسسة الرسالة.

m سنن الكبری للبيهقي، كتاب الصلوة، باب ما روي في حي علی خير العمل1/425.

m المحلّی بالآثار، لابن حزم، كتاب الصلوة، باب الأذان، م 331،2/194

ﻫ: حسن بن يحيی(1)

m نيل الاوطار، للشوكاني، باب صفة الأذان، م490،2/40

و: الشافعي في احد قوليهm نيل الاوطار للشوكاني، باب صفة الأذان،م490،2/39

2.التثويب (الصلوة خير من النوم)

السؤال:هل توجد في مصادر اهل السنة احاديث تدلّ علی أنّ التثويب في الأذان، لم يكن في زمن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وانّما زيد بعدُ؟

الجواب: نقل علماء أهل السنة احاديثاً في أنّ التثويب ليس من الأذان وإنّما زيد بعد زمن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).

1- قال الشوكاني: «عن محمّد بن اسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن زيد بن عبد ربّه قال:

لما أجمع رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)... قال: تقول: الله اكبر(اربع مرات)، أشهد أن لا اله إلّا الله )مرتان(... فكان بلال مولی أبي بكر يؤذّن بذلك ويدعوا رسول

ص: 111


1- - قال الذهبي: الحسن بن أبي الربيع المحدث الحافظ الصدوق، أبو علي بن يحيی بن الجعد ، قال ابن ابي حاتم: صدوق. سير اعلام النبلاء، ترجمة149، الحسن بن أبي الربييع ،12/356،ط مؤسسة الرسالة.

الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) إلی الصلوة، قال: فجاءه فدعاه ذات غداة إلی الفجر فقيل له:انّ رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) نائم فصرخ بلال بأعلی صوته: الصلوة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فُادخِلَت هذه الكلمة في التأذين إلی صلاة الفجر.

قال الحاكم النيشابوري: هذه امثل الروايات.

وقال محمد بن يحيي الذهلي: ليس في اخبار عبدالله بن زيد والله من زيد أصح من حديث محمد بن اسحاق... وقال ابن خزيمة في صحيحه: هذاحديث صحيح ثابت من جهة النقل...و قد صححّ هذه الطريقة البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل عنه.(1)

2- قال مالك:

«ان المؤذن جاء إلی عمر بن الخطاب يؤذنه لصلوة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلوة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح».(2)

3- قال محمد بن احمد بن رشد القرطبي:

«و اختلفوا في قول المؤذن في صلوة الصبح: الصلوة خير من النوم ، هل يقال فيها أم لا؟ فذهب الجمهور إلی أنه يقال ذلك فيها، وقال آخرون: إنه لا يقال لأنه ليس من الأذان المسنون، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم، هل قيل ذلك في زمن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أو إنما قيل في زمان عمر؟».(3)

4-قال: الشوكاني:

ص: 112


1- - نيل الاوطار، باب 171، صفة الأذان، ح490،2/36.
2- - الموطأ، كتاب الصلوة، باب ما جاء في النداء للصلوة، ح8،2/72.
3- - بداية المجتهد في صفة الاذان 1/109.

«و ذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلی ان التثويب بدعة قال في البحر: احدثه عمر فقال ابنه هذه بدعة وعن علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حين سمعه: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه.

ثم قال:... لو كان لما انكره علي وابن عمر وطاووس...».(1)

5- قال عبد الرازق بن همام الصنعاني:«عن ابن جريح قال: أخبرني ابن مسلم أن رجلاً سأل طاووساً جالساً مع القوم فقال: يا ابا عبد الرحمن! متي قيل: الصلوة خير من النوم؟ فقال طاووس:أما إنها لم تقل علي عهد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ولكن بلالاً سمعها في زمان ابي بكر بعد وفاة رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يقولها رجل غير مؤذن فأخذها منه فأذَن بها فلم يمكث ابوبكر إلا قليلاً حتی اذا كان عمر قال: لو نهينا بلالا عن هذا الذي أحدث وكانه نسيه فأذّن به الناس حتی اليوم».(2)

ملاحظة:

1 – روی هذا الحديث حسن بن مسلم وقد وثقة النسائي وأبو ذرعة(3)

2- قال الذهبي في الطاووس:«هو الفقيه القدوة عالم اليمن... ولازم ابن عباس مدة وهو معدود في كبراء أصحابه... وقال ابن عباس: اني لأظنُّ طاووساً من أهل الجنّة».(4)

6 قال عبد الرزاق بن همّام الصنعاني:

ص: 113


1- - نيل الاوطارباب 1/11، باب صفة الاذان، ذيل ح490-2/39.
2- - المصنف لعبد الرزاق ، كتاب الصلوة باب الصلوة خبر من النوم،ح1827،1/474
3- - تذهيب اكمال 4/436
4- - سير اعلام النبلاء، طاووس،5/38.

عن ابن جريح قال: أخبرني عمر بن حفص: أن سعداً أول من قال: الصلوة خير من النوم في خلافة عمر.(1)

ملاحظة: يقول المزي في تهذيب الكمال14/43: ذكر ابن حبّان عمر بن حفص في كتابه «الثقات»(2) أي انه يعتبره ثقة.7- قال ابن حزم الاندليسي:

وقال الحسن بن حي: يقال في العتمة «الصلوة خير من النوم، الصلوة خير من النوم»

ولا نقول بهذا ايضاً، لأنه لم يأت عن رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).(3)

8- قال الحر العاملي(من علماء الإمامية)

«عن معاوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة فقال: ما نعرفه».(4)

9- قال عبد الله بن احمد بن محّمد:

«قال اسحاق: هذا شئ أحدثه الناس وقال ابوعيسی (الترمذي): هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي خرج منه ابن عمر من المسجد لما سمعه».(5)

ص: 114


1- - المصنف لعبد الرزاق ،كتاب الصلوة باب الصلوةخير من النوم،1/474
2- -الثقات، عمر بن حفص7/169
3- - المحلی بالاثار كتاب الصلوة م331-2/194
4- - وسائل الشيعة أبواب الاذان 22باب عدم جواز التثويب في الاذان والاقامة 4/651 (عشرين مجلدات)
5- - المغني لابن قدامة باب الاذان التثويب 1/420 وايضاً في شرحه (شرح الكبير)1/399.

الروايات المكذوبة

«خطبة البيان»

تحقيق اقتطفناه من كتاب عقائد الشيخية للدكتور السيد علاءالدين الكاظمي القزويني

ص: 115

وأما خطبة (البيان) فهي كالخطبة (التطنجية) ليس لها وجود في كتب الشيعة، وإنما تذكر في كتب الغلاة من أمثال كتاب (مشارق أنوار اليقين) لرجب البرسي، (و شرح الخطبة التطنجية) للسيد كاظم الرشتي. وقد أنكرها علماء الشيعة ونسبوها إلی الغلاة. كما ذكر ذلك (كاظم الرشتي) في شرحه(1). والذي ينظر إلی عباير وكلمات هذه الخطبة التي لا تحتوي إلا الغلو، يحصل له اليقين بأن هذه الخطبة وأمثالها وضعت للتنقص والطعن في أمير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لا إلی مدحه وبيان فضائله كما يدعي الغلاة. وإليك أخي القارئ ما ورد في هذه الخطبة لتكون علی بينة من أمرك:

قال (كاظم الرشتي) في شرحه للخطبة التطنجية:

«و لما اقتضی المقام ذكر فضائل ذلك الامام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فلا بأس أن نذكر خطبة البيان لأن فيها من فضائله(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ما لا يحيط به إنسان فتعرف بذلك أنه روحيفداه لا يلحقه لا حق ولا يطمع في إدراكه طامع. قال(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : علی ما رواه علماؤنا ودلت عليه الاخبار الكثيرة، والايات القرآنية، والادلة القطعية العقلية(2). قال مولانا أمير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : «انا الذي عندي مفاتح الغيب لا يعلمها بعد محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) غيري، وأنا بكل شئ عليم، أنا الذي قال فيه رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) أنا مدينة العلم وعلي بابها، أنا ذو القرنين المذكور في الصحف الأولي، أنا الحجر الذي تفجّر منه اثنا عشرة عيناً من الحجر، أنا الذي عندي خاتم سليمان، أنا الذي أتولی حساب الخلائق أجمعين، أنا اللوح المحفوظ، أنا جنب الله، أنا قلب الله، أنا إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم..أنا الذي عنده علم من الكتاب ما كان وما يكون، أنا آدم الأول، أنا نوح الأول، أنا إبراهيم الخليل حين

ص: 116


1- - كاظم الرشتي: شرح الخطبة التطنجية – ص1، 2.
2- - لو كان ما يدعيه السيد كاظم الرشتي صحيحاً لذكرت هذه الخطبة وأمثالها في نهج البلاغة، وكذلك لذكرها أعلام الشيعة ورواتهم أمثال الصدوق، والكليني ، والطوسي، وعدم ذكرها في كتاب البحار للعلامة المجلسي دليل علی أنها من وضع الغلاة كما يقول (المجلسي) راجع كتابنا مسائل عقائدية.

ألقي في النار، أنا موسی، أنا مونس المؤمنين، أنا فتّاح الأسباب، أنا منشر السحاب، أنا مورق الأشجار، أنا مخرج الثمار، أنا مجري العيون، أنا داحي الأرضين، أنا سماك السماوات، أنا فصل الخطاب، أنا قسيم الجنة والنار، أنا ترجمان وحي الله،.. أنا دابة الأرض، أنا الراجفة، أنا الرادفة، أنا الصيحة بالحق يوم الخروج الذي لا يكتم عنه خلق السماوات والأرض، أنا الساعة التي لمن كذّب بها سعيراً، أنا ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه، أنا الأسماء التي أمر الله أن يدعی بها، أنا النور الذي اقتبس منه موسی فهدی، أنا هادم القصور، أنا مخرج المؤمنين من القبور، أنا الذي عندي ألف كتاب من كتب الأنبياء،...أنا صاحب نوح ومنجيه، أنا صاحب أيوب المبتلی وشافيه، أنا صاحب يونس ومنجيه، أنا قمت السماوات السبع بنور ربي وقدرته، أنا الغفورالرحيم، وإن عذابي هو العذاب الأليم... أنا عصا الكليم وبه أخذ بناصية الخلق أجمعين، أنا الذي نظرت في الملكوت، فلم يغب عني شئ وغاب عن غيري، أنا الذي أحصي هذا الخلق وان كثروا حتی اؤديهم الی الله انا الذي لا يبدل القول لدي وما انا بظلام للعبيد انا ولي الله في ارضه والمفوض اليه امره والحاكم في عباده(1)، انا الذي دعوت الشمس والقمر فاجاباني... انا الذي بعث النبيين والمرسلين انا فطرة العالمين انا داحي الارضين والعالم بالاقاليم.. انا سيرت الجبال وبسطت الارضين انا مخرج العيون ومنبت الزروع ومغرس الاشجار ومخرج الثمار انا الذي اقدر اقواتها وانا منزل القطر ومسمع الرعد ومبرق البرق انا مضي الشمس ومطلع الفجر ومنشئ النجوم وانا منشئ جوار الفلك في البحر انا الذي اقوم الساعة انا الذي ان مت لم امت وان قتلت لم اقتل انا الذي اعلم ما يحدث... انا الذي اعلم خطرات القلوب ولمح العيون وما تخفي الصدور انا صلاة المؤمنين وزكاتهم وحجهم وجهادهم انا الناقور الذي قال الله تعالی: (فإذا نقر في الناقور) انا صاحب النشر الاول والاخر انا اول ما خلق الله نوري... انا صاحب ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ونازلها انا

ص: 117


1- - وهذا دليل علی أن الفرقة الشيخية تقول بالتفويض المطلق.

المنفق الباذل بما فيها انا الذي اهلكت الجبارين والفراعنة المتقدمين بسيف ذي الفقار انا الذي حملت نوحاً في السفينة انا الذي انجيت ابراهيم من نار نمرود ومؤنسه انا مؤنس يوسف الصديق في الجب ومخرجه انا صاحب موسی والخضر ومعلمهما انا منشئ الملكوت والكون وانا البارئ انا المصور في الارحام انا الذي ابرئ الاكمه والابرص واعلم ما في الضمائر انا انبئكم بما تاكلون وما تدخرون في بيوتكم انا البعوضة التي ضرب الله بها المثل... انا الذي كسوت العظام لحما ثم انشاناه بقدرته انا احمل عرش الله مع الابرار من ولدي... انا الذي انشر الاولين والاخرين... انا القرون الاولی انا صاحب القرن انا جاوزت موسی في البحر واغرقت فرعون انا عذاب يومالظلة انا الذي اعلم هماهم البهائم ومنطق الطير... انا احيي واميت وانا اخلق وارزق انا السميع العليم، أنا البصير(1)، انا الذي اجوز السبع السماوات والارضين السبع في طرفة العين انا الاولی انا الثانية انا ذو القرنين... انا المتكلم علی لسان عيسی في المهد صبياً انا المتكلم علی لسان صبي يوسف الصديق انا الذي ليس كمثله شئ انا العذاب الاعظم انا الاخرة والاولی انا ابدا واعيد... انا مظهر الاشياء كيف اشاء انا الذي اری الاعمال لا يعزب عني شئ لا في الارض ولا في السماء.. انا الذي ليس شئ من عمل عامل الا بمعرفتي انا خازن السماوات وخازن الارضين انا قائم بالقسط انا عالم بتغيير الزمان وحدثانه انا الذي اعلم عدد النمل ووزنها وخففها ومقدار الجبال ووزنها وعدد قطرات الامطار.. انا الذي رميت وجه الكفار كف تراب فرجعوا الهلكی... انا قاصم فراعنة الاولين ومخرجهم ومعذبهم في الاخرين. انا معذب الجبت والطاغوت ومحرقهم ومعذب يعوق ونسرا انا المتكلم بسبعين لساناً... انا الذي اعلم ما يحدث بالليل والنهار... انا الذي اری اعمال الخلايق في مشارق الارض ومغاربها ولا يخفی علی منهم شئ انا الكعبة والبيت الحرام والبيت العتيق..»(2).

ص: 118


1- - هذه الصفات التي أعطاها الإمام عليه السلام كلها من صفات الله تعالی الخاصة به سبحانه.
2- - كاظم الرشتي: شرح الخطبة التطنجية – ص350، 351.

قال كاظم الرشتي بعد ذكره لهذه الخطبة:

«فاذا تاملت في هذه الاخبار ونظرت اليها بنظر الاعتبار علمت مقام آل محمد الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار اعلی واجل من ان تناله البصائر والابصار وارفع من ان تصل اليه العقول والافكار...و اذا اردت مقاماً ازيد من ذلك بشرط ان لا تتوهم الغلو ولا تظن بالله ظن السوء ولا تصغر عظمة الله ولا تحتقر قدرة الله فنقول: هم المراد من قوله تعالی: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار)(1)، واليهم تتعلقالاشارة وهو سبحانه اجل من ان يشار اليه باشارة ويعبر عنه بعبارة او يهتدي اليه سبيل. وقال تعالی: (ولا يحيطون به علما)(2)، اي بوليه وهم الاولياء الذين لا يحاط بهم علماً وضمير الهاء اشارة بالاشارة عند الاشباع الی علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وبالتلويح الی محمد(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) والی فاطمة(علیها السلام)..»(3).

«الخطبة الثالثة»

روی رجب البرسي في كتابه(مشارق أنوار اليقين) عن سلمان وابي ذر، عن أمير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) جاء فيها:

«...و انا صاحب السيف والسطوة، محمد النبي الكريم، وانا الصراط المستقيم، محمد الرؤف الرحيم، وانا العلي العظيم، يا سلمان، قال الله سبحانة: «يلق الروح من امره علی من يشاء من عباده» ولا يعطي هذه الروح الا من فوض اليه الامر والقدر(4)، انا احيي الموتی، واعلم ما في السماوات والارض، وانا الكتاب المبين، يا سلمان، محمد مقيم الحجة، وانا حجة الحق علی الخلق، وبذلك الروح عرج به الی السماء،

ص: 119


1- - سورة الأنعام، الآية:103.
2- - سورة طه، الآية:110.
3- - نفس المصدر: ص351،352.
4- - وهذا دليل آخر علی اعتقاد هؤلاء بأن الله فوّض لأمير المؤمنين الأمر والقدر مطلقاً.

انا حملت نوحاً في السفينة، انا صاحب يونس في بطن الحوت، انا الذي حاورت موسی في البحر، واهلكت القرون الاولی، اعطيت علم الانبياء والاوصياء، وفصل الخطاب، وبي تمت نبوة محمد، انا اجريت الانهار والبحار، وفجرت الارض عيوناً، انا كاب الدنيا لوجهها ، انا عذاب يوم الظلمة، انا الخضر معلم موسی، انا معلم داود وسليمان، انا ذو القرنين، انا الذي دفعت سمكها باذن الله عزَّ وجل، انا دحوت ارضها، انا المنادي من مكان بعيد، انا دابة الارض... يا سلمان ان ميتنا اذا مات لم يمت،ومقتولنا لم يقتل، وغائبنا لم يغب، ولا نلد ولا نولد في البطون... انا تكلمت علی لسان عيسی في المهد، انا نوح، انا ابراهيم، انا صاحب الناقة ، انا صاحب الراجفة ، انا صاحب الزلزلة، انا اللوح المحفوظ الی انتهی علم ما فيه، انا انقلب في الصور كيف شاء الله... يا سلمان انا الطامة الكبری، انا الازفة اذا ازفت، انا الحاقة، انا القارعة، انا الغاشية، انا الصافة، انا المحنة النازلة... الی آخر الخطبة(1).

هذه جملة من الخطب التي نسبت الی الامام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، ومن ينظر الی كتاب(مشارق انوار اليقين) لرجب البرسي، (و شرح الخطبة التطنجية) للسيد كاظم الرشتي، ياخذه العجب العجاب مما نسبه هؤلاء الی امير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، مع ان علماء الشيعة طعنوا في كتاب (مشارق انوار اليقين) واتهموا صاحبة بالخلط والخبط والغلو نشير الی بعض كلماتهم:

1- قال السيد محمد مهدي القزويني: «و ليس للمسلم بان يعتبر بما نقله شيخ رجب البرسي وغيره من اخبار منسوبة اليهم عليهم السلام ضعيفة»(2).

ص: 120


1- - رجب البرسي: مشارق أنوار اليقين-ص161،162.
2- - محمد مهدي القزويني: بوار الغالين-ص26.

2- وقال محمد بن الحسن الحر العاملي: «الشيخ رجب الحافظ البرسي...له كتاب مشارق انوار اليقين في حقائق اسرار امير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ، وله رسائل في التوحيد وغيره، وفي كتابه افراط وربما نسب الی الغلو...»(1).1- وقال الميرزا محمد باقر الخونساري في ترجمته للحافظ رجب البرسي: «بل امر الرجل في تشييده لدعائم المرتفعين وتجديده لمراسم المبتدعين، وخروجه عن دائرة ظواهر الشريعة المحكمة اصولها بالفروع، وعروجه علی قواعد الغالين والمفوضة الملتزم وصولها الی غير المشروع والتزامه لتخطئة كبراء اهل الملة والدين وتزكية من يخاف طريقة الفقهاء والمجتهدين وفتحه بكلماته الحظابية التي تشبه مقالات المغيرية والخطابية ابواب المسامحة في امور التكاليف العظيمة علی وجه العوام الذين هم اضل من الانعام...و بنائه المذهب علی التاويلات الهوائية الفاسدة من غير دليل مع ان اول مراتب الالحاد كما استفاضت عليه الكلمة فتح باب التاويل مما ليس لاحد من المتدربين لكلماته عليه نقاب...»(2).

2- ...

ص: 121


1- - محمد بن الحسن الحر العاملي: أمل الآمل – ط1- النجف، مطبعة الآداب- 1385ﻫ - ﺟ 2-ص117.
2- - محمد باقر الخونساري: روضات الجنات – ط 1 – بيروت – الدار الإسلامية – 1991م – ج3 –ص 326.

3- وقال الشيخ المجلسي: «و كتاب مشارق الانوار وكتاب الالفين لحافظ رجب البرسي، ولا اعتمد علی ما ينفرد بنقله لاشتمال كتابيه علی ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع...»(1).

وقال السيد محسن الامين: «و يعلم مما سنقله من بعض كلماته واسماء مؤلفاته ومضامين كتبه وما نسب اليها انه كان مولعاً بالتسجيع وفي طبعه1- شذوذ وفي مؤلفاته خبط وخلط وشئ من المغالات لا موجب له ولا داعي اليه...و ان مؤلفاته ليس فيها كثير نفع وفي بعضها ضرر...»(2).

2- وقال الميرزا محمد بن سليمان التنكابني في معرض رده علی من ينسب الی امير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) انه قال:«انا خالق السماوات والارض»: «ان الخبر موضوع وكذب محض وافتراء ونقل هذا الخبر محمود علي دهداد في خطبة البيان وهي من الموضوعات والشيخ رجب البرسي الصوفي نقله ايضاً في بعض كتبه ولم ينقله العلماء العظام...و لم نره في اي كتاب معتبر ولم نسمع بل صرح بعض الافاضل الكمّل بالوضع والكذب ...و العقل المؤيد يتساءل كيف يمكن لامير المؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) والناس لم تعترف به كخليفة رابع الا البعض فيصعد المنبر ويقول: انا خالق السماوات والارض بل لم تكن عنده الجرأة علی ان يقول: «انا الخليفة بلا فصل»(3).

ص: 122


1- - محمد باقر المجلسي: بحار الانوار – ط3 – بيروت- دار إحياء التراث العربي- 1983م،ج1-ص10.
2- - محمد الامين العاملي: أعيان الشيعة – بيروت- دار التعارف1938م-ج6-ص466.
3- - الميرزا محمد بن سليمان التنكابني: قصص العلماء – ط1 – بيروت – دار المحجة البيضاء- 1992م-ص56،57.

وليس ادل علی ان هذه الخطب من وضع الغلاة ما ورد فيها من الفاظ وعبارات تدل علی ان الامام علياً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هو الخالق البارئ المصور في الارحام وهو الرازق والمحيي والمميت وان الله تعالی فوّض له امر العالم بما فيه ومن فيه يفعل ما يشاء من دون حساب.

واليك عزيزي القارئ بعض ما جاء في هذه الخطب:

«...انا مع الكور قبل الكور انا مع الدور قبل الدور انا مع القلم قبل القلم انا مع اللوح قبل اللوح...انا صاحب جابلقا وجابرسا انا صاحب الرفوف وبهرم..يا جابر : اذا صاح الناقوس وكبس الكابوس وتكلم الجاموس... وتحركت عساكرخراسان وتبع شعيب بن صالح التميمي من بطن الطالقان وبويع لسعيد السوسي بخوزستان وعقدت الراية لعماليق كردان...انا خرقت القلزم من الترجيم وخرقت العقيم من الحيم...انا طيرثا انا جانبوثا انا البارحلون انا عليوثوثا ان المسترق علی البحال في نواليم الزخار عند البيار...».

اقول: بربك عزيز القارئ هل تؤمن وتصدق ان مثل هذه الكلمات تصدر عن افصح الاولين والاخرين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بعد رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ)؟ واليك بيان معاني بعض الفقرات التي جاءت في الخطب.

1- فقرة :«فعلمني علمه وعلّمته علمي». تعتقد فرقة الشيخية، ان الامام علياً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عنده من العلم ما ليس عند رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) فعلم الامام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علمه لرسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وهذه مخالفة صريحة للثابت من مذهب الشيعة من ان النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علم الامام علياً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كل ما يتعلق بامور المبدأ والمعاد وما يتعلق بامور الدين والاخلاق قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ):«انا مدينة العلم وعلي بابها». وقال الامام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «علمني رسول الله(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الف باب من العلم...».

ص: 123

فقرة : «لقد علمت ما فوق الفردوس الاعلی... كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار». وهذه مخالفة لقوله تعالی: (كذلك نقصُّ عليك من انباء ما قد سبق وقد أتينك من لدنا ذكرا)(1). وقال تعالی: (ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك...)(2). كل ذلك يدل علی ان علم النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ1- وَ سَلَّمْ) والامام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) علم اخبار وحصول لا علم حضور واحاطة كما ذهبت اليه فرقة الشيخية.

2- فقرة :«...انا مميتها انا محييها انا الاول انا الاخر انا الظاهر انا الباطن» هذه كلها صفات مختصة به سبحانه فلا مميت غير الله تعالی ولا محيي غيره فهو الاول والاخر والظاهر والباطن لا سواه.

3- فقرة : «انا مدبر العالم الاول حين لا سماؤكم هذه». فهذه عبارة صريحة علی ان المدبر لهذا العالم والموجد له هو الامام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وليس الله تعالی في اعتقاد الشيخية. تعالی الله عن ذلك علواً كبيراً.

4- فقرة : «يا جابر: اذا صاح الناقوس وكبس الكابوس وتكلم الجاموس». اقول للعبد المسكين المستكين الحقير الفقير المهين، اكثر الناس جرماً وزلاً واقلهم علماً وعملاً الملئ بالعيب والشين ابن ...هل هذه العبارات التي وردت في الخطبة (التطنجية) من مقامات موالينا الكرام وساداتنا العظام صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين. كما يدعيه هذا العبد المسكين المستكين الحقير الفقير؟...و هل ان جميع ما ذكره هذا العبد الحقير عن علمائه العظام الاعلام والمجتهدين الكرام لم يبلغوا من

ص: 124


1- - سورة طه، الآية :99.
2- - سورة آل عمران، الآية:44.

مراتب العلم والفهم في مقامات اهل العصمة عليهم السلام(1)؟ وهل من مقامات اهل العصمة عليهم السلام قوله(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لجابر:«اذا صاح الناقوس وكبس الكابوس وتكلم الجاموس».اما العبارات التي ذكرها هذا القائل واعتبرها من مقامات الائمة عليهم السلام وان الله اول ما خلق واظهر العالم كان من شعاع نورهم الی اخر ما ذكره هذا العبد الحقير الفقير(2) ليس الا تكراراً لما ورد في شرح الزيارة لشيخه احمد بن زين الدين الاحسائي وسيده كاظم الرشتي في شرحه للخطبة التطنجية ومولاه ميرزا موسی الاحقاقي في كتابه احقاق الحق وقد بينا فساد كونهم عليهم السلام هم العلل الاربعة المادية والفاعلية والصورية والغائية وان جميع الخلق وجد من شعاع نور اجسادهم عليهم السلام وهذا المعتقد فاسد بالضرورة عند ذوي العقول وقد بينا فساد ذلك فراجع.

1- فقرة : (انا رافع ادريس مكاناً عليا انا منطق عيسی في المهد صبياً... انا خرقت القلزم من الترجيم وخرقت العقيم من الحيم...انا طيرثا انا جانبوثا انا البارحلون انا عليوثوثا انا المسترق علی البحار في نواليم الزخار عند البيار». اقول للعبد الحقير الفقير، هل هذه الكلمات الواردة علی لسانه(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من مقاماتهم العالية ورفيع رتبهم لانهم عليهم السلام كما يدعيه هذا العبد الفقير انوار لاهوتيته سبحانه الذي ابتدا من لاه الی من الهيته من اينيته الی اخر سفسطته التي لا تقوم الا علی مخالفة الثابت من دين المسلمين.

ص: 125


1- - انظر مجلة الفجر الصادق: العدد18- رجب 1422ﻫ - سبتمبر2001- الكويت- مكتبة الصادق – ص4.
2- - نفس المصدر:ص4

2- فقرة : «انا مجري الانهار انهاراً من ماء تيار وانهاراً من لبن وانهاراً من عسل مصفّی والاخری عمقيوس اعددتها للظالمين واودعت ذلك كله وادي برهوت وهو الفلق ورب ما خلق...». فا لامام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في اعتقاد هولاء هو الذي اجری الانهار بعضها من لبن وبعضها من عسل اجرها (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في جنة الخلد واستراح الله تعالی من عناء الايجاد والخلق وكلف بذلك العمل اميرالمؤمنين . باعتقاد الشيخية.1- فقرة في خطبة البيان: «انا ادم الاول انا نوح الاول انا ابراهيم الخليل حين القي في النار انا موسی... انا فتاح الاسباب انا منشر السحاب...». فالامام علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)باعتقاد هؤلاء هو جميع الانبياء والمرسلين بعثه الله سبحانه بصور مختلفة الی كل قوم فادم في الحقيقة هو الامام علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وكذلك نوح وابراهيم وموسی وغير هؤلاء من الرسل عليهم السلام والقرآن يقول: (ان الله اصطفی دم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران علی العالمين* ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)(1).

2- فقرة : «انا مخرج المؤمنين من القبور...انا اقمت السماوات السبع بنور ربي وقدرته انا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الاليم... الی اخر ما جاء في الخطبة من صفات هي في الحقيقة صفات الله سبحانه اسندت في الخطبة الی الامام علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فراجع الخطبة . ومن اراد المزيد فعلية بمراجعة كتاب (مسائل عقائدية).

هذا ما ارادنا بيانه في هذه المسائل وضعناها بين يدي القارئ الكريم ليعرف الحق من الباطل والصحيح من السقيم ليكون علی بصيرة من امره نسأله سبحانه ان يتقبله بقبول حسن انه سميع الدعاء والله ولي التوفيق وصلی الله علی محمد وعلی اله الطيبين الطاهرين هداة الخلق اجمعين واللعنة الدائمة علی

ص: 126


1- - سورة آل عمران، الآيتان:33-34.

اعدائهم ومنكري فضائلهم من الجن والانس الی قيام يوم الدين والحمد لله رب العالمين.

ص: 127

من هو الذي من وراء اغتيال عمر بن الخطاب؟

لا يخفی ان عمر بن الخطاب هو الذي مهد لبني امية يعني لعثمان ومعاوية الحكم والسيطرة علی مقدرات الامة الاسلامية وهويعلم بكفرهم وعداوتهم للاسلام وقادته النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ واهل بيته علیه السلام وبعد ما سيطر معاوية من قبل عمر علی الشام اخذ يخطط في الاطاحة بعمر لينقلب الحكم بيد بني امية فقتلوا عمر وجائوا بعثمان واليك تفاصيل القصة:كاد بنو امية الاسلام فلم يطب لهم ان تستقر له حالة او يصفو فيه جو،لان حياة امية لا تقوم الا علی العصبية والاحقاد والضغائن والترات والانتقام واراقة الدماء، فالامن والسلام والصفاء والوئام تضر حياة امية ، او تقلقها، ولذلك كان الكيد والدس والاغراء والتحريش واثارة الفتن ديدن امية وهجيرها، فلما تولی أبوبكر جاء أبوسفيان يقعود معه خالدا بن الوليد الی اميرالمؤمنين علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يحرضه علی الثورة، ويغريه بابي بكر ويسهل له وسائل الحرب ويستفزه بالاشعار طالبا منه النهوض في وجه ابي بكر واشهار السلاح عليه لكي يلتحم معه في حرب تبيد الاسلام ليدخل من هذه الثغرة الی تمزيق المسلمين والقضاء علی الاسلام قضاء تاما، ولكن أمير المؤمنين عليا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) رده أشد رد وطرده اعنف طرد فاسقط في يده وانتكث عليه فتله.

ولما استقام الامر لعمر بن الخطاب ثقل ذلك علی بني امية لان بني امية لا يرون كرامة لبني تيم عشيرة ابي بكر ولا لبني عدي عشيرة عمر علی ان العشيرتين من قريش لان بني تيم وبني عدي علی راي بني امية من احط قبائل قريش واضعفها فكانوا يانفون ان يتولی الامر احد من تينك القبيلتين ويكونوا هم تبعا علی ما يرون فيهم من منعة وقوة. ومن المعلوم ان بني امية الذين لم يرضوا برسول الله وباهل بيته(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) الذين هم فوقهم بالكفاءة وانقی منهم وحتی انهم يعتبرون بني هاشم اسمی منهم وأعلا منهم في كل شيء فكيف يرضون بابي بكر وعمر. ومن ثمة صاروا يؤلفون اليهم القلوب ويحزبون الاحزاب ويصطنعون الرجال من جهة، ويتقربون من

ص: 128

ولاة الامر من جهة ثانية حتی يجدوا لهم من هاتين الطريقتين وليجة للايقاع بهم وضرب بعضهم ببعض.

اصطنع بنو امية المغيرة بن شعبة مستغلين عزل عمر اياه عن الكوفة فكان من حزبهم وظل كذلك الی ان هلك، وحديث ابي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة مع عمرفي السوق يوحي بان المغيرة هو الذي وعد ومنی ابا لؤلؤة اذا هو قتل عمر ورغب اليه ان يحتال في قتله بدافع من بني امية مصطنعيه فاراد ابو لؤلؤة ان يجد له مبررا في قتل عمر فاشتكی علی المغيرة عنده.

ثقل عمر علی بني امية لان بني امية كانت تبغض عمر وكان عمر يبغض بني امية بغضا شديدا والحاح عمر في قتل ابي سفيان عندما جاء به العباس مشهور، وعمر هو الذي روی عن النبي الحديث المشهور في تفسير قوله تعالی: (الم تر الی الذين بدلوا نعمة الله كفرا واحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار) فقد روی اكثر المحدثين والمفسرين عن عمر انه قال راوياً عن النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) هم الافجران من قريش بنو المغيرة وبنو امية فاما بنو المغيرة فاكتفيتموهم يوم بدر، واما بنو امية فمتعوا الی حين وبقيت هذه العداوة سائرة في بني عمر وبني امية والعمريون جميعا يبغضون بني امية.

قال عبدالباقي العمري:

واحربا يا آل حرب منكمو*** يا آل حرب منكمو واحربا

لا عبد شمسكم يساوي هاشما*** كلا ولا امية المطلبا

منكم وفيكم واليكم وبكم*** ما لو شرحناه فضحنا الكتبا

واذا فتشت قلوب العمريين في العراق لا تری في نفوسهم ابغض من الامويين، فبنو امية وبنو المغيرة اعداء عمر بن الخطاب وآل الخطاب، وهم الذين قاموا بمؤامرة قتل عمر ويدل علی ان مؤمرة كانت قد حصلت من قبل المغيرة وبني امية ضد عمر فاطلع عليها كعب الاحبار هو ما ورد ان كعب الاحبار جاء الی عمر فقال له اعهد عهدك فانك ميت بعد ثلاث ليال، فقال له عمر: وما يدرك؟ قال: اجده في كتاب

ص: 129

التوراة؟ قال: اللهم لا ولكني اجد حليتك وصفتك وانك قد فني اجلك. وعمر لا يحس وجعا، فلما كان الغد جاءه كعب فقال: بقي يومان، فلما كان الغد جاءه كعب فقال: مضی يومان وبقي يوم،ففي كتاب تاريخ المدينة لابن شبه النميري حول مقتلعمر بن الخطاب وامر الشوری(لماقدم عمرمن مكة في آخرحجّة حجّها أتاه كعب فقال:ياأميرالمؤمنين!اعهد فإنّك میّت في عامك.قال عمر:ومايدريك ياكعب؟قال:وجدته في كتاب الله.قال:أنشدك الله ياكعب!هل وجدتني باسمي ونسبي عمربن الخطاب؟قال:اللهم لا،ولكنّي وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك.فلمّااصبح الغدغداعليه كعب،فقال عمر:ياكعب!فقال كعب:بقيت ليلتان.فلمّا فلمّااصبح الغدغداعليه كعب،قال عبدالعزيز:فأخبرني عاصم بن عمربن عبيدالله بن عمرقال:قال عمر:

يواعدني كعب ثلاثاًيعدها***ولاشك أنّ القول ماقاله كعب).(1)

من هنا يستدل علی ان كعب الاحبار كان علی علم بالمؤامرة وانه كان يخشی ان يصرح بذلك خوفا من بني امية او انه كان يريد ان يحمل عمر علی ان يستقصي الامر بنفسه ويتفطن له خوفا من ان لا تسفر هذه المؤامرة عن شيء فيقع هو تحت طائلة العقاب ويعرض نفسه للاتهام والعداوة، فمال الی هذه الطريقة من الاخبار ولهذا كان يقول له: قد فني اجلك وانه لم يبق الا ثلاثة ايام، والا يومان، والا يوم واحد.

ان دعوی كعب الاحبار انه وجد ذلك في التوراة لا تطمئن اليه النفس وعلی فرض ان حلية عمر وصفته في التوراة كما زعم كعب الاحبار ولكن من اين لكعب الاحبار تعيين يوم مقتله في التوراة وساعة وفاته ان هذا ما يحملنا علی ان نعتقد بان

ص: 130


1- ابن شبه نميری،تاريخ المدينة المنورة:ج3،ص891،مقتل عمربن الخطاب وأمرالشوری.

كعب كان يدري بان مؤامرة تجري وان عمر سيقتل حسب المؤامرة بعد ثلاثة ايام فجاءه فاخبره وزعم ان ذلك في التوارة.قتل بنو امية عمر بن الخطاب وقتلوا ابن عمهم عثمان بن عفّان وقتلوا عليا بن ابي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وقتلوا الحسن الزكي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ، وقتلوا الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ، وقتلوا الفاتحين امثال موسی بن نصير فاتح الاندلس وقتلوا يزيد بن المهلب فاتح طبرستان، وقتلوا قتبية بن مسلم فاتح تركستان والصين وكثيرا غيرهم وحتی انهم قتلوا معاوية بن يزيد وعمر بن عبدالعزيز كما صرح بذلك التاريخ، فامية قتلت الدين بقتلها الحسين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) و... وجری مجری المثل في ذلك العصر قولهم ان بني امية قتلوا الدين يوم كربلاء وقتلوا الكرم يوم العقر وظلوا يتعقبون المسلمين ويقتلون رجال الاسلام وقادتهم ليعيدوا دنيا الاسلام الی دنيا الجاهلية التي لا يرون غيرها تقوم بمخازيهم وتستر علی عوراتهم.

اما قصة قتل عمر فقال ابن الاثير في تاريخه الكامل: قال المسور بن مخرمة: خرج عمر يطوف يوما في السوق فلقيه ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا. (كذا قال والظاهر انه كان مجوسيا لانه من اسری نهاوند، ونهاوند كانت علی دين المجوس) فقال: اعدني علی المغيرة بن شعبة فان عليّ خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك قال: درهمان كل يوم، قال: وايش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش حداد ، قال: فما اري خراجك كثيرا علی ما تصنع من الاعمال، قد بلغني انك تقول: لو اردت ان اصنع رحی تطحن بالريح لفعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحی، قال: لئن سلمت لاعملن لك رحی يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد اوعدني العبد الان ثم انصرف عمر الی منزله فلما كان الغد جاءه كعب الاحبار بما سبق فذكرناه.

ان الذي ينعم النظر في شكوی ابي لؤلؤة يجدها شكوی خالية من كل ما تتطلبه الشكوی في مثل هذه الحالة ، ويجد قول ابي لؤلؤة ، نجار ، نقاش،حداد فيه ضرب من عدم المبالاة وانه انما قال ذلك لا ليتظلم ، وانما قال ما قال ليستفز عمر ويحمله

ص: 131

علی مخاشنته . وقول عمر اوعدني يستشعر منه ان عمر عرف ما كان يريده ابو لؤلؤة فانعطف بالقول معه الی القول اني اريد ان تصنع لي رحی. ومجيء كعب بعد ذلك الی عمر ينبيء ايضا بان كعبا مطلع علی ما كان يدور في الخفاء وان عمر سوف يقتل بعد ثلاثة ايام فلمح له بالموت والقتل ولم يصرح له بالمؤامرة لامر ما لم يكتشف لان بني امية استطاعوا اغماض هذا الامر بعد ان تولي الامر عثمان بن عفّان.

وفي اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين هجرية خرج عمر ليصلي الصبح فلما استوت الصفوف وكبر دخل ابو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له راسان نصابه في وسطه فطعن به عمر ست طعنات احداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن ابي بكير الليثي وقتل جماعة غيره، ولما احس عمر بحر السلاح سقط وامر عبدالرحمن بن عوف ان يصلي بالناس. قال ابن قتيبة في الامامة والسياسة(1) عن عمرو بن ميمون فصلی باقصر سورتين في القران واحتمل عمر، ومات من الذين جرحوا ستة او سبعة.

ان الحزب الاموي فاز في هذه المؤامرة الفوز الذي كان ينتظره فقد اسفرت عن قتل عمر واسفرت الشوری عن تولي عثمان لان حزب بني امية قد مال بالامر الی عثمان الاموي دون غيره اذ لم يكن في بني امية من يمكن ان يصطنع لتولي الامر سواه. فهم مهدوا لتولي الامويين الحكم بعثمان، ولم يكن الامويون يرضون بعثمان ان يكون عليهم لان بني حرب يفضلون انفسهم عليه ولكنهم رضوه علی اساس انتقال الملك اليهم فقط فلما تولی ثقلت عليهم ايامه واستطالوها فكان ما كان منهم من التحريض عليه وخذلانه وتلاعبهم في شؤونه واستيلاؤهم عليه وتصريفهم الامور دونه وفي النهاية تقاعدهم عن نصرته. وما ارسال معاوية الجيش الی المدينة عند اشتداد الامر عليه بقيادة يزيد بن اسيد وايصائه اياه بأن يتباطأ في مسيره فاذا وصلالی ذي خشب أن يتلبث فيه ريثما يكون ما يكون من امر عثمان، الا للخداع وايهام

ص: 132


1- ص21

الناس بالانتصار له، فلما قتل عثمان عاد الجيش من حيث أتی يحمل معه قميص عثمان الذي بعث به اليه نائلة زوج عثمان فادعی علی أثر ذلك معاوية الخلافة وحارب أمير المؤمنين عليا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ). وهذا ما كانت أمية تبغيه من قتل عمر ثم من قتل عثمان.

وأمر عمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام الی أن يجتمع أصحاب الشوری علی واحد منهم ودعي له بطبيب من بني الحارث، قال ابن قتيبة في الامامة والسياسة (ص21) فقال: له الطبيب أي الشراب أحب اليك؟ فقال النبيذ فسقوه النبيذ فخرج من بعض طعناته فقال الناس: صديد اسقوه لبنا فخرج اللبن. فقال الطبيب: لا أری أن تمسي فما كنت فاعلا فافعل.. وتوفي في ليلة الاربعاء لئلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وصلی عليه صهيب.

حوادث ما بعد قتل عمر

واما حوادث ما بعد قتل عمر(ثمّ اانطلق عبيدالله فقتل إبنة لأبي لؤلؤة صغيرة تدّعي الإسلام، وأرادعبيدالله أن لايترك سبيّاًبالمدينة إلّاقتله،فاجتمع المهاجرون الأولون عليه،فنهوه وتوعّدوه،فقال:والله لأقتلنّهم وغيرهم،وعرّض ببعض المهاجرين،فلم يزل عمروبن العاص به حتّی دفع إليه السيف فلما دفع اليه السيف أتاه سعدبن أبي

ص: 133

وقاص،فأخذكلّ واحدمنهمابرأس صاحبه يتناصيان حتّی حجز بينهما)(1).

2.(طعن أبولؤلؤة الذي قتل عمرإثني عشررجلاًبعمر،فمات منهم ستة وافرق منهم ستة،وكان معه سكين له طرفان،فطعن به نفسه،فقتلها)(2).

و(عن نافع قال:إنّماطعن (ابولؤلؤ)نفسه به حتّی قتل نفسه)

و(عن عمروبن ميمون قال:مال(ابولؤلؤ)علی الناس،

ص: 134


1- ابن سعد،الطبقات الكبری:ج3،ص356،طبقات البدريين من المهاجرين،المصنف ج5ص479،حديث أبي لؤلؤة قاتل عمراواخرحديث9775.
2- الحاكم النيشابوري،المستدرك علی الصحيحين:ج3،ص98، كتاب معرفة الصحابة،مقتل عمرعلی الاختصار

موقف أصحاب الأئمة عليهم السلام تجاه الفلسفة والعرفان

إن كثيرا من أصحاب الأئمة(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك:

هشام بن الحكم رحمه الله

ففي رجال الكشي: احمد بن محمد الخالدي عن محمد بن همام عن اسحاق بن احمد عن ابي حفص الحداد وغيره عن يونس بن عبد الرحمان قال :

«كان يحيی بن خالد البرمكي قد وجد علی هشام بن الحكم شيئا من طعنه علی الفلاسفة واحب أن يغري به هارون ونصرته علی القتل ... »(1)

قال النجاشي:

ص: 135


1- بحارالأنوار:48/189.

«هشام بن الحكم ابو محمد مولی كنده وكان ينزل بني شيبان بالكوفة انتقل الی بغداد سنة تسع وتسعين ومائة ويقال:إن (إنه) في هذه السنة مات. له كتاب يرويه جماعة. أخبرنا أبو عبد الله بن شاذان قال: حدثنا علي بن حاتم قال : حدثنا ابن ثابت قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيك عن ابن أبي عمير عنه بكتابه و... كتابه الدلالةعلی حدوث الأجسام ... وكتابه ا لرد علی أرسطاليس (أرسطاطاليس ) في التوحيد وكتابه المجالس في التوحيد»(1)

وقال الشيخ:

« هشام بن الحكم كان من خواص سيدنا ومولانا موسی بن جعفر عليهما السلام وكانت له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها ... وله من المصنفات كتب كثيرة منها : كتاب الإمامة وكتاب الدلالات علی حدوث الأشياء... وكتاب الرد علی أرسطاطاليس في التوحيد»(2)

وقال إبن شهر آشوب:

«أبو محمد هشام بن الحكم الشيباني، كوفي تحول الی بغداد ولقي الصادق والكاظم عليهما السلام... وقوله عليه السلام:«هشام بن الحكم رائد حقنا وسائق قولنا المؤيد لصدقنا والدامغ لباطل أعدائنا من تبعه وتبع أثره تبعنا ومن خالفه وألحد فيه فقد عادانا وألحد فينا». من كتبه: كتاب الدلالات علی حدوث الأشياء ... كتاب الرد علی ارسطاطاليس في التوحيد». (3)

ص: 136


1- رجال النّجاشي:433/1164.
2- الفهرست،الشيخ الطّوسي:258/783.
3- معالم العلماء،ابن شهر آشوب:163/862.

درباره مركز

بسمه تعالی
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
با اموال و جان های خود، در راه خدا جهاد نمایید، این برای شما بهتر است اگر بدانید.
(توبه : 41)
چند سالی است كه مركز تحقيقات رايانه‌ای قائمیه موفق به توليد نرم‌افزارهای تلفن همراه، كتاب‌خانه‌های ديجيتالی و عرضه آن به صورت رایگان شده است. اين مركز كاملا مردمی بوده و با هدايا و نذورات و موقوفات و تخصيص سهم مبارك امام عليه السلام پشتيباني مي‌شود. براي خدمت رسانی بيشتر شما هم می توانيد در هر كجا كه هستيد به جمع افراد خیرانديش مركز بپيونديد.
آیا می‌دانید هر پولی لایق خرج شدن در راه اهلبیت علیهم السلام نیست؟
و هر شخصی این توفیق را نخواهد داشت؟
به شما تبریک میگوییم.
شماره کارت :
6104-3388-0008-7732
شماره حساب بانک ملت :
9586839652
شماره حساب شبا :
IR390120020000009586839652
به نام : ( موسسه تحقیقات رایانه ای قائمیه)
مبالغ هدیه خود را واریز نمایید.
آدرس دفتر مرکزی:
اصفهان -خیابان عبدالرزاق - بازارچه حاج محمد جعفر آباده ای - کوچه شهید محمد حسن توکلی -پلاک 129/34- طبقه اول
وب سایت: www.ghbook.ir
ایمیل: Info@ghbook.ir
تلفن دفتر مرکزی: 03134490125
دفتر تهران: 88318722 ـ 021
بازرگانی و فروش: 09132000109
امور کاربران: 09132000109