«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمي:محمد رضا راهجو
ص: 1
مدرسة أهل البيت علیهم السلام
مجلة داخلية
فصلية ثقافية عقائديةتابعة لمؤسسة بقية الله (عجل الله تعالی فرجه) الثقافية
السنة الأولى : العدد الثاني 1388 هجرية شمسية 1430 هجرية قمرية
مدير المجلة : مُحمَّد الکاظمي
هاتف: 09163108466
ص: 2
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
کلمة التحرير...5
آيات العقائد الاستاذ السيد جعفر سيدان الخراساني...7
من إفادات العلامة السيد البهبهاني بقلم آية الله السيد علي الشفيعي...26
أصول المعارف الإلهية الأستاذ المحقق العلامة الشيخ حسن الميلاني...32
أصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الکاظمي...46
مظلومية الزهراء(عَلَیها السَّلام) اللجنة الثقافية لأهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)...51
البابا المعاصر يذم تنزيه القرآن، ويؤيد تجسيم الوهابيين!...58
روائع من الأدب الإسلامي...59
تقويم الأشهر الثلاثة (شوال، ذي القعدة، ذي الحجَّة)...65
من ذکريات الأشهر الثلاثة...67
غزوة أحد...71
واقعة حنين...75
وفاة الإمام الصادق علیه السلام ... 81
ولادة الإمام الرضا علیه السلام ... 85
شهادة الإمام الجواد علیه السلام ... 90
بعث النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياً علیه السلام بقراءة سورة براءة ...93
ص: 3
وفاة الإمام الباقر علیه السلام ...97
ميلاد الإمام أبي الحسن علي الهادي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)...99
عيد الغدير...109
خطبة النبي(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) في عيد الغدير...99
المباهلة...109
تصدق علي علیه السلام بالخاتم...111
تصدق أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)علی المسکين واليتيم والأسير...115
کلمات العلماء حول الفلسفة والعرفان...118
التعريف بالکتب العقائدية...119
الروايات المکذوبة...120
ص: 4
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ؟
لا يخفى إنَّ من أهم المسائل مسألة التوحيد الإلهي، وقد صرح القرآن الكريم بأهمية التوحيد قال : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(1) وقال : {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ}(2) وقال:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثُمَّاً عَظِيماً}(3).
فعلى العاقل أنْ ينظر بعين البصيرة, في هذه المسألة المهمة والخطيرة, وأنْ يترك الهوى والتعصب, فإنَّ المسألة يرتهن بها مصير الإنسان, ولقد شاعت في زماننا هذا آراء ونظريات باسم التوحيد الإلهي وباسم الإسلام ومذهب أهل البيت(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ), وهي بعيدة عن الإسلام
ص: 5
والمذهب بُعد السماء من الأرض, ولقد وقف أَمام هذه الموجة المتلاطمة جمع من علمائنا الكرام، منهم المراجع العظام, وكانت هنالك لقاءات واجتماعات حول دفع هذه الغائلة وتغيير منهج الدراسة في الحوزة العلمية, فالضرورة قائمة بأنْ تطرح العقائد الإسلامية من مصادرها النقية, من العقل والكتاب والعترة الطاهرة, لا من خرافات اليونانيين وأوهام الفلاسفة، ولا يخفى إنّ الإسلام جاء برؤية معينة في الأصول والفروع مدعومة بالدليل والبرهان, وهي مخالفة لما عليه الفكر الفلسفي من نظرة وإعتقاد.
فالضرر كلّ الضرر في حذف علم العقل والكلام, وحصره في ذوق أشخاص معدودين, وعليه فلابدَّ أنْ يقرر في الحوزة العلمية تدريس بعض الكتب العقلية والنقلية الناقدة للفكر الفلسفي, فهذا هو متبنى الحوزة العلمية الشيعية من زمان الأئمة الطاهرين, حيث ألّف أصحابهم الكتب في رد الفلسفة ونقضها إلى يومنا هذا, فلماذا لا ينعكس هذا الموقف في منهج الحوزة العلمية؟
هذا وقد أخذت مجلة مدرسة أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) على نفسها الدفاع عن الدين الحنيف, والذي نطلبه من العلماء والمفکرين أنْ يوازرونا بأقلامهم الخيرة ﻓﻰ هذا المسير.
ولهم من الله الأجر الجزيل.
رئيس التحرير
ص: 6
من وحي القرآن
آية التوحيد:
قال تعالى: {هُوَ الأول وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَي ءٍ عليمٌ}(1).
هذه الآية المباركة من جملة الآيات المهمة في التوحيد ولابدّ من البحث عنها بدقة وقد جاءت في تفسير هذه الآية روايات كثيرة من الأئمة الأطهار(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ), وهنالك تفاسير ذكرها العلماء لابدّ من ملاحظتها.
أهميّة الآية:
حول التوحيد الإلهي هنالك ستة آيات في أوّل سورة الحديد والتي تكون الآية سابقة الذكر احداها, نشير إلى حديثين يؤكدان إنَّ أهميّة هذه الآيات المباركة.
ص: 7
1- قال القميّ في تفسيره للآيات الأولى من سورة الحديد هو قوله صلي الله عليه وآله: >أعطيت جوامع الكلم<(1).
مع ملاحظة هذا الحديث والحديث الآتي, يعلم إنّ سورة الإخلاص والآيات الأوائل الست من سورة الحديد هي جوامع الكلم، يعني الجامعة والشاملة لكلّ كلام حول التوحيد.
2- عن عاصم بن حُمَيد قال : قال الإمام الصادق علیه السلام : إنّه سئل الإمام السجاد(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن التوحيد فقال: >إنّ اللَّه عزّوجلّ علم أنّه يكون في آخرالزمان أقوام متعمقون، فأنْزل اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والآيات من سورة الحديد إلى قوله : {عليمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} فمن رام وراء ذلك فقد هلك»(2).
فعلى أساس هذا الحديث لو تمسك شخص في مباحث التوحيد بغير سورة التوحيد وهذه الآيات من سورة الحديد, ولم يكن تفكيره العلمي واعتقاده موافقاً لهذه الآيات, ولم يجعل من هذه الآيات معياراً وميزاناً له (في فهم التوحيد) فقد هلك.
ذم أم مدح !
هل إنّ هذا الحديث يذم التعمق أم إنّه يمدح أهل التعمق؟
1- فقسم يقول: إنّ الحديث لا يتضمن مدحاً ولا ذماً بل الحديث يدل على مجرد الحكاية عن إنّ قسماً من النَّاس سوف يأتون ويكونون كذلك.
2- ويقول البعض: إنّ الحديث في مقام مدح أولئك.
3- ويعتقد البعض الآخر: إنّ الحديث في مقام مذمة المتعمقين.
ص: 8
إنّ ظاهر هذا الحديث هو المنع عن التعمق في مسائل التوحيد والإكتفاء بالنصوص (الواردة فيه)(1).
ويطرح المرحوم المجلسي في مرآة العقول ثلاثة إحتمالات حول هذا الحديث:
1- إنّ مراد الإمام من قوله >متعمقون< يعني أولئك الذين يفكرون عميقاً.
2- المراد هو أن يجتنبوا التدقيقات العقلية (حول الذات الإلهية) وأنْ يكتفوا بمعرفة اللَّه سبحانه التي جاء بيانها من اللَّه عزّوجلّ(2).
3- المراد هو أنْ يكون لهم معيار حتَّى يعرضوا أفكارهم (وعقائدهم) عليه من أجل أنْ لا يزلوا ولا يخطأوا.
ثُمَّ قال بعد ذلك إنّ الأظهر أوسط الإحتمالات(3).
والشواهد دالَّة على إنّ هذا الحديث يدل على ذمّ المتعمقين لا مدحهم.
الشاهد الأول:
لغة الحديث حيث قال: «علم أنّه يكون في آخرالزمان أقوام متعمقون» ليست لغة المدح وإلاّ لمْ يعبر عنهم بقوله >أقوام< بل لابدّ من التعبير بعبارة الأولياء وعلماء الحق وإخواﻧﻰ و ... كما نجد إنّه (ص) عبر (في موارد أخرى) بذلك فهنالك نماذج متعددة في الروايات كما في حجّة الوداع حيث عبر النبيّ (ص) عن مؤمني آخرالزمان مخاطباً أصحابه: >أنتم أصحابي وأولئك أخواﻧﻰ ... < وهذه هي لغة المدح.
على كلّ حال فليست هذه اللغة واضحة في المدح بل الذي يظهر لنا هو العكس خصوصاً بقرينة ذيل الحديث «فمن رام وراء ذلك فقد هلك».
ص: 9
فالذي يبدو بنظرنا إنها من الشواهد المؤيدة لما ذكرنا مضافاً لما سيأتي من الشواهد الأخرى.
الشاهد الثاﻧﻰ:
لقد جاء في كلمات أميرالمؤمنين علي علیه السلام القصار:
«الكفر على أربع دعائم على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق»(1).
وهذه الصفات الأربع من شعب الغلو.
وعلى هذا، فإحدى أسباب الكفر - بمعنى إبطان الحقيقة وإخفائها - هو التعمق والذي يجر إلى الهلاك أحياناً وجاء في كلام الإمام علیه السلام بعد ذلك «فمن تعمق لم يُنِبْ إلى الحقّ»(2).
وكذلك يقول علیه السلام في خطبة همام في وصف المتقين: «ولامتكلف ولا متعمق»(3).
وعلى هذا فالتعمق - خصوصاً في ذات اللَّه جلّ وعلا - ليس هو من صفات المؤمنين ولذا فالمتعمقون لا يمكن أنْ يكونوا ممدوحين.
الشاهد الثالث:
هذا الشاهد أقوى من الشاهد الثاﻧﻰ من جهة وهو ما يرتبط بإحدى خطب أميرالمؤمنين علیه السلام حول الراسخين في العلم.
«واعلم إنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم اللَّه عن الإقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا {آمَنَّا بِهِكُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا}(4), فمدح اللَّه إعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً
ص: 10
وسمّى تركهم التعمق في ما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخاً, فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين»(1).
مع ملاحظة هذه الشواهد الذي يبدو في النظر إنّ الحديث في مقام ذم التعمق, إذن ينبغي بل يلزم الباحثين في المباحث الإعتقادية - بعد إعتقادهم بأصول الدين من خلال البراهين العقلية - أن يتقبلوا إرشادات القرآن والأئمة الأطهار (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)(بكامل التسليم) وأنْ لا يتجاوزوا حدود أحاديثهم: (الذين هم المفسرون الحقيقيون لكلام اللَّه جلّ وعلا) وأنْ يكون محل همهم هو (التعقل في الوحي)(2), وذلك فإنّه بواسطة نوركلام مُحمَّد(ص) يمكن أنْ ترفع كلّ الحجب الظلمانية والوصول إلى بحار أنْوار الذات السبحانية فإنّهم المأمورون لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور قال تعالى: {لِتُخْرِجَ النَّاس مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور}ِ(3).
أقول: (لا طريق إلى الوصول إلى الذات السبحانية مطلقاً, المترجم) .
ومع وجود أحاديثهم التي تشق للبشرية طريق الهداية فإنَّ طلب الحقيقة والهداية من غير كلماتهم بمنزلة الاقتحام في الظلمات.
الروايات:
لا يخفى إنّ أحسن طريق لفهم القرآن الكريم هو الرجوع إلى أهل الذكر والراسخين في العلم وهم الأئمة المعصومون(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)فمن اللازم والمناسب أنْ نرجع أوّلا إلىالأحاديث الواردة حول ذلك وأنْ نأخذ القرآن من العالِمين بالكتاب الإلهي والمعارف الربانيّة.
الحديث الأول:
ص: 11
يقول ابن أبي يعفور سألت الإمام الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن قول اللَّه جلّ وعلا: {هُوَ الأول وَالْآخِرُ} وقلت له لقد علمنا إنّ اللَّه جلّ وعلا هو الأول وأما الآخر فما هو تفسيره؟(1)
فقال الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >إنّه ليس شي ء الاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله التغيّر والزوال أو ينتقل من لون إلى لون ومن هيئة إلى هيئة ومن صفة إلى صفة ومن زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين، فإنّه لم يَزل ولايزال بحالة واحدة، هو الأول قبل كلّ شي ء وهو الآخر على ما لم يزل ولا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره مثل الإنسان الّذي يكون تراباً مرّة, ومرّة لحماً ودماً, ومرّة رفاتاً ورميماً وكالبسر الّذي يكون مرّة بلحاً ومرّة بسراً ومرّة رطباً ومرّة تمراً فتتبدل عليه الأسماء والصفات واللَّه جلّ وعزّ بخلاف ذلك<(2) .
يبيّن لنا هذا الحديث إنّ كلّ ما في عالم الخلقة فهو في معرض التغيّر والإنتقال من حالة إلى أخرى, وكلّ ما هو موجود في عالم الطبيعة فإنّه دائماً في حالة تغيّر من حيث الشكل واللون والحال، ففي زمان تجده يزداد وتارة أخرى يتناقص.
لكن الذات الإلهية المقدسة على حالة واحدة لا تتبدل ولا تتغيّر ولا يؤثر فيها مضي الزمان ومستقبله (ولا يخفى إنّ الزمان والمكان لا علاقة لهما باللَّه جلّ وعلا إلاّ من حيث الخالقية والمخلوقية, وبعبارة أخرى فإنّ اللَّه جلّ وعلا لا زمان له ولا مكان بل هو فوقه).
ثُمَّ يوضح الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بعد ذلك الآية المباركة فينفي عن اللَّه جلّ وعلا كلّ أنواع التغيّر والتبدل ويبيّن إنّها ذات أحدية أزلية وأبديّة.أقول: (بمعنى أنْ لا زمان له ولا قبل ولا بعد, لا بمعنى أنْ يكون زمن وجوده غير متناه, المترجم).
كما وإنّه يمكن أنْ يستفاد من كلام الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) التباين الحقيقي والذاتي بين الخالق والمخلوق بكامل الوضوح.
ص: 12
أقول: ( بمعنى إنَّ ما سواه أشياءٌ متجزية مخلوقة بكلِّ وجودهم وكمالاتهم لا بمعنى أنَّها تعينات ذات الله تعالى كما هو رأي الفلاسفة, حيث يقولون إنَّ الاشياء من حيث تعيناتها غير الله تعالى وأما من حيث وجودها وكمالاتها فهي ليست شيئاً غير الله تعالى وإلا يلزم تحديد ذات الله! المترجم).
وهنا يرد إشكال (من باب الفرض) في الأذهان وهو إنّ أهل الجنّة والنّار سوف يبقون فيهما دائماً , فهل يكون معنى الآخر بالنسبة للَّه جلّ وعلا منطبقاً على دوامهما ؟ وهل إنَّ توصيفهما بالدوام صحيح ؟
يجيب العلامة المجلسي في مرآة العقول على هذا الإشكال الفرضي بعد أنْ وصف هذا الحديث بالصحة بقوله:
(الغرض إنّ دوام الجنّة والنّار وأهلهما وغيرها لا ينافي أخريته تعالى واختصاصها به، فإنّ هذه الأشياء دائماً في التغيّر والتبدل وبمعرض الفناء والزوال وهو سبحانه باق من حيث الذات والصفات أزلاً وأبداً بحيث لا يعتريه تغير أصلاً، فكلّ شي ء هالك وفان إلاّ وجهه تعالى)(1).
أقول: ( حيث إنَّ الله تعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا مصاحبة الأوقات والأزمان بل هو خالق الزمان والمكان, المترجم).ثُمَّ يذكر العلامة المجلسي قولاً آخر حول هذا الموضوع ويقول: (وقيل أخريته سبحانه باعتبار إنّه تعالى يفني جميع الأشياء قبل القيامة, ثُمَّ يعيدها كما يدل عليه ظواهر الآيات وصريح بعض الأخبار)(2).
الحديث الثاني:
روى هذا الحديث الذي هو حسن مسنداً عن ميمون البان حيث قال: سمعت من الإمام الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بعد ما سئل(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن أوّلية وأخرية اللَّه جلّ وعلا أنّه قال: «الأول لا عن أوّل
ص: 13
قبله ولا عن بدء سبقه, والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين، ولكن قديم أوّل آخر لم يَزل ولا يزول بلا بدء ولا نهاية، لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شي ء»(1).
ويقول العلامة المجلسي في توضيحه:
قوله علیه السلام : >لا عن أوّل قبله< أي سابق عليه بالزمان أو بالعلة >ولا عن بدء< بالهمز: أي ابتداء، أو بدي ء (على وزن فعيل) أي: علة «لا عن نهاية» أي من حيث الذات والصفات كما مرّ.
وجملة «لا يقع عليه الحدوث» ناظرة إلى الأولية «ولا يحول» ناظرة إلى الأخرية(2).
هذا الحديث يوضح لنا نفس المعاﻧﻰ التي دلَّ عليها الحديثان السابقان، فالإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حول كينونة اللَّه جلّ وعلا يقول:
إنّ اللَّه عزّ وجلّ هو الأول يعني لا إبتداء له, لا الأول بالمعنى العددي حيث تقول الأول، الثاﻧﻰ، الثالث، بل إنّ اللَّه جلّ وعلا أوّل حيث لا أوّلية له ولم يسبقه أحد حتَّى يكون له علة ويكون لها معلولاً, واللَّه جلّ وعلا هو الآخر حيث لا نهاية له.وحينما نتكلم عن الأشياء وإنّ لها أوّلاً وآخراً فإنّ ذلك يكون بمعنى خاص في الذهن من حيث الإبتداء والإنتهاء, وهذا المعنى لا يصدق على الذات الإلهية المقدسة، فحينما نقول الأول يعني لا إبتداء له وحينما نقول الآخر يعني لا إنتهاء له.
أقول: (إنَّ الله تعالى لا تصحبه الأوقات والأزمان وليس له وجود يمتد بامتداد الزمان ولهذا ليس لنا إدراك ذاته بل لنا التصديق العقلي فقط بإنَّه تعالى موجود وشئ بخلاف الأشياء وهو بخلاف كلّ ما يتصور ويتوهم, المترجم).
وكلّما رجعنا إلى الوراء فلا نجد شيئاً يكون سابقاً على الذات الإلهية المقدسة, وكلّما تقدمنا إلى الأمام فلا نصل إلى نهاية له جلّ وعلا، أقول: (كلّ ذلك ليس من جهته إنَّه
ص: 14
تعالى مصاحب لجميع الأوقات والأزمان على نحو غير متناه فإنَّ ذلك نفس الاتصاف بالزمان, والله تعالى يجل عن ذلك بل من جهة أنَّه تعالى خالق الزمان والمكان فلا يوصف بالقَبل والبعد والزمان وامتداد الوجود الزماني مطلقاً , المترجم). فهو جلّ وعلا أزلي أبدي لمْ يتغيّر ولا يتغيّر ولا يتبدل ولا يتحول ولا يفنى والتي هي يعني التبدل والتغير ... من خصائص المخلوقات التي لا تتطرق للذات الإلهية المقدسة، فالمخلوقات لها أوّل وآخر (بالمعنى الذي يرد في الذهن) إلاّ إنّ اللَّه سبحانه وتعالى ليس مسانخاً للمخلوقات حتَّى يصدق عليه هذان المعنيان (فاللَّه في نفس الوقت الذي هو أوّل وآخر فليست هاتان الصفتان شيئين غير ذاته جلّ وعلا بل هما عين الذات لا غير) فذاته جلّ وعلا لا شباهة لها مع أي مخلوق ولا يشبهه شي ء.
وحينما يقول الإمام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) >لا يقع عليه الحدوث< فليس معناها إنّه تعالى لا يزيده ولا ينقصه شي ء, أو إنّه لم يكن ثُمَّ كان أو إنّه يتبدل من حال إلى حال؛ بل المراد إنّ اللَّه جلّ وعلا خالق كلّ شي ء فلا يكون مقهوراً ومخلوقاً لأيّ شي ء.
وعلى هذا كما قال العلامة المجلسي جملة لا يقع عليه الحدوث ناظرة إلى قدمه وأزليّته جلّ وعلا وجملة لا يحول من حال إلى حال ناظرة إلى أبديّته جلّ وعلا وإنّه لا يفنى.الحديث الثالث:
رواه الشيخ الصدوق بسند قوي عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنّه قال: >إعلم علمك اللَّه الخير إنّ اللَّه تبارك وتعالى قديم والقدم صفته التي دلّت العاقل على إنّه لا شي ء قبله ولا شي ء معه في ديموميته، فقد بان لنا بإقرار العامَّة معجزة الصفة إنّه لا شي ء قبل اللَّه ولا شي ء مع اللَّه في بقائه, وبطل قول من زعم إنّه كان قبله أو كان معه شي ء وذلك إنّه لو كان معه شي ء في بقائه لم يجز أنْ يكون خالقاً له لأنّه لم يزل معه
ص: 15
فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه, ولو كان قبله شي ء كان الأول ذلك الشي ء لا هذا وكان الأول أولى بأنْ يكون خالقاً للأوّل<(1).
وقد جاء في هذا الحديث إنّ اللَّه جلّ وعلا قديم وإنّ هذه الصفة تدلنا على إنّه لم يكن قبل اللَّه جلّ وعلا أو معه شي ء يعني إنّ اللَّه جلّ وعلا لم يكن معلولاً لأحد ولا شي ء معه.
وإنّ هذه الحقيقة تدرك بالعقل.
وحول مسألة الإمكان والوجوب هنالك استدلال قد أشارت الروايات إليه تارة تصريحاً وأخرى تلويحاً, أقول: (والجدير بالذكر إنَّ برهان الوجوب والإمكان يراد منه عند الفلاسفة معنى ليس بصحيح ومع هذا قد ذكره بعض المتكلمين كالخواجه رحمه الله بمعنى يخالف المعنى الفلسفي فإنَّ المتكلمين يريدون منه نفس الحدوث وذلك إنَّ المتكلمين يقولون إنَّ كلّ ممكن حادث ولكن الفلاسفة ينكرون ذلك, المترجم).
وقد ذكر هذا الإستدلال خواجه نصيرالدين الطوسي بعبارة مختصر وجامعة قال: (الموجود إنْ كان واجباً فهو المطلوب, وإلاّ استلزمه لإستحالة الدور والتسلسل)(2).وتوضيح الاستدلال: لابدّ من قديم وإلاّ فغير القديم حادث ومحتاج بمعنى إنّه في وجوده محتاج إلى الغير ولو لم يكن محتاجاً للغير لزم الخلف(خلاف الفرض).
وهذا الموجود بالغير - والذي يعبر عنه بالممكن - لو كان مستنداً في وجوده على موجود مثله لزم من ذلك الدور والذي هو باطل عقلاً لاستحالة تقدم الشي ء على نفسه.
ولو كان ذلك الموجود الآخر مستنداً في وجوده على موجود ثالث وذلك الثالث على رابع وهكذا إلى ما لا نهاية لزم من ذلك التسلسل والذي هو أيضاً باطل؛ وذلك لأنّه في الحقيقة عبارة عن تحقق المعلول بلا علة.
ص: 16
إذن لابدّ من أن ينتهي إلى موجود قديم أزلي لا مثيل له وخالق كلّ شي ء واحد لا شريك له.
وقول الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) >ولا شي ء معه في ديموميته< نفي لأبديّة ماسوى اللَّه جلّ وعلا؛ وذلك لأنّه ليس من شي ء له ديمومة ذاتية غير اللَّه جلّ وعلا, وكلّ موجود إذا قُرّر له البقاء فإنّما هو بإبقاء اللَّه جلّ وعلا, وإذا أراد اللَّه جلّ وعلا إبقاء شي ء فهو باق ولا مانع من ذلك (وإن كانت كلّ الأشياء محكومة بالهلاك والفناء) ولا يتنافى ذلك مع أبديّة اللَّه جلّ وعلا، لأنّ اللَّه جلّ وعلا أراد له البقاء. أقول: (إنَّ بقاء المخلوقات يكون من حيث وقوعهم في الزمان بإبقاء الله تعالى ولكنه تعالى لا يكون بقاؤه من حيث الامتداد في الزمان بل هو فوق الزمان والمكان وهو خالق الزمان والمكان فالفارق الحقيقي بين بقاء الخالق والمخلوق ليس هو الإبقاء وحده بل المخلوق موجود زماني وباق بإبقائه تعالى ولكنه تعالى خارج عن الزمان والوجود الزماني فهو موجود بلا زمان ولا مكان, المترجم).
ومن قول الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >وبطل قول من زعم إنّه كان قبله أو كان معه شي ء< نحصل على ملاك ومعيار مهم, فلو كان هنالك شي ء قبل اللَّه جلّ وعلا فلا يمكن أْن يكون اللَّه جلّ وعلا خالقاً له بل ينبغي أن يكون ذلك الشي ء هو الخالق لا اللَّه جلّ وعلا.إذن يمكن أنْ يقال انّ صفة القديم لها دلالة عقلاً على عدم وجود قديم آخر غيره جلّ وعلا.
يقول المرحوم المجلسي؛ في ذيل هذا الحديث وكلامه لا يخلو من فائدة:
(لا يخفى إنّه يدل على إنّه لا قديم سوى اللَّه، وعلى إنَّ التأثر لا يعقل إلاّ في الحادث وإنّ القدم مستلزم لوجوب الوجود)(1).
إشكال:
لو لم يكن قديم إلاّ اللَّه جلّ وعلا وكلّ ماسواه حادث فاللازم من ذلك انقطاع الفيض وعلى هذا فلابدّ من القول بأنّه كان مع اللَّه شي ء.
ص: 17
الجواب:
هذا الإشكال يرتبط بمسألة القدم والحدوث التي سوف يأتي تفصيل الكلام حولها ولكنا نشير هنا إلى الجواب وباختصار فنقول:
أوّلاً: لو فرضنا إنّه هنالك قديمان أو أكثر فلا معنى للفيض وذلك لأنّ الفرض إنهما قديمان فلا هذا القديم يوصل فيضه إلى ذاك ولا ذاك لهذا.
ثانياً: لابدّ من عدم الموجود مع اللَّه جلّ وعلا حتَّى يتعلق به الفيض أوّلاً وبعد ذلك تتوالي الفيوضات الإلهية ويكون للفيض معنى.
الحديث الرابع(1):
جاء في الحديث إنّه اجتمعت اليهود إلى رأس الجالوت فقالوا له: إنّ هذا الرجل عالم - يعنون به أميرالمؤمنين علیه السلام - فانطلق بنا إليه نسأله, فأتوه فقيل لهم: هو في القصر, فانتظروهحتَّى خرج فقال له رأس الجالوت: جئناك نسألك فقال: >سل يا يهودي عمّا بدالك<. فقال: أسألك عن ربّك متى كان؟
فقال الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >كان بلا كينونية, كان بلا كيف, كان لم يزل بلا كم وبلا كيف, كان ليس له قبل هو قبل القبل ولا غاية ولا منتهى انقطعت عنه الغاية وهو غاية كلّ غاية<.
فقال رأس الجالوت: امضوا بنا فهو أعلم ممّا يقال فيه.
يدل هذا الحديث على إنّ اللَّه جلّ وعلا لا كم له ولا كيف ولا نعلم ما هو, وإنّه لا معنى للقبل والبعد بالنسبة له جلّ وعلا, واللَّه جلّ وعلا كان وهو موجود الآن وفيما بعد, ولا منتهى ولا غاية لوجوده يعني أزلي وأبدي.
الحديث الخامس(2):
ص: 18
يروي الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي الحسن الموصلي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: جاء أحد علماء اليهود إلى أميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وقال له: يا أميرالمؤمنين متى كان ربّك؟ فقال له علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >ثكلتك أمّك متى لم يكن حتَّى يقال متى كان، كان ربّي قبل القبل بلا قبل وبعد البعد بلا بعد ولا غاية ولا منتهى لغايته، إنقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية<(1).
من هذا الحديث يمكن أن نفهم إنّ الزمان مخلوق للَّه جلّ وعلا ولا معنى لطرح الزمان بالنسبة له جلّ وعلا فهو الأول يعني أزلي وهو الآخر يعني أبدي.
أقول: ( ومعنى الأزلية والأبدية هو تنزه وجوده تعالى من مصاحبة الأوقات والأزمان لا أنْ يكون وجوده تعالى متصف بزمان متناه أو غير متناه, المترجم).الحديث السادس(2):ينقل كتاب أصول الكافي وكذلك توحيد الصدوق في باب التوحيد ونفي التشبيه خطبة عن الإمام أميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في وصف اللَّه تبارك وتعالى حيث قال(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >الذي ليست له في أوّليته نهاية, ولا في أخريته حدّ ولا غاية, الأول قبل كلّ شي ء ولا قبل له, والآخر بعد كلّ شي ء ولابعد له<(3).
يدل هذا الحديث على ما بيّناه سابقاً وهو ناطق بذلك المعنى فأوليّة اللَّه جلّ وعلا ليست بالشكل الّذي لو رجعنا إلى الوراء لوصلنا إلى إبتدائها, ولا إنَّه لو تقدمنا إلى الإمام لوصلنا إلى إنتهائها, بل هو أوّل بلا إبتداء وآخر بلا إنتهاء فلا حدّ له لا من جهة الأولية ولا من جهة الآخرية.
أقول: ( والله جل وعلا لا يوصف بزمان مطلقاً ولا تصحبه الأوقات أبداً, المترجم)
ص: 19
الحديث السابع:
روي عن الإمام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنّه قال: >سبق الأوقات كونه والعدم وجوده والإبتداء أزله ... <(1).
>ليعلم أنْ لا قبل له ولا بعد له<(2).
يدل هذا الحديث على إنّ اللَّه جلّ وعلا كان قبل الوقت والزمان وهو باق بعد إنتهاء الوقت والزمان وإنّ أزليته سبقت كلّ ابتداء ولا قبل له ولا بعد.أقول: ( و ليس له وجود مصاحب للزمان ولو فرض الزمان غير متناه, المترجم)
الحديث الثامن:
يروي الإمام الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن جدّه أميرالمؤمنين علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنّه قال في خطبة له:
«وسبحان الذي ليس له أوّل مبتدأ ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى»(3).
الحديث التاسع:
يروي الشيخ الصدوق باسناده عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن جده الإمام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بعد سبعة أيّام من رحلة الرسول الأكرم(ص) بعد ما فرغ من جمع القرآن الكريم خطب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وقال: >الحمدللَّه الذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده, وحجب العقول عن أنْ تتخيّل ذاته في إمتناعها من الشبه والشكل ... إنْ قيل كان فعلى تأويل أزليّة الوجود وإنْ قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم<(4).
فعلى هذا حتَّى مع التعقل في ما جاء به الوحي لا يمكن إدراك كيفية كونه أزلياً وأبدياً؛
أقول: ( إلا بإدراك إنَّه تعالى شيء بخلاف الأشياء وموجود بلا زمان ولا مكان, المترجم)
ص: 20
وذلك لأنّ كلّ ما يدرك العقل فهو محدود (له حجم ومقدار وأجزاء) وليس اللَّه من هذا السنخ أقول: ( بل هو تعالى غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة, وأما غيره تعالى فهو بوجوده وعلمه وقدرته وزمانه ومكانه وشكله وصورته وتعيناته مخلوقة لله تعالى لا من شيء, المترجم) وهذا هو المعيار المهم في مسألة التوحيد الإلهي.
الحديث العاشر:يقول الإمام علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في جواب من سأله أنْ يصف اللَّه جلّ وعلا: «ولا كان بعد أنْ لم يكن»(1).
من هذا الكلام يعلم إنَّ الموجودات على قسمين:
أ - الموجودات التي لم تكن ثُمَّ كانت, وهذا القسم يشمل كلّ الموجودات ما عدا اللَّه جلّ وعلا.
ب - الموجود الّذي كان وكان وينحصر في الذات الإلهية المقدَّسة.
الحديث الحادي عشر:
روي عن الإمام الجواد(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنّه كان يقول في قنوت الصلاة:
«اللَّهُم أنت الأول بلا أوّلية معدودة, والآخر بلا أخرية محدودة»(2).
ولا يخفى إنّ كثيراً من المعارف الإلهية قد أودعت وذكرت في الأدعية ولذا فإنّ الأدعية غنيّة جداً, وهنالك مسائل كثيرة يمكن تعلمها من خلال الأدعية.
ففي هذا الدعاء نجد إنّ أوّلية اللَّه جلّ وعلا لم تكن بالمعنى العددي - وهو المعنى المتبادر للأذهان - فهي ناطقة بأزليّة الذات الإلهية المقدسة وكذلك معنى الآخر، فالذات الإلهية هي الآخر (إلاّ إنّ الآخر بلا نهاية) لا إنّ أخريته محدودة وتنتهي إلى نقطة معينة.
ص: 21
ففي أحد الأصول (والكتب) القديمة والذي هو من مؤلفات قدماء الأصحاب وهو دعاء الإخلاص جاء فيه:
«لا إله إلاّ اللَّه الأول بلا أوليّة, لا إله إلاّ اللَّه الآخر بلا نهاية, لا إله إلاّ اللَّه القديم بلا غاية»(1).وروي عن الإمام الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في ضمن أعمال إنّه قال:
«أنت القديم الأول الّذي لم تزل ولا تزال»(2).
فمن الواضح إنَّ هذه الفقرات كلّها تدل على أزلية وأبدية اللَّه جلّ وعلا.
الحديث الثاني عشر:
نقل عن أميرالمؤمنين(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أنّه خطب في مسجد الجامع في البصرة ومن جملة ما قال:
«معاشر المؤمنين والمسلمين إنّ اللَّه عزّ وجلّ أثنى على نفسه فقال >هو الأول< يعني قبل كلّ شي ء >والآخر< يعني بعد كلّ شي ء >والظاهر< على كلّ شي ء >والباطن< لكلّ شي ء سواء علمه عليه»(3).
يقول الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في هذه الخطبة إنّ علم اللَّه بالنسبة إلى كلّ شي ء على حدّ سواء, وإنَّ علمه نافذ في كلّ شي ء وليس هذا النفوذ كما يتصور البشر من نفوذ رائحة الطيب من الأوراد, ولا من مثل نفوذ الماء في التفاح وأمثال ذلك, بل هو بل من باب إحاطة علمه جلّ وعلا بكلّ شي ء, أقول: (والإحاطة العلمية أيضاً بمعنى الله تعالى لا يجهل شيئاً , خلافاً للفلسفة التي تقول بإنَّ العلم هو الوجود, ثُمَّ تفسر الإحاطة العلمية أيضاً بالإحاطة الوجودية, المترجم).
ص: 22
نعم، الروايات حول ذلك كثيرة وكلّها تدلّ على ذلك الأمر وتؤكد على أنّ المقصود من الأول والآخر إنّ اللَّه جلّ وعلا أزلي أبدي, لا الأول والآخر العددي (الذي يتبادر في الذهن) فانّ الذات الإلهية منزه عن ذلك.
الظاهر والباطن في كلام الإمام الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):روي عن الإمام الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنّه قال في معنى الظاهر والباطن:
>وأمّا الظاهر فليس من أجل إنّه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذُراها, ولكن ذلك لقهرة ولغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل «ظهرت على أعدائي» و«اظهرني اللَّه على خصمي» يخبر عن الفلج والغلبة، فهكذا ظهور اللَّه على الأشياء<.
ووجه آخر: إنّه الظاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شي ء وإنّه مدبر لكلّ ما برأ فأي ظاهر أظهر وأوضح من اللَّه تبارك وتعالى - لأنّك لا تعدم صنعته حيثُمَّا توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى.
وأمّا الباطن فليس على معنى الإستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً وحفظاً وتدبيراً كقول القائل أبطنته يعني خبّرته وعلمت مكتوم سرّه.
والباطن منا الغائب في الشي ء المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى(1).
يقول الإمام(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في هذا الحديث إنّ نسبة (الظاهر) إلى اللَّه جلّ وعلا بهذا المعنى وهو إنّ اللَّه غالب على كلّ شي ء وليس المقصود إنّه جسم وله شبيه بل المقصود السيطرة والقدرة والغلبة على الأشياء.
والمعنى الثاني(للظاهر) هو إنّه اللَّه ظاهر لكلّ من يريده وليس من شي ء أظهر من اللَّه جلّ وعلا، فانّ آثار اللَّه جلّ وعلا ظاهرة في كلّ المخلوقات أقول: (بل كلّ مخلوق فعله وأثره والمراد من كون المخلوقات أثراً لله تعالى هو كونه مخلوق له تعالى لا منشئ ولكنه عند الفلاسفة يكفي التموَّج للبحر حيث يقولون إنَّ الموج أثر من آثار البحر ويصير من
ص: 23
أفعاله وتعين من تعيناته لا يكون شيئاً بحياله, المترجم), وفي وجود الإنسان وإنّ ظهوره جلّ وعلا إلى حدّ حيث يقول اللَّه جلّ وعلا :
{أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ}(1).واسم الباطن يطلق أيضاً على اللَّه جلّ وعلا وعلى الممكنات، فالباطن في الممكنات بمعنى نفوذ شي ء في شي ء وبمعنى الإستتار في الشي ء إلاّ أنّ كلّ هذه المعاني لا معنى لها بالنسبة للَّه جلّ وعلا.
والباطن بالنسبة للَّه جلّ وعلا بمعنى إحاطته وسيطرته على كلّ الممكنات. أقول: (بمعنى الله تعالى لا يجهل شيئاً من مخلوقاته ولا يعجز عن شئ, لا أنَّ وجوده تعالى أحاط بوجود الممكنات والمخلوقات, المترجم).
رؤية المفسرين:
لقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية كلاماً بعدما كان أكثرهم من المؤمنين بالعقل وكان كلامهم مطابقاً للتعاليم الوحيانية.
تفسير كنز الدقائق:
مؤلف هذا التفسير الشيخ مُحمَّد رضا القمي المشهدي من أعلام القرن الثاني عشر وقد فسرَّ الأول والآخر بهذا الشكل: (هو الأول) السابق على سائر الموجودات من حيث إنّه موجدها ومحدثها.
(والآخر) الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها.
أو (هو الأول) الذي تبتدي ء منه الأسباب (والآخر) الذي تنتهي إليه المسببات.
أو (هو الأول) خارجاً (والآخر) ذهناً(2).
ص: 24
كما ذكرنا سابقاً المعنى الأول جاء في هذا التفسير هو إنّ اللَّه جلّ وعلا حيث إنّه خالق كلّ الموجودات فهو ليس سابقا عليها فقط وكان قبل وجودها بل هو موجِد لها (لا موجَد) ومحدِث لها (لا محدَث).ولا يمكن أن يتصور للَّه جلّ وعلا إبتداء أقول: (بل مصاحبة الوقت والزمان, المترجم) وهذا معنى أزلية اللَّه جلّ وعلا.
وحينما يقال «هو الآخر يعني إنّه لا يزال موجوداً بعد فناء الموجودات».
والفناء له ثلاث معان:
1- الفناء والإنعدام.
2- التلاشي والتبدل من حالة إلى حالة.
3- إنّ ذات الأشياء قابلة للفناء وإنْ كانت باقية بإبقاء اللَّه جلّ وعلا.
والذي يلوح للنظر إنّ المعنى الثالث هو مراد صاحب التفسير يعني مع لحاظ ذات الممكنات، فالموجودات فانية ومع قطع النظر عن ذاتها فهي باقية أقول: ( الممكن هو الذي مع إيجاده بإرادة الله تعالى فهو يوجد, وبإبقائه له فهو باق, وبإعدامه تعالى له فهو يعدم ويفنى, المترجم), (بإبقاء اللَّه جلّ وعلا لها وإرادته).
والمعنى الثاني المذكور للأوّل والآخر هو:
إنّ اللَّه جلّ وعلا الأول يعني إنّ وجود كلّ الموجودات في طول سلسلة أسباب وجودها كانت من اللَّه جلّ وعلا واللَّه خالقها وموجِدها من العدم، إذن فاللَّه وحده أزلي لا غير, واللَّه جلّ وعلا الآخر يعني إنّ جميع المسببات والموجودات والتي تقع في سلسلة الإيجاد والفناء كلها تنتهي واللَّه جلّ وعلا وحده هو الباقي والأبدي.
والإبتداء والإنتهاء, أقول: (ومصاحبة الأوقات والأزمان, المترجم) لا معنى له بالنسبة لوجوده جلّ وعلا وذلك لأنّ اللَّه جلّ وعلا ليس من سنخ الموجودات حتَّى تكون له نهاية وغاية . أقول : (وامتداد في طول الزمان ومصاحبة الأوقات, كما قال الإمام المعصوم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >ولا تصحبه الأوقات< المترجم).
ص: 25
والمعنى الثالث المذكور للأوّل والآخر هو: إنّ اللَّه هو الأول يعني الأول الحقيقي الذي لا تحقق في الخارج لغيره أقول : (حيث أنَّ كلّ ما يكون غيره تعالى فهو خلقه تعالى الذيأحدثه وأوجده لا من شئ , المترجم) لكن لا بمعنى إنّ له إبتداء في وجوده بل هو قبل كلّ موجود وأزلي في وجوده.
واللَّه هو الآخر يعني الأبدي الذي لا إنتهاء لوجوده. أقول: (والله تعالى لا يصاحب الزمان مطلقاً وليس لوجوده إمتداد زماني, المترجم).
للبحث صلة
ص: 26
الإفادة الرابعة
بطلان الوجود الذهني:من إفادات الأُستاذ العلامة المحقق السيد علي البهبهاني الرامهرمزي (قدس سره) ألقاها حين البحث عن تقسيمات الوجود عند قرائتي عليه کتاب (کشف المراد ﻓﻰ شرح تجريد الاعتقاد) ﻓﻰ بلدتنا الأهواز وذﻟﻚ قبل هجرتنا الدراسية إلى النجف الأشرف.
مقدمة(1): ذکر أرباب الحکمة إنّ الوجود قسمان ذهني وخارجي, والأول منهما إعتباري صرف ومفهومي محض کساير المفاهيم الذهنية التي تتنزع عن المصاديق ثُمَّ تحمل عليها ثانياً بالحمل الشايع الصناعي من المحمولات بالضميمة لاخوارج المحمول؛ والخلاصة إنّ الوجود الذهني وجود ظلّي ضعيف لا يترتب عليه أثر وأما الوجود الخارجي فهو وجود ظاهري للأشياء ومورد لترتّب الآثار.
هذا وقد أورد على القول بالوجود الذهني أولاً: إنّ هذا النحو من الوجود ليس ثبوته بمسلّم وإنّه معرض لعدة إشکالات لايمکن التخلص عنها.
ص: 27
منها: إنّه بناء على هذا يلزم کون الجواهر والأعراض ﻓﻰ الذهن من مقولة العرض بل من خصوص مقولة الکيف ومنها؛ لزوم إختلاف ظرف الموضوع والمحمول ﻓﻰ قضية (شريک الباري ممتنع) و (اجتماع الضدين محال).
ومنها: لزوم توقف صدق القضية على وجود الموضوع ﻓﻰ الذهن ﻓﻰ مثال، (الأربعة زوج) ولم يکن متصوراً ﻓﻰ الذهن لزم منه عدم اتصافه بالزوجية والفردية.
ومنها : لزوم حصول الفقه والشجاعة، مثلاً ﻓﻰ الوجود بمجرد تصورهما وغير ذﻟﻚ من التوالي الفاسدة المذکورة ﻓﻰ محلها.
وثانياً: إنّ العلة ﻓﻰ عدم ترتب الآثار على الوجود الذهني هو عدم صدوره من المبدء ومن المعلوم إنّ هوية الماهية الخارجية ليس موطنها ﻓﻰ الذهن والصوره الحاصلة ﻓﻰ الذهن إنّما يتجرد من المادة والصورة - والجوهرية ولواحقها- وهذا ليس أزيد من العنوان المحاکاتي الصادقة على الماهية الخارجية.وعلى فرض الوجود الکلي الطبيعي ﻓﻰ الخارج وانحفاظه بين الوجود الذهني والوجود الخارجي وإتحاده مع الماهية الشخصية الخارجية لکن مع ذﻟﻚ يکون أثر المبدء هو الطبيعة الجزئية الواجبة وذﻟﻚ لأنّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، والشيء ما لم يجب لم يوجد والجزئي الحقيقي لا يصير واجب الصدور بصرف الطبيعة المعقولة ﻓﻰ الذهن.
والحاصل: إنّ الأمر المعقول المجرد ليس مبدء للآثار بل المبدء للأثر هو الأمر المتشخص الذي يکون المجرد الطبيعي صادقاً عليه أو متحداً معه أو إنَّه بمعني وجود أشخاصه.
ثُمَّ: إني قد عرضت هذه المطالب إجمالاً على سماحة الأُستاذ المحقق (قدس سره) بعد استفادتها واکتسابها من محضره الشريف فأضاف عليها وأفادني بما يلي: إنّ القول بالوجودالذهني ناشٍئ عن صدق القضايا الحقيقية وصدق هذه القضايا مستلزم للقول بالوجود الذهني.
تقرير ذﻟﻚ:
ص: 28
إنّ القضية الفرعية أعنّي (ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له) من القضايا الضرورية وﻫﻰ جارية ﻓﻰ جميع القضايا الحقيقية قبل وجود الموضوعات.
مثلاً: الحيوان ناطق، شريک الباري ممتنع، اجتماع الضدين محال، اجتماع الضدين مغاير لاجتماع النقيضين، الأربعة زوج وغير ذﻟﻚ, کل ذﻟﻚ متوقف على القول بوجود لهذه الموضوعات ﻓﻰ هذه القضايا غير الوجود الخارجي فانّه إنْ لم نقل بهذا الوجود وراء الوجود الخارجي يلزم منه انخرام القاعدة المذکورة مع أنها من جملة القضايا الضرورية التي يحکم بها العقل صريحاً فلامناص لتصحيح هذه القضايا من الاعتقاد بوجود للأشياء وراء الوجود الخارجي وليس هذا إلاّ الوجود الذهني.
والجواب: إنّ هناک محاذير أخرى قد التفت القوم إليها ممَّا لا يمکن الالتزام بها.احدها: إنّه يلزم مما ذکر أن تکون الجواهر والأعراض کلّها ﻓﻰ الذهن من مقولة العرض ومن خصوص مقولة الکيف.
توضيحه: إنّ الوجود متحد هويةً مع المهية وينفکان ﻓﻰ مرحلة التصور (إنّ الوجود عارض المهية - تصوراً وإتحدا هويةً)(1) ووجود کل منهما معروض للآخر وعلى هذا فلو قلنا إنَّ العلم وجود ظلي ضعيف للمعلوم (وبهذا الاعتبار تثبت المحمولات للموضوعات قبل وجود الموضوعات ﻓﻰ الخارج) يلزم أن يکون حقيقة الإنسان والحجر والشجر وهکذا متحدة مع العلم الذي هو الوجود الذهني لهذه المهيات والعلم ( القائم بالذهن ) حيث إنَّه من مقولة الکيف ( على ما هو المعروف بين الحکماء وإن قال بعضهم بانّه من مقولة الاضافة ) فعلى هذا لوکان الإنسان متحداً مع العلم القائم بالذهن يلزم أن يکون المعلوم أيضاً قائماً بالذهن فيکون جميع المعلومات من قبيل أعراض الکيف ولهذا قال الحکيم السبزواري ﻓﻰ شرح المنظومة بعد تقرير هذا الإشکال: ( وهذا هو الذي صيَّر
ص: 29
العقول حيارى والأفهام صرعي )(1), ومن البديهي عدم معقولية إنقلاب الجوهر بالعرض حيث أنَّ الجوهر والعرض متضادان والأول قائم بنفسه والعرض ليس کذالک .
الثاني: يلزم أن يکون ظرف الموضوع والمحمول (ﻓﻰ مثل شريک الباري ممتنع واجتماع الضدين محال ونحو ذﻟﻚ) مختلفاً بمعني أن يکون الموضوع موجوداً ﻓﻰ الذهن والمحمول ثابتاً ﻓﻰ الخارج فانّ من البديهي أن يوصف الامتناع لشريک الباري وإستحالة اجتماع الضدين ليس موطنه الذهن بل هما ثابتان ﻓﻰ الخارج مع إنّ الموضوع قائم ﻓﻰ الذهن فيلزم أن يکون ظرف الموضوع ﻓﻰ الذهن وظرف المحمول ﻓﻰ الخارج وهذامحال وکذا عکسه (وجود الموضوع ﻓﻰ الخارج و المحمول ﻓﻰ الذهن) فهل يعقل ويتصور أن يکون العنقاء غير موجود ﻓﻰ الخارج وطيرانه موجوداً فيه (ﻓﻰ الخارج)؟
الثالث: يلزم ﻓﻰ مثل ( الأربعة زوج ) أن يکون صدق القضية متوقفاً على وجود الموضوع ﻓﻰ الذهن وما دام لم يتصور الأربعة ﻓﻰ الذهن لا يثبت له صفة الزوجية ولا الفردية مع إنَّ من البديهي ثبوت الزوجية لها ﻓﻰ حد نفسها سواء تصورت ﻓﻰ الذهن أم لم تتصور فيه.
هذا مضافاً إلى إنّ العلم عبارة عن إدراک الواقع على ما ﻫﻰ عليه لا الخلق والإيجاد وصدق الإدراک فرع وجود المدرک ﻓﻰ الخارج ( إن کان ) و إلاّ ففي کل موضوع يکون الإدراک تابعاً له مع إنَّ من البديهي إنّ العقل إنَّما هو يدرک الزوجية للأربعة لا أنّه يوجد الزوجية لها و لو فرضنا إنّ الزوجية لم تکن ثابتة للأربعة ﻓﻰ حد نفسها، بل کانت تابعة لايجاد الأربعة لزم من ذﻟﻚ صدق (الأربعة فرد) أيضاً فانّ الذهن کما يدرک و يتصور الزوجية للأربعة کذﻟﻚ يتصور الفردية لها أيضاً فيلزم أنْ لا يکون الزوجية امراً واقعياً ثابتاً للأربعة دون الأربعة فرد.
ص: 30
والحاصل: إنَّ الوجود الذهني بمعني کون العلم من الکيفيات النفسانية القائمة بالذهن أمر مسلّم لکنما الإشکال ﻓﻰ إنَّه هل يکون المعلوم موجوداً ﻓﻰ الذهن باعتبار إنّ العلم وجود للمعلوم، أو لا يکون؟
فالقائلون بالوجود الذهني يقولون بانّ المعلومات کما يکون لها وجود ﻓﻰ الخارج لها أيضاً وجود ﻓﻰ الذهن (وهذا القول منهم لأجل تصحيح القضايا الحقيقية) لکنهم يقولون إنّ الوجود الذهني وجود ظلّي ضعيف لا يترتب عليه أثر, وهذا المقال منهم باطل من عدّة وجوه أشير إلى ثلاثة منها سوى ما ذکر قبلاً فنقول:
الرابع: يلزم أن يکون زيد بمجرد تصور علم الفقه عالماً به وکذا بتصور الجهل يلزم أن يکون زيداً جاهلاً - وبتصور الغني يصير غنياً وبتصور الفقر فقيراً - بيان ذﻟﻚ إنّ المعلومإذا اتّصف بالوجود الذهني کان متحداً مع العلم هوية فکما إنّ العلم قائم بالذهن فالمعلوم المتحد معه أيضاً قائم بالذهن , فالفقر بتصوره يکون قائماً بالشخص فصار زيد فقيراً - مع أنَّه من البديهي إنَّ ذﻟﻚ غير جايز ليقال إنَّ بتصور الفقر يکون زيد فقيراً وبتصور الغني يصير غنياً .
إن قلت فکيف تکون القضايا الحقيقية صادقة مع إنَّ القضية الفرعية من جملة القضايا الضرورية ؟
(قلنا) إنّ القضايا الحقيقية على ثلاثة أقسام:
1 - قضايا سالبة لکن ﻓﻰ صورة الموجبة مثل : شريک الباري ممتنع , اجتماع الضدين محال ، فانّ مرجع الامتناع والاستحالة إلى عدم قبول هذه للوجود .
2 - قضايا صورية أي إنّها ليست قضية ﻓﻰ الحقيقة وإن کانت ﻓﻰ صورتها إذ ليس موضوع و محمول ﻓﻰ البين مثل : الإنسان حيوان ناطق , فانّ الحيوان الناطق هو الإنسان ﻓﻰ الحقيقة لا إنّه محمول ثابت للإنسان.
3 - قضايا ثبوتها ربطي وليس بأصيل ومن البديهي إنّ الثبوت الربطي لا يتفرع .
ص: 31
4 - الأربع (التباين أو التساوي أو العموم المطلق أو من وجه) وکذا الحال بالنسبةإلى زوجية الأربعة فانّ النسبة لزوم ثابت لذات الأربعة لا الثبوت ﻓﻰ الخارج والقضية الفرعية إنَّما ﻫﻰ ﻓﻰ خصوص الثبوت الخارجي.
فقد ظهر بهذا البيان إنّ صدق القضايا الحقيقية غير متوقف على الوجود الذهني وأساس الوجود الذهني غير ثابت إلا على صدق القضايا الحقيقية قبل وجود موضوعاتها ﻓﻰ الخارج .
کما إنّه قد تبين إنّ الوجود الذهني مضافاً إلى بطلانه من أصله مستلزم لمحاذير لا يمکن الالتزام بها(1).
ص: 32
ما هو الطريق إلی اللّه تعالی؟
ما هو طريق النيل إلى حقايق المعارف والسلامة عن التورط في الضلالات والأوهام وخلط أحكام العقل بالوهم والظّنّ ؟!
إنَّ ها هنا طرقاً ثلاثة :
الأول : السلوك العرفاني .
الثاني: المشي الفلسفي .
الثالث: تفقه العلوم السماوية البرهانية وتعقلها.
وحيث إنَّ الطريق الصحيح عندنا هو الطريق الثالث فنبحث عنه أولاً, وعن سائر الطرق بعد ذلک.
ص: 33
آية مصنوعية الأشياء ومخلوقيتها:
ما هو ملاك كون المصنوع مصنوعاً ؟!
وما هي آية كون الأشياء التي بأعيننا نراها ونلمسها ونحس بها مخلوقة محدثة مدبرة ؟!
هذا سؤال ساذج ومع ذلك فهو أهم سؤال يواجهه الإنسان العاقل ذو الشعور الفاحص عن الحقايق المتأمل في مبدئه ومنتهاه وسعادته وشقاوته, حيث إنَّ البحث عن ذلك والتفكير فيه هو الفارق الأهم والحجر الأساس بين أهل الإيمان وأهل الجحود ، وبذلك يختلف مسير التعايش والتعامل الحيوي البشري في العاجل ، والسعادة والشقاوة النهائيين في الأجل .
وجواب ذلك أسهل كلّ شيء عند من عقل الأمر عمَّن عرف بعقله أنَّ له معلماً لا يخلط بين أحكام الوهم والعقل والظّنّ والهوى ولا يخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء .وفي الجواب عن هذا السؤال وقعت معركة عظيمة بين أهل التحقيق الآخذين بالبراهين والنصوص المحكمات وبين أصحاب مدارس المعرفة البشرية وتابعيهم .
وللحصول على الجواب فعلينا أن نعرف أقسام الوجود والموجود .
تقسيم الوجود والموجود:
إنَّ الموجود من حيث سنخ الذات وحقيقة الوجود يكون على قسمين :
الأول : ما يكون ذا مقدار - أي ذا امتداد , متناهياً فرض أو غير متناه - وذا أجزاء وعدد ، وهو ما نسميه ب- (الحقيقة المتجزية) و (الموجود الإمتدادي) و (الماهية العددية) .
الثاني : ما يكون على خلاف الأول وهو ما نسميه ب- (الحقيقة المتعالية عن الإمتداد والاجزاء) .
القسم الأول من هذين القسمين يكون موجوداً بالضرورة، ولا خلاف في ذلك إلا من جانب السوفسطائيين والذين يقولون ب- (أنَّ العالم متوهم وليس له وجود حقيقي ، ولا تعدد ولا تكثر ولا أجزاء لحقيقة الأشياء التي نشاهدها بأعيننا) .
ص: 34
ولكلّ من القسمين المذكورين أحكام خاصَّة به وهي كلها بديهية أو قريبة منها ، نقدم قبل ذکرها البرهان على إثبات وجود الخالق المتعال وتوحيده .
البرهان علی وجود الخالق المتعال:
وأما البرهان على وجود الخالق للأشياء المتعالي عن كلّ شي ء وتصور وتوهم وشبح وصورة فهو :
إنَّ كلّ ما ندركه ونجده موجوداً من المقادير والأشياء المتجزية إما أن يكون متناهياً أم غير متناه، والثاني محال لما بيناه من أنَّ وجود ما لا يتناهي محال مطلقاً .
وأما الأول فأما أن يكون موجوداً بنفسه ومستغينا عن العلة الموجدة أم مفتقراً إليها ، الأول باطل لأنَّ ما يقبل الزيادة والنقصان ويستوي له الوجود والعدم فمن البديهي أنه لايمكن أنْ يوجَد إلا بأن يوجده غيره ، والثاني فأما أن تكون علته موجودة أم معدومة، والثاني باطل بالضرورة حيث إنَّ من البديهي أنَّ العدم لا يكون شيئاً في نفسه فضلاً عن أن يكون مؤثراً في غيره . والثاني - وهو أن تكون علة الأشياء موجودة - فهي إما نفس الأشياء أو جزؤها أو خارجة عنها ، فالأول والثاني منها يكون خلاف الضرورة والبداهة العقلية، فيتعين الثالث وهو كون الخالق تبارك وتعالى خارجاً عنها وبخلاف الأشياء كلّها ومتعالياً عن أن يكون مقدارياً متجزياً عددياً .
برهان آخر:
أ- إنَّ الموجود المقداري المتجزي متحقق بالضرورة .
ب - إن الموجود المقداري المتجزي يستحيل أن يكون مجرداً عن حد يحده وصفات وكيفيات معينة تشخصه.
ج - لا يكون تلك الحدود والأحوال باقتضاء ذاتها .
د - كلّ ما لا يكون بنفسه فهو بالفاعل .
ه- - الموجود المقداري المتجزي يستحيل أنْ يكون خالقاً وموجداً لشيء .
ص: 35
النتيجة: إنَّ للأشياء المقدارية المتجزية خالقاً متعالياً عن أن يكون مقدارياً متجزياً عددياً.
الإمام أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
> جلّ أن تحله الصفات، لشهادة العقول (فإن جواز الاتصاف فرع المقدار والعدد، والمقدار ملاك المصنوعية) أن كلّ من حلته الصفات مصنوع <(1).
الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) :
> ... وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المادين <(2) .أو فقل الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
> ... لشهادة العقول إنَّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ موصوف أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث ... <(3).
الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) :
> لشهادة العقول إنَّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كلّ موصوف إنَّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف <(4).
بيان آخر:
1 -- كلّ ما يحتمل الزيادة والنقصان ويمكنه أن يتعدد ويتكثر فهو قابل للوجود والعدم (ممكن الوجود)، وبعبارة أخرى : إنَّ آية كون الشيء ممكناً هو جواز قبوله الزيادة والنقصان .
ص: 36
2 -- كلّ ما احتمل الزيادة والنقصان فهو حقيقة مقدارية عددية متجزية، لامتناع فرض الزيادة والنقيصة إلاّ في المقدار والأجزاء , وبعبارة أخرى : إنَّ ملاك كون الشيء ممكناً هو كونه مقدارياً متجزياً عددياً.
3 -- كلّ ما جاز فرض عدمه ذاتاً لا يكون وجوده بنفسه , فإنَّ ما يكون وجوده بنفسه لا يمكن فرض عدمه .
4 -- كلّ ما لا يكون موجوداً بنفسه فهو موجود بغيره .5 -- كلّ ما يكون موجوداً بغيره فهو مخلوق حادث وإلا لزم الخلف واجتماع الوجود والعدم .
بيان آخر:
كلّ ما نجده موجوداً بل کل ما يمكن أن نتصوره موجوداً يجوز أن يسلب عنه كلّ ما يفرض له, فكلّ ذاك يكون بغيره لا نفسه ، فهو مخلوق، دال على خالق بخلافه، وذلك حيث إنَّ الموجود بنفسه يكون بخلاف الموجود بغيره.
توضيح ذلک:
إنَّ كلّ ما نراه - بل نتصوره ونجوز له الوجود - فهو إما متغير بالفعل وإما أن يجوز عليه التغير، فإن كلّ ذلك خص وجوده بكم وكيف قد كان يمكنه بالنظر إلى ذاته أن يكون على غير ذلك الكم والكيف، فإنَّ الشمس مثلاً كان يمكنها بالنظر إلى ذاتها ... تكون كالقمر، كما أنَّ القمر أيضاً بالنظر إلى ذاته كان يمكنه أن يكون كالشمس وهكذا في كلّ شيء نعرفه موجوداً أو قابلا للوجود .
وحينئذ فنقول : إنَّ تخصيص كلّ شيء بكمه وكيفه الخاصين به إنْ كان أمراً يقتضيه ذاته لكان يمتنع أن نتصوره موجوداً على وجه آخر، وحيث إنَّه يمكن أن نتصور كلّ شيء على غير ما هو عليه ولا يكون أوصافه الوجودية مقتضي ذاته فيكون كلّ ذلك بل وأصل وجوده بمشية غيره وإيجاده.
ص: 37
ثُمَّ إنَّه يجب أن يكون خالق الأشياء ومشيّؤها وموجدها بخلاف الأشياء كلّها متعالياً عن الإتصاف بالكم والكيف فراراً عن نفس المحذور.
وهذا دليل ساذج وبرهان قاطع للاهتداء إلى العلم بوجود خالق الأرض والسماء وما فيهما وما بينهما، وكونه جلَّت عظمته متعالياً عن وجود كلّ الأشياء وأوصافها وكيفياتها.تبصرة:
ومما يجب التذکر به هاهنا هو إنا لا نحتاج مع هذا البيان إلى الفحص عن موارد الاستثناء من السنن الجارية على الخلق کموارد معجزات الأنبياء والمعصومين (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) ، بل على هذا البيان يصبح کل ما نراه ونجده من الموجودات والأشياء استثناءً في الوجود والتحقق ، دالاً على وجود بارئها المتعالي عنها.
ثُمَّ إنَّ الفرق بين البرهانين هو إنَّ في الأول قد استنتج من وجوب كون الأشياء مصنوعة مخلوقة امتناعُ كونها قديمة أزلية غير متناهية، وأما في الثاني يكون الأمر بالعكس حيث إنَّ فيها استدل بامتناع كون الأشياء غير متناهية أزلية على وجوب كونها مصنوعة مخلوقة مدبرة.
آراء أخرى في تعيين ملاك معلولية الأشياء ومخلوقيتها:
قد بيَّنا إنَّ ملاک معلولية الأشياء وإمکانها هو کونها متجزية إمتدادية فالخالق تعالى بخلافه وهناک أقوال أخرى وهي:
الأول : هو القول بأنَّ ملاك كون الشيء محتاجاً إلى من يوجده وآية افتقاره إلى غيره هو إمكانه الذاتي ونفس كونه ممكن الوجود وإن كان موجوداً أزلياً (بل وأبدياً).
ويرد على هذه النظرية:
ص: 38
1-- هذه سفسطة وفرار عن الإجابة عن السؤال حيث إنَّه لم يبيّن فيه ما هو ملاك كون الشيء ممكناً فهل هو ضعف الوجود كما قال به بعض، أو سعة الوجود كما قال به بعض آخر - وإن كان يرجع كلاهما إلى أمر واحد - أو أمر آخر.
2-- إنَّ ما يكون وجوده أزلياً أبدياً لا يعقل أن يكون محتاجاً إلى من يوجده ويخلقه؛ فإنَّه تحصيل للحاصل وإيجاد للموجود وهو محال بالبداهة.يقول نصير الدين طوسى (قدس سره) في (تجريد الاعتقاد) :
(ولا قديم سوى اللّه تعالى) .
ويقول العلاّمه الحلّى (قدس سره) في شرح ذلک:
(قد خالف في ذلك جماعة كثيرة، أمّا الفلاسفة فظاهر لقولهم بقدم العالم ... وكلّ هذه المذاهب باطلة، لأنَّ كلّ ما سوى اللّه ممكن، وكلّ ممكن حادث) (1) .
3-- إنَّ الإمكان - وهو نفس معني جواز الوجود والعدم - لا يدل بمجرده على شيء أصلاً إلا أن ينتقل العقل من ذلك إلى أن ممكن الوجود لم يكن موجوداً ثُمَّ وجد وهذا هو معني الحدوث فيكون حينئذ ملاك كون الشيء محتاجاً إلى غيره في الحقيقة هو حدوثه ووجوده بعد عدمه لا نفس تساوي الوجود والعدم له بمجرده.
ثُمَّ لا يذهب عليك أنَّ الباعث لذهاب هذه الطائفة إلى القول بأنَّ ملاك الافتقار هو نفس الإمكان لا الحدوث هو إعتقادهم بأزلية وجود العالم وكونه موجوداً دائماً .
واعلم أنَّ تفسير الإمكان على هذا المعني الباطل - الصادق على الازلي القديم ! - يختص بالتقرير الفلسفي اليوناني لبرهان الوجوب والإمكان، والأمر الأعجب من ذلك هو أنَّ البرهان يصبح على هذا التقرير سفسطة واضحة ولا ينتج إثبات وجود واجبهم أصلاً. وأما المتكلمون الذين يتمسكون بهذا البرهان لإثبات وجود الخالق المتعال فإنَّهم يقررونه تقريراً يخالف التقرير المذکور بأسه وأساسه حيث يرجع برهانهم هذا في الحقيقة إلى برهان الحدوث والقدم الذي يبتني على كون الأشياء موجودة بعد عدمها الحقيقي
ص: 39
ومخلوقيتها لا من شي ء، وأنَّ كلّ ممكن حادث مقداري متجزئ زماني ولا يتلائم تقريرهم لهذا البرهان مع تقرير الفلاسفة اليونانية, لذلك حيث إنَّ التقرير الفلسفي يبتني على تحريف معني الإيجاد إلى الصدور عند قدماء أصحاب المعرفة البشرية وإلى تطور ذات الخالق المتعال وظهورها بصور الأشياء عند العرفاء، وإلى السعة الوجودية والإحاطة الذاتية عند متأخريهم ولا فرق بين شتي طوائفهم في الحقيقة.ولا يذهب عليك أنَّ مرادهم من الصدور هو نفس معنى التجلي والظهور فالإختلاف بين قدماء الفلاسفة القائلين بصدور الأشياء عنه تعالى مع متأخريهم القائلين بتجليه بصور الأشياء ووحدة وجود الخالق والمخلوق يكون لفظياً فقط.
يقول ملا صدرا : (فرجعت العلية والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره) .
ويقول:
(إنَّ الوجود حقيقة واحدة, هي عين الحق وليس للماهيات والأعيان الإمكانية وجود حقيقي ... وإنَّ الظاهر في جميع المظاهر والماهيّات والمشهود في كلّ الشؤون والتعيّنات ليس إلاّ حقيقة الوجود, بل الوجود الحقّ بحسب تفاوت مظاهره وتعدّد شؤونه وتكثّر حيثياته ... بل الممكنات باطلة الذوات هالكة الماهيّات أزلاً وأبداً, والموجود هو ذات الحقّ دائماً وسرمداً ... فانكشف حقيقة ما اتّفق عليه أهل الكشف والشهود من إنّ الماهيّات الإمكانيّة أمور عدميّة .... بمعنى أنّها غير موجودة لا في حدّ أنفسها بحسب ذواتها ولا بحسب الواقع ... كما قال الشاعر :
وجود اندر كمال خويش سارى است
عيّن ها امور اعتبارى است
قصيدة قصيدة
يعني : الوجود سار في کماله والتعينات أمور إعتبارية.
وفي كلمات المحقّقين [يعني العرفاء] إشارات واضحة بل تصريحات جليّة بعدمية الممكنات أزلاً وأبداً ... فإذن لا موجود إلاّ اللّه ... وكتب العرفاء كالشيخين العربيّ
ص: 40
وتلميذه صدر الدين القونويّ مشحونة بتحقيق عدميّة الممكنات وبناء معتقداتهم ومذاهبهم على المشاهدة والعيان)(1).
ويقول:
(إنّ لجميع الموجودات أصلاً واحداً أو سنخاً فارداً هو الحقيقة والباقي شؤونه، وهو الذات وغيره و[كذا] أسماؤه ونعوته، وهو الأصل وما سواه أطواره وشؤونه، وهو الموجود وما ورائه جهاته وحيثيّاته ... فما وصفناه أوّلاً إنّ في الوجود علّة ومعلولاً بحسب النظرالجليل قد آل آخر الأمر بحسب السلوك العرفانيّ إلى كون العلّة منهما أمراً حقيقياً والمعلول جهة من جهاته ورجعت علّية المسمّى بالعلّة وتأثيره للمعلول إلى تطوّره وتحيّثه بحيثيّة لا انفصال شيء مباين عنه)(2).
ويقول:
(فالحقيقة واحدة وليس غيرها إلاّ شؤونها وفنونها وحيثيّاتها وأطوارها ولمعات نورها وظلال ضوئها وتجليّات ذاتها كلّ ما في الكون وهم أو خيال أو عكوس في المرايا أو ضلال [ظلال])(3).
ثُمَّ إعلم أنَّ البحث عن أن ملاك الاحتَّىاج هو الإمكان أو الحدوث لا أثر له على التقرير الكلامي الذي يقال فيه بأنَّ كلّ ممكن حادث، بل يظهر أثره على التقرير الفلسفي اليوناني فقط حيث إنَّ القائلين بها ينكرون حدوث العالم بل يقولون بأزليته وقدمه, ولهذا يعمدون إلى إنكار أن يكون ملاك الفقر والاحتَّىاج هو الحدوث لا الإمكان .
ولكنا قد أشرنا إلى أنَّ البرهان على هذا التقرير يكون عقيماً من أصله ولا يثبت وجود واجبهم من رأسه .
ص: 41
ثُمَّ إنه قد يتوهم الفلسفي أنَّ للخلاف في أن ملاك الاحتَّياج هو الإمكان أو الحدوث أثراً آخر حيث يقول:
(إنْ قلنا إنَّ ملاك إحتَّياج ما سوى اللّه هو الحدوث لا الإمكان كما يقول به المتكلمون, يلزم أن نقول إنَّ العالم بعد أن أوجده اللّه تبارك وتعالى وأحدثه يصبح مستغنياً عن العلة ولا يحتاج في بقائه إلى اللّه تبارك وتعالى, وذلك كالبناء المستغني عن الباني بعد حدوثه).أقول: إنَّ هذا توهم باطل لم يقل به متكلم قط، بل المتكلم يقول: بأنَّ أمر المخلوق يكون بيد خالقه وموجده إحداثاً وإبقاءاً وكمّا وكيفاً وقضاءاً وقدراً وإذناً فلا يخرج شيء عن مشية الربّ جلَّت عظمته تكويناً وتشريعاً أبدا ً.
الإمام الكاظم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) :
>لا يكون شيء في السماوات والارض إلا بسبعة بقضاء وقدر وإرادة ومشيّة وكتاب وأجل وإذن , فمن قال غير هذا فقد كذب على اللّه، أو رد على اللّه عز وجل< (1).
الثاني: إنَّ ملاك افتقار الأشياء إلى العلة هو السعة والضيق في مظاهر الوجود .
وذلك أنَّ الوجود عندهم حقيقة لا متناهية قد ظهر في مظاهر مختلفة وتجلي في مجالي متفاوتة، فكلّ مظهر ومجلي وتعين وصورة حيث إنَّه لابدّ وأن يكون متناهياً محدوداً فهو معلول أي محتاج في تذوته إلى مظهر وتعين أوسع منه محيط به، فالمحيط هو العلة والمحاط هو المعلول والإحاطة الوجودية هي معني العلية, وهذه الإحاطة والتوسعة الوجودية ذاهبة إلى ما لا يتناهي، فالوجود اللامتناهي هو العلة التَّامة وهو (كلّ الأشياء) وهو (أحدية الكون) وهو (واجب الوجود)، والمظاهر المحدودة المتناهية التي لا وجود لها في قبال الوجود اللامتناهي - بل هي نفس حصصه ومظاهره كالبحر وأمواجه - هي المسماة بالمعلولات, وعلى هذا فإنَّ نظرت إلى كلّ حصة متناهية محدودة من حصص الوجود ومظاهره فهو معلول وهو غير اللّه تعالى - حيث إنَّ ذلك متعين محدود واللّه مطلق غير
ص: 42
متعين أبداً - وإن نظرت إلى كلّ المظاهر والحصص اللامتناهية بأجمعها فإذا هو اللّه تعالى لا غير.
يقول ابن عربي:
(وما في الكون أحدية إلا أحدية المجموع)(1).الثالث: إنَّ ملاك المعلولية والفقر والإحتَّياج هو الإمكان الفقري، ومرادهم من ذلك هو نفس كون الشيء من مراتب وجود غيره، غير خارج منه وذلك كالخط الطويل الذي يشتمل على الخط القصير، أو النور الشديد الذي يكون مشتملاً على نور ضعيف.
فالوجود حقيقة غير متناهية وله مراتب متفاوتة بالشدة والضعف فكلّ مرتبة شديدة منه يشتمل على ما دونه من المراتب الضعيفة - وهذا هو معني العلية عندهم - ، والمرتبة الضعيفة منه تكون محاطة بما فوقها - وهذا هو معني المعلولية عندهم -. فإن نظرت إلى كلّ مرتبة من مراتب الوجود بمفرده فإذا هو معلول وهو غير اللّه تعالى، وإن نظرت إلى مجموع الكون اللامتناهي المحيط بكلّ المراتب المشتمل على جميع ما دونه فإذا هو اللّه لا غير.
ويسمّون هذا الإختلاف الموجود بزعمهم بين مراتب الوجود ب- (تشكيك الوجود) ، ولم يقدر أحد منهم أن يأتي في تفسير التشكيك بشيء يفرق بذلك بينها وبين الإختلاف بالسّعة والضيق والزيادة والنقصان.
فيرجع هذا القول إلى القول الثاني لا محالة ولا يفترق منه إلاّ بألفاظ فارغة.
تبصرة:
إنَّ أصحاب البراهين والاهتداء بهدي أهل اليقين من تلاميذ مدرسة الوحي المبين يبتدؤون في مسألة الاستدلال على وجود الخالق المتعال وتدبيره ومشيته بما أصلناه من أنَّ آية مصنوعية ما سوى اللّه تعالى هو كونها قابلة للتغير والتبدل - التبدل من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود فضلاً عن التغير والتبدل في الصفات والحالات والكيفيات -
ص: 43
وهو أصل بديهي ساذج يفهمه كلّ عاقل من العلماء كان أو من العوام البسطاء ولكن أرباب المعارف البشرية يفرون عن هذا الأصل الساذج البديهي بل ينكرونه أشد الانكار ويبتدؤون بمسائل هي أشبه شيء بالمعمَّات والألغاز عند أكابرهم فضلاً عن أصاغر طالبيهم وذلك كالبحث عن أن الأصل والأصيل في العينية هل هو الوجود أو الماهية؟ وعن إشتراك الوجود و ... مسائل أخرى من هذا القبيل, قد اختلفت فيها أنظار أعلام الباحثين بين مثبتوراد وشاك ومتردد بحيث قلَّ ما رأينا منهم من لا ينسب أقرانه من أعلام الفلسفة إلى عدم الفهم وقلة البصيرة بحيث إنَّه لم يسلم من هذه النسبة حتَّى صدرهم فضلاً عن تابعيه !
وذلك هو أنَّ مراد أهل التوحيد من أصحاب العقل والدين واليقين هو إثبات وجود خالق لجميع ما سواه تعالى بعد ما كان معدوماً مطلقاً ولكن مراد أرباب المعارف البشرية هو إثبات وجود واجب لا يكون في حقيقة وجوده مبائناً لما نراه من الموجودات بل يقولون إنَّ الموجود الحقيقي في العين لا يكون إلا واحداً وحينئذ فإن نظرت إلى كلّ مرتبة أو حصة أو جزء منه بعينه تراه غير الواجب المعبود, وإن نظرت إليه من حيث الكلّ وأحدية المجموع فهو نفس وجود الواجب وذلك كالبحر وأمواجه، فلا يكون الواجب والممكن في حقيقة وجودهما شيئين متبائنين أحدهما خالق والآخر مخلوق بل التفاوت بينهما ليس إلا أمراً اعتبارياً أو وهمياً خيالياً !
وعلى هذا فلا يكون هناك عندهم شيء قابل للعدم الحقيقي أو مخلوق قد وجد بإيجاد خالق متعال عن وجود الأشياء بل يصبح عندهم كلّ ما يكون له نصيب من العينية والواقعية واجباً وجوده غير قابل للعدم بالذات سواء كان جزء الوجود أو حصة أو مرتبة منه حسب مختلف أنظارهم وإختلاف تعبيراتهم، وهذا هو المراد من أصالة الوجود وإعتبارية الماهية حيث إنَّهم يعنون من أصالة الوجود أنَّ كلّ ما له عينية وواقعية فهو نفس حقيقة الوجود غير القابل للعدم بالذات وأما الماهيات فهي الصور والحدود والاشباح التي يتجلي فيها الوجود للأذهان ولا واقعية لها أيضاً إلا بالوجود كنفس أمواج البحر التي لا تكون هي شيئاً بحيال
ص: 44
وجود الماء بل لا واقعية ولا وجود لشبح الموج وحدّه وصورته أيضاً إلا بنفس حقيقة الماء الذي ظهر في صورته وتجلي في حدوده.
وهذا المعني لاصالة الوجود وإعتبارية الماهية هو شيء قلّ من تفطن إليه من أهل البحث فضلاً عمَّن يكون مقلداً في أفكاره وأنظاره وذلك أنَّهم يقررون مسألة أصالة الوجود وإعتبارية الماهية بوجوه يخفي فيها مرادهم على كثير ممَّن ينظر فيها ولذا صارت مسألة أصالة الوجود واعتبارية الماهية - التي هي عبارة أخرى عن مسألة وحدة الوجود وعينيةذات الخالق والمخلوق - جنة لهم للتستر على عقيدة وحدة الوجود، ولهذا كلّه يبتدؤون به قبل كلّ شيء لكلّ مبتدئ بحيث يألف أذهان المبتدئين به في طي سنين الدراسة وطول الاشتغال وهناك وجوه أخرى يضمونها إلى البحث من التلقين بأنَّ هذه الأمور والمسائل ممَّا لا يفهمه كلّ النَّاس بل هي أنوار عرشية وعلوم ملكوتية لا يحصلها إلا من كان كذا وكذا بل كلّ من لم يستسلم لما نلقيه إليه أو أشكل عليه الفهم فهو ممَّن حرم من سلامة العقل والفهم وعن استقامة الفطرة والقريحة وأمثال هذه التلقينات خلال الدرس والبحث فيجرّ ذلك بالطالب - مع الأسف - إلى إنكار البديهيات كإنكار مخلوقية المخلوقات واصالة وجودها وقدمها وأزليتها لا أصالة عدمها وحدوثها والجبر والتشبيه بل إلى الاعتقاد بعينية وجود الخالق والمخلوق و ... .
مذهب ابن سینا:
إنَّ كثيراً ممَّن لا يخضع للقول بوحدة وجود الخالق والمخلوق توهموا أنَّ المشائيين ينكرون هذا القول ويقولون بتباين وجود الواجب والممكن فيجب علينا أن نذكرهم ب- :
1- إنَّ مباني المعرفة البشرية - فلسفة كانت أو عرفاناً، ومشائية كانت أو إشراقية أو حكمة متعالية أو ... لا توافق القول بتباين وجود الخالق والمخلوق أبداً, وأما ابن سينا وأمثالهم وإن توهم بعض أنَّهم كانوا يعتقدون بتباين الموجودات لكنه توهم باطل نشأ من أنَّهم لم تكن لهم فلسفة منقحة مبينة نتائجها طبقاً لمبانيها وأصولها وإلا فكيف يمكن لأحد
ص: 45
أن يقول بأنَّ الممكن يصدر عن الواجب مع وجوب السنخية والشباهة بينهما, ثُمَّ يعتقد بتباين الوجودات أو تباين وجود الخالق والمخلوق؟!
ولهذا ترى ملا صدرا يشدد النكير على ابن سينا عدم وصوله إلى نتايج الفلسفة من وحدة وجود الخالق والمخلوق! ثُمَّ يدعي إنَّ الشيخ أيضاً قد صرح بتلك النتايج وأنكر معنی الإمكان الحقيقي وحدوث الأشياء بمعناه الواضح الذي يدل عليه العقل والشرع وذلك حيث يقول:(والعجب من الشيخ مع تورطه في العلوم وقوة حدسه وذكائه في المعارف أنَّه قصر إدراكه عن فهم هذا المعني. وأعجب من ذلك أنَّه ممَّا قد تفطن به في غير الشفاء حيث ذكر في التعليقات إنَّ الأشياء كلّها واجبات للأول تعالى وليس هناك إمكان البته.
وفي كتاب (إثولوجيا) المنسوب إلى المعلم الأول تصريحات واضحه بأنَّ الممكنات كلَّها حاضرة عند المبدء الأول على الضرورة والبت, وأما ما يترائي من تجدد الأشياء وتعاقبها وتغيرها فهذا بالقياس في بعض أوعيه الوجود، فإنَّ الزوال والغيبة عن بعض الموجودات لا يستلزم الزوال والغيبة عن بعض آخر، فكيف عن حقيقة الوجود المحيط بجميع الأشياء الحافظ لكلّ المراتب والأنحاء, وسيأتي تحقيق هذا المقام من ذي قبل إن شاء اللّه المفضل المنعام)(1).
ويقول السبزواري في حاشية الأسفار:
(فخالقيته وعليته لزيد إضافته الإشراقية الإيجادية, والإيجاد الحقيقي لا المصدري هو الوجود الحقيقي ... فوجوده وإن كان ممكناً لكن إيجاده واجب فضلاً عن الإيجاد المطلق بالنسبة إلى المعلول المطلق، فإنَّ ما هو مناط وجود زيد وإيجاده الحقيقي وجميع ما يحتاج إليه, وجوده موجود في مقام عليته تعالى الحقَّة، لأن بسيط الحقيقة كلّ الأشياء بنحو أعلي.
ص: 46
وكذا في مقام عليته الحقيقية الظلية لأنَّه كما أنَّ الكثرة في الوحدة, كذلك الوحدة في الكثرة)(1).
فنرى أنَّ السبزواري في كلامه هذا:أولاً- يأول معني الخالقية الحقيقية إلى معني الإضافة الإشراقية, ويصرح بأنَّ معني ذلك ليس الإيجاد بالمعني المصدري بل يكون بمعني كون الخالق تعالى عين الكثرات وواجداً لكلّ الأشياء في مقام ذاته لا أنَّه يكون خالق الأشياء لا من شيء.
ثانياً- إنَّ إيجاد الخالق أمر واجب عليه وليس له اختيار على أن يخلق شيئاً لا من شيء أو لا يخلقه.
وكلُّ ذلك على خلاف العقل والبرهان, وضرورة الوجدان.
للبحث صلة
ص: 47
الحلقة - 2 -
بحث مختصر حول أصول التفکير الصحيح للوصول
إلى المعرفة الصحيحة
الأصل الثالث:
ومن جملة أصول المعرفة الإيمان بقيمة المعرفة، وإنَّ العقل البشري قادر على الوصول إلى معرفة الأشياء کما هي ثابتة وليس المراد من معرفة الأشياء معرفة کنهها وحقيقتها بلمعرفة وجودها ولوازمها وآثارها ؛ والدليل عليه الوجدان. ووقوع المعرفة بالأشياء بالضرورة.
هذه أصول ثلاثة ؛ هي أساس التکفير في البحث عن الحقيقة والواقع لا يمکن غضّ النظر عنها ويحتاج إليها في کلِّ بحث برهاني وجدلي، ولا يمکن اقتناص أي نتيجة عقائدية من دونها فهي الأسس.
وهنالك أصول أخرى تفترق بها المدارس الفلسفية والکلامية وتختلف فيها؛ کما سيأتي توضيحه في الأصول الآتية:
وإکمالاً للموضوع نذکر خلاصة من أدلة الشکاکين وأجوبتها.
خلاصة أدلة الشکاکين:
الدليل الأول: إنَّ الحس الذي هوالينبوع الأوحد لمعارف الإنسان لا يتناول إلا المظاهر والصفات الخارجية, وهو فوق ذلك مشحون بالتناقضات والأخطاء فالشيء الذي يکون حلواً ﻓﻰ مذاق شخص قد يکون مراً في مذاق آخر. والحشيش الأخضر يبدو أزرق بالنسبة لذي العمي اللوني. والسکران والمتسمم قد يريان الواحد اثنين أو أکثر. والعود المستقيم إذا غمز في الماء بصورة مائلة بدا غير مستقيم. والشيء الذي نراه صغيراً عن بعد
ص: 48
نراه کبيراً إذا إقتربنا منه. والبرج المربع نشاهده مستديراً إذا کنَّا بعيدين عنه. بل قد نحس بشيء واحد إحساسين مختلفين کما إذا وضعنا إحدى اليدين في ماء حار والأخرى في ماء بارد وبعد مدَّةٍ أخرجناهما معاً ووضعناهما فوراً ﻓﻰ ماء دا ﻓﻰء فإننا نحسن إحساسين مختلفين بحرارة الماء, حيث يبدو الماء لليد التي کانت مغموسة في الماء البارد حاراً, في حين يبدو بارداً لليد التي کانت مغمورةً في الماء الحار. وما إلى ذلك من الوقائع الدَّالة على إنَّ الحس لا ينال غير المظاهر. کما وإنَّ الأحاسيس المتضاربة لا يمکن الوثوق بها.الدليل الثاني: إذا کان الإنسان يدرك الحقائق فلماذا يقع ﻓﻰ الخطا؟ إنَّ الإنسان إما أن يعرف ولا يخطيء وإما أن يخطئ فلا يمکن الوثوق بمعرفته.
الدليل الثالث: إذا زعم اليقينيون أنَّ الإنسان يخطيء في أمور معينة ويصيب في أخرى فليس لديهم ما يبرر اليقين لأن الآراء التي يزعمون صحتها قد تکون خطأ وهم لا يعلمون. بل قد ينکشف خطؤها بعد زمن کما انکشفت أخطاء نظرات وآراء کثيرة کان يعتقد أنَّها صحيحة. وما دام الإنسان يخطيء فلا يقين ولا طمأنينة إلى صدق معرفتة ولا بأية حال.
الدليل الرابع: إنَّ البرهان على صحة معرفة ما يحتاج إلى برهان آخر يدعمه. وهذا البرهان يحتاج هو الآخر إلى برهان غيره لإثباته وهلمّ جرا.
وهذا دليل على إستحالة المعرفة اليقينية.
الجواب على شبهات الشکاکين:
وقبل الجواب على هذه الشبهات نقول: لقد استطاع دعاة اليقين أن يبددوا ظلمات الشكّ التي تملأ النفوس قلقاً والصدور حرجاً، کما استطاعوا أن يثبتوا أنَّ حيرة الشکاکين أزمة نفسية أو وهم لا سند له.
وأما الجواب على هذه الشبهات فهي:
أولاً- إنَّ تناقض الأحاسيس لايصدم اليقين لأن إحساس المريض والسکران والموجود في ظروف مضلِلة (بکسر اللام الأولي) أو حالات عاطفية خاصَّة توحي إليه بأمور غير حقيقية لا يمکن الوثوق بها والإعتماد عليها, والنَّاس يعرفون ذلك في حياتهم العملية
ص: 49
ويعرفون أنَّ أحلام النوم وأحلام اليقظة والأوهام وما شاکلها من الوان التصور لا تعبر بالضرورة عن حقائق موضوعية في العالم الخارجي.
فالمعوّل عليه هو الحس السليم الذي يتم عن قرب ودقة في حالة الوعي لا على الحس المريض أو المشوش أو الذي يتم عن بُعد أو في ظروف وأوضاع مضلِلة وماشابه ذلك. کما أنَّ التصور شيء, والتصديق شيء آخر. فمن الطبيعي مثلاً أن تحس اليد الساخنةببرودة الماء الدافيء بينما تحس اليد الباردة بحرارته, ولکن من الطبيعي أيضاً أن يدرك الإنسان دفء الماء بعقله فلا يصدق بالحس المباشر, أضف إلى ذلك إنَّ خداع الحواس الذي يحصل أحيانا لا يدفعنا بالضرورة إلى إنکار عملية الإحساس أو الشيء الذي يقع الحس عليه لأن الخداع إنَّما يقع غالباً في نقل صفات المحسوس لا في وجوده. فالماء في المثال السابق موجود خارج عقلنا وجوداً موضوعياً, وقد تمَّ
الإحساس به فعلاً ولکن الحس أخطأ فلم ينقل لنا صفة الماء الحقيقية. کذلك رؤيتنا للعود المغمور في الماء فإنها مغالطة من الحس, ولکن في صفة العود لا في وجودها الموضوعي, ولا في حصول عملية الإحساس به, وقل مثل ذلك في الأشباح وفي السراب وفي کل شئ يخطيء الحس بتصوره فيبدو بغير صفته الحقيقية. أي إنَّ الحس إذا أخطأ في تصور شيء ما لا يدل هذا الخطأ بالضرورة على عدم وجود ذلك الشي في الواقع. على إنَّ الإنسان استطاع أن يوجد آلات ومقاييس دقيقة تُعينه على قياس الأطوال والأوزان ودرجات الحرارة والرطوبة والضغوط والطاقات والألوان وما إلى ذلك. ولئن کان حس الإنسان المباشر کثير الخطأ والتناقض فإن هذه الآلات والأجهزة أبعد عن الخطأ. وأدنى بکثير إلى الصواب.
ثانياً- إنَّ اجتماع الأضداد في شيء ما لا يمکن أن يزعزع اليقين لأنه لا يخرج على القواعد والشروط الضرورية التي يؤمن بها اليقينيون. فالأضداد يمکن أن تجتمع في شيء واحد ولکن في أزمان مختلفة, کأن يکون الماء حاراً الآن وبارداً بعد ساعة, کما تجتمع في الشئ إذا اختلفت من ناحية الوجود فيکون بخاراً بالفعل وجليداً بالقوة أما من يزعم اجتماع الأضداد في موضوع واحد في زمن واحد ومن جهة واحدة, فليأتنا ولو بمثل واحد
ص: 50
على مدعاه إن کان من الصادقين.
ثالثاً- إذا کانت المعرفة في نظر البعض غير ممکنة لوقوع الحس في الخطأ فکيف عرَّف هذا البعض إنَّ الأحاسيس متناقضة؟ بل کيف عرَّف هؤلاء إنَّ المعرفة غير ممکنة؟ إنَّ ﺗﻠﻚ الأقوال معارف دون شكّ فإن کانت صحيحة سقط الشكّ ولا يمکن إنکار حصول المعارف الصحيحة وإن کانت خاطئة سقط الشكّ والإنکار أيضاً لعدم جواز الأخذبالترهات والأقاويل الخاطئة.
رابعاً- إذا کانت المعرفة مستحيلة فهل يجهل الشکاك والمنکرون کلّ شيء حتَّى وجود أعينهم وآذانهم وأفواههم وأهليهم؟ وهل لا يفرقون بين الذئب والحَمل وبين الأعداء والأصدقاء ولا بين الموت والحياة؟
خامساً- إذا کان العقل ﻓﻰ نظر المنکرين والشکاكين لا يقوي على أن يحکم بوجود شئ فکيف حکموا هم بوجود اليقنيين وکيف جاز لهم التدليل على صدق الشكّ وفساد اليقين.
سادساً- لو کانت المعارف ترتکز على الحس والتجربة فقط لجاز الشكّ فيها, ولکن المذهب العقلي يقرر إنَّ للمعرفة مصدرين هما: الحس و العقل, وبذا يقرر وجود معارف أولية ضرورية سابقة على التجربة. وهي البديهيات وإذا کانت المعارف الحسية عرضةً للخطأ والشك والتناقض فإن المعارف البديهية لا يبدو فيها شيء من ذلك وهي ضرورية ضرورة عقلية بحيث لا يجد الإنسان مهرباً من الإيمان بها والتسليم بصحتها دون إعمال فکر أو مطالبة بحجة.
وبعبارة أخرى إنَّ المعارف البديهية التي هي الرکائز الأساسية للفکر والتي بها تتم عمليات العقل وتصرفاته في مختلف المجالات بحيث لايريد إقامة البرهان على صحتها إلا من طلق عقله وراح يطلب مقاييس أخرى للمعارف بعقول وراء عقول البشر.
أقول: إنَّ وجود المعارف البديهية التي لا يمکن أن يستغني عنها الفکرالبشري دليل کاف لهدم الشكّ ونفي الإنکار المطلق الهدام.
ص: 51
سابعاً- إنَّ الشکاكين والمنکرين يؤمنون ببعض المعارف لا سيَّما البديهيات بصورة لا شعورية من أول الأمر خلافاً لما يظهرون فلولا إيمانهم بعدم التناقض لما اعتبروا تناقض الأحاسيس دليلاً على انتفاء اليقين. ولولا إيمانهم بمبدأ العلية لما أجهدوا أنفسهم للتدليل على صحة ما يرتأون, ولولا إيمانهم بالنَّاس والظروف والوقائع الموضوعية لما کيّفواسلوکهم في الحياة بشکل خاص يتلاءم مع الظروف والأشياء الخارجية التي ينکرونها جدلاً.
وإذا ثبت وجود معارف لا يرقي إليها الشكّ حتَّى في نفوس الشکاکين أنفسهم أصبح من الممکن إقامة معارف يقينيّة على أساس المعارف الضرورية المضمونة الصحة(1).
للبحث صلة
ص: 52
( القسم الثاني)
اللجنة الثقافية لأهل البيت عليهم السلام
تعريب : حجة الإسلام والمسلمين جاسم المحمودي
القسم الثالث:
شواهد على تنفيذ التهديدات:كلّ ماذكرناه إلى الآن كان أدلة لإثبات تهديد الخليفة الأول لإحراق بيت فاطمة والغاية من ذلك كانت هي دخولهم إلى البيت وإخراج علي علیه السلام والزبير والّذين كانوا مجتمعين معهما لأخذ البيعة منهم.
والآن نقيم شواهد على أعمال التهديد يعني إنَّه بالقهر فتحوا باب بيت علي علیه السلام وإنَّه ذكر لم يكن طريق لفتح البيت إلاّ الإحراق, ومن جانب آخر كان فتح الباب بشكل بحيث كان أول مؤلم للخليفة الأول حين موته ومن مجموع هذه الأشياء يقرب هذا الإحتمال أو حتَّى يمكن أن يوجد هذا الإحتمال وهو إنَّ الخليفة فتح بالنَّار باب بيت علي علیه السلام .
الشاهد الأول: إقرار أبي بكر في مرض موته علانية:
الف: عن عبد الرحمن بن عوف أنّ أبا بكر قال له في مرض موته:
(إنّي لا آسي على شي ء إلّا على ثلاث(1)فعلتُهنّ وددتُ أنّي لم أفعلهنّ, وثلاث لم أفعلهن ودِدت أنّي فعلتهنّ, وثلاثٍ وددت أنّي سألت رسول اللَّه عنهنّ.
ص: 53
فأمّا اللاتي فعلتُها وددت أني لم أفعلها، فوددت أنّي لم أكن أكشف بيت فاطمة وتركتُه وإنْ كانوا قد غَلَّقوه على حرب, ووددت أنّي يوم سقيفة بني(1) ساعدة كنتُ قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبى عبيدة بن الجرّاح أو عمر فكان أميراً وكنتُ وزيراً و...)(2).ينقل هذه الرواية أيضاً أبوعبيد قاسم بن سلام المتوفي سنة 224.
(فوددت اَنّي لم أكن فَعلتُ كذا وكذا - لِخَلَّةٍ ذَكَرها قال أبو عبيد : لا أريد ذكرها - ووددت أنّي يوم سقيفه بني ساعدة كنت قَذَفْتُ الأمر...).(3)
تشاهدون أنَّ القاسم بن سلام الّذي هو شخصية علمية وفقهية في القرن الثالث حينما يصل إلى هذه القضايا ليس له قدرة على التكلم بها وذكر كلام أبي بكر فكيف بقضايا حادثة السقيفة وكيفية أخذ البيعة من أصحاب رسول اللَّه (ص) وبيان نظره !!!
ب: أحمد بن يعقوب ذكر في تاريخه بأنّ أبا بكر قال:
(... وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول اللَّه وأدخله الرجال ولو كان أُغلِق على حرب...)(4).
ج : وهكذا ذكر المسعودي:
ص: 54
( ... فوددت أنّي لم أكن فتَّشت بيت فاطمة ...)(1).
بناءً على هذا أولاً إنَّ الخليفة الأول في حالة مماته كان متألّماً من ثلاثة, أكثر من تألمه من الكفر وعبادة الأصنام والذنوب أولاها فتح باب فاطمة ^img2.png وهو مذكور في كتب متعددة لأهل السنة من جملتها :
1- كنزالعمال.
2- ميزان الاعتدال.
3- الأموال، قاسم بن سلام.
4- العقد الفريد.
5- تاريخ اليعقوبي.
عنوان دقيق المصادر المذكورة في ذيل هذه الصفحة وماقبلها نعم لو أنّ الخليفة لم يفتح الباب قهراً وإنّ أهل البيت كانوا فاتحين الباب لم يكن لجملة (ليتني لم أفتح الباب) مكان وأيضاً كان الخوف والاضطراب منها بلا مورد, وثانياً لو إنَّا لم يكن عندنا أي دليل على الظلم والإهانة إلى الزهراء(عَلَیها السَّلام) لكفانا هذا الاعتراف في إثبات مطلبنا.
والشاهد الثاني: يوجد في بعض الكتب وهو إنَّه في حادثة أخذ البيعة لأبي بكر وهجوم رجّالته إلى بيت الزهراء سقط طفل منها, وهي بضعة الرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وصريح روايات أهل السنة تدل على إنّه كان لعلي علیه السلام ثلاثة أولاد ذكور والرسول(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) سماهم بأسماء الحسن والحسين والمحسن المماثلات لأسماء أولاد هارون علیه السلام أخي موسى علیه السلام .
عن علي بن أبي طالب رضى اللَّه عنه قال: >لمّا ولدت فاطمة الحسن جاء النبي ... قال : بل هو محسن ثُمَّ قال : إنّما سَمَّيْتُهم باسم وُلد هارون شبر وشبير ومشبر» هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: (صحيح)(2).
ص: 55
وهنا نطرح أسئلة هل كان للأمير علیه السلام ولد باسم محسن؟ وما هي عاقبته وكيف ارتحل من الدنيا؟
نعم, ليس لنا أنْ نتوقع من أتباع مذهب الخلفاء أن يذكروا أمثال تلك الأمور بوضوح.
نلفت أنظارکم إلى الشواهد التالية:
أ- ذكر الذهبي في ترجمة: أحمد بن مُحمَّد بن السري قائلاً: رجل يقرأ عليه: إنّ عمر رَفَس فاطمة حتَّى أسْقَطَت بمحسن(1).ب - في المطبوع فعلاً لكتاب المعارف تأليف أبومُحمَّد عبد اللَّه بن مسلم المشهور بابن قتيبة في ذكر أولاد أمير المؤمنين علیه السلام جاء هكذا : (وأمّا محسن بن علي فهلك وهو صغير)(2).
ٍلكن ذكر ابن شهرآشوب(3) من كتاب المعارف لابن قتيبة أنَّه: وفي معارف القتيبي: إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي(4).
وذكر الكنجي الشافعي نقلاً عن الشيخ المفيد رحمة اللَّه عليه أنَّه قال: (وزاد (الشيخ المفيد) على الجمهور وقال: إنّ فاطمة^img3.png أسقطت بعد النبي ذكراً كان سمَّاه رسول اللَّه (ص) محسناً).
ثُمَّ ذكر الكنجي الشافعي : (وهذا شىء لم يوجَد عند أحد من أهل النقل إلّا عند ابن قتيبة)(5).
ص: 56
ج - قال ابن كثير: (فأوّل زوجة تزوّجها علي رضى اللَّه عنه فاطمة بنت رسول اللَّه(صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ), بنى بها بعد وقعة بدر, فولدت له الحسن وحسيناً ويقال: ومحسناً ومات وهو صغير ...)(1).وقال أيضاً: قال ابن اسحاق: (فَوَلَدَت فاطمةُ لِعلي حسناً وحسيناً ومحسناً - مات صغيراً - وأمّ كلثوم وزينب)(2).
وقال أيضاً: (فولدت له حسناً وحسيناً ومحسناً وأمّ كلثوم)(3).
د - وقال السبط ابن الجوزي: (وذكر الزبير بن بكار ولداً آخر من فاطمة بنت رسول اللَّه (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) اسمه محسن مات طفلاً ...)(4).
وقال أيضاً: (وقد زاد ابن اسحاق في أولاد فاطمة من علي علیه السلام محسناً مات صغيراً).(5)
وأيضاً الرواية التي ذكرناها في أوائل هذا البحث من المستدرك على الصحيحين ذكرها السبط ابن الجوزي من مسند أحمد بن حنبل وقال: (هذا يدلّ على صحّة ما ذكره الزبير بن بكار إنَّ فاطمة جاءت من علي بولد آخر اسمه محسن مات طفلاً)(6).
ه- - ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بعد ذكر ما يتعلق بزينب بنت رسول اللَّه (ص) التي بعد هجرتها من مكة إلى المدينة وبعد تألمها وتأذيها من هبار بن الأسود اسقطت جنينها وإنَّ النبي (ص) في فتح مكة أباح دم هبار(7) يقول ابن أبي الحديد: (قرأت هذا على شيخي وبعد قرائتي قال : إذا كان رسول اللَّه (ص) أباحَ دم هبّار بن الأسود لأنّه
ص: 57
رَوَّع زينب فألقت ذا بطنها فظهر الحال أنّه لوكان حَيّاً لأباح دَمَ من رَوَّع فاطمة حتَّى ألقَتْ ذا بطنها فقلت: أروي عنك ما يقوله قومٌ إنّ فاطمة رُوِّعَت فألقت المحسن؟ فقال:لاتَرْوِه عنّي ولا تَرْوِعنّي بطلانه فإنّي متوقِّف في هذا الموضع لِتَعارضِ الأخبارِ عندي فيه)(1).
يفهم من بداية كلام أستاد ابن أبي الحديد إنَّه له أدلة على هذا الموضوع يثبته لأنَّه ذكر هذا المطلب بلا ترديد إذا كان معتقداً لهذه الجناية العظمى ويظهر أنَّه خائف من أتباع الخلفاء وخائف أيضاً على منصبه ومقامه لذلك أخفى نظره, وفي الوهلة الثانية حينما استجازه تلميذه لنقل ذلك يعلمه إنَّه متوقف في هذا الموضوع, وكما إنَّه طريقة بعض محدثين السنة هي إخفاء الحقائق من خوف العوام.
طبعاً ولو إنّ المفكرين من العامَّة: كالنظام وأحمد بن مُحمَّد السري أظهروا الحقائق لطردوا من مذهب الخلفاء ولاتهموهم بالرفض.
و- ومن علماء السنة منهم إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي شيخ الجاحظ من القائلين بهذه الحادثة العظمى كما ذكر الخطيب البغدادي في شرح ترجمة النظام قائلا:
(ورد بغداد وكان أحد فُرسان أهل النظر والكلام على مذهب المعتزلة، وله في ذلك تصانيف عدَّة، وكان أيضاً متأدباً، وله شعر دقيق المعاني على طريقة المتكلمين، وأبوعُثمَان الجاحظ كثير الحكايات عنه)(2).
يقول النظام حول هذا الموضوع: (إنّ عمر ضرَب بطن فاطمة يوم البيعة حتَّى ألْقَتِ الجنينَ من بطنِها, وكان يَصيح : أِحرقوا [دار] ها بمَنْ فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين)(3).
ص: 58
قال صلاح الدّين خليل بن أيبك الصَفَدي: (إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري المعروف بالنظّام بالظاء المعجمة المشدّدة، قالت المعتزلة بذلك لحُسن كلامه نظماً ونثراً ...
ووافق المعتزلة في مسائلهم وانفرد عنهم بمسائل أخرى ... وقال: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتَّى أَلْقتِ المحسن من بطنها ...)(1).
للبحث صلة
ص: 59
أعلن البابا يوحانا بولس الثاني إصرار المسيحية على التجسيم، وانتقد التوحيد و التنزيه ﻓﻰ قرآن المسلمين!
جاء ذﻟﻚ ﻓﻰ کتاب العبور إلى الرجاء و هو حوار مع البايا للصحاﻓﻰ الإيطالي فيتوري ميسوري، بمناسبة ذکرى مرور خمس عشرة سنة على إعتلائه السدة البابوية- قال ﻓﻰ الکتاب المذکور الذي نشرته جريدة السفير اللبنانية بمناسبة زيارة البابا إلى لبنان، قال البابا:
(من يطالع القرآن، و کان ملماً بالعهدين القديم والجديد يتبيّن له جلياً ما وقع فيه للوحي الإلهي من اختزال. و من المستحيل ألا يلحظ عدم مقاربة ما قاله الله عن ذاته بلسان الأنبياء أولاً ﻓﻰ العهد القديم، ثُمَّ و بشکل نهائي بواسطة ابنه ﻓﻰ العهد الجديد . الغني الذي يتجلي ﻓﻰ کشف الله لذاته، والذي يشکل تراث العهدين القديم و الجديد، کل ذﻟﻚ قد تغاضي عنه الإسلام!
بالفعل القرآن يصف الله بأجمل ما عرفه اللسان البشري من الأسماء الحسني، و لکنه ﻓﻰ النهاية إلهٌ متعال عن العالم ذو جلال، لا (إلهنا معنا عما نوئيل)(1)!
ص: 60
شاعر أهل البيت الکميت بن زيد الأسدي(رحمة الله علیه):
هو الکميت بن زيد الأسدي ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار بن عدنان، من أشعر شعراء الکوفة المتقدمين ﻓﻰ عصره، عالم بلغات العرب خبير بأيامها، ومن شعراء القرن الأول من الهجرة، کان ﻓﻰ أيام الدولة الأموية, وولد سنة ستين و استشهد مقتولاً على يد بني أمية ﻓﻰ سنة ست و عشرين و مائة ﻓﻰ خلافة مروان بن مُحمَّد ولم يدرک الدولة العباسية.
قال أبو عبيد: لو لم يکن لبني أسد منقبة غير الکميت لکفاهم، وقال أبو عکرمة الضبي: لولا شعر الکميت لو يکن للغة ترجمان، و لا للبيان لسان، قيل: وکانت بنو أسد تقول فينا فضيلة: ليست ﻓﻰ العالم، ليس منزل منا إلا و فيه برکة وراثة الکميت، لأنَّه رأى النبي(ص) ﻓﻰ النوم فقال له: طربت و ما شوقاً إلى البيض أطرب، فأنشده فقال له بورکت و بورک قومک.
وسئل أبو معاذ الهراء عن أشعر النَّاس من الجاهليين و الإسلاميين فقال: امرؤ القيس وزهير وعبيد بن الأبرص، و الفرزدق و جرير والأخطل والراعي. وأما الکميت فذاک أشعر الأولين والآخرين و يقال ما جمع أحد من علم العرب و مناقبها و معرفة أنسابها ما جمع
ص: 61
الکميت, فمن صحح الکميت نسبه صح, و من طعن فيه وهن، و قيل: کان ﻓﻰ الکميت عشر خصال لم تکن ﻓﻰ شاعر: کان خطيب بني أسد، و فقيه الشيعة، و حافظ القرآن وکان کاتباً حسن الخط، و کان نسابة، و کان جدلياً و هو أول من ناظر ﻓﻰ التشيع مجاهراً بذﻟﻚ ، وکان رامياً لم يکن ﻓﻰ بني أسد أرمي منه، و کان فارساً، و کان شجاعاً، و کان سخياً ديناً وَرِعاً تقياً، قال الجاحظ: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الکميت.
وهذه ﻫﻰ القصيدة الهاشمية الخالدة التي أقضت مضاجع بني أمية، و أخذت تتناقلها الأفواه وتردد صداها الأجيال، وقد خلَّدها التاريخ لأنها آية من آيات شعر المبدأ والعقيدة و انشودة کل مجاهد ﻓﻰ سبيل الذود عن الحق، و مقاومة الباطل، و مقارعة أهل الغي والضلال، وها ﻫﻰ رائعة الکميت التي دوي صداها وطار صيتها ﻓﻰ الآفاق.الحلقة الأولي من القصيدة:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب*** و لا لعباً مني و ذو الشيب يلعب
و لم يلهني دار ولا رسم منزل*** و لم يتطربني بنان مخضب
و لا أنا ممَّن يزجر الطير همه*** أصاح غراب أم تعرض ثعلب(1)
ص: 62
و لا السانحات البارحات عشية*** أمرّ سليم القرن أم مرّ أغضب(1)
و لکن إلى أهل الفضائل و النهي*** و خير بني حواء و الخير يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم*** إلى الله فيما نالني أتقرّب
بني هاشم رهط النبي فانني*** بهم ولهم أرضي مراراً و أغضب
خفضت لهم مني جناحي ّ مودة*** إلى کنف عطفاه أهل ومرحب
وکنت لهم من هؤلاک وهؤلا*** مجنا على اني أذم و اقصب(2)
و أرمي و أرمي بالعداوة أهلها*** و إني لاؤذي فيهم وأؤنب(3)
فما ساءني قول امريء ذي عداوة*** بعوراء فيهم يجتديني فأجذب(4)
فقل للذي ﻓﻰ ظل عمياء جونة*** تري الجود عدلاً أين لا أين تذهب(5)
بأي کتاب أم بأية سنّة*** تري حبهم عاراً على و تحسب(6)
ص: 63
أأسلم ما تأتي به من عداوة*** و بغض لهم لاجير بل هو أشجب(1)
ستقرع منها سن خزيان نادم*** إذا اليوم ضم الناکثين العصبصب(2)
فمالي الا آل أحمد شيعة*** و مالي الا مذهب الحق مذهب
و من غيرهم أرضي لنفسي شيعة*** ومن بعدهم لا من أجل وارجب(3)
اريب رجالاً منهم و تريبني*** خلائق ممَّا احدثوهن أريب (4)
إليکم ذوي آل النبي تطلعت*** نوازع من قلبي ظماء وألبب(5)
فأني عن الأمر الذي ترکرهونه*** بقولي و فعلي ما استطعت لا جنب(6)
يشيرون بالأيدي إلى وقولهم*** ألا خاب هذا و المشيرون أخيب(7)
فطائفة قد کفرتني بحبکم*** و طائفة قالوا مسيء و مذنب
فما ساءني تکفير هاتيک منهم*** و لا عيب هاتيک التي ﻫﻰ أعيب
يعيبونني من خبهم و ضلالهم*** على حبکم بل يسخرون وأعجب(8)
و قالوا ترابي هواه ورأية*** بذﻟﻚ أدعي فيهم وألّقب
على ذاک اجرياي فيکم ضريبتي*** ولو جمعوا طراً علي واجلبوا(9)
وأحمل أحقاد الأقارب فيکم*** و ينصب لي ﻓﻰ الأبعدين فانصب
بخاتمکم غصباً تجوز أمورهم*** فلم أر غصبا مثله يتغصب(10)
ص: 64
وجدنا لکم ﻓﻰ آل حاميم آية*** تأولها منا تقي و معرب(1)
و ﻓﻰ غيرها آيا وآيا تتابعت*** لکم نصب فيها لذي الشک منصب(2)
بحقکم أمست قريش تقودنا*** وبالفذ منها و الرديفين نرکب(3)
إذا اتضعونا کارهين لبيعة*** اناخوا لاخري والازمة تجذب(4)
ص: 65
ردافا علينا لم يسيموا رعية*** وهمهموا أن يمتروها فيحلبوا(1)
لينتتجوها فتنة بعد فتنة*** فيفتصلوا افلاءها ثُمَّ يرکبوا(2)
أقاربنا الأدنون منکم لعلة*** وساستنا منهم ضباع وأذؤب(3)
لنا قائد منهم عنيف وسائق*** يقحمنا ﺗﻠﻚ الجراثيم متعب(4)
و قالوا ورثناها أبانا وأمنا*** وما ورثتهم ذاک أم ولا أب (5)
ص: 66
شهر شوال:
ﻓﻰ اليوم الأول منه : عيد الفطر المبارک.
ﻓﻰ اليوم الخامس منه : واقعة (أحد) ﻓﻰ السنة 3 ه-..ق .
ﻓﻰ اليوم الخامس منه : واقعة (حنين) ﻓﻰ السنة 8 ه-..ق .ﻓﻰ اليوم الخامس والعشرين منه : وفاة مولانا الإمام جعفر الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) سنة 148 ه-..ق .
شهر ذي القعدة
ﻓﻰ اليوم الحادي عشرمنه: ولادة الإمام الرضا عليه السلام سنة 153 ه-..ق .
ﻓﻰ آخر يوم منه: شهادة الإمام الجواد عليه السلام سنة 195 ه-..ق .
شهر ذي الحجة الحرام:
في اليوم الأول منه : سنة 9 ه-..ق, بعث النبي (ص) علياً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بسورة براءة.
في اليوم السابع منه : سنة 115 ه-..ق , وفاة الإمام مُحمَّد الباقر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
في اليوم الثامن منه: سنة 60 ه-..ق , خروج الإمام الحسين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من مکة .
فی اليوم الخامس عشر منه : ميلاد الإمام أبی الحسن علی الهادی (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
في اليوم الثامن عشر منه : سنة 10 ه-..ق , عيد غدير خم.
ص: 67
في اليوم الرابع و العشرين منه : المباهلة، وتصدق علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالخاتم.
في اليوم الخامس والعشرين منه : تصدق أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) على المسکين واليتيم والأسير ونزول سورة هل أتي فيهم .
* * *
ص: 68
من ذکريات شهر شوال:
غزوة أحد:
لما قتل من قتل من مشرکي قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مکة ، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيرِه, مشي عبد الله بن أبي ربيعة وعکرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ﻓﻰ رجال من قريش ممَّن أصيب آباؤهم إخوانهم ببدر فکلموا أباسفيان بن حرب ومن کانت له ﻓﻰﺗﻠﻚ العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إنَّ مُحمَّداً قد وترکم وقتل خيارکم فاعيوننا بهذا المال على حربه لعلنا ندرک منه ثأراً بمن أصيب منا ففعلوا, فاجتمعت قريش لحرب رسول الله (ص) حين فعل ذﻟﻚ أبوسفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل کنانة وأهل تهامة, کلُّ أوﻟﺌﻚ قد استعدوا على حرب رسول الله (ص) وکان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد منّ عليه رسول الله (ص) وکان فقيراً ذا بنات وکان ﻓﻰ الأساري فقال له صفوان بن أمية يا أبا عزة إنَّک شاعر فاعنا بلسانک فقال: إنَّ مُحمَّداً قد منّ عليَّ فلا أريد أنْ أظاهر عليه, فقال: فلک الله إنْ رجعت أنْ أعينک وإنْ أصبت أن أجعل بناتک مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر, فخرج أبو عزة يسير ﻓﻰ تهامة ويدعو بني کنانة وخرج سافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالک بن کنانة يحرضهم, ودعا جبير بن مطعم غلاماً له يقال له وحشي کان حبشياً يقذف بحربة له قذف الحبشة قلماً يخطيء بها فقال له أخرج مع النَّاس فإن أنت قتلت عمَّ مُحمَّد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق, فخرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها ومن معها من بني کنانة وأهل
ص: 69
تهامه وخرجوا معهم بالضعن لئلا يغزوا, فخرج أبوسفيان بن حرب وهو قائد النَّاس ومعه هند بنت عتبة بن ربيعة وغيره من رؤساء قريش خرجوا بنسائهم . وکان مع النساء الدفوف يبکين على قتلي بدر ويحرضن بذﻟﻚ المشرکين.
وکان قدوم قريش يوم الخميس لخمس خلون من شوال السنة الثالثة من الهجرة والواقعة يوم السبت لسبع ليال خلون منه . وکان مع المشرکين أبو عامر الراهب الأنصاري خرج إلى مکة مباعداً لرسول الله ومعه خمسون غلاماً من الأوس وقيل خمسة عشر, وکان يعد قريشاً إنَّه لو لقي مُحمَّداً لم يتخلف عنه من الأوس رجلان, فلما التقي النَّاس بأحد کان أبو عامر أول من تقدم, فصاح: يا معشر الأوس أنا أبو عامر فقالوا: لا أنعم الله بک علينا يا فاسق فقال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ ثُمَّ قاتل قتالاً شديداً حتَّى راضخهم بالحجارة. وکانت هند کلما مرت بوحشي قالت: يا أبا دسمه إشف واستشف .وکانت راية رسول الله (ص) بيد أمير المؤمنين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) کما کانت بيده يوم بدر وکان له الفتح ﻓﻰ هذه کما کان يوم بدر , وکانت ألوية قريش بأيدي بني عبد الدار وراية المشرکين مع طلحة بن أبي طلحة, فجاء أبو سفيان إلى أصحاب الألوية وقال إنَّکم قد تعلمون إنَّ القوم تؤتي من قبل ألويتها, وإنَّکم أتيتم يوم بدر من قبل ألويتکم, فإن کنتم ترون إنَّکم تضعفون عنها فادفعوها إلينا نکفيکموها ، فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال لنا تقول هذا والله لاوردنکم بها اليوم حياض الموت فتقدم وتقدم أمير المؤمنين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال من أنت؟ فقال : أنا طلحة بن أبي طلحة کبش الکتيبة فمن أنت؟ فقال : أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فقال: کفؤ کريم, ثُمَّ تضاربا فاختلف بينهما ضربتان فضربه علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) على مقدم رأسه فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يسمع مثلها وسقط اللواء من يده فأخذه أخوه مصعب فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله, فأخذها عبد لهم يقال له صواب وکان من أشد النَّاس فضربه علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) على يده اليمني فقطعها فأخذها بيده اليسرى فضربها علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقطعها فأخذها على صدره وجمع بين يديه وهما مقطوعتان فضربه علي علیه السلام على أم رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم.
ص: 70
قال الواقدي: أول من دعا للبراز طلحة بن أبي طلحة فبرز إليه علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال له: يا قضم قد علمت لا يجسر على أحد غيرک ثُمَّ شهر عليه سيفه فاتقاه علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالجحفة ثُمَّ ضربه على فخذية فقطعهما جميعاً وسقطت الراية فأراد علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أن يجهر عليه فناشده الرحم فانصرف عنه ولما قتل طلحة سرّ رسول الله (ص) وکبر تکبيراً عالياً وکبر المسلمون, ثُمَّ أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي علیه السلام وسقطت الراية فأخذها عزيز بن عُثمَان فقتله علي وسقطت الراية فأخذها عبد الله بن جميلة بن زهير فقتله علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وسقطت الراية فأخذها مولاهم فقتله أمير المؤمنين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) على نحو الذي مرَّ ذکره واقتتل النَّاس حتَّى حميت الحرب وصار أميرالمؤمنين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يضرب يميناً وشمالاً وکانت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان أم معاوية مع نسوة يضربن بالدفوف وتنشد:
نحن بناة طارق*** نمشي على النمارق
مشي القطا البوارق*** والمسک ﻓﻰ المفارق
والدر ﻓﻰ المخانق*** أن تقبلوا نعانق
و نفرش النمارق*** أو تدبروا نفارق
وتقول أيضاً:
ويها بني عبدالدار*** ويها حماة الديار*** ضربا بکل بتار
وکنَّ خلف الرجال يحرضنهم على القتال, وکان النبي (ص) قد استقبل المدينة وجعل أحداً خلف ظهره وجعل وراء الرماة ﻓﻰ الشعب وهم خمسون رجلاً وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال له انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتوننا من خلفنا واثبت مکانک ان کانت لنا أو علينا . واقتتل النَّاس قتالاً شديداً وامعن حمزة وعلي وأبو دجانه ﻓﻰ رجال من المسلمين فکانت الهزيمة على المشرکين وهرب النساء مصعدات ﻓﻰ الجبل ودخل المسلمون عسکرهم ينهبون. فلما نظر الرماة إلى المعسکر حين انکشف الکفار عنه أقبلوا يريدون النهب وثبتت طائفة فانزل الله: {مِنكُم مَن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ} . فلما فارق بعض الرماة مکانهم رأى خالد بن الوليد قلَّة من بقي من الرماة فحمل عليهم فقتلهم وحمل على أصحاب النبي (ص) من خلفهم وجاء إلى النبي (ص) فقال لأصحابه هذا
ص: 71
الذي تطلبون فشأنکم به فحملوا عليه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورضخاً بالحجارة ورمياً بالنبال وجعل أصحاب النبي (ص) يقاتلون عنه حتَّى قتل سبعون رجلاً منهم فنظر النبي(ص) إلى أمير المؤمنين وهو يضرب بالسيف وقد کان أغمي عليه ممَّا ناله فقال: يا على ما فعل النَّاس؟ قال نقضوا العهد وولوا الدبر قال ابن الأثير: فابصر النبي (ص) جماعة من المشرکين فقال لعلي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أحمل عليهم ففرقهم, فحمل عليهم ففرقهم ثُمَّ عاد إليه فابصر جماعة أخرى قد حملوا عليه فقال: أحمل عليهم وفرقهم, وقتل فيهم فقال جبرائيل يا رسول الله (ص) هذه المواساة فقال رسول الله (ص): إنَّه مني وأنا منه فقال جبرائيل وأنا منکما وقال وسمعوا صوتاً لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتي إلا علي . وتراجعإلى رسول الله (ص) المنهزمين أربعة عشر نفراً وصاح صائح ﻓﻰ المدينة قتل رسول الله (ص) وکسرت رباعية رسول الله (ص) السفلي وشقت شفته وعلاه بن قثُمَّة بالسيف وشدَّ عليه بن أبي خلف بحربة فأخذها منه رسول الله وقتله بها . وقاتل حمزة حتَّى مر بسباع بن عبد العزي فقال له حمزة: هلم يابن مقطعة ... .
وکانت أمه ختانة بمکة فقتله قال وحشي إني والله لانظر إلى حمزة وهو يهد النَّاس بسيفه ما يلقي شيئاً يمر به إلا قتله قال فهززت حربتي ودفعتها عليه فوقعت ﻓﻰ ثنيته.
قال زيد بن وهب قلت لابن مسعود انهزم النَّاس عن رسول الله (ص) حتَّى لم يبق معه إلا علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وأبو دجانة وسهل بن حنيف, فاين کان أبو بکر وعمر قال: کانا ممَّن تنحي قلت: فاين کان عُثمَان قال: جاء بعد ثلاثة من الواقعة وقال له رسول الله (ص) لقد ذهبت فيها عريضة وهکذا ذکر ذﻟﻚ ابن الأثير.
ولما وضعت الحرب أوزارها أتت هند بنت عتبة وشقت بطن حمزة وأخذت کبده وجعلتها ﻓﻰ فمها فلم تسفها فلفظتها ثُمَّ مثلت بحمزة ولمَّا وقف عليه رسول الله (ص) بکي وقال: والله ما وقفت موقفاً هو أغيظ على من هذا لأن مکنني الله من قريش لأمثلنَّ بسبعين رجلاً منهم فنزلت علىه هذه الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ} فقال (ص): بل نصبر.
ص: 72
واقعة حنين:
جرت واقعة حنين بين رسول الله (ص) وبين هوازن وثقيف ﻓﻰ أول ليلة من شوال, وقيل بعد نصف شهر على دخول النبي(ص) مکة لما فتحها الله على يده فيکون ﻓﻰ الخامس من شوال السنة الثامنة هجرية وسبب ذﻟﻚ إنَّ هوازن لما رأت فتح مکة خافت أن يغزوها النبي فجاءت ﻫﻰ وثقيف فنزلوا حنيناً وهو وادٍ إلى جنب ذي المجاز وجاءوا معهم بالنساء والصبيان والاموال, ورئيسهم يومئذ مالک بن عوف وقالوا نبدؤه بالقتال قبل أن يبدأنا. فلما بلغ النبي(ص) خبرهم وهو بمکة قدم عليهم فوافاهم بحنين فهزمهم الله وغنمالمسلمون ما جاؤا به معهم وقسم النبي أموالهم على من أسلم معه من قريش. وکان مع المشرکين دريد بن الصمة وهو شيخ لا غني عنده إلا الاستئناس برأيه ومعرفته بالحرب فقال وهم بعد ﻓﻰ محل يدعي (أوطاس) مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبعار الشاء وبکاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالک مع النَّاس أبناءهم ونساءهم وأموالهم .
فقال: يا مالک إنَّ هذا يوم کائن له ما بعده فلماذا فعلت ذﻟﻚ ؟ قال: لأني أردت أن أجعل خلف کل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال: دريد فهل يرد المنهزم شيء؟ إنَّها إن کانت لک لم ينفعک إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن کانت عليک فضحت ﻓﻰ أهلک ومالک. إرفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياً قومهم ثُمَّ الق الصبا علي متون الخيل فان کانت لک لحق بک من وراءک، وإن کانت عليک کنت قد أحرزت أهلک ومالک.
فقال مالک: والله لا أفعل، إنک قد کبرت وکبر علمک، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لاتکأنّ على هذا السيف حتَّى يخرج من ظهري. ثُمَّ قال للنَّاس: إذا رأيتم القوم فاکسروا جفون سيوفکم وشدوا شدة رجل واحد عليهم.
وبعث رسول الله (ص) عبد الله بن أبي حدرد وأمره أن يقيم فيهم حتَّى يأتيه بخبر منهم فأقام معهم حتَّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ثُمَّ أتی فأخبر النبي(ص) بما علم .
ص: 73
وذکر لرسول الله (ص) إنَّ عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً فأرسل إليه أن أعرنا سلاحک هذا نلقي فيه عدونا وکان صفوان يومئذ مشرکاً فقال: أغصباً ؟ قال: بل عارية مضمونة حتَّى نؤديها إليک قال: ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح.
وخرج النبي (ص) ومعه ألفان من مسلمة الفتح من أهل مکة مع عشرة آلاف من أصحابه واستعمل عتاب بن أسيد على مکة أميراً على من غاب عنه من النَّاس فلما رأى بعض أصحابه ما هم فيه من العدد قال لن نغلب من قلة فذﻟﻚ قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُممُدْبِرِينَ} . وکانت هوازن قد سبقت إلى الوادي فکمنوا ﻓﻰ شعابه وأطنابه فلما تبطن المسلمون الوادي شدت عليهم الکتائب وانهزم النَّاس أجمعون لا يلوون أحد على أحد وانحاز النبي ذات اليمين ثُمَّ قال: أيها النَّاس هلُّم إليَّ أنا رسول الله أنا مُحمَّد بن عبد الله ولم يبق معه إلا نفر قليل من المهاجرين والأنصار ومن أهل بيته علي والعباس وابنه الفضل وأبوسفيان بن الحارث وأخواه نوفل وربيعة وعبد الله بن زيد وکان العباس عن يمينه والفضل عن يساره والباقي حوله وعلي يضرب بسيفه بين يديه وﻓﻰ ذﻟﻚ يقول العباس بن عبد المطلب:
نصرنا رسول الله ﻓﻰ الحرب تسعة*** وقد فر من قد فر عنه فاقشعوا
وقولي إذا ما الفضل شدَّ بسيفه*** على القوم أخرى يا بني ليرجعوا
وعاشرنا لاقي الحمام بنفسه*** لما ناله في الله ما يتوجع
قال أبو عبد الله جعفر الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ... قتل علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بيده يوم حنين أربعين.
ونادى مالک بن عوف أروني مُحمَّداً فأروه, فحمل عليه فلقيه أيمن بن عبيد فقتله مالک وأتي النبي ليضربه فبادره أمير المؤمنين علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالسيف على رأسه فخرج يلمع من بين رجليه, وکمن أبو جرول على المسلمين وکان على جمل أحمر وبيده راية سوداء ﻓﻰ رأس رمح طويل أمام هوازن إذا أدرک أحداً طعنه, وإذا فاته رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه,
ص: 74
قال ابن الأثير: فحمل عليه علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقتله. ويروى أن أمير المؤمنين ضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ثُمَّ ضربه فقده نصفين.
ولما انهزم النَّاس عن رسول الله (ص) تکلم رجال من أهل مکة بما ﻓﻰ نفوسهم من الضغن فقال أبوسفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وکانت الأزلام معه, وليس هذا بغريب من أبي سفيان الأموي لأنَّه ما عرف الإسلام ولا ساعة واحدة, لا قبل واقعةحنين ولا بعدها إلى أن أهلکه الله، وأورث ما انطوى عليه قلبه من الکفر والبغض لله ولرسوله ولده معاوية عندما سنحت له الفرصة لينتقض الإسلام من قواعده وأخذ ﻓﻰ استجلاب المنافقين وعباد الدنيا فوضعوا الأحاديث المکذوبة على لسان رسول الله ليشوه دين الله ويعيد للنَّاس الجاهلية التي ما فارقت قلبه ، وهو بدوره أورث ولده يزيد ما کان عليه ومروان وبنيه. إلى أن أطاح الله ملکهم وبدد شملهم ، وأعلن سب علي أميرالمؤمنين وصي رسول الله وأخيه ونفسه وقاضي دينه وخليفته وأبي أولاده بعد أن شهر عليه سيف الحرب والبغي.
وقال کلدة بن الحنبل وهو أخو صفوان بن أمية لأمه: الآن بطل السحر وقال شيبة بن عُثمَان بن أبي طلحة: اليوم أدرک ثأري من مُحمَّد وکان أبوه قتل يوم أحد وقال شيبة : لقد أردت رسول الله وأخيه ونفسه وقاضي دينه وخليفته وأبي أولاده بعد أن شهر عليه سيف الحرب والبغي.
وقال شيبة لقد أردت رسول الله لأقتله فأقبل شيء تغشي فؤادي فلم أطق ذﻟﻚ فعلمت إنَّه قد منع مني.
وقال بن جرير وابن الاثير: کان العباس بن عبد المطلب أخذا بلجام بغلة النبي(ص) وﻫﻰ بغلة بيضاء اسمها (دلدل) وهو عليها وکان العباس شديد الصوت فقال له النبي(ص): >يا عباس ناد القوم وذکرهم العهد فنادى يا أصحاب سورة البقرة, يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون, فأجابوا: لبيک لبيک فأجتمع منهم مائة رجل استقبل بهم القوم فلما رأى النبي شدَّة القتال ارتجز قائلاً:
ص: 75
أنا النبي لا کذب*** أنا بن عبد المطلب
وقال: الآن حمي الوطيس وهو أول من قالها, واقتتل النَّاس قتالاً شديداً فقال النبي(ص) لبغلته: >دلدل البدي دلدل فوضعت بطنها على الأرض فأخذ حفنة من تراب فرمي به وجوه المشرکين وقال: هم لا ينصرون< فکانت الهزيمة ﻓﻰ المشرکين وما زال المسلمونيقتلون المشرکين حتَّى أمر النبي بالکف ولم يکن ﻓﻰ ذﻟﻚ اليوم أحد قاتل أکثر من علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فما رجع النَّاس إلا والأسارى ﻓﻰ الحبال عند رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ).
وقيل إنَّه أقبل شيء أسود من السماء مثل البخار حتَّى سقط بين القوم فدرات الدائرة على هوازن واستمر القتل من ثقيف ببني مالک فقتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم وتبعت خيل المسلمين المنهزين فقتلتهم.
وقال رسول الله: >من قتل قتيلاً فله سلبه<.
ومر رسول الله (ص) ﻓﻰ الطريق بامرأة مقتولة فقال: >من قتلها< قالوا: خالد بن الوليد. فقال لبعض من معه: >أدرک خالداً وقل له إنَّ رسول الله ينهاک أن تقتل امرأة أو عسيفاً (أي أجيراً)< ووجه النبي (ص) إلى من باوطاس من المشرکين فانهزموا وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا فساقوا ﻓﻰ السبي الشماء ابنة الحارث بن عبد العزي فقالت لهم: إني والله أخت صاحبکم من الرضاعة فلم يصدقوها حتَّى أتوا بها إلى رسول الله (ص) فقالت له: إني أختک قال: >وما علامة ذﻟﻚ< قالت عضة عضضتنيها ﻓﻰ ظهري وأنا متورکت فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها فقال: >إن أحببت فعندي مکرمة محببة أو إن أحببت أن أمتعک وترجعي إلى قومک< قالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل.
وأمر رسول الله (ص) بالسبايا والأموال, فجمعت إلى الجرانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي.
وأشهد من المسلمين بحنين أيمن بن عبيد بن أم أيمن ويزيد وزمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى وغيرهما.
* * *
ص: 76
وفاة الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق بن الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام أبي عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وبضعة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
إنَّ حياة الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) موسوعة ضخمة للمعارف والعلوم والفنون من عقلية ونقلية ممَّا لم تجتمع ﻓﻰ أحد من النَّاس إلا لأئمة الهدى خزان علوم الأنبياء(عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ).
وهو سلام الله النبراس الذي ظلَّ نوره يبدد غياهب الظلم ﻓﻰ عصره وﻓﻰ العصور التي تلته إلى اليوم وإلى ما شاء الله.
قد يظنّ من لم يدرس حياة هذا الإمام العظيم أنَّه کان قاصراً على علوم الفقه والتفسير والأحاديث عن الرسول (ص) أو أنَّه قد وقف نفسه لاستيعاب علوم الديانات المختلفه بحيث لم يبق عنده من الوقت ما يصرفه للعلوم الاخرى، ولکن الحقيقة التي يلمسها کل أحد ﻫﻰ أنَّ الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه ضالة کلّ دارس وباحث ومتتبع بدون حصر أو تحديد فانَّه منية المتکلم وبغية المحدث ومطمح المتکلم ومتجه المنجم ومقصد الفلکي وملجأ الکميائي ومعتمد اللغوي وسند المؤرخ وحجة القانوني ومفزع الأديب وموئل أصحاب الصناعات وکهف أرباب المعرفة.
فالصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالنسبة إلى هذه العوالم المتباينة, کالشمس ﻓﻰ کبد السماء يرسل أشعة الحياة إلى العوالم المحيطة به بنوره وعلمه ومعارفه وهداه.
وسماه الحافظ أبو نعيم ﻓﻰ حلية الأولياء الإمام الناطق ذا الزمام السابق، والناطق صفة اختصر بها مولانا الصادق من بيت الأئمة (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) لأسباب هيأها الله له ولم يشأ تهيئتها لغيره ومن المعلوم إنَّ جده الإمام الأعظم أمير المؤمنين علي عليه السلام کان أعلم علماء الأئمة بعد النبي (ص) ولم يشک ﻓﻰ ذﻟﻚ أحد من المسلمين حتَّى قال: أبو بکر کما صح عنه
ص: 77
قوله: ( أقيلوني فلست بخيرکم وعلي فيکم ) وصح عن عمر قوله: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن علي ) وخير الکلام بعد کلام الله قول النبي (ص): ( أقضاکم علي ) وقد ظهر منه صلوات الله وسلامه عليه من العلوم ما حير الألباب ممَّا لم يسبقه إليها سابق ولم يلحقه فيها لاحق لأنَّه باب مدينة علم رسول الله, ولکنه سلام الله عليه بلي من أهل البغض والعداوة والنصب بما لم يبل به أحد من العالمين فکان صدره يضيق بما أودعه الله فيه من العلم، ولم يجد له مستودعاً إلا ابنيه السبطين الحسن والحسين ‘، وکان ربَّما رشحت منه رشحات لقلة الرواة وکثرة الحاسدين الطغاة, فکان يأخذ عنه قليل من أصحابه وهذا النزر القليل قد ملأ الدنيا علماً. وکان يقول سلام الله عليه: (علمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح لي من کل باب ألف باب ) فلو ترک لنا الناکثون والمارقون والقاسطون ﺗﻠﻚ الأبواب مفتوحة لحصل للنَّاس الغنى بعلم رسول الله عن العلوم التي ﻓﻰ أيدي النَّاس.
والشيطان أوقف ﻓﻰ سبيل السبطين ‘ معاوية وابنه يزيد وأتباعهما فلم يجدا مجالاً لبث العلوم النبوية فانتقل العلم إلى الإمام السجاد فسدت عليه الطريق قيود الأسر وسياط الظلم اليزيدي الأموي المرواني فصار يصوغ العلوم للعارفين ﻓﻰ تضاعيف الأدعية والتسبيحات واستودع أسراره وعلومه لولده الباقر فاستطاع صلوات الله وسلامه عليه أنْ ينشر العلوم أکثر ما کان يستطيع آباؤه (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) لانشغال الدولة المروانية بالترف والفجور ونشوب الفتن ولکن يديه لم تکن مبسوطتين کلّ البسط لما کان يلاقيه من الاذى والإرهاق ثُمَّ استودع علوم النبوة ولده جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه.
استطاع الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أنْ يطلق لسانه بالعلوم لأن دولة بني مروان کانت ﻓﻰ دور الإنحلال والتفسخ, ودولة بني العباس لما تقم بعد والحروب مستعرة بين الجانبين, والفتن حامية الوطيس ,فانفسح أمامه المجال، فبينما کانت الرؤوس والکلاکل تتطاحن على الملک, کان جعفر الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مهتماً بنشر العلوم وبثها بين النَّاس إحياءللعلم والدين، ولم يعارضه أحد مدَّة اضطراب الأحول وﻫﻰ مدَّة تستوعب أکثر سني عمره الشريف.
ص: 78
جاء ﻓﻰ الملل والنحل لمُحمَّد بن عبد الکريم الشهرستاني ﻓﻰ وصفه (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قوله: (وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب کامل ﻓﻰ الحکمة, وزهد بالغ ﻓﻰ الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام المدينة مدَّة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم, ثُمَّ دخل العراق وأقام به مدَّة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحداً في الخلافة ومن غرق ﻓﻰ بحر المعرفة لم يطمع في شط ... وقيل: من أنس بالله استوحش عن النَّاس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس، ). ولم يختص الإمام الصادق بعلومه شيعته فقط إذ إنَّه لم يبخل بها حتَّى على المخالف له ولو کان من ألد أعدائه, ولم يقتصر فيما نشره من العلوم على الحديث والتفسير والفقه وجوامع التوحيد، بل نظر إلى الموجودات باسرها ﻓﻰ مرآة الوحي النبوي، والنور الإلهي نظراً لم يسبقه إليه فلاسفة اليونان وحکماؤهم، ولا علماء الغرب ومفکروهم، ولا غيرهم من أقطاب العلوم. فانَّ المتقدمين والمتأخرين يتخبطون ﻓﻰ طخية عمياء ومفازة ظلماء من المادة الصماء. فقسم الموجودات کلها إلى أنواع, وتکلم عن کلِّ نوع باستقلاله وأفرد لکلِّ علم موضوعاً يجمع شتات مسائله في التفسير والفقه والإلهيات وعلل الشرائع وأحکامها والتوحيد الإلهي، وهو اسماها، وتهذيب الإنسان ﻓﻰ شخصه ومجتمعه ... وأسرار الطبيعة وعجائب الکون وأطوار النباتات، وتطور أنواع الحيوانات وتحليل الأجسام المادية وترکيبها، والفلک وغرائبه، وترکيب الإنسان ومنافع أعضائه، وتحولات مزاجه، وکلّ ما ﻓﻰ الکون وقد بحث عنها الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وعلَّمها تلامذته وبقيت بحراً زاخراً يستقي العلماء صفوها.
قال ابن خلکان ﻓﻰ وفيات الأعيان ما نصه: هو أحد الأئمة الاثني عشر علي مذهب الإمامية، وکان من سادات أهل البيت، ولقب بالصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لصدقه ﻓﻰ مقالته, وفضله أشهر من أن يذکر , وله کلام ﻓﻰ الکيمياء، وسئل الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عنأول شيء خلقه الله فأجاب إنَّ أول ما خلق الله الشيء الذي خلق منه الأشياء .. روى ذﻟﻚ المجلسي في أوائل الجزء الرابع عشر من بحار الأنوار المسمى بالسماء والعالم، فبيّن إنَّ الأجسام المادية کلّها خلقت من أصل واحد وإنَّما الأختلاف ﻓﻰ کيفيات وکميات الذرات وبذﻟﻚ اختلفت
ص: 79
الأجسام والموجودات، وهذا هو أصل العلوم المادية بأسرها، طبيعية، وکيمياوية، وفلکية، ومعدنية، ونباتية، وفيزلوجية، وطبية، وغيره ا.
قال ابن قتيبه ﻓﻰ کتابه أدب الکاتب : (إنَّ الإمام الصادق(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) کتب الجفر فاودعه ما يحتاجه النَّاس إلى يوم القيامة، والجفر جلد الجدي وکانوا يستعملونه للکتابة بدل الورق) وليس المراد من الجفر العلوم السحريات وما يسمی بالعلوم الغريبة کما لا يخفی.
قال أبو العلاء المعري:
لقد عجبوا لآل البيت لمَّا*** اتاهم علمهم ﻓﻰ جلد جفر
فمرآة النجم وﻫﻰ صغري*** تريه کلّ عامرة وقفر
بيد إنَّ الروايات عنه سلام الله عليه ﻓﻰ العلوم الإلهية من توحيد وتفسير وحديث وفقه وأخلاق ﻫﻰ أضعاف ما يروي عنه ﻓﻰ العلوم المادية.
وجاء ﻓﻰ الجزء الثاني من حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم: روي عن جعفر بن مُحمَّد عدَّة من التابعين منهم يحيي بن سعيد الأنصاري، وأيوب السجستاني، وأبان بن تغلب، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله الهادي، وحدث عنه من الأئمة الأعلام مالک بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، و إسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج ﻓﻰ صحيحه محتجاً بحديثه ..
وقال الشبلنجي الشافعي ما ملخصه: إنَّ مناقب الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) کثيرة لا يستطيع محاسب أن يحسبها، ويحار من تنوع أنواعها من يريد احصاءها بلغ أعلى درجة ﻓﻰ الذکاء، وقد روي عنه جماعة من أعيان أئمة أهل السنة وعلامهم مثل : يحيي بن سعيدومالک بن أنس، والثوري وغيرهم، وکان له مجلس يأوى إليه الخاصَّة والعامَّة، ويزورونه من کلِّ فج عميق, يسألونه عن الحلال والحرام وتأويل القرآن وفصل الخطاب، ولا يفارقه أحد إلا وقد أخذ من علومه ما يرضيه وينفعه.
وقال الشيخ المفيد ﻓﻰ الإرشاد ما ملخصه: إنَّ الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) کان خليفة أبيه مُحمَّد الباقر عليه السلام دون إخوته, ووصيه والقائم بأمر الإمامة بعده, وکان أفضل إخوته
ص: 80
وأعلمهم وأعظمهم قدراً وأکثرهم جلالاً, ونقل النَّاس من علومه ما انتشر ﻓﻰ جميع البلاد وقد أحصي أصحاب الحديث من روي عنه الثقات مع إختلافهم ﻓﻰ الآراء والمقالات فبلغ عددهم أربعة آلاف ..
کان من تلامذته رجال من أعيان العلماء : کأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومُحمَّد بن الحسن الشيباني، وأبي يزيد الطيفور، ومالک بن دينار، وإبراهيم بن الأدهم ... ونقل ابن شهر آشوب عن مسند أبي حنيفة إنَّ حسن بن زياد قال سمعت أبا حنيفة وقد سئل من کان أفقه النَّاس ممَّن رأيت؟ قال : جعفر بن مُحمَّد لمَّا طلبه المنصور من المدينة أرسل إلى وقال قد فتن النَّاس بجعفر بن مُحمَّد فتأهب أنْ تسأله أشکل مسائلک، فاحضرت له أربعين مسألة فأحضرني المنصور وکان ﻓﻰ الحيرة فقصدته ورأيت جعفراً جالساً عن يمينه فلما وقع نظري عليه هبته هيبة لم أهب مثلها المنصور مع شدة بطشه, فسلمت عليه فأشار إلى بالجلوس، فتوجه إلى الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وقال يا أبا عبد الله إنَّ هذا أبو حنيفة. فقال أعرفه، ثُمَّ توجه إلى المنصور وقال: سل أبا عبد الله عن مسائلک فما زلت أسأله فيجيب ويقول أنتم کذا تقولون وأهل المدينة کذا يقولون، وکانت فتواه تارة موافقة لنا وأخرى موافقة لأهل المدينة وربَّما خالف الجميع ﻓﻰ بعض فتواه فلم يخل بواحدة منها .. إذاً فأعلم النَّاس باختلاف الأقوال أعلمهم جميعاً وأفقههم ..
قال عبد الله بن شبرمة دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن مُحمَّد فما قاله لأبي حنيفة: أيها أعظم قتل النفس أو الزنا ؟ قال: قتل النفس. قال: فانَّ الله قبل ﻓﻰ قتل النفس شاهدينولم يقبل ﻓﻰ الزنا إلا أربعة. ثُمَّ قال أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال : الصلاة , قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة , فکيف يقوم لک قياسک إتق الله ولا تقس الدين برأيک ... وقال ابن خلکان ﻓﻰ الوفيات: حکي کشاجم ﻓﻰ کتاب المصايد والمطارد إنَّ جعفراً سأل أبا حنيفة ما تقول ﻓﻰ محرم کسر رباعية ظبي؟ فقال: يا بن رسول الله ما أعلم فيه. فقال: له أنت تتداهي ولا تعلم إنَّ الظبي لا يکون له رباعية وهو ثني أبداً ... .
ص: 81
ولو أردنا استقاء الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لاحتجنا إلى أسفار ضخام ولکننا نجتزي بهذا الغيض من فيضه، وبهذه القطرة من بحر مراعاة للاختصار.
وقد توﻓﻰ صلوات الله وسلامه عليه ﻓﻰ اليوم الخامس والعشرين من شهر شوال سنة ثمان وأربعين ومائة هجرية. ولم يمت حتف أنفه بل مات شهيداً مسموماً فقد دسَّ إليه وإلى المدينة السمّ بأمر من المنصور الذي أراد أنْ يتخلص منه لمَّا وقر ﻓﻰ نفسه من بغض آل الرسول.
ص: 82
ولادة الإمام أبي الحسن علي بن موسي الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)
الإمام أبو الحسن علي الرضا بن الإمام إبي إبراهيم موسى الکاظم بن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق بن الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر بن الإمام أبي الحسن علي زين العابدين بن الإمام أبي عبد الله شهيد کربلاء الحسين بن الإمام أبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأمه أم ولد اسمها أم البنين وکنيته أبو الحسن والقابه الرضا والزکي والمولى والصابر والصديق.ولد بالمدينة المنورة في اليوم الحادي عشر من ذي القعده سنة 153 هجرية قال ابن خلکان ﻓﻰ وفيات الأعيان : هو أحد الأئمة الاثني عشر على إعتقاد الإمامية. وفيه يقول أبو نؤاس:
قيل لي أنت أحسن النَّاس طراً*** ﻓﻰ فنون من الکلام النبيه
لک من جيد القريض مديح*** يثُمَّر الدر ﻓﻰ يدي مجتنيه
فلماذا ترکت مدح ابن موسى*** والخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أستطيع مدح إمام*** کان جبريل خادماً لأبيه
ص: 83
وکان سبب قوله هذه الأبيات على بعض الروايات إنَّ بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منک, ما ترکت خمراً ولا طرداً ولا معني إلا وقلت فيه شيئاً وهذا علي ابن موسى الرضا لم تقل فيه شيئاً. فقال والله ما ترکت ذﻟﻚ إلا إعظاماً له، وليس قدر مثلي أنْ يقول ﻓﻰ مثله ثُمَّ أنشد هذه الأبيات (المتقدمة ).
لقد صدق أبو نؤاس فما هو مبلغ الشعر وما هو خطره بعد أنْ نزل القرآن ﻓﻰ حقهم وامتدحهم ﻓﻰ آياته البينات وحسب آل البيت من المديح والثناء والاطراء قوله عزَّ من قائل: {إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} .
ويقول ابن خلکان: ويقول (يعني أبا نؤاس ) أيضاً وله ذکر ﻓﻰ شذور العقود ﻓﻰ سنة إحدى أو اثنين ومائتين:
مطهرون نقيات ثيابهمو*** تجري الصلاة عليهم أينما ذکروا
من لم يکن علوياً حين تنسبه*** فما له ﻓﻰ قديم الدهر مفتخر
والله لما برا خلقاً فاتقنه*** صفاکمو واصطفاکم أيها البشر
فأنتم الملا الأعلى وعندکمو*** علم الکتاب وما جاءت به السور
قال بن خلکان: وکان المأمون قد زوجه ( أي الإمام علي الرضا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ابنته أم حبيب ﻓﻰ سنة اثنتين ومائتين وجعله ولي عهده وضرب اسمه على الدينار والدرهم .. وکان السبب ﻓﻰ ذﻟﻚ إنَّه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء وهو بمدينة مرو وکان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين الکبار والصغار ، واستدعي علياً المذکور فأنزله أحسن منزلة وجميع خواص الأولياء وأخبرهم إنَّه نظر ﻓﻰ أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فلم يجد ﻓﻰ وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي الرضا فبايعه وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام ونما الخبر إلى من في العراق من أولاد العباس فعلموا إنَّ ﻓﻰ ذﻟﻚ خروج الأمر عنهم, فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي (شيخ المغنين) وهو عم المأمون.
ص: 84
لا شکَّ إنَّ الدافع للمأمون على البيعة بولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لم يکن محض نظره إلى أحقية الإمام وفضله ... وإنَّما هناک أمور أخرى تطلب من المأمون أنْ يقوم بهذا العمل، وکان المأمون من العلماء والأذکياء فلمَّا رأى إنَّ الأمور مضطربة وإنَّ الأمر لا يستقيم إلا بعمل حاسم يرضى العالم الإسلامي ولا أحد أجدر من الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فنفد بعين بصيرته إلى غوامص أسرار الوضع القائم فاستدعي الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ليبايعه ولم يتحرج من بني العباس رضوا أم غضبوا لأنهم قد نکثوا بيعته ببغداد وذﻟﻚ إنَّ الرشيد بايع ﻓﻰ حياته بولاية العهد لابنه مُحمَّد الأمين بن زبيدة وبعده لأخيه عبد الله المأمون وبعدهما لأخيهما القاسم المؤتمن، وجعل أمر عزله وإبقائه بيد المأمون وکتب بذﻟﻚ صحيفة وأودعها ﻓﻰ جوف الکعبة وقسم الأقطار بين الأمين والمأمون فجعل شرقيها للمأمون وأمره بسکنى مرو, وغربيها للأمين وأمره بسکنى بغداد, فکان المأمون ﻓﻰ حياة أبيه في مرو. ثُمَّ إنَّ الأمين بعد موت أبيه خلع أخاه المأمون من ولاية العهد وبايع لولد له صغير، فوقعت الحرب بين الأخوين .. ويقال إنَّ المأمون نذر حين ضاق به الأمر أنْ أظفرهالله بالأمين أن يجعل الخلافة في أفضل آل أبي طالب وبني هاشم فلما قتل الأمين واستقل بالسلطة کتب إلى الإمام الرضا يستقدمه إلى خراسان ليفي بنذره.
هذا شيء قد يصح لکن الحقيقة هي أنَّ العباسيين بعد أن قتل الأمين لم يکونوا سواء وانشقوا على أنفسهم نتيجة لذﻟﻚ وصار الخطر يتهدد الأمبراطورية واستيقظت النفوس من سباتها لأن الحرب التي قامت بين الأمين والمأمون لم تقم بدون دعوة کل من الفريقين إلى ان الأمر قد فسد وإنَّه يريد الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر وإقامة الحدود والتزام الشرع والعمل بالکتاب والسنة وإجراء العدل وإعطاء کل ذي حق حقه, ورد المظالم وکل من الفريقين کان يلصق التهم بالآخر. فتنبهت النفوس واستيقظ النَّاس من الغفلة وعادوا جميعاً يفکرون فيما بلغت إليه الحالة من الفوضي والتدهور ونقض العهود، وتذکروا في هذه الغمرة أهل البيت وما جرى عليهم وما عمله الأمويون والعباسيون بهم وصاروا يتمنون لو أنَّ الله قيض للنَّاس رجلاً منهم يحکم فيهم بکتاب الله
ص: 85
وسنة رسوله ليتخلصوا من الطغيان العباسي الذي أفسد دينهم وأضرهم ﻓﻰ دنياهم وانحط بأخلاقهم إلى أسفل الدرکات بما شاع ﻓﻰ عهد بني العباس من الفواحش وما أجترح من الآثام وما ارتکب من الذنوب.
والمأمون العالم النحرير لا تغيب عنه هذه الأحوال فلم ير بدّا إلا أن يجري مع التيار ليکتسب مودة النَّاس ويستجلب عطف الرأي العام ويظهر بمظهر الصادق الامين ، ورأى أنَّ تضحيته بالخلافه لا يحرمه المقام ولا ينزل به عن الرتبة بل ربَّما يعلى قدره ويرفع ذکره ويزيد في حبه بين النَّاس لأنَّه کان يرى إنَّ استمرار الحالة على ما ﻫﻰ عليه لابدّ وأن يخرج
الأمر عن بني العباس بشکل من الأشکال ربَّما لا تحمد عقباها فاختار هو أفضل الطرق وأحسن العلاج.
روى الصدوق ﻓﻰ العيون بسنده عن رجاء بن أبي رجاء بن أبي الضحاک قال: بعثني المأمون إلى المدينة ﻓﻰ إشخاص الإمام علي بن موسي الرضا، وأمرني أن آخذ به علىطريق البصرة والأهواز وفارس کي لا نمر على قم، وأمرني أن أحفظه بنفسي بالليل والنهار حتَّى أقدم به إليه فکنت معه من المدينة إلى مرو.
وذکر صاحب تأريخ نيسابور، والمناري ﻓﻰ شرح الجامع الصغير إنَّ علياً الرضا عندما جاء إلى مرو من المدينة اجتاز نيسابور وکان في قبة مستورة على بغلة شهباء وقد شق بها السوق فعرض له من رجال العلم أبو زرعة وأبو مسلم الطوسي ومعهما من العلماء وأهل الفضل ما لا يحصي فقالا: أيها السيد الجليل بن السادة الأئمة بحق آبائک الأطهرين واسلافک الأکرمين إلا ما أريتنا وجهک الميمون ورويت لنا حديثاً عن آبائک عن جدک نذکرک به فاستوقف غلمانه وأمر بکشف المظلة وأقر عيون الخلائق برؤية طلعته، وإذا له ذؤابتان معلقتان على عاتقه، والنَّاس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باک وصارخ ومقبل حافر بغلته وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة الأعلام، معاشر النَّاس إسمعوا وأنصتوا ولا تؤذونا بصراخکم. فقال الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): حدثني أبي موسي الکاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه مُحمَّد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين شهيد کربلاء عن
ص: 86
أبيه علي المرتضي قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (ص) قال: حدثني جبرئيل(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال: سمعت ربّ العزة تعالى يقول کلمة لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي. ثُمَّ ارخي الستر على المظلمة وسار، ثُمَّ أخرج رأسه فقال: ولکن بشرطها وشروطها، ثُمَّ قال: وانا من شروطها، قال فعد أهل المحابر والدواوين الذين کانوا يکتبون فأنافوا على عشرين ألفا. قال بعض العلماء الأخيار: لو قرأ هذا الأسناد على مجنون لأفاق من جنونه.
من هنا نعرف مبلغ ما کان فيه النَّاس من الکبت وعدم التنفيس فلما وجدوا منفساً لاظهار عواطفهم تجاه أهل البيت جاشت بها مدامعهم وارتفع فيها صراخهم وعويلهم وتجلت للعيان ﻓﻰ تبرکهم والاستمتاع برؤية وجه إمامهم فأکبوا على حوافر بغلته يقبلونها..والمأمون قد خبر ذﻟﻚ کله فجاء بالإمام الرضا ليتخذ له منه مجنّا يتقي به سخط النَّاس على بني العباس ويحوط نفسه من نقمة الجمهور.
رفض الإمام البيعة لنفسه وأبى اباءً شديداً ولما أعيا المأمون الأمر عرض عليه ولاية العهد ولکن الإمام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أبي على المأمون ذﻟﻚ أيضاً فاصر المأمون وانتهي به الأمر أخيراً إلى التهديد فقبل الإمام بولاية العهد على أن لا يأمر ولا ينهي ولا يغير ولا يبدل شيئاً فتم الأمر على هذا الشرط. ودخل الشعراء على الإمام ينشدونه الشعر بهذه المناسبة فأنشد من الشعر ما استغرق حدّ الإکثار.
وفاة الإمام أبي جعفر مُحمَّد الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
الإمام أبو جعفر مُحمَّد الجواد هو الإمام التاسع من الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .. توفي شهيداً مسموماً في آخر يوم من ذي القعدة سنة 220 ببغداد وکان الذي دسَّ إليه السمّ المعتصم العباسي سراً وتظاهر بالحزن عليه فصلى على جنازته الواثق بن المعتصم وحمل إلى مقابر قريش فدفن إلى جنب جده الإمام موسي بن جعفر عليهما السلام, وکان صلوات الله وسلامه عليه قد قدم بغداد ومعه زوجه أم الفضل
ص: 87
فلما توفي حملت أم الفضل إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم روى ذﻟﻚ ابن خلکان.
وروى العياشي ﻓﻰ التفسير ﻓﻰ سبب سمّ الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن زقان صاحب أحمد بن أبي داود قاضي المعتصم قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فسألته فقال وددت أني مت منذ عشرين سنة، فلقد أفحمني مُحمَّد بن علي بن موسي بن جعفر بين يدي أمير المؤمنين، فقال: وکيف ذﻟﻚ ؟ قال : إنَّ سارقاً أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه فجمع الفقهاء والعلماء واحضر الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فسألنا عن قطع اليد من أين يجب؟ فقلت من الکرسوع لأنَّ اليد هي الأصابع والکف إلى الکرسوع لقوله تعالى ﻓﻰ التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} واتفق معي قوم، وقال آخرون القطع من المرافق لأنَّ الله قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فالتفت الخليفة إلىمُحمَّد بن علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وقال: ما تقول ﻓﻰ هذا يا أبا جعفر ؟ فقال: >قد تکلم القوم< .. فقال: دعني ممَّا تکلموا به .. فقال: >اعفني من هذا< .. قال: اقسمت عليک بالله لما أخبرت بما عندک ﻓﻰ هذا الحد .. فقال: >أما إذا أقسمت عليَّ فإني أقول إنَّهم أخطأوا فيه السنة، فالقطع يجب أنْ يکون من مفصل أصل الأصابع فيترک الکف، قال رسول الله السجود على سبعة أعضاء, الوجه واليدين والرکبتين والرجلين فإذا قطعت يد من الکرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. وقال تعالى: {وَأَنّ الْمَسَاجِدَ للّهِ}ِ يعني به هذه السبعة التي يسجد عليها وما کان لله لا يقطع<, وقد جاء بالحکم الشرعي کما أمر الله وخرجت أنا والعلماء والفقهاء مندحرين .. وقال له المعتصم هذا هو الحق وقطع يد السارق کما قال.
من هذا نستشف إنَّ ابن أبي داود لم يکن يهمه أمر الدين وإصابة الحق بقدر ما کان يهمه أمر الدنيا والتزلف إلى السلطان بما يظهره من التبريز والتفوق على غيره بحق أو بباطل ولذﻟﻚ ساءه أن يصيب الإمام الجواد کبد الحقيقة ﻓﻰ قطع يد السارق ، وکان يرضى أن يجري حکم الله على خلاف ما يريد الله على أن يکون القول ما قاله والرأي ما رآه, ولو کان مخالفاً للدين فود لو أنَّه مات منذ عشرين سنة ولا يرى الإمام الجواد يقول
ص: 88
کلمة الشرع التي آخطأها هو ومن على شاکلته من العلماء والفقهاء الذين نصبوا أنفسهم ﻓﻰ قبال آل بيت بدون جدارة وأهلية واستحقاق.
لا جرم أنَّه لو کان من أهل الإيمان لعرف للإمام الجواد فضله ولما أنکر عليه صحة مقالته ولشکره على ما نفع به وأفاده. ولکن أنَّي لمرضي النفوس أنْ تبرأ نفوسهم من داء الحسد وحب الزهو والاستعلاء مهما کلفهم ذﻟﻚ من ثُمَّن مادي أو معنوي أو ديني، ولذﻟﻚ لو يستطع بم أبي داود أن يصطبر على ما نابه في مجلس المعتصم من الفشل في عدم إصابته المعرفة بالأحکام الشرعية فانطوى على ضغينة أفضت به إلى الوشاية بالإمام الجواد علیه السلام وتحريض المعتصم عليه فلم يلبث أکثر من ثلاثة أيام يعمل فيها رأيه وتدبيره للإيقاع بالجواد فجاء إلى المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ أبا جعفر هو الإمام التاسعمن أئمة أهل البيت يقول شطر الأمة بإمامته و يدعون أنَّه أولي منک بهذا المقام. ليحمل المعتصم على الفتک به، فصادف ذﻟﻚ استفزازاً من نفس المعتصم، هذا إلى ما کان بنو العباس يوقرون به, أذن المعتصم من تخويفه من الجواد واشفاقهم على سلطانهم منه فکان ما کان من دس السم إليه.
وقيل ﻓﻰ سبب سمه من قبل المعتصم ما مر آنفا بالإضافة إلى أن بني العباس کانوا قد نقموا على المأمون أشدّ نقمة عندما عقد للإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ولاية العهد فلما توفى الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مسموماً على أيدي بعض العباسيين شعروا بالراحة واطمأنت أنفسهم التي استولي عليها الهلع وخامرها الفزع من الرضا لئلا ينتقل أمر الخلافة عنهم إلى أهل البيت. ولکن المأمون بالرغم من کل محاولاتهم ضد الإمام الرضا لم يکن يعبأ بهم فلما مات الرضا ودعي الإمام الجواد وأراد أن يعقد له على ابنته أم الفضل طارت عقول العباسيين من رؤوسهم.
وقال المفيد کان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنه وبلوغه ﻓﻰ العلم والحکمة والأدب وکمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشائخ أهل زمانه فزوجه ابنته أم الفضل وکان متوفراً على إکرامه وتعظيمه .. روى عن الريان بن شبيب
ص: 89
لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر مُحمَّد الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أبلغ ذﻟﻚ العباسيين فاجتمع أهل بيته الأدنون منه فقالوا له بعد کلام طويل إنَّ هذا الفتي وإن راقک منه هديه فانَّه صبي لا معرفة له ولا فقه فامهله ليتأدب ويتفقه ﻓﻰ الدين ثُمَّ اصنع ما تراه. فقال لهم المأمون: إني أعرف بهذا الفتي منکم، وإنَّ هذا من أهل البيت علمهم من الله فإن شئتم فأمتحنوه، فدعوا يحيی بن أکثُمَّ على أنْ يسأله مسائل لايعرف فيها جواباً وأطمعوه بالأموال، فاستأذن من الإمام الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالسؤال، فقال له: >سل ان شئت<.قال جعلني الله فداک يابن رسول الله ما تقول ﻓﻰ محرم قتل صيداً ؟ فقال له الإمام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >أفصح ﻓﻰ مسألتک، قتله ﻓﻰ حل أو ﻓﻰ حرم، عالماً کان المحرم أم جاهلاً، قتله عمداً أو خطأ، حراً کان المحرم أم عبداً، صغيراً کان أم کبيراً، مبتدئاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير کان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من کباره، مصراً على ما فعل أو نادماً، ﻓﻰ الليل کان قتله للصيد ﻓﻰ أوکارها أم نهاراً وعياناً ، محرماً کان بالعمرة إذ قتله أو بالحج کان محرماً ؟<...
فتحير يحيي وبان ﻓﻰ وجهه العجز والانقطاع عن الجواب وتلجلج حتَّى عرف أهل المجلس أمره .. فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة، والتوفيق لي ﻓﻰ الرأي، ثُمَّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم: عرفتم الآن ما کنتم تنکرونه. ثُمَّ قال لأبي جعفر بعد أن انفض المجلس ولم يبق إلا الخاصَّة: إذا رأيت أن تذکر لنا الفقه فيما فصلته من ونستفيده ... قال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >نعم ... إنَّ المحرم إذا قتل صيداً ﻓﻰ الحل وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه وکان الصيد من ذوات الطير وکان من کبارها فعليه حمل قد فطم من اللبن وليست عليه القيمة قتله ﻓﻰ الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن کان من الوحش وکان حمار وحش فعليه بقرة، وإن کان لأنه ليس ﻓﻰ الحرم، وإذا نعامة فعليه بدنة، فإن لم يقدر فاطعام ستين مسکيناً، فإن لم يقدر فليصم ثُمَّاني عشرة يوماً، وإن کان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل سيئاً من ذﻟﻚ ﻓﻰ الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الکعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وکان إحرامه بالحج نحره بمني، وإن کان إحرامه بالعمرة نحره بمکة،
ص: 90
وجزاء العمد على العالم والجاهل سواء، وﻓﻰ العمد له المأثُمَّ، وهو موضوع عنه ﻓﻰ الخطأ، والکفارة على الحر ﻓﻰ نفسه، وعلى السيد ﻓﻰ عبده، والصغير لا کفارة عليه، وﻫﻰ على الکبير واجبة، والنادم يسقط عنه عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه العقاب ﻓﻰ الآخرة< .. فأمر المأمون أن يکتب ذﻟﻚ عنه .. وقال له أحسنت يا أباجعفر أحسن الله إليک. فان رأيت أن تسأل يحيي عن مسألة کما سألک لننظر مبلغ علمه.فقال الإمام الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ليحيي : أسألک؟ قال: ذﻟﻚ لک جعلت فداک فان عرفت جواب ما سألتني عنه وإلا استفدته منک .. فقال له: >اخبرني عن رجل نظر إلى امرأة ﻓﻰ أول النهار فکان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما کان وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما کان انتصاب الليل حرمت عليه؟< فقال يحيي : والله ما اهتدي إلى الجواب هذا السؤال، فکشف له الإمام الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وجوه الحکم ودقائق المسألة. وعندئذ استظهر المأمون على العباسيين. ثُمَّ أقبل المأمون على الإمام الجواد علیه السلام وقال: إني زوجتک ابنتي أم الفضل فاخطب لنفسک فخطب الإمام علیه السلام لنفسه وزوجه المأمون على صداق مهر جدته فاطمة بنت رسول الله (ص) وهو خمسمائة درهم جياد.
ابتلي الإمام الجواد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالمناهضين له القائمين بمخالفته ومعاداته کما ابتلي آباؤه بالنواصب ذوي الاحن والبغضاء. وقد ظّنّ هؤلاء إنَّ صغر سنه يحول بينه وبين التبريز عليهم فکانوا يتربصون به الدوائر ويأتونه بالمشاکل ليوقعوه الورطة أو ليظهروا عجزه ويحجوه. ولکنه صلوات الله وسلامه عليه کان يغبّر ﻓﻰ وجوههم، ويرد سهامهم إلى نحورهم.
وقد مدحه أبو العلاء المعري ومما قاله ﻓﻰ مدحه:
يابن الذي بلسانه وبيانه*** هدي الإمام ونزل التنزيل
عن فضله نطق الکتاب *** بقدومه التوراة والإنجيل
لو لا انقطاع الوحي بعد *** قلنا (مُحمَّد) عن أبيه بديل
ص: 91
وکان يلقب(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالتقي والزکي والمنتجب والقانع والجواد، ويکني بأبي جعفر الثاني لأن أبا جعفر الأول هو جده الإمام الباقر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ). وشاعره حماد، وبوابهعُثمَان بن سعيد السمان، ونقش خاتمه نعم القادر الله، ومن ثقاته أيوب بن نوح وجعفر بن يونس الأول، ومن أصحابه شاذان بن الخليل النيسابوري ومُحمَّد بن أحمد المحمودي.
بعث النبي (ص)علياً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)
بقراءة سورة براءة على أهل مکة:
في اليوم الأول من ذي الحجة السنة التاسعة هجرية بعث النبي (ص) أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب بسورة براءة ليقرأ عشر آيات من أولها على أهل مکة ويبلغهم هذه الآيات عن رسول الله (ص).
أخرج أحمد بن حنبل في مسنده في الصفحة (2) و (150) و (331) من الجزء الأول وفي الصحفة (266) من الجزء الثاني وفي الصحفة (216) من الجزء الثالث وفي الصفحة (164) من الجزء الرابع، وأخرج الحاکم في مستدرکه والذهبي في تلخيصه في الصفحة (131) من الجزء الثاني، وفي الصفحة (132) و (151) من الجزء الثالث، وصححاه على
ص: 92
شرط البخاري ومسلم، و أخرج النسائي في الخصائص العلوية في الصفحة (20) منه، وفي الرياض النضرة لمحب الدين الطبري في الصحيفة (203) من الجزء الثاني قال: لما نزلت عشر آيات من سورة براءة على النبي (ص) دعا أبا بکر فبعثه بها ليقرأها على أهل مکة، ثُمَّ دعا النبي(ص) علياً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال له: أدرک أبا بکر فحيثُمَّا لحقته فخذ الکتاب منه فأذهب به إلى أهل مکة فاقرأه عليهم، فلحقه علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بالجفة فأخذ الکتاب منه، ورجع أبو بکر فقال: يا رسول الله أنزل في شئ ؟ ... قال: لا، ولکن جبرئيل جاءني فقال لن يؤدي عنک إلا أنت أو عليّ ...والآيات العشر هي قوله تعالی:
{بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى الّذِينَ عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِين * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ* وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاس يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنّ اللّهَ بَرِي ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدّتِهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الْصّلاَةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَيَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَيَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثُمَّناً قَلِيلاً فَصَدّوا عَن سَبِيلِهِ إِنّهُمْ سَاءَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَيَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} .
أجمع المفسرون ونقلة الأخبار: إنَّه لما نزلت براءة دفعها رسول الله إلى أبي بکر ثُمَّ أخذها منه ودفعها إلى علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقيل إنَّ النبي (ص) أمر أبا بکر أن يقرأ
ص: 93
الآيات العشر الأول من هذه السورة، وأن ينبذ إلى کل ذي عهد عهده، ثُمَّ بعث علياً خلفه ليأخذها ويقرأها على النَّاس فخرج علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) على ناقة رسول الله (ص) العضباء حتَّى أدرک أبا بکر بذي الحليفة (أو الروحاء) فأخذها منه.
وقال عروة بن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة : إنَّ النبي (ص) بعد أن دفع براءة إلى أبي بکر عاد فأخذها منه قبل أن يخرج بها ودفعها إلى علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وقال لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني.وروى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر مُحمَّد بن علي الباقر ‘ قال: خطب علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) النَّاس واخترط سيفه فقال : لا يطوفن بالبيت عريان، و لا يحجن مشرک، ومن کانت له مدَّة فهو إلى مدَّته، و من لم تکن له مدَّة فمدته أربعة أشهر، وکان خطابه يوم النحر. والمدَّة کانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، ويوم النحر هو يوم الحج الأکبر.
وذکر أبو عبد الله الحافظ باسناده عن زيد بن نفيع قال: سألنا علياً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بأي شئ بعثت في ذي الحجة قال: بعثت بأربعة لا يدخل الکعبة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مؤمن وکافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ومن کان بينه و بين رسول الله (ص) عهد فعهده إلى مدَّته, ومن لم يکن فأجله أربعة أشهر، وروي أنَّه (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قام بتلاوة الآيات عند جمرة العقبة وقال : أيها النَّاس إني رسول رسول الله إليکم بأن لا يدخل البيت کافر ولا يحج البيت مشرک ولا يطوف بالبيت عريان ومن کان له عهد عند رسول الله (ص) فله عهده إلى أربعة أشهر ومن لا عهد فله مدَّة بقية الأشهر الحرم، وقرأ عليهم سورة براءة وقيل ثلاث عشرة آية من أولها.
هذا ما جاء في هذه الأسانيد وما قاله المفسرون ونقله الأخبار وهذا يدل على إنَّه لا يمکن أنْ يقوم مقام النبي أو ينوب عنه أحد من أمته وأصحابه مهما کانت منزلته ومهما عظم خطره إلا أخاه ووصيه وخليفته علياً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ولذﻟﻚ لما بعث النبي أبا بکر بالآيات إلى أهل مکة لم ير الله ذﻟﻚ لأبي بکر وأبى سبحانه وتعالى إلا أن يکون علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هو المبلّغ
ص: 94
آيات الله عن رسول الله (ص). فعلي هو الذي يبلغ عن رسول الله (ص) وهو الذي يقوم مقامه ويؤدي عنه ولا يمکن أن يکون غير علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) رسول رسول الله في عظائم الأمور وجليل الأعمال وکبير الأفعال وإدارة الأمة وتولي شؤونها وتنفيذ أحکام الله وأوامره ونواهيه لأن الله سبحانه لم يرض أن يتولي أبو بکر التبليغ عن رسوله عشر آيات من سورة براءة فاوحي إلى نبيه (ص) بأنَّه لا يبلغ عنک إلا أنت أو رجل من أهل بيتک،وفي رواية إلا أنت أو علي وأن يتولي ذﻟﻚ في حياته إشعاراً منه تعالى للمسلمين کافَّة بأنَّ علياً هو وليهم بعد رسول الله, وهو الذي يؤدي عنه ولا يؤدي عنه سواه إلا علي بن أبي طالب مظهراً بهذا البعث ما يجب أن يکون عليه أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من الولاية علي المسلمين بعد وفاة رسول الله (ص) ولکن القوم ترکوا ذﻟﻚ کله وتناسوه وعقدوا الخلافة ولما يقبروا نبيهم بعد على ما اشتهت أنفسهم تارکين جثُمَّانه الکريم في حجرة أم المؤمنين عائشة غير آبهين له ولا عابئين به إلى أن أحکموا أمرهم على غير ما أراد الله ورسوله في حق علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) متناسين ما عقده رسول الله (ص) من البيعة له في غدير خم کما جاء في الصحاح عن يوم الغدير.
لقد ذهبت ﺗﻠﻚ الأجيال وتبدل الزمان فينبغي على من له دين وإيمان أن ينظر إلى الأمور بعين الإنصاف وأن لا يعين مدجلي التأيخ على الباطل بتعصبه لغير الحق فانَّ الحق لا يغطي بالإعتداء عليه ولا يموت بمحاربة الظالمين.
بايعوه و بعده طلبو البيعة منه*** لله ريب الدهور
نقضوا العهد و الکتاب و ما جاء*** به و الوصي خلف الظهور
وفاة الإمام أبي جعفر مُحمَّد الباقر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
يصادف يوم السابع من ذي الحجة ذکرى وفاة الإمام مُحمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات عليهم أجمعين ، وکانت وفاته سنة خمس عشرة ومائة في ملک هشام بن عبد الملک, وقد جاء في الفصول المهمة إنَّه مات بالسمِّ, والذي دسَّ إليه
ص: 95
السم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملک، وله من العمر سبع وخمسون سنة ودفن في بقيع الغرقد، وکان مولده الشريف ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن الزکي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويين، ولقبه الباقر لقبه به رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) کما روي عن جابر بن عبد اللهالأنصاريt قال: قال لي رسول الله يوشک أن تبقي حتَّى تلقي ولداً لي من الحسين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يقال له مُحمَّد يبقر العلم بقراً فإذا لقيته فأقرأ مني السلام، وجاء في وفيات الأعيان للقاضي ابن خلکان أبو جعفر بن الإمام زين العابدين ويقال له مُحمَّد الباقر عالماً سيداً کريماً وقيل له الباقر لأنه تبقر في العلم أي توسع وفيه يقول القرطبي:
يا باقر العلم لأهل التقي
وخير من لبي على الأجبل
وقد أخذوا عنه العلم ومعالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين منهم جابر بن عبد الله الأنصاري وسعيد بن المسيب وعبد الله بن رافع وغيرهم ومن التابعين جابر بن يزيد الجعفي وعمرو بن دينار وعطا بن أبي رباح وکيسان صاحب الصوفية ومن الفقهاء ابن المبارک والزهري والأوزاعي ومالک بن أنس وزياد بن المنذر، وکتب عنه العلماء المغازي وأثروا عنه السنن واعتمدوا عليه في مناسک الحج التي رواها عن النبي (ص) وکتبوا عنه تفسير القرآن وروت عنه الخاصَّة و العامَّة الأخبار وناظر من کان يرد عليه من أهل الآراء وحفظ عنه النَّاس کثير من علم الکلام وصار بالفضل علماً لأهله تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار قال مالک بن أعين الجهني من قصيدة يمدحه بها:
إذا طلب النَّاس علم القرآن*** کانت قريش عليه عيالاً
وإن قيل أين أين بنت النبي*** تلقت يداه فروعاً طوالاً
نجوم تهلل للمدلجين*** جبال تورث علماً جبالاً
وعن ابن سعد في الطبقات کان مُحمَّد الباقر عالماً عابداً ثقة, روي عن الأئمة منهم أبو حنيفة وغيره، وسئل الباقر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال: >إذا حدثت
ص: 96
الحديث ولم أسنده فسندي فيه أبي عن جدي عن أبيه عند جده رسول الله (ص) عن جبرئيل عن الله تعالى<.
وممَّا جاء في تعظيم العلماء للإمام الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ورجوعهم إليه في أحکام الدين ما ورد عن عطاء المکي قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفرمُحمَّد بن علي بن الحسين, ولقد رأيت الحکم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه کأنه صبي بين يدي معلمه ، وکان جابر الجعفي إذا روى عنه شيئاً يقول حدثني وصي الأوصياء ووارث علوم الأنبياء مُحمَّد بن علي بن الحسين، ووفد عمرو بن عبيد على الإمام الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال له: جعلت فداک ما معني قوله تعالى: {وَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} ما هذا الفتق والرتق ؟ فقال له أبو جعفر (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >کانت السماء رتقاً لا تنزل المطر وکانت الأرض رتقاً لا تخرج النبات, ففتقناهما بنزول المطر وخروج النبات<،
فسکت ابن عبيد ولم يحر جواباً.
السکة الإسلامية:
وذکر إبراهيم بن مُحمَّد البيهقي في الجزء الثاني من کتابه المحاسن والمساوي بأن ملک الروم أرسل کتاباً إلى عبد الملک بن مروان يحذره من ضرب السکة باللغة العربية لأن التعامل کان بالنقود الفارسية, فجمع عبد الملک أهل الرأي من رجال دولته واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يستريح إليه فقال له روح بن زنباع: إنَّک لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر وتتعمد ترکه قال ويحک من ؟ قال له : الإمام مُحمَّد الباقر من أهل بيت النبي (ص) قال: صدقت ولکنه ارتج على الرأي فيه, فکتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى مُحمَّد بن علي بن الحسين مکرماً ومتعه بمائتي ألف لنفقته فلما وافاه الشام تقدم إليه بکتاب ملک الروم فقال له الإمام الباقر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): >لا يعظمن عليک فإنَّه ليس بشئ ولا يهولنک تهديده<، قال: وما ترى قال: >تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديک سککاً للدارهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد, وذکر
ص: 97
رسول الله (ص) أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار اسم البلد الذي يضرب فيها والسنة التي تضرب فيها، والوزن يعادل قيمة المضروب<.
ففعل عبد الملک ذﻟﻚ ، وأشار عليه الإمام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أن يتقدم إلى النَّاس في التعامل بها وأن يتهدد کل من يتعامل بغيرها من النقود الفارسية البغلية أو من النقود الرومية بالقصاص العاجل وينبغي استبدال هذه النقود الأجنبية بنقود عربية من دار ضرب النقود لکي تعاد إلى السکک الإسلامية وترد إلى مواضع العمل, وبعد أن عمل بذﻟﻚ عبد الملک ورد رسول ملک الروم إليه بکتاب يعلمه فيه بإبطال السکک الرومية التي قامت مقامها السکک العربية کما أشار الإمام (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
ولأنَّه ميمون النقيبة في حلِّ المعضلات فقد أنقذ الدولة الإسلامية من شرّ مستطير بسداد رأيه وحزمه وجعل التعامل بالنقود العربية الإسلامية وهذه النقود الذهبية التي ضربت في العهد الأموي رأينا منها کثيراً في العصر الحاضر متوجة بالشهادتين يعثر عليها المنقبون على الآثار القديمة في الدمن الدوارس.
وقال أبو عُثمَان الجاحظ في کتابه البيان والتبيين: جمع مُحمَّد علي الباقر صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في کلمتين فقال: صلاح شأن المعاش والتعاشر ملء مکيال ثلثان فطنة وثلث تغافل.
وإني وأيم الله لقد بسطت عزمي وأذکيت ذهني وقدحت زناد فکري ونشرته وطويته لا تصعد به إلى السماء واستبق عواصف الهواء للإحاطة بروحانية هذا الإمام الملهم المتدثر بالعلم والمتزمل بالفضل والمقيم على طاعة الله في سره وعلانيته العامل بما يرضي الله فعجزت معترفاً بالتقصير عن إدراک کنه أولياء الله من عباده الصالحين.
وروى المدائني قال: أتي إعرابي أبا جعفر مُحمَّد بن علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال له: هل رأيت الله حين عبدته، قال: >ما کنت لأعبد شيئاً لم أره<، قال فکيف رأيته، قال: >لم ترهالأبصار مشاهدة العيان ولکن رأته القلوب بحقائق الإيمان, لا يدرک بالحواس ولا يقاس بالنَّاس,
ص: 98
معروف بالآيات منعوت بالعلامات لا يجور في قضيته ، هو الله الذي لا إله إلا هو<، فقال الاعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وقالت حبابة الوالبية رأيت في وقت الأصيل في مکة المکرمة رجلاً وسيما جليلاً بالملتزم بين الباب وحجر إسماعيل على صعدة من الأرض قد حزم وسطه بعمامة خز، والغزالة على الجبال کالعمائم على قمم الرجال وقد صاعد کفه وطرفه إلى السماء يبتهل للإله العظيم بقلب خاشع ودمع هامع, فهلع فؤادي وأکبرته وأعتقدت أنَّه من أولياء الله المقربين, فلما انثال النَّاس عليه يستفتونه عن المعضلات ويستفتحون أبواب المشکلات فلم يرم أن أفتاهم في جميع مسائلهم ثُمَّ نهض يريد رحله وسمعت منادياً ينادي بصوت صهل: ألا إنَّ هذا النور ألا بلج والنسيم الأرج, فسألت عنه وآخرون قالوا من هذا فقيل هذا: الإمام مُحمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حينئذ علمت وعلم أهل الموسم إنَّه فرع من الشجرة المبارکة.
فالإمام أبو جعفر(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) دبَّ ودرج في حجور طابت وطهرت, وقد شبَّ واکتهل في مهبط الوحي والتن-زيل, وشاب بين القبر والمنبر على تقوى من الله ورضوان.
عاش مجاهداً لإحياء الدين وتأييد الشريعة وخدمة الإنسانية, ومذ دعاه ربه إليه فأجاب ملبياً إلى جواره في أعلى عليين، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
يا بني الزهراء و النور الذي*** ظّنّ موسی إنَّه نار قبس
صح عندي إنَّ من عاداکم*** إنَّهم آخر سطر من عبس
ميلاد الامام أبي الحسن علي الهادي: علیه السلام ولد الإمام الهادي علیه السلام علی المشهور فی الخامس عشر من ذي الحجة سنة 212 أو 214 في قرية صريا قرب المدينة المنورة کما ذکره الکليني في الکافي والمفيد في الإرشاد وابن
ص: 99
شهر آشوب في أعلام الوری وغيرهم(1) وما نقلنا في العدد الأول من کون ولادته في الثاني من رجب فعلی رواية الشيخ في المصباح عن ابن عياش إلا أنَّ الصحيح ما هو المشهور ورواية ابن عياش مضافاً لمخالفتها للمشهور ضعيفة.
ص: 100
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً}(1).
عاد النبي(ص) قافلاً من مکة بعد أنْ حَجَّ حجَّة الوداع، و الصحراء تبعث بوهجها إلى عنان السماء، والشمس تصب صيخودها ناراً على الرمضاء، ورضراض المعزاء، والقيظ يصطرع النّفوس، ويغتال الأرواح، والحر يذيب الجسوم، و السموم تغلي في مخارم البيداء، و الشعري تودق صهير اللواب المتموج على وجه الرمال الحمراء، والنَّاس في رکاب النبي (ص) يستبقون إلى ما يقيهم لفحات الهجير، أو يحميهم من حمارة القيظ
ص: 101
المبير، ولا يجدون کنا يستکنون فيه إلا الأغذاذ في المسير علهم يصيبون شاخصاً من خمر الصحراء، أو کناساً من کنس الظباء، وقد نشفت الأبدان من نزيف العرق، وعصبت الأفواه من نضوب الريق في الشفاه.
في هذه الهبوات المحرقة، کان النبي (ص) يعاني غشيان الوحي وتلقي الأمر بأنْ يصدع بأمر ربه، ويبلغ رسالته وإن لم يفعل في مثل هذه الساعة فما بلغ لأن عدم التبليغ معناه ترک البناء الذي شيده الإسلام عرضة للهدم ، والشرع الذي أقامه الدين وسيلة للتلاعب فتذهب الأتعاب سدى، ويکون الجهاد الذي احتدم عبثاً، ويأبى الله إلا أنْ يتم نوره ولو کره الکافرون. والنبي (ص) مشفق من هذا الأمر يحسب له أشدّ حساب، ولکن لله أمر هو بالغه، فليس للنبي (ص) إلا أنْ يؤدي عن ربه ما ندبه إليه، فکيف يصنع؟!
لم يدخر رسول الله (ص) وسعاً في تبليغ رسالات ربه، فقد ناضل وجاهر وأوذي بما لم يؤذ نبي مثله، معرضاً مهجته لحر السيوف وطعن الرماح ورشق النبال صادعاً بکتاب الله، مبلّغاً أحکام الله، حتَّى استقامت قناة الدين، وعمّ الإسلام ، ودانت به العرب، ولم يبق في الدين ما ينقصه، وفي الإسلام ما يحتاجه ، فکلّ شئ فيه من أمور الآخرة والدنيا قد بلغ الکمال . فبماذا يصدع، وبماذا يبلّغ بعد هذا کلّه ؟؟
لا شکَّ إنَّ هناک أمراً خطيراً لابدّ للإسلام، وللمسلمين منه ... وهو محافظة الإسلام، والسهر على کيانه وحياطته لأن النبي (ص) قد استوفي مدَّته ولابدّ أنْ يدعى إلى جوار ربه فيجيب فعلى من يترک دين الله؟ وإلى من يکل أموره من بعده؟ لأن الله سبحانه أنزل الدين وأراد حفظه، واستمراره إلى يوم القيامة لأنَّه خاتمة الأديان وناسخ جميع الديانات، وليس بعده من دين ، فهو دين الله الخالد بخلود الدهر .
لهذا فلم يکن بد من أنْ يقيم النبي(ص) خليفة من بعده يضطلع بأعباء الإمامة وموجبات الخلافة, يعمل بکتاب الله وسنّة رسوله، يضع الأمور في مواضعها، معصوماً من الخطأ والزلل, عالماً بأسرار التشريع، عارفاً بالقرآن من النَّاسخ والمنسوخ والمحکموالمتشابه والعام والخاص، والمقيد والمطلق والظاهر والباطن، قوياً في ذات الله, لا يرقى
ص: 102
إليه الشکّ، ولا تأخذه في الله لومة لائم، شريفاً في نفسه، وشريفاً في حسبه ونسبه، لا يعتوره الوهن، ولا يستوحي أعماله من الهوى والظنّ ولا يؤدي أفعاله بالمغريات والمؤثرات، و لا تنفر به المنغصات، و لا تستدرجه المرغبات، و لا تؤتر فيه الدنيا بزخارفها، و لا تستحوذ عليه باطلها، و لا تعمل فيه بغرورها، قريباً من الله ورسوله ممحصة أعماله، مأثورة أفعاله محمود جهاده، مرضي هديه وإرشاده، والنبي (ص) هو الزعيم بأنْ يبلّغ في تعيين هذا الخليفة ويسند إليه الولاية، والأفواه فاغرة، والنفوس طامعة، والنفاق شائع في بعض الصدور ، وبعض الأفئدة مضطغنة، والإيمان لمَّا ترسخ قواعده وتشج وشائجه، فضاق النبي (ص) بالأمر ذرعاً حتَّى أراد الله له ما لابدّ منه، ورغب إليه في التبلِّيغ بما لا مرد له، وعرفه المنصوص عليه، و المرغوب فيه عنده، فصدع بالأمر، وأدى الرسالة.
لو لم يکن الأمر عظيماً والخطيب جسيماً لما وقف النبي (ص) في (خم) هذا الموقف، والنَّاس يصارعون هول الطبيعة في شدّة حرارتها، بل لو لم يکن الأمر کذﻟﻚ لترکه في ساعة العسرة إلى حين اليسر ريثَمَا يستجم النَّاس الراحة، ويستشعروا الدَّعة، وتطيب نفوسهم بالعودة، و لکن الأمر أعظم من أنْ يتفرق النَّاس وهم لا يعلمون إمامهم، ولا يعرفون خليفتهم، فأوحي الله إلى نبيه (ص) بأنْ يقوم فيهم فيعقد الولاية عليهم قبل تفرقهم، وهکذا کان ... إذ الفى زمام راحلته، وأمر بالاجتماع إليه تحت وهج الشمس المحرق، وتوهج اضطرام الرمضاء لُيبلّغ ما أنْزل إليه من ربه، وإنْ لم يفعل فما بلَّغ رسالته والله يعصمه من النَّاس، قال تعالى: {يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
وما إنْ نادى المنادي بالاجتماع حتَّى عاد الفارط، ولحق المتأخر، واجتمع إلى النبي (ص) النَّاس في(غدير خم) وکانوا يربون على سبعين ألفا, فوضعوا له أحداج الإبل منبراً،ووضعوا ثيابهم تحت أرجلهم اتقاء الرمضاء واستغشوا أرديتهم من ودق حميم الضياء ليستمعوا إلى ما يتلي عليهم من رسول الله (ص).
ص: 103
وما هي إلا هنيهة ريثَمَا استعد الجمع، وارهفوا السمع، وإذا بالنبي (ص) يأخذ بعضد علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ويدلف به إلى منصة الأحداج ثُمَّ يصعد به معه عليها ويرفع يده بيده حتَّى بانَ للناظرين بياض أبطيهما وقال:
خطبة النبي (ص) في غدير خم(1):
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوکل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى, و أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله ...
أما بعد أيُّها النَّاس فانَّه لم يکن لنبي من العمر إلا نصف ما عمر من قبله, وإنَّ عيسي بن مريم لبث في قومه أربعين سنة, وإني قد اشرعت في العشرين، ألا وإني يوشک أنْ أفارقکم وإني مسؤول وأنْتم مسؤولون ، فهل بلغتکم فماذا أنْتم قائلون؟
فقام منْ کلِّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنَّک عبد الله ورسوله, قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت بأمره, وعبدته حتَّى أتاک اليقين جزاک الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
فقال: ألستم تشهدون أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريک له، وأنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله ، وأنَّ الجنَّة حقّ والنَّار حقّ، وتؤمنون بالکتاب کلّه؟
قالوا : بلي ... قال: أشهد أنْ قد صدقتم، وصدقتموني، ألا وإني فرطکم، وإنّکم تبعي، توشکون أنْ تردوا على الحوض فاسألکم حين تلقوني عن ثقلي کيف خلفتموني فيهما؟ قالوا : فاعتل علينا ما ندري ما نقول الآن حتَّى قام رجل من المهاجرين فقال: بأبي وأمي يانبي الله ما الثقلان؟ قال : الأکبر منها کتاب الله, سبب بيد الله تعالى وطرفه بأيديکم فتمسکوا به ولا تتولوا ولا تضلوا، والأصغر منهما عترتي, من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي فلا تقتلوهم، ولا تقهروهم، وتقصروا عنهم، فإني قد سألت لهما اللطيف الخبير فأعطاني,
ص: 104
ناصرهما لي ناصر، وخاذلهما لي خاذل، ووليهما لي ولي، وعدوهما لي عدو، إلا فإنها لم تهلک أمة قبلکم حتَّى تدين بأهوائها وتظاهر على نبوتها, وتقتل من قام بالقسط منها.
ثُمَّ أخذ بيد علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فرفعها وقال: من کنت وليه فهذا وليه ... اللَّهُم وال من والاه، وعاد من عاداه, قالها ثلاثا .... إلى آخر الخطبة.
وجاء في کفاية الطالب لفقيه الحرمين الکنجي الشافعي المتوفي سنة 658، في صفحة 15و 16و 17 جمع الدارقطني الحافظ طرقه (أي طرق حديث الغدير) في جزء، وجمع الحافظ بن عقده الکوفي کتاباً مفرداً فيه ورووا أهل السير والتواريخ قصة غدير خم, وذکره محدث الشام في کتابه بطرق شتي عن غير واحد من الصحابة والتابعين، ثُمَّ ذکر سنداً طويلاً رفعه إلى سعيد بن المسيب قال: قلت لسعد بن أبي وقاص إني أريد أنْ أسألک عن شئ وإني اتقيک، قال: سل عمَّا بدا لک فإنما أنا ابن عمک، قال: قلت قام رسول الله (ص) فيکم يوم الغدير قال: نعم , قام فينا بالظهيرة فأخذ بيد علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال من کنت مولا فعلي مولاه اللَّهُم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره، قال أبوبکر و عمر أمسيت يا ابن أبي طالب مولي کلّ مؤمن ومؤمنة.
وحديث الغدير رواه علماء أهل السنة بطرق متواترة وأسانيد متظافرة تربو على مائة طريق واتفقوا على صحته غير أنَّهم أولوه بتأويلات يبطلها الذوق العربي والوجدان الصحيح، قال ابن کثير الشامي الشافعي في تاريخه عند ذکر أحوال مُحمد بن جرير الطبري الشافعي قال : إني رأيت کتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، ونقل عن أبي المعالي الجويني إنَّه کان يتعجب ويقول شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مکتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق من کنت مولاه فعلي مولاه ويتلوه المجلد التاسع والعشرون، وممَّن رواه أحمد في مسنده ج1 فيمسند علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ص119، و ج4 ص370 و 372 و 381، و المولي علي المتقي في کنز العمال ج6 ص390 و 397 و 403 و 407، والحاکم في المستدرک ج3 ص109، والنسائي في الخصائص ص15و 18 والسيوطي في الدر المنثور ج2 ص259.
ص: 105
وفي تاريخ الخلفاء له 65، وابن عبد البر في الاستيعاب ج2 ص473 في ترجمة علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ), وابن حجر في الصواعق المحرقة ص25 والشبلنجي في نور الأبصار ص69.
وقد جمع العلامة المعاصر الشيخ عبد الحسين الأميني أسماء الذين ألفوا في الغدير وذکرهم في مقدمة کتابه (شعراء الغدير) الذي تناول فيه شعراء القرون الإسلامية قرناً بعد قرن والکتاب ينوف على ألفي صفحة.
الغدير في القرآن:
قال تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس}(1).
وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(2).
وقال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ}(3).
وقد دلنا الکثير من علماء التفسير بما ثبت لديهم من الأحاديث الحاکية لقصة يوم الغدير على المراد منها وإنَّها نزلت بخصوص ذﻟﻚ الشأن, فهذا الواحدي يقول في کتابه(أسباب النزول) ص150 : إن هذه الآية {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ...} نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وهذا السيوطي في (الدر المنثور) ص298 من الجزء الثاني عن أبي سعيد الخدري إنَّ الآية نزلت على رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب((عَلَيْهِ السَّلاَمُ)).
وقال الرازي في تفسيره الکبير ج3 ص636.
ص: 106
ذکر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوهاً إلى أنْ قال : (العاشر) نزلت هذه الآية في فضل علي بن أبي طالب علیه السلام , ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال >من کنت مولاه فعلي مولا, اللَّهُم وال من والاه, وعاد من عاداه< فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئاً لک يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولي کلّ مؤمن ومؤمنة, وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . وقال النيسابوري في ج6 من تفسيره المطبوع بهامش ابن جرير ص194 إنَّ هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وکرم الله وجهه يوم (غدير خم) وذکر ما ذکره الرازي حرفاً بحرف.
وقال الآلوسي في تفسيره ج6 ص172. عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: نزلت هذه الآية في علي کرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أنْ يخبر النَّاس بولايته فتخوف رسول الله (ص) أنْ يقولوا حابى ابن عمه وأنْ يطعنوا في ذﻟﻚ عليه فاوحی الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم (غدير خم) وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام >من کنت مولاه فعلي مولاه, اللَّهُم وال من والاه, و عاد من عاداه< وذکر ما ذکره السيوطي في (الدر المنثور) إلى آخره.
وفي الجزء 6 من تفسير المنار المنسوب إلى الشيخ مُحمَّد عبده ص463 إنَّها نزلت يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ذکره عن ابن أبي حاتم وابن مردويهوابن عساکر ثُمَّ ذکر رواية ابن عباس وإنَّ الآية الشريفة نزلت عليه (ص) في (غدير خم) کما ذکرها الآلوسي.
أما آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... } .
ص: 107
ففي الجزء الثاني من الدر المنثور ص259 من طريق ابن مردويه وابن عساکر إلى أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) علياً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يوم (غدير خم) فنادى له بالولاية, هبط جبرئيل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .
ومن طريقهما وطريق الخطيب إلى أبي هريرة قال: لما کان يوم (غدير خم) وهو يوم ثمَاني عشر من ذي الحجَّة قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) : >من کنت مولاه فعلي مولاه< فأنزل الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} .
وفي الباب الثاني عشر من فرائد السمطين للحمويني بسنده المتصل بأبي سعيد إنَّ رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) دعا النَّاس يوم (غدير خم) إلى علي علیه السلام فأخذ باصبعه فرفعها حتَّى نظر النَّاس إلى بياض إبطي رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) ثُمَّ لم يتفرقوا حتَّى نزلت هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...} فقال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) الله أکبر على إکمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الربّ برسالتي والولاية لعلي ((عَلَيْهِ السَّلاَمُ)) من بعدي, ثُمَّ قال: >من کنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, وأخذل من خذله< .
وفي الجزء الثاني من تاريخ اليعقوبي ص32.
وقد قيل إنَّ آخر ما نزل عليه (ص): {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} , وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة وکان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) (بغدير خم).وهکذا ذکروا في شأن (آية المعارج) وإنَّها نزلت بحق علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ففي ص75 من كتاب نور الأبصار قال: ونقل الإمام الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينة سئل عن قول الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فيمن نزلت فقال للسائل: (لقد سألتني عن مسئلة ما سألني عنها أحد قبلک, حدثني جعفر بن مُحمَّد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن آبائه (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) إنَّ رسول الله(ص) لمَّا کان (بغدير خم) نادى النَّاس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فقال: >من کنت مولاه فعلي مولاه< فشاع ذﻟﻚ في أقطار البلاد, وبلغ ذﻟﻚ الحارث بن النعمان الفهري, فأتي رسول الله (ص) على ناقته فأناخ راحلته ونزل عنها, وقال: يا مُحمَّد أمرتنا عن الله أنْ نشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّک رسول الله فقبلناه منک, وأمرتنا أنْ نصلي خمساً فقبلناه منک, وأمرتنا بالزکاة فقبلناه, وأمرتنا أنْ نصوم رمضان فقبلناه, وأمرتنا بالحجِّ فقبلناه, ثُمَّ لم ترض بهذا حتَّى رفعت بضبعي ابن عمک تفضله علينا فقلت: (من کنت مولاه فعلي
ص: 108
مولاه) فهذا شئ منک أم من الله؟ فقال النبي (ص): >والله الذي لا إله إلا هو, إنَّ هذا من الله عزَّوجل< فولّی الحارث يريد راحلته وهو يقول: (اللَّهُم إنْ کان يقول مُحمَّد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب اليم) فما وصل إلى راحلته حتَّى رماه الله بحجر سقط على هامته ... , فأنزل الله عزَّوجل هذه الآية: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} .
وفي الباب الخامس عشر من فرائد السمطين بسنده عن الإمام أبي الحسن الواحدي قال: قرأت على شيخنا الأُستاذ أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره إنَّ سفيان بن عيينه سئل عن قول الله عزَّوجل إلى آخر ما ذکره في نور الابصار.
وحکاه ابن الصباغ المالکي في فصوله المهمة ص27- 26 (قال رسول الله (ص) وقد أحمرت عيناه والله الذي لا إله إلا هو, إنَّه من الله وليس مني قالها ثلاثاً إلى آخر الحديث) .وقال أبو السعود في تفسيره المطبوع بهامش تفسير الفخر ج 8 ص292. وقيل هو الحارث بن النعمان الفهري وذﻟﻚ إنَّه لمَّا بلغه قول رسول الله (ص) في علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) (من کنت مولاه فعلي مولاه ...).
وفي الجزء الثاني ص209 من نزهة المجالس للصفوري.
قال رأيت في تفسير القرطبي في سورة ( سأل ) لمَّا قال النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) >من کنت مولاه فعلي مولاه< قال النضر بن الحارث لرسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ): (أمرتنا بالشهادتين عن الله فقبلنا منک, وأمرتنا بالصلاة والزکاة ثُمَّ لم ترض حتَّى فضلت علينا ابن عمک (الله) أمرک بهذا أم من عندک) فقال: >والله الذي لا إله إلا هو إنَّه من عند الله ... <.
وهل بعد التدبر بسبب نزول ﺗﻠﻚ الآيات والإحاطة بمن اعتمد على تفسيرها بذﻟﻚ الشأن يتسع المجال لقائل أو يصدق التشکيک لمتوهم أنْ يقول (والشيعة) روت نزولها في علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)! وهل يصح ذﻟﻚ من مثل الآلوسي في موضع آخر من تفسيره الذي تابعه فيه الشيخ مُحمَّد عبده أنْ يقول: بأنَّ الشيعة روت ذﻟﻚ في علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من غير حجَّة تقضي
ص: 109
باختصاص الرواية فيهم, وبان ينسبها إليهم وحدهم وکيف بعد أنْ اعتمدها وخرجها مثل الخطيب البغدادي والسيوطي والحمويني وکثير غيرهم تسوغ نسبة اختصاص الرواية فيهم مع إنَّ الآلوسي نفسه روى عن ابن عباس وغيره إنَّها في علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وروى ذﻟﻚ الشيخ مُحمَّد عبده کما مر على القارئ وذﻟﻚ ما يؤکد بأنَّها في علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يوم (غدير خم) وإنَّه لم تروه الشيعة فقط نعم, يوشک أنْ يکون وهماً أو غفلة.
إذاً فلا شکَّ ولا ريب في نزول هذه الآيات بشأن علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في (غدير خم) من هذه الطرق التي لا تتصل بالشيعة وکفى بها دليلاً وبرهاناً على ولايته التي بها رضى الربّ وکمل الدين, وحسبک ما خرجه أئمة الحديث وأصحاب السنن وما ذکره أربابالتاريخ ودونه أهل السير, فهم بين من خرج نص حديث (يوم الغدير) بطرقه المعتبرة وبين من أرسله إرسالاً فحذف منه سنده إختصاراً أو إشتهاراً.
وقصاري القول إنَّ حديث الغدير, حديث متواتر مجمع عليه عند الفريقين بأسانيده الصحاح المعتبرة التي لا شکَّ فيها ولا ريب, ولا ينکر حديث الغدير إلا مکابر معاند لا برهان له في إنکاره ونکرانه, بعد ما رأيت ما ذکرناه وهو غيض من فيض, ولو أردنا استقصاء الکلام في الغدير لاحتجنا إلى مجلد بل مجلدات ضخام.
وکيف يخفي نور الشمس رائعة النهار أو تحجب بالغربال ولکن العناد والتعصب على الحقّ للباطل ينکر الوجود ويحيله إلى العدم, والبغض يعمي ويصم. أعاذنا الله من کتمان الحقّ وجنبنا طريق الضالين.
ص: 110
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
قال تعالى: {فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(1).
في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجَّة (السنة العاشرة من الهجرة على بعض الروايات) جرت المباهلة بين النبي(ص) بين نصارى نجران في البقيع في المدينة المنورة.
وفي هذا اليوم أشرق نور النبي وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين إشراقة أخرى مضافة إلى الإشراقات الکثيرة التي غمرت العالم أجمع، وظهر في هذا اليوم العظيم فضل أمير المؤمنين مولانا علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ظهوراً جديداً آخراً مضافا إلى فضائله التي لا تحصى، إذ کان بنصِّ القرآن الکريم نفس النبي (ص) بعد أنْ کان أخاه وابن عمه وزوج ابنته وأبا
ص: 111
سبطيه وقاضي دينه، وخليفته ووصيه من بعده، وحامل لوائه وأول القوم إسلاماً، وأرسخهم إيماناً، وأعظمهم جهاداً وأشدّهم في ذات الله, وأظهرهم شجاعة وأحدهم مضاء وأسناهم مقاماً وأقربهم إلى الله ورسوله.
فجاءت المباهلة فألبسته تاجاً جديداً وضاء فوق تيجانه النيرة, وزادت في نوره زيادة أعشت عيون أعدائه وأنارت سبيل أوليائه.
وننقل هنا خلاصة حديث المباهلة على ما روته کتب الحديث فقد جاء إنَّ أبا الحارث بن علقمة أسقف نجران دعا شرحبيل وکان خازن أسراره وموضع مشورته وقال: يا شرحبيل جاءني اليوم کتاب من مُحمَّد بن عبدالله راعني وأفزعني فهو يدعوني فيه إلى دين يسميه الإسلام ويخيرني بين الجزية والحرب ولا أکتمک, إنَّي دهشت ممَّا يعد وذعرت ممَّا يتوعد, فاقتدح زناد فکرک وأشر عليَّ بما عندک فقد ضقت ذرعاً.
قال شرحبيل: لو کان الأمر من أمور الدنيا لرجوت أنْ يکون لي رأي حازم أقوله على إنني علمت ما وعد الله به من النبوة في ذرية إسماعيل فما أدري أنْ يکون هو ذاک.
فصار علقمة يدعو واحداً بعد واحد, حتَّى دعا اثنين أخرين يسألهما الرأي ولا يجد عندهما عناء على ما قال شرحبيل, ولذﻟﻚ أمر بالنواقيس أنْ تدق وبالمسوح أنْ تعلق بالصوامع إيذانا بالدعوة کما کانوا يفعلون في مهام الأمور في ذﻟﻚ العهد, فاجتمع نصارى نجران وقام الأسقف وأخبرهم بکتاب النبي (ص) فتشاوروا فيما بينهم, فقر رأيهم أنْ يذهب وفد منهم إلى النبي (ص) يستطلع رأيه ويحاجه ويجادله, وتألف الوفد بزعامة شرحبيل ثُمَّ تبعهم الأسقف نفسه, وکان الوفد مؤلفاً من أربعة عشر رجلاً فوصلوا المدينة واستأذنوا على رسول الله (ص) فقال شرحبيل: قد علمت إنا نصارى ويسرنا أنْ تکون نبياً فما تقول في عيسي؟ قال: أقول {إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقّ مِن رَبّكَ فَلاَ تَكُن مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .
ص: 112
ثُمَّ أعلمهم إنَّه قد جاء الفصل في أمر عيسی (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من عند الله، فإنْ لم يذعنوا فالمباهلة هي حکم الله القاطع, فقالوا: (دعنا نفکر ثُمَّ نفضي إليک برأينا غداة غد).
وفي اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجَّة أتى رسول الله (ص) آخذاً بيد الحسن والحسين تتبعهما فاطمة وعلي بين يديه عليهم الصلاة والسلام, فلمَّا رآهم شرحبيل رجع إلى الوفد وقال: (لقد رأيت نور النبوة ينبثق من شمائل مُحمَّد والحقّ يفيض من قوله, والآن رأيت معه وجوهاً من أهله لو سأل الله بها أنْ يزيل الجبال لأزالها, والرأي أنْ لا نباهله لئلا تهلکوا، والصلح معه خير). فاحجموا عن المباهلة وشرط عليهم النبي (ص) ألفي حلّة تؤدي في صفر ورجب على أنْ يظلّ کلّ ما بأيديهم لهم، ولهم بعد ذﻟﻚ جوار الله ورسوله غير مبتلين بظلم ولا ظالم ما اصلحوا ونصحوا, فرأوه حکماً عدلاً فرجعوا إلى قومهم يحمدون. وقد شهد المباهلة سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري.
وجاء في الکشاف للزمخشري لمَّا جاء نصارى نجران وتکلم معهم للمباهلة قالوا حتَّى نرجع وننظر، وقالوا للعاقب وکان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم إنَّ مُحمَّداً نبي مرسل, لقد جاءکم بالفصل من أمر صاحبکم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش کبيرهم, ولا نبت صغيرهم, ولئن فعلتم لتهلکن، وإنْ أبيتم إلا ألف دينکم وإلاقامة عليه, فوادعوا الرجل وانصرفوا إلی بلادکم, فاتوا رسول الله وقد غدا محتضنا الحسن وآخذاً بيد الحسين و فاطمة و علي خلفه وهو يقول: >إذا دعوت فأمنوا< . فقال الأسقف: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزل جبلاً من مکانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلکوا. وقالوا: يا أبا القاسم رأينا أنْ لا نباهلک, وأنْ نقرک على دينک ونثبت على ديننا.
فقال لهم: >إذا أبيتم المباهلة, يکنْ لکم ما للمسلمين وعليکم ما عليهم< فابوا.
قال: >إني أناجزکم< . قالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، لکننا نصالحک على أنْ لا تغزونا ولا تخيفنا، ولا تردنا عن ديننا على أنْ نؤدي لک کلّ عام ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد, فصالحهم على ذﻟﻚ وأعطاهم الأمان.
ص: 113
وفي صحيح مسلم قالت عائشة: (خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود, فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثُمَّ جاء الحسين فأدخله, ثُمَّ جاءت فاطمة فأدخلها, ثُمَّ جاء علي بن أبي طالب فأدخله معهم, ثُمَّ نزلت الآية الکريمة الباهرة {إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} ).
وقال الزمخشري في کشافه: ( إنَّ إقدام النبي (ص) على المباهلة أکد في الدلالة على ثقته بنفسه واستيقانه بصدقه, حيث استجرأ على تقديم أعزته وأفلاذ کبده وأحب النَّاس إليه کذﻟﻚ ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بکذب خصمه مع أحبته وأعزته هلاک الاستئصال إنْ تمت المباهلة، وخصَّ الأبناء و النساء لأنهم أعز الأهل والصقهم بالقلوب, وربَّما فداهم الرجل بمهجته وحارب دونهم حتَّى يقتل, وقدمهم في الذکر على الأنفس لينبه على لطف مکانهم وقرب منزلتهم, وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها, وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أهل الکساء (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) وعلى صحة نبوته صلوات الله عليه) .
وروي إنَّ رسول الله قال: >والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير, ولاضطرام عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتَّى الطير على الشجر< .
وقد أخرج حديث المباهلة ابن حجر في الصواعق صفحة 72 عن مسلم في صحيحه, ونقله جماعة من حفاظهم في تفاسيرهم: منهم البيضاوي صفحة 22 ج2 وابن جرير ص192 ج3 والخازن ص302 ج1 والنيشابوري ص 206 ج3 من تفسيره بهامش الجزء الثالث من تفسير ابن جرير والعسقلاني في الإصابة ص271 ج4 ومنهم البغوي ص302 من تفسيره بهامش الجزء الأول من تفسير الخازن، والسيوطي في الدر المنثور ص39 ج2، وحسبکها برهاناً قالعاً لمزاعم الجاهلين, ودليلاً قاطعاً لإرجاف المرجفين على أفضلية علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) من جميع النَّاس إلاخاتم النبيين مُحمَّد (ص) وذﻟﻚ فإنَّ المراد من قوله تعالى وأنفسنا نفس علي بلا شکّ على ما رواه جابر في المتفق عليه ولأن الشخص لا يدعونفسه حقيقة کما لا يأمر حقيقة ولما بطل هذا تعين أنَّ المدعو غيره, وقد ثبت بإجماع المسلمين إنَّ
ص: 114
ذﻟﻚ الغير هو أمير المؤمنين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وبالطبيعة لا يمکن أنْ يراد إنَّ هذه النفس هي عين ﺗﻠﻚ النفس, لأنها ليس هي هي, بل هي غيرها قطعاً ولمَّا بطل هذا تعين أنْ يکون المراد إنَّ هذه النفس مثل ﺗﻠﻚ النفس وذﻟﻚ يقتضي المشارکة والمساواة للنبي (ص) في جميع ما هو له, ولمَّا ثبت بالدلائل القطعية إنَّ مُحمَّداً (ص) کان نبياً وکان أفضل من علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ترکنا العمل بعموم المنزلة بالنسبة إليه فيما خاصَّة وبقى ما عدا ذﻟﻚ معمولاً به ومن ذﻟﻚ ما ثبت بإجماع المسلمين إنَّ مُحمَّد (ص) کان أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين فيجب أنْ يکون علي أفضل جميع الخلق بعد رسول الله (ص) نزولاً على حکم ذﻟﻚ, کما إنَّ فيها من الدلالة على المطلوب من وجوه منها: إنَّ النبي (ص) کان معصوماً ومثله علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يکون معصوماً, والمعصوم أتقي وأحق بالإمامة لقومه لقوله تعالى: {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ} ومنها إنَّ النبي (ص) کان أتقي ومثله علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ), ومنها إنَّ النبي (ص) کان واجب الطاعة والإتباع مطلقاً, ومنها إنَّ النبي (ص) کان أفضل من جميع الصحابة ومثله علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) والأفضل أحق بالإمامة بل لا تصح لغيره, ومنها إنَّ النبي (ص) کان إماماً وهادياً ومثله علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يکون إماماً وهادياً, وإذا کان قد ثبت إنَّه أفضل من جميع الأنبياء بنصّ هذه الآية, فکيف لا يکون أفضل من جميع الصحابة, بل وکيف لا يکون إمام هذه الأمة بعد نبيها, وفي کتاب الله آيات ما فيها عبرة لقوم يؤمنون.
ص: 115
علي والسائل في الصلاة وهو راکع:
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
ص: 116
قال تعالى: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(1).
هذه آية الولاية التي نزلت في(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عندما تصدق علي السائل بخاتمه , وکان ذﻟﻚ في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام (من السنة العاشرة، على ما يروى) ، قد روى الجمهور نزولها في علي(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وهو مذکور في الصحاح، والدر المنثور في الجزء الثاني ص293 في تفسير هذه الآية في سورة المائدة، وأخرجه صاحب منتخب ﻛﻨﺰ العمال الموضوع بهامش المسند ج5 ص38، والطبري في الرياض النضره ص206 ج2 وابن الصباغ في الفصول المهمة ص123 وابن حجر في صواعقه ص24 , والفخر الرازي في تفسيره الکبير ج3 ص413 , وابن جرير في تفسيره ج6 ص165، البيضاوي في تفسيره ج2 ص165، والزمخشري في تفسيره ج1 ص264، والبغوي في تفسيره بهامش الجزء الثاني من تفسير الخازن ج1 ص55 , وابن کثير ج1 ص71 , وابن حيان في تفسيره الکبير ج3 ص513 , ومُحمَّد عبده في تفسيره الذي عزاه إليه السيد مُحمَّد رشيد رضا صاحب المنار ج6, ص442 ، وغير هؤلاء من فحول أعلام السنة.
وأما سبب ﺍﻟﻨﺰول على ما رواه الحاکم أبو القاسم الحسکاني (رحمة الله علیه) قال: حدثنا أبو الحسن مُحمَّد بن القاسم الفقيه الصيدلاني قال: أﺧﺒﺮنا أبو مُحمَّد عبد الله ابن مُحمَّد الشعراني قال: حدثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني قال: حدثني المظفر بن الحسين الأنصاري قال: حدثنا السدي بن علي الوراق قال: حدثنا يحي بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش بن غيابة بن ربعي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (ص) إذ أقبل رجل متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله إلا قال الرجل قال رسول الله, فقال ابن عباس: سألتک بالله منأنت؟ فکشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها النَّاس من عرفني قد عرفني و من لم يعرفني
ص: 117
فأنا أعرفه بنفسي أنا جندب بن جنادة البدري أبوذر الغفاري سمعت رسول الله (ص) بهاتين وإلا عميتا يقول: >علي قائد البررة, وقاتل الکفرة, ومنصور من نصره, ومخذول من خذله< أما إني صليت مع رسول الله (ص) يوماً من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللَّهُم أشهد إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وکان علي راکعاً فأوما بخنصره اليمني إليه وکان يتختم فيها, فأقبل السائل حتَّى أخذ الخاتم من خنصره وذﻟﻚ بعين رسول الله (ص) فلمَّا فرغ النبي (ص) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: >اللَّهُم إنَّ أخي موسى سألک فقال: رب اشرح صدري, ويسر لي أمري, واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي, واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشرکه في أمري، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدک بأخيک ونجعل لکما سلطاناً فلا يصلون إليکما، اللَّهُم وأنا مُحمَّد نبيک وصفيک, اللَّهُم فاشرح لي صدري, ويسر لي أمري, واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري< قال أبوذر فوالله ما استتم رسول الله الکلمة حتَّى نزل عليه جبرئيل من عند الله فقال: يا مُحمَّد اقرأ قال: وما أقرأ قال: اقرأ: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَة ...} الآية، وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الإسناد بعينه وروى أبوبکر الرازي في کتاب أحکام القرآن على ما حکاه المغربي عنه, والرماني والطبري إنَّها نزلت في علي علیه السلام حين تصدق بخاتمه وهو راکع وهو قول مجاهد والسدي.
وهذا الآية من أوضح الدلائل على إمامة علي علیه السلام بعد النبي (ص) بلا فصل, والوجه فيه إنَّه إذا أثبت إنَّ لفظة (وليکم) تفيد من هو أولى بتدبير أمورکم وتجب طاعته عليکم، وثبت إنَّ المراد بالذين آمنوا (علي عليه السلام) ثبت النص عليه بالإمامة ووضح، والذي يدل عليه هو الرجوع إلى اللغة, فمن تأملها علم أنَّ القوم نصوا على ذﻟﻚ ، حيث قالوا:الولي هو الذي يلي تدبير الأمر, يقال فلان ولي المرأة إذا کان يملک تدبيرها نکاحاً ,
ص: 118
وولي الدم من کان إليه المطالبة بالقود، والسلطان ولي أمر الرعية, ويقال لمن يرشحه لخلافته عليهم بعده ولي عهد المسلمين، قال الکميت يمدح عليا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).
ونعم ولي الأمر بعد وليه
ومنتجع التقوي ونعم المؤدب
وإنَّما أراد ولي الأمر والقائم بتدبيره قال المبرد في کتاب العبارة عن صفات الله: أصل الولي الذي هو أولى أي أحق, ومثله المولى.
ثُمَّ الذي يدل على إنَّها في الآية تفيد ذﻟﻚ دون غيره إنَّ لفظة (إنَّما) تقتضي التخصيص ونفي الحکم عمَّن عدا المذکور کما يقولون إنَّما الفصاحة الجاهلية يعنون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة الولي على الموالاة في الدين والمحبة لأنَّه لا تخصيص في هذا المعني لمؤمن دون مؤمن آخر, والمؤمنون کلّهم مشترکون في هذا المعني کما قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ} ، وإذا لم يجز حمله على ذﻟﻚ لم يبق إلا الوجه الآخر وهو التحقق بالأمور وما يقتضي فرض الطاعة على الجمهور لأنَّه لا محتمل للفظه إلا الوجهان فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر، الذي يدل على إنَّ المعني (بالذين آمنوا) هو علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) للرواية الواردة من طريق العامَّة الخاصَّة ﺑﻨﺰول الآية فيه, لمَّا تصدق بخاتمه في حال الرکوع, وقد تقدم ذکرها وأيضاً فإنَّ کلّ من قال أنَّ المراد بلفظة وليّ ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة ذهب إلى إنَّه هو المقصود بالآية والمتفرد بمعناهما، ولا أحد من الأمة يذهب إلى إنَّ هذه اللفظة تقتضي ما ذکرنا ويذهب إلى إنَّ المعني بها سواه وليس لأحد أنْ يقول إنَّ لفظ : {وَالّذِينَ آمَنُوا} لفظ جمع فلا يجوز أنْ يتوجه إليه على الإنفراد وذﻟﻚ إنَّ أهل اللغة قد يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم وذﻟﻚ أشهر في کلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه وليس لهم أنْ يقولوا إنَّ المراد بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} إنَّ هذه شميمتهم وعادتهم ولا يکون حالاً لإيتاء الزکاة, وذﻟﻚ لأن قوله يقيمون الصلاة قد دخل فيه الرکوع فلو لميحمل قوله وهم راکعون على إنَّه حال من يؤتون الزکاة وحملناه على من صنعهم الرکوع کان ذﻟﻚ کالتکرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لايفيد.
ص: 119
ووجه آخر في الدلالة على إنَّ الولاية في الآية مختصة إنَّه سبحانه قال: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ} فخاطب جميع المؤمنين ودخل في الخطاب النبي (ص) وغيره ثُمَّ قال: {وَرَسُولُهُ} فأخرج النبي (ص) من جملتهم لکونهم منساقين إلى ولايته ثُمَّ قال: {وَالّذِينَ آمَنُوا} فوجب أنْ يکون الذين خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أنْ يکون المضاف هو المضاف إليه بعينه وإلى أنْ يکون کلّ واحد من المؤمنين ولي نفسه وذﻟﻚ محال واستيفاء الکلام في هذا الباب يطول فمن أراده فليطلبه من مظانه.
واستدل أهل العلم بهذه الآية على إنَّ العمل القليل لا يقطع الصلاة وإنْ دفع الزکاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزکاة.
ولمَّا لم يکن من الأحکام الشرعية إتيان الزکاة في حال الرکوع تعين أنْ تکون الآية في حادثة واقعة لا بيان حکم شرعي، وليست ﺗﻠﻚ الحادثة غير إتيان علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) الزکاة في الرکوع بإجماع الأمة.
ص: 120
علي والمسکين واليتيم والأسير:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
قال تعالى: {إِنّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً * ويُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورا}(1) .يصادف اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام اليوم الذي قام فيه أهل البيت النبوي الطاهر صلوات الله عليهم بوفاء نذرهم, وذﻟﻚ على ما جاء في کتب التفسير والحديث إنَّ الحسن (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) والحسين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مرضا فعادهما جدهما رسول الله (ص)، ومعه وجوه أصحابه فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديک نذراً, فنذر صوم ثلاثة أيام إنْ شفاهما الله سبحانه، فبرءا وليس عندهم شئ فاستقرض علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ثلاثة أصوع من شعير وجاء بها إلى فاطمة (عَلَیها السَّلام) فطحنت صاعاً منها فاختبزته وصلّى علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) المغرب وقربته إليهم فأتاهم مسکين يدعو لهم وسألهم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء ، فلمَّا کان اليوم الثاني أخذت صاعاً فطحنته وخبزته وقدمته إلى علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ووليديه فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء ، فلمَّا کان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته
ص: 121
واختبزته وقدمته إلى علي وولديه عليهم السلام فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلمَّا کان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتي علي ومعه الحسن والحسين (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) إلى النبي (ص) وبهما ضعف شديد فرق لهما وبکي، ونزل جبرئيل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بسورة هل أتى.
وقد أجمع أولياء أهل البيت (تبعاً لکافة أئمتهم عليهم السلام) على نزولها في علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) وصحاحهم في ذﻟﻚ متواترة، من طريق العترة الطاهرة وهذا عندهم من الضروريات التي لا يجهلها منهم أحد، وقد أخرجه عن ابن عباس جماعة من أعلام أهل السنة کالإمام الواحدي في کتابه البسيط، والإمام أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره الکبير، والإمام أبي المؤيد موفق بن أحمد في کتاب الفضائل، وغير واحد من الحفظة وأهل الضبط، وذکره الزمخشري في تفسير السورة من الکاشف.
و ممَّا يدعو إلى الاستغراب والعجب إنَّ بعض المتأخرين يتعدى المحدثين والمفسرين جميعاً الذين أجمعوا على نزول هذه الآيات في أهل بيت رسول الله (ص) ويدعي بأنَّ السورة مکية وليست مدنية وإنَّ هذه الآيات لم تنزل في فضل أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ)ورواية نزولها فيهم من الروايات الموضوعة المدسوسة !! اللَّهُم غفرانک هذا هو البهتان العظيم، کيف استدل هذا الأثيم بذﻟﻚ على إنَّها مخترعة جرأة على الله سبحانه وعداوة لأهل بيت رسوله. ونورد إيضاًح الحق في ذﻟﻚ وإيراد البرهان في معناه, وکشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه الباطلة، على إنَّه کما ترى يحتوي على السر المخزون والدر المکنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره و يتلألأ بزهوره, وهو معرفة ترتيب السور في التنزيل، لنثبت بذﻟﻚ الحق لأهله, وندفع التهمة التي الصقها هذا الجاحد بالمحدثين والمفسرين, وهي تهمة الدسّ والتزوير، وإليک ما يوضح الحق ويدفع الباطل.
روى الأُستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عکرمة و الحسن بن أبي الحسن البصري: إنَّ أول ما أنزل الله من القرآن بمکة على الترتيب اقرأ باسم ربک ، و ن ، و المزمل ، إلى قوله وما نزل بالمدينة ويل للمطففين والبقرة، والأنفال، وآل عمران، والأحزاب، والمائدة،
ص: 122
والممتحنة، والنساء وإذا زلزلت، والحديد، وسورة مُحمَّد (ص)، والرعد، والرحمن، وهل أتي على الإنسان، إلى آخره وبإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إنَّه قال: سألت النبي (ص) عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء, فأول ما نزل عليه بمکة فاتحة الکتاب ثُمَّ اقرأ باسم ربّک ثُمَّ ن إلى أنْ قال: وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثُمَّ الأنفال ثُمَّ آل عمران ثُمَّ الأحزاب ثُمَّ الممتحنة ثُمَّ النساء ثُمَّ إذا زلزلت ثُمَّ الحديد ثُمَّ سورة مُحمَّد (ص) ثُمَّ الرعد ثُمَّ سورة الرحمن ثُمَّ هل أتي إلى قوله فهذا ما أنزل بالمدينة، وقد جاءت الروايات في کتب التفسير والحديث مجمعة على نزول هل آتى في المدينة والناحصل بعض الإختلاف البسيط في ترتيب السور وتقديم بعضها وتأخير بعض، ثُمَّ قال النبي(ص): >جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلاثُمَّائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتا وخمسون حرفاً ...< .وذکر العلامة الشهير سبط ابن الجوزي أبو المظفر يوسف شمس الدين في کتابه تذکرة الخواص ص322 قصة إيثار أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) بالطعام بصورة مفصلة واسعة وبسند طويل عن أبي المجد مُحمَّد بن أبي المکارم القزويني قال: أخبرنا بدمشق سنة اثنتين وعشرين وستمائة ثُمَّ يذکر رجال السند الثقاة إلى أنْ يرفعه إلى مجاهد وابن عباس في تفسير (يوفون بالنذر) وإنَّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) ثُمَّ يرد على من قال إنَّ هذا الحديث من الموضوعات في ص 325 في جواب مسهب إلى أنْ يقول في ص326 والعجب من قول جدي وانکاره وقد قال في کتاب(المنتخب) يا علماء الشرع أعلمتم لم آثرا وترکا الطفلين عليهما أثر الجوع؟ ما ذاک إلا لأنهما علما قوة صبر الطفلين ... إلى آخر قوله، (فليراجع هذا الفصل من کتاب تذکرة الخواص) ثُمَّ يفسر ما اشتملت سورة هل أتى من فضائل أهل البيت (عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ) على معان جليلة إلى أنْ يقول وسمعت جدي
ص: 123
ينشد في مجالس وعظه ببغداد في سنة ست وتسعين وخمسمائة بيتين ذکرهما في کتاب (تبصرة المبتدي) وهما:
أهوي علياً وإيماني محبته*** کم مشرک دمه من سيفه وکفا
إنْ کنت ويحک لم تسمع فضائله*** فاسمع مناقبه من (هل أتي) وکفي
و قال الشافعي:
إلى م إلى م وحتَّى متي*** اعتاب في حب هذا الفتي
وهل زوجت فاطم غيره*** وفي غيره (هل أتی هل أتی)؟؟
کلمات العلماء حول الفلسفة والعرفان:
کلام صاحب الجواهر الشيخ مُحمَّد حسن النجفي أعلي الله مقامه حول الإعتقادات الفلسفية: (عَلَیها السَّلام)يقول الشيخ علي النمازي ﻓﻰ کتاب السلسبيل للعلامة الجليل الحاج ميرزا أبو الحسن الأصطهباناتي قال: سمعت عن بعض تلامذة صاحب الجواهر إنَّه ﻓﻰ مجلس درسه جاء بعض أهل العلم وﻓﻰ يده کتاب من الفلسفة فسأل عنه عمَّا ﻓﻰ يده فلمَّا راه صاحب الجواهر قال: والله ما جاء مُحمَّد (ص) من عند الله إلا لإبطال هذه الخرافات والمزخرفات(1).
و يقول رحمه الله تعالى ﻓﻰ عداد کتب الضلال:
ککتب القدماء من الحکماء القائلين بِقِدَم العالم وعدم المعاد(2).
ص: 124
التعريف بالکتب العقائدية :
في رحاب العقيدة کتاب حول المسائل العقائدية ﻓﻰ ثلاثة أجزاء, وهو ﻓﻰ الحقيقة حوار مع سماحة المرجع الديني الکبير السيد مُحمَّد سعيد الطباطبائي الحکيم (دام ظلّه) جدير للباحثين عن الحقيقة اقتناء هذا الکتاب والاستفادة منه.

ص: 125
قد انتخبنا لک أيها القارئ الکريم في هذه الصفحة تحقيقاً ومقالاً حول الروايات المکذوبة من تحقيقات العلماء والمفکرين, ونبدأ بتحقيق حول خطبة البيان والتطنجية للدکتور السيد علاء الدين الکاظمي القزويني.
خطبةالبيان والتطنجية:
نذکر هنا الخطبتين الواردتين في کتب (الغلاة) المنسوبتين للإمام أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وهما خطبة (البيان ) وخطبة (التطنجية) وليرى ضعاف العقول والنفوس ما في هاتين الخطبتين من هفوات ومخالفات صريحة، وکلمات تشمئز منها نفوس العوام فضلاً عن الأعلام، وما ورد فيهما من ألفاظ تدل على الکفر الصريح بل والخروج عن التوحيد إلى دائرة الشرک التي يتبرأ منها أمير المؤمنين علیه السلام وينسب قائلها إلى الغلو والخروج عن الحد ومع هذا يحاول بعض عوام الجهال من الذين لا علم لهم ولا اطلاع الدفاع عن مثل هذه الخطب، والطعن بأعلام الشيعة ومراجع التقليد الذين قالوا بعدم صحة نسبتها
ص: 126
لإمام الموحدين علیه السلام بل تمادى بعض الجهلة من جهالهم وعوامهم المغرر بهم أنْ ينسب إلى الشيخ المجلسي صاحب بحار الأنوار أعلي الله مقامه عدم الاطلاع ومعرفة خطب أمير المؤمنين علیه السلام ويطالبه بالدليل لأن الشيخ المجلسي (رحمه الله) ذکر إنَّ هذه الخطب لا توجد إلا ﻓﻰ کتب الغلاة من أمثال (رجب البرسي) کما طعن بالسيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) والسيد السيستاني (حفظه الله وأبقاه) وغير هؤلاء ممَّن أنکر نسبة هذه الخطب الموضوعة والمنسوبة إليه علیه السلام ليروج بذﻟﻚ عقيدة الغلاة, ويستغل جهل العوام ليجعل منذﻟﻚ سراً من أسرارهم وفضيلة من فضائلهم علیه السلام وهو بذﻟﻚ يدافع عن الباطل وينحرف عن الحق وإنَّه يعلم علم اليقين إنَّ مثل هذه الخطب المشتملة على الغلو والکفر الصريح لا يمکن صدورها عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وهذا الجاهل المتعامي قد حکم على طائفة من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام بالجهل لأنهم أذعنوا لمثل هذه الخطب ولم يسألوه علیه السلام عمَّا جاء فيها من ألفاظ منکرة, وعبارات مقززة وهو علیه السلام سيد الفصحاء والبلغاء من هذه الألفاظ التي وردت في الخطبة (التطنجية) قوله علیه السلام عن نفسه علیه السلام :
(أنا طيرثا) ، (أنا جانبوثا) ، (أنا البارحلون) ، (أنا عليوثوثا) ، (أنا المسترق على البحار في نواليم الزخار عند البيار) ، (إذا تمالت الشدائد من دولة الخصيان وملکة الصبيان والنسوان) ، يا أشباه الأعثام وبهام الأنعام) . مخاطباً بذﻟﻚ المسلمين. (کيف تکونون إذا دهمتکم رايات لبني کنام مع عُثمَان)(1).
قل لي بربک أيُّها الغيور على دينه ومذهبه والمحب لأمير المؤمنين هل يمکن أنْ ننسب مثل هذه العباير لإمام الورى علیه السلام وباب مدينة العلم والحکمة (عَلَيْهِ السَّلاَمُ), ونحن نذکر مقتطفات ممَّا جاء في الخطبتين، لينظر المؤمن بعين البصيرة لا بعين التقليد ما ﻓﻰ الخطبتين من مخالفات صريحة لمعتقدات الشيعة.
الخطبة التطنجية:
ص: 127
وممَّا نسبه (رجب البرسي) و (السيد کاظم الرشتي) إلى أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) الخطبة التي يقال لها (التطنجية) خطبها أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بين الکوفة والمدينة فقال فيها: «... فإنَّها الآمل والمأمول أنا الواقف على التطنجين، أنا الناظر إلى المغربين والمشرقين ... ولقد علمت من عجائب خلق الله ما لا يعلمه إلا الله، وعرفت ما کان ومايکون ومن کان في الذر الأول مع من تقدم من آدم الأول ولقد کشف لي فعرفت و علمني ربي فتعلمت ألا فعوا ولا تضجوا ولا ترجوا, فلولا خوفي عليکم أنْ تقولوا جنَّ أو أرتد لأخبرتکم بما کانوا وما أنتم فيه وما تلقونه إلى يوم القيامة, علم أوعز إليَّ فعلمت ولقد ستر علمه عن جميع النبيين إلا صاحب شريعتکم هذه صلوات الله عليه وآله فعلمني علمه وعلمته علمي(1) ... لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلي, وما تحت السابعة السفلي وما في السماوات العلي وما بينهما وما تحت الثرى کلّ ذﻟﻚ علم أحاطة لا علم أخبار ... ولو کشف لکم ما کان مني في القديم الأول وما يکون مني في الآخرة لرأيتم عجائب مستعظمات وأموراً مستعجبات وصنايع وإحاطات , أنا صاحب الخلق الأول قبل نوح الأول ولو علمتم ما کان بين آدم ونوح من عجائب اصطنعتها وأمم أهلکتها فحق عليهم القول فبئس ما کانوا يفعلون.
أنا صاحب الطوفان الأول، أنا صاحب الطوفان الثاني، أنا صاحب سيل العرم .. أنا مدمرها، أنا مزلزلها، أنا مرجعها، أنا مهلکها، أنا مرجعها، أنا مدبرها، أنا بابيها، أنا داحيها، أنا مميتها، أنا محييها، أنا الأول، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطن، أنا مع الکور قبل الکور، أنا مع الدور قبل الدور، أنا مع القلم قبل القلم، أنا مع اللوح قبل اللوح... ، أنا صاحب جابلقا وجابرسا، أنا صاحب الرفوف وبهرم، أنا مدبر العالم الأول حين لا سماؤکم هذه ولا غبراؤکم ... إلى قوله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يا جابر إذا صاح الناقوس وکبس الکابوس وتکلم الجاموس
ص: 128
فعند ذﻟﻚ عجائب وأي عجائب ... وتحرک عساکر خراسان وتبع شعيب بن صالح التميمي من بطن الطالقان وبويع لسعيد السوسي بخوزستان وعقدت الراية لعماليق کردان وتغلبت العرب على بلاد الأرمن والسقلاب وأذعن هرقل بقسطنطنية لبطارقة سينان ...
أنا صاحب إبليس بالسجود، أنا معذبه وجنوده على الکبر والغيور بأمر الله، أنا رافع إدريس مکاناً علياً، أنا منطق عيسي في المهد صبياً، أنا مدين الميادين وواضع الأرض، أنا قاسمها أخماساً فجعلت خمساً براً وخمساً بحراً وخمساً جبلاً وخمساً عماراً وخمساً خراباً، أنا خرقت القلزم من الترجيم وخرقت العقيم من الحيم وخرقت کلاً من کلّ وخرقت بعضاً في بعض، أنا طيرثا أنا جانبوثا أنا البارحلون، أنا عليوثوثا، أنا المسترق على البحار في نواليم الزخار عند البيار، ... أنا مبرج الأبراج وعاقد الرياح ومفتح الأخراج وباسط العجاج أنا صاحب الطور أنا ذﻟﻚ النور الظاهر، أنا ذﻟﻚ البرهان الباهر وإنَّما کشف لموسي شقص من شفص الذر من المثقال ...، أنا صاحب جنات الخلود، أنا مجري الأنهار أنهاراً من ماء تيار وأنهاراً من لبن وأنهاراً من عسل مصفى والأخرى عمقيوس أعددتها للظالمين وأودعت ذﻟﻚ کلّه وادي برهوت وهو الفلق وربّ ما خلق ... إلى آخر الخطبة(1) .
ص: 129