«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
مدرسة أهل البيت عليهم السلام
مجلة فصلية ثقافية عقائدية
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
ص: 1
الامام الباقر علیه السلام:
{بليّة الناس علینا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا}
من لايحضره الفقيه 4/405
بحار الانوار 46/288
مدرسة أهل البيت علیهم السلام
مجلة داخلية فصلية ثقافية عقائدية
السنة الاولی العدد الاول 1388 هجرية شمسية 1430 هجري-ة قمري-ة
مديرالمجلة مهدي الكاظمي موقعنا علی الانترنت:
العراق/ الكاظمية المقدسة/ مدير المكتب: احمد الدباغ/هاتف: 07901311460
ص: 2
كلمة التحرير...4
تفسيرآيات العقائد الاستاذ السيد جعفر سيدان...6
اصول المعرفة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي...14
السنخية ام العينية والاتحاد ام التباين؟ الاستاذ السيد جعفر سيدان...22
روائع من الادب الاسلامي...33
من افادات الاستاذ العلامة البهبهاني رحمه الله ...36
مظلومية الزهراء عليها السلام تعريب جاسم المحمودي...42
ذكريات الاشهر الثلاثة...62
من ذكريات شهر رجب...62
من ذكريات شهر شعبان...77
من ذكريات شهر رمضان المبارك...89
حدُ إبن ملجم عليه لعنة الله...117
موقف العلماء وأصحاب الأئمة عليهم السلام...122
تجاه الفلسفة والعرفان...122
ص: 3
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
آلله خير امّا يشركون؟العقيدة هي قاعدة كل نظام، و التوحيد الركيزة الاساسية في عقيدة الاسلام و جميع رسالات السماء، و الامة بحاجة الی عقيدة راسخة في حياتها الخاصة و العامة، لتبني عليها نظامها حتی يصدق عليها انها أمة ذات اتجاه واضح محدد في الحياة، و لتنجو بذلك من الارتجال و الذيلية و التيه العقائدي ، و لئن كانت الامم لاتستغني عن هذه القاعدة في جميع الازمنة فانها أحوج اليها الی حد الضرورة ، في زمن تسير فيه الاحداث بلا تأمل أو انتظار، بل بكل سرعة، و علی قاعدة معدة كقاطرة علی سكة ممهدة.
و من الملاحظ ان أكثر الامم تخلفا و أهونها شأنا هي الامة المجردة من العقيدة السائرة بلا تخطيط الی هدف غير معلوم. و ليس بالامكان التخطيط الموصل الی الهدف المنشود الا في اطار من العقيدة الواضحة المعالم.
و التوحيد باعتباره، الجواب الفطري والعلمي و العقلي علی جميع التساؤلات الفكرية ، عن الكون وصانعه و علاقة الانسان بهما، و باعتباره مبدأ
ص: 4
جميع رسالات السماء« و ما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه، انه لا اله الا أنا»(1) و هو القاعدة الواسعة الصالحة لبناء النظام الواسع الصالح الذي يتحقق في ظلة للانسانية جميع تطلعاتها و قيمها.
و لا يكفي الامة أن تفخر بأنها صاحبة رسالة أو عقيدة، اذا لم تكن مصممة حقا علی بناء وجودها و نظامها علی أساس من تلك العقيدة، و لا يمكنها أنتفعل ذلك الا اذا كانت حدود العقيدة و معالمها واضحة في ذهنها فردا و قيادة.
بعد ثبوت حقانية هذا الدين الحنيف فقد اوضح النهج الذي لا بد و أن يسير عليه البشر بما ورد في الحديث المتواتر عن الفريقين من قول النبي و سلم اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا... و قد تكفلت مجلة مدرسة اهل البيت عليهم السلام بان تطرح المسائل العقائدية علی اساس نهج العقل و الكتاب و العترة الطاهرة فان خط مجلتنا هو السير والمشي علی اساس العقل والوحي وان مدرستنا هي مدرسة اهل البيت علیهم السلام لاغير ولا علاقة لها بمدرسة التفكيك بل لا تتبنی آرائها ونظرياتها نعم المجلة تنشر المقالات التي تهتم بنقد الفلسفة والعرفان لأي شخص كانت لغرض الدفاع عن الحق وتعميم الفائدة لكن ذلك لا بمعنی الموافقة والتأييد لكل ما يتبنی صاحب المقالة من افكار
ص: 5
فالملاك هو صحة مطالبها وفائدتها.
رئيس التحرير
الاية الاولى: آية نفي السنخية
قال الله سحانه وتعالى:
(لَيَسَ كَمِثِلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْتَصِيرُ)(1)
انّ معنى هذه الآية واضح جدا ولا يوجد فيها أي عُموض أو تعقيد أو صعوبة. يقول الشيخ الطبرسي في تفسير جوامع الجامع في تفسيرها:
(لَيْسَ كَمِتْلِه شَيْءٌ) وهو كقولهم (مثلك لا يبخل)» والمراد نفي البخل عن ذاته وهو من باب الكناية لانهم إذا نفوا الشيء عمّن يسد مسدّه فقد نفوه عنه،فالمعنى نفي المماثلة عن ذاته سبحانه فلا فرق بين أن يقال (ليس كاللّه شيء))وأن يقال: ((ليس كمثله شيء)) الاّ فائدة الكناية وقيل كرّرت كلمة التشبيه للتأكید.(2)
ص: 6
وعلى أساس هذا التفسير فقد اشتملت الآية المباركة على الكناية فهي من زاوية ادبية تشتمل على الفصاحة ودلالتها في بيان المعنى ادل وأقوى، فإن كان مثل وشبيه الله جلّ وعلا لا وجود له، فبالاولوية ذات الله جلّ وعلا لا مثيل لها ولا شبيه.
وقال الشيخ محمد النهاوندي في تفسير نفحات الرحمن في ذيل هذه الآية المباركة:
ليس كمثله شيء وشبيه نظيره - على تقدير وجود المثل والنظير - شيء وموجود من الموجودات.
ولم يقل ((ليس له مثل))، ((ليس للَّه مثل)) وامثال ذلك، ففيه مبالغة في نفي المثل له تعالى وقيل انّ الكاف هنا زائدة وعلى أي تقدير لا شبهة ان مثل الشيء هو المشابه له في الذات والصفات - وان تشاركا في صدق بعض المفاهيم (كالموجود والعالم والقادر والسميع والبصير ونظائرها(الاّ انّ بين مناشيها في الواجب والممكن كمال المغايرة كما هو محقق في محله.(1)
فقد اوضح المرحوم النهاوندي ایضا من خلال كلامه هذا انه علی فرض وجود المثيل والنظير فانّ الله جل وعلا لا نظير له في حين اننا نعلم انّ اللَه جلّ V وعلا لا مثيل له ولا نظير، فبالاولوية يثبت انّ الله جلّ وعلا لا مثل له، كما وقد اوضح النهاوندي انه لا يوجد أي اشتراك بين الواجب والممكن - لا في الذات ولا في الصفات - وذلك لانه واجب وهو الذي تكون حقيقة وجوب
ص: 7
وجوده ذاتية له بخلاف الممكن فانه لا تكون حقيقة وجوب الوجود ذاتية له ومن الواضع انّ هاتين الحقيقتين متناقضان ولا اشتراك بینهما.
ويستمر النهاوندي في بيانه ويقول انّ الواجب والممكن يشتركان في بعض المفاهيم(1) كما نقول: واجب الوجود،وموجود،وممكن الوجود، الإشتراك في المفهوم أو في اللفظ أو في المعنى موجود و ... الاّ انّ منشأ انتزاع هذين المفهومين (يعني مصداقهما) يختلف من أحدهما للآخر بمعنى أنّهما يشتركان في مفهوم واحد الاّ انّ مصداقيهما متغاير (ومتخالف).
الروايات(2):
1-يروي الشيخ الطوسي قدس سره خطبة لأمير المؤمنين علیه السلام الثاية في مصباحه وانّه قال فيها:
((لَيْسَ كَمِثتْله شَيْءً) إذ كان الشيء من مشيئته فكان لا یشبه مكونه).(3) فعلى أساس هذا الحديث انّ انتفاء مثلية الأشياء للَّه جلّ وعلا من جهة انّ الأشياء مخلوقة للّه ومكونة من الله جلّ وعلا ومتحققة بمشيئته، إذن كلّ شيء يظهر للو جود بمشيئة الله وإرادته و كلّ ما كان بمشیئته فهو لا یشبه مو جده.
وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول: انّ المكوِّن قائم بذاته والمكوَّن قائم بالغير.
ص: 8
ومن الواضح ان هذين لا يشبه أحدهما الآخر بل هما متغايران وذلك فانّ القائم بنفسه واجب الوجود ذاتا بخلاف القائم بالغير.
2- نقل الصدوق؛ في كتاب التوحيد عن الإمام علي عاشاية خطبة جاء فيها:((حَدَّ الأشياء كلّها عند خلقه إيّاها، أبانة لها من شيهه وأبانة له من شبهها)).(1)
هذا الحديث يدل على انّ هنالك بينونة بين الله جلّ وعلا والأشياء وأنّهما لا يشتركان في طبيعة واحدة وسنخ واحد أبدا فلا الأشياء شبيهة للَّه جلّ وعلا ولا أنّ اللّه جلّ وعلا شبيه للأشياء.
3- وروي عن الإمام الرضا الثَّألة انّه قال: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب نفي وتشبيه واثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز ومذهب التشبيه لا يجوز (لأنّ الله تعالى لا يشبه شيء) والسبيل في الطريق الثالثة إثبات بلا تشبیە.(2)
ومعنى هذا الحديث واضح أيضا، فانّه يؤكد على هذه النقطة وهي انّه لا شبيه ولا نظير ولا مثيل ولا شريك للّه جلّ وعلا.
4- يقول الحسين بن سعيد انّه سئل أباجعفر الثاني الإمام الجواد ،ثلة انّه هل يجوز إطلاق الشيء على الله جلّ وعلا؟
فأجاب الإمام: اثَّلة نعم يخرجه من الحدين؛ حدّ التعطيل وحدّ التشبيه.(3)
ص: 9
يعني يمكن إطلاق الشيء على الله جلّ وعلا الا اّه شيء لا يشبه أي شيء ولا يشبه شيء وأيضا فانّ الله شيء الآ انّه ليس كالأشياء لا يستطيع أن يفعل شیئا وعاجز عن فعل كلّ مایرید.
تفاسیر باطلة:
قسم من أهل العرفان وعلى أساس ما يحملونه من تصور خاص يفسرون هذه الآية بشكل غير صحيح فحسب اعتقاد هؤلاء انّ الله جلّ وعلا حقيقة تتطور وتتعيّن بأشكال مختلفة وله مراتب. وله مقام لا اسم ولا رسم له وهو يتنزل إلى مقام الأحديّة وفي نهاية المطاف يصل الكلام إلى انّ الحقيقة البسيطة مع لحاظ التعيّن هي كلّ شيء (مثل الشمع الذي يتشكل بأشكال مختلفة الاّ انّ حقيقة كلّ تلك الصور المصنوعة من الشمع واحدة(وبلا لحاظ التعين والتقيّد هو حقيقة واحدة وحيث أنّ التعيّن أمر اعتباري إذن كلّ شيء هو الله جلّ وعلا.
فعلى أساس هذا المذهب يقولون حول آية (لَيَسَ كَمِثِلِهِ شَيء) انّ في هذه الآية تشبيه وتنزيه وانّهما لابدّ منهما معا والًا فانّ التنزيه لوحده مظهر للتهور ومخالفة للعقل.
فكونه تعالى ليس جسما ولا مركبا وليس له صورة ولا مكان ولا زمان خاص، فانّ ذلك لوحده غير كاف لأنّ ذلك عين التشبيه وعين التحديد والتقييد وذلك لأننا إذا نفينا الله جلّ وعلا عن الأشياء فانّه سيكون محدودا ولا و جود له عند تلك الاشیاء.
ص: 10
وعلى هذا فالتنزيه الذي يجر إلى التحديد ليس معنىً صحيحا والبيان الصحيح هو أن نقول بالتنزيه والتشبيه معا.
الجواب: انّ هذا الكلام يبتني على القول بالسنخية بين الخالق والمخلوق وعندئذ فنفي أي شيء عنه تعالى لازمه تحديد الذات الإلهية المقدسة. الاّ انّ هذا اللازم الباطل لا يرد على القول بالبينونة بين الخالق والمخلوق (كما اوضحنا ذلك في محله) والأدلة النقلية حول البينونة كثيرة وهي تدل بوضوح على انّ الذات الإلهية المقدسة مباينة للمخلوقات ولا اشتراك بينهما في الحقيقة ابدا.
جاء في التفسير الذي طبع باسم ابن عربي (ويقال انّه من آثار ملاعبدالرزاق الكاشاني): (((لَيَسَ كَمِثِلهِ شَي) اي كلّ الأشياء فانية فيه هالكة، فلا شيء یماثله في الشيئية والوجود)).(1)
ويقول ابن عربي في فصوص الحكم:
اعلم أيدّك الله بروح منه انّ التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الالهي عين التحديد والتقييد والمنزه اما جاهل واما صاحب سوء ادب.
ولكن إذ اطلقاه وقالا به فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نَزَّه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد اساء الأدب واكذب الحق والرسل صلوات اللّه عليهم
ص: 11
وهو لا يشعر ويتخيل انّه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض و كفر ببعض.(1)
وفي موضع آخر يقول:
قال تعالى (لَيَسَ كَمِثِلِهِ شَيْ) فَنَزَّه (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرْ) فشبه. قال تعالى (لَيَسَ كَمِثَلِهِ شَيْ) فشبَه وثَنّى (وَهُوَ السَّمِيعُ الَْصِيرُ) فنزّه وافرد.(2)
فيقول ابن عربي في كلامه هذا: اننا لو فسرنا الكاف في قوله تعالى (كَمثْله) بأنّها زائدة فسوف يكون مفاد الجملة هو تنزيه الله) من حيث انّه لا مثل له ولا نظير(ومعنى الجملة التي بعدها هو التشبيه (وذلك لأنّ هاتين الصفتين تطلقان على غير الله جلّ وعلا).
ولو لم نفسر الكاف بأنّها زائدة ففي هذه الصورة سوف يكون مفاد الجملة هو التشبيه والتثنية (وذلك لأنّ نفي المثلية عن الله قد فرض فيه وجود المثل) ومفاد القسم الثاني هو التنزيه والافراد (وذلك لأنّ السميع والبصير منحصران في الله وهو منزه عن فقدانهما).
وعلى هذا فالآية المذكورة لها تفسيران أحدهما التشبيه والآخر التنزيه.
ويعقب بعد ذلك ابن عربي بقوله انّه لو كان النبيّ نوح كنبي الإسلام يدعو إلى التشبيه والتنزيه معا لاستجاب له قومه الاّ انّ نوح لم يبلغ الا التنزيه ولهذا اعرض عنه قومه.
ص: 12
والذي يجمع بين التنزيه والتشبيه هو القرآن لا الفرقان فلم يكن نوح كنبي الإسلام يدعو إلى هذا الجامع (بين التشبيه والتنزيه) ولم يصل إلى جوامع الكلم ولهذا فقد بقي قوم نوح على التشبيه ولم يقبلوا التنزيه وكانوا يجعلون اصابعهم في آذانهم ويغطون رؤوسهم حتّى لا يسمعوا كلام نوح.
ويقول ابن عربي بعد ذلك:
فلو أنّ نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه فانّه شبّه ونزَّه في آية واحدة بل في نصف آیة.(1)
من جميع هذه الكلمات يتضح لنا انّه بعد الإعتماد على هذه المباني والأفكار في مسائل التوحيد وصل الحال (بهؤلاء) أن يفسروا هذه الآية التي هي من اصرح الآيات في نفي التشبيه بأنّها في مقام بيان التشبيه في حين انّ الروايات الدالة على نفي التشبيه مضافا للأدلة العقلية قد استشهدت بهذه الآية على نفي التشبيه.
نعم، بناءً على هذه المباني والأفكار فقد تسمع تارةً من بعض العرفاء والصوفية كلاما يوجب التعجب والحيرة كما في قوله تعالى (لَقَدَكَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الُْسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (2)) حيث فسروها هكذا: كفروا اولتك لأنّهم حصروا الاله (13 في المسيح والحال انّ الله كلّ الأشياء والكل هو الله (فقد فسروا الآية على العكس من مدلولها).
ص: 13
العدد الاول
و بعد فهذا بحث مختصر حول اصول التفكير الصحيح للوصول الى المعرفة الصحیحة.
الاصل الاول:
الايمان بالواقع الخارجي، فالتشكيك في واقعيّة العالم و إنكاره و اعتباره خيالاً في خيال ينهي التفكير العقلي والبحث العقائدي من أساسه.
ثم أنه لو أنكر أنسان واقعيّة العالم الخارجي؛ فكیف یتم التفاهم معه، و من ثم إقناعه و إرجاعه نحو الحقيقة؟
والبحث حول الموضوع ليس بحثاً قائماً على البرهان العقلي أو مستنداً الى الأوليات والبديهيّات؛ لأن من ينكر الوجود الخارجي، ينكر كل شيء، ولايتم جوابه إلا بالجواب القائم على الالزاميات والفطرة حينذاك يرجع هذا الانسان المريض أو المتجنن الى وضعه السوي والسليم.
ص: 14
و من المعلوم إن توضيح الواضحات من أشكل المشكلات فواقعية العالم من الامور البديهية التي لاتحتاج الی دليل ولابرهان.
الاصل الثاني: من جملة أصول المعرفة الإيمان بالعقل كأساس للتفاهم البشري. و المراد من العقل؛ هو مجموعة الإدراكات البديهيّة التي لاتحتاجالی دليل و برهان، و علی رأسها قانون العلية (من ان لكل معلول علة و لكل أثر مؤثر) و قانون عدم التناقض، و التي علی اساسها يقوم البرهان.
فالعلوم النظرية تقوم علی العلوم البديهية المودعة في عقل كل إنسان. فلو أنكر الانسان العقل و المذهب العقلي في التصور و التصديق؛ فحينئذ سوف لايمكنه الوصول الی إثبات أي حقيقة من الحقائق، حتی بالنسبة الی القضايا الحسيّة و التجربيّة.
و بما أن الإيمان بالعقل و بديهياته من الضروريات التي لايمكن إنكارها، فلا طريق لإثباتها إلا الأدلة الالزاميّة و الفطريّة.
مذهب الماديين :
يری الماديون ان المصدر الوحيد للمعارف البشرية هوالحس و التجربة و يرفضون كل المعارف الت-ي لاتقوم علی اساس الحس و التجربة.
و جواب هذا المذهب واضح حتی قيل ان احد الماديين كان معلماً ف-ي احدي المدارس و قد قال لتلاميذه لاتصدّقوا و لاتؤمنوا بشىء لاترونه ثم سأل التلاميذ فهل ترون الله –جلّ و علا – فقالوا لا، فقال لهم فلا تصدّقوا بوجوده فقام اليه احد الصبيان و استأذنه بان يسأل التلاميذ فسألهم الصبي هل ترون
ص: 15
عقل الاستاذ فقالوا: لا فقال الصبي اذاً هو مجنون، فالحقيقة انّ جعل المقياس للمعارف البشرية هو الحس و التجربة فقط واضح البطلان لايقبله احد من العقلاء بل الكل يذعنون بوجود معارف صحيحة و يقينية لم تخضعللحس و التجربة بل و لا ربط لها بالحواس مثل الايمان باستحالة التناقض و استحالة اجتماع الضدّين و انّ لكل أثر موثراًَ و كالايمان بالقواعد و القوانين العامة و الكلية في العلوم المختلفة و هي مع كليتها و عموميتها غيرحسية و لم تخضع للتجربة فلوكان الفكر محبوساً في حدود التجربة و لم يملك الانسان معارف مستقلة عنها لما اتيح له ان يحكم باستحالة ش-ىء من الاشياء مطلقاً لان الاستحالة بمعنی عدم امكان الش-ىء مطلقاً ليس مما يدخل في نطاق التجربة و لا يمكن للتجربة ان تكشف عنه و غاية ما يمكن للتجربة ان تدلل عليه هو عدم وجود اشياء معينة، لكن عدم وجود شىء لا يعن-ى استحالته فهنالك عدة اشياء دلت التجربة علی عدمها و مع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة و لا نسلب عنها امكان الوجود كما نسلبه عن الاشياء المستحيلة كاجتماع النقيضين. و هذا الحكم بالاستحالة لا يمكن تفسيره الا علی ضوء الايمان بالعقل بان يكون هذا الحكم من المعارف العقلية المستقلة عن التجربة و علی هذا الضوء يكون الماديون بين طريقين لاثالث لهما:
فامّا ان يعترفوا باستحالة اشياء معينة و اما ان ينكروا مفهوم الاستحالة من الاشياء جميعاً. فان امنوا بالاستحالة كان هذا الايمان مستنداً الی معرفة عقلية مستقلة لا الی التجربة و ان انكروا مفهوم الاستحالة و لم يقروا باستحالة ش-ىء
ص: 16
(و ان كان هذا الانكار غريباً لدي العقل( فلايبق-ى فرق حينئذٍ بين عدم اجتماع النقيضين الذى ندرك عدم امكانه اصلاً و بين كثير من الامورالمعدومة التي ندرك امكان وجودها في حين ان الفرق بينها مما يشهد به الوجدان و جميع العقلاء و منكره مكابر و اذا سقط مفهوم الاستحالة لم يكن التناقض مستحيلاً يعن-ى وجود الش-ىء و عدمه و صدق الش-ىء و كذبه.
و جواز التناقض معناه انهيار جميع المعارف و العلوم و عدم تمكن التجربة من ازاحه الشك و التردد في اي مجال من المجالات العلمية فالتجربة و ان دلت علی صدق قضية معينة لكنا لا يمكننا الجزم بذلك اذا جوّزنا التناقض و انه ليس بمحال فمن الممكن حينئذٍ ان تتناقض الاشياء و تصدق و تكذب في وقت واحد.
هذا و قد سجل العلماء علی هذا المذهب ملاحظات عديده نذكر قسماً منها:
1- ان القائلين بمقياس الحس و التجربة لم يأتوا و لا بدليل واحد يثبت قصور العقل عن الوصول للمعارف الخارجة عن نطاق الحس و مجرد حاجة الانسان الی عمليات الحس و التجربة و اهميتها لاينفي قابلية الانسان للحصول علی معارف غير حسية.
2- عدم اعتراف المذهب الحسي و التجربي لفاعلية العقل و قدرته علی الوصول الی مجموعة من المعارف يخالف الواقع لانّنا لو راينا رقم 27 مثلاً و رقم 23 مثلاً مكتوبين علی لوحة امامنا و أردنا ان نجمع في ذهننا بين هذين
ص: 17
العددين لكان الحاصل منهما (50) و لواردنا ضربهما كان حاصل الضرب (631) و هنا نسأل هل ان الاختلاف بين حاصل جمع هذين العددين و بين حاصل ضربهما ناشیء من الحس او من فاعليةالعقل؟ و لا شك انه لا يمكن القول بان اختلافهما ناشیء من الحس و ذلك لان الاحساس بهما لم يختلف في عمليتي الجمع و الضرب.
3- اننا نسأل الماديين الذين يعتقدون بأن «الحس و التجربه المقياس الاساسي لمعرفة الحقيقة لاغير» فهل انهم حصلوا هذا المقياس من دون تجربة سابقة او أنه كسائر المعارف البشرية لابد من اكتسابه و العلم به بواسطة التجربة؟ فان قالوا بالاول و انه من المعارف الخارجة عن نطاق التجربة فقد ابطلوا مذهبهم الذي لايؤمن بالمعارف الاولية و ثبت وجود معلومات انسانية ضرورية،و ان قالوا بان هذه المعرفة محتاجة الی تجربة فمعنی ذلك اننا لاندرك في بداية الامر ان الحس و التجربة مقياس مضمون الصدق فكيف يمكن البرهنة علی صحته و اعتباره مقياساً بتجربة مادامت غير مضمونة الصدق بعد.
4- يتوقف الادراك الحسي غالباً علی اكثر من حاسة فالتفاحة مثلاً نراها بحاسة البصر و نلمس نعومتها بحاسة اللمس و نشم رائحتها بحاسة الشم و نسمع صوت اصطدامها بالارض بحاسة السمع و اما تمركز جميع هذه الاحساسات في مكان واحد و جوهر واحد فهذا مالايمكن الاحساس به و علی هذا الاساس فان المذهب الحسي و التجربي عاجز عن اثبات المادة وذلك لان المادة لايمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة بل كل مايبدو للحس
ص: 18
في المجالات التجربية انما هو ظواهر المادة و اعراضها و اما نفس المادة يعني الجوهر الذي تعرضه تلك الظواهر و الصفات فهو لايدرك بالحس و انما العقل يدرك وجوده بالاستناد الی معارفه الاولية من البديهيات من ان لكل معلول علة و ان ما انعكس في الذهن من احساسات بصرية و سمعية و ذوقية و لمسية و شمية لم يكن من العدم لان حصول هذه الصور الحسية بلاعلة محال و عليه فيثبت وجود المادة لانها العلة في تلك الاحساسات و اذا ما انكرنا قانون العلية بين الاثر و المؤثر فسوف لايمكننا اثبات نفس المادة و لذا فقد انكر عدة من الحسيّين التجربيين وجود المادة و وقعوا في السفسطة كما و انهم كانوا عاجزين عن اعطاء تعليل صحيح للعلية بين الاثر و المؤثر فان الحس و التجربة لايمكنهما الا ان يوضحا لنا التعاقب بين ظواهرمعينة اما سببية احدي الظاهرتين للاخري فهي مما لاتكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة و مهما كررنا استعمالها و اذا انهار قانون العلية بين الاثر و المؤثر انهارت جميع العلوم الطبيعية لانه لايمكن بناء قاعدة عامة و قانون كلي علی ضوء تجربة واحدة او عدة تجارب الا بعد التسليم بعلية هذا المؤثر لهذا الاثر و هي لم تكتسب من التجربة فاما ان نؤمن بها خارجاً عن نطاق الحس و التجربة فقد بطل المذهب الحسي و التجربي و ثبت وجود معارف اولية سابقة علی التجربة و الحس و ان لم نؤمن بها كما انساق الی ذلك دافيد هيوم وجون ستيوارت مل فلم يؤمنا بقانون العلية و لذلك فسر هيوم العلية برابطة تداعي المعاني و قال انه يصحب هذا التداعي نوع من الالزام العقلي بحيث
ص: 19
يحصل في الذهن المعنی المتصل باحدی العمليتين العقليتين كما حدث المعنی المتصل بالعملية الاخری و هذا الالزام العقلي اساس ما نسميه بالضرورة التي ندركها في الرابطة بين العلة و المعلول(1).
أقول: ان هيوم قد افترض وجود الزام عقلي باستدعاء احدي الفكرتين عند حصول الفكرة الاخری فيه و نقول له بناء علی مقياسهم من كون جميع المعارف لابد و ان تكون تجربيّةَ: من أين جاء هذا الالزام العقلي و ما قيمته اذا لم يكن حسياً و تجربياً ؟ فعلی هيوم ان يقتصر علی تعاقب الظاهرتين فقط من دون ان يكون ايّ ارتباط بينهما او الزام او ضرورة لانه لايؤمن الا بمقياس التجربة لاغير واذا كان هنالك ش-ىء اخر فانّما هو خيال وسراب « حسب مقياسهم » كما و عبّر برابطةتداعي المعاني فان تداعي المعاني لاحقيقة من ورائه بل هو مجرد وهم و خيال و حيث ان هيوم قد اعطاه بُعْدَ الواقع لا الخيال فبذلك فقد اعترف بواقعية قانون العلية بين الاثر و المؤثر و من دون سابق تجربة ٍ او احساس بذلك و بذلك فقد اعترف بوجود معرفة اولية تنبع من صميم العقل عبّر عنها بالالزام العقلي و ان كان ما ادعاه من الالزام العقل باطلاً في نفسه و ذلك لان العلية التي ندركها ليس فيها مطلقاً ايّ اثر لالزام العقلباستدعاء احدی الفكرتين عند حصول الفكرة الاخری فيه فليست هي قضية نفسية بعيدة عن الواقع بل هي قضية واقعية فهنالك أمر واقع و العقل يدركه لا انه هو الملزم لاستدعاء ش-ىء شيئاً و بعبارة اخري ليست العلية بمعنی ان
ص: 20
ادراك العلة يتعقبه ادراك المعلول كما في تداعي المعاني و يشهد لذلك ولبطلان كون العلية بمعنی تداعي المعاني ان التداعي كثيراً ما يحصل بين شئين دون الاعتقاد بعلية احدهما للاخر كما في تعاقب الليل و النهار مع انه لا يكون احدهما علة للاخر.
كما و ان العلة و المعلول قد يكونان مقترنين معاً تماماً لا ان احدهما عقب الاخر بل يكونان في آن واحد معاً و مع ذلك ندرك علية احدهما للاخر كحركة اليد و حركة القلم حال الكتابة فلو كانت العلية عبارة عن استتباع احدي العمليتين للاخری بالتداعي لما امكن في هذا المثال ان تحتل حركة اليد مركز العلة دون حركة القلم لان العقل قد ادرك الحركتين في وقت واحد فلماذا وضع احدهما موضع العلة و الاخري موضع المعلول؟
و حاصل المطاف ان الايمان بالمذهب المادى يؤدي حتماًَ الی اسقاط قانون العلية بين الاثر و المؤثر و اذا سقط هذا القانون فقد انهارت جميع العلوم الطبيعية باعتبار استنادها الی فان التجارب العلمية مالم تستند الی قانون العلية لايمكن اقتناص قانون عام و كلي منها و بذلك يظهر بطلان مذهب الماديين.
للبحث صلة
ص: 21
في قم المقدسة في مدرسة آيةالله العظمی السيد الگلپايگاني رحمه الله
مقدمة المترجم:
(اعلم ان الاقوال في مبحث السنخية والعينية ثلاثة:
الاول: القول بالسنخية بين وجود الخالق والمخلوق بناءاً علی ان تكون رابطة الممكنات مع الله تعالی رابطة الموج والبحر حيث ان حقيقة كليهما هي الماء لا غير وهذا هو قول الفلاسفة والعرفاء.
الثاني: القول بتباين الممكنات مع الله تعالی بناءاً علی أن تكون الرابطة بينهما هي رابطة الموج والبحر ايضا ولكن بمعنی ان يكون الرب كحقيقة الماء مثلا وما سواه هو صورة الامواج فبينهما تباين بالحقيقة حيث إن حقيقة الاول هو الوجود والتحقق بنفسه والثاني وهي صور الامواج: حقيقته هوالكون والتحقق بوجود الغير لا بايجاده وبعبارة اخری ان التباين بين الخالق
ص: 22
والمخلوق يكون من حيث كون احدهما حقيقة بنفسها و الآخر حقيقة متقومة بالاولی وهذا أيضاً عين قول الفلاسفة والعرفاء.
والذي جاء به الاسلام ونطق به الوحي ان الاشياء بكل وجودها وكيانها وكمالاتها وصورها وتعيناتها مخلوقة لله تعالی ولا يلزم من جعل وجود الاشياء اي تحديد لوجود الله تعالی لان الاشياء حقائق متجزية والله تعالی غير متجزء ولا متوهم بالقلة والكثرة فلا يتصور اي تزاحم بين وجودهما اصلاً.
الثالث: هو القول بتباين وجود الخالق والمخلوق ايضاً ولكنه لا من حيث أن احدهما حقيقة بنفسه والآخر حقيقة بالغير بلا شيئية من حيث نفسه كما قاله القائلون بالقول الثاني وزعموا انهم يخالفون الفلاسفة بذلك، بل من حيث أن الله تعالی موجود خالق ومتعال عن الزمان والمكان والاجزاء وعن كيان الاشياء ونفس وجوداتها في عين أن ساير الاشياء أيضاً موجودات حقيقية واقعية بايجاد الخالق المتعال، فلها وجودها وصفاتها وكيفياتها بأن الله تعالی خلقها كذلك.)
المحاضرة الاولی
المسألة التي يراد بحثها هي مسألة العلاقة بين الخالق والمخلوق فهل انّ اللَّه جلّ وعلا بالنسبة إلى الخلائق عين وجودها؟ أو هنالك تناسب وتناسخ بينهما؟ أو لا هذا ولا ذاك بل هنالك تباين بينهما؟تعريف السنخية والبينونة
وقبل الدخول في البحث لابد من تشخيص معنى السنخية والبينونة:
ص: 23
1- البينونة بين اللَّه جلّ وعلا والكائنات هي بمعنى عدم الاشتراك الحقيقي بين الذات الالهية المقدسة وما سواها من المخلوقات.
2- السنخية: المقصود من السنخية والذي ينفى بالبينونة هو الاشتراك في الحقيقة.
السنخ في اللغة بمعنى الاصل والاساس فحينما يقال هذا الشي ء يسانخ ذلك الشي ء يراد بذلك انهما يشتركان في اصل واحد واساس واحد.
آيات نفي السنخية
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ)(1)
(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(2)
(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)(3)
المستفاد من هذه الآيات هو نفي معنى السنخية وذلك لانّ معنى نفي المثيل للَّه جلّ وعلا هو نفي السنخية ايضا لانه من أقوى موارد الاشتراك هو الاشتراك في الحقيقة فاذا اشترك شي ء مع شي ء في الحقيقة فقد تحقق ما هوالاّ هم في مثلتيهما، ومن البديهي انّه مع نفي المثلية على الاطلاق (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ) تثبت البينونة لذا فانّ المستفاد من هذه الآية الشريفة هو نفي السنخية بمعنى الاشتراك في الحقيقة. وهكذا يستفاد هذا المعنى من بعض الآيات
ص: 24
الآخر مثل قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتعالی عَمَّا يُشْرِكُونَ) كما انّ سورة التوحيد المباركة تدل علی هذا المعنى كاملا.
روايات نفي السنخية
وفي هذه المسألة نجد أنّ المطابق للآيات والمؤكد لها هي الروايات الكثيرة ودلالتها أوضح واصرح من الآيات المباركة وسوف نبين قسما منها، وحول هذا الموضوع فالروايات في مختلف كتب الحديث كثيرة والتي ذكر قسما منها الشيخ الصدوق في كتابه(1) التوحيد وسوف نتكلم عن الاستدلال العقلي للسنخية فيما سيأتي والآن نحن بصدد بيان الروايات وكيفية الاستدلال بها.
1- يقول اميرالمؤمنين علیه السلام في وصف الذات الالهية المقدسة:
«الذي بان من الخلق فلا شي ء كمثله»(2)وهذه الرواية تفسر وتبين لنا معنى الآية المباركة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ) وتقرير الاستدلال واضح حيث صرح الامام علیه السلام بالبينونة بين الخالق والمخلوق والمراد من البينونة هو نفي السنخية كاملا يعني نفي الاشتراك في الحقيقة ولذا حينما يقال هنالك بينونة بين الخالق والمخلوق فمعناها هو نفي الاشتراك بينهما.
ص: 25
2- ويقول الامام الرضا علیه السلام خلق اللَّه تعالى الخلق حجابا بينه وبينهم ومباينته ايّاهم مفارقته انيّتهم».(1)
فنفس ايجاد الخلائق والموجودات هو الحجاب بين اللَّه تعالى والمخلوقات لا انّه هنالك حائل بينه تعالى وبين مخلوقاته فنفس ايجاد الخلائق هو حجاب ويستفاد هذا المعنى من حديث آخر كما سيأتي توضيحه حيث انّ اللَّه تعالى يباين الخلق تباينا ذاتيا ولذا فنتيجة ايجاد الخلائق هو الحجاب وقد أشير في ذيل الحديث الى هذه الجهة بقوله عليه السلام: مباينته اياهم مفارقته انيّتهم» فتباين الذات الالهية مع الخلائق بهذا المعنى وهو: ان الحقيقة الذات الالهية المقدسة تباين وتفارق حقيقة الاشياء والموجودات ولا اشتراك بينهما اصلا.(2)
3- يقول الامام الرضاعليه السلام: فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه(3)» لوكان هنالك تسانخ واشتراك في الحقيقة بينالخالق والمخلوق فلا معنى لهذه الرواية فالحديث واضح وصريح بأن لا تسانخ ولا اشتراك.
4-يقول أميرالمؤمنينعليه السلام: الذي لا من شي ء كان ولا من شي ء خلق ما كان قدرة بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه»(4) فاللَّه جلّ وعلا لا من شي ء
ص: 26
كان موجودا ولا من شي ء خلق الخلائق فهو (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وذلك لانه مباين للاشياء والاشياء مباينة له تعالى.(1)
5-ويستمر أميرالمؤمنينعليه السلام في حديثه السابق ويقول: «حدّ الاشياء كلها عند خلقه اياها ابانة لها من شبه وابانة له من شبها»(2)فيؤكدعليه السلام في هذا الحديث علی التباين بينه تعالى وبين المخلوقات.6- وفي موضع آخر يقولعليه السلام: «لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين»(3) وهنا يصرحعليه السلام بنفي السنخية بينه تعالى وبينالمخلوقات ويثبت البينونة.
7- ويقول الامام الصادقعليه السلام:
‑ ومن شبه اللَّه بخلقه فهو مشرك انّ اللَّه تبارك وتعالى لا يشبه شيئا ولا يشبه شي ء وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه.»(4)
ص: 27
وهذا الحديث واضح في الدلالة علی نفي السنخية.
8- وينقل الإمام الرضاعليه السلام: عن أميرالمؤمنينعليه السلام: انّه قال في ضمن خطبة: «الحمد للَّه الذي لا من شي ء كان ولا من شي ء كون ما كان مستشهد بحدوث الاشياء على ازليته وبما وسمها به من العجز على قدرته وبما اضطرها اليه من الفناء على دوامه لم يخل منه مكان فيدرك بانيّته ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية ولم يغب عن علمه شي ء فيعلم بحيثية مبائن لجميع ما احدث في الصفات وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات»(1).كلّ ما أوجده اللَّه تعالى من الموجودات العالية السافلة والنورية و... فهو مباين في الصفات مع اللَّه جلّ وعلا، فاللَّه جلّ وعلا لا يدرك من خلال الموجودات المتغيرة والحادثة والتي يتصرف بها نعم يعلم وجوده بذلك لكنه لا يدرك وقولهعليه السلام: «في الصفات» لا بمعنى انّ ذاته تعالى لا تباين الاشياء وذلك لانّ الصفات اذا كانت تباين المخلوقات فانّ منشأ هذا التباين هو الذات والصفات هذا كما اوضحه بعض الاعاظم بمعنى في الصفة يعني انّ اللَّه جلّ وعلا يباين مخلوقاته في التوصيف والتعريف ولا اشتراك ولا تسانخ في البين والحاصل من الحديث هو نفي السنخية واثبات التباين.
ص: 28
9- يقول أميرالمؤمنينعليه السلام: «ولا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لانه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين».(1)
وقولهعليه السلام: «كنه تفريق بينه وبين خلقه»(2)
وعليه فما نقلناه من عبارات مختلفة من الاحاديث المتقدمة فانما هو نموذج من أحاديث كثيرة جدا(3) دالة وبشكل واضح على البينونةونفي السنخية بينالخالق والمخلوق وطبعا تدل على نفي العينية والاتحاد ايضا كما سيأتي البحث عنها.
إذا كما بيّنا اننا بتعقلنا لمّا جاء به الوحي سوف نصل إلى الحقيقة بلا أن نخسر مصباح العقل أبدا بل نستفيد بواسطة هذا المصباح المنير من منبع الوحي - هذا المنبع الذي يصدقه العقل - ونعلم بسعته وعدم خطئه بعد صحة السند واتضاح الدلالة وقد رأينا كيف ان هذه الروايات قد بينت التباين بين الخالق والمخلوق.
بعد ما استفدنا من الأدلة النقلية نحقق المسألة من جانب عقلي وإذا ما كان هنالك اشكال عقلي حول الموضوع فسوف نكون ملزمين حينئذ بسحب اليد عن جميع الروايات وبعبارة أخرى بعد وضوح المسألة كثيرا إذا ما كان
ص: 29
الاستدلال العقلي في نفي ما جاء في الروايات وتأويلها بينا وواضحا فلابد لنا من التفكير في علاج هذه الروايات.(1)
والآن نطرح واحدا من الاستدلالات العقلية الظاهر في نفي التباين.
الدليل العقلي لنفي السنخيةيقول البعض انّ البينونة المستفادة من الادلة النقلية تتنافى مع الدليل العقلي وذلك لانه لابد بين العلة والمعلول من تسانخ وتشابه والاّ لصدر كلّ شي ء من كلّ شي ء فلو لم يكن هناك تسانخ وتشابه بينهما لصدر الماء من النار ولتولد البعير من بيض الدجاج وهكذا اذا لابد من السنخية بين العلة والمعلول، وحيث انّ الذات الالهية المقدسة علة لجميع المخلوقات وخالقة لها فلابد من وجود تناسخ وتشابه بينه تعالى وبين مخلوقاته فلا بينونة بينهما فما يستفاد من الادلة النقلية من البينونة بينهما محل اشكال قوي من جهة عقلية لان السنخية بين العلة والمعلول من جملة القواعد العقلية الواضحة والاّ لصدر كلّ شي ء من كلّ شي ء.
فالذات الالهية المقدسة علة والمخلوقات معلولة لها - فيجب أن يكون بين الخالق والمخلوق سنخية وشباهة... - وحينئذ فلا بينونة بينهما والدليل العقلي لا تخصيص فيه ولا استثناء له حتى نقول انّ الذات الالهية المقدسة خارجة
ص: 30
عن هذه القاعدة العقلية بل القاعدة عامة للكل والنتيجة هي انتفاء البينونة بين العلة والمعلول.
الجواب: انّ هذه القاعدة يعني التسانخ بين العلة والمعلول تختص بالعلل الطبيعية الموجدة للمعلول كما صرح بذلك بعض الاكابر وذلك لان المعلول ينفصل عن العلة حقيقة وبعبارة اخرى انّ وجود المعلول انما هو تنزل لوجود العلة وصادر من ذاتها وصميمها فاذا كانت العلة طبيعية فسوف يكون المعلول متولدا منها وتنزل لوجودها مثلالحرارة بالنسبة للنار ولذا فمن البديهي أن تكون العلة متناسبة ومتسانخة مع معلولها اما لو كانت العلة فاعلة بالارادة والمشية فلا يكون فعلها ومخلوقها تنزل لوجودها.(1)
فاللَّه جلّ وعلا فاعل بالارادة والمشية لا انه علة طبيعية ونتيجة ذلك لا يكون مخلوقه يعني معلوله تنزلا لوجوده وقطعة خارجة من صميم ذاته ورشحة من رشحات وجوده فانّ حقيقته جلّ وعلا انّه «لم يلد» فلا شي ء ينفصل منه جلّ وعلا.(2)
وحينئذ فلا معنى للتنزل، وعليه فالقاعدة العقلية المذكورة لا مجال لها بالنسبة للذات الالهية المقدسة فالذات الالهية المقدسة خارجة عنها تخصصا ولسنا بحاجة الى تخصيص
ص: 31
القاعدة فانّ القاعدة محدودة بالعلل الطبيعية وحينئذ نقول لو لم يكن تشابها بين العلة الطبيعية ومعلولها لصدر كلّ شي ء من كل شي ء، اما لو كانت العلة فاعلة بالمشية والارادة والمخلوق موجَد له، فلازم الايجاد هو التباين لا التناسخ وذلك لأنّ الفاعل حينما يوجد الاشياء والاشياء - المخلوقات - توجد بعد ما كانت مسبوقة بالعدم هو انّ ذاته عين الاحتياًج والافتقار وانّها لا تقتضي الوجود لانّها موجَدة قد اعطيت التشخص بعد إن لمتكن فهي مباينة للذات الغنية التي لا احتياًج لها - وحسب الاصطلاح واجبة الوجود - اذا الاستدلال العقلي المذكور في مقابل مادلت عليه الادلة الوحيانية انّما يرتبط بالعلل الطبيعية لا بالفاعل بالارادة والاختيار وعليه فهذا الاستدلال لا علاقة له بما هو المستفاد من الادلة النقلية ولا معنى له، في العلل الطبيعية حيث انّ المعلول رشحة من رشحات العلة وقطرة من فيضانها وقطعة من صميم وجودها، فالتسانخ بينهما صحيح بخلاف الفاعل بالارادة إذ انّه جلّ وعلا (لم يلد) فلا يمكن أن يكون هذا الاستدلال نافيا للتباين بين الخالق جلّ وعلا والمخلوق. للبحث صلة
ص: 32
سأل المتوكل ابن الجهم من اشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهلية و الاسلام ثم انه سأل ابا الحسن علياً الهادي عليه السلام؟ فقال الحماني حيث يقول:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة *** بمط خدود و امتداد اصابع
فلما تنازعنا المقال قضي لنا *** عليهم بما فاهوا انداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا *** عليهم جهير الصوت في كل جامع
فان رسول الله احمد جدنا *** و نحن بنوه كالنجوم الطوالع
و قال شاعر اهل البيت الكميت بن زيد الاسدي رحمه الله تعالی
نفي عن عينك الارق الهجوعا *** و هم يمتري منها الدموعا
لفقدان الخضارم من قريش *** و خير الشافعين معاً شفيعا
لدي الرحمن يصدع بالمثاني *** و كان له ابو حسن مطيعا
***
و يوم الدوح دوح غدير خم *** أبان له الولاية لو اطيعا
ص: 33
و لكن الرجال تبايعوها *** فلم ار مثلها خطرا ابيعا
و لم ار مثل ذاك اليوم يوماً *** و لم ار مثله حقا اضيعا
***
فقل لبني امية حيث كانوا *** و ان خفت المهند والقطيعا
اجاع الله من اشبعتموه *** و اشبع من بجوركم اجيعا
بمرضي السياسة هاشمي *** يكون حيا لامته مريعا
و ليثا في المشاهد غير نكث *** لتقويم البرية مستطيعا
يقيم امورها و يذب عنها *** و يترك جدبها ابداً ربيعا
و قال الصاحب بن عباد من قصيدة طويلة اورد سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص منها هذه الابيات:
حب النبي و اهل البيت معتمدي *** اذا الخطوب اساءت رأيها فينا
ايا ابن عم رسول الله افضل من *** ساد الانام وساس الهاشميينا
يا ندرة الدين يا فرد الزمان اصخ *** لمدح مولي يري تفضيلكم دينا
هل مثله سبقك في الاسلام لو عرفوا *** و هذه الخصلة الغراء تكفينا
هل مثل قولك اذا قالوا مجاهرة *** لولا علی هلكنا في فتاوينا
ص: 34
هل مثل جمعك للقرآن تعرفة *** لفظا و معنی و تأويلا و تبيينا
و قال الشافعي:
يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن انزله
كفاكم من عظيم الشأن انكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له
و قال الخليفة الناصر العباسي:
قسما بمكة و الحطيم و زمزم *** و الراقصات و سعيهن اليه مني
بغض الوصي اخي النبي علامة *** كتب علی جبهات اولاد الزنا
من لا يواليه في البرية حيدرا *** سيّان عند الله صلی ام زنا
ص: 35
آية الله السيد علی الشفيعي
بطلان المسانخة بين العلة و المعلول
بحث علمي موجز من افادات الاستاذ العلامة البهبهاني الرامهرمزي «قدس سره» القاها علی في بعض مجالسه الخاصة بي في حوزة الاهواز العلمية عند مذاكرة بعض المباحث العقليةتمهيد(1) ان اكثر الحكماء الاشراقين و عموم العرفاء علی ما نسب الی كلا الفريقن قائلون بالاشتراك المعنوي بين مراتب الوجود حتی صار ذلك القول كمقدمة عندهم للشباهة و النسبة بين الواجب الوجود و ممكن الوجود و قد اتسع هذا المبحث بينهم كثيراً في ضمن عبارات متنوعه و قوالب متعدده حتی سري ذلك الی بعض اجلاء الفقهاء و افاضل العلماء حتی تلقوه بالقبول و عظموا شأنه بحيث رأوه من الضروريات و قد صرح به بعضهم بقوله : و حيث ان القول الاول (اي الاشتراك اللفظي للوجود) يستلزم محاذير قطعية الفساد و ما يستلزم الفاسد فاسد قطعاً و من بعض محاذير لزوم العزلة بين الواجب و
ص: 36
الممكن و عدم السنخية بين العلة و المعلول المنتهي الی بطلان التوحيد من اصله و اساسه...(1)
مع ان الاعتقاد بالسنخية المذكورة بالخطابة اشبه من الاستدلال و مع ان بعض الاكابر قالوا بالاشتراك اللفظي بين الواجب و الممكن ثم بالاشتراك المعنوي بين الممكنات و لم يلزمهم محذور و لم يعرضهم البطلان في توحيدهم بل ان المحذور الفاسد لعله هو السنخية بين الواجب و الممكن علی انه لا يلزم ان يكون متفرعاً علی الاشتراك المعنوي كما يلوح من الكلام المشارالی للعلامة المشارالی و لا تلازم بين القولين.هذا كله مع ان السنخية الحقيقية بين الواجب الوجود و ممكن الوجود لا توجب اي شرافة و كمال لله سبحانه كما ان الاعتقاد بعدمها (و عدم الاعتقاد لها) لا يسلب اي فضيلة و كمال عنه سبحانه و تعالی و لا تنفي عنه اي صفة من صفاته الجلالية و الجماليهة و لا يوجد نقصاناً فيها.
و قد افاد بعض اساطين الفلسفة في الاعصار الاخيرة بقوله: ما احسن و احلی ان يقال: يا من دلّ علی ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و مسانخةمعلولاته. و ما اقبح ان يقال: يا من يسانخ وجوده كل شئ فكيف بان يقال في مقام وحدة الموجود: يا من هو عين ما انشائه و اظهره و تطور بعين ما صوّره ... نعوذ بالله من هذه التفوهات و امثالها.
ص: 37
و لا يخفی انّ الاعتقاد بان الوجود مفهوم واحد و انّ مرتبة واجب الوجود هي اتم و اقوی و اشدّ و اكمل و ارفع و اعلی مراتب الوجود و اضعف مراتبه وجود الممكن – لا يدفع محذور السنخية و لا يزيل خطرها كما هو معلوم – هذا مع بطلان اصل السنخية كما سيوافيك عن قريب.
مع ان لازم ما ذكروه امكان قابلية وجود الواجب للتنزل اليه مراتب الامكانية بل اتحاده معها و كذلك بامكان المرتبة الامكانية للصعود و الترقي اليه ان يصل اليه مرتبة الواجب و حلوله فيه او اتحاده معه كما ذهب اليهما بعض الصوفية و قد قال الشيخ الشبستري:چوممكن گرد امكان برفشاند بجز واجب دگر چيزي نماند(1) هذا و قد افاد الامام الرضاعليه السلام في بعض خطبه التوحيدية(في مجلس المأمون العباسي)حيث قالعليه السلام خلقة الله حجاب بينه و بينهم- ثم افادعليه السلام بعد ذلك بقوله: مباينته اياهم مفارقته انيتهم(2).
و الحاصل: انه ليس (هنالك) اي مناسبة بين الخالق و المخلوق و كل ما نشاهده في عالم الامكان من الوجود وآثاره، كان الواجب الوجود بعيداً منه كل البعد و هو تعالی اجل و ارفع منه. ماللتراب و رب الارباب. و معنی الخلق
ص: 38
و الخلقة هو ايجاد ممكن الوجود بمعنی احداث الوجود له ومن الواضح انّ ايجاد الوجود و احداثه مغاير و مباين لاِسراء الوجود. و ادّل دليل علی الفارق بين وجود الواجب و الممكن هو خواص كل منهما و آثاره. فتبصر جيداً.
اذا اتضح ذلك و وقع موقع القبول فلنرجع الی كلمة و جيزة تحقيقية للاستاذ العلامة المحقق البهبهاني «قده» حيث افادني في هذا المضمار بقوله رضوان الله عليه:العلة قسمان.
1- اضطرارية كالنار بالنسبة الی الحرارة و الاحراق و السنخية بين العلة و معلولها و بين الاثر و المؤثر بهذا المعنی لازم بالضرورة.
2- و اختيارية (بمعنی فاعل الفعل) ففي هذا المقام (بالنسبة الی الباري سبحانه) فمضافاً الی عدم وجود الدليل علی السنخية انّ الدليل قائم علی عدمها و ذلك لعدم معقولية المسانخة بين الواجب و الممكن و لذا نحن ننفي عن الواجب الجوهر و العرض و التركيب و ساير الخصوصيات الامكانية و مع ذلك نري انّ الممكن حادث من الواجب و انّ جميع الممكنات مخلوقة للخالق تعالی.
و كل من يتوهم السنخية بين الواجب و الممكن يلزمه اِما القول بامكان تبدل الواجب بالممكن او تبدّل الممكن بالواجب و التاليه في المقامين باطل بالضرورة فالمقدم مثله.
ص: 39
الافادة الثالثة
تحقيق حول قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء
من افادات الاستاذ العلامة البهبهاني «قدسّ سره الشريف» افاضها عليﹼ في الاهواز في بعض مجالسه الخاصة بيﹼ عندما سئلته عن هذه القاعدة المعروفةبين الحكماء. فانّ جمعاً منهم و من العرفاء حيث كانوا في مقام تأييد القول بوحدة الوجود و اعطائها صبغة فلسفية تمسكوا بالقاعدة المعروفة بينهم (بسيط الحقيقية كل الاشياء و ليس بشئ من الاشياء) مع عدم تمامية اصل القاعدة فافاد الاستاذ المحقق «قده» بقوله:
اذا كان المراد من قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء هو ان بسيط الحقيقة سار في جميع الاشياء و متحد مع جميع الاشياء فيرد عليه ان هذا مستلزم لضعف بسيط الحقيقة و عدم وجوده الا بتبع الانواع و الافراد.
بيان ذلك: ان بسيط الحقيقة ان كان متعيناً و متخصصاً و متميزاً لزم من ذلك عدم سريانه في جميع الاشياء لان المتعين و المتخصص لا يقبل السريان و انما يقلبه اذا لم يكن له التعين و التخصص كالجوهر الذي هو الجنس العاليه و له السريان في جميع الاجناس و الانواع و ذلك لا جل ان الجوهر لا يكون متعيناً في فرد او نوع معين و هذا هو وجه ما قلناه من ان السريان في جميع
ص: 40
الاشياء كاشف عن الضعف اعني ما دام باقياً علی ابهامه و الفرض ان ابهامه فوق ابهام ساير الاجناس و معذلك يكون سارياً في جميع الاجناس و الانواع فكان لازمه ما ذكرنا و لذا فلو خرج عن مرتبة عن مراتب الابهام اما بقيد التجرد او بقيد المادية كان سريانه بالنسبة الی سريان الجوهر اقل هما قبل ذلك فان الجوهر المجرد سار في العقول و الجوهر المادي سار في الاجسام فاذا اضيف الی الجوهر المادي قيد «النامي» مثلا كان سريانه اقل فاذا اضيف«الحساس» و «المتحرك بالاراده» كذلك فيقل و يضعف الی ان يصل الی مرحلة الفردية – و الحاصل- ان السريان هذا من ضعف الوجود لا من قوته و اشتداده فلو كان بسيط الحقيقة مأخوذا بهذا المعنی كان معناه ان شيئاً لم يلبس بعد كسوة الوجود و ابهامه اشد من ساير الاشياء يكون هدا كل الاشياء.
و هذا الكلام بالنسبة الی الجنس العاليه لا بأس به و اما بالنسبة الی واجب الوجود فغير مناسب له بل محال لا ستلزم ذلك عدم الوجود لانه حينئذٍ محتاج الی الاشياء
أو مفتقر اليها تعالی الواجب عن هذه الصفة علواً كبيراً.
و اما ان كان المراد من بسيط الحقيقة كل الاشياء عدم سريانه فحينئذٍ لا معنی لاتحاده مع كل الاشياء كما هو المفروض في القاعده بل تكون نسبته حينئذٍ الی الاشياء نسبة المباينة بل فوق المباينة اذ انه تعالی منزه عن السنخية مع الاشياء و الاتحاد معها.(1)
ص: 41
في جميع الاجناس و الانواع فكان لازمه ما ذكرنا و لذا فلو خرج عن مرتبة من مراتب الابهام اما بقيد التجرد او بقيد المادية
(القسم الاول)
اللجنة الثقافية لاهل البيت عليهم السلام
الحمدللَّه رب العالمين والصلاة والسلام علی سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين لا سيما ابنته سيدة نساء العالمين السيدة الجليلة ذات الاحزان الكثيرة في مدة قليلة المظلومة المغضوبة المضطهدة المقهورة الصديقة الشهيدة الانسية الحوراء فاطمة الزهراءعلیها السلام واللعن الدائم على أعدائهم ومخالفيهم ومعانديهم وظالميهم وغاصبي حقوقهم من الأوّلين والآخرين إلى يوم الدّين.
لا شك ولا ترديد في فضيلة وعلوّ درجة سيدة نساء أهل العالمين فاطمة الزهراءعلیها السلام بنت نبيّ الاسلام علی جميع نساء العالم(1) وعلی اساس آية التطهير(2) والروايات الواردة في وجودها المقدس في كتب الفريقين وأنها
ص: 42
احدى مصاديق المعصومين وان شيعة أهل البيت يعتقدون أنّها بعد وفاة النبي لم يُراعِ الخلفاء حرمتها ولقد أُذيت واُهينت والّتي ودّعت الدنيابعد مدة قليلة من وفاة ابيها وبحالة مغضبة ومؤلمة للنفس وأوصت إلى زوجها أميرالمؤمنينعليه السلام أن يدفنها ليلا لئلا يطلع عليها الخلفاء، يقول النووي:
«وأوصت أن تدفن ليلاً ففعل ذلك بها ونزل في قبرها علی والعباس والفضل بن العباس رضي اللَّه عنهم أجمعين.»(1)
وكتب الطبري:
«قالت فاطمةعلیها السلام: ... فاذا اَنا مّت فاغسليني أنت وعلي ولايدخل عليّ أحدٌ. فلمّا توفيت جاءت عايشة رضي اللَّه عنها تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي فشكت إلى ابي بكر... فقالت (أسماء(: أمرتني أن لايدخل عليها أحدٌ....»(2)
انّ الشيعة وتابعي أهل البيت علیهم السلام : يقيمون الدليل لرد شرعية خلافة الخلفاء بواسطة عدم بيعة علیعليه السلام وفاطمة الزهراءعلیها السلام ويقولون... في بيعة علیعليه السلام لهم أنها كانت مفروضة عليه من خلال مواجهتهم لهعليه السلام ولان اثبات هذا الموضوع له مدخلية في اصل اثبات مذهب الشيعة ورد مذهب السنة فلابد أن يحقق ويبين كاملا ومن جهة اخری ان علماء السنة مع معرفتهم بأهمية المقابلة السيئة من الخلفاء مع علي عليه السلام وفاطمة علیها السلام واثرها عند المسلمين
ص: 43
انهم في صدد انكار ايّ نوع من المواجهات الظالمة واسائة الادب إلى الزهراء علیها السلام وفي أيّ مكان كان لهم القدرة على الانكار انكروا وادعوا ان الخلفاء كانوا مورد تأييد الأمير والزهراء-عليهما السلام-.
نحن في هذا الكتاب نسعى للجواب بجواب شافٍ وتامٍ مع كمال الاختصار لكي لا تبقى أيّ نقطة مبهمة بحول وقوة الاله، اذ دققنا النظر رأينا ان الذين ينكرون هذه الاهانات والمظالم لم يخرجوا من احدى الطائفتين المذكورتين:
أحدهما الّذين لهم معرفة قليلة وليس لهم اطلاع من الادلة والكتب التاريخية التي عندهم وعند اكابرهم وثانيهما الذين لهم اطلاع من التاريخ الاسود لهذه القضايا وفي نفس الوقت انهم بصدد الانكار و وضع الستار عليها ويدعون ان بيان تلك الحقائق موجب للتفرقة بين المسلمين وبهذه الحيلة يريدون منع دراية وفهم الناس لان مع تبعيد الناس عن الواقعيات يبقون الناس على عقائدهم غير المنطقية.
ونقول للطائفة الاولى أن لا تنغروّا بحيلة كلام القائلين بلا منطق ولا تتهموا عموم الشيعة بالافتراء والكذب لاننا في هذا الكتاب نحقق الموضوع كاملا ونثبته واللازم عليكم أن تطلبوا الحق والحقيقة ونقول للطائفة الثانية اولا جدير ومناسب لكم أن تعترضوا العلماء المورخين منكم بانه لماذا نقلوا هذه المطالب. ولو انهم لم يكتبوا فللَّه الحجّة البالغة وان الحقيقة لن تغطى ابدا مع أنهم ارادوا اخفاء حقائق اخر لكن ظهرت الحقيقة من الاستار الموضوعة وظفر المؤمنون بالحقّ.
ص: 44
ثانيا اننا اذا طرحنا هذا الموضوع انه صرف دفاع في مقابل حملات وتُهم مختلفة من القائلين والمؤلفين المفترين المغرضين من أجل تفرقة المسلمين يشبهون الأمر على الاخوة السنة غير المطلعين ويعرّفون المجتمع الشيعي الموحد بأنّه كافر ومشرك وملحد ويقولون هذه القضايا من جعلياًت الشيعة اذا نحن مضطرون أن نرفع من مظلومية أهل البيت: ونبيّن لاخواننا الطالبين للحقّ المتفرقين في اقطار العالم وأن ندفع سوء الظن والنظرة القبيحة ونثبت انّ الشيعة لم تجعل ايّ مطلب. فقط بينت الواقعيات التاريخية لتنوير الافكار وفي النتيجة ان طرح تلك الافكار علی خلاف قول الطائفة الثانية تكون موجبة للوحدة الاسلامية، نعم كلام الطائفة الثانية اعقل من الطائفة الاولى لانّه نوع احتياًل لانهم يعلمون ان نتيجة الانكار هو تكذيب الكتب الحديثية لهم الّتي يسمونها الصحاح ويعدون بعضها مثل القرآن قطعي الصدور وأخذوا اساس التسنن منها مثل صحيح البخاري الّذي ذكر قضية غضب فاطمة علیها السلام علی أبي بكر وقطع كلامها(1)، وفي الحال اذا كان مقابلة الخليفةمع الزهراءعلیها السلام قليلا وقابلا للاغماض كان من المسلّم أن تعفوا الزهراء علیها السلام عنه لأنّ القرآن يقول احدى صفات أهل الجنّة في الدنيا انّهم (والكاظِمينَ الْغَيْظِ(2)) وأنّها سيدة نساءأهلالجنّة بموجب ما قاله الرسول ان في هذا الكتاب دفاع عن مظلومية الصديقة الطاهرة علیها السلام واثبات الظلم والاهانة على وجودها المقدس
ص: 45
من قبل الخلفاء وفي النهاية عدم حقانية خلافة الخلفاء ومذهبهم هذا والكتاب يشتمل على أربع عناوين:
الأوّل: بعض فضائل ومناقب الصديقة الطاهرة من الكتب المعتبرة لأهل السنة.
الثاني: المواجهات الظالمة من الخلفاء مع الزهراء. علیها السلام
الثالث: الشواهد على اعمال التهديدات.
والرابع: استبعادات واسئلة بعض عوام أهل السنة منها. شجاعة وغيرة أميرالمؤمنين عليه السلام واهانة ناموسه و وجود صحابة رسول اللَّه وسكوتهم في مقابلة الظلم والاهانة إلى... وزواج الخليفة الثاني مع بنت الزهراء علیها السلام وكيف يمكن هذا مع ظلم امّها.
القسم الاوّل
نبذة من فضائل ومناقب الصديقة الطاهرةعلیها السلام
من الكتب المعتبرة لاهل السنة
1- قال النبي: « فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة(1)»
2- انّ رسول اللَّه قال: «فاطمة بضعةٌ منّي فمن أغضبها أغضبني(2)»3- قال رسول اللَّه: «انّما فاطمةٌ بَضعةٌ مِنّى يُؤذينى ما آذاها»(3)
ص: 46
4- قال رسول اللَّه لفاطمةعلیها السلام: «انّ اللَّه يغضب لِغضبكِ و يرضى لِرضاكِ»(1)
5- عن زيد بن أرقم، انّ رسول اللَّه قال لعلی وفاطمة والحسن والحسين: «اَنا حربٌ لِمَن حارَبْتُم و سِلْم لِمَن سالَمْتُمْ».(2)
6- عن أبي بريدة عن أبيه، قال: «كان أحبّ النساء الى رسول اللَّه فاطمة علیها السلام ومن الرجال عليّ».(3)
ص: 47
7- عن عليعليه السلام قال: «سمعتُ النَّبيَّ يقول: «اذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من وراء الحجاب، يا اهل الجمع غضّوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمّد حتّی تَمُرّ».(1)
8-عن جابر بن عبداللَّه، قال: قال رسول اللَّه : انّما سميت بنتي فاطمة لأنّ اللَّه عزّ وجلّ فطمها وفطم محبيها عن النّار.(2)
9- عن عائشة أنّها قالت: «ما رأيتُ أحدا كان أشبه كلاما وحديثا برسول اللَّه من فاطمةعلیها السلام وكانت اذا دخلتْ عليه قام اليها فَقَبَّلها ورَحَّبَ بها وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه وكانت هي اذا دخل عليها رسول اللَّه قامت اليه مستقبلة وقبّلت يده».(3)
10- عن عائشة أنها كانت اذا ذكرت فاطمة بنت النبيّ قالت: «ما رأيت احدا كان أصدق لهجة منها الّا أن يكون الّذي وَلَّدَها.»(4)
ص: 48
11- وفي حلية الاولياء، قالت عائشة:«ما رأيت أحدا قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها».(1)
وفي رواية اخری: «ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها»(2).
12- عن ابي سعيد قال: لمّا نزلت (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) دعا رسول اللَّه فاطمة، فأعطاها فدك.(3)
13- عن انس بن مالك وبريدة قال: «قرأ رسول اللَّه هذه الآية: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ) فقام اليه رجل فقال: «أيُّ بيوتٍ هذه يا رسول اللَّه؟ قال: بيوت الأنبياء. فقام اليه ابوبكر فقال: يا رسول اللَّه هذا البيت منها؟ لبيت علی وفاطمة قال: نعم من أفاضلها»(4).
14- عن انس بن مالك: «أنّ رسول اللَّه كان يمرّ بباب فاطمة رضى اللَّه عنها ستة أشهر اذا خرج لصلاة الفجر يقول:
ص: 49
«الصلاة يا أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».(1)
15- عن ابن عباس رضى اللَّه عنه قال: «شهدنا رسول اللَّه تسعة أشهر، يأتي كل يوم باب علی بن أبي طالب رضى اللَّه عنه عند وقت كلِّ صلاة، فيقول: السلام عليكم ورحمه اللَّه وبركاته أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الصلاة رحمكم اللَّه، كلّ يوم خمس مرّات».(2)
القسم الثاني
المواجهات الغير المناسبة من الخلفاء مع فاطمة الزهراءعلیها السلام
الف – غضب الزهراء علیها السلام على الخليفة الاوّل
«... عن عائشة انّ فاطمةعلیها السلام بنت النبي أرسلت الى ابي بكر تسألَهُ ميراثها من رسول اللَّه ممّا أفاء اللَّه عليه بالمدينة وفدكٍ ومابقى من خمس خيبر، فقال ابوبكر: انّ رسول اللَّه eقال لانورث ما تركنا صدقةٌ انّما يأكُلُ آل محمّد eفي هذا المال وانّي واللَّهِ لا اُغيّر شيئا من صدقة رسول اللَّه و عن حالها التّي كان عليها في عهد رسول اللَّه ولأعمَلَنَّ فيها بما عمل به رسول اللَّه eفأبى أبوبكرٍ أن يدفع الى فاطمةُ منها شيئا. فَوَجَدَت - اي
ص: 50
غضبت،(1) فاطمة علی ابي بكر في ذلك فهجرته فلم تُكلِّمه حتّی تُوُفِّيت وعاشت بعد النّبي eستّة أشهر فلمّا توفّيت دفنها زوجُها علی ليلاً ولم يؤذن بها ابابكر وصلّی عليها».(2)
والنكات كما يلي:
كيف يمكن للنبي اللَّه أن يبلغ الحكم الالهي لشخص لم يكن مبتلى به ولم يبلغه لشخص مبتلا به يعني يبلغ حكم الارث لغير الوارث وامّا الوارث فلا. لذا نجد ان الفخر الرازي في تفسير الكبير هكذا ينقل استدلال الشيعة:
ص: 51
«أنّ المحتاج الى معرفة هذه المسألة ما كان الّا فاطمة وعلی والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدّين وأما ابوبكر فانه ما كان محتاجا الى معرفة هذه المسألة البتة، لأنّه ما كان ممن يخطر بباله أنّه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة الى من لاحاجة به اليها ولايبلّغها الى من له الى معرفتها أشدُّ الحاجة.»(1)
ثم لجواب الشيعة يذكر دليلان:
الأوّل: انّ فاطمة(علیها السلام) بعد تكلمها مع أبي بكر قبلت نظره وقنعت به.
والثاني: انّ الاجماع قائم على صحة نظر أبي بكر.
وأمّا جواب الفخر الرازي نقول في جواب دليله: الاول كلا وابدا انّ فاطمة(علیها السلام) لم تقبل كلام أبي بكر لانه اذا قبلت كلامه ولم تقبل جعلیته لم تكرر دعواها ابدا كما في صحيح البخاري ومسلم ان الزهراء(علیها السلام) كرارا طلبت ميراثها ونذكر نفس العبارة في النكتة الثانية.
ونقول في جواب دليله الثاني كيف يكون الاجماع قائما على صحة نظرية أبي بكر وعليعليه السلام الّذي كان باب مدينة العلم للنبي اللَّه كان مخالفا له ولذا خالف ابابكر مع نظريته ورد عليه بالآيات القرآنية الآتية في النكتة الثالثة.
ص: 52
زيادة على ذلك انّ الزهراء - سلام الله عليها- لم تقبل ذلك وسكوت بقية الصحابة في تلك الظروف الخانقة الّتي هُدد فيها علیعليه السلام والعباس والزبير بالقتل لا يكشف عن رضا الصحابة وقبول كلام أبي بكر.
ثانيا انّ تكرار مطالبة الارث من جانب الصديقة الطاهرة(علیها السلام) وغضبها في مقابلة الرواية الّتي نقلها ابو بكر منفردا يُعد تكذيبا لأبي بكر من قبلها واذا كانت تعتقد بصحة كلام أبي بكر لم تكذبه فقط بل حسنته وشكرته لنقله كلام النبيّ .
عن ابن شهاب أخبرني عُروة بن الزبير: ... قال: «وعاشت بعد رسول اللَّه ستَّة أشهر قال وكانت فاطمة تسأل أبابكر نصيبها ممّا ترك رسول اللَّه ...(1)
ثالثا ولو كان ابوبكر صادقا في كلامه للزهراء (علیها السلام) لم يحاججه علیعليه السلام.
عن أبي جعفرعليه السلام قال: «جاءت فاطمة الى أبي بكر تطلب ميراثها وجاء العباس بن عبدالمطلب يطلب ميراثه وجاء معهما عليعليه السلام فقال أبوبكر: قال رسول اللَّه لانورث، ما تركناه صدقة [وما] كان النبيّ يَقول، فقال علی:«وَرِث سليمان داود وقال زكريا: يَرِثني و يَرِث من آل يعقوب«، قال ابوبكر:
ص: 53
هو هكذا وأنت واللَّه تعلم مثل ما أعلم، فقال علی: هذا كتاب اللَّه ينطق فسكتوا وانصرفوا».(1)
جاء في سيرة الحلبي: «وفي كلام سبط ابن الجوزي انّ ابابكر كتب لها بفدك ودخل عليه عمر فقال ماهذا؟ فقال كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها فقال مما ذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه...»(2)
لو كان ابوبكر يعتقد بأنّ فدك لم يكن ملك وأرث فاطمة(علیها السلام) لماذا نقض كلامه وكتب سندا مبني على ردّ فدك للصديقة الطاهرة عليه السلام مع انّ عمر بن الخطاب دخل في هذه القضية وشقها.
كيف يمكن أن يكون هذا الحديث لم ينقله أحد من الصحابة ولم يسمعه إلّا ابوبكر وكلّ من ذكره أسنده إلى ابي بكر.«ما أخرجه ابوالقاسم البغوي و ابوبكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة قالت لمّا توفى رسول اللَّه ... اختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند
ص: 54
أحد في ذلك علما فقال ابوبكر: سمعت رسول اللَّه يقول: إنّا معشر الانبياء لانورّث ما تركناه صدقة قال بعضهم: وهذا اوّل اختلاف وقع بين الصحابة...»(1)
ب - التهديد باحراق بيت فاطمة(علیها السلام)
ابن ابي شيبة استاذ الامام البخاري يكتب:
حدثنا زيد بن اسلم عن ابيه أسلم أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللَّهكان علي والزبير يدخلان على فاطمة(علیها السلام) بنت رسول اللَّه فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّی دخل على فاطمة(علیها السلام) فقال: يا بنت رسول اللَّه eواللَّه ما من أحد أحبَّ الينا من أبيك وما من أحد أحبَّ الينا بعد أبيك منك، وأيم اللَّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلمّا خرج عمر جاءوها فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف باللَّه لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت وأيم اللَّه ليمضينّ لما حلف عليهفانصرفوا راشدين، فَرَوا رأيكم ولاترجِعوا إليّ، فانصرَفوا عنها فلم يرجِعوا اليها حتّی بايَعُوا لأبي بكر.(2)
ص: 55
ج - امر أبي بكر بالحرب ومجي ء عمر بقبس من نار إلى بيت فاطمة(علیها السلام)
وقال ابن عبدربّه الأندلسي في عِقدالفريد:
فأمّا علی والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة(علیها السلام) حتّی بعث اليهم ابوبكر عمر بن الخطاب لِيَخرُجوا من بيت فاطمة(علیها السلام)، وقال له: اِنْ أَبَوا فقاتِلهم. فأقْبَلَ بقبَسٍ من نار على أن يضرم عليهم الدار(1)،فَلَقِيَتْه فاطمة(علیها السلام) فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتُحرق دارَنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الاُمّة!(2)
د - تحريف الرواية لاجل حفظ ماء وجه الخليفة!
شبيه هاتين الروايتين الماضيتين، ما نقله ابن عبدالبر في الاستيعاب لكنه مع الاسف حرّف عبارة التهديد بالقبس واكتفی بالكناية.فعن زيد بن أسلم - عن أبيه أنّ عليا و الزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمةرضي اللَّه عنهم فيشاورانها ويتراجعان في أمرهم فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول اللَّه [واللَّه] ما كان من الخلق أحدٌ أحبَّ الينا من أبيك وما أحد أحبَّ الينا بعده منك ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ، ثمّ خرج وجاؤها،
ص: 56
فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني وحلف لئن عُدتُم ليفعلنّ، وأيم اللَّه ليفينّ بها، فانظروا في أمركم ولاترجعوا اليّ، فانصرفوا فلم يرجعوا حتّی بايعوا لابي بكر.(1)
ﻫ - الخليفة الثاني قال: لابد لاجل تقوية دين خاتم الانبياء أن احرق بيتكم
المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي، وعن ابن عون:
أنّ أبابكر أرسل إلى علی يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس فتلقته فاطمة(علیها السلام) على الباب، فقالت فاطمة(علیها السلام): يابن الخطاب أتراك محرَّقا علی الباب؟ قال: نعم، ذلك اقوى فيما جاء به أبوك، وجاء علي(عليه السلام)فبايع وقال: كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن.(2)ان عمر أراد أن يقول بهذه العبارة انّي اشخص أن احراق البيت وأهله سببٌ لعلوّ الدين النبوي مع انه كان يعلم ان في البيت بنت النبي وسبطيه وابن عم النبي وزوج ابنته.
انّ علياً عليه السلام الذي كان سببا للفتح والظفر للاسلام وجيشه، فلابد اليوم ولاجل تقوية النبي أن يحرق بيته بنظر عمر واصحابه وهذا هو الاقوى عنده.
و - يتخذ ابن الزبير من تهديدات ابي بكر اسوة له
ص: 57
عن حمّاد بن سلمة، قال:
«كان عروة بن الزبير يعذر أخاه اذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إيّاهم في الشعب وجمعه لهم الحَطب لتحريقهم، ويقول: انّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما ارهب بنوهاشم وجمع لهم الحطب لاحراقهم اذ هم اَبَوا البيعة فيما سلف».(1)
وقال المسعودي:
«كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبداللَّه في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحَطَب ليحرقهم ويقول: انّما اراد بذلك ألّا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطّاعة فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمربنالخطاب ببني هاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أَحضَرَ الحطب ليُحرِّق عليهم الدّار».(2)
ز - اهانة وتعرض أبي بكر الى الصديقة الكبرى(علیها السلام) بحضور صحابة النبي كتب ابن ابي الحديد:
انّ الزهراء(علیها السلام) جائت الى المسجد النبوي النبي لاخذ حقوقها المسحوقة من قبل أبي بكر وخطبت كما جاء في الكتب المعتبرة وهذه الخطبة كانت ثقيلة على أبي بكر لذا رقی المنبر.
ص: 58
فلمّا سمع أبوبكر خُطبتَها شقّ عليه مقالتها فصعد المنبر وقال: اَيِّهَا النّاس، ما هذِه الرِّعة الى كلّ قالة! أين كانت هذه الأمانيّ في عهد رسول اللَّه ألا مَن سمع فليقل، ومن شهد فليتكلّم، انّما هو ثعالة شهيده ذنبه، مُرِبّ لكلّ فتنة هو الّذي يقول: كرّوها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنِّساء كأم طحال أحبّ أهلها اليها البغي... .
قال ابن ابي الحديد:
«قرأت هذا الكلام على النقيب ابي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له: بمَن يعرّض؟ فقال: بل يصرّح! قلت: لو صرّح لم أسألك.فضحك وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام قلت: هذا الكلام كلّه لعلي يقوله! قال: نعم، انه المُلك يا بُنيّ، قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر عليّ فخاف من اضطراب الأمر عليهم...»(1)
هل كان من الحري أن يهان اهل البيت: و ودائع رسول اللَّه في حقهم بالعداوة والكلمات الركيكة؟!
ح - ما الذي حدث وفرّق جماعة الباكين وفاطمة(علیها السلام) تندب اباها بصوت عال!
جاء في كتاب ابن قتيبة:
ص: 59
«انّ ابابكر رضي اللَّه عنه تفقّد قوما تَخَلَّفُوا عن بيعته عند علي كرّم اللَّه وجه فبعث اليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحَطَب وقال: والّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ او لأحرقنّها على من فيها، فقيل له يا أباحفص. إنّ فيها فاطمة؟ فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلّا علياً فانّه زعم أنّه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتّی أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضى اللَّه عنها على بابها، فقالت: لاعهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول اللَّه جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تَردُّوا لنا حقّا. فأتى عمر أبابكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟ فقال ابوبكر لقنفذ و هو مولى له: اذهب فَادعُ لي علياً، قال فذهب إلى علي فقال له: ماحاجتك؟ فقال يدعوك خليفة رسول اللَّه، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول اللَّه. فرجع فأبلغ الرسالة قال: فبكى أبوبكر طويلا. فقال عمر الثانية لاتمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة، فقال ابوبكر رضي اللَّه عنه لقنفذ: عد اليه فقل له: خليفة رسول اللَّه يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدّى ما أمر به، فرفع عليّ صوته فقال: سبحان اللَّه؟ لَقَدِ ادَّعى ما ليس له، فرجع قنفذ، فأبلغ الرسالة، فبكى ابوبكر طويلا، ثمّ قام عمر، فمشى معه جماعة حتّی أتوا باب فاطمة، فَدَقَّوا الباب، فلمّا سَمِعَت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبتِ يا رسول اللَّه ما ذا لقينا بعدكِ مِن ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلمّا سمع القوم صوتها و بكائها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تَنْصَدِع وأكبادهم تَنْفَطَر و بقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً، فَمَضَوا به إلى ابي بكر...(1)
للبحث صلة
ص: 60
الصورة

ص: 61
ميلاد الامام ابي الحسن علی الهادي عليه السلام
ولد في المدينة يوم الجمعة ثاني رجب لاثنتي عشرة و مائتين هجرية بناء علی رواية ابن عياش وهي ضعيفة سندا مضافا لارسالها.و قد أقام مع ابيه الامام الجواد عليه السلام ثماني سنين الا نصف شهر و بعد ابيه ثلاثا و ثلاثين سنة و تسعة اشهر و هي مدة امامته، و المتحكمون ايام امامته المعتصم و الواثق و المتوكل و المنتصر و المستعين و المعتز و توفي في آخر ملك المعتمد ( و كانت مدة اقامته بسر من رأی عشرين سنة او عشرين و تسعة اشهر)و جاء اختلاف في الروايات و الاقوال في المولد و الوفاة، و عدد اولاده خمسة و هم ابو محمد الحسن العسكري عليه السلام و ابو جعفر محمد عليه السلام و الحسين و جعفر و بنت واحدة . و ذكرت له كتب الحديث من الفريقين فضائل و مناقب و مآثر جليلة لا يسع المجال لذكرها و قد قاسی من طواغيت زمانه ما قاسی من اضطهاد و حبس و تضييق و أذی حتی لقي ربه.
ص: 62
شهادة الامام ابي الحسن علي الهاديعليه السلامتوفي شهيدا مسموما في سامراء في اليوم الثالث من شهر رجب سنة اربع و خمسين و مائتين و دفن في داره بسامراء و كان المتوكل العباسي اشخصه اليها من المدينة و كان عمره الشريف يوم وفاته اربعين سنة . علی اختلاف في الروايات .
و قد اعتل الامام علي الهادي عليه السلام علته
التي توفي فيها بعد ان دس اليه المعتمد العباسي السم و لما قضي نحبه ارتجت سامراء بالبكاء و العويل و خرج خلق كثير من الشيعة لتشييعه و في مقدمتهم بنو هاشم من الطالبيين و العباسيين، و هكذا فارق الحياة مظلوما شهيدا كما فارقها من قبله آباؤه عليهم السلام .
فلهفي عليهم ما قضی حتف انفه مجاهرة *** كريم لهم الّا بسمٍ و صارم
و في يوم وفاته من كل عام تزدحم سامراء بالزائرين ومواكب العزاء و يكون ذالك اليوم من الايام المشهودة و ترفع فيها الصوات صارخة الی الله شاكية ظلم الظالمين و جور المتحكمين المعتدين علی اهل البيت النبوي الطاهر . و تمضي المواكب تشق شوارع سامراء الی الصحن الشريف و هي تردد الشعارات و بما اوصی به النبي من الاعتصام بالكتاب و العترة.
ص: 63
ولادة الامام محمد بن علی الجواد عليه السلام
كان يوم ولادته الجمعة عاشر رجب لخمس و تسعين و مائة هجرية و قد قام بالامامة بعد ابيه الامام ابي الحسن علي الرضا عليه السلام سنة مائتين و ستة هجرية علی اختلاف في الروايات و كان المأمون يحترمه و قد زوجه ابنته ام الفضل و غضب لذالك العباسيون و غلظ عليهم و استكبروه و خافوا ان ينتهي الامرمعه الی ما انتهی اليه مع الرضا عليه السلام فخاضوا في ذلك و اجتمعوا فقالوا ننشدك الله ياامير المؤمنين ان تقيم علی هذا الامر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا فانا نخاف ان تخرج به عنا امرا قد ملكناه الله و تنزع منا عزا قد البسناه الله و قد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم و قد كنافي وهلة (اي خوف) من عملك مع ابيه الرضا ما عملت حتی كفانا الله المهم من ذالك فالله الله ان تردنا اليه غم قد انحسر عنا و اصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل الی ما تراه من اهل بيتك يصلح لذلك دون غيرهم (فقال) لهم المأمون: اما ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعا للرحم و اعوذ بالله من ذلك ، ووالله ما ندمت علی ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان مني من استخلاف الرضاعليه السلام و لقد سألته ان يقوم بالامر و انزعه عن نفسي فأبی و كان امر الله قدرا مقدورا. و اما ابوجعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه علی اهل الفضل كافة في العلم و الفضل مع صغر سنه و الاعجوبة فيه بذلك وانا ارجو ان يظهر للناس ماقد عرفته منه ان يمتحنوا الامام الجواد عليه السلام في العلم علی يد اكبر العلماء في
ص: 64
عصره و هو قاضي القضاة يحيی بن اكثم فاجابهم المأمون الی ذلك واعد مجلسا فخما عاما للمناظرة و كانت النتيجة اخفاق العباسيين و فشل يحيي بن اكثم اذ تركه الامام عليه السلام متحيرا لا يحير جوابا و قد ذكرت ذلك كتب الحديث بصورة مفصلة فمن اراد الاطلاح عليها فليرجع اليها . و قد قال المأمون بعد ذلك : و يحكم ان اهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل و ان صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال، اما علمتم ان رسول الله افتتح دعوته بدعاء امير المؤمنين عليعليه السلام و هو ابن عشر سنين و قبل منه الاسلام و حكم له به ولم يبايع احدا في سنه غيره. و بايع الحسنعليه السلام و الحسين عليه السلام و هما ابناه دون ست سنين و لم يبايع صبيا غير هما افلا تعلمون ما اختص الله به هؤلاء القوم وانهم ذرية يجري لآخرهم ما يجري لاولهم قالوا صدقت يا امير المؤمنين. ثم عقد له علی ابنته و زوجه منها و مكث عنده في بغداد مدة ثم قفل راجعا الی المدينة و بقي فيها الی ان مات المأمون وخلفه المعتصم فبعث اليه ضيفاً الامام الجواد يستقدمه الی بغداد مع زوجته و لما قدمها و حل فيها ظيفا عليه انفذ اشناس احد عبيده بالتحف اليه و الی ام الفضل زوجته ثم انفذ اليه شراب حماض الاترج تحت ختمه و كان قد دس فيه سما و قد قضی به علی حياة الامام عليه السلام و قيل انه أمر أم الفضلبذلك و حملت اليه عنقودا من العنب كان مسموما فتوفي شهيدا مسموما في آخر ذي القعدة سنة 220و عمره خمس و عشرون سنة.
ص: 65
ميلاد مولانا الامام اميرالمؤمنين علي عليه السلام
الصورة

ولد مولانا امير المؤمنين و سيد الوصيين و خليفة سيد المرسلين الامام علی بن ابي طالب صلوات الله و سلامه عليه ،في مكة المكرمة يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب لثلاثين سنة مضت علی عام الفيل و كان اول هاشمي ولد من هاشميين، و محل ولادته الكعبة المشرفة و لم يولد قبله و لا بعده في البيت الحرام احد سواه و هذه فضيلة اختصه الله بها ذكر ذلك ابن الصباغ الماﻟﻜﻰ في الفصول المهمة ص14 و ابن المغازلي الشافعي و اﻟﺸﺒﻠﻨﺠﻰ ص114 و ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ص11و ابن البطريق في العمدة ص14 و ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص7 و المسعودي ﻓﻰ مروج الذهب ج2ص2 و غيرهم و قدجاء في كتاب (الغدير) ج6ص20 في شرح العلامة السيد محمود الالوسي لقصيدة عبدالباقي العمري العينية التي يمدح بها امير المؤمنين عليه السلام و منها هذان البيتان:
انت العلي الذي فوق العلی رفعا مجاهرة *** ببطن مكة وسط البيت اذا وضعا
ص: 66
و انت انت الذي حطت له قدم مجاهرة
في موضع يده الرحمن قد وضعا
حيث يقول ما نصه : و كون الامير كرم الله وجه ولد في البيت امر مشهور في الدنيا، و ذكر في كتب الفريقين السنة و الشيعة، و ما احری بامام الائمة ان يكون وضعه في ما هو قبلة للمؤمنين. و سبحان من يضع الاشيآء في مواضعها و هو احكم الحاكمين.
و قد تغنی شعراء الاسلام منذ ذلك العهد حتی اليوم بهذا المولد الكريم فمنهم السيد اسماعيل الحميري رحمه الله اذا يقول قصيدة له:
ولدته في حرم الاله و أمنه *** و البيت حيث فناؤه و المسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت و طاب وليدها و المولد
و قال شاعر لبنان الاستاذ (بولس سلامة) في ملحمته الكبری المسماة (الغدير )
حرة لزها المخاض فلاذت *** بتار البيت العتيق الوطيد
لا نساء و لا قوابل حفت *** بابنة المجد والعلى ولاجود
واذا نجمة من الافق لاحت *** تطعن الليل بالشعاع الجديد
بسم المسجد الحرام حبوراً *** وتنادت احجاره للنشيد
هالت الام صرخة جال فيها *** بعض شئ من همهمات الاسود
(اسد) سمت اينها كأبيها *** لبدة الجد اهديت للحفيد
ص: 67
بل (علياً)تدعوه قال ابوه *** فاستفز السماء للتأكيد
و في كفاية الطالب ص 26 للحافظ الكنجي الشافعي في رواية مسلم بن خالد رفعه الی جابر بن عبدالله قال سألت رسول الله عن ميلاد علي بن ابي طالب عليه السلام فقال لقد سألتني عن خير مولود ...ثم قال ان الله تبارك و تعالی خلق علياً من نوري و خلقني من نوره و كلا نا من نور واحد و ساق الحديث الی آخره في تفضيل كيفية ولادته في البيت الحرام.
وفاة الحوراء زينب الكبری بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام
ما ان عادت الی مدينة جدها رسول الله وسلم بعد تلك الحادثة الكبري المؤلمة التي اهتز لهولها العالم الاسلامي و هي واقعة الطف التي ذهب فيها ضحية الطغيان الاموي سيد شباب اهل الجنة الحسين بن علي عليه السلام و معه اهل بيته و اصحابه الابرار حتی رأی الامويون ان وجود زينب بنت عليعليه السلام في المدينة يقتض مضاجعهم و يثير الشعور الاسلامي ضدهم فابعدوها الی مصر وبقيت هناك حتی مرضت و توفيت في اليوم الرابع عشر من شهر رجب سنة اثنين و ستين هجرية علی ارجح الاقوال فراجع كتاباخبار الزينبيات ص8و19و59 و ما استدرك علی (السخاوي) في تحفة الاخبار هامش ص111و لينظر ايضا طبقات الشعراني ص29و الخطط لعلي مبارك باشا.
ص: 68
خروج النبي من حصار شعب ابي طالب عليه السلام
في الخامس عشر من شهر رجب من السنة التاسعة او العاشرة من النبوة خرج النبي مع بني هاشم من شعب ابي طالب عليه السلام بعد ان مكثوا فيه سنتين او ثلاثا و ذلك لما رأت قريش عز النبي بمن معه و عز اصحابه بالحبشة الذين هاجروا اليها تخلصا من أذي قريش و تعذيبهم و قد أمرّ النبي عليهم جعفر ابن ابي طالب عليه السلام هذا و قد فشا الاسلام في القبائل فأجمعت قريش علی قتل النبي فبلغ ذلك عمه و ناصره ابا طالب فجمع بني هاشم و بني المطلب و ادخلوا رسول الله شعبهم و منعوه ممن اراد قتله و كان ابو طالب في كل ليلة بأمر ولده علياً عليه السلام ان يضطجع بفراش رسول الله و يتنقل بالنبي من مكان الی مكان لئلا تهتدي قريش اليه فيعرض ولده للقتل فداءاً لابن عمه و يقوم هو بحراسته ليلا و نهارا فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا و تشاوروا ان يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه علی بني هاشم و بني المطلب ان لا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يخالطوهم و لا يقبلوا منهم صلحا ابدا حتی يسلموا رسول الله للقتل و كتبوا ذلك في صحيفةبخط منصور بن عكرمة بن هشام فشلت يده و علقوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة و انحاز بنو هاشم و بنو المطلب الی ابي طالب و دخلوا معه شعبه الا ابا لهب فكان مع قريش و اقاموا علی ذلك سنتين او ثلاثا حتی جهدوا و كانت قريش قد قطعت عنهم الميرة و كان لا يصل اليهم شئ الا سرا كما كانوا لا يخرجون الا من موسم الی موسم ثم قام
ص: 69
رجال في نقض الصحيفة و كان قد اطلع الله نبيه ان الارضة قد اكلت جميع ما فيها من القطيعة و الظلم فلم تدع الا اسم الله فقط فأخبر عمه بذلك فأخبرهم ابو طالب. و قصة قطيعة قريش و صحيفتهم تطرقت الی ذكرها كتب السير و التاريخ بصورة مفصلة فمن اراد ان يطلع عليها مفصلا فليراجع تلك الكتب . وهنا لا بد لنا من ان نشير الی جهاد ابي طالب و نصرته للنبي و عمله علی نشر الدعوة الاسلامية و ان تكلم فيه المغرضون و قالو بكفره او انه لم يسلم و ما كان ذلك منهم الا عداءا لابنه امير المؤمين علي عليه السلام طلبا للنكاية به في الطعن بأبيه و الا لم يك عم المصطفی و كفيله و رئيس قريش و حكيمها بالذي يشذ عن تلك الدعوة الحقة او يجئ غير مستسلم لشئ من مبادئها و تعالیمها و انما كان يبطن بخوعه للدين الاسلامي كلاءة لزعامته و لقومه عن الانثيال عنه ، الامر الذي به كان يتسنی له الحصول علی غايته المتوخاة من الذب عن رسول الله و الدفاع عما جاء به، و قدتضافرت بذلك الاحاديث عن أئمة اهل البيت عليهم السلام و انه (اوتي اجره مرتين كاصحاب الكهف يوم اخفوا الايمان و اظهروا الكفر).
كان ابو طالب هو العامل الوحيد لنشر كلمة الحق وبث دعوتها و ثبات روحها ، وبسوق اغصاتها ، و ينع ثمارها، كما ان شبله امير المؤمنين عليه السلام خلفه علی مؤازرة تلك الدعوة و التفاني في سبيلها ، كما قال ابن ابي الحديد المعتزلي من ابيات:
و لولا ابو طالب و ابنه *** لما مثل الدين شخصا فقاما
ص: 70
فذاك بمكة آوي وحامي *** و هذا بيثرب جس الحماما
و ابو طالب هو الذي يقول في حق النبي و الاسلام.
والله لن يصلوا اليك بزعمهم *** حتی اوسد في التراب دفينا
فانفذلا مرك ما عليك غضاضة *** فكفي بنا دينا لدينك دينا.
فدعوتني و زعم انك ناصح *** فلقد صدقت و كنت قبل امینا
و عرضت دینا قد علمت بانه ***
من خير اديان البرية دينا.
و من قصيدة له يقول فيها:
و ما ذنب من يدعو الی الله وحده *** و دين قويم اهله غير خيب
و ما ظلم من يدعو الی البر والتقی *** و رأب الثأي بالرأي لا حين مشعب
وقدكان في امر الصحيفة عبر *** اتاك بها من غائب متعصب
محا الله منها كفرهم و عقوقهم *** و ما نقموا من صادق القول منجب
فامسي ابن عبدالله فينا مصدقا *** حرة لزها المخاض فلاذت
فتح خيبر علی يد مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام
في الرابع و العشرين من شهر رجب من العام السادس الهجري احرز المسلمون انتصارا كبيرا رائعا و خذلت اليود فيه و ضربت عليهم الذلة و
ص: 71
المسكنة و ذلك عندما غزا الجيش الاسلامي حصون خيبر و ضرب عليها الحصار و ضيق عليها غاية التضييق.
ذكر سبط بن الجوزي المتوفی سنة 654 في تذكرة الخواص عن ابن بريدة قال حاصرنا خيبر فأخذ اللواء ابو بكر فلم يفتح له ثم اخذه عمر من الغد فرج و لم يفتح له و اصاب الناس شدة وجهد فقال رسول الله() اني ادفع اللواء غدا الی رجل يحبه الله و رسوله لا يرجع حتی يفتح او يفتح الله علی يديه قال فبتنا طيبة انفسنا ان الفتح غدا فلما صلی رسول الله الفجر قام فدعا باللواء و الناس علی مصافهم ثم دعا علياً عليه السلام . ثم ساق الحديث الی آخره و ذكر عن مسند احمد بن حنبل بسنده المرفوع الی مصعب بن سعد و اخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين و اتفقا عليه من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله يوم خيبر (لاعطين الراية- أو هذه الراية – غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله يفتح الله علی يديه ) فبات الناسيدوكون ايهم يعطاها: فقال: اين علي اين علي بن ابي طالب؟ فقيل يا رسول الله هو ارمد يشتكي عينيه قال فارسلوا اليه فجاء فدعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فاعطاه الراية فقال يا رسول الله علی م اقاتلهم؟ فقال انفذ علی رسلك حتی تنزل بساحتهم ثم ادعهم الی الاسلام و اخبر هم بما يجب عليهم من حق الله تعالی فيه فو الذي نفسي بيده لان يهتدي بهداك او لان يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير من ان يكون لك حمر النعم ثم ذكر ان عمر قال في ذلك اليوم ما احببت الامارة الّا يومئذٍ فتساورت لها رجاء ان ادعی لها فدعا رسول
ص: 72
الله علياً فذفعها اليه. وقد اخرج احمد بن حنبل هذا الحديث في الفضائل وزد فيه فأخذ رسول الله الراية فهزها ثم قال من يأخذ ها بحقها فقال فلان انا فقال امط فعل ذلك مرارا بجماعة ثم قال و الذي كرم وجه محمد لاعطينها رجلا لا يفر هاك يا علي فانطلق بطل الاسلام لمرحب بطل اليهود و قد ارتجز كل منهما بارجوزته المشهورة ثم ضرب رأس مرحب بالسيف فقتله.قال عليعليه السلام وجئت برأس مرحب ووضعته بين يدي رسول الله فسر بذلك ودعا لي. وهكذا كان النصر المبين علی يد مولانا اميرالمؤمنين و الحمد لله رب العالمين و صلی الله علی محمد و اهل بيته الطيبين الطاهرين.
ص: 73
شهادة الامام موسی بن جعفر عليه السلام
الصورة

في اليوم الخامس و العشرين من سنة ثلاث و ثلاثين و مائة هجرية استشهد ببغداد الامام موسی الكاظم بن الامام جعفر الصادق عليهما السلام. و كان له من العمر خمس و خمسون سنة ثمان و عشرون و مأة هجرية و قد لقي من فرعون زمانه الطاغية المتحكم العباسي هارون اشد ما يكون من الاذی و الاضطهاد فنقله من حبس الی حبس، فمن حبس عيسی بن جعفر في البصرة الی حبس الفضل بن الربيع و منه الی حبس الفضل بن يحيی البرمكي، ثم الی حبس السندي بن شاهك الذي كان اشد الحبوس عليه و فيه قضی نحبه مسموما شهيدا بعد ان دس هارون اليه السم علی يد السندي هذا. فارتجت لوفاته ارجاء العالم الاسلامي اذ فقد المسلمون به اماما من الائمة المعصومين الذين فرض الله مودتهم و طاعتهم علی الخلق من بعد النبي . و ماجت
ص: 74
بغداد بمن فيها عند ما اخرجت جنازته من السجن في تلك الحالة التي تقشعر لها الابدان. و نقل جثمانه الطاهر الی مقابر قريش ، و اصبح قبره علما للمسلمين يقصدون زيارته من كل حدب وصوب. اما قبور بني امية و بني العباس فلا اثر لها بين المسلمين. فويل لمن سيكون رسول الله خصمه يوم القيامة اذ آذوه في اهل بيته و عترته فقضوا عليهم سما و قتلا و صلبا ، و نفوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها و ظلموهم و غصبوا حقوقهم ، يريدون بذلك ان يطفئوا نور الله و يأبی الله الا ان يتم نوره و لو كره المشركون.المبعث النبوي وولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام
الصورة

في اليوم السابع و العشرين من شهر رجب بعث رسول الله الی الناس كافة ان قولوا: لا اله الا الله تفلحوا و دعا قومه الی نبذ عبادة الاصنام و الاوثان ليتوجهوا الی الله الواحد الاحد فيعبدوه وحده لا شريك له. و
ص: 75
انذرهم و بشرهم و نشر تعاليمه السامية التي تخرجهم من الظلمات الی النور و تنقذهم من الحيرة و الضلالة الی الرشد و الهداية، ثم انزل الله علی رسوله (انذر عشيرتك الاقربين). و قد وردت الاحاديث المختلفة في ذلك. فمما رواه الامام احمد بن حنبل في مسنده انه لما نزلت (و انذر عشير تك الاقربين) جمع النبي اهل بيته فاجتمع منهم ثلاثون فأكلوا و شربوا ثلاثا ثم قال لهم: من يضمن عني ديني و مواعيدي و يكون معي في الجنة و يكون خليفتي. فقال رجل يا رسول الله انت كنت تجد من يقوم بهذا . قال : ثم قالالاخر يعرض ذلك علی اهل بيته ، فقال علي بن ابي طالب انا. و في رواية الثعالبي في تفسيره سورة الشعراء في تفسير هذه الآية: ان النبيدعا قومه ثلاث مرات – الی ان يقول ثم انذرهم فقال يا بني عبد المطلب اني انا النذير اليكم من الله، البشير لما يجئ به احد – جئتكم بالدنيا و الاخرة، فاسلموا و اطيعوني تهتدوا، و من يواخيني، و يوازرني و يكون وليي، ووصيي، و خليفتي، و يقتي ديني. فسك القوم، و اعاد ذلك ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم و يقول علي عليه السلام: انا فقام القوم و هم يقولون لابي طالب: اطع ابنك فقد امّر عليك. هذا الی غير ذلك مما اورده المفسرون ، و المحدثون، و من هنا يتجلی لنا ان مبعث النبوة ، و الامامة كانا في يوم واحد حيث امر النبي اخاه علياً عليه السلام و عهد اليه بالوصاية، و الخلافة من بعده كما اشار الی ذلك ابن ابي الحديد في آخر حديثه عند نزول هذه الآية – قال: ثم قال و سلم لهم: هذا اخي و وصيي خليفتي فيكم فاسمعوا له، و اطيعوا..الخ..
ص: 76
ميلاد سيد شباب أهل الجنة
الامام السبط ابي عبدالله الحسين عليه السلام
الصورة

في اليوم الثالث من شعبان سنة اربع من الهجرة ولد ريحانة الرسول و شبل بطل الاسلام وصي النبي و خليفته من بعده امير المؤمنين علي عليه السلام ذاك الحسين ابو الشهداء و معلم الناس دروس التضحية و الاباء، و لد الحسين من أب كان أحب الرجال الی الرسول و هو علي عليه السلام و من أم كانت احب النساء الی النبي و هي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، و قد سر النبي بولده سروراً عظيما ، و هبط عليه الامين مهنئا كما ذكر ذلك محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبی
ص: 77
ص120و قال يا محمد ان ربك يقرؤك السلام و يقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسی لكن لا نبي بعدك فسم ابنك هذا باسم ولد هارون .شبير( فقال وسلم ان لساني عربي فقال سمه حسيناً. الخ. و كان النبي يحبه و يحب أخاه الحسن حباً عظيما و قد تواترت الأحاديث المستفيضة بذكر محبته لهما و قد جاء في ذخائر العقبی للطبري ص123 ان رسول اللهاخذ بيد حسن و حسين و قال من احبني و احب هذين و اباهما و امهما كان معي في درجتي يوم القيامة. اخرجه الترمذي و احمد. وروي عن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول الحسن و الحسين هما ريحانتاي من الدنيا، أخرجه الترمذي و صححه .و عن يعلی بن مرة العامري قال: رسول الله : حسين مني و انا من حسين أحب الله من احب حسيناً حسين سبط من الاسباط أخرجه الترمذي ص133 ذخائر العقبی للطبري. والی غير ذلك من الاحاديث التي لا يتسع المجال لذكرها. و تاريخ حياة الحسينعليه السلام حافل بالمثل العلياً ، و هو مدرسة كبری للمسلمين يتلقون منه دروس الثبات علی المبدأ و المفاداة في سبيل الدين، والاباء للضيم، و الشمم، و الكرم، و الشجاعة و رسوخ العقيدة و التضحية في سبيل الوجب، والی غير ذلك مما يمليه علينا تأريخ الحسين المجيد.
و قد كانت مدة عمره عليه السلام سبعاً و خمسين سنة . و المتحكم علی المسلمين ايام امامته معاوية وولده يزيد و لما رأی ان الدولة الأموية أخذت تعمل باسم الاسلام علی هدم الاسلام ، و الرجوع بالناس الی الجاهلية ثار
ص: 78
سبط الرسول في سبيل دين جده ذائداً عنه ، و حاميا و كالئاً، حتی سفك في طاعة الله دمه مع اهل بيته و اصحابه و ذلك في العاشر من المحرم سنة احدی و ستين هجرية في كربلاء فسلام الله عليه يوم ولد يوم استشهد و يوم يبعث حياً.ميلاد الامام زين العابدين
علي بن الحسين عليهما السلام
في اليوم الخامس من شهر شعبان سنة ثمان و ثلاثين هجرية ولد الامام علي بن الحسين زين العابدين و سيد الساجدين، و كانت ولادته قبل وفاة جده أمير المؤمنين علی بن أبي طالب عليه السلام بسنتين وقبل وفاة عمه الامام السبط الحسن الزكي عليه السلام باثنتي عشرة سنة، و كان عمره يوم قتل ابيه عليه السلام ثلاثا و عشرين سنة، و بقي بعد ابيه اربعا و ثلاثين سنة (وتوفي) بالمدينة في الخامس و العشرين من المحرم سنة خمس و تسعين من الهجرة و له من العمر سبع و خمسون سنة و قد قضی نحبه مسموماً بالسم الذي دسه اليه الوليد بن عبدالملك بن مروان و المتحكمون علی المسلمين أيام امامته يزيد و مروان و عبدالملك بن مروان و عبدالله بن الزبير و الوليد، و امة شهربانوية بنت كسری يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس، و كان عليه السلام يقول (أنا ابن الخيرتين) فقد نقل عن رسول الله انه قال لله من عباده خيرتان فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس ، قاله الزمخشري في ربيع الابرار، و فيه يقول أبو الأسود الدؤلي:
ص: 79
و ان غلاما بين كسری و هاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم
و جاء عن أبي حازم و سفيان بن عيبنه و الزهري قال كل واحد منهم ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين عليه السلام و لا افقه منه، و قد وردتاحاديث كثيرة في فضله و حلمه و زهده و عبادته ، و كان لذلك يلقب بزين العابدين، و سيد الساجدين و السجاد ، و ذي الثفنات و غير ذلك ، و في الخصال عن الامام الباقر عليه السلام لقد سئلت عن مولاة فقالت أأطنب أو اختصر فقيل لها بل اختصري، فقالت ما أتيته بطعام نهاراً قط و ما فرشت له فراشاً بليل قط، و كانت تسقط منه في كل سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده لكثرة صلاته و كان يجمعها فلما مات دفنت معه ، و كفی في عبادته و تذلله لله تعالی الادعية المأثورة عنه ، فأنها مع كثرتها و ما هي عليه من بلوغ اقصی درجات الفصاحة و البلاغة فيها من انواع التذلل و التعبد و الخضوع و الاستكانة لله تعالی و صنوف المتوسل لبلوغ رضا الله ما يحير العقول و يذهل الالباب و يبطن للناظر فيه امتناع صدور هذه المواهب الجليلة من غير اهل بيت النبوة ، و ان هذه الجواهر لا يمكن ان توجد في غير هذه المعادن و كفي في ذلك الصحيفة الكاملة انجيل آل محمد و ما جمع بعدها من الصحائف الاربع من ادعيته عليه السلام و في ختام حديثنا عنه عليه السلام حيث لا نستطيع استقصاء ما خطه له التاريخ بأحرف من نور من مأثر و مناقب و كرامات نودان ننقل قسما من قصيدة الفرزدق الشهيرة فيه ، و ذلك عند ما حج عليه السلام فاستجهر الناس من جماله و تشوقوا له و جعلوا يقولون من هذا تعظيما له و اجلالاً
ص: 80
لمرتبته و كان قد حج في ذلك العام هشام بن عبد الملك قبل ان يلي الخلافة فاجتهد ان يستلم الحجر فلم يمكنه من الزحام فجاء علي بن الحسينعليه السلام فوقف الناس له و نحوا عن الحجر حتی استلمه و لم يبق عند الحجر سواه فقال هشام (متجاهلا) من هذا؟ قالوا لا نعرفه فقال له الفرزدق الشاعر لكني اعرفه ثم اندفع مرتجلا و قال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم
اذا رأته قريش قال قائلها *** الى مكارم هذا ينتهي الكرم
ان عد اهل التقى كانو أئمتهم *** أو قيل من خير اهل الارض قيل لهم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله *** بجده انبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من انكرت والعجم
ينشق نور الهدي عن صبح غرته *** كالشمس ينجاب عن اشراقها الظلم
مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت عناصره و الخيم و الشيم
الله شرفه قدماً وفضله *** جرى بذاك له في لوحه القلم
من معشر حبهم دین و بغضهم *** كفر وقربهم منجي و معتصم
ص: 81
لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** و لا يدانيهم قوم و ان كرموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بر و مختوم به الكلم
ميلاد الامام حجة الله في ارضه
المهدي المنتظر عجل الله فرجه
كانت ولادة الامام المهدي بن الامام الحسن العسكري عليهما السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين من الهجرة بسر من رأی في ايام المعتمد العباسي (قال المفيد رضوان الله عليه) و لم يخلف ابوه ولداً غيره ، و خلفه غائبٌ مستترٌ و كانت سنه عند وفاة ابيه عليه السلام خمس سنين آتاه الله فيها الحكمة و فصل الخطاب و جعله آية للعالمين كما آتی ذلك يحيی عليه السلام صبياً و جعله اماماً في حال الطفولية الظاهرة و كما جعل عيسی بن مريم عليه السلام في المهد نبياً، و عمره الی عامنا هذا و هو عام 1430 يكون 1175 سنة، و امه يقال لها نرجس و اسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم و امها من ولد الحواريين تنسب الی وصي المسيح شمعون. و قد ذكرت كتب الحديث تفصيل احوال ام القائم المهدي عليه السلام و زواجها من الامام العسكري عليه السلام وولادتها حجة الله المنتظر عليه السلام و اورد ذلك الطبري في دلائل الامامة و الصدوق في اكمال الدين و الكليني في الكافي و الشيخ في كتاب الغيبة و غيرهم.
ص: 82
و للمهدي عليه السلام غيبتان صغری و كبری (اما الغيبة الصغری) فمن مولده الی انقطاع السفارة بينه و بين شيعته بوفاة السفراء و عدم نصب غيرهم ، و هي اربع و سبعون سنة ففي هذه المدة كان نوابه ووكلاؤه و السفراء يرونه: و تخزج علی ايديهم توقيعات منه الی شيعته في امور شتی و كانوا منتشرين في اكثر البلاد ، و اما السفراء فالمشهور انهم اربعة و هم عثمان بن سعيد العمري ، و ابنه محمد الخلاني و الحسين بن روح النوبختي ، و علي بن محمد السمري. و الغيبة الكبری تبدأ من يوم وفاة علي السمري و كانت وفاته في النصف من شعبان سنة ثمان و عشرين او تسع و عشرين و ثلثمائةهجرية الی يومنا هذا و ما شاء الله حتی يمن الله علی المسلمين بظهوره ليملأ الارض به قسطاً و عدلا كما ملئت ظلماً و جوراً.
الدليل علی وجودالمهدي و ظهوره
جاء في تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي ص377:ما نصه: قال السدي يجتمع المهدي و عيسی بن مريم فيجيء وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسی تقدم فيقول عيسی انت اولی بالصلاة فيصلي عيسی وراءه مأموماً، قلت فلو صلی المهدي خلف عيسی لم يجز لوجهين ، احدهما لانه يخرج من الامامة بصلاته مأموماً فيصير تبعاً ، و الثاني لان النبي قال لا نبي بعدي و قد نسخ جميع الشرائع ، فلو صلی عيسی بالمهدي لتدنس وجه لا نبي بعدي بغبارالشبهة ، ثم استطرد الی ذكر الاستدلال علی وجود صاحب الزمان (عج)
ص: 83
باسهاب، وعدد جماعة طالت اعمارهم كالخضر و الياس ، فانه لا يدری كم لهما من السنين ، و في التوراة ان ذا القرنين عاش ثلاثة الاف سنة، و المسلمون يقولون الفاً و خمسمائة، و عاش الضحاك و هو «بيورسب» الف سنة و كذلك (طهمورث) و اما من الانبياء فخلق كثير بلغوا الالف وزادوا عليها كآدم و نوح و شيث و نحوهم و عاش (قينان) تسعمائة سنة و عاش (مهلابيل) ثمنمائة و عاش نفيل بن عبدالله سبعائة سنة، و عاش (سطيح) الكاهن و اسمه ربيعة ابن عمرو ستمائه ، و عاش (عامر بن الضرب) خمسمائة و كان حاكم العرب، و كذا (تيم الله بن ثعلبة) و كذا (سام بن نوح) و عاش (الحرث بن مضاض الجرهمي) اربعمائة سنة و هو القائل كأن لم يكن بين الحجون الی الصفا انيس و لم يسمر بمكة سامر و كذا (ارفخشد) و عاش (قيس بن ساعدة ) ثلثمائة و ثمانين سنة، و عاش (كعب بن جمحة الدوسي) ثلثمائة و تسعين و عاش (سلمان الفارسي) مائتين و خمسين و قيل ثلثمائة الخ... انتهی ما ذكره سبط بن الجوزي.
ان الاستغراب في امتداد عمر فرد من البشر هذه المدة الطويلة لا يأتي من ارباب الا ديان ، لانهم جميعاً يقولون باكثر من هذه المدة في اعمار البشر، فالبر اهمة و البوذيون يعتقدون في ببراهما و (كرشنا) و مهاديو) و (بوذا) انهم احياء مضت علی حياتهم الوف من السنين، و الطبقة الاولي للبشر و هم طبقة(مهاباد) كانوا يعيشون الوف الملابين من السنين، و الطبقة الثانية و هم طبقة (جي افراميان) كانوا يعيشون ملابين السنين، و هكذا سائر طبقات البشر الی
ص: 84
الطبقة الخامسة و هم طبقة (كلشاءيان) و هذه الطبقة كان الاقدمون منهم مثل (كلشاه) و (جمشيد) و (فراسياد) و (هوشنگ) و (منوچهر) و امثالهم يعيشون الوفاً من السنين؛ و ذلك مذكور في كتبهم الدينية مثل كتاب (الدساتير) و كتاب (زند) و كتاب (بازند) و كتاب (اوستا) و غيرها، و اليود و النصاري يعتقدون بالنوراة ، و قد جاء في الابواب الاولی من سفرها الاول و هو سفر التكوين (براشيت) ان (آدم) و (اخنوخ) و (مهلائيل) و (نوحا) و غير هم عاشوا بين ستمائة سنة و الف سنة و اكثر، و يضيف النصاری الی ذلك المسيح عليه السلام حي و قد مضت علی ولادته ما يقرب من الفي سنه و اليهود يعتقدون ان (الياهو) و هو من انبياء بني اسرائيل دعا الناس الی التوراة ثم غاب خمسمائة سنة. ثم ظهر و دعا اليها ثم غاب و لا يزال حياً و قد مضی علی عمره ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة ، و جميع اهل الاديان القديمة و الحديثة معتقدون بانه سيظهر في اخر الزمان عند فساد العالم و انتشار الظلم و الجور من يصلحه و يبدل الظلم بالعدل و الفساد بالاصلاح و ان اختلفوا في اسم ذلك المصلح ، فالبراهمة يسمونه (براهما)، و المجوس يسمونه (بهرام) و ترجمة بهرام في العربية (محمد) و اليود يسمونه (الياهو) ، و النصاری يقولون هو المسيح و انه هو الذي يقتل الدجال كما جاء في اواخر مكاشفات (يوحنا)من كتب الانجيل (العهد الجديد)، و أما المسلمون فلا مجال لهم الی استبعاد هذا العمر الطويل بعد ان يقرأوا في سورة الصافات قوله تعالی (لولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه الی يوم يبعثون)فجوز امكان البقاء و اللبث الی
ص: 85
يوم البعث، و قوله تعالی في سورة العنكبوت(و لقد ارسلنا نوحاً الی قومه فلبث فيهم الف سنة إلا خمسين عاماً فاخذهم الطوفان و هم ظالمون ) فاخبر ان نوحاً دعا قومه ما يقرب من الف سنة الی زمن الطوفان و لابد انه عاش بعد الطوفان طويلا و كان قبل الدعوة كثيراً ، و الاخبار وردت ان عمره كان يزيد علی الفي سنة، فامكان هذا العمر الطويل و وقوعه ثابت في القرآن ، و تحتمه لصاحب الزمان عليه السلام ثابت بقوله تعالی في سورة الصف و في سورة الفتح و في سورة التوبة : (ليظهره علی الدين كله) فلا بد من يوم يظهر الله فيه دين الاسلام علی جميع الاديان حتی يدين اهل العالم به و ليس هو إلا اليوم الموعود الذي يظهر فيه الامام الثاني عشر و بقوله تعالی في اخريات سورة النساء عن المسيح عليه السلام ( و ان من اهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته) فاخبر ان جميع اهل الكتاب مؤمنون المسيح و لم يقع ذلك و هو ما جاءت به الاحاديث من ان المسيح يكون مع المهدي و ان الامم كلهم يؤمنون بهما.
و قد تواترت الأحاديث عن النبي ان المهدي سيظهر فيملا الارض قسطاً و عدلا كما ملئت ظلماً و جوراً، و قد رواها جميع فرق المسلمين من الخاصة و العامة، و الذين رووا هذه الأحاديث طوائف كثيرة من أئمةالمنقول، و حفاظ السنة ، و دونها الاكثر منهم، و أفردها كثير منهم بالتأليف، و اشار الی مضامينها البعض الآخر.
ص: 86
و يقول العلامة ابن خلدون في الفصل الذي عقده في الفاطمي المنتظر من مقدمته (اعلم ان المشهور بين الكافة من اهل الاسلام علی مر الاعصار انه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت) .
و الی القاري، قائمة صغيرة بعدد الاحاديث التي دونها الثقاة من رجال المنقول و هي:
اربعون حديثاً اخرجها الحافظ ابو نعيم في كتابه (ذكر نعت المهدي) و قدرواها الاربلي في كتاب كشف الغمة بحذف الأسانيد.
ثمانية و ثلاثون حديثاً ذكرها ابن خلدون في مقدمته لينقد اسانيدها.
سبعون حديثاً اخرجها الحافظ محمد بن يوسف الكنجي في كتاب البيان
مائه و عشرة احاديث رواها صاحب كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي و جميع رواة هذه الأحاديث من رجال المذاهب الاربعة.
مائة و خمسة و سنتين حديثاً جمعها صاحب كتاب غاية المرام من طريق العامة.
و ما يتجاوز المائتين حديثاً أوردها الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينا بيع المودة أما العلماء الذين شهدوا بتواتر الحديث في المهدي فهم كثيرون جداً، و هذا جدول صغير باسماء بعضهم:1- الحافظ محمد بن يوسف الكنجي المتوفی سنة 658 في كتاب البيان
2- ابو الحسين الآبري علی ما نقله ابن حجر في الصواعق المحرقة ص99
3- السيد مؤمن الشبلنجي في كتاب نور الابصار ص231
ص: 87
4- زيني دحلان المتوفی سنة 1304 في كتاب الفتوحات الاسلامية322
5- و نقله هو في هذه الصحيفة عن السيد محمد بن رسول البرزنجي المتوفی سنة1103
6- السيد جمال الدين عطاء الله ابن السيد فضل الله الشيرازي المتوفی في سنة 1000 نقله عن اكثر اهل الرواية.
7- ااحمد بن محمد بن الصدوق في رسالته ابراز الوهم المكنون.
8- الامام الشوكاني المتوفی سنة 1250 في كتاب التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر و الدجال و المسيح.
و هنالك محدثون آخرون و احاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها ، و لم نذكر مما ورد عن طريق الشيعة شيئاً و علی هذا فكيف ينكر مسلم قرأ القرآن و تصفح الاحاديث بقاء المهدي و ظهوره؟ و انه هو الذي سيحكم الارض كلها و به يدين اهل العالم جميعهم بدين الاسلام، و هو الذي يملأ الأرض قسطاً و عدلا كما ملئت ظلماً و جوراً حتی ترعی الشاة الی جنب الذئب فلا يصيبها منه أذی كما ورد في الاحاديث ، و العدل اذا بسط في العالم استراح الانسان و الحيوان معاً و رغد عيشهما.فهذه الاديان كلها تصرح بامكان العمر الطويل للبشر و وقوعه و اهل الاديان جميعاً مذعنون به و لا يتأتی لهم ان يستبعدوه، و لم يبق الا الطبيعيون و الماديون الملحدون الذين ينكرون وجود الله و قدرته و لا يدينون بدين ، و انهم ان استبعدوه فليس لنا هنا معهم كلام، لأننا انما نتكلم في هذا المقام بعد
ص: 88
اثبات التوحيد و قدرة الله و انه هو القاهر فوق عباده القدير علی كل شئ الذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و نحن إذا اثبتنا قدرة الله تعالی علی كل شئ و انه اذا قضی امراً فانما يقول له كن فيكون لم نبق مجالاً لاستبعاد المادي و الطبيعي هذا العمر الطويل بعد ثبوت قدرة الله تعالی و انه الفاعل لما يشاء كيف يشاء ، و قد اعترف اهل العالم في هذا العصر الذي حدث فيه التطور العلمي و الصناعي بامكان بقاء الانسان طويلا حتی تصدی كثير من الاطباء و العلماء الی ايجاد و سائل تعيد الشيخ شابا أو تمنع شيخوخة الشاب حتی يعيش ألوفاً من السنين، و قد اعدت الدول جوائز كبيرة لمن يتوصل الی هذا الاختراع، فاعترف كلهم
علماً و عملا بامكان هذا الامر بنفسه لطبيب مخترع ، فكيف باللطيف الخبير الذي هو علی كل شئ قدير.
البيعة للامام علي بن موسی الرضا عليه السلام بولاية العهدان الحديث عن البيعة للامام علي الرضا عليه السلام بولاية العهد حديث طويل له مقامه و منزلته . فان الناس في كل زمان و مكان لا يعدلون واحدا من ابناء علي عليه السلام و فاطمة عليها السلام و لكن الظلم الغاشم و الحكم الظالم و ما غرسته احقاد بدر في الصدور وزرعه فتح مكة في النفوس و ما تألبت به في اول الامر بنو امية علی آل البيت عليهم السلام و ما جری لهم من مشايعة
ص: 89
الموتورين بسيف أمير المؤمنين علي عليه السلام. و الداخلون في الاسلام رياءً و المسلمون نفاقا المتربصون بالنبي و آله الدوائر و المترصدون لهم ليلحقوا بهم الضرر نصبا لهم و عداوة الله و لرسوله . و هو الذي مال بالامر عن مقامه و حادبه عن موثله و صار الناس كما قال ابو سفيان يتلقفونها تلقف الكرة، فكانت خلافة رسول الله تتنازعها الايدي اللوثة و الاكف الخبيثة النجسة عندما اتخذها الامويون ملكا عضوضا الی ان استقر في يد المأمون عبدالله بن هارون. و كان المأمون عالما ذكيا يعرف مصادر الحق و موارده و مستقر الامر و قواعده. و قد التاثت عليه أمور الدولة و صعب جماحها و نزغت الفتن فيها. و قد جري بين المأمون و الامام حديث طويل و كلام جليل كان المأمون فيه يبدي اشد الرغبة لعزل نفسه و عقد البيعة بالخلافة له و الامام لعلم هو ادري به يمنتنع عليه حتی قال له المأمون اما اذا كنت لا تريد ان نتولی الخلافة و تبقی متشدداً في اصرارك علی الامتناع فكن علی الاقل ولي عهدي و اذا بقيت علی اصرارك اجبرتك.عند ئذ قال الامام: الحكم لله و هو حسبي و نعم الوكيل. و قبل ولاية العهد مشترطا بأنه لا يعزل و لا يولي شيئا من شؤون الدولة فاذعن المأمون لشروطه و خرج ذو الرياستين قائلا و اعجباه امير المؤمنين يفوض أمر الخلافة للامام الرضا و يأبی قبولها. فيا لها من خلافة ما اضيعها و ما احقرها في عين رجال الله الصالحين.
ص: 90
و في اليوم الاول من شهر رمضان سنة أحدی و ماتين هجرية عقد الاحتفال العظيم لعقد البيعة بولاية العهد للامام الرضاعليه السلام من بعد المأمون و قد دعا المأمون لها خواصه و وزاءه و اركان دولته و قواده و حجابه ووجوه الناس و اعيانهم و خلع الشعار الاسود الذي هو شعار العباسيين و ارتدی الشعار الاخضر الذي هو شعار العلويين . واوعز الی عماله في الولايات الاقتداء به فلما انتظم عقد الجمع اشار الی الفضل بن سهل ان يعلن للجماهير بأن ولي عهد أمير المؤمنين من بعده هو الامام الهمام ابن الامام أبو الائمة علي بن موسی الرضا عليه السلام فأبتهج الناس و ظهرت امارات السرور علی الوجوه.
و بعد هنيهة جاء الامام سلام الله عليه لابسا الخضرة و علی رأسه عمامة و هو منقلد بسيف في هالة من الاكبار و الجلال فكبرت الجماهير استبشارا بمرآه و هللت الوجوه اعظاما لهيبته و انطلقت الالسن شكرا لله علی نعمته . فتقدم سلام الله عليه و جلس بين وسادتين عظيمتين وضعتا له. و أمر المأمون ابنه العباس بمبايعته بولاية العهد اول الناس فرفع الامام يده ووضعها فوق يدالعباس فقال له المأمون لماذا لا تبسط يدك فقال له الامام الرضا عليه السلام ان رسول الله كان يبايع و يده فوق ايديهم فقال افعل ما تری ثم تقدم الهاشميون و الوزراء و القواد و الحجاب فالوجوه فالاعيان فبايعوه ثم وزعت الدارهم و الدنانير و الثياب علی الناس بقدر مراتبهم.
و اول ما بدأ بالعلويين ثم العباسين. ثم أخذ الخطباء و الشعراء في تعديد مآثر الامام حيث وجدوا مجالا للقول وسعة للمدح و بعدها قال المأمون تكلم
ص: 91
يا ابا الحسن : فحمد الله و اثنی عليه و ذكر النبي فصلي عليه. و قال ايها الناس ان لنا عليكم حقا برسول الله و لكم علينا حقا به فاذا انتم اديتم لنا ذلك وجب علينا الحق لكم و السلام.
ثم دخل الشاعر المشهور أبو نؤاس فقال له المأمون لم لم تفل في أبي الحسن الرضا عليه السلام شيئا و انت شاعر عصرك و قريع دهرك، فانشد أبو نؤاس قائلا:
قيل لي انت اشعر الناس طرا *** في فنون من الكلام النبيه
لك من جوهر القريض بيان *** يثمر الدر في يدي مجتنيه
فلماذا تركت مدح ابن موسی *** و الخصال التي تجمعن فيه
قلت لا استطيع مدح امام *** كان جبريل خادما لابيه
وفاة ابي طالب رضوان الله عليه
ابتلي أبوطالب رضوان الله عليه باعداء ولده علی عليه السلام. فكان ابوطالب في عهد الجاهلية و استفحال المشركين الدرع الحصينة للنبي صلي الله عليه و آله يدرأ عنه عادية قريش و يحوطه منهم و يذود عنه الاذی و يتعب نفسه في سبيله ليوفر عليه الراحة و الاطمئنان و يجهر بموالاته له و بتعضيد دعوته، فكان يلقي من قريش كل شدة ترميه بالايمان بابن اخيه و التصديق بنبوته . و
ص: 92
تتحامي جانبه لعزه و مناعته فلم يسلم من طعون قريش عليه ووقوعهم به لولا ما كانوا يداجون و يمارون.
و لما مات ابوا طالب آنست قريش من نفسها القوة علی مجابهة النبي و كسر شوكته و تحطيم دعوته لانها كانت تعلم ان دون النبي خرط القتاد و أبوطالب في الوجود. و لكن امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كان في زمن ابيه عونا لوالده علی صغر سنه وورت الكلاءة من ابيه بعد وفاته فكان بحيث تكره قريش من التفاني في نصرة النبي حتی اذا خفقت راية الاسلام و ابلی فيها أبو الحسن عليه السلام البلاء الحسن و دوخ صناديد قريش بسيفه لم ير أعداء علی ما يغضون به من علو مكانه و صفاء جوه الّا ان ينبزوا أباه بالشرك و انه لم يمت علی الايمان عداوة لله و لرسوله و لامير المؤمنين لئلا يجمعوا له فضيلة اسلام ابيه فصاح صائحهم ان أبا طالب مات مشركا.يا لله العجب من منطق قريش المفلوج فهم بالامس كانوا يقولون عنه انه صبا الی دين ابن أخيه لما كان الاسلام في نظرهم سبة . ثم لما اسلم من اسلم و استسلم من استسلم منهم رموه بالشرك و انه مات كافرا.
ان الحديث عن ابي طالب له آفاق شاسعة و آماد بعيدة و ليس استيعاب ذلك بالامر اليسير في صفحات من مجلة ينبغي ان تتشعب مواضيعها و تكثر مباحثها و لذلك فاننا نجتزي بالشئ اليسير عن هذا البطل العظيم. تاركين التوسع الی من اراد في الكتب المؤلفة في هذا الباب.
ص: 93
نقل هشام بن السائب عن ابيه قال : لما حضرت ابا طالب الوفاة جمع اليه وجوه قومه و اوصاهم بقوله : يا معشر قريش انتم صفوة الله في خلقه، و اني اوصيكم بمحمد خيرا ، فانه الامين في قريش ، و الصديق في العرب، و هو الجامع لكل ما اوصيكم به و قد جاء بأمر قبله الجنان، و انكره اللسان، مخافة الشنآن ... و ايم الله كأني انظر الی صعاليك العرب و اهل الوبر و الاطراف المستضعفين بين الناس ، قد أجابوا دعوته ، و صدقوا كلمته و عظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش و صناديدها اذنابا ، و دورهم خرابا و ضعفاؤها اربابا و اذا اعظمهم عليه احوجهم اليه ، و أبعدهم عنه احظاهم عنده ، قد محضته العرب و دادها، واصنعت له فؤادها، و اعطته قيادها. يامعشر قريش كونوا له ولاة ، ولحزبه حماة و الله لا يسلك أحد سبيلهالارشد، و لا أخذ برأيه الاسعد، و لو كان نفسي مدة، و لاجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي.
و في حديث مقاتل ان ابا طالب جمع اليه بني هاشم و احلافهم و اوصاهم بنصرة الرسول قائلا انه كان يقول اخبر نا بذلك آباؤنا و علماؤنا و هو الصادق الامين فأجيبوا دعوته ، و اجتمعوا علی نصرته ، و ارموا عدوه من وراء حوزته فانه الشرف الباقي لكم علی الدهر.
و روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب و بعضها عن ابي بكر بن ابي قحافة ان ابا طالب ما مات حتی قال لا آله الا الله محمد رسول الله، و الخبر مشهور ان ابا طالب عند الموت قال كلاما خفيا فاصغی اليه
ص: 94
أخوه العباس ثم رفع رأسه الی رسول الله فقال يا ابن أخي و الله لقد قالها عمك ولكنه ضعف عن ان يبلغك صوته.
و قد أجمع أهل بيت النبي و سلم، و ناهيك بهم فهم المبرؤون من الكذب و الاختلاق المعصومون من الخطاء و الافتراء الذين هم حجج الله علی خلقه و الامناء علی دينه الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.
و من هذا شأنهم فروايتهم اصدق الرواية و قولهم أحق قول فقد أجمعوا و اجماعهم حجة علی ايمان ابي طالب بما لا يتسع المجال لذكر احاديثهم اما ما روي عن ابي طالب من الاشعار الدالة علی ايمانه فتستغرق حد الاكنار فمنها قوله يخاطب أخاه الحمزة و كان يكنی ابا يعلی:
فصبرا ابا يعلی علی دين أحمد *** و كن مظهراً للدين و فقت صابرا
و حط من اتی بالحق من عند ربه *** بصدق و عزم لا تكن حمز كافرا
فقد سرني اذا قلت انك مؤمن *** فكن لرسول الله في الله ناصرا
و باد قريشابالذي قد اتيته *** جهارا و قل ما كان احمد ساحرا
و من ذلك قوله :
لقد أكرم الله النبي محمدا *** فأكرم خلق الله في الناس أحمد
و شق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود و هذا محمد
و قوله من ابياته الدالة علی ايمانه:
ص: 95
و الله لن يصلوا اليك بزعمهم *** حتی اوسد في التراب دفينا
فانفذ لا مرك ما عليك مخافة *** و ابشر و قر بذلك منك عيونا
و دعوتني و زعم انك ناصحي *** و لقد صدقت و كنت قبل أمينا
و عرضت دينا قد علمت بأنه *** من خير اديان البرية دينا
و من شعر ابي طالب رضوان الله عليه المتضمن للاقرار بنبوة محمد و سلم.
يرجون منا خطة دون نيلها *** ضراب و طعن بالوشيج المقوم
يرجون منا ان نسخي بقتل محمد *** و لم تخضب سمر العواليه من الدم
كذبتم و بيت الله حتی نفرقوا *** جماجم تلقي بالحطيم و زمزم
و تقطع ارحام و تنسی حليلة *** حليلا و يغشي محرم بعد محرم
و ينهض قوم بالحديد اليهكمو *** يذبون عن احسابهم كل مجرم
هم الاسد اسد الزأرتين اذا غدت *** علی حنق لم تخش اعلام معلم
فيالبني فهر افيقوا و لم تقسم *** نوائح قتلي تدعي بالتسدم
علی ما مضی من مقتكم و عقوقكم *** و غشيانكم في أمرنا كل مأثم
و ظلم نبي جاء يدعو الی الهدی *** وأمرأتي من عند ذي العرش قيم
ص: 96
فلا تحسبونا مسلميه و مثله *** اذا كان في قوم فليس بمسلم
فهذي معاذير و تقدمة لكم *** لكيلا تكون الحرب قبل التقدم
***
و كانت وفاته رضوان الله عليه في اليوم السابع من شهر رمضان في السنة العاشرة من المبعث النبوي، و قبل الهجرة بثلاث سنوات، و دفن سلام الله عليه بالحجون.
وفاة ام المؤمنين خديجة الكبری علیها السلام
ان خديجة بنت خويلد اول زوجات النبي.
كانت سرية من سراة قريش و عظيمة من عظمائهم و ثرية من اثريائهم و شريفة من اشرافهم تحتل الدارة المرموقة فيهم و المنزلة الرفيعة بينهم و المقام السامي عندهم. و قد شاء الله ان تكون خديجة السيدة في قريش سيدة النساء جميعا باقترانها بالنبي . و شاء الله ان تكون خديجة من ابر ازواجه و اصفاهن و اشفقهن فقد واست رسول الله علی الله عليه و آله بكل ما تملك من مال و اصطبرت علی الاذی معه و آمنت به فهي اول من آمن به من نساء العالمين. و ضلت معه مجاهدة في سبيل الله تشد عزمه و تقوی ارادته و تذكي حركته و تخفف عنه الشدائد و تهون عليه المصائب لم تدخر و سعا الا بذلته و لا سعيا الا سعته ، القت اليه مفاتيحها و سلمته كنوزها.
و قالت له انت و ليي فاصنع و أنت نبيي فاعمل، فلك الامر و علينا الطاعة. و هي أم بضعته و أصل دوحته و مصباح
ص: 97
عترته فاطمة الزهراء ابنته عليها السلام. بقي رسول الله بعد وفاة خديجة يشعر بالكابوس الثقيل، و الشبح المخيف، و الحزن المرير ، فما فتئ يذكرها في كل مقام و يتمناها في كل شدة و يمتدحها في كل معرض و يثني عليها في كل مشهد . و كان من جراء ذلك عرضة لتعاب بعض زوجاته في شأنها . فطالما عاتبته عائشة ناعية عليه شدة وفائه لها بقولها له هل كانت الا عجوزا عوضك الله خيرا منها. فكان يقول لها لا و الله ما ابدلني خيرا منها. آمنت بي اذ كفر الناس ، و صدقتني اذ كذبني الناس ، و واستني بمالهااذ حرمني الناس. و رزقني الله منها الولد دون غير ها من النساء اني لا حب حبيبها – و الوفاء من الايمان-.
كانت خديجة بقوة آرائها و نضج عقلها و صدق مودتها و صحة ايمانها وزيرة صدق للرسول و سلم فكانت وفاتها صدمة عنيفة في حياة النبي ظلت تتمثل امام عينيه دائما و ابدا اذ أنه ما كاد ان يواري عمه ابا طالبعليه السلام في حفرته حتی واری زوجه النصيرة له بعده فأصبح وحيدا من الناصر و المعين لو لا ان تداركه الله بلطفه و ايده بنصره.
و قد روي ان وفاتها كانت لعشر خلون من شهر رمضان بعد عشر سنين من مبعثه و قبل الهجرة بثلاث سنوات. و سمی رسول الله ذلك العام- عام الحزن لفقده عمه ابا طالب و زوجه خديجة ام المؤمنين و المؤمنات عليها السلام.
ص: 98
مولد الامام الثاني ابي محمد الحسن عليه السلام
الصورة

أبو محمد الحسن بن علي بن ابي طالب هو الامام الثاني منالائمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين. أبوه علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه. و امه فاطمة الزهراء بنت رسول الله سيدة نساء العالمين. قال و اصل بن عطاء: كان الامام الحسن عليه سيماء الانبياء و بهاء الملوك . وروی أبو نعيم في حيلة الاولياء عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي ان الامام الحسن قال: اني لا ستحيي من ربي ان القاه و لم أمش الی بيته، فمشی عشرين مرة علی رجليه من المدينة الی مكة و النجائب لتقاد معه. و قد قاسم الله امواله مرتين. و كان يعطي عطاء من لايخاف الفقر. وفي كتاب الصفوة لا بن الجوزي قال كان الحسن أشبه الناس بجده . وروی البخاري عن عقبة بن الحارث قال صلی أبو بكر العصر ثم خرج يمشي هو و علي عليه السلام فرأی الحسن يلعب مع الصبيان فحمله ابو بكر علی عاتقه و قال : بابي شبيها بالنبي ليس شبيها بعلي و علي يبتسم، و روی
ص: 99
البخاري و مسلم عن البراء بن عازب قال رأيت النبي و علی عاتقه الحسن بن علي عليهما السلام و هو يقول اللهم اني احبه فاحبه. وروی الترمذي عن ابن عباس قال: كان رسول الله حاملا الحسن بن علي عليهما السلام علی كتفه، فقال رجل : نعم المركب ركبت ياغلام. فقال النبي : و نعم الراكب هو. وروی الترمذي عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة. الی غير ذلك من الاحاديث الدلة علی عظيم منزلته عند الله و رسوله. و علی جليل مقامة في قلوب المسلمين.و الحسن صلوات الله عليه اول مولود جاءت به بضعة النبي سيدة النساء فاطمة الزهراء عليه السلام فترعرع في حضن الزهراء و ربي في حجر الرسول الاعظم و تغذی من در النبوة و تشرب بروح الوحي و نشد في كنف الرسالة. و نهل من ينابيع العرفان و التقی و الايمان. فكان انموذجا للفضائل و مثلا للجود و الكرم و الشجاعة و الاباء و العلم و المعرفة و الصبر و الورع انار غياهب الانسانية المظلمة بسناه. و اوضح نهج الهداية بهداه و علم الناس المكارم و افهمهم الصمود امام الحوادث و النوازل.
و للحسن سلام الله عليه تاريخ حافل من يوم ولد الی ان استشهد مسموما بالسم الذي دسه اليه معاوية بن هند و ليس من همنا الان التعرض له لان بحثنا هذا يقتصر علی تاريخ ميلاده عليه اسلام و سوف نتعرض لشئ من تاريخه في يوم ذكری وفاته ان شاء الله.
ص: 100
و لد سلام الله عليه في اليوم الخامس عشر من شهر رمضان السنة الثالثة هجرية الواقعة لسنة 624 ميلادية .. و قد لاقی سلام الله عليه من ابناء الطلقاء و عبيدهم ما لا قبل لاحد بتحمله بعد ان غدر به المارقون و خرج عليه المنافقون و عبدة الاوثان من ارباب الاطماع و الهمج الرعاع. بيد انه رأی ان يرأب صدع الاسلام بما يحتمله من الاذی و يرفو خرقه بما يصطبر عليه من الحرمان فتجرع الغصص و شرب بعد ذلك السم الذعاف فمضی الی جوار ربه طاهر الذيل صافي انقيبة شهيدا هضيماً حقه . مغتصبا امره.. علی انه لم يأل في اللهجهادا حتی اتاه اليقين. فكان صلوات الله و سلام عليه و اعظم امتحان للمؤمنين و اعظم حجة علی اعدائه القاسطين. اذ لم يحفظو فيه عهد رسول الله. و لم يرعوا ذمته . و لم يحققو له فيه و في اخيه امنيته فجاروا و ظلموا و عدوا و اعتدوا ضاربين بالاسلام ظهريا و عن الدين صفحا قد غرتهم الدنيا و غوتهم شياطينها فاصبحوا لا يرون الا اقذرها و لا يحبون الا اوضارها قد اعمی الله بصائرهم، و اغشی ابصارهم فهم في غيهم سادرون.
غزوة بدر الكبری
غزاة بدر و ما ادراك ما غزاة بدر؟ اذ هي فاتحة الاسلام كما ان ام الكتاب هي فاتحة القرآن، ففي غزاة بدر تحطمت رؤوس المشركين و اجتثت الشجرة الملعونة، و انقطع و تين الكفر، و شرق الالحاد بدمه، و اشرق نور الله في الارض، و غاض المشركون في قليب بدر، و امتد رواق الاسلام و لمعت بوارق الايمان، و ظهرت آيات الله، و خفقت راياته، و سری ضوؤه في فجاج
ص: 101
الجزيرة، و مفاوز الصحراء، و دياميم البادية، و استعلی أمر الله في جبال فاران..
بدأت واقعة بدر الكبری في يوم الجمعة سابع عشرة من شهر رمضان لسنتين مضتا علی الهجرة ...و كان من حديثها: ان اباسفيان صخر بن حرب عاد من الشام في عير لقريش عظيمة و فيها اموال كثيرة تقدر قيمتها بخمسين الف دينار يحرسها ثلاثون أو اربعون أو سبعون رجلا فيهم عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل ، فلما سمع المهاجرون بها اتوا الی النبي و قلوبهم تغلي كالمراجل ليثأروا من قريش التي عذبتهم ، و ارادت ان تفتنهم عن دينهم، و اخرجتهم من ديارهم ، و سلبتهم اموالهم.
فندب النبي المسلمين اليهم و قال: اخرجوا فلعل الله ان ينفلكموها. فنفر بعضهم ، و تقاعد بعضهم لانهم لم يظنوا ان النبي يلقي حربا. و بلغ ابا سفيان خبر النبي فأخذ حذره، و استأجر ضمضم بن عمر الغفاري فبعثه يستنفر قريشا لتحمي عيرها. و كانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم بثلاث لياليه رؤيا افزعتها فقصتها علی اخيها العباس و استكتمته خبرها.. قالت رأيت راكبا علی بعير له واقفا بالابطح، ثم صرخ بأعلی صوته ان انفروا يا ال غدر لمصارعكم في ثلاث قال فأری الناس قد اجتمعو ا اليه ، ثم دخل المسجد فمثل بعيره علی الكعبة ، ثم صرخ مثلها ، ثم مثل بعيره علی رأس أبي قبيس فصرخ مثلها. ثم أخذ صخرة عظيمة و ارسلها فلما كانت باسفل الوادي ارفضت فما بقي بيت في مكة الا دخله فلقة منها.
ص: 102
فخرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة و كان صديقا له فقص عليه رؤياها . فذكرها الوليد لابيه ففشا الخبر، فلقي أبو جهل العباس فقال له متی حدثت فيكم هذه النبية؟ ثم قال : ما رضيتم ان تتنبأ رجالكم حتی تتنبأ نساؤكم ، فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يكن حقا والّا كتبنا عليكم انكماكذب اهل بيت في العرب. و لم يكن من العباس الا ان جحد الرؤيا و انكرها.
و لما امسی اتاه نساء بني عبد المطلب و قلن له: اقررتم لهذا الفاسق الخبيث ان يقع في رجالكم ، و قد تناول نساءكم ، و لم تنكر عليه ذلك. قال: فان عاد كفيتكموه. قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة و انا مغضب احب ان ادركه، فرأيته في المسجد فمشيت نحوه اتعرض له ليعود فأوقع به، فخرج نحو باب المسجد يشتد، و اذا هو قد سمع صوت ضمضم و هو يصرخ ببطن الوادي علی بعير قد جدعه ، و حول رحله و شق قميصه و هو يقول: يا معشر قريش اللطيمة ، اللطيمة اموالكم مع ابي سفيان قد عرض لها محمد و اصحابه لا ادري ان تدركوها . الغوث ، الغوث فشغله عني و شغلني عنه.. قال: فتجهز الناس سراعا و لم يتخلف من اشرافهم احد الا ابو لهب.
و بعث النبي طلحة بن عبد الله، و سعيد بن زيد يترصدان العير و لما علما بمرورها اسرعا بالرجوع. و كان قد خرج النبي قبل رجوعهما لثمان خلون من شهر رمضان و خرج معه ثلثمائة من المهاجرين و الانصار و لم يكن بينهم من الفراسان الا المقداد بن الاسود الكندي و فارس آخر قيل
ص: 103
هو الزبير بن العوام، و معهم من الابل سبعون بعيرا يتعاقبون عليها. و كان النبي و علی بن ابي طالب ، و مرثد بن ابي مرثد و قيل بل زيد بن حارثة يتعاقبون علی بعير واحد.و انطلقوا مسرعين لئلا يفلت منهم أبو سفيان. و ذكر بن الاثير ان لواء النبي كان مع مصعب بن عمير بن عبد الدار. و رايته مع علی بن ابي طالب عليه السلام . و علی الساقة قيس بن أبي صعصعة الانصاري . و في ذخائر العقبی عن ابن عباس ان علياً أخذ راية النبي يوم بدر ، فقال الحكم : يوم بدر المشاهد كلها. و في ذخائر العقبی قال كسرت يد علی يوم احد فسقط اللواءمن يده فقال رسول الله ضعوه في يده اليسری فانه صاحب لوائي في الدنيا و الاخرة.
و كان ابو سفيان قد مال بالعير الی طريق الساحل اشفاقا عليها من المسلمين و جائت قريش مسرعة و كانوا تسعمائة و خمسين رجلا و قيل كانوا الف رجل و معهم مائة فرس و سبعمائة بعير.
و سار النبي باصحابه فلما كان قريبا من الصفراء بعث بسيس بن عمرو وعدي بن ابي الرغباء يتجسسان الاخبار عن ابي سفيان ثم ارتحل تاركا الصفراء يسارا. و عاد اليه بسيس يخبره ان العير قد قاربت بدرا. و لم يكن عند رسول الله و المسلمين علم بمسير قريش لمنع عيرهم.
و لما نجا أبو سفيان بالعير ارسل الی قريش و هم بالجحفة ان ارجعوا فقد نجی الله عيركم و اموالكم فقالت قريش لابي جهل: ان العير قد نجت فأرجع الناس الی مكة . فقال لا يكون ذلك ابدا حتی ننحر الجزر، و نشرب الخمور و
ص: 104
نقيم القينات و المعارف ببدر فيتسامع العرب بخروجنا ، و ان محمدا لم يصب العير.و كان النبي قد بعث علياً عليه السلام و الزبير و سعدا يلتمسون له الخبر ببدر فاصابوا رواية لقريش فيهم اسلم غلام الحجاج و أبو يسار غلام بني العاص فأتوا بهما النبي . فقال لهما: اخبراني اين قريش ؟ قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي تری بالعدوة القصوی. فقال كم القوم؟ قالا : كثير. قال: كم عدتهم؟ قالا لا ندري. قال: كم ينحرون؟ قالا: يوما تسعا و يوما عشرا.. قال: القوم بين التسعمائة الی الالف. و فيهم عتبة، و شيبة، ابنا ربيعة؛ و الوليد و ابو البختري بن هشام، و حكيم بن حزام ، و الحارث بن عامر و طعيمة بن عدي، و النضر بن الحارث، و زمعة بن الاسود. و أبوجهل، و امية بن خلف . و نبيه و منبه ابنا الحجاج و سهيل بن عمرو؛ و عمرو بن عبدود.
و حيث ان أبا سفيان قد نجا بالعير فقد تغير الامر فاستشار النبي اصحابه. و قال هذه مكة قد القت اليكم اشرافها و افلاذ كبدها. فأدلی المهاجرون برأيهم و كان بعضهم و د ان يعودوا الی المدينة و لا يصطدمون بقريش و فيهم نزلت هذه الاية: ( و اذ يعدكم الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين) ثم قام منهم المقداد بن الاسود فقال: امض لما امرك الله فنحن معك، و الله لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسی أذهب انت و ربك فقاتلا انا معكما مقاتلون. فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الی برك الغماء (يعني مدينة الحبشة) لجالدنا معك من دونه حتی تبلغه. فدعاله بخير. ثم قال
ص: 105
اشيروا علی أيها الناس، فقال له سعد بن معاذ: لكانك تريدنا يا رسول الله ؟ قال :أجل . قال: قد آمنا بك، و صدقناك ، و اعطيناك عهودنا، فامض لما أمرت فو الذي بعثك بالحق ان استعرضت بنا هذا البحر لنخوضنه معك ، و ما نكره ان تكون تلقی العدو بنا غدا، انا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقربه عينك. فسر النبي و دعا لهم بالخبر ثم قال سيروا و ابشروا فان الله وعدني احدی الطائفتين. و الله لكأني انظر مصارع القوم. و عين مصارع القوم فما تعدوها. و سار النبي باصحابه حتی اشرف علی بدر فنزل قريبا منها. و قد نزلت قريش بالعدوة القصوی من الوادي فبعث الله السماء بالمطر و كان الوادي دهاسا( ليس برمل و لا تراب) فأصاب من المطر رسول الله و اصحابه ما لبد لهم الارض و لم يمنعهم المسير و أصاب قريشا منه ما لم يقدروا علی ان يرحلوا معه فبادرهم النبي الی الماء حتی اذا جاء أدنی ماء من بدر نزله و اشار الحباب بن المنذر بن الجموح علی النبي بأن يأتي أدنی ماء من القوم فينزله ثم يغور ما وراء القلب ثم تبني له حوضا و تملاؤه ماء فتشرب و لا يشربون ثم نقاتلهم. ففعل رسول الله ذلك فلما نزل قال سعد بن معاذ: يا رسول الله نبني لك عريشا فتكون فيه و نترك عندك وكائبك ثم نلقی عدونا فان اعزنا الله و اظهر نا عليهم كان ذلك ما احبنا، و ان كانت الاخری لحقت بمن وراءنا فقد تخلف قوم ما نحن بأشد حبا لك منهم ،و لو ظنوا انك تلقی حربا ما تخلفوا فاثنی عليه خيرا ثم بني لرسول الله العريش. و اقبلت قريش .
ص: 106
فقال النبي : اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها و فخرها تحادك و تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم احنهم الغداة.
و تقدم الاسود بن عبدالاسد المخزومي و هو من اشد الناس عداوة لله و لرسوله و تكلم مع قومه فقال اعاهدكم لا شربن من حوض اصحاب محمد و لاهدمنه أو لا موتن دونه، فخرج اليه حمزة عم النبي فضربه فأظن (قطع) قدمه بنصف ساقه دون الحوض و لكنه تجلد و حبا الی الحوض و شرب منه وركله برجله الصحيحة بارا بيمينه فعاجله حمزة بضربة ثانية و قتله.
و تداولت قريش فيما بينها الرأي فمنهم من كان يری الرجوع بالناس و منهم من يری الحرب و كان من أشد الناس حماسة لحرب رسول الله أبو جهل فهو الذي كان يسعر فيهم نيران الحفيظة و يؤلبهم و يستنهض هممهم حتی اوبقهم فيما كره أكثرهم .. ارادة أرادها الله لاعلاء كلمة الاسلام و اعطاء نصره لخيار المؤمنين.
و نزل عتبة بن ربيعة و اخوه شيبة و ابنه الوليد فبرز اليهم ثلاثة نفر من الانصار و انتسبوا فقالوا: ارجعوا انما نريد الاكفاء من قريش . فنظر رسول الله عليه و آله الی عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب و كان له من العمر سبعون سنة و قال له: قم يابن العم، و نظر الی عمه حمزة بن عبد المطلب و قال له: قم يا عم ، و نظر الی علي عليه السلام و قال له: قم يا علي (و كان علي أصغر القوم سنا) فاطلبوا بحقكم.
ص: 107
فبرز حمزة لعتبة. و برز عبيدة لشبية. و برز علي للوليد. فقتل حمزة عتبة، و قتل علي الوليد، و اختلف عبيدة و شيبة فيما بينهما بضربتين فاثخن كل منهما صاحبه فكر علي و حمزة علی شيبة فقتلاه، و احتملا عبيدة و قد قطعت رجله فلما رآه النبي استعبر و قال: يا رسول الله الست شهيدا قال بلی انت اول شهيد من أهل بيتي. قال:لو رآني عمي أبوطالب لعلم اننا أحق بقوله:
و نسلمه حتی نصرع حوله و نذهل عن ابنائنا و الحلائل
روی مسلم عن ابي ذر الغفاري (رض) ان هذه الآية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت فيهما . و مات عبيدة و هو أول شهداء بدر.
و تزاحف القوم و استعرت الهيجاء و أمر النبي و اصحابه بأن لا يحملوا حتی يأمرهم فان اكتنفوكم فانضحوهم عنكم بالنبل. و قد دارت رحی الحرب و تقدم أبوجهل و معه أحد فرسان قريش و قد أفرغ عليه لامة حربه و أمره بالنزول الی المعركة فقابله حمزة و ضربة ضربة ازهقت روحه و قال خذها و انا ابن عبد المطلب و هو يظنه أبا جهل و قدم أبو جهل فارسا آخر فتلقاه علي و لم يمهله ان اراداه قتيلا و ثار النقع و جعلت رؤوس قريش تطير عن اجسادها و المسلمون يزدادون قوة كل ما اشتدت الحرب . ووقف النبي في حومة الوغی و أخذ حفنة من الحصباء ورمی بها قريشا و قال شاهت الوجوه سيهزم الجمع و يولون الدبر. و قال لاصحابه : شدوا عليهم فخاض علي وحمزة المعركة يذكون نيرانها ويحطمون شجعانها و تابعهماابطال المسلمين. و استولی الذهول علی المشركين و اشتد عليهم البلاء. و لقي
ص: 108
معاذ بن عمرو بن الجموع أبا جهل و قريش محيطة به و هم يصيحون لا يخلص احد الی أبي حكيم بسوء قال معاذ: فجعلت أترصده حتی تمكنت منه و حملت عليه و ضربته ضربة ابنت قدمه، و ضربني ابنه عكرمة فطرح يدي من عاتقي. ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه ضربا مبرحا ثم مر ابن سعود بين القتلی فوجده في آخر رمق فوضع رجله علی عنقه و قال هل أخزاك الله يا عدو الله فقال له أبو جهل لقد ارتقيت مرتقی صعبا يا رويعي الغنم فقال له اني قاتلك قال ما انت أول عبد قتل سيده و ان أشد شئ لقيته قتلك اياي فقطع رأسه و جاء به الی النبي الله عليه و آله فسجد لله شكرا.
قال عبد الرحمن بن عوف كان امية بن خلف صديقا لي بمكة فرأيته يوم بدر و قد احجم من الخوف فقال لي من الرجلان منكم احدهما المعلم بريشة نعام في صدره الشاب الذي في جانبه.؟ قلت الاول حمزة بن عبد المطلب و الثاني ابن اخيه علي ابن ابي طالب . فقال لقد فعلا بنا الافاعيل حيث تحديا رؤوس قريش و زعماءها و استأصلوهم . و بينا انا واقف معه و اذا بلال يصيح هذا امية بن خلف رأس الكفر فقتلا هو وولده و تعرض حنظلة بن ابي سفيان الی علي عليه السلام فقتله علي عليه السلام.
و دارت الدائرة علی المشركين فقتل و اسر من اسر و انتصر الاسلام و اهله و انخذل الشرك و اهله. و جئ بالاسری الی رسول الله فأمر ان لا يقتلوابني هاشم لانهم خرجوا مع قريش كرها و لانهم حموه من اعدائه في مكة. و أمر ان لا يقتل ابو البختري لانه كان ممن نقض الصحيفة.
ص: 109
و كان عدد قتلی المشركين سبعين و الاسری سبعين قتل منهم امير المؤمنين علی وحده ما يزيد علی ثلاثة و عشرين فكان بلاؤه عليه السلام في بدر عظيما و قسطه منها القسط الاوفر و نصيبه فيها النصيب الاوفی و قدحه بها القدح المعلی. فبسيفه انتصر الاسلام و باقداحه تقدم المسلمون و بصولته صال الايمان علی الشرك.
و كان من استشهد من المسلمين ستة من المهاجرين و ثمانية من الانصارو نزل الوحي علی النبي بهذه الآية( لقد نصركم الله ببدر و انتم اذلة) و أمر رسول ان تطرح القتلی في القليب و وقف قريبا منهم و قال: يا اهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم كذبتموني و صدقني الناس، ثم قال يا عتبة، يا شيبة يا امية بن خلف يا ابا جهل بن هشام و عدد اهل القليب .. هل وجدتم ما وعدكم الله حقا فاني وجدت ما وعدني ربي حقا..
و مما لا ريب فيه ان حمزة و علياً كانا فرسي رهان في السبق الی رؤوس قريش و ساداتها فقد حفرا يوم بدر قبور الاصنام و قبور صناديد المشركين من قريش.
و عاد النبي الی المدينة و معه اصحابه مصحوبين بالغنائم و الاسری ثم اوصی اصحابه بالاسری خيرا. فكان كل واحد منهم يؤثر اسيره بطعامه. وقسم النفل الذي افاء الله علی المسلمين بينهم بالسواء بعد ان اخرج الخمس.
ص: 110
و أمر النبي علياً عليه السلام بقتل النضر بن الحارث عند ما مر راجعا و هو بالصفراء فقتله . و أمر عاصم بن ثابت بقتل عقبة بن ابي معيط فلما ارادوا قتله جزع من القتل و قال ما لي اسوة بهؤلاء يعني الاسری فقتل بعرق الظبية.
مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام
شاء الله ان يصيب و ليه الشهادة و يبوأه مراتب الصديقين الشهداء في أعلی عليين في أجل الشهور عنده و اقدسها لديه فكان ذلك في شهر رمضان في اليوم التاسع عشر منه سنة اربعين هجرية.
و كان السبب في ذلك ان نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا فيما بينهم فعابوا الامراء و شنأوا اعمالهم. و ذكروا اهل النهروان و ترحموا عليهم. و قالوا لو اننا شرينا انفسنا لله فاتينا ائمة الضلال و طلبنا غرتهم و ثأرنا باخواننا الذين قتلوا بالنهروان. فتعاهدوا علی ذلك عند انقضاء الحج. فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي عليه لعنة الله انا اكفيكم علياً و قال البرك بن عبدالله التميمي انا اكفيكم معاوية و قال عمروبن بكر انا اكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا ان لا ينكص احدهم عن صحابه حتی يقتله أو يموت دونه. فسموا سيوفهم و اتعدوا علی ذلك لتسع عشرة من رمضان و قيل لسبع عشرة منه و قصد كل واحد منهم الجهة التي يريدها.فاما البرك فاتی الشام و ضرب معاوية و هو راكع فوقعت الضربة علی اليته و لما قبضوا عليه قال: ان لك عندي بشارة و هي ان علياً يقتل في هذه الليلة
ص: 111
فاحتبسني عندك فان لم يقتل فاني اعاهدك ان امضي فاقتله ثم اعود اليك فلما اتی الخبر بقتل علي عليه السلام خلی سبيله.
و اما عمرو بن بكر فمضی الی الفسطاط- بمصر- و كان ابن العاص قد شرب دواء و خرج صاحب شرطته خارجة بن ابي حبيبة يصلي بالناس فضربة و هو يظنه عمرو ابن العاص فاتي به عمروا فقتله و في ذلك يقول بن زيدون من قصيدة طويلة مشهورة:
فليتها اذ فدت عمروا بخارجة فدت علياً بمن شاءت من البشر
و اما ابن ملجم فانه اتی الكوفة فلقي بها اصحابه فكتمهم أمره ثم رأی صاحبا له من بني تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الاخضر. و كان أمير المؤمنين علي عليه السلام قتل اباها و اخاها بالنهروان، و كانت من اجمل نساء زمانها فلما رآها بن ملجم شغفته حباً فخطبها فاشترطت عليه ثلاثة الاف و عبدا و قينة و قتل أمير المؤمنين .و فقال لها لك جميع ما سألت و اما قتل علي فانی لي بذلك قالت التمس غرته فان انت قتلته شفيت نفسي و هناك العيش معي... فقال و الله ما اقدمني هذا المصر الا ما سألتني من قتل علي، فطلبت له من يساعده علی ذلك فبعثت اليه وردان بن مجالد فخبرته الخبر و سألته معونة ابن ملجم فأجابها الی ذلك . و خرج ابن ملجم فاتی رجلا من اشجع يری رأيالخوارج يقال له شبيب بن بجرة فعرض عليه الامر فقال هبلتك الهبول لقد جئت شيئا اداً و كيف نقدر علی ذلك.؟ قال نكمن له في المسجد الاعظم فاذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به ولم يزل به حتی أجابه و اشعرا قطام و هي معتكفة
ص: 112
في المسجد قد ضربت عليها قبة فقالت اذا اردتما قتله فالقياني في هذا الموضع و في ليلة الاربعاء و قيل ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من رمضان اتياها و معهما وردان فعصبت صدورهم بالحرير و تقلدوا سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين علي عليه السلام الی الصلاة. و كان الاشعت بن قيس قد و اطأهم علی ذلك و حضر في تلك الليلة الی المسجد ليعاونهم فلما خرج سلام الله عليه نادی ايها الناس الصلاة الصلاة ثم دخل محرابه و أقام الصلاة فصلی الركعة الاولی و قام الی الثانية فلما سجد السجدة الثانية منها هجموا عليه، فضربه و صاح أمير المؤمنين لا يفوتنكم الكلب. و لم يتأوه و صبر و احتسب ووقع علی وجه قائلا بسم الله و بالله و علی ملة رسول الله . هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله . فزت و رب الكعبة. و ثار من في المسجد و صاروا يدورون و لا يدورون اين يتوجهون من هول الصدمة و شدة الدهشة و احتمل الناس أمير المؤمنين الی داره و اوصی ان يتقدم جعدة بن هبيرة و هو ابن اخت أمير المؤمنين ام هاني ليصلي بالناس الغداة و شد الناس علی ابن ملجم فقبضوا عليه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام احظروا الرجل عند ي فأدخل عليه فقال أي عدو الله ألم أحسن اليك قالبلی؟ قال فما حملك علی هذا. قال يا أميرالمؤمنين أفأنت تنقذ من في النار، قال صدقت، ثم التفت الی ولده الحسن عليه السلام و قال بني ارفق بأسيرك اطعمه مما تأكل واسقه مما نشرب ثم دعي اليه بالطبيب الجراح أثير بن عمرو السكوني ليعالج جرح امير المؤمنين و لما جاء و نظر اليه قال يا أمير المؤمنين
ص: 113
اعهد عهدك فان الضربة و صلت الی أم رأسك فلما سمع الناس اخذوا بالبكاء و العويل، و قام حجر بن عدي الكندي فأنشد:
فوا أسفي علی المولی التقي ابي الاطهار حيدرة الزكي
قتيلا قد غدا بحسام نغل
لئيم فاسق رجس شقي
استشهاد أمير المؤمنين علي عليه السلام!
الصورة

في الليلة الحادية و العشرين من شهر رمضان سنة اربعين هجرية استشهد بطل الاسلام اسد الله الغالب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام متأثرا من ضربة اشقي الاولين و الاخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي عليه لعائن الله.
جاء في تذكره الخواص ان أميرالمؤمنين علي عليه السلام انشد قبل قتله بثلاثة أيام:
تلكم قريش تمناني لتقتلني *** فلا و ربك ما فازوا و لا ظفروا
ص: 114
فان بقيت فرهن ذمتي لهمو *** بذات ودقين لا يعفو لها أثر(1)
و ان هلكت فاني سوف اورثهم *** ذل الممات فقد خانوا و قد غدروا
و في الاستيعاب ان أمير المؤمنين علي عليه السلام قال في سحر اليوم الذي ضرب فيه ملكتني عيني و انا جالس فسنح لي رسول الله فقلت يا رسول الله ما ذا لقيت من امتك من الاود و اللدد(2) فقال ادع عليهم فقلت ابدلني الله بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا لهم مني و في ارشاد المفيد لما دخل رمضان كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يتعشی ليلة عند الحسن و ليلة عند الحسين عليهما السلام و ليلة عند عبد الله بن جعفر و كان لا يزيد علی ثلاث لقم فقيل له في ذلك فقال يأيتني أمر الله و انا خميص، انما هي ليلة او ليلتان فأصيب في آخر الليل.
و في امالي الطوسي باسناده الی الاصبغ بن نباتة قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علياً بن ابي طالب عليه السلام غدونا عليه في نفر من اصحابنا انا و الحارث و سويد بن غفلة و جماعة معنا فقعدنا علی الباب فسمعنا البكاء من الدار فبكينا فخرج الينا الحسن بن علی عيلهما السلام فقال يقول لكم أميرالمؤمنين انصرفوا الی منازلكم فانصرف القوم غيري و اشتد البكاء فبكيت و خرج الحسن فقال ألم أقل لكم أنصرفوا فقلت لا و الله بابن رسول الله ما تتابعني نفسي و لا تحملني رجلاي ان انصرف حتی اری أمير المؤمنين قال
ص: 115
وبكيت ودخل الدار ولم يلبث ان خرج فقال لي ادخل فدخلت علی امير المؤمنين فاذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف دمه و اصفر وجه فما ادري وجه أشد صفرة أم العمامة فاكببت عليه فقبلته و بكيت. فقال لا تبك فانها و الله الجنة. فقلت جعلت فداك اني اعلم و الله انك تصير الی الجنة و انما ابكي لفقداني اياك.
ثم ان أمير المؤمنين صلوات الله و سلام عليه اوصي و صيته و عهد بعهده الی ولده الحسن سلام الله عليه و قال له اذا انا مت فغسلني و كفني و حنطني ببقية حنوط جدك رسول الله ثم ضعني علی سريري و احملوا مؤخره و اتبعوا مقدمه فاينما و ضع المقدم فضعوا المؤخر فهو موضع قبري فاذا فرغت من الصلاة عليّ فنح ِالسرير عن موضعه ثم اكشف التراب عنه فستری قبرا محفورا و لحدا مشقوقا و ساحة منقورة فاضجعني فيها ثم اشرج اللحد باللبن و اهل التراب عليّ ثم غيب قبري.
و لم يزل يقول لا اله الا الله حتی قبض صلوات الله و سلامه عليه.
ص: 116
هذا و حول حد هذا المجرم اللعين يقول سماحة آية الله الشيخ ماجد الكاظمي ان حده هو حد قاتل الانبياء بان يقتل ثم يحرق كما اجراه الامام الحسن عليه السلام فقد قال الشيخ المفيد رحمه الله فی الارشاد(1) انه جاء الناس الی اميرالمومنين عليه السلام فقالوا يا اميرالمونين مرنا بامرك فی عدو الله و الله لقد اهلك الامة و افسد الملة فقال لهم ان عشت رأيت فيه رأيي و ان هلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار... و مثله روی ابن عساكر في تاريخه فقال فی ترجمتهعليه السلام اخبرنا ابو علي ابن السبط قال: لما ضرب ابن ملجم علياً الضربة قال عليّ: افعلوا به كما اراد رسول الله ان يفعل برجل اراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه(2) و كذلك روی ابن شهر آشوب فی المناقب عنه عليه السلام انه قال: و ان هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبي فسئل عن معناه فقال اقتلوه ثم احرقوه بالنار(3) .ولا يخفی ان ابن ملجم من المحاربين وقد نص القرآن الكريم بقوله: ( انما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم و
ص: 117
ارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ) و حيث ان اميرالمومنين عليه السلام نفس النبي و حربه حرب النبي فمحاربه محارب لله والرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والخارج عليه خارج عن الاسلام ومحكوم بالارتداد والكفر.
وعليه يعلم ان ما في بعض الاخبار من انه يضرب ضربة بضربة مخالف للقرآن و للروايات المتقدمة و سيرة الامام الحسنعليه السلام من قتله و احراقه و الظاهر ان هذه الرواية محرفة و ان اصلها و ان عشت فضربة بضربة او اعفو كما نقل سبط ابن الجوزي في التذكرة.(1)
فتح مكة المكرمة
كانت خزاعة داخلة في عهد النبي و بنو بكر من مناف داخلة في عهد قريش في معاهدة الحدبية المعقودة بين النبي و بين قريش فسمع رجل من خزاعة رجلا من بني بكر ينشد هجاء للنبي صلي الله عليه و آله فهاج عليه فشجه واحتدم الشر بين العشيرتين و بيتت بنو بكر خزاعة بما يقال له- الوثير – و اعانت قريش بني بكر بالسلاح و الدواب و قاتل معهم جماعة منهمصفوان بن امية و عكرمة بن ابي جهل و سهل بن عمرو و بذلك نقضت قريش العهد مع النبي فخرج عمرو بن سالم الخزاعي الی النبي وانشده:
يا رب اني ناشد محمدا *** حلف ابينا و ابيه الا تلدا
ان قريشا اخلفوك الموعدا *** و نقضوا ميثاقك المؤكدا
ص: 118
هم بيتونا بالوثير هجدا *** و قتلو نا ركعا و سجدا
فقال النبي قد نصرت يا عمرو و تجهز النبي الی مكة و قال اللهم خذ العيون و الاخبار عن قريش حتی نبغتها في بلادها و خرج النبي لعشر مضت من شهر رمضان من السنة الثانية الهجرية و لقيه العباس بن عبد المطلب بالجحفة مهاجرا فأمره النبي ان يرسل رحله الی المدينة و يعود معه، و لقيه مخرمة بن نوفل و ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و عبدالله بن امية و لم يقبلهم النبي فقال علي عليه السلام لابي سفيان بن الحارث قل لرسول الله ما قال أخوة يوسف :تالله لقد آثرك الله علينا و ان كنا لخاطئين، ففعل ذلك فقال النبي : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو ارحم الراحمين، فاسلموا و انشد أبو سفيان:
لعمرك اني يوم احمل راية *** لتغلب خيل اللات خيل محمد
لك المدلج الحيران اضلم ليله *** فهذا أواني حين اهدي و اهتدي
و كان مع النبي عشرة الاف فارس فقال العباس يا هلاك قريش لان بغاها النبي فدخل عنوة، و خرج ليری من يبعثه الی مكة حتی يستأمنوافسمع صوت ابي سفيان و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء خرجوا يتجسسون فجاء بأبي سفيان الی النبي و قال العباس يا رسول الله لقد اجرته فقال النبي قد أمناه تغدوا علي به ، فغدا عليه به فقال النبي أما آن لك ان تعلم ان لا اله الا الله؟؟ قال بلی لو كان مع الله غيره لاغنی شيئا يوم بدر، فقال و يحك ألم يأن لك اني رسول الله؟؟ ، قال بابي انت و امي اما هذه ففي
ص: 119
نفسي منها شئ فقال له العباس اشهد شهادة الحق قبل ان تضرب عنقك فقالها و لسانه يتلعثم، و اسلم صاحباه معه، و حبسه العباس عند مضيق الوادي فمرت به الجنود فقال يا عباس ان ملك ابن اخيك لعظيم فقال و يحك انها النبوة قال اذن نعم؟؟ و دخل النبي مكة في العشرين من شهر رمضان، و كانت رايته بيد أمير المؤمنين علي عليه السلام و قد جرت بعض المناوشات في الخندمة و غيرها قتل فيها جماعة من المشركين و فر الباقون ، و نادی منادي النبي من دخل البيت الحرام فهو آمن و من القی سلاحه فهو آمن و من اغلق باله فهو آمن و من دخل بيت ابي سفيان و حكيم بن حزام فهو آمن ، و لما دخل النبي مكة كانت عليه عمامة سوداء فوقف علی باب الكعبة و قال لا اله الا الله وحده صدق وعده و نصر عبده و هزم الاحزاب وحده ، الا كل دم او مأثرةُ أو مال يدعی فهو تحت قدمي هاتين الا سدانة البيت و سقاية الحاج ثم قال يا معشر قريش ما ترون اني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وا بن اخ كريم قال اذهبوا فانتم الطلقاء، و طاف في الكعبة سبعا و دخلها و صلیفيها، و كان علی الكعبة ثلثمائة و ستون صنما فكان يشير اليها و يقرأ جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا، و هي تسقط لوجوهها.
و جاء في السيرة الحلبية: قال علي عليه السلام دعاني رسول الله ليلا و انطلق بي الی الكعبة، و قال اجلس و صعد علی منكبي و قال انهض فلما رأی ضعفي قال اجلس، ثم قال يا علي اصعد علی منكبي و في رواية انه قال له اني اكرمك ان اعلوك فقال يا علي لا تستطيع حمل النبوة اصعد انت فصعد علی
ص: 120
كاهله و أمره ان يلقي صنمهم الاكبر و كان من نحاس فالقاه موتدا بأوتاد من حديد فصار يعالجه و يقول ايه ايه «جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا» فقذفه و تكسر و طهر البيت الحرام من الاصنام.
ثم أمر النبي بلالا(رض) فأذن فوق الكعبة و صلی النبي اماما و بعد ذلك جلس للبيعة و اجتمع الناس لبيعته علی الاسلام فكان يبايعهم علی السمع و الطاعة لله و لرسول فيما استطاعوا.
و حديث فتح مكة فيه كثير من العبر و قد اغفلنا الجانب العظيم منه للاختصار و لضيق المجال، و كان فتح مكة في السنة الثانية هجرية لعشر ليال بقين من شهر رمضان المبارك.
ص: 121
إن كثيرا من أصحاب الأئمة علیهم السلام وكذا أعلام علمائنا قدس الله أسرارهم منذ عصر الائمة الهداة علیهم السلام الی زماننا هذا حذروا المسلمين من العرفان والفلسفة بجميع أطوارها وحكموا ببطلان مباني الفلاسفة والعرفاء وكفر من يعتقد بها ويلتزم بلوازمها وخروجه عن الدين واليك نماذج من ذلك في هذا العدد.
يقول "العلامة الحلّي رحمه الله في "كتاب كشف الحق و نهج الصدق":
البحث الخامس في أنّه تعالى لا يتحد بغيره: الضرورة قاضية ببطلان الاتحاد، فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور، فحكموا بأنه تعالى يتحد بأبدان العارفين، حتى تمادى بعضهم وقال: "إنّه تعالى نفس الوجود، وكل موجود فهو اللّه تعالى"وهذا عين الكفر والإلحاد. الحمد للّه الّذي فضّلنا باتّباع أهل البيت دون الأهواء المضلّة.(1)
و يقول العلامة المجلسي ره حول الصوفية:
ص: 122
إنهم لعنهم اللّه لا يقنعون بتلك البدع، بل يحرفون أصول الدين ويقولون بوحدة الوجود، والمعنى المشهور في هذا الزمان المسموع من مشايخهم كفر باللّه العظيم.(1)
و يقول في كتاب "مرآة العقول":
وزاد المتأخرون عن زمانه على البدعة في المأكل والمشرب كثيراً من العقائد الباطلة كاتحاد الوجود وسقوط العبادات والجبر وغيرها وأثبتوا لمشايخم من الكرامات ما كاد يربو على المعجزات، وقبايح أقوالهم وأفعالهم وعقايدهم أظهر من أن يخفى على عاقل، أعاذ اللّه المؤمنين من فتنتهم وشرّهم فإنهم أعدى الفرق للإيمان وأهله.(2)
و يقول المقدس الاردبيلي في كتاب "حديقة الشيعه":
لا بدّ أن يعتقد المؤمن في كلّ حال أنّ القول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود كفر، وأيضاً لا بدّ أن يعلم الشيعة أنّ الوجه الّذي يقول به الحلولية والاتحادية والوحدتية في ألوهيّتهم وألوهية مشايخهم وسائر الموجوداتيقوله النصارى بعينه في ألوهية عيسى عليه السلام وغلاة الشيعة في ألوهيّة أمير المؤمنين عليه السلام وبعض آخر من الأئمة عليهم السلام. ومع هذا إنّ جماعة من غلاة العامة يعدّون الحلاّج الكافر وأشباه - الذين يقولون بأنّه تعالى كلّ الأشياء - من أكابر أولياء اللّه.(3)
ص: 123
و يقول ايضاً:
وهم قالوا بوحدة الوجود، واعتقادهم: أنّ كلّ إنسان بل كل شيء هو اللّه تعالى شأنه كما أشير اليه، وهم أشدّ كفراً وأعظم خزياً من نمرود وشدّاد وفرعون لاعتقادهم بإلهيّة جميع الأشياء الغير الطاهرة فضلاً عن غيرها، فلو سمّيت تلك الفرقة ب- : الكثرتية كان أبلغ، لمبالغتهم في كثرة الإله بحيث لا يبقى شيء ممّا سوى اللّه تعالى إلاّ ويقولون: إنّه اللّه، وزعموا أنّ الجميع واحد.
وقد ذكر ابن عربي في كتبه من ذلك كثيراً لاسيّما في الفصوص، فقال في الفصّ اللقماني منه: إنّ الإختلاف بيننا وبين الأشاعرة في العبارة.
وقال في الفصّ الموسوي: إنّ فرعون عين الحق إلى آخر ما ذكره.(1)و يقول العلامه الخويي - مؤلف كتاب "منهاج البراعه در شرح نهج البلاغه" - بعد ان نقل مطالب(2) من "ابن عربي و "شارح القيصري في "الفص النوحي"(3):
ص: 124
هذا محصّل كلام هذين الرجسيين النجسين النحسين، وكم لهما في الكتاب المذكور من هذا النمط والاسلوب، فلينظر المؤمن الكيس البصر إلى أنهما كيف موّها الباطل بصورة الحق وأوّلا كلام اللّه تعالى بآرائهم الفاسدة وأحلامهم الكاسده على طبق عقايدهم الباطلة، وقد قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم المختار: من فسّر القرآن برأيه فليتبوّء مقعده من النّار.
ولعمري أنهما ومن حذا حذوهما حزب الشيطان وأولياء عبدة الطاغوت والأوثان، ولم يكن غرضهما إلا تكذيب الأنبياء والرسل وما جاؤوا به من البينات والبرهان، وهدم أساس الإسلام والإيمان، وإبطال جميع الشرايع والأديان، وترويج عبادة الأصنام، وجعل كلمة الكفر العيا، وخفض كلمة الرحمن.
ص: 125
أقسم باللّه الكريم - وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم - أنهم المصداق الحقيقي لقول أمير المؤمنين عليه السلام: اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتّخذهم له أشراكا، فباض وفرخ فيصدورهم، ودبّ ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم، فركب بهم الذّلل، وزيّن لهم الخطل، فعل من شرّكه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه.(1)
ومع ذلك فالعجب كل العجب أنهم يزعمون أنهم الموحّدون العارفون الكملون وأنّ غيرهم لمحجوبون وبالحقّ جاهلون، بل يترقى بعضهم ويدّعيالولاية القطبية، ويطغي آخرون فيدعون لأنفسهم الألوهية والربوبية، ويزعمون أن ربهم تجلى فيهم وظهر في صورهم المنحوسة. فيقول ابن عربي في فتوحاته: إن اللّه تجلّى لي مراراً وقال: انصح عبادي.
ويقول البسطامي: "سبحاني ما أعظم شأني" و"لا إله الاّ أنا"، ويقول "الحلاج": ليس في جبّتي سوى اللّه "، ويقول: "أنا الحق" و"أنا اللّه"، وبعضهم يبلغ الغاية ويجاوز النهاية فيقول ويهجر ويتكلّم تكلّم المجنون الّذي لا يشعر، فيخاطب الرّب عز وجل - والعياذ باللّه - مخاطبة المواليه للبعيد وهو قطبهم أبو يزيد. وقد نقل عنه "القيصري" في "شرح الفص النوحي" أنّه قال في مناجاته عند تجلّي الحق له: "ملكي أعظم من ملكك لكونك لي وأنا لك، فأنا ملكك وأنت ملكي، وأنت العظيم الأعظم وملكي أعظم من ملكك وهو أنا.
ص: 126
فلينظر العاقل مهملات هذا الجاهل، ثمّ لينظر إلى سوء أدبه وقبح خطابه ومناجاته حيث لم يرفع يده عن الأنانيّة فعبّر بلفظ أنا وأنت غير مرّة في مثل هذا المقام الّذي هو مقام الفناء والتجلّى على زعمهم، وكيف يجتمع ذلك مع قولهم السائر: "بيني وبينك إني ينازعني، فارفع بلطفك إني من البين "؟! وإنّما أطنبنا الكلام تنبيها على ضلالة هذه الجهلة الذين زعموا أنهم من أهل الكشف والشهود واليقين والموحدين المخلصين مع أنّهم من الضالينالمكذبين للأنبياء والمرسلين، وتعالى اللّه عما يقول الظالمون والملحدون علوا كبيرا.(1)
و يقول "القاضي سعيد القمي:
القول بأنّ المبدأ هو الوجود بلا شرط و" أمره " هو الوجود بشرط لا أو بالعكس، والمعلول هو الوجود بشرط شيء، وكذا القول بأنّ المبدأ هو الوجود الشخصي المتشخّص بذاته الواقع في أعلى درجات التشكيك المشتمل على جميع المراتب السافلة، وبالجملة: فالقول بكون المعلول عين العلة بالذات، وغيره بالاعتبارات السلبية، وكذا القول بالجزئية سواء كانت من طرف العلة أو المعلول، أو القول بالأصلية والفرعيّة، والقول بالسنخيّة أو الترشح أو العروض سواء كان الأخير من جهة العلة أو المعلول، والقول بالكمون والبروز وما يضاهي ذلك، على حدّ الشرك والكفر.
ص: 127
وكلّ ذلك تولّد معنوي وتناسل حقيقي وموجب لتهوّد القائل به ومستلزم لتنصّر الذاهب اليه حيث قالت اليهود: " عزير ابن اللّه " والنصارى: " المسيح ابن اللّه ".(1)
و يقول الشيخ حسن "قدس سره" ابن"الشيخ على بن عبدالعالى كركى" رحمه الله في كتاب "عمدة المقال في كفر أهل الضلال":والصوفية جوزوا اتحاده تعالى وحلوله في أبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال: "إنّه سبحانه نفس الوجود وكل موجود فهو اللّه تعالى"، والذين يميلون إلى طريقتهم الباطلة يتعصبون لهم ويسمونهم الأولياء، ولعمري أنهم رؤوس الكفرة الفجرة، وعظماء الزنادقة والملاحدة وكان من رؤوس هذه الطائفة الضالة المضلة "الحسين بن منصور الحلاج" و"أبو يزيد البسطامي".(2)
يقول الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله:
ص: 128
إن بطلان هذا الاعتقاد ( أي وحدة الوجود و... ) من ضروريات مذهب الشعية الإمامية، لم يذهب اليه أحد منهم بل صرحوا بإنكاره، وأجمعوا على فساده، وشنعوا على من قال به، فكل من قال به خرج عن مذهب الشيعة، فلا تصح دعوى التشيع من القائل به، وهو كاف لنا في هذا المقام.(1)
و يقول العلامه الفقيه "شيخ جعفر" "كاشف الغطاء" رحمه الله:
الكفر أقسام: الأول: ما يستحل به المال وتسبى به النساء والأطفال، وهو كفر الإنكار والجحود والعناد والشك..
القسم الثاني: ما يحكم فيه بجواز القتل، ونجاسة السؤر، وحرمة الذبايح والنكاح، من أهل الإسلام، دون السبي والأسر وإباحة المال، وهو كفر من دخل الإسلام وخرج منه بارتداد عن الإسلام، ويزيد الفطري منه في الرجال بإجراء أحكام الموتى، أو كفر نعمة من غير شبهة، أو هتك حرمة، أو سبّ لأحد المعصومين عليهم السلام، أو بغض لهم: أو بادّعاء قدم العالم بحسب الذات، أو وحدة الوجود، أو الموجود على الحقيقة منهما، أو الحلول أو الاتحاد، أو التشبيه، أو الجمسية...(2)
و يقول في كتاب "كشف الغطا" ايضاً:
الكافر قسمان أولهما: الكافر بالذات وهو كافر باللّه تعالى أو نبيه...
القسم الثاني ما يترتب عليه الكفر بطريق الاستلزام كإنكار بعض الضروريات الإسلامية والمتواترات عن سيّد البرية كالقول بالجبر والتفويض والإرجاء والوعيد وقدم العالم وقدم المجردات والتجسيم والتشبيه بالحقيقة والحلول والاتحاد ووحدة الوجود أو الموجود أو الاتحاد الخ.(3)
و يقول العلامه الوحيد البهبهاني رحمه الله:
لا شك أن هذا الاعتقاد كفر وإلحاد وزندقة ومخالف لضروريّ الدين.(4)
ص: 129
و يقول في موضع آخر:لا يخفى أن كفرهم أظهر وأعظم من كفر إبليس عند أرباب البصيرة لأنهم ينكرون المغايرة والمباينة بين الخالق والمخلوق، وبطلان هذا القول من الضروريات والبديهيات عند جميع المذاهب والملل.(1)
و يقول آية الله السيد محمد كاظم اليزدي رحمه الله في العروة الوثقى:
القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد.(2)
و يقول الشيخ "عبدالنبي العراقي" في كتاب "معالم الزلفى":
إن "وحدة الوجود" يطلق على أنحاء وقد ذكر هادي السبزواري أنها تطلق على أربعة أوجه وجعل بعضها توحيد العوام وبعضها توحيد الخواص وبعضها توحيد خاص الخاص وبعضها توحيد أخص الخواص.
فيا ليت شعري إذا كان الأمر كما يزعمون فمن العابد ومن المعبود؟ ومن الخالق ومن المخلوق؟ ومن الآمر ومن المأمور؟ ومن الناهي ومن المنتهي؟ ومن الراحم ومن المرحوم؟ ومن المثاب ومن المعاقب؟ ومن المعذب ومن المعذب؟ ومن الواجب ومن الممكن؟ إلى غير ذلك من الكفريات الّتي أنكرها الشرايع برمتهم وخلاف ضرورة كل الشرايع. مع أنهم ( أي الصوفية ) طراً قائلين بوحدة الوجود ومعناه: "أن في الخارج ليس إلا وجود واحد وهو
ص: 130
عين الأشياء"، ويلزم أن يكون المبدأ عز اسمه عين الحيوانات النجسة، وعين القاذورات وهكذا، تعالى اللّه عما يصف الظالمون، ألا لعنة اللّه على الظالمين. إلى غير ذلك من لوازم المسألة فخذلهم اللّه فأنّى يوفكون، فما قدروا اللّه حق قدره. فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ولذا قال الشيخ قدس سره في طهارته في أمثال المقام بعين العبارة: "إن السيرة المستمرة من الأصحاب قده في تكفير الحكماء المنكرين لبعض الضروريات ولولا يرجع إلى إنكار النبي ".
فلا ريب في كفر القائل ونجاسته ولو إذا التزموا بأحكام الإسلام إذ ثبوت الكفر في أصول الدين من العقائد الخبيثة الملعونة، والاعتقاد بها والالتزام بها والإذعان لا يفيد الالتزام بأحكام الإسلام لو أراد بها الفروع، ولو أراد بها الاُصول فهما ضدان أو متناقضان كيف يمكن الالتزام وهل الخلف إلا ذلك.
فالأقوى أن القائل بها خارج عن ربقة الإسلام، ورجس ونجس، وقول الماتن ( أي صاحب العروة ) من ذهابه إلى عدم نجاستهم فرض فرضه لا وجود له في الخارج فكأنه قده أراد التستر مع وضوح المسألة ولذا قال: إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم الفاسدة.(1)
و يقول آية الله المحقق الخوئي قدس سره:القائل بوحدة الوجود إن أراد... من وحدة الوجود ما يقابل الأوّل وهو: أن يقول بوحدة الوجود والموجود حقيقة، وأنّه ليس هناك في الحقيقة إلاّ
ص: 131
موجود واحد، ولكن له تطورات متكثرة واعتبارات مختلفة لأنّه في الخالق وخالق، وفي المخلوق مخلوق، كما أنّه في السّماء سماء، وفي الأرض أرض وهكذا، وهذا هو الّذي يقال له توحيد خاص الخاص... وحكى عن بعضهم أنّه قال: "ليس في جبتي سوی اللّه"... فإنّ العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام، وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدّعى اختلافهما بحسب الاعتبار؟! كيف كان فلا إشكال في أنّ الالتزام بذلك كفر صريح وزندقه ظاهرة لأنّه إنكار للواجب والنبى حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ إلا بالاعتبار وهكذا النبي وأبو جهل مثلاً متحدان في الحقيقة علی هذا الأساس وانّما يختلفان بحسب الاعتبار.(1)
و يقول آية الله "السيد السبزواري" رحمه الله في "مهذب الاحكام":
أما القائلون بوحدة الوجود... منها: الوحدة في عين الكثرة أو وحدة الوجود وكثرة الموجود. ولا ريب في أن اللّه تبارك وتعالى منزّه عن هذه التصورات ولكن الظاهر عدم رجوعهما إلى إنكار الضروري. ومنها: الوحدة الواقعيةالشخصية بأن يكون اللّه تبارك وتعالى عين الكل والكل عينه تعالى... لا ريب في أنّه إنكار للضروري.(2)
و يقول آية الله "النجفي المرعشي" في تعليقات "احقاق الحق":
ص: 132
عندي أن مصيبة الصوفية علی الإسلام من أعظم المصائب، تهدمت بها أركانه، وانثلمت بنيانه، وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجوّل في مضامير كلماتهم والوقوف علی ما في خبايا مطالبهم والعثور علی مخبيّاتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سری إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاووس والزهري وجنيد ونحوهم، ثم سری منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم، وعلت رايتهم بحيث ما أبقوا حجرا علی حجر من أساس الدين، اوّلوا نصوص الكتاب والسنة، وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية، والتزموا بوحدة الوجود بل الموجود، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة علی الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤساؤهم، والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي، شارعا من يمين القلب، خاتما بيساره، معبرا عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة، والتنزّل من القوس الصعودي إلى النزولي اُخری، وبالعكس معبرا عنهبالسفر من الخلق إلى الحق، والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي اُخری، فيا للّه من هذه الطامات...(1)
ويقول اية الله الشيخ محمد جواد الخراساني قدس سره في كتاب "هداية الأمة إلى معارف الأئمة":
وبعد ذا التّفصيل في إبطالها *** ليس مجال الرّيب في ضلالها
واتّضح الحقُّ لمن تقبّلهُ *** من يضلل اللّه فلا هادي له
ص: 133
فاشهد بكفرالقول ان لم تشهد *** بكفر بعض من تراه الأوحدي
فقل بانّ القول كفر وردي *** وشُبّهَ الحقّ علی مَن اهتدي
والحق عن تعصُّب لا تدعا *** فانّه أحقُّ أن يُتَّبَعا
لا تكتُمِ العلمَ ولا الشّهادة *** فى حجةٍ ولو على جرادة
و قال في شرح هذه الاشعار:
وبعد ذا التفصيل في إبطالها أي إبطال مقالة وحدة الوجود، ليس مجال الرّيب في ضلالها، ولعمري! إنّ ظهور كفرها، أظهر من كفر إبليس، واتّضح الحق لمن تقبّله، ولم ينكل عنه، ولكن من يضلل اللّه فلا هادي له، فاشهد بكفر القول خاصة، إن لم تشهد بكفر بعض من تراه الأوحدي، تعلّلاً بأن كفر القول لا يستلزم كفر القائل.
وهذه وصيّة مني لمن ظهر لديه الحق، بأن لا يستنكف عن الحكم بكفر هذه المقالة. فإنّ كثيراً ممّن عرف الحق، وعرف كفرها، يتزلزل في الحكم بكفرهاصريحاً، وذلك لأنّهم يرون كثيراً ممّن يذعنون بتشيّعهم، وهم الأوحديّون في العلوم والفنون، قد ابتلوا بهذه الفتنة، ويعظم عليهم تكفير هؤلاء، فيستنكفون عن الحكم الصريح، مخافة أن ينقض عليهم بأمثالهم، أو يشملهم، فكانوا قد استخفوا بإجلالهم وفيهم من يتأبّى عن الشهادة تعصّباً، وذلك أخزى، فيفرق بين الشيعة وغير الشيعة « تلك اذاً قسمة ضيزى »(1)
وقد تكلّفت للأولين سبيلاً للتخلّص عن هذه الوسوسة فقلت: فإن لم تشهد بكفر القائل، فقلت: فقل: بأنّ القول في نفسه، كفر وردی، ولكن شبّه الحق علی من
ص: 134
اهتدی، فإنّ الحدود تدرء بالشّبهات. ومع ذلك لي فيه(1) نظر، فانّ شبهة الكفر ليس كسائر الشّبهات ممّا يعذر صاحبها.
وأمّا المتعصّبون، فقد أنذرتهم بقولي: والحق عن تعصّب لا تدعا، فانّه أحقّ أن يتّبعا بأن يراعى حقّه، يعنى أن الحق، أولى بالرّعاية في إظهاره وإعلانه ممّن يدخل في أهل الحق، فيستر عليه بإسراره وكتمانه، فانّ في كتمان الحق ضرر عظيم وفساد كبير، وإظهاره أيضاً، وإن كان يلازم الضّرر، الاّ أنّه أهون، لأنّ ضرره شخصي، وضرر الكتمان نوعيّ، لما فيه من أغراء العوام بالجهل وشيوع بقولي: لا تكتم العلم ولا الشهادة في حجّة ولو علی جرادة، أي ولو كان العلم والشهادة في أمر جرادة، قال اللّه تعالى:
« إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للنّاس في الكتاب اولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم الّلاعنون »(1) وقال « لا تلبسوا الحق بالباطلوتكتموا الحق وأنتم تعلمون »(2) وقال: « واقيموا الشّهادة للّه »(3) وقال: « ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثمّ قلبه »(4) وقال: « ومن أظلم ممّن كتم شهادة عنده من اللّه ومااللّه بغافل عمّا تعلمون »(5) وقال: « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين »(6)
ص: 135
التعريف بالكتب العقائدية
كتاب اوائل المقالات و شرح عقائد الصدوق
هما: نجمان ساطعان و فرقدان لامعان و سفران قيمان من السفار الجليلة، و الكتب النفسية، و كلاهما لمولانا الامام الكبير شيخ المشايخ العلماء حجة الاسلام آية الله ابو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المعروف بالشيخ المفيد المتوفی سنة 413 هجرية قدس الله روحه.
و هذان السفران الجليلان، و النيران الساطعان قد دحضا حجج الخصوم، و غبرا في وجوه دعاة الاباطيل بما تضمناه من الحجج العقلية، و الصحاح النقلية بحيث ظهر بهما مشرقا اشراق رائعة النهار صدق دعوی الشيعة الامامية علی كل فرقة من الفرق الاسلامية.فهذان الكتابان يوقفان من اراد الاطلاع علی عقائد الشيعة ويعرفانه جلية حالهم بنصاعة و وضوح لانهما من الكتب المعتبرة التي يصح الاعتماد عليها و الاحتجاج بها. و مثل هذين الكتابين ينبغی لمن اراد ان يكتب عن الشيعة او يتحدث عن مذهبهم ان يرجع اليهما و يعتمد عليهما لا ان ياتي الی كتب المغرضين، و الكتب المدسوسة علی الشيعة فياخذ بها و ينتزع منها البهت و التزوير فترمی به هذه الطائفة المؤمنة.
ص: 136